Verse. 1404 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَ مِنْھُمْ مَّنْ يُّؤْمِنُ بِہٖ وَمِنْھُمْ مَّنْ لَّا يُؤْمِنُ بِہٖ۝۰ۭ وَرَبُّكَ اَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِيْنَ۝۴۰ۧ
Waminhum man yuminu bihi waminhum man la yuminu bihi warabbuka aAAlamu bialmufsideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومنهم» أي أهل مكة «من يؤمن به» لعلم الله ذلك منهم «ومنهم من لا يؤمن به» أبدا «وربك أعلم بالمفسدين» تهديد لهم.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا، أتبعه بقوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } منبهاً على أن الصلاح عنده تعالى كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال، من حيث كان المعلوم أن منهم من يؤمن به، والأقرب أن يكون الضمير في قوله: {بِهِ} راجعاً إلى القرآن، لأنه هو المذكور من قبل، ثم يعلم أنه متى حصل الإيمان بالقرآن، فقد حصل معه الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً. واختلفوا في قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } لأن كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال والاستقبال، فمنهم من حمله على الحال، وقال: المراد أن منهم من يؤمن بالقرآن باطناً، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب، ومنهم من باطنه كظاهره في التكذيب، ويدخل فيه أصحاب الشبهات، وأصحاب التقليد، ومنهم من قال: المراد هو المستقبل، يعني أن منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالإيمان ومنهم من بصر ويستمر على الكفر. ثم قال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } أي هو العالم بأحوالهم في أنه هل يبقى مصراً على الكفر أو يرجع عنه. ثم قال: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } قيل فقل لي عملي الطاعة والإيمان، ولكم عملكم الشرك، وقيل: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم. ثم قال: {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } قيل معنى الآية الزجر والردع، وقيل بل معناه استمالة قلوبهم. قال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد، لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} قيل: المراد أهل مكة، أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه؛ لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعادة. و «منْ» رفع بالابتداء والخبر في المجرور. وكذا. {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} والمعنى ومنهم من يُصِر على كفره حتى يموت؛ كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما. وقيل: المراد أهل الكتاب. وقيل: هو عام في جميع الكفار؛ وهو الصحيح. وقيل: إن الضمير في «به» يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخّر العقوبة لأن منهم من سيؤمِن. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي من يُصِرّ على كفره؛ وهذا تهديد لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْهُمْ } أي أهل مكة {مَن يُؤْمِنُ بِهِ } لعلم الله ذلك منه {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } أبداً {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } تهديد لهم.

النسفي

تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} بالنبي أو بالقرآن أي يصدق به فيه نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند بالتكذيب {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } لا يصدق به ويشك فيه، أو يكون للاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصر {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } بالمعاندين أو المصرين {وَإِن كَذَّبُوكَ } وإن تمّوا على تكذيبك ويئست من إجابتهم {فَقُل لّي عَمَلِي} جزاء عملي {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } جزاء أعمالكم {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } فكل مؤاخد بعمله {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعملت الشرائع ولكنهم لا يعون ولا يقبلون فهم كالصم {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب العقل والسمع فقد تم الأمر.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَمِنْهُمُ} الخ، وصفٌ لحالهم بعد إتيانِ التأويل المتوقع، إذ حينئذٍ يمكن تنويعُهم إلى المؤمِن به وغير المؤمن ضرورةَ امتناعِ الإيمان بشيء من غير علمٍ به واشتراكِ الكلِّ في التكذيب والكفرِ به قبل ذلك حسبما أفاده قولُه تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} أي ومن هؤلاء المكذبـين {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} عند الإحاطةِ بعلمه وإتيانِ تأويله وظهورِ حقّيتِه بعد ما سعَوا في المعارضة ورازُوا قواهم فيها فتضاءلت دونها أو بعد ما شاهدوا وقوعَ ما أَخبر به كما أَخبر به مراراً، ومعنى الإيمانِ به إما الاعتقادُ بحقيته فقط أي يصدّق به في نفسه ويعلم أنه حقٌّ ولكنه يعاند ويكابر وهؤلاءِ هم الذين أُشير بقصْر اتباعِ الظنِّ على أكثرهم إلى أنهم يعلمون الحقَّ على التفسير الأول كما أشير إليه فيما سلف، وإما الإيمانُ الحقيقيُّ أي سيؤمن به ويتوب عن الكفر وهم الذي أشير بالقصْر المذكورِ على التفسير الثاني إلى أنهم سيتبعون الحقَّ كما مر {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدّق به ظاهراً لفرْط غباوتِه المانعةِ عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي وإن كان فوق مرتبةِ عدمِ الإحاطةِ به أصلاً أو لسخافة عقلِه واختلالِ تميـيزِه وعجزِه عن تخليص علومِه من مخالطة الظنونِ والأوهام التي ألِفَها فيبقى على ما كان عليه من الشك، وهذا القدرُ من الإحاطة وإتيانِ التأويلِ كافٍ في مقابلة ما سبق من عدم الإحاطةِ بالمرة، وهؤلاء هم الذين أريدوا فيما سلف بقوله عز وجل: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا }تفسير : [يونس: 36] على التفسير الأول، أو لا يؤمِن به فيما سيأتي بل يموت على كفره معانداً كان أو شاركاً، وهم المستمرّون على اتباع الظن على التفسير الثاني من غير إذعانٍ للحق وانقيادٍ له {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي بكلا الفريقين على الوجه الأول لا بالمعاندين فقط كما قيل، لاشتراكهما في أصل الإفسادِ المستدعي لاشتراكهما في الوعيد، أو بالمُصرّين الباقين على الكفر على الوجه الثاني من المعاندين والشاكين.

القشيري

تفسير : فأمَّا الذين آمنوا فهم الذين كَحَلَ الحقُّ أبصارَ قلوبهم بنور اليقين، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وَسَمَ قلوبَهم بالعمي فزلُّوا - بالضلالة - عن الهُدَى.. تلك سُنَّةُ الله في الطائفتين، ولن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تحويلاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومنهم} اى من المكذبين {من يؤمن به} من يصدق بالقرآن فى نفسه ويعلم انه حق ولكنه يعاند {ومنهم من لا يؤمن به} فى نفسه كما لا يؤمن به ظاهرا لفرط غباوته وقلة تدبره او منهم من سيؤمن به ويتوب عن كفره لكونه مستعدا لقبول الايمان ومنهم من لا يؤمن فيما يستقبل بل يموت على كفره لعدم استعداده لقبوله {وربك اعلم بالمفسدين} بالمعاندين او بالمصرين وانما وصفهم بالافساد لانهم افسدوا استعدادهم الفطرى بالاعمال الفاسدة

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء الكفار الذين كذبوا بالقرآن ونسبوه إلى الافتراء من سيؤمن به أي بالقرآن في المستقبل، ومنهم من لا يؤمن بل يموت على كفره. وقوله {وربك أعلم بالمفسدين} معناه من يدوم على الفساد ممن يتوب، وإنما بقاهم الله لما في معلومه انه يتوب منهم. وإنما جاز ان يقول {أعلم} وان لم يكن هناك كثرة علوم لاحد أمرين: احدهما - ان الذات تغني عن كل علم. والثاني - انه يراد كثرة المعلوم.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} عطف على كّذبوا كأنّه قال: بل منهم من يعلم صدقه وينكر عناداً او منهم من له استعداد التّصديق فيصدّق وينقاد بعد ذلك وانكاره هذا محض الجهل من غير خبث من ذاته {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} الجاحدين عن علمٍ او بالمفسدين الغير المتوقّعين لايمانهم ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بافسادهم وذمّ آخر لهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} أي: ومن المشركين من يؤمن بالقرآن، ومنهم من لا يؤمن به {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ} أي: المشركين. قوله: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي: ليس عليكم من عملي شيء، وليس عليّ من عملكم شيء. { أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُوْنَ}. قوله: { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} وإنما صارت يستمعون لأنهم جماعة. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي: عن الهدى {وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ} أي: لا تسمعهم أنت، وهذا سمع قبول. كقوله: (أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) تفسير : [القصص:56]. قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} وهذا على الواحد، لا على الجماعة. [أي: ومنهم من يقبل عليك بالنظر ] { أَفَأَنتَ تَهْدِي العُمْىَ} [يعني عمى القلب] {وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ} هي مثل الأولى. واستماعهم ونظرهم كقوله: (أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) تفسير : [الأعراف:198] أي: الهدى. وكقوله: (أية : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً)تفسير : [البقرة:171] أي: مثل الغنم إذا صاح بها الراعي فسمعت فرفعت رءوسها، ثم وضعت رؤوسها لا تدري لم صاح بها. فكذلك هم لا يسمعون بقلوبهم إلا ما سمعت آذانهم: أي: لا يقبلونه. قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. أي: يضرّون. وقال الحسن: ينقصون، أي: بمعصيتهم. قوله: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأن لَّمْ يَلْبَثُوا} أي: في الدنيا { إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ} أي: في طول ما هم لابثون في النار. قوله: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ثلاثة مواطن لا يعرف فيهن أحد أحداً: عند الميزان، حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الكتب، حتى يعلم أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله، وعند الصراط، حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز تفسير : . وقال في آية أخرى: (أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) تفسير : [المعارج:10]. وهي مواطن؛ فمنها ما يتعارفون فيها، ومنها ما لا يتعارفون فيها. وهذا قول الحسن. قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} أي: الذين كذبوا بالبعث، خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار. { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أي: لو كانوا مهتدين ما خسروا أنفسهم.

اطفيش

تفسير : {ومنْهُم} من هؤلاء الكفار المكذبين، أو من قومك المكذبين {مَنْ يؤْمنُ بهِ} فى قلبه، ولا يقر بلسانه، بل يعاند لئلا تسلب رياسته، والهاء للقرآن. {ومِنْهُم مَنْ لا يُؤمنُ بهِ} والمضارعان للحال، وفى ذلك تفريق للكفار، وتوهين لهم، وزلزال بهم، إذا خبر أن بعضهم قد آمن، فيكون بعضهم على وجل من بعض، وقيل: المعنى منهم من سيؤمن به، فالقضاء لله بالإيمان به ومنهم من لا يؤمن ويموت كافرا، فالمضارعان للاستقبال، وهذا الثانى أولى لقوله: {وربُّكَ أعْلم بالمفْسِدينَ} فإن كلا ممن آمن فى قلبه، وأنكر بلسانه، ومن لم يؤمن أصلا مفسدا فكلاهما داخل فى قوله: {من لا يؤمن به} لأن المنكر بلسانه، المصدق بقلبه، كافر أيضا غير مؤمن، فالإفساد الإصرار على الكفر بالقلب واللسان، وعلى الكفر باللسان، وأما على القول الأول فالإفساد الإصرار على الإنكار باللسان، وخص أصحابه بالإفساد، لأن إفساد من صدق بقلبه، وأنكر بلسانه، أضر وأشد عليه، وقد يقال على الأول: إن المفسدين الفريقان جميعا، وعلى كل حال فى الأخبار بأنه أعلم بالمفسدين تهديد.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْهُمْ} من أَهل مكة {مَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ} بالقرآن بعد كفره به لقضاءِ الله له بالإِيمان ثم بعد الإِيمان به لا يدرى أَيموت موفيا أَو غير مُوفٍ أَم مرتدا {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} حتى يموت لقضاءِ الله عز وجل بذلك، ويجوز أَن يكون المعنى ومنهم من يؤْمن به فى قلبه ويكفر به عنادا ويموت على ذلك أَو يموت تائِباً من الشرك موفياً أَو غير موفٍ، ومنهم من لا يؤْمن به فى قلبه لعدم تدبره، أَو المراد لا يؤمن فى المستقبل كما لم يؤمن فى الحال والماضى {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} عنادا بعد الإِيمان فى القلب، أَو إِصراراً على جهل أَو تقليد، وهذا فى أَهل مكة بأَنه لا يخفى عنه إِفسادهم، فهو يجازيهم عليه، وأَعلم بمعنى عليم أَو باق على التفضيل، فإِن علم الله يعم كل مفسد ولو ظهر لهم صلاحه، ولا إِفساد أَعظم من إِفساد من خالف أَفضل الكتب وأَفضل الرسل وقد تحداهم بالقرآن "أية : قل لئِن اجتمعت الإِنس والجن"تفسير : [الإِسراء: 88] وبعشر سور "أية : قل فأْتوا بعشر سور"تفسير : [هود: 13] وبسورة "أية : قل فأتوا بسورة"تفسير : [يونس: 38] وبحديث مثله "أية : فليأتوا بحديث مِثْلِهِ" تفسير : [الطور: 34] الآيات، ويجوز أَن تكون الآية فى أهل مكة وغيرهم، وعلى الأَول فالمقام للإِضمار وأَظهر ليصفهم بالإِفساد وهو موجب للانتقام.

الالوسي

تفسير : {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} وصف لحالهم بعد إتيان التأويل المتوقع كما قيل، إذ حينئذٍ يمكن تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن به ضرورة امتناع الإيمان بشيء من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب قبل ذلك فالضمير للمكذبين، ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته فقط أي منهم من يصدق به في نفسه أنه حق عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله لكنه يعاند ويكابر وإما الإيمان الحقيقي أي منهم من سيؤمن به ويتوب عن الكفر {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهراً لفرط غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه كما ينبغى أو لسخافة عقله واختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه عن معارضة الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك أولاً يؤمن به فيما سيأتي بل يموت على كفره معانداً كان أو شاكاً {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي بكلا الفريقين على الوجه الأول من التفسير لا بالمعاندين فقط لاشتراكهما في أصل الإفساد المستدعي لاشتراكهما في الوعيد المراد من الكلام أو بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني منه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه}تفسير : [يونس: 39] لأن الإخبار عن تكذيبهم بأنه دون الإحاطة بعلم ما كذبوا به يقتضي أن تكذيبهم به ليس عن بصيرة وتأمل. وما كان بهاته المثابة كان حال المكذبين فيه متفاوتاً حتى يبلغ إلى أن يكون تكذيباً مع اعتقاد نفي الكذب عنه، ولذلك جاء موقع هذه الآية عقب الأخرى موقع التخصيص للعام في الظاهر أو البيان للمجملِ من عدم الإحاطة بعلمه، كما تقدم بيانه في قوله: {أية : بما لم يحيطوا بعلمه}تفسير : [يونس: 39]. فكان حالهم في الإيمان بالقرآن كحالهم في اتباع الأصنام إذ قال فيهم: {أية : وما يتبع أكثرهم إلا ظناً}تفسير : [يونس: 36]، فأشعر لفظ {أكثرهم} بأن منهم من يعلم بطلان عبادة الأصنام ولكنهم يتبعونها مشايعة لقومهم ومكابرة للحق، وكذلك حالهم في التكذيب بنسبة القرآن إلى الله، فمنهم من يؤمن به ويكتم إيمانه مكابرة وعَداء، ومنهم من لا يؤمنون به ويكذبون عن تقليد لكبرائهم. والفريقان مشتركان في التكذيب في الظاهر كما أنبأت عنه (من) التبعيضية، وضمير الجمع عائد إلى ما عادت إليه ضمائر {أية : أم يقولون افتراه}تفسير : [يونس: 38] فمعنى يؤمن به يصدق بحقيته في نفسه ولكنه يظهر تكذيبه جمعاً بين إسناد الإيمان إليهم وبين جعلهم بعضاً من الذين يقولون (افتراه). واختيار المضارع للدلالة على استمرار الإيمان به من بعضهم مع المعاندة، واستمرار عدم الإيمان به من بعضهم أيضاً. وجملة: {وربك أعلم بالمفسدين} معترضة في آخر الكلام على رأي المحققين من علماء المعاني، وهي تعريض بالوعيد والإنذار، وبأنهم من المفسدين، للعلم بأنه ما ذكر {المفسدين} هنا إلاّ لأن هؤلاء منهم وإلا لم يكن لذكر {المفسدين} مناسبة، فالمعنى: وربك أعلم بهم لأنه أعلم بالمفسدين الذين هم من زمرتهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومنهم من يؤمن به: أي من أهل مكة المكذبين بالقرآن من يؤمن به مستقبلاً. وربك أعلم بالمفسدين: وهم دعاة الضلالة الذين يفسدون العقول والقلوب والجملة تهديد لهم. وإن كذبوك: أي استمروا على تكذبيك. ومنهم من يستمعون إليك: أي إذ قرأت القرآن. ومنهم من ينظر إليك: أي يبصر ويشاهد آيات النبوة وأعلام صدقك، ولا يهتدي إلى معرفة أنك رسول الله لأن الله تعالى حرمه ذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى في خطاب رسوله ليُسلِّيه ويصبِّره على عدم إيمان قومه مع ظهور الأدلة وقوة البراهين {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} أي بالقرآن وبالنبي أيضاً إذْ الإِيمان بواحد يستلزم الإِيمان بالثاني، {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ}، وهذا إخبار غيب فتم كما أخبر تعالى فقد آمن من المشركين عدد كبير ولم يؤمن عدد آخر. وقوله {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي الذين لا يؤمنون وفي الجملة تهديد لأولئك الذين يصرفون الناس ويصدونهم عن الإِيمان والتوحيد. وقوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ} أي استمروا في تكذيبهم لك فلا تحفل بهم وقل {لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} فإذا كان هناك عقاب دنيوي فإنك تسلم منه ويهلكون هم به. وقوله تعالى في الآية [42] {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} إلى قراءتك القرآن وإلى قولك إذا قلت داعياً أو آمراً أو ناهياً، ومع هذا فلا يفهم ولا ينتفع بما يسمع، ولا لوم عليك في ذلك لأنك لا تسمع الصم، وهؤلاء صم لا يسمعون، ومنهم من ينظر إليك بأعين مفتحة ويرى علامات النبوة وآيات الرسالة ظاهرةً فى حالك ومقالك ومع هذا لا يهتدي ولا لوم عليك فإنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بيان لسنة الله تعالى في أولئك الذين يسمعون ولا ينتفعون بسماعهم، ويبصرون ولا ينتفعون بما يبصرون، وهي أن من توغل في البغض والكراهية لشيء يصبح غير قادر على الانتفاع بما يسمع منه ولا بما يبصر فيه. ولذا قيل حبك الشيء يُعمي ويُصم. والبغض كذلك كما أن الاسترسال في الشر والفساد مدة من الزمن يحرم صاحبه التوبة إلى الخير والصلاح، ومن هنا قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك. 2- تقرير معنى آية {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. 3- تعليم رسول الله طريق الحِجاج والرد على الخصوم المشركين. 4- انتفاء الظلم عن الله تعالى، وإثباته للإِنسان لنفسه.

القطان

تفسير : {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ}. من هؤلاء المعانِدين من يؤمن بالقرآن بعد ان يفطَنَ الى ما فيه، ومنهم من سيظل يعاند ويكابر فيصرّ على الشرك ويستمر عليه، والله تعالى أعلم بهؤلاء. {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. وان أصرّوا على تكذيبك بعد كل هذه الأدلة، فقل لهم: إن لي جزاء عملي، ولكم جزاءُ عملكم، أنا مستمر في دعوتي، وأنتُم لا تؤاخَذون به، وانا بريء مما تعملون. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ}. من هؤلاء مَنْ يستمع إليك بآذانهم فقط حينَ تدعوهم الى الله، أما قلوبهم فقد اغلقت وأمَّا عقولهم فقد غابت، فهل تقدر على إسماع الصمّ!! وإنهم لا يعقِلون ولا يفهمون. {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ}. ومنهم من يتجه نظرهُ إليك حين تقرأ القرآن، فيرى دلائلَ نبوَّتِكَ واضحة، لكنهم كالعميان الذين لا يبصِرون. إن نفوسهم قد انصرفت عن استعمال عقولهم وأنت لا تستطيع هداية العمي. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. لقد سهّل تعالى للناس كلَّ أسباب الهداية بإرساله الرسُل، وهو لا يظلم أحدا، لكن الناس بكفرهم واتّباع أهوائهم يظلمون أنفسهم بصدّهم وعدم اتباع الحق الموصِل الى السعادة.

د. أسعد حومد

تفسير : (40) - وَمِنْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مَنْ سَيُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ حِينَ يَفْهَمُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَيَتَنَبَّهُ لِمَعَانِيهِ، بَعْدَ أَنْ سَعَوْا فِي مُعَارَضَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصِرُّ عَلَى الكُفْرِ وَيَسْتَمِرُّ عليهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ، بِالشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالبَغْيِ لِفَقْدِهِمُ الاسْتِعْدَادَ لِلإِيمَانِ، وَهَؤُلاَءِ سَيُعَذِّبهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا، وَيُخْزِيهِمْ وَيَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَفِي الآخِرَةِ يُصْلِيهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والكلام هنا في الذين كذَّبوا، فكيف يقسِّم الله المكذبين - وهم بتكذيبهم لا يؤمنون - إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم لا يؤمن؟ ونحن نعلم أن الإيمان عمل قلوب، لا عمل حواس، فنحن لا نطَّلع على القلوب، والحق سبحانه يعلم مَنْ مِنْ هؤلاء المكذبين يخفي إيمانه في قلبه. إذن: فمن هؤلاء من يقول بالتكذيب بلسانه ويخفي الإيمان في قلبه، ومنهم من يوافق تكذيبه بلسانه فراغُ قلبه من الإيمان، ومن الذين قالوا: إن هذا القرآن افتراء إنما يؤمن بقلبه أن محمداً رسول من الله، وصادق في البلاغ عن الله، ولكن العناد والمكابرة والحقد يدفعونه إلى أن يعلن عدم الإيمان. وكذلك منهم قسم آخر لا يؤمن ويعلن ذلك. إذن: فالمقسم ليس هو الإيمان الصادر عن القلب والمعبَّر عنه باللسان، ولكن المُقسِّم هو إيمان بالقلب غير مُعبَّر عنه، ولم يصل إلى مرتبة الإقرار باللسان. والذي جعل إيمان بعضهم محصوراً في القلب غير مُعبَّر عنه باللسان هو الحقد والحسد والكراهية وعدم القدرة على حكم النفس على مطلوب المنهج. وبعض العرب حين أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيضمن لهم السيادة على الدنيا كلها. ورفضوا أن يقولوا الكلمة؛ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال: بل فهموا مضمون ومطلوب الكلمة، وعرفوا أن "لا إله إلا الله" تعني: المساواة بين البشر، وهم يكرهون ألاَّ تكون لهم السيادة والسيطرة في أقوامهم. وهذا يدل أيضاً على أن الحق سبحانه قد شاء أن يبدأ الإسلام في مكة، حيث الأمة التي تعلن رأيها واضحاً؛ ولذلك نجد أن النفاق لم ينشأ إلا في "المدينة"، أما في مكة، فهم قوم منسجمون مع أنفسهم، فهم حين أعلنوا الكفر لم يعانوا من تشتت المَلَكَات، لكن المنافقين في المدينة وغيرها هم الذين كانوا يعانون من تشتت الملكات، ومنهم من كان يلعب على الطرفين، فيقول بلسانه ما ليس في قلبه. ولذلك يُعزِّي الحق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ويُسََرِّي عنه ويبين له: إياك أن تحزن لأنهم يكذبونك؛ لأنك محبوب عندهم وموقَّر، فيقول الحق سبحانه: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ..}تفسير : [الأنعام: 33]. أي: أنك يا محمد مُنزَّه عن الكذب؟ ويقول الحق سبحانه: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]. أي: أنه سبحانه يحملها عن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحق سبحانه يعلم أن رسوله أمين عند قومه، وهم في أثناء معركتهم معه، نجد الواحد منهم يستأمنه على أشيائه النفيسة. والذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم ولم يعلنوا إيمانهم، والذين لم يؤمنوا، هؤلاء وأولئك أمرهم موكول إلى الله تعالى؛ ليلقوا حسابهم عند الخالق سبحانه؛ لأنه سبحانه الأعلم بمن كذَّب عناداً، ومن كذَّب إنكاراً. والحق سبحانه هو الذي يُعذِّب ويُعاقِب، وكل إنسان منهم سوف يأخذ على قَدْر منزلته من الفساد؛ لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} [يونس: 40]. والمفسد كما نعلم هو الذي يأتي إلى الشيء الصالح فيصيبه بالعطب؛ لأن العالَم مخلوقٌ قبل تدخُّل الإنسان - على هيئة صالحة، وصنعة الله سبحانه وتعالى - لم يدخل فيها الفساد إلا بفعل الإنسان المختار، وصنعة الله تؤدي مهمتها كما ينبغي لها. وأنت أيها الإنسان إن أردت أن يستقيم لك كل أمر في الوجود، فانظر إلى الكون الأعلى الذي لا دخل لك فيه، وستجد كل ما فيه مستقيماً مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7-9]. أي: أتقِنوا أداء مسئولية ما في أيديكم وأحسنوه كما أحسن الله سبحانه ما خلق لكم بعيداً عن أياديكم، والمطلوب من الإنسان - إذن - أن يترك الصالح على صلاحه، إن لم يستطع أن يزيده صلاحاً؛ حتى لا يدخل في دائرة المفسدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن الكافرين طعنهم في أمر النبوة والوحي، ذكر هنا أنَّ منهم من يصدِّق بأن القرآن كلام الرحمن، ولكنه يكابر ويعاند، ومنهم من لا يصدّق به أصلاً لفرط غباوته، وسخافة عقله، واختلال تمييزه.. ثم ذكر تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور، وأعقبه بذكر مآل المشركين في الآخرة. اللغَة: {ٱلصُّمَّ} جمع أصمّ وهو الذي لا يسمع {بَيَاتاً} ليلاً {تُفِيضُونَ} يقال أفاض فلانٌ في الحديث إذا اندفع فيه {يَعْزُبُ} يخْفى ويغيب {مِّثْقَالِ} وزن {سُلْطَانٍ} حجة وبرهان {سُبْحَانَهُ} تنزيهٌ لله جل وعلا عن النقائص. التفسِير: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} أي ومن هؤلاء الذين بعثتَ إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أُرسلتَ به {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} بل يموت على ذلك ويُبعث عليه {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيضله {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي وإن كذَّبك هؤلاء المشركون فقل لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقاً كان أو باطلاً {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أي يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وقلوبهم لا تعي شيئاً مما تقرؤه وتتلوه {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ}؟ أي أنت يا محمد لا تقدر أن تسمع من سلبه الله السمع {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي ولو كانوا من الصمم لا يعقلون ولا يتدبرون؟ قال ابن كثير: المعنى ومن هؤلاء من يسمعون كلامك الحسن، والقرآن النافع، ولكنْ ليس أمر هدايتهم إليك، فكما لا تقدر على إسماع الأصم فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي ومن هؤلاء من ينظر إليك ويعاين دلائل نبوتك الواضحة، ولكنّهم عميٌ لا ينتفعون بما رأوا، أفأنت يا محمد تقدر على هدايتهم ولو كانوا عُمي القلوب؟ شبّههم بالعُمْي لتعاميهم عن الحق، قال القرطبي: والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي كما لا تقدر أن تخلق للأعمى بصراً يهتدي به، فكذلك لا تقدر أن توفّق هؤلاء للإِيمان {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} أي لا يعاقب أحداً بدون ذنب، ولا يفعل بخلقه ما لا يستحقون {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكنَّهم يظلمون أنفسهم بالكفر والمعاصي ومخالفة أمر الله قال الطبري: وهذا إعلامٌ من الله تعالى بأنه لم يسلب هؤلاء الإِيمان ابتداءً منه بغير جرم سلف منهم، وإنما سلبهم ذلك لذنوب اكتسبوها، فحقَّ عليهم أن يطبع الله على قلوبهم {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} أي اذكر يوم نجمع هؤلاء المشركين للحساب كأنهم ما أقاموا في الدنيا إلاّ ساعة من النهار، لهول ما يرون من الأهوال {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا في الدنيا، وهو تعارف توبيخ وافتضاح، يقول الواحد للآخر: أنتَ أغويتني وأضللتني، وليس تعارف محبة ومودّة {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي لقد خسر حقاً هؤلاء الظالمون الذين كذبوا بالبعث والنشور، وما كانوا موفَّقين للخير في هذه الحياة {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي إن أريناك يا محمد بعض عذابهم في الدنيا لتقرَّ عينك منهم فذاك، وإن توفيناك قبل ذلك فمرجعهم إلينا في الآخرة، ولا بدَّ من الجزاء إن عاجلاً أو آجلاً {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} أي هو سبحانه شاهدٌ على أفعالهم وإجرامهم ومعاقبهم على ما اقترفوا {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} أي ولكل أمة من الأمم رسولٌ أُرسل لهدايتهم {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} قال مجاهد: يعني يوم القيامة قُضِي بينهم بالعدل قال ابن كثير: فكلُّ أمة تُعرض على الله بحضرة رسولها، وكتابُ أعمالها من خير وشر شاهدٌ عليها، وحفظتُهم من الملائكة شهود أيضاً {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يُعذبون بغير ذنب {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول كفار مكة متى هذا العذاب الذي تعدنا به إن كنت صادقاً؟ وهذا القول منهم على سبيل السخرية والاستهزاء {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي لا استطيع أن أدفع عن نفسي ضراً، ولا أجلب إليها نفعاً، وليس ذلك لي ولا لغيري {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي إلا ما شاء الله أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم به من العذاب! {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي لكل أمة وقتٌ معلوم لهلاكهم وعذابهم {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي فإِذا جاء أجل هلاكهم فلا يمكنهم أن يستأخروا عنه ساعة فيمهلون ويؤخرون، ولا يستقدمون قبل ذلك لأن قضاء الله واقع في حينه {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} أي قل لأولئك المكذبين أخبروني إن جاءكم عذاب الله ليلاً أو نهاراً فما نفعكم فيه؟ {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} استفهام معناه التهويل والتعظيم أي ما أعظم ما يستعجلون به؟ كما يقال لمن يطلب أمراً وخيماً: ماذا تجني على نفسك {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} في الكلام حذفٌ تقديره: أتؤخرون إلى أن تؤمنوا بها وإذا وقع العذاب وعاينتموه فما فائدة الإِيمان وما نفعكم فيه، إذا كان الإِيمان لا ينفع حينذاك؟ قال الطبري: المعنى أهنالك إذا وقع عذاب الله بكم أيها المشركون صدّقتم به في حالٍ لا ينفعكم فيه التصديق {آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} أي يقال لكم أيها المجرمون: الآن تؤمنون وقد كنتم قبله تهزءون وتسخرون وتستعجلون نزول العذاب؟ {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ} أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا زوال له ولا فناء {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي هل تُجزون إلا جزاء كفركم وتكذيبكم؟ {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} أي ويستخبرونك يا محمد فيقولون: أحقٌ ما وعدتنا به من العذاب والبعث؟ {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي قل نعم والله إنه كائن لا شك فيه {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي لستم بمعجزين الله بهربٍ أو امتناع من العذاب بل أنتم في قبضته وسلطانه {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ} أي لو أن لكل نفسٍ كافرةٍ ما في الدنيا جميعاً من خزائنها وأموالها، ومنافعها قاطبة {لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي لدفعته فدية لها من عذاب الله ولكنْ هيهات أن يُقبل كما قال تعالى {أية : فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} تفسير : [آل عمران: 91] ثم قال تعالى مخبراً عن أسفهم وندمهم {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي أخفى هؤلاء الظلمة الندم لما عاينوا العذاب قال الإِمام الجلال: أي أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي قُضي بين الخلائق بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يظلمون من أعمالهم شيئاً، ولا يُعاقبون إلا بجريرتهم {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} "أَلاَ" كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول الكلام أي انتبهوا لما أقول لكم فكل ما في السماوات والأرض ملكٌ لله، لا شيء فيها لأحدٍ سواه، هو الخالق وهو المالك {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي إن وعده بالبعث والجزاء حقٌ كائن لا محالة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ولكنَّ أكثر الناس لقصور عقولهم، واستيلاء الغفلة عليهم، لا يعلمون ذلك فيقولون ما يقولون {هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي هو سبحانه المحيي والمميتُ، وإِليه مرجعكم في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} خطابٌ لجميع البشر أي قد جاءكم هذا القرآن العظيم الذي هو موعظةٌ لكم من خالقكم {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي يشفي ما فيها من الشك والجهل {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي وهداية من الضلال ورحمة لأهل الإِيمان قال صاحب الكشاف: المعنى قد جاءكم كتابٌ جامعٌ لهذه الفوائد العظيمة من الموعظة، والتنبيه على التوحيد، ودواء الصدور من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق، ورحمة لمن آمن به منكم {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} قال ابن عباس: فضل الله القرآن، ورحمته الإِسلام والمعنى: ليفرحوا بهذا الذي جاءهم من الله، من القرآن والإِسلام، فإِنه أولى ما يفرحون به {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي هو خيرٌ مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية، والنعيم الزائل، فإِن الدنيا بما فيها لا تساوي جناح بعوضة كما ورد به الحديث الشريف {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} خطابٌ لكفار العرب والمعنى: أخبروني أيها المشركون عما خلقه الله لكم من الرزق الحلال {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} أي فحرَّمتم بعضه وحلَّلتم بعضه كالبحيرة، والسائبة، والميتة قال ابن عباس: نزلت إنكاراً على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب، والحرث والأنعام {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} أي قل لهم يا محمد أخبروني: أحصل إذنٌ من الله لكم بالتحليل والتحريم، فأنتم فيه ممتثلون لأمره، أم هو مجرد افتراء وبهتان على ذي العزة والجلال؟ {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وما ظنُّ هؤلاء الذين يتخرصون على الله الكذب فيحلون ويحرمون من تلقاء أنفسهم، أيحسبون أن الله يصفح عنهم ويغفر يوم القيامة؟ كلاَّ بل سيصليهم سعيراً، وهو وعيدٌ شديد للمفترين {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي لذو إنعام عظيم على العباد حيث رحمهم بترك معاجلة العذاب، وبالإِنعام عليهم ببعثة الرسل وإنزال الكتب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون النعم بل يجحدون ويكفرون {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أي ما تكون يا محمد في أمر من الأمور، ولا عملٍ من الأعمال {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} أي وما تقرأ من كتاب الله شيئاً من القرآن {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} أي ولا تعملون أيها الناس من خير أو شر {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي إلا كنا شاهدين رقباء، نحصي عليكم أعمالكم حين تندفعون وتخوضون فيها {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} أي ما يغيب ولا يخفى على الله {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي من وزن هباءة أو نملة صغيرة في سائر الكائنات أو الموجودات {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي ولا أصغر من الذرة ولا أكبر منها إِلا وهو معلوم لدينا ومسجَّل في اللوح المحفوظ قال الطبري: والآية خبرٌ منه تعالى أنه لا يخفى عليه أصغر الأشياء وإن خفَّ في الوزن، ولا أكبرها وإن عظم في الوزن، فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضي ربكم، فإنّا محصوها عليكم ومجازوكم بها {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي انتبهوا أيها الناس واعلموا أن أحباب الله وأولياءه لا خوف عليهم في الآخرة من عذاب الله، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا، ثم بيّن تعالى هؤلاء الأولياء فقال {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي الذين صدّقوا الله ورسوله، وكانوا يتقون ربِّهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فالوليُّ هو المؤمن التقيُّ وفي الحديث "حديث : إن لله عباداً ما هم بأنبياءَ ولا شهداءَ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قالوا أخبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ فلعلَّنا نحبُّهم، قال: هم قومٌ تحابّوا في الله، على غير أرحامٍ بيْنهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنورٌ، وإنهم لعلى منابرَ من نور، لا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ..} الآية" تفسير : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي لهم ما يسرهم في الدارين، حيث تبشرهم الملائكة عند الاحتضار برضوان الله ورحمته، وفي الآخرة بجنان النعيم والفوز العظيم كقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30] {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا إخلاف لوعده {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي هو الفوز الذي لا فوز وراءه، والظفر بالمقصود الذي لا يُضاهى {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا يحزنك ولا يؤلمك يا محمد تكذيبهم لك وقولهم: لستَ نبياً مرسلاً، ثم ابتدأ تعالى فقال {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، لله وحده، فهو ناصرك ومانعك ومعينك، وهو المنفرد بالعزّة يمنحها أولياءه، ويمنعها أعداءه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوالهم، العليم بأعمالهم {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} أي الجميع له سبحانه عبيداً وملكاً وخلقاً {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} أي وما يتبع هؤلاء المشركون الذين يعبدون غير الله آلهة على الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع، وهي لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعون إلا ظناً باطلاً {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يَحْدسون ويكذبون، يظنون الأوهام حقائق {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} تنبيهٌ على القدرة الكاملة والمعنى من دلائل قدرته الدالة على وحدانيته، أن جعل لكم أيها الناس الليل راحةً لأبدانكم تستريحون فيه من التعب والنصب في طلب المعاش {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي وجعل النهار مضيئاً تبصرون فيه الأشياء لتهتدوا إلى حوائجكم ومكاسبكم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي لعلامات ودلالات على وحدانيَّة الله، لقوم يسمعون سمع اعتبار، ثم نبّه تعالى على ضلال اليهود والنصارى والمشركين فقال {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} أي نسب اليهود والنصارى لله ولداً فقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، كما قال كفار مكة: الملائكة بناتُ الله {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي تنزَّه الله وتقدّس عما نسبوا إليه فإنه المستغني عن جميع الخلق، فإن اتخاذ الولد إنما يكون للحاجة إليه، والله تعالى غير محتاج إلى شيء، فالولد منتفٍ عنه {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي الجميع خلقه وملكه {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} أي ما عندكم من حجة بهذا القول {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أتفترون على الله وتكذبون بنسبه الشريك والولد؟ وهو توبيخ وتقريع على جهلهم. {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي كل من كذب على الله لا يفوز ولا ينجح {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي متاعٌ قليل في الدنيا يتمتعون به مدة حياتهم {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي ثم معادهم ورجوعهم إلينا للجزاء والحساب {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي ثم في الآخرة نذيقهم العذاب الموجع الأليم بسبب كفرهم وكذبهم على الله. البَلاَغَة: 1- {مَّن يُؤْمِنُ بِهِ.. ومَّن لاَّ يُؤْمِنُ} بينهما طباقٌ السلب. 2- {تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ.. تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} الصُّمُ والعميُ مجازٌ عن الكافرين شبههم بالصُّم والعمي لتعاميهم عن الحق. 3- {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} بينهما طباقٌ وكذلك بين {بَيَاتاً ونَهَاراً} وبين {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} وبين {يَسْتَقْدِمُونَ.. ويَسْتَأْخِرُونَ}. 4- {شِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} مجاز مرسل أطلق المحلَّ وأراد الحالَّ أي شفاءٌ للقلوب لأن الصدور محلُّ القلوب. 5- {حَرَاماً وَحَلاَلاً} بينهما طباق. 6- {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} قال في تلخيص البيان: هذه استعارة عجيبة، سمّى النهار مبصراً لأن الناس يبصرون فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب له على طريق المبالغة كما قالوا: ليلٌ أعمى وليلةٌ عمياء إذا لم يبصر الناس فيها شيئاً لشدة إظلامها. 7- {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} استفهام توبيخ وتقريع. فَائِدَة: أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم في هذه السورة {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} وفي سورة سبأ {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}تفسير : [الآية: 3] وفي سورة التغابن {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} تفسير : [الآية: 7] ذكره ابن كثير. تنبيه: كلمة "أرأيتَ" تستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية، أو العلمية، وهذا أصل وضعها ثم استعملت بمعنى "أخبرني" فيقولون: أرأيت ذلك الأمر أي أخبرني عنه، والرؤية إما بصرية أو علمية والتقدير: أأبصرت حالته العجيبة، أو أعرفت أمره العجيب؟ فأخبرني عنها، ولذا لم تستعمل في غير الأمر العجيب، {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}تفسير : [الماعون: 1]؟ {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تفسير : [العلق: 9 - 10]؟ وهكذا.