Verse. 1403 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

بَلْ كَذَّبُوْا بِمَا لَمْ يُحِيْطُوْا بِعِلْمِہٖ وَلَمَّا يَاْتِہِمْ تَاْوِيْلُہٗ۝۰ۭ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الظّٰلِــمِيْنَ۝۳۹
Bal kaththaboo bima lam yuheetoo biAAilmihi walamma yatihim taweeluhu kathalika kaththaba allatheena min qablihim faonthur kayfa kana AAaqibatu alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» أي القرآن ولم يتدبروه «ولما» لم «يأتهم تأويله» عاقبة ما فيه من الوعيد «كذلك» التكذيب «كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين» بتكذيب الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فكذلك نُهلك هؤلاء.

39

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال؛ فهذا يدلّ على أنه يجب أن يُنظر في التأويل. وقوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم. أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب؛ قاله الضحاك. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه) قال نعم، في موضعين: «بَلْ كَذَّبُوا بمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» وقوله: {أية : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}تفسير : [الأحقاف: 11]. {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يريد الأُمم الخالية، أي كذا كانت سبيلهم. والكاف في موضع نصب. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي أخذهم بالهلاك والعذاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } أي القرآن ولم يتدبروه {وَلَمَّا } لم {يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } عاقبة ما فيه من الوعيد {كَذٰلِكَ } التكذيب {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ } بتكذيب الرسل: أي آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك نُهلك هؤلاء.

ابن عطية

تفسير : المعنى: ليس الأمر كما قالوا في أنه مفترى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه}، وهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد بها الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله على هذا يراد به ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله {أية : هل ينظرون إلا تأويله} تفسير : [الأعراف: 53]، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيداً، والمعنى الثاني أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبىء بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به معرفة ولا أحاطوا بعلم غيوبه وحسن نظمه ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه، و {الذين من قبلهم } يريد من سلف من أمم الأنبياء، قال الزجّاج {كيف } في موضع نصب على خبر {كان } ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر " لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه. قال القاضي أبو محمد: هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا " كيف " في كل مكان معاملة الاستفهام المحض في قولك: كيف زيد، ولـ " كيف " تصرفات غير هذا، وتحل محل المصدر الذي هو كيفية وتخلع معنى الاستفهام، ويحتمل هذا أن يكون منها ومن تصرفاتها قولهم: كن كيف شئت، وانظر قول البخاري: كيف كان بدء الوحي فإنه لم يستفهم وذكر الفعل المسند إلى " العاقبة " لما كانت بمعنى المآل ونحوه وليس تأنيثها بحقيقي، وقوله تعالى: {ومنهم من يؤمن به } الآية، الضمير في {منهم } عائد على قريش، ولهذا الكلام معنيان قالت فرقة: معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من حتم الله أنه لا يؤمن به أبداً، وقالت فرقة: معناه من هؤلاء القوم من هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه وعلمه بأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن حق، حفظاً لرياسته أو خوفاً من قومه، كالفتية الذين خرجوا إلى بدر مع الكفار فقتلوا فنزل فيهم {أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [ النساء: 97] وكالعباس ونحو هذا، ومنهم من ليس بمؤمن. قال القاضي أبو محمد: وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار، وإضعاف نفوسهم، وأن يكون بعضهم على وجل من بعض، وفي قوله {وربك أعلم بالمفسدين }، تهديد ووعيد، وقوله {وإن كذبوك }، آية مناجزة لهم ومتاركة وفي ضمنها وعيد وتهديد، وهذه الآية نحو قوله {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] إلى آخر السورة، وقال كثير من المفسرين منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال لأن هذه مكية، وهذا صحيح، وقوله تعالى {ومنهم من يستمعون إليك }، جمع {يستمعون } على معنى {من} لا على لفظها، ومعنى الآية: ومن هؤلاء الكفار من يستمع إلى ما يأتي به من القرآن بإذنه ولكنه حين لا يؤمن ولا يحصل فكأنه لا يسمع، ثم قال على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأنت يا محمد تريد أن تسمع الصم. أي لا تكترث بذلك، وقوله { ولو كانوا لا يعقلون} معناه: ولو كانوا من أشد حالات الأصم، لأن الأصم الذي لا يسمع شيئاً بحال، فذلك لا يكون في الأغلب إلا مع فساد العقل والدماغ فلا سبيل أن يعقل حجة ولا دليلاً أبداً، {ولو} هذه بمعنى " إن" وهذا توقيف للنبي صلى الله عليه وسلم أي الزم نفسك هذا، وقوله {ومنهم من ينظر إليك } الآية، هي نحو الأولى في المعنى، وجاء {ينظر} على لفظ {من}، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن يعطف آخر على اللفظ، لأن الكلام يلبس حينئذ، وهذه الآية نحو الأولى في المعنى كأنه قال: ومنهم من ينظر إليك ببصره لكنه لا يعتبر ولا ينظر ببصيرته، فهو لذلك كالأعمى فهون ذلك عليك، أفتريد أن تهدي العمي، والهداية أجمع إنما هي بيد الله عز وجل.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِعِلْمِهِ} بعلم التكذيب لشكهم فيه، أو بعلم ما فيه من الوعد والوعيد. {تَأْوِيلُهُ} ما فيه من البرهان، أو ما يؤول إليه من عقابهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} [الآية: 39]. قال بعضهم: كذبوا أولياء الله فى براهينهم، لما حرموا ما خص القوم به، والمحروم من حرم حظه من قبولهم وتصديقهم والإيمان بما يظهر عليهم من أنواع الكرامات. قال أبو تراب النخشبى: إذا بعدت القلوب عن الله مقتت القائمين بحقوق الله. وقال على بن أبى طالب عليه السلام: الناس أعداء ما جهلوا.

القشيري

تفسير : قابلوا الحقَّ بالتكذيب لِتَقاصُر علومهم عن التحقيق، فالتحقيقُ من شرط التصديق، وإنما يؤمِن بالغيب مَنْ لوَّح - سبحانه - لقلبه حقائق البرهان، وصَرَفَ عنه دواعي الرِّيَب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} بين الله سبحانه عجز خواطر الجهل عن ادراك علوم المجهولة عند اكثر الخلق والذات فلما لم يكونوا من اهل الخطاب كذبوا حقائق الخطاب الذى جرى على لسان الاولياء والصديقين والانبياء والمقربين وهكذا عادة المفلسين والمنكرين كرامات اهل المشاهدات وفراسات اهل المكاشفات لجهلهم وغرورهم وقياساتهم الفاسدة قال تعالى واذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم يسمعون حقائق كلمات القوم التى هى مخبر عن حقايق اسرار الغيب ويسمونها طامات يا ليتهم لو يشمون من الف === لطاروا من الفرح بواحد انها لكن ما خلقوا لقبول الخلائق قال بعضهم كذبوا اولياء الله فى براهينهم لما حرموا ما خص القوم به والمحروم من حرم خطه من قبولهم وتصديقهم الايمان بما يظهر الله عليهم من انواع الكرامات قال ابو تراب النخشى اذا بعدت القلوب عن الله مقتت القائمين بحقوق الله وقال امير المؤمنين على ابن ابى طالب كرم الله وجهه الناس اعجائ لما جهلوا ثم بين سبحانه انهم يحرمون من سماع الخطاب الخاصة وعن رؤية جمال القديم بالبصاير الصافية عن كدورات عوارض البشرية بقوله {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} هذه الاية مصدق الاول لما لم يسمعوا باسماع العقول والافهام خطاب الغيب كذبوا حقائق الالهام ولما لم يبصروا مشاهدة الحق بعيون القلوب كذبوا ما اخبرهم اولياء الله مما راوا من انوار الغيوب صرح الحق سبحانه انهم مسلوبون فى الازل اسماع خصوصية العقول القدسية الملكوتية وابصار الارواح الجبروتية لا جرم لم يكن لهم استعداد قبول الحقائق وعلم الدقائق وقد تبين ان المعرفة لحقائق العلوم المدنية والنظر الى عالم الملكوت لم يكن مكتسبا بل هما موهبتان خاصتان من مواهب الله الخاصة الازلية خص بهما فى سابق علمه واوائل حكمه اهل خالصة وده بغير اعتدال اكتسابهم ولو كان مكتسبا لكان النبى صلى الله عليه وسلم قادرا على ان يسمعهم ويبصرهم بل فضل الله === من يشاء من خواص عباده خالصة عرفانه والحمد لله الذى خص === بسمع الخاصة من اسماء صفاته والحمد لله الذى اصطفى اوليائه البصر الخاص من ابصار صفاته ولم يبق بين ذلك السمع والاسماع والخطاب حجاب ولم يبق بين ذلك البصر والابصار ورؤية جماله === قال الحسين من استمع اليك باياه فانك لا تسمعه انما تسمع من اسمعناه فى الازل فيسمع منك واما من لم تسمعه فما الاصم والسماع فان سمع لم يعقل فكانه لم يسمع قال الله ان يسمع الا من يؤمن باياتنا الا من اجرينا عليه حكم السعادة فى الازل قال بعضهم اذا انت لم يسمع نداء الله فكيف يجب داعى الله وقال الواسطى ليس من ينظر اليك بنفسه يراك انما يراك من ينظر اليك بنا فاما من ينظر اليك بنفسه او به فانه لا يراك ولا يراك الا من يعمر اوقاته فى رويتك ويستغرق هو فيها قال الله وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون فقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن رانى ومن رانى من رانى ثم بين سبحانه ان ما يجرى فى الاكوان من الامر والقضاء والطاعة والمعصية والكفر والاسلام هو ما جرى فى الازل باقلام الاقدار على الواح الاحكام السابقة بمشيئة الله وارادته القائمة بذاته وفيما قسم فى الازل لخلقه كان حكماً عليماً حكيما لم يظلم فى ذلك حيث اختار قوما بالولاية والنبوة والزم قوما الكفر والضلالة لانه مالك الملك يتصرف فى ملكه كما يشاء بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} لا يظلم على الكافر والمطرود اذا عاقبهم فانهم مخلوقين فى الازل لقهره لا للطفه ولا يظلم على اهل لطفه حيث يربيهم بلطائف مشاهدته باقدار حواصلهم ثم اعلمنا ان تلك الطائفتين السعداء والاشقياء يظلمون بانفسهم بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ظلم سعداء المعرفة والمحبة على انفسهم انهم يريدون ان يدركوا الحق بحقيقة ازليته وهم الى ادراك كنهه وهو تعالى عالم بعجز الحدث عن حمل وارد القدم كما هو فيريهم ما يطيقون من نفسه ولو يريهم من حقائقه ذرة يملكون فى اول بوادى سطواتها وظلم استفناء الكفر طلب الربوبية من اهل العبودية قال الواسطى فى هذه الاية لا يتجلى لهم بحقه فان ذلك ظلم لان الخلق لا يحتملونه بل فيه ذهابهم ويستحيل ان يكون لهم من القوة ما يطيقون بحقه اذ فى ذالك مساواة ومقارنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} اى سارعوا الى تكذيب القرآن قبل فهمه فان تكذيب الكلام قبل الاحاطة بمعانيه مسارعة اليه فى اول وهلة ومعنى الاضطراب فى بل ذمهم على التقليد وترك النظر كأنه قيل دع تحديهم والزامهم فانهم لا يستأهلون الخطاب لانهم مقلدون متهافتون فى الامر لا عن خبر وتعقل ولو كان لهم وقوف على ما فى تضاعيف القرآن من شواهد الاعجاز لعلموا انه ليس ما يمكن ان يكون له نظير يقدر عليه المخلوق {ولم يأتهم تأويله} عطف على الصلة او حال من الموصول اى لم يجئهم ما يأول اليه الامر. والمعنى ان القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الاخبار بالغيب وهم قد فاجأوا تكذيبه قبل ان يتدبروا نظمه وينتظروا وقوع ما اخبره به من الامور المستقبلة التى يظهر بعضها فى الدنيا ويظهر بعضها فى الآخرة ليستدلوا بذلك على صحة القرآن وصدق قول النبي عيله السلام ونفى اتيان التأويل بكلمة لما الدالة على التوقيع بعد نفى الاحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فان الشناعة فى تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع اتيانه افحش منها فى تكذيبه قبل علمه مطلقا والمعنى انه كان يجب عليهم ان يتوقفوا الى زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا {كذلك} اى مثل ذلك التكذيب الواقع من قومك {كذب الذين من قبلهم} انبيائهم {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم وانما وصفهم بالظلم لانهم وضعوا التكذيب فى موضع التصديق فكان مآل امرهم الى ما اخبر به الكتب والانبياء من العذاب والهلاك

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين حكى عنهم أنهم قالوا إن محمّداً صلى الله عليه وآله افترى هذا القرآن ولم ينزله الله عليه بأنهم {كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} ومعناه بما لم يعلموه من كل وجوهه؛ لان في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل، ويحتاج إلى الفكر فيه والرجوع إلى الرسول في معرفة مراده وذلك مثل المتشابه، فالكفار لما لم يعرفوا المراد بظاهره كذبوا به، وقالوا انه افترى على الله كذبا، ومعنى كذبوا انهم شهدوا بان الدعاة إلى الله والدعاة إلى الحق من المؤمنين كاذبون جهلا منهم وتوهماً لا حقيقة لهم ولا حجة معهم به. وقوله {ولما يأتهم تأويله} معناه ما يؤول أمره اليه وهو عاقبته. ومعناه متأوله من الثواب والعقاب. ثم حكى الله أنه مثل ذلك كذب الذين من قبلهم أنبياء الله ورسله فأهلكهم الله ودمرهم ثم قال لنبيه {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} يعني ما أدى إلى إهلاكهم بعذاب الاستئصال على ما تقدم من ظلمهم لانفسهم وغيرهم في كذبهم. وقيل في موضع {كيف كان} نصب بأنه خبر كان. ولا يكون معمول (انظر) لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام.

الجنابذي

تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} انكروا ما لم يعلموا شبّه العلم الكامل بالشّيء بشيءٍ محاط من جميع جوانبه بحيث لم يشذّ عن المحيط شيءٌ منه، ففيه اشعار بانّ انكار ما لم يعلم بطلانه علماً يقينيّاً عيانيّاً او برهانيّاً او سماعيّاً بتقليد من يعلم صدقه كذلك مذموم، فانكار بعضٍ على من لم يروه موافقاً لعاداتهم ورسومهم وتسميته حميّة للدّين وحفظاً للاسلام وعقائد المسلمين ليس فى محلّه {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} يعنى انكروا ما لم يعلموا وما لم يعاينوا مصاديقه فيشاهدوا بطلانه فهو عطف على لم يحيطوا او على كذّبوا او حال، ويجوز ان يكون المراد تهديدهم باتيان مصاديق ما فى القرآن او ما فى اخبار النّبىّ (ص) او ما فى الاخبار بولاية علىّ (ع) او المراد بما لم يحيطوا بعلمه القرآن او النّبوّة وبتأويله الولاية فانّها ما يؤل اليه القرآن والنّبوّة لانّهما صورتاها {كَذَلِكَ} التّكذيب من غير علمٍ وعيانٍ {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الامم السّالفة المعاقبة فى الدّنيا {فَٱنْظُرْ} بايّاك اعنى واسمعى يا جارة او هو (ص) مقصود بالخطاب اصالة وغيره تبعاً والغرض تسليته عن تكذيب قومه وتهديد القوم عن تكذيبه {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} اى عاقبتهم والتّعبير بالظّاهر لذمّ آخر.

اطفيش

تفسير : {بَلْ كذَّبُوا بما لَم يُحيطُوا بعِلْمه} وهو القرآن، كذبوا به قبل أن يتأملوا فيما تضمنه من العلوم وفى شأنه، فما واقعة على القرآن، أو كذَّبوا بما لم يحيطوا به علما مما ذكر فى القرآن كالبعث والجزاء، وتحريم الميتة ونحو ذلك مما خالف دينهم، فما غير واقعة على القرآن، وقيل: المراد تكذيبهم بما فيه من إخبار الأمم مما لم يسمعوه، ولا مانع من أن يكون المراد التكذيب بجميع ذلك من البعث والجزاء والاختبار، وغير ذلك. {ولمَّا يأتِهِم تَأويلُه} ما يؤول إليه أمره من وقوع ما فيه من أخبار الغيب، وسيأتيهم وقوعه، أو لما يصل أذهانهم ما يؤول إليه من حقائق معانيه، وسيصلها، ولكن لا يقلعون عن التكذيب عنادا، أو لما يأتهم عاقبة ما فيه بالوعيد، وستأتيهم بيوم بدر، ويوم القيامة، أو لما يأتهم ما يؤول أمره من الإعجاز، ألم يظهر لهم؟ وقد ظهر لهم بعد أن عارضوه فلم يقدروا، ولما على أصلها من التوقع، والواو للحال، وقيل: لما هنا بمعنى لم لا توقع فيها، ووقع ما نفته إنما يستفاد من خارج، وليس بشئ، وقيل: الواو للاستئناف وهو ضعيف، وإنما هو للحال، ولما على أصله، فكأنه قيل: سارعوا إلى التكذيب قبل أن يحضر التأويل. {كَذلكَ} أى تكذيبهم {كَذَّب الَّذينَ مِنْ قَبلِهم} أنبياءهم من غير تأمل {فانظر} يا محمد، أو أيها الإنسان {كَيفَ} خبر مقدم {كانَ عاقِبةُ الظَّالمينَ} أنفسهم وأنبياءهم بالتكذيب، كانت عاقبتهم الهلاك، فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم.

اطفيش

تفسير : {بَلْ كَذَّبُوا} أَى سارعوا إِلى التكذيب بدليل قوله {بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} فإِنهم كذبوا قبل أَن يتعرفوه وقبل انتظار تأْويله، وذلك عجلة ومسارعة للهوى، أَو للعناد فأَنى لهم افتخار بالعناد كما يسمون أَولادهم بالعاصى بمعنى أَنه قوى لا يلين لأَحد... وقال شاعر: شعر : فعـانــد مــن تطيــق لــه عنـــادا تفسير : والعناد يكون قبل العلم وبعده، والمراد القرآن، ويجوز أَن يكون المراد مضمونه من البعث والجزاءِ وما يخالف دينهم، ومعنى الإِضراب ذمهم على العناد وأَمره بالإِعراض عن تحديهم بأَن يأْتوا بسورة فإِنهم ليسوا أَهلا لذلك لكونهم مكبي على العناد، والواو للحال أَو عاطفة على لم يحيطوا إِلخ، وتأْويله عاقبة ما فيه من قولك أَولت الشىءَ بمعنى أَرجعته، فالله جل وعلا يرجع أَلفاظ القرآن إِلى حضور معانيه الذى من شأْنه أَن ينتظر وقوعه، وهو وقوع ما أَخبر من الغيوب وقبول الأَذهان بالتفكر فيه، أَو المراد العذاب، ولو جاءَهم العذاب لم ينتظر بعد، ولم ينفعهم شىءٌ، والنفى بلما دليل على أَنه سيأْتيهم تأويله، وقد أَتاهم قبل نزول هذا الآية بعضه، فأَخبر الله أَنهم كذبوا قبل التأْويل، ولما جاءَهم التأْويل استمروا على الكفر {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} رسلهم وأَنبياءَهم بلا تأَمل أَو عنادا فأُهلكوا، أَن يهلكوا كما أُهلك من قبلهم كما قال {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} من الهلاك كذلك تكون عاقبة قومك إِن لم يؤمنوا.

الالوسي

تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} قيل: هو إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي إلى إظهاره ببيان أنه كلام ناشىء عن عدم علمهم بكنه أمره والاطلاع على شأنه الجليل فما عبارة عن القرآن وهو المروي عن الحسن وعليه محققو المفسرين، وقيل: هي عبارة عما ذكر فيه مما يخالف دينهم كالتوحيد والبعث والجزاء وليس بذاك سواء كانت الباء للتعدية كما هو المتبادر أم للسببية، والمراد أنهم سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبروا ما فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفاً ويعلموا أنه ليس مما يمكن أن / يؤتى بسورة مثله، والتعبير عنه بهذا العنوان دون أن يقال: بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علماً إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} عطف على الصلة أو حال من الموصول أي ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع برهانه، فالتأويل نوع من التفسير، والإتيان مجاز عن المعرفة والوقوف، ولعل اختياره للإشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها بنفسها، وجوز أن يراد بالتأويل وقوع مدلوله وهو عاقبته وما يؤول إليه وهو المعنى الحقيقي عند بعض فإتيانه حينئذٍ مجاز عن تبينه وانكشافه، أي ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يظهر أنه صدق أم كذب. والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم. والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب وهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفكروا في معناه أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة، ونفي إتيان التأويل بكلمة {لَّمّاً} الدالة على توقع منفيها بعد نفي الإحاطة بعلمه بكلمة ـ لم ـ لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقاً. وادعى بعضهم أن الإضراب عن التكذيب عناداً المدلول عليه بقوله سبحانه: {أية : قُلْ فَأْتُواْ }تفسير : [يونس: 38] الخ فإن الإلزام إنما يأتي بعد ظهور العجز، ومعنى هذا الإضراب ذمهم على التقليد وترك النظر مع التمكن منه وهو أدخل في الذم من العناد من وجه، وذلك لأن التقليد اعتراف من صاحبه بالقصور في الفطنة ثم لا يعذر فيه فلا يرتضي ذو عقل أن يقلد رجلاً مثله من غير تقدم عليه بفطنة وتجربة وأما العناد فقد يحمده بعض النفوس الأبية بل في أشعارهم ما يدل على أنهم مفتخرون بذلك كقولهم شعر : : فعاند من تطيق له عناداً تفسير : ولا رد أن العناد لما كان بعد العلم كان أدخل في الذم فلا نسلم أنه أدخل فيه من التقليد بل من الجهل قبل التدبر دون اقتران التقليد به، وإن سلم فهذا أيضاً أدخل من وجه، وقد جعل مصب الإنكار على جمعهم بين الأمرين والجمع على كل حال أدخل من التفرد بواحد صح الإضراب فكأنه قيل: دع تحديهم وإلزامهم فإنهم لا يستأهلون الخطاب لأنهم مقلدون متهافتون في الأمر لا عن خبر وحجى. وقد ذكر الزمخشري في هذا المقام ثلاثة أوجه، الوجه الأول أن التقدير أم كذبوا وقالوا هو مفترى بعد العلم بإعجازه عناداً بل كذبوا به قبل أن يأتيهم العلم بوجه إعجازه أيضاً فهم مستمرون على التكذيب في الحالين مذمومون به موسومون برذيلتي التقليد والعناد جامعون بينهما بالنسبة إلى وقتين، ووجه ذلك بأن {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} صريح في تكذيبهم قبل العلم بوجه الإعجاز {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} يدل على امتداد هذا التكذيب إلى مجىء التأويل المنتظر بالنسبة إلى تكذيبهم قبل لا بالنسبة إلى زمان الإخبار فإن التأويل أيضاً واقع، وحينئذٍ إما أن يكون التكذيب قد زال فلا يتوجه عليهم الذم بالتكذيب الأول وإما أن يكون مستمراً وهو الواجب ليصح كونه وارداً ذماً لهم بالتسرع إلى التكذيب الذي هو منطوق النص فيجب أن يكون العطف على قوله سبحانه: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ }تفسير : [يونس: 38] ويكون ذلك لبيان أنهم كذبوا عن علم وهذا لبيان تكذيبهم قبله أيضاً ويكون الجهتان منظورتين وأنهم مذمومون فيهما. والحاصل أن {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}تفسير : [يونس: 38] لا مرية فيه أنه تكذيب بعد العلم لمكان الأمر بعده. لكن لما جعل التوقع / المفاد بلما لعلم الإعجاز لزم أن يكون بالنسبة إلى حالهم الأولى وهو التكذيب قبل العلم فإن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يتوقع زواله بالعلم ويكون معنى المبالغة في {لَّمّا} الإشعار باستغراق الوقت للتكذيب إلى زمان التأويل المنتظر الواقع الذي كذبوا فيه عناداً وبغياً. الوجه الثاني: حمل التأويل على المعنى الثاني الذي ذكرناه. والمعنى بل سارعوا إلى التكذيب قبل الإحاطة بعلمه ليعرفوا إعجاز نظمه، وقيل: إتيان التأويل المنتظر وهو ما يؤول إليه من الصدق في الإخبار بالمغيبات، والمقصود من هذا ذمهم بالتسارع إلى التكذيب من الوجهين لكن لما كان مع الوجهين علم ما يتضمنه لو يدبروا لم يكن فيه شيء منتظر والثاني لما لم يكن كذلك كان فيه أمر منتظر، وأتى بحرف التوقع دليلاً عن أن هذا المنتظر كائن وسيظهر أنهم مبطلون فيه أيضاً كالأول ولا نظر إلى أنهم مذمومون حالتي العناد والتقليد بل المقصود كمال إظهار الإلزام بأنه مفروغ عنه مع أمثالهم للتهافت المذكور. الوجه الثالث أن {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ }تفسير : [يونس: 38] ذم لطائفة كذبوا عن علم وهذا ذم لأخرى كذبت عن شك ولما وجد فيما بينهم القسمات أسند الكل إلى الكل وليس بدعا في القرآن، والغرض من الإضراب تعميم التكذيب وانه كان الواجب على الشاك التوقف لا التسرع إلى التكذيب ومعنى التوقع أنه سيزول شكهم فسيعلم بعضهم ويبقى بعض على ما هو عليه، والآية ساكتة عن التفصيل ناطقة بزوال الشك ولا خفاء أن الشاك ينتظر وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يتوقع زوال شكهم انتهى. ولا يخفى أن ما نقلنا أولاً أولى بالقبول عند ذوي العقول. وأورد على دعوى أن {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ }تفسير : [يونس: 38] تكذيب بعد العلم أنها ناشئة من عدم العلم وما سيق لاثباتها في حيز المنع فإن الإلزام بعد التحدي وذلك القول قبله، وكونه مسبوقاً بالتحدي الوارد في سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية. نعم ربما يقال في الاستدلال على كون ذلك القول بعد العلم بوقوع حكايته في النظم الكريم بعد حكاية الإشارة إلى مضمونه بقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ }تفسير : [يونس: 15] ورده بما سمعته هناك حسبما قرره الجمهور، وبيان ذلك أنهم نقل عنهم أولاً الإشارة إلى نسبة الافتراء إلى سيد الصادقين صلى الله عليه وسلم ثم نقل عنهم التصريح بذلك، والظاهر أن الأمر حسبما نقل لكثرة وقوع التصريح بعد الإشارة، وقد تخلل ردٌّ ماأشاروا إليه في البين فيحتمل أنهم عقلوه وعلموا الحق لكنهم لم يقروا به عناداً وبغياً فصرحوا بما صرحوا فيكون ذلك منهم بعد العلم ولترقيهم من الإشارة إلى التصريح ترقى في إلزامهم فإن هذا التحدي أظهر في الإلزام مما تقدم كما هو ظاهر، لكن للمناقشة في هذا مجال. ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون الاضراب عن ذمهم بالتكذيب بالقرآن إلى ذمهم بالمسارعة إلى تكذيب ما لم يحيطوا به علماً وأن الوقوف على العلم به متوقع سواء كان قرآناً أو غيره ـ فما ـ عامة للأمرين ويدخل القرآن في العموم دخولاً أولياً ولعله أولى مما قيل: إنه اضراب عن مقدر وينبغي أن تسمى ـ بل ـ هذه فصيحة فإن المعنى فما أجابوا أو ما قدروا أن يأتوا بل كذبوا الخ. {كَذٰلِكَ} أي مثل تكذيبهم من غير تدبر وتأمل {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي فعلوا التكذيب أو كذبوا أنبياءهم فيما أتوا به {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عاماً لكل من يصلح له، والمراد بالظالمين الذين من قبلهم، ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب ظلماً / وبعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الذين حكى عنهم ما حكى في زمرتهم جرماً ووعيداً دخولاً أولياً، والفاء لترتيب ما بعدها على محذوف ينساق إليه الكلام أي فأهلكناهم فانظر الخ، و(كيف) في موضع نصب خبر {كَانَ}، وقد يتصرف فيها فتوضع موضع المصدر وهو كيفية ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية، وهي هنا تحتمل ذلك، وكذا قول البخاري رضي الله تعالى عنه: ـ كيف كان بدء الوحي ـ كما قال السمين؛ ونقل عنه أن فعل النظر معلق عن العمل لمكان كيف لأنهم عاملوها في كل موضع معاملة الاستفهام المحض.

ابن عاشور

تفسير : {بل} إضرابٌ انتقالي لبيان كنه تكذيبهم، وأن حالهم في المبادرة بالتكذيب قبل التأمل أعجب من أصل التكذيب إذ إنهم بادروا إلى تكذيبِه دون نظر في أدلة صحته التي أشار إليها قوله: {أية : وما كان هذَا القرآن أن يفترى من دون الله}تفسير : [يونس: 37]. والتكذيب: النسبة إلى الكذب، أو الوصف بالكذب سواء كان من اعتقاد أم لم يكنه. واختيار التعْبير عن القرآن بطريق الموصولية في قوله: {بما لم يحيطوا بعلمه} لِمَا تؤذن به صلة الموصول من عجيب تلك الحالة المنافية لتسليط التكذيب، فهم قد كذبوا قبل أن يختبروا، وهذا من شأن الحماقة والجهالة. والإحاطة بالشيء: الكون حوله كالحَائط، وقد تقدم آنفاً في قوله: {أية : وظنوا أنهم أحيط بهم}تفسير : [يونس: 22]. ويكنى بها عن التمكن من الشيء بحيث لا يفوت منه. ومنه قوله تعالى: {أية : ولا يُحيطون به علماً}تفسير : [طه: 110] وقوله: {أية : وأحاط بما لديهم}تفسير : [الجن: 28] أي علمِه، فمضى {بما لم يحيطوا بعلمه} بما لم يتقنوا علمه. والباء للتعدية. وشأنها مع فعل الإحاطة أن تدخل على المُحاط به وهو المعلوم، وهو هنا القرآن. وعدل عن أن يقال بما لم يحيطوا به علماً أو بما لم يحط علمهم به إلى {بما لم يحيطوا بعلمه} للمبالغة إذ جُعل العِلم معلوماً. فأصل العبارة قبل النفي أحاطوا بعلمه أي أتقنوا عِلْمه أشد إتقان فلما نُفي صار لم يحيطوا بعلمه، أي وكان الحق أن يحيطوا بعلمه لأن توفر أدلة صدقه يحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر عِلمُ أدلته ثم إعادةُ التأمل فيها وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم. وفي هذا مبالغة في فرط احتياجه إلى صدق التأمل، ومبالغة في تجهيل الذين بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيق بالتأمل بعد التأمل. والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه. وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرة وعداوة لا عن اعتقاد كونِه مكذوباً. ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوت: فمنه عدم بحت وهو حال الدهماء، ومنه عدم في الجملة وهو ما يكون بضرب من الشبهة والتردد أو يكون مع رجحان صدقه ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد العقاب. ونظير هذه الآية في سورة [النمل: 84]{أية : قال أكذَّبتم بآياتي ولم تُحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون}تفسير : . وجملة: {ولماَّ يأتهم تأويله} معطوفة على الصلة، أي كذبوا بما لمّا يأتهم تأويله. وهذا ارتقاء في وصفهم بقلة الأنَاةِ والتثبت، أي لو انتظروا حتى يأتيهم تأويل القرآن، أي ما يحتاج منه إلى التأويل بل هم صمموا على التكذيب قبل ظهور التأويل. والتأويل: مشتق من آل إذا رجع إلى الشيء. وهو يطلق على تفسير اللفظ الذي خفي معناه تفسيراً يظهر المعنى، فيؤول واضحاً بعد أن كان خفياً، ومنه قوله تعالى: {أية : وما يعلم تأويله إلا الله}تفسير : [آل عمران: 7] الآية. وهو بهذا الإطلاق قريب من معنى التفسير. وقد مرَّ في سورة آل عمران وفي المقدمة الأولى من هذا التفسير. ويطلق التأويل على اتضاح ما خفي من معنى لفظ أو إشارة، كما في قوله تعالى: {أية : هذا تأويل رؤْياي من قبل}تفسير : [يوسف: 100] وقوله: {أية : هل ينظرون إلا تأويله}تفسير : [الأعراف: 53] أي ظهور ما أنذرهم به من العذاب. والتأويل الذي في هذه الآية يحتمل المعنيين ولعل كليهما مراد، أي لما يأتهم تأويل ما يدَّعون أنهم لم يفهموه من معاني القرآن لعدم اعتيادهم بمعرفة أمثالها، مثل حكمة التشريع، ووقوع البعث، وتفضيل ضعفاء المؤمنين على صناديد الكافرين، وتنزيل القرآن منجماً، ونحو ذلك. فهم كانوا يعتبرون الأمور بما ألفوه في المحسوسات وكانوا يقيسون الغائب على الشاهد فكذبوا بذلك وأمثاله قبل أن يأتيهم تأويله. ولو آمنوا ولازموا النبي صلى الله عليه وسلم لعلموها واحدةً بعد واحدة. وأيضاً لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم التعجيل به دليلاً على الكذب كما قالوا: {أية : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] ظناً أنهم إن استغضبوا الله عَجَّل لهم بالعذاب فظنوا تأخر حصول ذلك دليلاً على أن القرآن ليس حقاً من عنده. وكذلك كانوا يسألون آيات من الخوارق، كقولهم: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] الآية. ولو أسلموا ولازموا النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعلموا أن الله لا يعبأ باقتراح الضُلال. وعلى الوجهين فحرف {لمّا} موضوع لنفي الفعل في الماضي والدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم، وذلك يقتضي أن المنفي بها متوقَّع الوقوع، ففي النفي بها هنا دلالة على أنه سيجيء بيان ما أجمل من المعاني فيما بعد، فهي بذلك وعد، وأنه سيحِل بهم ما توعدهم به، كقوله: {أية : يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}تفسير : [الأعراف: 53] الآية. فهي بهذا التفسير وعيد. وجملة: {كذلك كذّب الذين من قبلهم} استئناف. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أو لمن يتأتى منه السماع. والإشارة بـ{كذلك} إلى تكذيبهم المذكور، أي كان تكذيب الذين مِن قبلهم كتكذيبهم، والمراد بالذين من قبلهم الأممُ المكذبون رسلهم كما دل عليه المشبه به. ومما يقصد من هذا التشبيه أمور: أحدها: أن هذه عادة المعاندين الكافرين ليعلم المشركون أنهم مماثلون للأمم التي كذبت الرسل فيعتبروا بذلك. الثاني: التعريض بالنذارة لهم بحلول العذاب بهم كما حل بأولئك الأمم التي عرف السامعون مصيرها وشاهدوا ديارها. الثالث: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما لقي من قومه إلا مثل ما لقي الرسل السابقون من أقوامهم. ولذلك فرع على جملة التشبيه خطابُ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} أي عاقبة الأمم التي ظلمت بتكذيب الرسل كما كذب هؤلاء. والأمر بالنظر في عاقبة الظالمين مقصود منه قياس أمثالهم في التكذيب عليهم في ترقب أن يحل بهم من المصائب مثل ما حل بأولئك لتعلم عظمة ما يلاقونك به من التكذيب فلا تحسبن أنهم مفلتون من العذاب. والنظر هنا بصري. و{كيف} يجوز أن تكون مجردة عن الاستفهام، فهي اسم مصدر للحالة والكيفية، كقولهم: كن كيف شئت. ومنه قوله تعالى: {أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}تفسير : في سورة [آل عمران: 6]. (فكيف) مفعول به لفعل {انظر}، وجملة: {كان عاقبة الظالمين} صفة {كيف}. والمعنى انظر بعينك حالة صفتها كان عاقبة الظالمين، وهي حالة خراب منازلهم خراباً نشأ من اضمحلال أهلها. ويجوز أن تكون {كيف} اسم استفهام، والمعنى فانظر هذا السؤال، أي جوابَ السؤال، أي تدَبره وتفكَّر فيه. و{كيفَ} خبر {كان}. وفعل النظر معلق عن العمل في مفعوليه بما في {كيف} من معنى الاستفهام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}. التحقيق أن تأويله هنا، هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة، كما قدمنا في أول "آل عمران" ويدل لصحة هذا قوله في "الأعراف": {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} تفسير : [الأعراف: 53] الآية. ونظير الآية قوله تعالى: {أية : بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} تفسير : [ص: 8].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 39- بل سارع هؤلاء المشركون إلى تكذيب القرآن من غير أن يتدبروا، ويعلموا ما فيه، فلم ينظروا فيه بأنفسهم، ولم يقفوا على تفسيره وبيان أحكامه بالرجوع إلى غيرهم، وبمثل هذه الطريقة فى التكذيب من غير علم، كذب الكافرون من الأمم السابقة رسلهم وكتبهم، فانظر - أيها الإنسان - ما آل إليه أمر المكذبين السابقين من خذلانهم وهلاكهم بالعذاب، وهذه سنة الله فى أمثالهم. 40- ومن هؤلاء المكذبين من سيؤمر بالقرآن بعد أن يفطن إلى ما فيه، ويتنبه لمعانيه، ومنهم فريق لا يؤمن به ولا يتحول عن ضلاله، والله سبحانه وتعالى أعلم بالمكذبين المفسدين، وسيجازيهم على ما فعلوه. 41- وإن أصروا على تكذيبك - أيها الرسول - بعد وضوح الأدلة على نبوتك - فقل لهم: إن لى جزاء عملى، ولكم جزاء عملكم كيفما كان، وإنى مستمر فى دعوتى، وأنتم لا تؤاخذون بعملى، وأنا لا أؤاخذ بعملكم، فافعلوا ما شئتم وسيجازى الله كلا بما كسب. 42- ومن هؤلاء الكفار من يستمع إليك - أيها الرسول - حين تدعوهم إلى دين الله، وقد أغلقت قلوبهم دون قبول دعوتك، فأنت لا تقدر على إسماع هؤلاء الصم وهدايتهم، وخاصة إذا أضيف إلى صممهم عدم تفهمهم لما تقول. 43- ومنهم من ينظر إليك ويفكر فى شأنك، فيرى دلائل نبوتك الواضحة، ولكن لا يهتدى بها، فمثله فى ذلك مثل الأعمى، ولست بقادر على هداية هؤلاء العمى، فعمى البصر كعمى البصيرة، كلاهما لا هداية له، فالأعمى لا يهتدى حساً، والضالُّ لا يهتدى معنى. 44- إن الله سبحانه سيجازى الناس بأعمالهم بالعدل والقسطاس، ولا يظلم أحداً منهم شيئاً، ولكن الناس الذين يظلمون أنفسهم باختيارهم الكفر على الإيمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} {عَاقِبَةُ} (39) - بَلْ سَارَعَ هَؤُلاَءِ المُشُرِكُونَ إِلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ، وَيَقِفُوا عَلَى مَا احْتَوَاهُ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَالحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى سُمُوِّهِ وَكَمَالِهِ وَإِعْجَازِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَقِفُوا عَلَى تَفْسِيرِهِ وَبَيَانِ أَحْكَامِهِ بِسُؤَالِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ كَذَّبَ مِثْلَ هذا التَّكْذِيبِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ، بِلاَ تَبَصُّرٍ وَلاَ تَدَبُّرٍ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَدَمَّرَهُمْ تَدْمِيراً، فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ، رَسُولَ رَبِّهِمْ، لِتَعْلَمَ مَصِيرَ مَنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، لأنَّ هَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا الصنف من الناس الذين {كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ..} [يونس: 39]، وهم من أخذتهم المفاجأة حين حُدِّثوا بشيء لا يعرفونه، والناس أعداء ما جهلوا؛ فكذبوا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن قبل أن يتبينوا جمال الأداء فيه، ونسق القيم العالية، وإذا ما سنحت لهم فرصة يتبينون فيها جمال الأداء، ودقة الإعجاز فهم يتجهون إلى الإيمان. ومثال ذلك: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد كان كافراً ثم علم أن أخته وزوجها قد أسلما؛ فذهب إليها في منزلها وضربها، فأسال دمها، وسيل الدم من أخت بضربة أخيها مثير لعاطفة الحنان، وهذا ما حدث مع عمر؛ فهدأت موجة عناده، فاستقبل القرآن بروح لا عناد فيها؛ فذهب فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من قبل ذلك ممن: {كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ..} [يونس: 39] أي: لم يعرفوا مراميه، وبمجرد أن سمعوا عن رسالته صلى الله عليه وسلم فجأة، اتهموه بالكذب والعياذ بالله. ولذلك اقرأ قول الحق سبحانه: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..}تفسير : [محمد: 16]. وهذا يدل على أنهم لم يفهموا ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وتأتي الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..}تفسير : [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن هدى لمن تتفتح قلوبهم للإيمان، أما القلوب المليئة بالبغض لقائله وللإسلام؛ فهؤلاء لا يمكن أن يصح حكمهم. وإن أراد أي منهم حكماً صحيحاً فليُخرجْ من قلبه ما يناقض ما يسمع، ثم عليه أن يستقبل الأمرين؛ ولسوف يدخل قلبه الأقوى حجة، وهو الإسلام. إذن: فمن امتلأ قلبه بعقيدة كاذبة؛ لا يمكن له أن يهتدي. {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ..} [يونس: 39]. والتأويل هو ما يرجع الشيء إليه، وهذا يوضح لنا أن هناك أقضية من القرآن لم يأت تفسيرها بعد، ستفسرها الأحداث، وقد يقول القرآن الكريم قضية غيبية، ثم يأتي الزمن ليؤكد هذه القضية، هنا نعرف أن تأويلها قد جاء. وهؤلاء القوم قد كَذَّبوا من قبل أن يأتي لهم التأويل، وكان عدم مجيء التأويل هو السبب في تأخر بيان الحق في المسألة لتأخر زمنه. وعلى سبيل المثال، ها هو ذا عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قامت المعركة بين معاوية بن أبي سفيان والإمام علي - رضي الله عنه - وَقاتَلَ عمَّار في صف عليّ، وقُتِل. هنا تنبه الصحابة إلى تأويل حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : ويح عمار.. تقتله الفئة الباغية ". تفسير : وهكذا جاء تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تحقق في الواقع، وكان هذا سبباً في انصراف بعض الصحابة عن جيش معاوية. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ..} [يونس: 39]. أي: أن التأويل لم يظهر لهم بعد. ومن أدوات النفي: "لم" مثل قولنا: "لم يَجِيءْ فلان"، ونقول أيضاً: "لما يجيء فلان"، والنفي في الأولى جزم غير متصل بالحاضر، كأنه لم يأت بالأمس. أما النفي بـ "لما" فيعني أن المجيء مُنْتف إلى ساعة الكلام، أي: الحاضر، وقد يأتي من بعد ذلك؛ لأن "لما" تفيد النفي، وتفيد توقُّع الإثبات. والحق سبحانه يقول: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..}تفسير : [الحجرات: 14]. وهؤلاء القوم من الأعراب قالوا: {آمَنَّا} رغم أنهم راءوا المسلمين وقلدوهم زيفاً ونفاقاً، ولم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم بعد، وحين سمعوا قول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 14]. قالوا: الحمد لله؛ لأن معنى ذلك أن الإيمان سوف يدخل قلوبهم. وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 142]. فحين سمعوا ذلك قالوا: إذن: وثقنا أنه سيأتي علم الله سبحانه بنا كمجاهدين وصابرين. وهكذا نعرف أن {لَمَّا} تعني أن المنفي بها متوقع الحدوث. والتأويل كما نعلم هو مرجع الشيء. وقد جاء في القرآن الكثير من الأخبار لم تكن وقت ذكرها بالقرآن متوقعة، أو مظنة أن توجد. وحين وُجدت ولا دخل لبشر في وجودها، فهذا يعني أن قائل هذا الكلام قد أخذه عَمَّن يقدر على أن يوجد، مثلما جاء في خبر انتصار الروم على الفرس رغم هزيمة الروم. قال الحق سبحانه: {أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الروم: 2-5]. جاء هذا الخبر وانتظر المسلمون تأويله، وقد جاء تأويله طبقاً لما أخبر القرآن. أو أن التأويل سيأتي في الآخرة، وما يؤول الأمر في التكذيب سيعلمونه من بعد ذلك. والحق سبحانه يقول: {أية : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ..}تفسير : [الأعراف: 52-53]. هم ينتظرون ما يؤول إليه القرآن وما يؤولون إليه، إن كان في الدنيا فنصر أهل القرآن، وإن كان في الآخرة، فهذا قول الحق سبحانه: {أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ..}تفسير : [الأعراف: 53]. هذا هو التأويل الذي كذَّبه البعض من قبل. إذن: فالتأويل إما أن يكون لمن بقي من الكفار فيرى ما أخبر به القرآن وقد جاء على وفق ما أخبر به نبيٌّ لا يملك أن يتحكم في مصائر الأشياء، وتأتي على وفق ما قال. فكأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يجازف بأن يقول كلاماً لا يتحقق؛ فينصرف عنه الذين آمنوا به، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا ما هو واثق ومطمئن من وقوعه؛ لأن الخبر به جاء من لدن عليم خبير. وإما أن التأويل - أيضاً - يأتي في الآخرة. وهنا قال الحق سبحانه: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ..} [يونس: 39]. والحق سبحانه هنا يلفت رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن ما حدث معه قد حدث مع رسل من قبله، فقال سبحانه في نفس الآية: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس: 39]. أي: انظر لموكب الرسل كلهم من بدء إرسال الرسل، هل أرسل الله رسولا ونصر الكافرين به عليه؟.. لا، لقد كانت الغلبة دائماً لرسل الحق عز وجل مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ..}تفسير : [المجادلة: 21]. وعرفنا ما حدث للظالمين، فمنهم من أغرقه الله، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أخذه بالصيحة. إذن: فالتأويل واضح في كل مواكب الرسل التي سبقت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كل قوم من الظالمين قد نالوا ما يناسب رسالة رسولهم، فسينال القوم الظالمين الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ما يناسب عمومية رسالته صلى الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس: 39] لا بد لنا أن نعرف معنى الظلم، إنه نقل الحق لغير صاحبه، والحقوق تختلف في مكانتها، فهناك حق أعلى، وحق أوسط، وحق أدنى. فإذا جئت للحق الأدنى في أن تنقل الألوهية لغير الله سبحانه وتعالى فهذا قمة الظلم، والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. لأن في هذا نقل الألوهية من الله سبحانه إلى غيره، ويا ليت غيره كان صاحب دعوة بينه وبين الله تعالى، لا، فليس ذلك المنقول له الألوهية بصاحب دعوة، بل تطوَّع الظالم من نفسه بذلك، واتخذ من دون الله شريكاً لله، وفي هذا تطوع بالظلم بغير مُدَّع. وهَبْ أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، فإما أن القضية صحيحة، وإما أنها غير ذلك، فإن افترض أحد - معاذ الله - عدم صحتها، فالإله الثاني كان يجب أن يعلن عن نفسه، ولا يترك غيره يسمع له ويعلن عنه، وإلا كان إلهاً أصمَّ غافلاً، ولكن أحداً لم يعلن ألوهيته غير الله سبحانه؛ لذلك تثبت الألوهية الواحدة للإله الحق سبحانه وتعالى. وقد بيَّن لنا الحق سبحانه: لا إله إلا أنا، أنا الخالق، أنا الرازق. ولم يصدر عن أحد آخر دعوى بأنه صاحب تلك الأعمال، إذن: فقد صَحَّت الدعوى في أنه لا إله إلا الله. والدرجة التالية في الظلم هي الظلم في الأحكام، فإذا حكم أحد بحلِّ الربا فهذا ظلم في قضية كبيرة، ولكن إن حكم قاض على مدين بأن يردَّ الدَّين فقط فهذا عدل؛ وكذلك القاضي الذي يظلم في أحكامه إنما ينقل حقوق الناس إلى غيرهم. إذن: فالظلم يأخذ درجات حسب الشيء الذي وقع فيه الظلم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ ...}.