١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولاً، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية والدرجات الرفيعة ثانياً، أما أحوالهم وصفاتهم فهي قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } وفي تفسيره وجوه: الوجه الأول: أن النفس الإنسانية لها قوتان: القوة النظرية: وكمالها في معرفة الأشياء، ورئيس المعارف وسلطانها معرفة الله. والقوة العملية: وكمالها في فعل الخيرات والطاعات، ورئيس الأعمال الصالحة وسلطانها خدمة الله. فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله تعالى وقوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى، ولما كانت القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف والرتبة، لا جرم وجب تقديمها في الذكر. الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية قال القفال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي صدقوا بقلوبهم، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله تعالى. الوجه الثالث: {ٱلَّذِينَ آمنوا } أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } أي شغلوا جوارحهم بالخدمة، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال: { أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلاْبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال: { أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } تفسير : [المائدة: 83] ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 41] وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله كما قال: { أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [النمل: 25]. واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربعة. المرتبة الأولى: قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلاْنْهَـٰرُ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } وجوه: الأول: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه: أحدها: قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } تفسير : [الحديد: 12] وثانيها: ما روي أنه عليه السلام قال: « حديث : إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار » تفسير : وثالثها: قال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. ورابعها: وهو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور اتصل به من عالم القدس، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك العالم المقدس، فإن حصل هذا الخط النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور ويرجع إلى عالم القدس، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه. والتأويل الثاني: قال ابن الأنباري: إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات عنهم، كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت، قال القفال: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه. كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، إلا أن حذف الواو وجعل قوله: {تَجْرِى } خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله: والتأويل الثالث: أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمات. المقدمة الأولى: أن العلم نور والجهل ظلمة. وصريح العقل يشهد بأن الأمر كذلك، ومما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين، فاتفق أن فهمها أحدهما وما فهمها الآخر، فإنك ترى وجه الفاهم متهللاً مشرقاً مضيئاً، ووجه من لم يفهم عبوساً مظلماً منقبضاً، ولهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم والإيمان والنور، وعن الجهل والكفر بالظلمات. والمقدمة الثانية: أن الروح كاللوح، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك اللوح. ثم ههنا دقيقة، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه، فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك، فإن الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف والعلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف والعلوم، فإذا احتال وحصل شيء منها، كان حصول ما حصل منها معيناً له على سهولة تحصيل الباقي، وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل، فالنقوش الجسمانية يكون بعضها مانعاً من حصول الباقي، والنقوش الروحانية يكون بعضها معيناً على حصول البقية، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم الجسماني. المقدمة الثالثة: أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك. إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور هذه المعرفة، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد، وكلما كان الاستعداد أقوى وأكمل. كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }. المسألة الثانية: قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلاْنْهَـٰرُ } المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } تفسير : [مريم: 24] وهي ما كانت قاعدة عليها، ولكن المعنى بين يديك، وكذا قوله: { أية : وَهَـٰذِهِ ٱلاْنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِي } تفسير : [الزخرف: 51] المعنى بين يدي فكذا ههنا. المسألة الثالثة: الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضاً من جنس المعارف، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم. بل قال: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة. ثم إذا حصل هذا الاستعداد، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق، ليس إلا الله سبحانه وتعالى. المرتبة الثانية: من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى: {دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في {دعواهم} وجوه: الأول: أن الدعوى ههنا بمعنى الدعاء، يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى، كما يقال: شكى يشكو شكاية وشكوى. قال بعض المفسرين: {دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤهم. وقال تعالى في أهل الجنة: {أية : لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يس: 57] وقال في آية أخرى { أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ ءامِنِينَ } تفسير : [الدخان: 55] ومما يقوى أن المراد من الدعوى ههنا الدعاء. هو أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء لله سبحانه وتعالى، ومعنى قولهم: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: «اللهم إياك نعبد» الثاني: أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 48] أي وما تعبدون. فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى. الثالث: قال بعضهم: لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم. والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصل ذلك أيضاً من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما. الرابع: قال مسلم: {دَعْوَاهُمْ } أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم، وذلك هو قولهم: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } الخامس: قال القاضي: المراد من قوله: {دَعْوَاهُمْ } أي طريقتهم في تمجيد الله تعالى وتقديسه وشأنهم وسنتهم. والدليل على أن المراد ذلك أن قوله: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } ليس بدعاء ولا بدعوى، إلا أن المدعي للشيء يكون مواظباً على ذكره، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن تلك المواظبة والملازمة. فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر، لا جرم أطلق لفظ الدعوى عليها. السادس: قال القفال: قيل في قوله: { أية : لَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يس: 57] أي ما يتمنونه، والعرب تقول: ادع ما شئت علي، أي تمن. وقال ابن جريج: أخبرت أن قوله: {دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه، على أنهم إذا اشتهوا الشيء قالوا سبحانك اللهم، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني، وفي هذا التفسير وجه آخر هو أفضل وأشرف مما تقدم، وهو أن يكون المعنى أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله تعالى، أي تمنيهم لما يتمنونه، ليس إلا في تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه. السابع: قال القفال أيضاً: ويحتمل أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات حروبهم ممن يسكنون إليه ويستنصرونه، كقولهم: يا آل فلان، فأخبر الله تعالى أن أنسهم في الجنة بذكرهم الله تعالى، وسكونهم بتحميدهم الله. ولذتهم بتمجيدهم الله تعالى. المسألة الثانية: أن قوله: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } فيه وجهان: الوجه الأول: قول من يقول: إن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب المشتهيات قال ابن جريج: إذا مر بهم طيراً اشتهوه؛ قالوا {سبحانك اللهم} فيؤتون به، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقال الكلبي: قوله: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } علم بين أهل الجنة والخدام، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون. واعلم أن هذا القول عندي ضعيف جداً، وبيانه من وجوه: أحدها: أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمشروب والمنكوح، وهذا في غاية الخساسة. وثانيها: أنه تعالى قال في صفة أهل الجنة: {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير، فلا حاجة بهم إلى الطلب، وإذا لم يكن بهم حاجة إلى الطلب، فقد سقط هذا الكلام. وثالثها: أن هذا يقتضي صرف الكلام عن ظاهره الشريف العالي إلى محمل خسيس لا إشعار للفظ به، وهذا باطل. الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية أن نقول: المراد اشتغال أهل الجنة بتقديس الله سبحانه وتمجيده والثناء عليه، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر وابتهاجهم به وسرورهم به، وكمال حالهم لا يحصل إلا منه، وهذا القول هو الصحيح الذي لا محيد عنه. ثم على هذا التقدير ففي الآية وجوه: أحدها: قال القاضي: إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم، كما ذكر في أول هذه السورة من قوله: { أية : ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } تفسير : [يونس: 4] فإذا دخل أهل الجنة الجنة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن الله تعالى كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول. وثانيها: أن نقول: غاية سعادة السعداء، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال. واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية. إما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال، وأما الصفات الإضافية فهي المسماة بصفات الإكرام، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصوراً عليها، كما قال سبحانه وتعالى: { أية : تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 78] وكان صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » تفسير : ولما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات، لا جرم كان ذكر الجلال متقدماً على ذكر الإكرام في اللفظ. وإذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على هذا الذكر العالي المقدس، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج إلهيته وإكرامه وإحسانه، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الإلهية. وثالثها: أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر، ألا ترى أنهم قالوا: { أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم، حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام، بعد انقراض العالم، ولما كان هذا الذكر مشتملاً على هذا الشرف العالي، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول الصلاة، فإن المصلي إذا كبر قال: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». المرتبة الثالثة: من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } قال المفسرون: تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام، وتحية الملائكة لهم بالسلام، كما قال تعالى: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23] وتحية الله تعالى لهم أيضاً بالسلام كما قال تعالى: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] قال الواحدي: وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول، وعندي فيه وجه آخر: وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة الله تعالى، فقد صاروا سالمين من الآفات، آمنين من المخافات والنقصانات. وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله: { أية : وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } تفسير : [فاطر: 34، 35]. المرتبة الرابعة: من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب. فقالوا: إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئاً قالوا: سبحانك اللهم وبحمدك، وإذا أكلوا وفرغوا. قالوا: الحمد لله رب العالمين، وهذا القائل ما ترقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب، وحقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم. وأما المحقون المحققون، فقد تركوا ذلك، ولهم فيه أقوال. روى الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم » تفسير : وقال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه. ويختتمون بشكره والثناء عليه، وأقول: عندي في هذا الباب وجوه أخر: فأحدها: أن أهل الجنة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء. فقالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وإنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى عليهم. والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة، وثانيها: أن لكل إنسان بحسب قوته معراجاً، فتارة ينزل عن ذلك المعراج، وتارة يصعد إليه. ومعراج العارفين الصادقين، معرفة الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله، فإذا قالوا: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } فهم في عين المعراج، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات. كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين وإليه الإشارة بقوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } ثم أنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه، وعند الصعود يقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج. وثالثها: أن نقول: إن قولنا الله اسم لذات الحق سبحانه، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال، وهي المشار إليها بقوله: {سُبْحَـٰنَكَ } ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات، ترقياً يليق بالطاقة البشرية، وهي المشار إليها بقوله: {ٱللَّهُمَّ } فإذا عرج عن ذلك المكان. واخترق في أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام، وهو المشار إليه بقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فهذه كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال، فإن حقت فالتوفيق من الله تعالى، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة الله تعالى. المسألة الثانية: قال الواحدي: {أن} في قوله: {أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ } هي المخففة من الشديدة، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله: شعر : أن هالك كل من يخفى وينتعل تفسير : على معنى أنه هالك. وقال صاحب «النظم» {أن} ههنا زائدة، والتقدير: وآخر دعواهم الحمد لله رب العالمين، وهذا القول ليس بشيء، وقرأ بعضهم {أن} الحمد لله بالتشديد، ونصب الحمد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي يزيدهم هداية؛ كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد: 17]. وقيل: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ» إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار. وقال أبو رَوْق: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال عطية: «يَهْدِيهِمْ» يثيبهم ويجزيهم. وقال مجاهد: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ» بالنور على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نوراً يمشون به. ويُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يقوّي هذا أنه قال: «حديث : يتلقى المؤمن عملهُ في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقَّىٰ الكافر عملهُ في أقبح صورة فيوحشه ويضله»تفسير : . هذا معنىٰ الحديث. وقال ٱبن جريج: يجعل عملهم هادياً لهم. الحسن: «يهديهم» يرحمهم. قوله تعالىٰ: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} قيل: في الكلام واو محذوفة، أي وتجري من تحتهم، أي من تحت بساتينهم. وقيل: من تحت أسِرتهم؛ وهذا أحسن في النزهة والفرجة.
ابن كثير
تفسير : هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم، يحتمل أن تكون الباء ههنا سببية، فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة؛ كما قال مجاهد في قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} قال: يكون لهم نوراً يمشون به، وقال ابن جريج في الآية: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك فيجعل له نوراً من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلزم صاحبه ويلازُّه حتى يقذفه في النار، وروي نحوه عن قتادة مرسلاً، فالله أعلم، وقوله: { دَعْوَٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: هذا حال أهل الجنة. قال ابن جريج: أخبرت بأن قوله: {دَعْوَٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ} قال: إذا مرّ بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم، فيردون عليه، فذلك قوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} قال: فإذا أكلوا، حمدوا الله، فذلك قوله: {وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وقال مقاتل بن حيان: إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام، قال أحدهم: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ} قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهن كلهن، وقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء، قال: {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ} وهذه الآية فيها شبه من قوله: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } تفسير : [الأحزاب: 44] الآية. وقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً}تفسير : [الواقعة: 25-26] وقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58] وقوله: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد:23-24] الآية، وقوله: {وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبداً، المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [الكهف: 1] {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام: 1] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وفي جميع الأحوال، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس» تفسير : وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم، فتكرر وتعاد وتزداد، فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ } يُرشدهم {رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } به بأن يجعل لهم نوراً يهتدون به يوم القيامة {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بإِيمَانِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يجعل لهم نوراً يمشون به، قاله مجاهد. الثاني: يجعل عملهم هادياً لهم إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن جريج. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يَتَلَقَّى الْمُؤْمِنَ عَمَلُهُ فِي أَحْسَنِ صُوَرَةٍ فَيُؤْنِسُهُ وَيَهْدَيهِ، وَيَتَلَقَّى الْكَافِرَ عَمَلُهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ وَيُضِلُّهُ". تفسير : الثالث: أن الله يهديهم إلى طريق الجنة. الرابع: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} فيه وجهان: أحدهما: من تحت منازلهم قاله أبو مالك. الثاني: تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو لقوله تعالى {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} تفسير : [الزخرف: 51] يعني بين يدي. وحكى أبو عبيدة عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. قوله عز وجل: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} فيه وجهان: أحدهما: أن أهل الجنة إذا اشتهوا الشيء أو أرادوا أن يدعوا بالشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم، ذلك الشيء، قاله الربيع وسفيان. الثاني: أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله في دعاء يدعونه كان دعاؤهم له: سبحانك اللهم: قاله قتادة. {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} فيه وجهان: أحدهما: معناه وملكهم فيها سالم. والتحية الملك، ومنه قول زهير بن جنان الكلبي: شعر : ولكلُّ ما نال الفتى قد نِلتُه إلا التحية تفسير : الثاني: أن تحية بعضهم لبعض فيها سلام. أي: سلمت وأمنت مما بلي به أهل النار، قاله ابن جرير الطبري. {وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أن آخر دعائهم: الحمد لله رب العالمين، كما كان أول دعائهم: سبحانك اللهم، ويشبه أن يكون هذا قول قتادة. الثاني: أنهم إذا أجابهم فيما دعوه وآتاهم ما اشتهوا حين طلبوه بالتسبيح قالوا بعده: شكراً لله والحمد لله رب العالمين.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} يجعل لهم نوراً يمشون به، أو يهديهم بعملهم إلى الجنة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه، ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله "تفسير : أو يهديهم إلى طريق الجنة، أو مدحهم بالهداية. {مَن تَحْتِهِمُ} تحت منازلهم، أو بين أيديهم وهم يرونها من علٍ، قال مسروق: أنهارها تجري في غير أخدود.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية. لمَّا شرح أحوال المشركين ذكر أحوال المؤمنين، قال القفال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: صدقُوا بقُلوبهم، ثم حَقَّقُوا التَّصديقَ بالعملِ الصَّالحِ الذي جاءت به الأنبياء من عند الله. ثم ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم فقال: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} فقيل: يهديهم إلى الجنَّة ثواباً على إيمانهم وأعمالهم الصَّالحة، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}تفسير : [الحديد:12]، وما روي أنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : إنَّ المُؤمِنَ إذا خرج مِنْ قَبْرِهِ صوِّرَ لَهُ عملهُ في صُورةٍ حسنةٍ، فيقول لهُ: أنا عملك، فيكون له نُوراً وقائداً إلى الجنَّةِ، والكافر إذا خرج من قبرهِ صُوِّر لهُ عملهُ في صُورةٍ سيِّئةٍ، فيقول له: أنا عملُكَ، فينطلقُ به حتَّى يدخله النَّار"تفسير : ، وقال مجاهد: المؤمنُ يكون له نُورٌ يَمْشِي به إلى الجنَّة. قال ابن الأنباري: إيمانهم يهديهم إلى خصائص المعرفة، ولوامع من النُّور تشرقُ بها قُلوبُهم، وتزول بواسطتها الشُّكُوك والشُّبهات، كقوله - تعالى -: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد:17] وهذه الفوائدُ يجوزُ حصولها في الدُّنيا قبل الموت، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت؛ قال القفال: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه؛ كان المعنى: يهديهم ربُّهم بإيمانهم، وتجري من تحتهم الأنهار، إلاَّ أنَّه حذف الواو، وقيل: "تَجْرِي من تَحْتِهمْ" مُستأنفاً مُنقطعاً عمَّا قبله، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول "يهديهم". قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} المراد: أن يكونوا جالسين على سُرُرٍ مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري من بين أيديهم، كقوله: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}تفسير : [مريم:24]، وهي ما كانت قاعدة عليه بل المعنى: بين يديك، وكذا قوله: {أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}تفسير : [الزخرف:51] أي: بين يدي، وقيل: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ} أي: بأمرهم. قوله: "فِي جَنَّاتِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "تَجْري"، وأن يكون حالاً من "الأَنْهَار"، وأن يكون خبراً بعد خبر لـ "إنَّ"، وأن يكون متعلِّقا بـ "يَهْدِي". قوله: "دَعْوَاهُمْ" مبتدأ، و "سُبْحانَكَ" معمول لفعل مقدَّر لا يجوز إظهاره هو الخبر، والخبرُ هنا هو نفسُ المبتدأ، والمعنى: أن دعاؤهم هذا اللفظ، فـ "دَعْوَى" يجوزُ أن يكون بمعنى الدعاء، ويدلُّ عليه "اللَّهُمَّ"؛ لأنَّه نداء في معنى يا الله، يقال: "دَعَا يَدْعُو دُعَاء ودَعْوَى"، كما يقال: "شكى يَشْكُو شِكَايةً وشَكْوى"، ويجوز أن يكون الدُّعاء هنا بمعنى العبادة، نظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم:48] أي: وما تعبدون، فـ "دَعْوَى": مصدرٌ مضاف للفاعل، ثم إن شئتَ أن تجعل هذا من باب الإسناد اللفظي، أي: دعاؤهُم في الجنَّة هذا اللفظُ بعينه، فيكون نفسُ "سُبْحانَكَ" هو الخبر، وجاء به مَحْكيّاً على نصبه بذلك الفعل، وإن شئتَ جعلتهُ من باب الإسناد المعنوي؛ فلا يلزمُ أن يقولوا هذا اللفظ فقط، بل يقولونه وما يؤدِّي معناه من جَميع صفات التنزيه والتَّقديس، وقد تقدَّم نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ}تفسير : [البقرة:58]. وقيل: المراد من الدَّعْوَى: نفس الدَّعوى التي تكون للخَصْمِ على خَصْمِه. والمعنى: أنَّ أهل الجنَّة يدعون في الدُّنيا وفي الآخرة تنزيه الله عن كل المعايب، والإقرار له بالإلهيَّة. قال القفال: وأصل ذلك من الدُّعاء، لأن الخصم يدعُو خصمهُ إلى من يحكم بينهما. قال أبو مسلم: "دَعْوَاهُمْ" أي: فعلهم وإقرارهم، ونداؤهُم هو قولهم "سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ" قال القاضي: "دَعْواهُمْ" أي: طريقتهم في تمجيد الله وتقديسه وشأنهم وسنَّتهم؛ لأنَّ قوله "سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ" ليس بدعاءٍ ولا بدعوى، إلاَّ أنَّ المُدَّعي للشيء يكون مواظباً على ذكره، لا جرم جعل لفظ "الدَّعْوى" كناية عن تلك المواظبة والملازمة. فأهلُ الجنَّة لمَّا كانُوا مواظبين على هذا الذكر، أطلق لفظ "الدَّعْوَى" عليهم، وقال القفال: قيل في قوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ}تفسير : [يس:57] أي: ما يتمنونهُ، والعرب تقول: ادع ما شئت عليّ أي: تمنّ ما شِئْتَ. وقال ابن جريج: أخبرت أن قوله {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ}: هو أنَّه إذا مرَّ بهم طيرٌ يشتهونه، قالوا: سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بذلك المشتهى. قال ابن الخطيب: "وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: أنَّ تمنيهم في الجنَّة أن يسبحوا الله - تعالى -، أي: تمنيهم لما يتمنَّونهُ، ليس إلاَّ في تسبيح الله، وتقديسه، وتنزيهه". قوله: {سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} قال بعض المفسِّرين: إنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر علامة على طلب المشتهيات فيؤتَوْنَ بذلك المشتهى فإذا نالوا من شهرتهم، قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وضعف ابن الخطيبِ هذا من وجوهٍ: أحدها: أنَّ حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر العالي المُقدَّس علامة على طلب المأكول والمنكوح، وهذا في غاية الخساسة. وثانيها: أنَّه - تعالى - قال في صفة أهل الجنة {أية : وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [النحل:57]، فإذا اشتهوا أكل ذلك الطَّيْر، فلا حاجة بهم إلى الطَّلب، فسقط هذا الكلام. وثالثها: أنَّ هذا صرف للكلام عن ظاهره الشريف العالي، إلى محل خسيس لا إشعار للفظ به. وإنما المرادُ: أنَّ اشتغالَ أهل الجنَّة بتقديس الله - سبحانه -، وتحميده، والثناء عليه؛ لأنَّ سعادتهم، وابتهاجهم، وسرورهم بهذا الذِّكر. قال القاضي: إنَّه - تعالى - لمَّا وعد المتَّقين بالثَّواب العظيم، في قوله أوَّل السورة: {أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [يونس:4]، فإذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن الله - تعالى - كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا: {سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} أي: سبحانك من الخلف في الوعد، والكذب في القول. قوله: "وَتَحِيَّتهُمْ" مبتدأ، و "سلامٌ" خبره، وهو كالذي قبله، والمصدر هنا يحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، أي: تحيَّتهم التي يُحيُّون بها بعضهم سلامٌ. ويحتمل أن يكون مضافاً لمفعوله، أي: تحيَّتهُم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلامٌ؛ ويدلُّ له قوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد:23، 24]، و "فيهَا" في الموضعين متعلقٌ بالمصدر قبله. وقيل: يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس بذاك، وقال بعضهم: يُحَيِّي بعضهم بعضاً، ويكون كقوله - تعالى -: {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء:78]، حيث أضافهُ لـ "داود وسليمان"، وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألة أخرى، وهي أنَّه: هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا؟. فإن قلنا: نعم، جاز ذلك، لأنَّ إضافة المصدر لفاعله حقيقةٌ، ولمفعوله مجاز، ومنْ منعَ ذلك، أجاب: بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان، فلذلك قال: "لِحُكْمِهِمْ". قوله: "وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ" مبتدأ، و "أنْ": هي المخففة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الأمر والشَّأن حذف، والجملةُ الاسمية بعدها في محلِّ الرفع خبراً لها؛ كقول الشَّاعر: [البسيط] شعر : 2879- فِي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ علمُوا أنْ هالكٌ كُلٌّ منْ يَحْفَى وينْتَعِلُ تفسير : و "أن" واسمها وخبرها في محلِّ رفع خبراً للمبتدأ الأول، وزعم الجرجانيُّ: أن "أنْ" هنا زائدةٌ، والتقدير: وآخرُ دعواهم الحمدُ الله، وهي دعوى لا دليل عليها، مخالفةٌ لنص سيبويه والنحويِّين، وزعم المبرِّد أيضاً: أنَّ "أنْ" المخففة يجُوز إعمالها مخففة، كهي مشدَّدةً، وقد تقدَّم ذلك. وتخفيفُ "أنْ"، ورفع "الحَمْدُ" هي قراءةُ العامة، وقرأ عكرمة، وأبو مجلز، وأبو حيوة، وقتادة، ومجاهد، وابن يعمر، وبلال بن أبي بردة، وابن محيصن ويعقوب بتشديدها، ونصب "الحَمْد" على أنَّهُ اسمها؛ وهذه تُؤيِّدُ أنَّها المخففةُ في قراءة العامَّة، وتردُّ على الجُرجاني، ومعنى الآية: أنَّ أهل الجنَّة يفتتحُون كلامهم بالتَّسبيحِ، ويختمُونَهُ بالتَّحْميدِ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال: يكون لهم نوراً يمشون به. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال: حدثنا الحسن قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول له: ما أنت. فوالله إني لأراك عين امرىء صدق. فيقول له: أنا عملك. فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، وأما الكافر فإذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له: ما أنت فوالله إني لأراك عين امرىء سوء، فيقول: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيجعل له نوراً من بين يديه حتى يدخله الجنة، والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه حتى يقذفه في النار. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال: حتى يدخلهم الجنة. فحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لأحدهم يومئذ أعلم بمنزله منكم اليوم بمنزلنا، ثم ذكر عن العلماء أنه أنزلهم الجنة سبعة منازل، لكل منزل من تلك المنازل أهل في سبع فضائل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يسعى عليهم بما سألوا وبما خطر على أنفسهم حتى إذا امتلأوا كان طعامهم ذلك جشاء وريح المسك ليس فيها حدث، ثم ألهموا الحمد والتسبيح كما ألهموا النفس، ثم يجتني فاكهتها قائماً وقاعداً ومتكئاً على أي حال كان عليه، ثم لا تصل إلى فيه حتى تعود كما كانت أنها بركة الرحمة، وبركة الرحمن لا تفنى وهي الخزائن التي لا تنقطع أبداً ما أخذ منها لم ينقص وما ترك منها لم يفسد.
القشيري
تفسير : كما هداهم اليومَ إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غداً إلى جنته ومثوبته من غير نصيرٍ من المخلوقين ولا وسيلة. ويقال أَمَّا المطيعون فنورهم يسعى بين أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم، والملائكةُ تتلقَّاهم والحقُّ، قال تعالى:{أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم: 85] نحشرهم، والعاصون يَبْقَوْن منفردين متفرقين، لا يقف لهم العابدون، ويتطوحون في مطاحات القيامة. والحقُّ- سبحانه- يقول لهم: عِبَادي، إنَّ أصحابَ الجنة - اليومَ - في شُغلٍ عنكم، إنهم في الثواب لا يتفرَّغون إليكم، وأصحابُ النار من شدة العذابِ لا يرقبون لكم معاشِِرَ المساكين. كيف أنتم إنْ كان أشكالكم وأصحابكم سبقوكم؟ وواحدٌ متهم لا يهديكم فأنا أهديكم. لأني إنْ عاملتكم بما تستوجبون... فأين الكرمُ بحقنا إذا كنا في الجفاء مِثلهم وهجرناكم كما هجروكم؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين آمنوا} فعلوا الايمان او آمنوا بما تشهد به الآيات التى غفل عنها الغافلون {وعملوا الصالحات} اى الاعمال الصالحة في انفسها اللائقة بالايمان وهى ما كان لوجه الله تعالى ورضاه وانما ترك ذكر الموصوف لجريانها مجرى الاسماء {يهديهم ربهم } في الآخرة {بايمانهم} اى بسبب ايمانهم وبنوره الى مأواهم ومقصدهم وهى الجنة وفى الحديث "حديث : ان المؤمن اذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول انا عملك فيكون له نورا وقائدا الى الجنة والكافر اذا خرج من قبره صورة سيئة فيقول له انا عملك فينطلق به حتى يدخله النار" تفسير : ويحتمل ان تكون الهداية الى سلوك سبيل يؤدي الى ادراك الحقائق الكونية والآلهية وهى هداية خاصة يلقاها الخواص واليه الاشارة بقوله "حديث : من عمل بم علم ورثه الله علم ما لم يعلم" تفسير : فالعلم الاول هو علم المعاملة الذى يكون بطريق الدراسة والعلم الثانى هو علم المكاشفة الذى يكون بطريق الوراثة وهو اعلى واجل من الاول لان الاول منه بمنزلة القشر من اللب نسأل الله الفيض الخاص الذى ذاقه اهل الاختصاص {تجرى من تحتهم} سررهم المرفوعة الموضوعة في البساتين والرياض {الانهار} الاربعة {فى جنات النعيم} متعلق بتجرى اى فى جنات يتنعمون فيها ويترفهون. قال الكاشفى {فى جنات النعيم} [در بوستانها با نعيم وبا نعمت] والنعيم النعمة والخفض والدعة كما في القاموس وسميت جنة لاستتاراضها باشجارها ومنه سمى الجن لاستتارهم عن الابصار ومنه سمى المجن للتستر به
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (تجري): جملة استئنافية، أو خبر ثان لإنَّ، أو حال من الضمير المنصوب في {يهديهم}. و(دعواهم): مبتدأ، و(سبحانك): مقول للخبر ـ أي: قولهم سبحانك. والتحية مأخوذة من تمني الحياة والدعاء بها، حياة تحية، ويقال للوجه: مُحيا لوقوع التحية عند رؤيته، و(آخر): مبتدأ، و(أن الحمد لله): خبر، وأن مخففة. يقول الحق جل جلاله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يَهْدِيهمْ ربُّهم} أي: يسددهم {بإيمانهم}؛ بسبب إيمانهم إلى الاستقامة والنظر، أوْ إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أوْ إلى إدراك الحقائق العرفانية، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام:،"حديث : مَنْ عَمِلَ بما علِم أَوْرَثه اللهُ علْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ"،تفسير : أو لِمَا يشتهونه في الجنة، {تجري من تحتهم الأنهارُ} الأربعة، {في جنات النعيم}، {دَعْواهم فيها} أي: دعاؤهم فيها: {سبحانك اللهم} أي: اللهم إنا نسبحك تسْبيحاً. ورُوي: أن هذه الكلمة هي ثمر أهل الجنة، فإذا اشتهى احدهم شيئاً قال: سبحانك اللهم، فينزل بين يديه. رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة. {وتحيتُهم فيها سلام} أي: ما يحيي به بعضهم بعضاً، أو تحيّة الملائكة إياهم، أو تسليم الله تعالى عليهم فيها سلام، {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} أي: وخاتمة دعائهم في كل موطن حمده تعالى وشكره. والمعنى: أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمته وكبرياءه مجَّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، وقدَّسُوه عند مشاهدته عن كل تماثيل وخيال، فحيَّاهم بسلام من عنده، وعندما منحهم سلامه واحلَّ عليهم رضوانه، وأدام لهم كرامته وجواره، وأراهم وجهه، حمدوه بما حمد به نفسه، فكانت بدايتهم بالتنزيه والتعظيم، وخاتمة دعائهم في كل موطن حمده وشكره على ما مكنهم فيه، من رؤية وجهه الكريم، ودوام النعيم المقيم، وسمي دعاء لأنه يستدعي المزيد من فضله. قاله المحشي. الإشارة: إن الذين استكملوا الإيمان، وأخلصوا الأعمال، يهديهم ربهم إلى من يوصلهم إلى جنة حضرته ببركة إيمانهم، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم، في جنات مشاهدة طلعته، والتنعم بأنوار معرفته، فإذا عاينوا ذلك أدهشتهم الأنوار، فبادروا إلى التنزيه والتقديس، فيجيبهم الحق تعالى بإقباله عليهم بأنوار وجهه، وأسرار ذاته، فيحمدونه ويشكرونه على ما أولاهم من سوابغ نعمته، والسكون في جوار حضرته، منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر، آمين. ولمَّا تعجب الكفار من بعث الرسول منهم، وكفروا به، استعجلوا ما خوفهم به من العذاب، فأنزل الله جوباً لهم: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ}.
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله تعالى الكفار وما يستحقونه من المصير إلى النار في الآيات الأول ذكر في هذه {إن الذين آمنوا} يعني صدقوا بالله ورسوله، واعترفوا بهما وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات {يهديهم} الله تعالى جزاء بايمانهم إلى الجنة {تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} يعني البساتين التي تجري تحت أشجارها الانهار التي فيها النعيم يعني أنواع اللذات والمنافع يتنعمون فيها. ومعنى {تجري من تحتهم الأنهار} تجري بين أيديهم، وهم يرونها من عل، كما قال تعالى {أية : قد جعل ربك تحتك سرياً } تفسير : ومعلوم انه لم يجعل السري تحتها وهي قاعدة عليه، لان السري هو الجدول، وإنما أراد أنه جعل بين يديها. وقال حاكياً عن فرعون {أية : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} تفسير : وقيل من تحت بساتينهم وأسرتهم وقصورهم - في قول ابي علي. معنى الهدى - هنا - الارشاد إلى طريق الجنة ثواباً على أعمالهم الصالحة، ألا ترى انه قال {يهديهم ربهم بإيمانهم} يعني جزاء على إيمانهم، وذلك لا يليق إلا بما قلناه. ويحتمل أن يكون وصفهم بالهداية على وجه المدح جزاء على إيمانهم بالله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اى البيعة الخاصّة وشرائطها او شرائط البيعة الخاصّة والاعمال الّتى كلّفوا بها فيها {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} المضاف الّذى هو ولىّ امرهم الى ملكه وولايته على الاوّل والى ملكوته على الثّانى {بِإِيمَانِهِمْ} باسلامهم او بايمانهم الخاصّ او يهديهم فى الآخرة الى الجنّة {تَجْرِي} حال او مستأنف جواب سؤال {مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} متعلّق بتجرى او ظرف مستقرّ حال متداخلة او مترادفة او مستأنفٌ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير مبتدء محذوف.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الذِينَ آمنُوا وعَملُوا الصَّالحاتِ} أكثر ما ذكر فيه الثواب على الإيمان فى القرآن، مقرون باشتراط العمل الصالح، ومتى لم يقرن به حمل على الموضع المقرون به، فلا ينفع إيمان بلا عمل، فانظر يا أخى لنفسك. {يهْدِيهم ربُّهم} إلى سبيل يوصلهم إلى الجنة بإيمانهم، بسبب إيمانهم الخالص المذكور، مقرونا بالعمل الصالح، فالإضافة للعهد الذكرى أو يهديهم يوم القيامة بنور إيمانهم، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله فى صورة رجل حسن ويكون له نوراً يقوده إلى الجنة عكس الكافر" تفسير : رواه الحسن، وقيل: يهديهم يثيبهم، وأجيز أن يكون المعنى يهديهم لإدراك الحقائق كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم أو لما يريدونه فى الجنة ". تفسير : {تَجْرى مِنْ تَحتِهمُ الأنهارُ} استئناف كالبيان على التفسير الأول، فإن التمسك بما يوصل إلى الجنة كالوصول إليها، أو خبر ثان، أو حال من هاء يهديهم على التفسير الأخير {فى جَنَّات النَّعيمِ} متعلق بتجرى، أو خبر آخر، أو حال من هاء يهديهم أيضا أو من الأنهار.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} يرشدهم {بِإِيمَانِهِمْ} بسبب إِيمانهم، أَى توحيدهم، إِلى زيادة الإِيمان والعمل الصالح والتقوى، وإِلى إِدراك الحقائِق كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإِنه بنور الله يبصرتفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم:حديث : من عمل بما علم أَورثَه الله علم ما لم يعلم تفسير : ، أَو يهديهم ربهم لما يريدونه من الجنة وأَنواع نعمها ومرافقة الأَنبياءِ، أَو يهديهم إِلى مأْواهم ومقعدهم وهو الجنة، إِذا خرج المؤمن من قبره أَضاءَ له عمله فيقول: من أَنت؟ فيقول: أَنا عملك فيقوده إِلى الجنة ماكثا معه فى المحشر يسعى نورهم بين أَيديهم. والكافر يكون عمله ظلمة تصاحبه حتى تدخله النار، أَو يهديهم عملهم بعد دخول الجنة إِلى منازلهم بعينها كأَنهم يعرفونها، والتوحيد هو الأَصل، والعمل الصالح والتقوى مرتبان عليه ولا ينفع بدونهما {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ} أَى قريباً منهم وهم عالون بأَجسامهم وقصورهم، وهذه الأَنهار تجرى من تحتهم أَو تحت أَشجارهم وقصورهم {الأَنْهَارُ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا} دعاؤُهم أَى منطوقهم فيها {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} أَى الذى يقولونه بدل ما يلغى به فى الدنيا هو سبحانك اللهم، أَى هذا اللفظ أَو عبادتهم فيها هذا اللفظ، يقولونه تلذذا لا تكليفاً كما جاءَ فى الحديث:" حديث : إِنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس"تفسير : . رواه مسلم، أَو عبادتهم مضمون سبحانك اللهم من أَنواع الأَذكار لا خصوص هذا اللفظ بلا مشقة. أَو دعاؤهم طلبهم إِذا أَرادوا شيئاً قالوا فى قلوبهم أَو بأَلسنتهم سبحانك اللهم فيحضر ما خطر فى قلوبهم، أَو يقولونه، كلما رأَوا أَمراً عجيباً من قدرة الله تعالى فى طعامهم وشرابهم وسائِر منافعهم. أَو نداؤُهم فإِن لفظ اللهم نداءٌ، ويجوز على بعد أَن يكون ذلك نفياً للتكليف بالعبادة كأَنه قيل إِن كان عليهم تكليف فهو قولهم سبحانك اللهم، وليس تكليفاً لأَنهم يقولونه سهلا كخروج النفس من الحلقوم أَو غير ذلك من المعانى السابقة، اشتغلت الملائِكة بالتسبيح قبل خلق آدم إِذ قالوا ونحن نسبح إِلخ، فجعله الله قبل الإِحرام، وفى دار السلام لبنى آدم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَكثر دعائِى ودعاءِ الأَنبياء قبلى بعرفات لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير"تفسير : ، وفى الحديث القدسى: "حديث : إِذا شغل عبدى ثناؤه علىَّ عن مسأَلتى أَعطيته أَفضل ما أُعطى السائِلين" تفسير : {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا} بينهم، أَو تحية الله أَو الملائكة لهم، أَو التحية التى لهم سواءٌ من بعض لبعض أَو من الملائِكة لهم، أَو من الله سلام قولا من رب رحيم، والملائِكة يدخلون عليهم، الآية {سَلاَمٌ} عليكم {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} أَى كلامهم المتأَخر عن الأَكَل والشراب أَو عن دخلوهم الجنة ومعاينة عظمة الله عز وجل، وتحية الملائِكة بالسلامة لهم من الآفات الفوز بالكرامات على هذا الترتيب {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أَى أَنه أَى الشأْن لا مفسرة لعدم تقدم الجملة، ولو تقدم لفظ فى معنى القول دون حروفه، ويقال سبحانك اللهم علامة بين أَهل الجنة وخدمتهم فى إِحضار الطعام إِذا أَرادوه يأْتونهم فى الوقت بذلك على حسب ما يشتهون على موائِده، كل مائِدة ميل طولا وعرضاً، على كل مائِدة سبعون أَلف صفحة، فى كل صفحة لون ليس فى الآخر. وإِذا فرغوا قالوا: الحمد لله فترفع الموائِد، ويقال تأْتيهم الملائِكة فى الصحف بذلك فيريدون أَن يردوا الصحف فتضحك الملائكة ويقولون إِنكم تظنون أَنكم تردون الأَوعية كما فى الدنيا، أَى ترفع بلا رد أَو تفنى وتجدد الآخر، ويمر طائِر فيشتهونه فيقع فى وعاءٍ مشوياً أَو قديراً كما اشتهوا أَو يأْتيهم به ملك كذلك، ويقال إِذا رأَوه قالوا: سبحانك اللهم فيكون ذلك، ويقال عوام أَهل الجنة فيها من حيث المعرفة كعلماءِ فى الدنيا والعلماء كالأَنبياء والأَنبياءُ كالنبى صلى الله عليه وسلم، وله صلى الله عليه وسلم ما ليس لبشر ولا ملك، لما نزل مأْواهم النار استعجلوا فنزل بقوله عز وجل: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} إِلخ، مثل فأَمطر علينا، وسأَل سائِل، ويستعجل بها الذين، يستعجلونك، وأَو تسقط السماء، الآيات، ومتى هذا الوعد، ونحوهن، وقيل: نزلت فى قول النضر فأَمطر، وقيل فى دعاءِ الإِنسان على نفسه وأَهله وأَولاده وماله أَو بعض ذلك عند الغضب بلعنة الله أَو بانتفاءِ البركة أَو بالموت أَو الفقر أَو نحو ذلك، يستعجله كما يستعجل الخير، واختار المضارع لقصد الاستمرار فيما مضى وقتاً فوقتا، والمعنى أَن امتناع إِهلاكهم استئصالا بسبب امتناع استمرار التعجيل، وأَنسب من ذلك أَن يكون المعنى امتناع الإِهلاك بسبب استمرار امتناع التعجيل و "أَلـ" فى الناس للجنس أَو للعهد بقوله الذين لا يرجون إِلخ، وعليه فوضع المضمر تسجيلا على عيوبهم وتصريحا على استدراجهم، والتعجيل فعل الله والاستعجال فعلهم، فالمعنى لو يعجل الله الشر تعجيلا مثل استعجالهم الخير فى السرعة وهو طلب العجل، وهذا أَولى من تقدير استعجالا مثل استعجالهم لأَن مصدر عجل تعجيل لا استعجال، أَو استعجال بمعنى تعجيل فكأَنه قيل فلو يعجل الله الشر كما يعجل الخير، وهذا إِشعار بسرعة الإِجابة حتى أَن استعجالهم الخير عين تعجيل الله الخير ولا حاجة إِلى تكلف أَن الأصل، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم بالخير لكثرة الحذف، وعلى كل حال المراد بالشر الشر الذى يطلبونه، ويجوز أَن يراد جزاءُ الذنوب كقوله عز وجل، ولو يؤَاخذ الله الناس إِلخ والباءُ للإِلصاق أَو صلة {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أَى استحضر مؤَجلهم استيصالا فالأَجل بمعنى شرهم المؤجل، وهو الموت أَو العذاب، وعدى قضى بإِلى لتضمنه معنى الإِيصال والإِبلاغ، والمراد لكن الله يؤخر الشر ويعجل الخير {فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} عطف على محذوف دلت عليه الشرطية دلالة التزامية، أَى لا نعجل بالنون أَو بالياءِ، فنذر الذين على التفات من غيبة لا يعجل بالياءِ أَو تبع الالتفات فى نعجل بالنون لا عطف على يعجل ولا على قضى لأَنهما منفيان بلو وتركهم يعمهون مثبت، ولا على لو وما بعدها لعدم وجود ما يتفرع بالفاءِ، والناس أَعم من الذين لا يرجون، ولو حملنا الناس على الأَشقياءِ لكانوا قوما واحداً ذكرهم بالظاهر ليصفهم بإِنكار البعث وبإِبقائهم مترددين فى الطغيان من إِنكار البعث والجزاءِ وأَنواع الشرك والمعاصى تركهم يوفون أَجلهم لأَنه لا يخلف الوعد، ولأَن منهم من قضى الله أَن يلد مؤمناً أَو شقياً مثله، ويجوز أَن يراد بالذين لا يرجون ما يشمل من من يتوب فيكون تردده قبل توبته وهو بعيد.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بما يجب الإيمان به ويندرج فيه الإيمان بالآيات التي غفل عنها الغافلون اندراجاً أولياً وقد يخص المتعلق بذلك نظراً للمقام {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي الأعمال الصالحة في أنفسها اللائقة بالإيمان وترك ذكر الموصوف لجريان الصفة مجرى الأسماء {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي يهديهم بسبب إيمانهم إلى مأواهم ومقصدهم وهي الجنة وإنما لم تذكر تعويلاً على ظهورها وانسياق النفس إليها لا سيما مع ملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفرة وما أداهم إليه من الأعمال السيئة ومشاهدة ما لحق من التلويح والتصريح. / والمراد بهذا الإيمان الذي جعل سبباً لما ذكر الإيمان الخاص المشفوع بالأعمال الصالحة لا المجرد عنها ولا ما هو الأعم ولا ينبغي أن ينتطح في ذلك كبشان، والآية عليه بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه الجماعة من أن الإيمان الخالي عن العمل الصالح يفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلد صاحبه في النار فإن منطوقها أن الإيمان المقرون بالعمل الصالح سبب للهداية إلى الجنة، وأما إن كل ما هو سبب لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالة لها ولا لغيرها عليه كيف لا وقوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَٰـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82] مناد بخلافه بناءً على ما أطبقوا عليه من تفسير الظلم بالشرك ولئن حمل على ظاهره أيضاً يدخل في الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحاً ثم مات قبل أن يظلم بفعل حرام أو بترك واجب. وإلى حمل الإيمان على ما قلنا ذهب الزمخشري وقال: ((إن الآية تدل على أن الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو الإيمان المقيد بالعمل الصالح، ووجه ذلك بأنه جعل فيها الصلة مجموع الأمرين فكأنه قيل: إن الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ثم قيل: بإيمانهم أي هذا المضموم إليه العمل الصالح)). وزعم بعضهم أن ذلك منه مبني على الاعتزال وخلود غير الصالح في النار، ثم قال إنه لا دلالة في الآية على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان، وأما أن إضافته إلى ضمير الصالحين يقتضي أخذ الصلاح قيداً في التسبب فممنوع فإن الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن الصفات، وأيضاً فإن كون الصلة علة للخبر بطريق المفهوم فلا يعارض السبب الصريح المنطوق على أنه ليس كل خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك، ألا ترى أن نحو الذي كان معنا بالأمس فعل كذا خال عما يذكرونه في نحو الذي يؤمن يدخل الجنة، وانتصر للزمخشري بأن الجمع بين الإيمان والعمل الصالح ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى ضمير {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه، ولا يلزم على هذا استدراك ذكره ولا استقلاله بالسببية. وفيه رد على القاضي البيضاوي حيث ادعى أن مفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية الإيمان والعمل الصالح لكن منطوق قوله سبحانه: {بِإِيمَانِهِمْ} دل على استقلال الإيمان. ومنع في «الكشف» أيضاً كون المنطوق ذلك وفرعه على كون الاستدلال من جعل الإيمان والعمل الصالح واقعين في الصلة ليجريا مجرى العلة ثم لما أعيد الإيمان مضافاً كان إشارة إلى الإيمان المقرون لما ثبت أن استعمال ذلك إنما يكون حيث معهود والمعهود السابق هو هذا والأصل عدم غيره، ثم قال: ولو سلم أن المنطوق ذلك لم يضر الزمخشري لأن العمل يعد شرطاً حينئذٍ جمعاً بين المنطوق والمفهوم بقدر الإمكان فلم يلغ اقتران العمل ولا دلالة السببية، وهذا فائدة إفراده بالذكر ثانياً مع ما فيه من الأصالة وزيادة الشرف، ولا مخالف له من الجماعة لأن العصاة غير مهديين، وأما أن كل من ليس مهتدياً فهو خالد في النار فهو ممنوع غاية المنع انتهى. وفي القلب: من هذا المنع شيء والأولى التعويل على ما قدمناه في تقرير كون الآية بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه الجماعة، والهداية على هذا الوجه يحتمل أن تفسر بالدلالة الموصلة إلى البغية وبمجرد الدلالة والمختار الأول، واختار الثاني من قال: إن المعنى يهديهم طريق الجنة بنور إيمانهم، وذلك أما على تقدير المضاف أو على أن إيمانهم يظهر نوراً بين أيديهم، وقيل: إن المعنى يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب والهداية عليه بالمعنى الأول، وقيل: المراد يهديهم إلى إدراك حقائق الأمور فتنكشف لهم بسبب ذلك، وأياً ما كان فالالتفات في / قوله سبحان: {رَّبُّهُمْ} لتشريفهم بإضافة الرب إليهم مع الإشعار بعلة الهداية. وقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} أي من تحت منازلهم أو من بين أيديهم، استئناف نحوي أو بياني فلا محل له من الإعراب أو خبر ثان لأن فمحله الرفع. وجوز أن يكون في محل النصب على الحال من مفعول {يَهْدِيهِمُ} على تقدير كون المهدي إليه ما يريدون في الجنة كما قال أبو البقاء، وإن جعل حالاً منتظرة لم يحتج إلى القول بهذا التقدير لكنه خلاف الظاهر، والزمخشري لما فسر {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} بيسددهم الخ جعل هذه الجملة بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، ولا يخفى أن سبيل هذا البيان سبيل البدل وبذلك صرح الطيبـي وحينئذٍ فمحلها الرفع لأنه محل الجملة المبدل منها وقوله سبحانه: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} خبر آخر أو حال أخرى من مفعول {يَهْدِيهِمُ} فتكون حالاً مترادفة أو من {ٱلأَنْهَـٰرَ} فتكون متداخلة أو متعلق بتجري أو بيهدي والمراد على ما قيل بالمهدي إليه إما منازلهم في الجنة أو ما يريدونه فيها.
ابن عاشور
تفسير : جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتكون أحوال المؤمنين مستقلة بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين، وهذا من طرق الاهتمام بالخبر. ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويهاً بأهلها وإغاضة للكافرين. وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم. والهداية: الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه. فمعنى {يهديهم ربهم} يرشدهم إلى ما فيه خيرهم. والمقصود الإرشاد التكويني، أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها. وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين. والباء في {بإيمانهم} للسببية، بحيث إن الإيمان يكون سبباً في مضمون الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف بالموصولية نظير قوله: {أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا}تفسير : [يونس: 7] إلى {أية : بما كانوا يكسبون}تفسير : [يونس: 8] في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى، بأن يجعل الله للإيمان نُوراً يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سبباً مغناطيسياً لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكمالِ لا يزال يزداد يوماً فيوماً، ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح. وفي الحديث: «حديث : قد يكون في الأمم محدَّثون فإن يك في أمتي أحدٌ فعمر بن الخطاب»تفسير : . قال ابن وهب: تفسير محدَّثون ملهمون الصواب، وفي الحديث: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه يَنظر بنور الله»تفسير : . ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع. وفي العدول عن اسم الجلالة العَلَم إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير {الذين آمنوا} تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولًى لأوليائه فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة. والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة. وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعُروج مراتب الكمال. وجملة: {تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم} خبر ثان لِذكر ما يحصل لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا. وتقدم القول في نظير {أية : تجري من تحتها الأنهار}تفسير : في سورة [البقرة: 25]. والمراد من تحت منازلهم. والجنات تقدم. والنعيم تقدم في قوله تعالى:{أية : لهم فيها نعيم مقيم}تفسير : في سورة [براءة: 21]. وجملة: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} وما عطف عليها أحوال من ضمير {الذين آمنوا}. والدعوى: هنا الدعاء. يقال: دعوة بالهاء، ودعوَى بألف التأنيث. وسبحان: مصدر بمعنى التسبيح، أي التنزيه. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا}تفسير : في سورة [البقرة: 32]. و{اللهم} نداء لله تعالى، فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه، فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي. ويجوز أن تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة الرحمات والنعيم، كما قال أمية بن أبي الصلت: شعر : إذَا أثنى عليك المرءُ يوماً كَفَاه عن تَعَرضِه الثناء تفسير : واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة {سبحانك اللهم} يشعر بأنهم لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول، لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر بالقصر، (وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام) ولكن قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} يفيد أن هذا التحميد من دعواهم، فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى. ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعَموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه، فهو جامع للعبارة عن الكمالات. والتحية: اسم جنس لما يُفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة. وأصلها مشتقة من مصدر حيَّاهُ إذا قال له عند اللقاء أحياك الله. ثم غلبت في كل لفظ يقال عند اللقاء، كما غلب لفظ السلام، فيشمل: نحو حيَّاك الله، وعِم صباحاً، وعِمْ مساء وصبّحك الله بخير، وبتّ بخير. وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها}تفسير : في سورة [النساء: 86]. ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام، أي لفظ سلام، إخباراً عن الجنس بفرد من أفراده، أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم. والظاهر أن التحية بينهم هي كلمة (سلام)، وأنها محكية هنا بلفظها دون لفظ السلام عليكم أو سلام عليكم، لأنه لو أريد ذلك لقيل وتحيتهم فيها السلام بالتعريف ليتبادر من التعريف أنه السلام المعروف في الإسلام، وهو كلمة السلام عليكم. وكذلك سلام الله عليهم بهذا اللفظ قال تعالى:{أية : سلام قولاً من رب رحيم}تفسير : [يس: 58] وأما قوله: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم}تفسير : [الرعد: 23، 24] فهو تلطف معهم بتحيتهم التي جاءهم بها الإسلام. ونكتة حذف كلمة (عليكم) في سلام أهل الجنة بعضهم على بعض أن التحيّة بينهم مجرد إيناس وتكرمة فكانت أشبه بالخبر والشكر منها بالدعاء والتأمين كأنهم يغتبطون بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنة فتنطلق ألسنتهم عند اللقاء معبرة عما في ضمائرهم، بخلاف تحيّة أهل الدنيا فإنها تقع كثيراً بين المتلاقين الذين لا يعرِف بعضهم بعضاً فكانت فيها بقية من المعنى الذي أحدَث البشر لأجله السلامَ، وهو معنى تأمين الملاقِي من الشر المتوقَّع من بين كثير من المتناكرين. ولذلك كان اللفظ الشائع هو لفظَ السلام الذي هو الأمان، فكان من المناسب التصريح بأن الأمان على المخاطب تحقيقاً لمعنى تسكين رَوعه، وذلك شأن قديم أن الذي يضمر شَراً لملاقيه لا يفاتحه بالسلام، ولذلك جعل السلام شعار المسلمين عند اللقاء تعميماً للأمن بين الأمة الذي هو من آثار الأخوة الإسلامية. وكذلك شأن القِرى في الحضارة القديمة فإن الطارق إذا كان طارق شر أو حَرب يمتنع عن قبول القرى، كما حكى الله تعالى عن إبراهيم {أية : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نَكرهم وأوجس منهم خيفة}تفسير : [هود: 70]. وفيه تنويه بشأن هذا اللفظ الذي هو شعار المسلمين عند ملاقاتهم لما فيه من المعاني الجامعة للإكرام، إذ هو دعاء بالسلامة من كل ما يكدر، فهو أبلغ من أحياك الله لأنه دعاء بالحياة وقد لا تكون طيبة، والسلامُ يجمع الحياة والصفاء من الأكدار العارضة فيها. وإضافة التحية إلى ضمير (هم) معناها التحية التي تصدر منهم، أي من بعضهم لبعض. ووجه ذكر تحيتهم في هذه الآية الإشارة إلى أنهم في أنس وحُبور، وذلك من أعظم لذات النفس. وجملة {وآخر دعواهم} بقية الجمل الحالية. وجعل حمد الله من دعائهم كما اقتضته (أنْ) التفسيرية المفسرة به {آخر دعواهم} لأن في دعواهم معنى القول إذ جعل آخر أقوال. ومعنى {آخر دعواهم} أنهم يختمون به دعاءهم فهم يكررون {سبحانك اللهم} فإذا أرادوا الانتقال إلى حالة أخرى من أحوال النعيم نَهَّوْا دعاءهم بجملة {الحمد لله رب العالمين}. وسياق الكلام وترتيبه مشعر بأنهم يدعون مجتمعين، ولذلك قرن ذكر دعائهم بذكر تحيتهم، فلعلهم إذا تراءوا ابتدروا إلى الدعاء بالتسبيح فإذا اقترب بعضهم من بعض سلم بعضهم على بعض. ثم إذا رَاموا الافتراق ختموا دعاءهم بالحمد، فأنْ تفسيرية لآخِر دعواهم، وهي مؤذنة بأن آخر الدعاء هو نفس الكلمة {الحمد لله رب العالمين}. وقد دل على فضل هاتين الكلمتين قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كلمتان حبيبتان إلى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.»
الواحدي
تفسير : {يهديهم ربُّهم بإيمانهم} أَيْ: إلى الجنان ثواباً لهم بإيمانهم. {دعواهم} دعاؤهم {فيها سبحانك اللهم} وهو أنَّهم كلَّما اشتهوا شيئاً قالوا: سبحانك اللَّهم، فجاءهم ما يشتهون، فإذا طعموا ممَّا يشتهون قالوا: الحمد لله ربَّ العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {بِإِيمَانِهِمْ} {ٱلأَنْهَارُ} {جَنَّاتِ} (9) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَاتَّقَوْهُ، وَتَبَصَّرُوا بِمَا خَلَقَ اللهُ فِي الكَوْنِ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ إِيمَاناً وَيَقِيناً، وَعَمِلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ صَالِحَاتِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ إِيمَانَهُمْ وَأَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَاتِ سَتَكُونُ لَهُمْ نُوراً يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ التِي وَعَدَهُمْ بِهَا رَبُّهُمْ، وَهِيَ جَنَّةُ رِفهٍ وَنَعِيمٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يتحدث الحق سبحانه عن المقابل، وهم الذين آمنوا، ويعُلِّمنا أنه سبحانه: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}. والهداية - كما قلنا من قبل - معناها الدلالة على الخير، بالمنهج الذي أرسله الحق سبحانه لنا، وبه بيَّن الحق السُّبُلَ أمام المؤمن والكافر، أما الذي يُقبل على الله بإيمان فيعطيه الحق سبحانه وتعالى هداية أخرى؛ بأن يخفف أعباء الطاعة على نفسه، ويزيده سبحانه هدى بالمعروف؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. وهكذا يتلقى المؤمن مشقات الطاعة بحب؛ فيهونّها الحق سبحانه عليه ويجعله يدرك لذة هذه الطاعة؛ لتهون عليه مشقتها، ويمده سبحانه أيضاً بالمعونة. يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}. وما داموا قد آمنوا؛ فسبحانه يُنزِل لهم الأحكام التي تفيدهم في حياتهم وتنفعهم في آخرتهم، أو أن الهداية لا تكون في الدنيا بل في الآخرة، فما دامو قد آمنوا، فهم قد أخذوا المنهج من الله سبحانه وتعالى وعملوا الأعمال الصالحة، يهديهم الحق سبحانه إلى طريق الجنة. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم...} تفسير : [الحديد: 12]. ويقول سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ...} تفسير : [التحريم: 8]. أي: أن نورهم يضيء أمامهم. أما المنافقون فيقولون للذين آمنوا: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ...} تفسير : [الحديد: 13]. أي: أن هذا ليس وقتَ التماس النور، فالوقت - لالتماس النور - كان في الدنيا؛ باتباع المنهج والقيام بالصالح من الأعمال. إذن: فالحق سبحانه يهدي للمؤمنين نوراً فوق نورهم في الآخرة. والآية تحتمل الهداية في الدنيا، وتحتمل الهداية في الآخرة. ويصف الحق سبحانه حال المؤمنين في الآخرة فيقول: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [يونس: 9]. وقلنا: إن الجنة على حوافِّ الأنهار؛ لأن الخضرة أصلها من الماء. وكلما رأيتَ مجرى للماء لا بد أن تجد خضرة، والجنات ليست هي البيوت، بدليل قول الحق سبحانه: {أية : وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ...} تفسير : [التوبة: 72]. ونجد الحق سبحانه يقول مرة: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ...} تفسير : [التوبة: 100]. ويقول سبحانه في مواضع أخرى: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...} تفسير : [البقرة: 25]. والحق سبحانه يعطينا صوراً متعددة عن الماء الذي لا ينقطع، فهي مياه ذاتية الوجود في الجنة لا تنقطع أبداً. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، أي يزيدهم في هداهم بسبب إيمانهم السابق، ويثيبهم إلى طريق الجنة بسبب إيمانهم السابق، والظاهر أن يكون تجري مستأنفاً فيكون قد أخبر عنهم بخبرين عظيمين أحدهما هداية الله لهم وذلك في الدنيا والآخرة، ويجريان الأنهار وذلك في الآخرة كما تضمنت الآية في الكفار شيئين أحدهما اتصافهم بانتفاء رجاء لقاء الله وما عطف عليه. والثاني مقرهم ومأواهم فصار تقسيماً للفريقين في المعنى لما هداهم ونعمهم بالجنة نزهوا الله تعالى وقدسوه بقولهم: سبحانك اللهم. واللهم تقدم الكلام عليه. {تَحِيَّتُهُمْ} أي تحية بعضهم لبعض أو تحية الملائكة لهم كما قال: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} تفسير : [الرعد: 23] وإن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن لازم الحذف، والجملة بعدها خبر انّ وأن وصلتها خبر قوله: وآخر دعواهم. وزعم صاحب النظم أنّ أنْ هنا زائدة؛ والحمد لله خبر وآخر دعواهم وهو مخالف لنصوص النحويين. {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} الآية، قال مجاهد: نزلت في دعاء الرجل على نفسه وماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم وانتصب استعجالهم على أنه مصدر تشبيهي تقديره استعجالاً مثل استعجالهم. وقال الزمخشري: أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم انتهى مدلول عجل غير مدلول استعجل، لأن عجل يدل على الوقوع، واستعجل يدل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله تعالى، وهذا مضاف إليهم فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين أن يكون التقدير تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير فشبه التعجيل بالاستعجال لأن طلبتهم للخير ووقوع تعجيله مقدم عندهم على كل شىء، والثاني أن يكون ثم محذوف يدل عليه المصدر تقديره ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوا به استعجالهم بالخير لأنهم كانوا يستعجلونه بالشر ووقوعه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلونه بالخير. وقرىء: لقضي مبنياً للمفعول أجلهم بالرفع، ولقضي مبنياً للفاعل وفيه ضمير يعود على الله تعالى وأجله نصب على المفعول، والفاء في فنذر جواب ما أخبر به عنهم على طريق الاستئناف تقديره فنحن نذر، قاله الحوفي. وقال أبو البقاء: فنذر معطوف على فعل محذوف تقديره ولكن نمهلهم فنذر. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ} الآية. مناسبتها لما قبلها أنه لما استدعوا حلول الشر بهم وأنه تعالى لا يفعل ذلك بطلبهم بل يترك من لا يرجو لقاءه يعمه في طغيانه بين شدة افتقار الناس إليه واضطرارهم إلى استمطار إحسانه مسيئهم ومحسنهم. والظاهر أنه لا يراد بالإِنسان هنا شخص معين وأنه لا يراد به الكافر بل المراد الإِنسان من حيث هو سواء كان كافراً أم عاصياً بغير الكفر ولجنبه حال، أي مضطجعاً. ولذلك عطف عليه الحالان وذو الحال الضمير في دعانا والعامل فيه دعانا أي دعانا متلبساً بأحد هذه الأحوال واحتملت هذه الأحوال الثلاثة أن تكون لشخص واحد واحتملت أن تكون لأشخاص إذ الإِنسان جنس. والمعنى أن الذي أصابه الضر لا يزال داعياً ملتجئاً راغباً إلى الله تعالى في جميع حالاته كلها وابتدأ بالحالة الشاقة وهي اضطجاعه وعجزه عن النهوض وهي أعظم في الدعاء وآكد، ثم بما يليها وهي حالة القعود وهي حالة العجز عن القيام ثم بما يليها وهي حالة القيام وهي حالة العجز عن المشي فتراه يضطرب ولا ينهض للمشي كحالة الشيخ الهرم. والجملة من قوله: كأن لم يدعنا إلى ضر مسّه في موضع الحال، أي إلى كشف ضر مسّه. والكاف في {كَذٰلِكَ} في موضع نصب، أي مثل ذلك. والإِشارة بذلك إلى تزيين الإِعراض عن الابتهال إلى الله تعالى عند كشف الضر وعدم شكره وذكره على ذلك. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا} الآية، هذا إخبار لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطاب لهم بإِهلاك من سلف قبلهم من الأمم بسبب ظلمهم وهو الكفر على سبيل الردع لهم والتذكير بحال من سبق من الكفار والوعيد لهم وضرب الأمثال فكما فعل بهؤلاء يفعل بكم ولفظة لما مشعرة بالعلية وهي حرف تعليق في الماضي، وجاءتهم ظاهرة أنه معطوف على ظلموا أي لما حصل هذان الأمران مجيء الرسل بالبينات وظلمهم أهكلوا. والظاهر أن الضمير في أو ما كانوا، عائد على القرون وأنه معطوف على قوله ظلموا، والكاف في {كَذٰلِكَ} في موضع نصب أي مثل ذلك الجزاء وهو الإِهلاك نجزي القوم المجرمين، فهذا وعيد شديد لمن أجرم يدخل فيه أهل مكة وغيرهم. والخطاب في: {جَعَلْنَاكُمْ} لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى استخلفناكم في الأرض بعد القرون المهلكة. {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} خيراً أم شراً فنعاملكم على حسب عملكم. ومعنى لننظر ليتبين في الوجود ما علمناه أزلاً فالنظر مجاز عن هذا.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد، وبالعكس: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وتوحيده {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة من عنده؛ لإصلاح أحوالهم {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} إلى فضاء توحيده {بِإِيمَانِهِمْ} ويقينهم العلمي {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} أي: جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر التوحيد، من صبغة باليقين العيني والحقي {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [يونس: 9] أي: هم مخلدون في مستلذاتهم الروحانية. {دَعْوَاهُمْ فِيهَا} ومناجاتهم مع ربهم، بعدما انقطعوا عن السلوك والتكميل: {سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} أي: اللهم إنَّا ننزهك تنزيهاً، ونقدسك تقديساً عن جميع ما يليق بجنات قدسك {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا} أي: ترحيب بعض أرباب الدرجات مع بعض على تفاوت مراتبهم {سَلاَمٌ} وتسليم؛ لتحققهم بمقام الرضا ومقعد الصدق {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} بعد وصولهم إلى غاية مأمولهم: {أَنِ ٱلْحَمْدُ} والمنة والثناء {للَّهِ} المنعم المفضل {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [يونس: 10] يربيهم بأنواع اللطف والكرام تفضلاً منه سبحانه وامتناناً. ثم قال سبحانه حثاً لعباده إلى الرجوع والتوجه نحوه: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ} المدبر لأمومر عباده {لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} حين استعجلوه؛ لغرض من الأغارض {ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} أي: كاستعجال الخير لهم حين طلبوا، أو دعوا لأجله {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} يعني: انقرض مدة حياتهم بحلول أجلهم بدعائهم، ولكن أمهلناهم؛ رجاء أن يستغفروا منهم من يستغفر، وبالجملة: {فَنَذَرُ} وتترك المصرين {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} ورضوا بالحياة الدنيا واقتصروا عليها، وأنكروا يوم الجزاء واللقاء {فِي طُغْيَانِهِمْ} المتجاوز عن الحد {يَعْمَهُونَ} [يونس: 11] يترددون؛ إمهالاً لهم وتهويلاً لعذابهم. {وَ} من شدة عمههم وطغيانهم {إِذَا مَسَّ} وعرض {ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ} أي: ما يضره من مرض مؤلم وأمر مفجع مفزع {دَعَانَا} متشكياً إلينا، باثاً شكواه عندنا، ملقياً {لِجَنبِهِ} إن لم يقدر على غيره {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} متضرعاً متفجعاً مستكشفاً {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} وعجلنا له مراده تجاوز عنا وعن أمرنا، ولم يتلفت إلينا أصلاً، وصار من شدة عمهه وغفلته {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ} كشف {ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ} أي: مثل ما سمعت {زُيِّنَ} أي: حبب وحسن {لِلْمُسْرِفِينَ} المنهمكين في الغي والضلال {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] من مخالفة أمر الله، ومخاصمة رسوله والمؤمنين المتابعين له، والإصرار على ما هم عليه من العتو والعناد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: جمعوا بين الإيمان، والقيام بموجبه ومقتضاه من الأعمال الصالحة، المشتملة على أعمال القلوب وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة. { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم،. ولهذا قال: { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ } الجارية على الدوام { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور، والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم، وسماع الأصوات المطربات، والنغمات المشجيات، والمناظر المفرحات. ونعيم البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر ببال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون. { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } أي عبادتهم فيها لله، أولها تسبيح لله وتنزيه له عن النقائض، وآخرها تحميد لله، فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي لهم أكمل اللذات، الذي هو ألذ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو لهم بمنزلة النَّفَس، من دون كلفة ومشقة. { و } أما { تَحِيَّتُهُمْ } فيما بينهم عند التلاقي والتزاور، فهو السلام، أي: كلام سالم من اللغو والإثم، موصوف بأنه { سَلامٌ } وقد قيل في تفسير قوله { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ } إلى آخر الآية، أن أهل الجنة -إذا احتاجوا إلى الطعام والشراب ونحوهما- قالوا سبحانك اللهم، فأحضر لهم في الحال. فإذا فرغوا قالوا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):