١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها، وفي شرح أحوال من يؤمن بها. فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية. واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة: الصفة الأولى: قوله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذا الرجاء قولان: القول الأول: وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه: لا يخافون البعث، والمعنى: أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها. والدليل على تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] وقوله: { أية : وَهُمْ مّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } تفسير : [الأنبياء: 49] وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى: { أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] قال الهذلي: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : والقول الثاني: تفسير الرجاء بالطمع، فقوله: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } أي لا يطمعون في ثوابنا، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس، كما قال: { أية : قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلاْخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّـٰرُ } تفسير : [الممتحنة:13] واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز، ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره ألبتة، والدليل عليه أن لقاء الله إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى رحمته. فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات، فالعاقل كيف لا يرجوه، وكيف لا يتمناه؟ وإن كان الثاني فكذلك، لأن كل أحد يرجو من الله تعالى أن يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته، وإذا كان كذلك فكل من آمن بالله فهو يرجو ثوابه، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر. المسألة الثانية: اللقاء هو الوصول إلى الشيء، وهذا في حق الله تعالى محال، لكونه منزهاً عن الحد والنهاية، فوجب أن يجعل مجازاً عن الرؤية، وهذا مجاز ظاهر. فإنه يقال: لقيت فلاناً إذا رأيته، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل. واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوى لمعانها، وذلك هو الرؤية، وهي من أعظم السعادات. فمن كان غافلاً عن طلبها معرضاً عنها مكتفياً بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين. الصفة الثانية: من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا }. واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه في طلبها. والصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الحج: 35] ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى: { أية : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية: {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى. المسألة الثانية: مقتضى اللغة أن يقال: واطمأنوا إليها، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض، فلهذا السبب قال: {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا }. والصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ } والمراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى. بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية. واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال: {أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: النيران على أقسام: النار التي هي جسم محسوس مضيء محرق، صاعداً بالطبع، والإقرار به واجب، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة أن الإقرار بالجنة والنار حق. القسم الثاني: النار الروحانية العقلية، وتقريره أن من أحب شيئاً حباً شديداً ثم ضاع عنه ذلك الشيء بحيث لا يمكنه الوصول إليه، فإنه يحترق قلبه وباطنه، وكل عاقل يقول: إن فلاناً محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك المحبوب. وألم هذه النار أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة. إذا عرفت هذا فنقول: إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات وكانت غافلة عن حب عالم الروحانيات، فإذا مات ذلك الإنسان وقعت الفرقة بين ذلك الروح وبين معشوقاته ومحبوباته، وهي أحوال هذا العالم، وليس له معرفة بذلك العالم ولا إلف مع أهل ذلك العالم، فيكون مثاله مثال من أخرج من مجالسة معشوقه وألقي في بئر ظلمانية لا إلف له بها، ولا معرفة له بأحوالها، فهذا الإنسان يكون في غاية الوحشة، وتألم الروح فكذا هنا، أما لو كان نفوراً عن هذه الجسمانيات عارفاً بمقابحها ومعايبها وكان شديد الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، عظيم الحب لله، كان مثاله مثال من كان محبوساً في سجن مظلم عفن مملوء من الحشرات المؤذية والآفات المهلكة، ثم اتفق أن فتح باب السجن وأخرج منه وأحضر في مجلس السلطان الأعظم مع الأحباب والأصدقاء، كما قال تعالى { أية : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69] فهذا هو الإشارة إلى تعريف النار الروحانية والجنة الروحانية. المسألة الثانية: الباء في قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } مشعر بأن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول هذا العذاب ونظيره قوله تعالى: { أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلعَبِيدِ }. تفسير : [الحج:10]
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} «يرجون» يخافون؛ ومنه قول الشاعر:شعر : إذا لسعتْه النحل لم يَرْجُ لَسْعَها وخالفها في بَيْت نُوبٍ عواسل تفسير : وقيل يرجون يطمعون؛ ومنه قول الآخر:شعر : أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا تفسير : فالرجاء يكون بمعنىٰ الخوف والطمع؛ أي لا يخافون عقاباً ولا يرجون ثواباً. وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيماً لهما. وقيل: يجري اللقاء على ظاهره، وهو الرؤية؛ أي لا يطمعون في رؤيتنا. وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجَحْد؛ كقوله تعالىٰ: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13]. وقال بعضهم: بل يقع بمعناه في كل موضع دلّ عليه المعنىٰ. قوله تعالىٰ: {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} أي رَضُوا بها عوضاً من الآخرة فعملوا لها. {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي فرحوا بها وسكنوا إليها، وأصل ٱطمأن طأمن طُمأنينة، فقدّمت ميمه وزيدت نون وألف وصل، ذكره الغَزْنوِيّ. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا} أي عن أدلتنا {غَافِلُونَ} لا يعتبرون ولا يتفكرون. {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ} أي مثواهم ومقامهم. {ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي من الكفر والتكذيب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة، ولا يرجون في لقائه شيئاً، ورضوا بهذه الحياة الدنيا، واطمأنت إليها نفوسهم. قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها، وهم غافلون عن آيات الله الكونية، فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } بالبعث {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بدل الآخرة لإِنكارهم لها {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } سكنوا إليها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا } دلائل وحدانيتنا {غَٰفِلُونَ } تاركون النظر فيها.
الشوكاني
.تفسير : شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد، ومن يؤمن به، وقدّم الطائفة التي لم تؤمن، لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حيّ طول حياته، فيتسبب عن إهمال النظر، والتفكر الصادق: عدم الإيمان بالمعاد، ومعنى الرجاء هنا الخوف، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوبٍ عواسلِ تفسير : وقيل {يرجون}: يطمعون. ومنه قول الشاعر:شعر : أترجو بني مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : فالمعنى على الأوّل: لا يخافون عقاباً. وعلى الثاني: لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى: لا يخافون رؤيتنا، أو لا يطمعون في رؤيتنا. وقيل: المراد بالرجاء هنا: التوقع، فيدخل تحته الخوف والطمع، فيكون المعنى: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } لا يتوقعون لقاءنا، فهم لا يخافونه، ولا يطمعون فيه {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: رضوا بها عرضاً عن الآخرة، فعملوا لها {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } أي: سكنت أنفسهم إليها، وفرحوا بها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ } لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون فيها {أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ } أي: مثواهم، ومكان إقامتهم النار، والإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة من عدم الرجاء، وحصول الرضا والاطمئنان، والغفلة {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي: بسبب ما كانوا يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد فهذا حال الذين لا يؤمنون بالمعاد. وأما حال الذين يؤمنون به، فقد بيّنه سبحانه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: فعلوا الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع منهم من التفكر والاعتبار، فيما تقدّم ذكره من الآيات {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } التي يقتضيها الإيمان. وهي ما شرعه الله لعباده المؤمنين {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أي: يرزقهم الهداية بسبب هذا الإيمان المضموم إليه العمل الصالح، فيصلون بذلك إلى الجنة، وجملة: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } مستأنفة، أو خبر ثان، أو في محل نصب على الحال. ومعنى {من تحتهم}: من تحت بساتينهم، أو من بين أيديهم؛ لأنهم على سرر مرفوعة. وقوله: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } متعلق بتجري أو بـ {يهديهم}، أو خبر آخر أو حال من {الأنهار}. قوله: {دَعْوَاهُمْ } أي: دعاؤهم ونداؤهم، وقيل: الدعاء العبادة، كقوله تعالى: {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 48] وقيل معنى {دعواهم} هنا: الادّعاء الكائن بين المتخاصمين، والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه من المعايب والإقرار له بالإلٰهية. قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه: طريقتهم وسيرتهم، وذلك أن المدّعي للشيء مواظب عليه، فيمكن أن تجعل الدعوى كناية عن الملازمة، وإن لم يكن في قوله: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } دعوى ولا دعاء؛ وقيل معناه: تمنيهم كقوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يۤس: 57] وكأن تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، وهو مبتدأ وخبره {سبحانك اللهم}، و {فِيهَا } أي: في الجنة. والمعنى على القول الأوّل: أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح الله وتقديسه، والمعنى: نسبحك يا الله تسبيحاً. قوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } أي: تحية بعضهم للبعض. فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، أو تحية الله أو الملائكة لهم، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول. وقد مضى تفسير هذا في سورة النساء، قوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي: وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين. قال النحاس: مذهب الخليل أن «أن» هذه مخففة من الثقيلة. والمعنى: أنه الحمد لله. وقال محمد بن يزيد المبرد: ويجوز أن تعملها خفيفة عملها ثقيلة. والرفع أقيس، ولم يحك أبو عبيد إلا التخفيف. وقرأ ابن محيصن بتشديد أنّ ونصب الحمد. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قال: مثل قوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } تفسير : [هود: 15] الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، أيضاً في قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } قال: يكون لهم نور يمشون به. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } قال: حدّثنا الحسن قال: بلغنا أن رسول الله قال: «حديث : إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرىء صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة؛ وأما الكافر، فإذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرىء سوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار»تفسير : ، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله: «حديث : إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم» تفسير : وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي الهذيل، قال: الحمد أوّل الكلام وآخر الكلام، ثم تلا: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} فيه تأويلان: أحدهما: لا يخافون عقابنا. ومنه قول الشاعر: شعر : إِذَا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ تفسير : الثاني: لا يطمعون في ثوابنا، ومنه قول الشاعر: شعر : أَيَرْجُوا بَنُوا مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيْمٌ وَالْفَلاَةُ وَرَائِيَا
ابن عطية
تفسير : قال أبو عبيدة وتابعه القتبي وغيره، {يرجون} في هذه الآية بمعنى يخافون واحتجوا ببيت أبي ذؤيب: [الطويل] شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل تفسير : وحكى المهدوي عن بعض أهل اللغة وقال ابن سيدة والفراء: إن لفظة الرجاء إذا جاءت منفية فإنها تكون بمعنى الخوف، وحكي عن بعضهم أنها تكون بمعناها في كل موضع تدل عليه قرائن ما قبله وما بعده، فعلى هذا التأويل معنى الآية: إن الذين لا يخافون لقاءنا، وقال ابن زيد: هذه الآية في الكفار، وقال بعض أهل العلم: " الرجاء " في هذه الآية على بابه، وذلك أن الكافر المكذب بالبعث ليس يرجو رحمة في الآخرة ولا يحسن ظناً بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة أمل، فإنه لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة خوف، وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة، والذي أقول: إن الرجاء في كل موضع على بابه وإن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها فهو يبني عليه ويصبر إذ يعلم أنه لا بد منه، وقوله {ورضوا بالحياة الدنيا } يريد كانت آخر همهم ومنتهى غرضهم، وأسند الطبري عن قتادة أنه قال في تفسير هذه الآية: إذا شئت رأيت هذا الموصوف، صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ولها يهتم ويحزن، فكأن قتادة صورها في العصاة ولا يترتب ذلك إلا مع تأول الرجاء على بابه، إذ قد يكون العاصي المجلح مستوحشاً من آخرته، فأما على التأويل الأول فمن لا يخاف لقاء الله فهو كافر، وقوله {واطمأنوا بها } تكميل في معنى القناعة بها والرفض لغيرها وأن الطمأنينة بالشيء هي زوال التحرّك إلى غيره، وقوله {والذين هم عن آياتنا غافلون} يحتمل أن يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى من الكفار وهؤلاء على هذا التأويل أضل صفقة لأنهم ليسوا أهل دنيا بل غفلة فقط، ثم حتم عليهم بالنار وجعلها {مأواهم }، وهو حيث يأوي الإنسان ويستقر، ثم جعل ذلك بسبب كسبهم واجتراحهم، وفي هذه اللفظة رد على الجبرية ونص على تعلّق العقاب بالتكسب الذي للإنسان، وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا }. الآية لما قرر تبارك وتعالى حالة الفرقة الهالكة عقب ذلك بذكر حالة الفرقة الناجية ليتضح الطريقان ويرى الناظر فرق ما بين الهدى والضلال، وهذا كله لطف منه بعباده، وقوله {يهديهم } لا يترتب أن يكون معناه يرشدهم إلى الإيمان لأنه قد قررهم مؤمنين فإنما الهدى في هذه الآية على أحد وجهين: إما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم، كما قال {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا} تفسير : [النساء: 136] فإنما معناه اثبتوا، وإما أن يريد يرشدهم إلى طرق الجنان في الآخرة، وقوله: {بإيمانهم } يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم ويكون مقابلاً لقوله قبل {مأواهم النار بما كانوا يكسبون }، ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى، أي يهديهم إلى طرق الجنة بنور إيمانهم، قال مجاهد: يكون لهم إيمانهم نوراً يمشون به ويتركب هذا التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة، وبعكس هذا في الكافر " تفسير : ، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره وقوله {تجري من تحتهم الأنهار } يريد من تحت علياتهم وغرفهم وليس التحت الذي هو بالمما سة بل يكون إلى الناحية من الإنسان كما قال تعالى: {أية : جعل ربك تحتك سرياً} تفسير : [مريم:24] وكما قال حكاية عن فرعون {أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي } تفسير : [ الزخرف: 51] وقوله {دعواهم } الآية، الدعوى بمعنى الدعاء يقال دعا الرجل وادعى بمعنى واحد، قاله سيبويه، {وسبحانك اللهم } تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله عن كل ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلمات رضيها الله تعالى لنفسه، وقال طلحة بن عبيد الله: قلت يا رسول الله، ما معنى سبحان الله؟ فقال: معناها تنزيه الله من السوء، وقد تقدم ذكر خلاف النحاة في {اللهم}، وحكي عن بعض المفسرين أنهم رأوا أن هذه الكلمة إنما يقولها المؤمن في الجنة عندما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى طائراً أو غير ذلك قال: {سبحانك اللهم } فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما اشتهى، رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة، وقوله {وتحيتهم فيها سلام } يريد تسليم بعضهم على بعض، و" التحية " مأخوذة من تمني الحياة للإنسان والدعاء بها، يقال حياه يحييه، ومنه قول زهير بن جناب: [مجزوء الكامل ] شعر : من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية تفسير : يريد دعاء الناس للملوك بالحياة، وقد سمي الملك تحية بهذا التدريج ومنه قول عمرو بن معديكرب: شعر : أزور أبا قابوس حتى أنيخ على تحيته بجندي تفسير : أراد علي مملكته وقال بعض العلماء {وتحيتهم} يريد أن تسليم الله عز وجل عليهم، و" السلام" مأخوذ من السلامة، وقوله {وآخر دعواهم } يريد وخاتمة دعواهم في كل موطن وكلامهم شكر الله تعالى وحمده على سابغ نعمه، وكانت بدأتهم بالتنزيه والتعظيم، وقرأ جمهور الناس " أن الحمد لله " وهي عند سيبويه " أن " المخففة من الثقيلة، وقرأ ابن محيصن وبلال بن أبي بردة ويعقوب وأبو حيوة " أنّ الحمد لله "، وهي على الوجهين رفع على خبر الابتداء، قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة هي أن المخففة من الثقيلة بمنزلة قول الأعشى: [البسيط ] شعر : في فتية كسيوف الهند قد علموا أنْ هالك كلُّ من يحفى وينتعل
ابن عبد السلام
تفسير : {يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يخافون عقابنا، أو يطمعون في ثوابنا.
النسفي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } لا يتوقعونه أصلاً ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم عن التفطن للحقائق أو لا يأملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها فبنوا شديداً وأملوا بعيداً {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ } لا يتفكرون فيها، ولا وقف عليه لأن خبر «إن» {أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } فـ {أولئك} مبتدأ و«مأواهم» مبتدأ ثان و«النار» خبره والجملة خبر أولئك والباء في {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يتعلق بمحذوف دل عليه الكلام وهو جوزوا {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } بياناً له وتفسيراً، إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، ومنه الحديث «حديث : إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار»تفسير : وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال: {بإيمانهم} ولم يضم إليه العمل الصالح {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } متعلق بـ {تجري} أو حال من {الأنهار} {دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } أي دعاؤهم لأن {اللهم} نداء لله ومعناه: اللهم إنا نسبحك أي يدعون الله بقولهم {سبحانك اللهم} تلذذا بذكره لا عبادة {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام أو هي تحية الملائكة إياهم، وأضيف المصدر إلى المفعول أو تحية الله لهم { وَءَاخِرُ دَعْوٰهُمْ} وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح {أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أن يقولوا الحمد الله رب العالمين {أن} مخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد لله رب العالمين، والضمير للشأن. قيل: أو كلامهم التسبيح وآخره التحميد فيبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بالشكر والثناء عليه ويتكلمون بينهما بما أرادوا
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} الآية. لمَّا ذكر الدَّلائل القاهرة على إثبات الإلهيَّة، وعلى صحَّة القول بالمعاد، والحَشْرِ، والنَّشْرِ، شرح بعده أحوال من يكفُر بها، ومن يؤمن بها؛ فأما شرح أحوال الكُفَّار، فهو المذكور في هذه الآية، وصفهم فيها بأربع صفاتٍ: الأولى: قوله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}. قال ابن عبَّاس، ومقاتل، والكلبي: معناه: لا يخافون البعث؛ لأنَّهم لا يؤمنون به، والرَّجاء: الخوف؛ لقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}تفسير : [النازعات:45]، وقوله: {أية : وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}تفسير : [الأنبياء:49]، وقوله: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}تفسير : [نوح:13]؛ وقال الهذليُّ: [الطويل] شعر : 2878- إذَا لسَعَتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لسْعَهَا وخَالفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ تفسير : وقال الزَّجَّاج: الطَّمع؛ والمعنى: لا يطمعُون في ثوابنا، واعلم أنَّ اللِّقاء: هو الوصول إلى الشيء، وهذا في حقِّ الله - تعالى - محالٌ؛ لأنه مُنَزَّهٌ عن الحدِّ؛ فوجب أن يكون مجازاً عن الرُّؤية؛ فإنه يقال: لقيتُ فُلاناً، إذَا رأيْتَهُ. الصفة الثانية: قوله: {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}، وهذه إشارة إلى استغراقهم في طلب اللَّذاتِ الجسمانيَّة. والصفة الثالثة: قوله: "وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا" يجوز أن يكون عطفاً على الصِّلة، وهو الظاهرُ، وأن تكون الواو للحال، والتقدير: وقد اطمأنُّوا. وهذه صفةُ الأشقياء، وهي أن تحصل لهم الطُّمأنينة في حُبِّ الدُّنْيا والاشتغال بلذَّاتها، فيزول عن قُلُوبهم الوجلُ، فإذا سمعُوا الإنذارَ والتَّخويفَ لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله - تعالى -، وهذا بخلاف صفة السُّعداء، فإنَّهم يحصُلُ لهم الوجل عند ذكر الله - تعالى -، كما قال: {أية : إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الأنفال:2]، ثُمَّ إذا قويت هذه الحالةُ اطمأنُّوا بذكر الله، كما قال: {أية : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد:28]. ومقتضى اللُّغة أن يقال: واطمأنُّوا إليها، إلاَّ أنَّ حروف الجرِّ يحسن إقامة بعضها مقام البعض. الصفة الرابعة: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}. يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، بمعنى أنَّهم جامعُون بين عدم رجاء لقاءِ الله وبين الغفلة عن الآياتِ، والمراد بالغفلة الإعراض، وأن يكون هذا الموصولُ غير الأولِ، فيكون عطفاً على اسم "إنَّ"، أي: إنَّ الذين لا يَرْجُون، وإنَّ الذين هُمْ. و "أولئك" مبتدأ، و "مَأواهُمُ" مبتدأ ثانٍ، و "النَّار" خبر هذا المبتدأ الثاني، والثاني وخبره خبر "أولئك"، و "أولئك" وخبره خبر "إنَّ الذينَ"، و "بِمَا كَانُوا" متعلِّقٌ بما تضمَّنتهُ الجملةُ من قوله: "مَأواهُمُ النَّارُ" والباءُ سببيَّةٌ، و "ما" مصدريةٌ، وجيء بالفعل بعدها مضارعاً دلالةً على استمرار ذلك في كلِّ زمان. وقال أبو البقاء: "إن الباء تتعلَّق بمحذوفٍ، أي: جُوزُوا بما كانُوا".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا} الآية. قال: هؤلاء أهل الكفر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} قال: مثل قوله {أية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها} تفسير : [هود: 15] الآية. وأخرج أبو الشيخ عن يوسف بن أسباط قال: الدنيا دار نعيم الظالمين قال: وقال علي بن أبي طالب: الدنيا جيفة فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب.
ابو السعود
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} بـيانٌ لمآل أمرِ مَنْ كفر بالبعث وأعرضَ عن البـينات الدالةِ عليه بعد تحقيقِ أن مرجِعَ الكلِّ إليه تعالى وأنه يعيدهم بعد بدئِهم للجزاء ثواباً وعقاباً وتفصيلِ بعض الآياتِ الشاهدة بذلك، والمرادُ بلقائه إما الرجوعُ إليه تعالى بالبعث أو لقاءُ الحساب كما في قوله عز وعلا: {أية : إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 20] وأياً ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالةِ من تهويل الأمر ما لا يخفى والمرادُ بعدم الرجاءِ عدمُ التوقعِ مطلقاً المنتظمِ لعدم الأملِ وعدمِ الخوف فإن عدمَهما لا يستدعي عدمَ اعتقادِ وقوعِ المأمولِ والخوف أي لا يتوقعون الرجوعَ إلينا أو لقاءَ حسابِنا المؤدِّي إما إلى حسن الثوابِ أو إلى سوء العذابِ فلا يأمُلون الأولَ وإليه أشير بقوله عز وجل: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} فإنه منبىءٌ عن إيثار الأدنى الخسيسِ على الأعلى النفيسِ كقوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [التوبة: 38] ولا يخافون الثانيَ وإليه أشير بقوله تعالى: {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي سكَنوا فيها سكونَ مَنْ لا بَراحَ له منها آمنين مِن اعتراء المزعجاتِ غيرَ مُخطرين ببالهم ما يسوؤهم من عذابنا، وقيل: المرادُ بالرجاء معناه الحقيقيُّ وباللقاء حسنُ اللقاءِ أي لا يأمُلون حسنَ لقائِنا بالبعث والإحياءِ بالحياة الأبدية ورضُوا بدلاً منها ومما فيها من فنون الكراماتِ السنيةِ بالحياة الدنيا الدنيةِ الفانيةِ واطمأنوا بها أي سكَنوا إليها مُكِبّـين عليها قاصرين مجامعَ هِممِهم على لذائذها وزخارفِها من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم، وإيثارُ الباءِ على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الوصولِ والانتهاء للإيذان بتمام الملابسةِ ودوام المصاحبةِ والمؤانسة، وحملُ الرجاءِ على الخوف فقط يأباه كلمةُ الرضا بالحياة الدنيا فإنها مُنبئةٌ عما ذُكر من ترك الأعلى وأخذِ الأدنى، واختيارُ صيغةِ الماضي في الصلتين الأخيرتين للدِلالة على التحقق والتقّررِ كما أن اختيارَ صيغةِ المستقبلِ في الأولى للإيذان باستمرارِ عدم الرجاء. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا} المفصلةِ في صحائف الأكوانِ حسبما أشير إلى بعضها أو آياتِنا المنزلِة المنبّهةِ على الاستشهاد بها المتفقةِ معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتبِ على البعث وعلى بطلان ما رضُوا به واطمأنوا إليه من الحياة الدنيا {غَـٰفِلُونَ} يتفكرون فيها أصلاً وإن نُبّهوا على ذلك وذُكّروا بأنواع القوارعِ لانهماكهم فيما يصُدهم عنها من الأحوال المعدودةِ، وتكريرُ الموصولِ للتوسل به إلى جعل صلتِه جملةً اسميةً منبئةً عما هم عليه من استمرار الغفلةِ ودوامِها، وتنزيلُ التغايرِ الوصفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتي إيذاناً بمغايرة الوصفِ الأخير للأوصاف الأُوَل واستقلالِه باستتباع العذابِ. هذا وأما ما قيل من أن العطفَ إما لتغاير الوصفين والتنبـيهِ على أن الوعيدَ على الجمع بـين الذهولِ عن الآيات رأساً والانهماكِ في الشهوات بحيث لا يخطُر ببالهم الآخرةُ أصلاً وإما لتغاير الفريقين والمرادُ بالأولين من أنكر البعثَ ولم يُرد إلا الحياةَ الدنيا وبالآخِرين مَنْ ألهاه حبُّ العاجل عن التأمل في الآجل فكلامٌ ناءٍ عن السداد فليُتأملْ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} [الآية: 7]. قال: لا يخافون الموقف الأعظم { أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9]. وتظهر الخفايا {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} ركنوا إلى مذموم عيشهم {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} نسوا مفاجأة الموت {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} تقليب القلوب وعقوبات الجوارح.
القشيري
تفسير : أنكروا جوازَ الروّية فَلَمْ يرجوها، والمؤمِنون آمنوا بِجَوَازِ الرؤية فأَمَّلُوها. ويقال: لا يرجون لقاءَه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يُحبُّوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ألاَّ يطلبوه، قال تعالى: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم: 42]. ويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجعوا لأمَّلوا لقاءَه، قال تعالى:{أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 31]. قوله تعالى: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا}: أصحابُ الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فَحُرِمُوا الجنةَ، والزُّهَّادُ والعُبَّاد رَكَنُوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مشْرَبهم، ولكلُّ أحدٍ مقامٌ. ويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءَه فمأواهم العذابُ والفرقة، فدليلُ الخطاب أن الذي يرجو لقاءَه رآه، ومآلُه ومنتهاه الوصلةُ واللقاء والزُّلْفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين لا يرجون لقاءنا} المراد بلقائه تعالى اما الرجوع اليه بالبعث او لقاء الحساب كما في قوله {أية : انى ظننت انى ملاق حسابيه} تفسير : وبعدم الرجاء عدم اعتقاد الوقوع المنتظم لعدم الامل وعدم الخوف فان عدمهما لا يستدعى عدم اعتقاد وقوع المأمول والمخوف اى لا يتوقعون الرجوع الينا او لقاء حسابنا المؤدى اما الى حسن الثواب او الى سوء العذاب فلا يأملون الاول واليه اشير بقوله {ورضوا بالحياة الدنيا} فانه منبئ عن ايثار الادنى الخسيس على الاعلى النفيس ولا يخافون الثانى واليه اشير بقوله {واطمأنوا بها} كما في الارشاد {ورضوا بالحياة الدنيا} من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي {واطمأنوا بها} وسكنوا اليها قاصرين هممهم على لذائذها وزخارفها او سكنوا فيها سكون من لايزعج عنها فبنوا شديدا واملوا بعيدا: يعنى [دردنيا ساكن كستند بر وجهى كه كوييا هركز ايشانرا ازآنجا رحلت نخواهدبودوند انستندكه لحظه بلحظة دست اجل طبل رحيل فروخوا هدكوفت] شعر : آن كيست كه دل نهاد وفارغ بنشست بنداشت كه مهلتى وتأخيرى هست كو خيمه مزن كه ميخ مى بايد كند كو رخت منه كه بار مى بايد بست تفسير : -روى- ان الله تعالى قال "حديث : عجبت من ثلاثة. ممن آمن بالنار ويعلم أنها وراءه كيف يضحك وممن اطمأنت نفسه بالدنيا وهو يعلم انه يفارقها كيف يسكن اليها. وممن هو غافل وليس بمغفول عنه كيف يلهو" تفسير : ونزل النعمان بن المنذر تحت شجرة ليلهو فقال عدى ايها الملك أتدرى ما تقول هذه الشجرة ثم انشأ يقول شعر : رب ركب قد اناخوا حولنا يمزجون الخمر بالماء الزلال ثم اضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر حالا بعد حال تفسير : فتنغص على النعمان يومه كذا في ربيع الابرار {والذين هم عن آياتنا} عن آيات القرآن فيكون المراد الآيات التشريعية او عن دلائل الصنع فيكون المراد الآيات التكوينية {غافلون} لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف لتغاير الوصفين اى للجمع بين الوصفين المتغايرين الانهماك فى لذات الدنيا وزخارفها والذهول عن آيات الله ودلائل المعرفة او لتغاير الذاتين كما قل في التأويلات النجمية ان الذين لا يعتقدون السير الينا والوصول بنا لدناءة همتهم ورضوا بالتمتعات الدنيوية وركنوا الى مالها وجاهها وشهواتها والذين هم عن آياتنا غافلون وان لم يركنوا الى الدنيا وتمتعاتها وكانوا اصحاب الرياضات والمجاهدات من اهل الاديان والملل وهم البراهمة والفسلاسفة والاباحية لكن كانوا معرضين عن متابعة النبى صلى الله عليه وسلم او كانوا من اهل الاهواء والبدع
الطوسي
تفسير : معنى {إن الذين لا يرجون لقاءنا} يحتمل أمرين: احدهما - لا يخافون عقابنا، كما قال الهذلي: شعر : اذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل تفسير : والثاني - أن يكون معناه لا يطمعون في ثوابنا، كما يقال تاب رجاء لثواب الله وخوفاً من عقابه. والملاقاة وإن كانت لا تجوز الا على الاجسام. فانما اضافها إلى نفسه، لان ملاقاة ما لا يقدر عليه إلا الله يحسن ان يجعل لقاء الله تفخيماً لشأنه كما جعل إتيان ملائكته اتياناً لله في قوله {أية : هل ينظرون الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } تفسير : وكما قال {أية : وجاء ربك } تفسير : وانما يريد وجاء امر ربك. ومعنى قوله {ورضوا بالحياة الدنيا} قنعوا بها دون غيرها من خير الاخرة ومن كان على هذه الصفة، فهو مذموم لانقطاعه بها عن الواجب من أمر الله. وقوله {واطمأنوا بها} معناه ركنوا اليها على وجه التمكين فيه، فهؤلاء مكنوا الاحوال الدنيا، فصاحبها يفرح لها ويغتم لها ويرضى لها ويسخط لها. وقوله {والذين هم عن آياتنا غافلون} معناه الذين يذهبون عن تأمل هذه الايات ولا يعتبرون بها. والغفلة والسو نظائر، وهو الذهاب المعنى عن القلب بما يضاده وقد تستعمل الغفلة في التعرض لها، ولذلك يقولون: تغافل ولا يقولون مثله في السهو.
الجنابذي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} جواب لسؤالٍ ناشٍ عن تعليق الآيات على العلم والتّقوى، وعدم رجاء اللّقاء كناية عن عدم العلم فانّ العالم بالله طالب للقائه والطّالب راجٍ كما انّ قوله {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} كناية عن عدم التّقوى لانّ الاطمينان بالحياة الدّنيا مضّر بالحياة العليا ومفنيها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} من قبيل عطف المسبّب على السّبب.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ لا يرْجُون لقاءَنا} أى لا يطمعون أن يلقونا على خيرٍ وثواب لإنكارهم البعث، فهم لا يعلمون ليصلوا الخير والثواب، وهذا أولى من تفسير الرجاء بالخوف أو التوقع. {ورَضُوا بالحَياةِ الدُّنيا} من الآخرة فهم فى طلبها معرضين عن الآخرة لإنكارهم إياها {واطْمأنُّوا بها} سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها، فبنوا شديداً، وأملوا بعيداً، أو سكنوا إليها، وقصروا هممهم على لذائذها وزخارفها. {والَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتنا غَافِلُونَ} لا يتفكرون فيها، لانهماكهم فيما يضادها، والآية دالة على التوحيد كلها، وعن ابن عباس: محمد والقرآن، والعطف من عطف الصفة على أخرى لموصوف واحد، كقولك: جاء زيد الكريم والعالم، تُريد جاء زيد الذى هو كريم عالم، فيكون ذلك وعيداً على الجمع بين إنكار البعث والانهماك فى الشهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم، وبين الإعراض عن الآيات أصلا، أو من عطف ذات على أخرى، فالأولون من أنكروا البعث، والآخرون من آمن به، وألهاه أمر الدنيا عن التفكر فى الآيات والاستعداد له.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} لا يطمعون فى خير الآخرة لأَنهم لم يعملوا لها فضلا عن أَن يرجوه لإِنكارهم البعث، أَو لا يتوقعون بمعنى ينتظرون بحيث يشمل الخير والشر، أَو لا يخافون لقاءَنا لإِنكارهم البعث فضلا عن أَن يحذروا العذاب، والرجاء بمعنى الخوف أَو التوقع، مجاز وما ذكرته بمعنى الطمع أَولى لبقائِه على ظاهره مع صحة المعنى ومناسبته لقوله {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} لأَن الحاصل أَنهم لم يطمعوا فى أَجر الآخرة واستبدلوه بلذة الدنيا وسكنوا إِليها وذهلوا عنه بها، وليس التوقع أَشد مناسبة لمقام كما يتوهم، وإِطلاق الاطمِئْنان على السكون إِليها إِطلاق لمقيد على المطلق فإِن حقيقة الاطمئنان السكون بعد الانزعاج، والباء بمعنى إلى واختير لفظ الباءِ للرسوخ ولفظ إِلى لمجرد الوصول، أَو الباءُ بمعنى فى، وأَجاز بعض أَن يكون المعنى سكنوا فيها سكنى من لا يخاف انتقالا {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا} أَى المتلوة والمخلوقة مثل الجبال والسماوات والأَرض، والمتلوة أَيضا مخلوقة {غَافِلُونَ} معرضون لا يتفكرون فيها لأَن قلوبهم مشتغلة بضدها. فشغلهم بالكفر مانعهم هدى. وهؤلاءِ الغافلون الذين لا يرجون، وإِنما عطف لتغاير الصفات إِذ كان عدم الرجاءِ والرضا بالدنيا والاطمئنان بها والغفلة، فالوعيد على تلك الصفات كلها ويجوز أَن يراد بالغافلين من لم ينكر الآخرة ولكن لم يستعد لها كأَهل الكتاب وفسقة الموحدين.
الالوسي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} بيان لمآل أمر من كفر بالبعث المشار إليه فيما سبق، وأعرض عن البينات الدالة عليه، والمراد بلقائه تعالى شأنه إما الرجوع إليه بالبعث أو لقاء الحساب، وأياماً كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من تهويل الأمر ما لا يخفى. والرجاء يطلق على توقع الخير كالأمل وعلى الخوف وتوقع الشر وعلى مطلق التوقع وهو في الأول حقيقة وفي الأخيرين مجاز، واختار بعض المحققين المعنى المجازي الأخير المنتظم للأمل والخوف، فالمعنى لا يتوقعون الرجوع إلينا أو لقاء حسابنا المؤدي إلى حسن الثواب أو إلى سوء العقاب فلا يأملون الأول ولا يخافون الثاني ويشير إلى عدم أملهم قوله سبحانه: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} فإنه منبىء عن إيثار الأدنى الخسيس على الأعلى النفيس وإلى عدم خوفهم قوله عز وجل {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} فإن المراد أنهم سكنوا فيها سكون من لا براح له آمنين من اعتراء المزعجات غير مخطرين ببالهم ما يسوءهم من العذاب، وجوز أن يراد بالرجاء المعنى الأول والكلام على حذف مضاف أي لا يؤملون حسن لقائنا بالبعث والاحياء بالحياة الأبدية ورضوا بدلاً منها ومما فيها من الكرامات السنية بالحياة الدنيا الفانية الدنية وسكنوا إليها مكبين عليها قاصرين مجامع هممهم على لذائذها وزخارفها من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، وجوز أن يراد به المعنى الثاني والكلام على حذف المضاف أيضاً أي لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف، وتعقب بأن كلمة الرضا بالحياة الدنيا تأبـى ذلك فإنها منبئة عما تقدم من ترك الأعلى وأخذ الأدنى، وقال الآمام: إن حمل الرجاء على الخوف بعيد لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ولا يخفى أنه في حيز المنع فقد ورد ذلك في استعمالهم وذكره الراغب والإمام المرزوقي وأنشدوا شاهداً له قول أبـي ذؤيب: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عوامل تفسير : ووجه ذلك الراغب بأن الرجاء والخوف يتلازمان، وأما الاعتراض على الإمام بأن استعمال الضد في الضد جائز في الاستعارة التهكمية فليس بشيء لأن مقصوده رحمه الله تعالى أن ذلك غير جائز في غير الاستعارة المذكورة كما يشعر به قوله تفسير دون استعارة ثم إنه لا يجوز اعتبار هذه الاستعارة هنا لأن التهكم غير مراد كما لا يخفى، ويعلم مما ذكرنا في تفسير الآية أن الباء للظرفية، وجوز أن تكون للسببية على معنى سكنوا بسبب زينتها وزخارفها، واختيار صيغة الماضي في الخصلتين الأخيرتين للدلالة على التحقق والتقرر كما أن اختيار صيغة المستقبل في الأولى للإيذان بالاستمرار. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا} المفصلة في صحائف الأكوان حسبما أشير إلى بعضها أو آياتنا المنزلة المنبهة على الاستدلال بها المتفقة معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتب على البعث وعلى بطلان ما رضوا به واطمأنوا فيه من الحياة الدنيا {غَـٰفِلُونَ} لا يتفكرون فيها أصلاً وإن نبهوا بما نبهوا لانهماكهم بما يصدهم عنها من الأحوال المعدودة، وتكرير الموصول للتوصل به إلى هذه الصلة المؤذنة بدوام غفلتهم واستمرارها والعطف لمغايرة الوصف المذكور لما قبله من الأوصاف وفي ذلك تنبيه على أنهم جامعون لهذا وتلك وأن كل واحد منهما متميز مستقل صالح لأن يكون منشأ للذم والوعيد، والقول بأن ذلك لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً والانهماك في الشهوات بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلاً ليس بشيء إذ يفهم من ظاهره أن كلاً منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع وهو كما ترى، وكونه لتغاير الفريقين بأن يراد من الأولين من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له كأهل الكتاب الذين ألهاهم حب الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد للآخرة بعيد غاية البعد في هذا المقام.
ابن عاشور
تفسير : هذا استئناف وعيد للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعاً بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارة إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم سادرون في غُلوائهم حتى يلاقوا العذاب. وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتَّى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم وَالمصيرَ إليه. ولوقوع هذه الجملة موقع الوعيد الصالح لأن يعلمه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم عدل فيها عن طريقة الخطاب بالضمير إلى طريقة الإظهار، وجيء بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة علة في حُصول الخبر. وقد جُعل عنوان الذين لا يرجون لقاءنا علامة عليهم فقد تكرر وقوعه في القرآن. ومن المواقع ما لا يستقيم فيه اعتبار الموصولية إلا للاشتهار بالصلة كما سنذكر عند قوله تعالى: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا}تفسير : في هذه السورة [15]. والرجاء: ظن وقوع الشيء من غير تقييد كون المظنون محبوباً وإن كان ذلك كثيراً في كلامهم لكنه ليس بمتعيّن. فمعنى: {لا يرجون لقاءنا} لا يظنونه ولا يتوقعونه. ومعنى: {رضوا بالحياة الدنيا} أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة، وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياةً ناقصة فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها، وناهيك بإخبار الصادق بها ونصب الأدلة على تعيّن حصولها، فلهذا جعل الرضى بالحياة الدنيا مذمة ومُلقياً في مهواة الخسران. وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضى بها يكون مقدارُ التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة. وليس ذلك بمقتض الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى والتزود لها. وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية، وأعلاها مقام قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فقلتُ ما لي وللدنيا» تفسير : والاطمئنان: السكون يكون في الجسد وفي النفس وهو الأكثر، قال تعالى: {أية : يا أيتها النفس المطئنة}تفسير : [الفجر: 27]. وقد تقدم تصريف هذا الفعل عند قوله تعالى: {أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : في سورة [البقرة: 260]. ومعنى {اطمئنوا بها} سكنت أنفسهم وصرفوا هممهم في تحصيل منافعها ولم يسعوا لتحصيل ما ينفع في الحياة الآخرة، لأن السكون عند الشيء يقتضي عدم التحرك لغيره. وعن قتادة: إذا شئت رأيت هذا الموصوفَ صاحب دنيا، لها يرضى، ولها يغضب، ولها يفرح، ولها يهتم ويحزن. والذين هم غافلون هم عين الذين لا يرجون اللقاء، ولكن أعيد الموصول للاهتمام بالصلة والإيماء إلى أنها وحدها كافية في استحقاق ما سيذكر بعدها من الخبر. وإنما لم يعد الموصول في قوله: {ورضوا بالحياة الدنيا} لأن الرضى بالحياة الدنيا من تكملة معنى الصلة التي في قوله: {إن الذين لا يرجون لقاءنا}. والمراد بالغفلة: إهمال النظر في الآيات أصلاً، بقرينة المقام والسياق وبما تومىء إليه الصلة بالجملة الاسمية {هم عن آياتنا غافلون} الدالة على الدوام، وبتقديم المجرور في قوله {عن آياتنا غافلون} من كون غفلتهم غفلة عن آيات الله خاصة دون غيرها من الأشياء فليسوا من أهل الغفلة عنها مما يدل مجموعه على أن غفلتهم عن آيات الله دأب لهم وسجية، وأنهم يعتمدونها فتؤول إلى معنى الإعراض عن آيات الله وإباء النظر فيها عناداً ومكابرة. وليس المراد مَن تعرِض له الغفلة عن بعض الآيات في بعض الأوقات. وأعقب ذلك باسم الإشارة لزيادة إحضار صفاتهم في أذهان السامعين، ولما يؤذن به مجيء اسم الإشارة مبتدأ عقب أوصاف من التنبيه على أن المشار إليه جدير بالخبر من أجْل تلك الأوصاف كقوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. والمأوى: اسم مكان الإيواء، أي الرجوع إلى مصيرهم ومرجعهم. والباء للسببية. والإتيان ب(ما) الموصولة في قوله: {بما كسبوا} للإيماء إلى علة الحكم، أي أن مكسوبهم سَبب في مصيرهم إلى النار، فأفاد تأكيد السببية المفادة بالباء. والإتيان بـ(كان) للدلالة على أن هذا المكسوب ديدنهم. والإتيان بالمضارع للدلالة على التكرير، فيكون ديدنهم تكرير ذلك الذي كسبوه.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين لا يرجون لقاءنا} لا يخافون البعث {ورضوا بالحياة الدنيا} بدلاً من الآخرة {واطمأنوا بها} وركنوا إليها {والذين هم عن آياتنا} ما أنزلتُ من الحلال والحرام والشرائع {غافلون}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة. ورضوا بالحياة الدنيا: أي بدلاً عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة. واطمأنوا بها: أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها. غافلون: لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها. مأواهم النار: أي النار هي المأوى الذي يأوون إليه وليس لهم سواها. يهديهم ربهم بإيمانهم: أي بأن يجعل لهم بإيمانهم نوراً يهتدون به إلى الجنة. دعواهم فيها سبحانك اللهم: أي يطلبون ما شاءوا بكلمة سبحانك اللهم. وآخر دعواهم أن الحمد لله: أي آخر دعائهم: الحمد لله رب العالمين. معنى الآيات: بعد تقرير الوحي والأُلوهية في الآيات السابقة ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث الكريمة بيان جزاء كل ممن كذب بلقاء الله فلم يرجُ ثواباً ولم يخشَ عقاباً ورضيَ بالحياة الدنيا واطمأن بها، وممن آمن بالله ولقائه ووعده ووعيده فآمن بذلك وعمل صالحاً فقال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي سكنت نفوسهم إليها وركنوا فعلاً إليها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} أي آياته الكونية في الآفاق والقرآنية وهي حُجج الله تعالى وأدلته الدالة على وجوده وتوحيده ووحيه وشرعه غافلون عنها لا ينظرون فيها ولا يفكرون فيما تدل لإنهماكهم في الدنيا حيث أقبلوا عليها وأعطوها قلوبهم ووجوهم وكل جوارحهم. هؤلاء يقول تعالى في جزائهم {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي من الظلم والشر والفساد. ويقول تعالى في جزاء من آمن بلقائه ورجا ما عنده {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} أي إلى طريق الجنة {بِإِيمَانِهِمْ} أي بنور إيمانهم فيدخلونها {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. ونعيم الجنة روحاني وجسماني فالجسماني يحصلون عليه بقولهم: سبحانك اللهم، فإذا قال أحدهم هذه الجملة "سبحانك اللهم" حضر لديه كل مُشتهى له. والروحاني يحصلون عليه بسلام الله تعالى عليهم وملائكته {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. وإذا فرغوا من المآكل والمشارب قالوا: الحمد لله رب العالمين: وهذا معنى قوله {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} أي دعاؤهم أي صيغة طلبهم {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} أي دعائهم {أَنِ} أي أنه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التحذير من نسيان الآخرة والإقبال على الدنيا والجري وراء زخارفها. 2- التحذير من الغفلة بعدم التفكر بالآيات الكونية والقرآنية إذ هذا التفكير هو سبيل الهداية والنجاة من الغواية. 3- الإِيمان والعمل الصالح مفتاح الجنة والطريق الهادي إليها. 4- نعيم الجنة روحاني وجسماني وهو حاصل ثلاث كلمات هي: سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْحَياةِ} {آيَاتِنَا} {غَافِلُونَ} (7) - إِنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وَلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ، وَاعْتَقَدُوا وَاهِمِينَ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنيا هِيَ مُنْتَهَاهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَهَا حَيَاةٌ، فَاطْمَأَنُّوا بِهَا، وَلَم يَعْمَلُوا لِمَا بَعْدَهَا، وَغَفَلُوا عَنْ آيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلَى البَعْثِ وَالحِسَابِ ...
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والرجاء هو طلب شيء محبوب متوقع، والتمني طلب شيء محبوب إلا أنه غير ممكن الحدوث، ولكنك تعلن بتمنّيك أنه أمر تحبه، مثل من قال: شعر : ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً فأخبِرَهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ تفسير : هو بهذا القول يبين أن الشباب أمر محبوب ومرغوب. لكن هل يتأتى هذا؟ طبعاً لا. إذن: التمني هو طلب شيء محبوب لا يمكن أن يقع؛ ومثل قول الشاعر: شعر : ليتَ الكواكبَ تَدْنُو لي فَأْنْظِمَها عُقُودَ مَدْحٍ فما أرضَى لكُم كَلِمِي تفسير : وهذا غير ممكن. أما الرجاء فهو أن تطلب شيئاً محبوباً من الممكن أن يقع. وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء؛ ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله؛ فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ذلك. وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة. إذن: فالذي يرجو لقاء الله هو الذي يُعدُّ نفسه لهذا اللقاء؛ بأن يتقي الله في أوامره، ويتقي الله في نواهيه؛ ولذلك تمر على الإنسان أحداث شَتّى؛ وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين: حسنات وسيئات، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل، وأية سيئات قد اقترف، ولا يغشُّ أحد نفسه، فإذا ما كان حيّاً فقد يجعله الأمل يكذّب نفسه، ولا يرى إلا ما فات من المغريات. أما إذا جاءته لحظة الغرغرة في الموت، فهو يستعرض كل صفحته. فإن كانت حسنة استبشر وجهه، وإن كانت سيئة اكفهرَّ وجهه، ولذلك يقال: "فلان كانت خاتمته سيئة، وفلان كانت خاتمته متهللة". وهذا كلام صحيح؛ لأن الروح ساعة أن تُقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة فراقها، فإن كان ضاحكاً ومستبشراً، فقد رأى بعضاً مما ينتظره من خير. والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في العافية، فإذا أتى وقت انتهاء الحياة تُعْرَضُ عليه أعماله عَرْضاً سريعاً، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره؛ لأنه يستشرف ما سوف يلقاه من جزاء. وهذا مثل التلميذ حين يكون مُجِدّاً ومجتهداً ثم يقولون له: هناك من جاء لك بالنتيجة؛ فيجري عليه مطمئناً. وإن كان غير مُجِدٍّ؛ لم يجب، ويخاف من لقاء مَنْ يحمل النتيجة. كذلك الذين يرجون لقاء الله؛ عملوا استعداداً لهذا اللقاء وينتظرون الجزاء من الله، أما من لم يعملوا فهم يخافون من لقاء الله ولا يرجونه وسبب ذلك أنهم لم يعملوا للآخرة {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} وكأنهم قد اكتفوا بها ولم يرغبوا في الآخرة. وقد سمى الله هذه الدار اسماً كان يجب بمجرد أن نسمعه ننصرف عنها، فقال: {بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} ولا يوجد اسم أقل من ذلك، والمقابل للحياة الدنيا هي الحياة العليا. والإنسان قد يبحث في عُمْر الدنيا ويقول: إنها تستمر عشرة ملايين من السنين، أو مائة مليون سنة، وقد لا يلتفت إلى أن عمره هو موقوت في هذه الدنيا. إذن: فالدنيا بالنسبة لك هي مقدار عمرك فيها، لا مقدار عمرها الحقيقي إلى أن تقوم الساعة، وماذا تستفيد منها وهي تطول لغيرك؟ إن عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هو مقدار مُكْث الإنسان فيها، وهو مظنون وغير متيقن، وقد يموت وهو في بطن أمه أو يموت وهو ابن شهر، أو ابن سنة، أو بعد أن يبلغ المائة. فالذي يرضي بغير المتيقن قصير النظر. ولذلك انظر إلى القرآن وهو يقول: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [التوبة: 38]. وحتى إن قسْت عُمْر الدنيا من بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة، فهي إلى فناء، وما دامت إلى فناء، فهي متاع قليل، ومن يطمئن إلى هذا المتاع القليل فهو غافل؛ لذلك يُنهي الحق الآية: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} عكس ما قال في الذين يعرفونَ قيمة العمل للآخرة. حين يقول الحق: {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} تفسير : [يونس: 6]. والغفلة: هي ذهاب المعنى عن النفس، فما دام المعنى موجوداً في النفس، فاليقظة توجد، والغفلة تذهب. إذن: الغفلة ذهاب المعنى عن النفس، واليقظة هي استقرار المعنى في النفس. ونحن نعرف أن المعلومات التي يستقبلها الذهن البشري إنما تلتقطها بؤرة الشعور، مثلما تلتقط آلة التصوير الفوتوغرافية أية صورة. وإياك أن تظن أن الإنسان يعرف المعلومة من تكرارها مرتين مثلاً أو أكثر؛ لأن كل الأذهان تتفق في أنها تلتقط المعلومة من مرة واحدة، ويتميز إنسان عن آخر في قدرته على أن يستقبل المعلومة بذهن مستعد لها؛ لأن بورة الشعور لا تلتقط إلا معنى واحداً، ثم يتزحزح المعنى إلى حاشية الشعور؛ لتأتي المعلومة الثانية، فإن استقبلت المعلومة وفي بؤرة شعورك معنى آخر؛ لا تثبت المعلومة؛ لذلك تكرر القراءة مرة واثنتين وثلاث مرات، حتى تصادف المعلومة خُلُوَّ بؤرة الشعور. ومثال هذا: الطالب حين يحاول حفظ قصيدة، فلو كان ذهنه مستعداً لاستقبال القصيدة فهو يحفظها من مرة واحدة. إذن: الذهن كآلة الفوتوغرافيا؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...} تفسير : [الأحزاب: 4]. فإن كنت تريد أن تستقبل معلومة ما، فكُن حريصاً على أن تُفرِّغ ذهنك، من أي معلومة؛ لتأتي المعلومة الجديدة، فتصادف خلاء لبؤرة الشعور؛ فتستقر فيها. والمدرس الناجح هو الذي يلفت أذهان كل التلاميذ لما يقول، وما دامت الأذهان قد التفتت إليه؛ فلن تمر كلمة دون أن يستوعبها التلاميذ، عكس المدرس غير الناجح الذي يؤدي عمله برتابة وركاكة تَصْرف عنه التلاميذ. ونجد المدرس الناجح، وهو يُلفت انتباه تلاميذه ويقطع الدرس؛ ليسأل أي واحد منهم عمَّا قال؛ فيستمع إليه التلاميذ من بعد ذلك بانتباه؛ لأن كل واحد منهم يتوقع أن يُسأل عن المعلومة التي قِيلتْ من قبل. والتلميذ المجتهد هو الذي يقرأ الدرس بعقلية قادرة على مناقشة ما فيه من أساليب ومعلومات، وهو يستصحب حضور الذهن أثناء القراءة، أما التلميذ الفاشل فهو يقرأ دون يقظة أو انتباه. مثال آخر: إن الفلاح الذي ينام على حافة بئر الساقية لا يقع في بئرها؛ لأنه ينام وهو مستصحب لفكرة أنه إن تقلَّب على جنبٍ ما فسوف يقع في البئر. وكذلك الإخوة حين ينام اثنان منهم على سرير واحد، يقوم كل واحد منهما في الصباح وهو مستصحب أن هناك آخر بجانبه، ولكن إذا نام كل منهما في سرير منفصل، فهو يستيقظ ليجد رأسه في ناحية وساقيه في ناحية أخرى، وتسمى هذه عملية الاستصحاب واليقظة، ويقال "فلان يقظ"، وكلمة "يقظ" ضد "نائم"؛ لأن اليقظان يحتفظ بالوعي والانتباه. إذن: فالغفلة هي ذهاب المعنى من النفس وانطماسه، والذين يمرون بالآيات وهم غافلون عنها لن ينتفعوا بشيء من هذه الآيات، ثم تأتي لهم محصلة غفلتهم في الآخرة. ويقول الحق سبحانه عنهم: {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} معناهُ لاَ يَخافونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به { وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بدلا عن الآخرة. { وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها. فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون. { وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة، عن المدلول المقصود. { أُولَئِكَ } الذين هذا وصفهم { مَأْوَاهُمُ النَّارُ } أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها. { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } من الكفر والشرك وأنواع المعاصي، فلما ذكر عقابهم ذكر ثواب المطيعين فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):