Verse. 1405 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَاِنْ كَذَّبُوْكَ فَقُلْ لِّيْ عَمَلِيْ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ۝۰ۚ اَنْتُمْ بَرِيْۗـــــُٔوْنَ مِمَّاۗ اَعْمَلُ وَاَنَا بَرِيْۗءٌ مِّمَّا تَعْمَلُوْنَ۝۴۱
Wain kaththabooka faqul lee AAamalee walakum AAamalukum antum bareeoona mimma aAAmalu waana bareeon mimma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن كذبوك فقل» لهم «لي عملي ولكم عملكم» أي لكلٍّ جزاء عمله «أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعلمون» وهذا منسوخ بآية السيف.

41

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي} رفع بالابتداء، والمعنى: لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى. {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي جزاؤه من الشرك. {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} مثله؛ أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر. وهذه الآية منسوخة بآية السيف؛ في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وٱبن زيد.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن كَذَّبُوكَ} وإن أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة. {فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} فتبرأ منهم فقد أعذرت، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقاً كان أو باطلاً. {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ} لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، ولما فيه من إيهام الإِعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل إنه منسوخ بآية السيف.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإن كذبك هؤلاء المشركون، فتبرأ منهم ومن عملهم {فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون:1-2] إلى آخرها، وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: {أية : لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أي: يسمعون كلامك الحسن، والقرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة، ولكن ليس ذلك إليك، ولا إليهم، فإنك لا تقدر على إسماع الأصم، وهو الأطرش، فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} أي: ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار {أية : وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} تفسير : [الفرقان: 41] الآية. ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحداً شيئاً، وإن كان قد هدى به من هدى، وبصر به من العمى، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأضل به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون؛ لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا - إلى أن قال في آخره: - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» تفسير : رواه مسلم بطوله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل } لهم {لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } أي لكلٍّ جزاء عمله {أَنتُمْ بَرِيئونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } وهذا منسوخ بآية السيف[5:9].

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} فيه وجهان: أحدهما: يستمعون الكذب عليك فلا ينكرونه. الثاني: يستمعون الحق منك فلا يَعُونَه. {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن من لا يعي ما يسمع فهو كمن لا يعقل. الثاني: معناه أنه كما لا يعي من لا يسمع كذلك لا يفهم من لا يعقل. والألف التي في قوله تعالى {أَفَأَنتَ} لفظها الاستفهام ومعناها معنى النفي.

الخازن

تفسير : {وإن كذبوك} يعني وإن كذبك قومك يا محمد {فقل} أي فقل لهم {لي عملي} يعني الطاعة وجزاء ثوابها {ولكم عملكم} يعني الشرك وجزاء عقابه {أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} قيل: المراد منه الزجر والرجوع. وقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الإمام فخر الدين الرازي: وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً الحكم المنسوخ. ومدلول الآية: اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلاً. قوله تعالى: {ومنهم} يعني ومن هؤلاء المشركين {من يستمعون إليك} يعني بأسماعهم الظاهرة ولا ينفعهم ذلك لشدة بغضهم وعداوتهم لك {أفأنت تسمع الصم} يعني كما أنك لا تقدر على إسماع الصم فكذلك لا تقدر على إسماع من أصم الله سمع قلبه {ولو كانوا لا يعقلون} يعني أن الله سبحانه وتعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما يسمعون ولم يوفقهم لذلك فهم بمنزلة الجهال إذا لم ينتفعوا بما لم يسمعوا وهم أيضاً كالصم الذين لا يعقلون شيئاً ولا يفهمونه لعدم التوفيق {ومنهم من ينظر إليك} يعني بأبصارهم الظاهرة {أفأنت تهدي العمي} يريد عمي القلوب {ولو كانوا لا يبصرون} لأن الله أعمى بصائر قلوبهم فلا يبصرون شيئاً من الهدى وفي هذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع ولا تقدر أن تهدي من سلبته البصر ولا تقدر أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن {إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون}. قال العلماء: لما حكم الله عز وجل على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره السابق فيهم أخبر في هذه الآية أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلماً منه لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيدة وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالماً وإنما قال ولكن الناس أنفسهم يظلمون لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم. قوله سبحانه وتعالى: {ويوم يحشرهم} يعني: واذكر يا محمد يوم نجمع هؤلاء المشركين لموقف الحساب. وأصل الحشر: إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} يعني كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من النهار. وقيل: معناه كأنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار. والوجه الأول أولى، لأن حال المؤمن والكافر سواء في عدم المعرفة بمقدار لبثهم في القبور إلى وقت الحشر، فتعين حمله على أمر يختص بحال الكافر وهو أنهم لما لم ينتفعوا بأعمارهم في الدنيا استقلوها. والمؤمن لما انتفع بعمره في الدنيا لم يستقله. وسبب استقلال الكفار: مدة مقامهم في الدنيا أنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على ما فيها ولم يعملوا بطاعة الله فيها كان وجود ذلك كالعدم فلذلك استقلوه. وقيل: إنهم لما شاهدوا أهوال يوم القيامة وطال عليهم ذلك، استقلوا مدة مقامهم في الدنيا، لأن مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل جداً {يتعارفون بينهم} يعني: يعرف بعضهم بعضاً إذا خرجوا من قبورهم كما كانوا يتعارفون في الدنيا ثم تنقطع المعرفة بينهم إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، وفي بعض الآثار: أن الإنسان يوم القيامة يعرف من بجنبه ولا يقدر أن يكلمه هيبة وخشية، وقيل: إن أحوال يوم القيامة مختلفة ففي بعضها يعرف بعضها بعضاً وفي بعضها ينكر بعضهم بعضاً لهول ما يعاينون في ذلك اليوم {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} يعني أن من باع آخرته الباقية بدنياه الفانية قد خسر لأنه أثر الفاني على الباقي {وما كانوا مهتدين} يعني إلى ما يصلحهم وينجيهم من هذا الخسار.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ...} الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك. وقوله سبحانه: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ ٱللَّهِ...} إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأَنْفُسِهم. * ت *: والأول أبْيَنُ.

البقاعي

تفسير : ولما قسمتهم هذه الآية قسمين، وتليت بذكر القسم الثاني بالواو، عرف أنه معطوف على مطوى القسم الأول، فكان كأنه قيل: فإن صدقوك فقل: الله ولي هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلاً من ربي: {وإن كذبوك فقل} أي قول منصف معتمد على قادر عالم {لي علمي} بالإيمان والطاعة {ولكم عملكم} ما لأحد من ولا عليه من جزاء الآخر شيء؛ ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله محذراً لهم: {أنتم بريئون مما أعمل} أي فإن كان خيراً لم يكن لكم منه شيء وإن كان غيره لم يكن عليكم منه شيء {وأنا بريء مما تعملون*} لا جناح عليّ في شيء منه لأني لا أقدر على ردكم عنه؛ والبراءة: قطع العلقة الذي يوجب رفع المطالبة، ولا حاجة إلى ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف، فإنه لا منافاة بينهما، لأن هذه في رفع لحاق الإثم وهو لا ينافي الجهاد. ولما قسمهم إلى هذين القسمين، قسم القسم الأخير إلى قسمين فقال: {ومنهم} أي المكذبين {من} ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى تعرف حاله، وكان طريق ذلك السمع والبصر، وكان تحديق العين إليه لا يخفى، فكان أكثرهم يتركه إظهاراً لبغضه وخوفاً من إنكار من يراه عليه، وكان إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار،عبر هنا بالافتعال، وجمع دالاً على كثرتهم نظراً إلى معنى "من" وأفرد في النظر اعتباراً للفظها ودالاً على قلة الناظر بما ذكر فقال: {يستمعون} وضمن الاستماع الإصغاء ليؤدي مؤدي الفعلين، ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال انتزعت منه فكأنه: قال مصغين {إليك} أي عند قراءة القرآن وبيانه بالسنة، ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى الاستماع والنظر فهم قسم واحد بالنسبة إلى الضلال، فكان تعقيب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية عليه سبحانه كذكر حشرهم فيما مضى تقسيمهم إلى قسمين بعد قوله {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}. ولما كان صلى الله عليه وسلم يريد - بإسماعه لهم ما أنزل الله - هدايتهم به، سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المترتب عليه الهدى فقال: {أفأنت} أي وحدك {تسمع الصم} أي في آذان قلوبهم لأنهم يستمعون إليك وقد ختم على أسماعهم فهم لا ينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون السمع للرد لا للفهم؛ والسمع إدراك الشيء بما يكون به مسموعاً، فكانوا بعدم انتفاعهم كأنهم هم مجانين، لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس في تحريك الشفاه وغيرها فلذا قال: {ولو كانوا} أي جبلة وطبعاً {لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل أصلاً فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لأنه لا يمكن إلا بسماع الصوت الدال على المعنى وبفهم المعنى، والمانع من الأول الصمم، ومن الثاني عدم العقل، فصاروا شراً من البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع، والأصم: المنسد السمع بما يمنع من إدراك الصوت {ومنهم من ينظر} محدقاً أو رامياً ببصره من بعيد {إليك} فهو من التضمين كما سبق في {يستمعون}؛ نقل عن التفتازاني أنه قال في حاشية الكشاف: وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه وهو كثير في كلام العرب، وذلك مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، ويتعين جعل الفعل المذكرو أصلاً والمذكور حاله تبعاً، لأن حذفه والدلالة عليه بصلته يدل على اعتباره في الجملة لا على زيادة القصد إليه، ومن أمثلته: أحمد إليك الله، أي منهياً إليك حمده، ويقلب كفيه على كذا،أي نادماً عليه،{أية : ولا تعد عيناك عنهم}تفسير : [الكهف: 28] أي مجاوزتين عنهم إلى غيرهم، {ولا تأكلوا أموالهم} -ضاميها{أية : إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2]، {الرفث - مفضين - إلى نسائكم} [البقرة: 187]، {أية : ولا تعزموا}تفسير : [البقرة: 235] أي على النكاح وأنتم تنوون عقدته {ولا يسمعون} مصغين{أية : إلى الملإ الأعلى}تفسير : [الصافات: 8]، سمع الله - أي مستجيباً - لمن حمده،{أية : والله يعلم المفسد}تفسير : [البقرة: 220] مميزاً له - {من المصلح}، {والذين يؤلون} - ممتنعين {من} وطء {أية : نسائهم}تفسير : [البقرة: 226]. ولما كان المعنى أنك يا أكرم الخلق تريد بنظر هذا الناظر إليك ان ينظر إلى ما تأتي به من باهر الآيات فيهتدي وهو غير منتفع بنظره لما جعل عليه من الغشاوة فكان كالأعمى الذي زاد على عدم بصره عدم العقل فلا بصر ولا بصيرة، قال منكراً لذلك: {أفأنت تهدي العمي} أي عيوناً وقلوباً {ولو كانوا} أي بما جبلوا عليه {لا يبصرون*} أي لا يتجدد لهم بصر ولا بصيرة، فلا تمكن هدايتهم، لأن هداية الطريق الحسي لا تمكن إلا بالبصر، وهداية الطريق المعنوي لا تمكن إلا بالبصيرة؛ والنظر: طلب الرؤية بتقليب البصر، ونظر القلب طلب العلم بالفكر؛ والعمى: آفة تمنع الرؤية عن العين والقلب؛ والإبصار: إدراك الشيء بما به يكون مبصراً، فكأنه قيل: ما له فعل بهم هذا والأمر بيده؟ فقيل: لأنه تام المُلك والمِلك وهو متفضل في جميع نعمة لا يجب عليه لأحد شيء فهو لا يسأل عما يفعل، وبنى عليه قوله: {إن الله} وأحسن منه أن يقال: ولما كان التقدير: إذا علمت ذلك فخفف عنك بعض ما أنت فيه، فإنك لا تقدر على إسماعهم ولا هدايتهم لأن الله تعالى أراد ما هم عليه منهم لاستحقاقهم ذلك لظلمهم أنفسهم، علله بقوله: {إن الله} أي المحيط بجميع الكمال {لا يظلم الناس شيئاً} وإن كان هو الذي جبلهم على الشر {ولكن الناس} أي لما عندهم من شدة الاضطراب والتقلب {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون*} بحملهم لها على الشر وصرف قواهم فيه باختيارهم مع زجرهم عن ذلك وحجبهم عما جبلوا عليه وإن كان الكل بيده سبحانه ولا يكون إلا بخلقه. ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم، وكان فعل ذلك - ممن لا يرى حشراً ولا جزاء ولا نعيماً وراء نعيم هذه الدار - فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان،حسن تعقيبه بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا، فقد خسروا إذن دنياهم بالنزاع،وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع، وليس له انقطاع،فقال تعالى مهدداً لهؤلاء الكفار الذين يعاندون فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفاً على {ويوم نحشرهم} الأولى: {ويوم يحشرهم} أي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال، فكأنه قيل: إلى أي غاية؟ فقيل: {كأن} أي كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم، والجملة في موضع الحال من ضمير {يحشرهم} البارز أي مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} أي حقيرة {من النهار} وقوله: {يتعارفون بينهم} حال ثانية، أي لم يفدهم تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها بعضهم بعضاً ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا. ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة، فكان السامع متوقعاً للخبر عنها، قال متعجباً منهم موضع: ما أخسرهم: {قد خسر} أي حقاً {الذين كذبوا} أظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف مستهينين {بلقاء الله} أي الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي، قال عاطفاً على الصلة: {وما كانوا} أي جبلة وطبعاً {مهتدين*} مشيراً إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإن كذبوك فقل لي عملي‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أمره بهذا، ثم نسخه فأمره بجهادهم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن كَذَّبُوكَ} أي إن استمروا على تكذيبك وأصروا عليه حسبما أُخبر عنهم بعد إلزامِ الحجةِ بالتحدي {فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي تبرأ منهم فقد أعذرتَ كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء} تفسير : [الشعراء: 216] والمعنى لي جزاءُ عملي ولكم جزاءُ عملِكم حقاً كان أو باطلاً، وتوحيدُ العمل المضافِ إليهم باعتبار الاتحادِ النوعيِّ ولمراعاة كمالِ المقابلة {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ} تأكيدٌ لما أفادته لامُ الاختصاص من عدم تعدّي جزاءِ العمل إلى غير عاملِه أي لا تؤاخَذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، ولما فيه من إيهام المتاركةِ وعدم التعرضِ لهم قيل: إنه منسوخٌ بآية السيف. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} بـيانٌ لكونهم مطبوعاً على قلوبهم بحيث لا سبـيل إلى إيمانهم، وإنما جمع الضميرُ الراجعُ إلى كلمة مَنْ رعايةً لجانب المعنى كما أفرد فيما سيأتي محافظةً على ظاهر اللفظِ، ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناءً على عدم توقفِ الاستماع على ما يتوقف عليه النظرُ من المقابلة وانتفاءِ الحجاب والظُلمة، أي ومنهم ناسٌ يستمعون إليك عند قراءتِك القرآنَ وتعليمِك الشرائعَ {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} همزةُ الاستفهامِ إنكاريةٌ والفاءُ عاطفةٌ وليس الجمعُ بـينهما لترتيب إنكارِ الإسماعِ كما هو رأيُ سيبوبهِ والجمهور على أن يجعل تقديمُ الهمزة على الفاء لاقتضائها الصدارةَ كما تقرر في موضعه بل لإنكار ترتُّبِه عليه حسبما هو المعتادُ لكن لا بطريق العطفِ على الفعل المذكورِ لأدائه إلى اختلال المعنى، لأنه إما صلةٌ أو صفةٌ وأياً ما كان فالعطفُ عليه يستدعي دخولَ المعطوفِ في حيزه وتوجّهَ الإنكارِ إليه من تلك الحيثية ولا ريب في فسادة، بل بطريق العطفِ على مقدر مفهومٍ من فحوى النظمِ، كأنه قيل: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم لا إنكاراً لاستماعهم فإنه أمر محقق بل إنكاراً لوقوع الاستماعِ عقيبَ ذلك وترتبِه عليه حسب العادةِ الكليةِ بل نفياً لإمكانه أيضاً كما ينبىء عنه وضع الصمِّ موضعَ ضميرِهم ووصفِهم بعدم العقلِ بقوله تعالى: {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي ولو انضم إلى صممهم عدمُ عقولِهم لأن الأصمَّ العاقلَ ربما تفرس إذا وصل إلى صِماخه صوتٌ وأما إذا اجتمع فقدانُ السمع فقد تم الأمر {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} ويعاين دلائلَ نبوّتك الواضحة {أَفَأَنتَ} أي أعقيبَ ذلك أنت تهديهم وإنما قيل: {تَهْدِى ٱلْعُمْىَ} تربـيةً لإنكار هدايتِهم وإبرازاً لوقوعها في معرض الاستحالةِ وقد أكد ذلك حيث قيل: {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي ولو انضم إلى عدم البصَر عدمُ البصيرة فإن المقصودَ من الإبصارِ الاعتبارُ والاستبصارُ، والعمدةُ في ذلك هي البصيرةُ ولذلك يحدس الأعمى المستبصرُ ويتفطن لما لا يدركه البصيرُ الأحمقُ فحيث اجتمع فيهم الحمَقُ والعمى فقد انسد عليهم بابُ الهدى، وجوابُ لو في الجملتين محذوف لدلالة قوله تعالى: {تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} و{تَهْدِى ٱلْعُمْىَ} عليه وكلٌّ منهما معطوفةٌ على جملة مقدرةٍ مقابلةٍ لها في الفحوى كلتاهما في موضع الحال من مفعول الفعلِ السابق، أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون، أفأنت تهدي العميَ لو كانوا يبصرون ولو كانوا لا يبصرون، أي على كل حال مفروضٍ، وقد حذفت الأولى في الباب حذفاً مطرداً لدِلالة الثانية عليها دِلالةً واضحةً فإن الشيءَ إذا تحقق عند تحققِ المانعِ أو المانع القويِّ فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أو عند تحققِ المانعِ الضعيفِ أولى، وعلى هذه النُكتةِ يدور ما في لو وأن الوصلتين من التأكيد وقد مر الكلام في قوله تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ} ونظائرِه مراراً.

القشيري

تفسير : بَرِحَ الخفاءُ، واستبانت الحقائق، وامتاز الطريقان، فلا المحسنُ بِجُرْمِ المسيءِِ مُعَاقَبٌ، ولا المسيءُ بِجُرْمِ المحسن مُعاتَب، كُلٌّ على حِدَةٍ بما يعمله وعلى ما يفعله مُحَاسَب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان كذبوك} وان اصروا على تكذيبك بعد الزام الحجة {فقل لى عملى ولكم عملكم} فتبرأ منهم فقد اعذرت اى بالغت فى العذر كقوله تعالى {أية : فان عصوك فقل انى بريء} تفسير : والمعنى لى جزاء عملى ولكم جزاء عملكم حقا كان او باطلا وتوحيد العمل المضاف اليهم باعتبار الاتحاد النوعى ولمراعاة كمال المقابلة {انتم بريئون مما اعمل وانا بريء مما تعملون} تأكيد لما افاده لام الاختصاص من عدم تعدى جزاء العمل الى غير عامله اى لا تؤاخذون بعملى ولا اؤاخذ بعملكم وعمله صرف الاستعداد الفطرى فى استعمال العبودية لقبول فيض الربوبية وجزاؤه الجنة والوصلة وعملهم افساد الاستعداد فى استيفاء اللذات والشهوات النفسانية وابطال القلب عن قبول الفيض الالهى وجزاؤه النار والقطيعة وايضا عمله التصديق والاقرار وعملهم التكذيب والانكار وكل بريئ من صاحبه فى الدنيا والآخرة لا يجتمعان ابدا لا يجتمع الضب والنون فان الضب غذاؤه الهواء والنون غذاؤه الماء ولاحدهما وهو لضب القبض واليبوسة لانه برى ومن طبع التراب ذلك وللآخر وهو النون البسط والرطوبة لانه بحرى ومن طبع الماء ذلك: وفى المثنوى شعر : طوطيان خاص را قنديست زرف طوطيان عام ازين خود بسته طرف كى جشددرويش صورت زان نكات معنى است آن نى فعولن فاعلات از خر عيسى دريغش نيست قند ليك خر آمد بخلقت كه بسند بال بازان را سوى سلطان برد بال زاغان را بكورستان برد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "من" الموصولة لفظها مفرد، معناها واقع على الجمع أو غيره، فإن عاد الضمير عليها جاز فيه مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فقوله: {ومنهم من يستمعون} راعى جانب المعنى، وقوله: {ومنهم من ينتظر} راعى جانب اللفظ، فإن راعى أولاً اللفظ جاز أن يرجع إلى مراعاة المعنى، كقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ}تفسير : [محمد: 16] وأما إن راعى أولاً المعنى فلا يرجع إلى مراعاة اللفظ، لأن مراعاة المعنى أقوى. أنظر الإتقان. يقول الحق جل جلاله: {وإن كذبوك}؛ كذبك قومك بعد إلزام الحجة لهم {فقل} لهم: {لي عملي ولكم عملكم} أي: فتبرأ منهم وقل لهم: لي جزاء عملي، ولكم جزاء عملكم، حقاً كان أو باطلاً، {أنتم بريئون مما أعملُ وأنا بريء مما تعملون}،لا تؤاخذهم بعملي، ولا أُؤاخذ بعملكم، ولأجل ما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل: إنه منسوخ بآية السيف. {ومنهم من يستمعون إليك} إذا قرأت القرآن، أو علمت الشرائع، ولكن لا يقبلون، كالأصم الذي لا يسمع أصلاً، {أفأنتَ تُسمع الصُّمَّ} تقدر على إسماعهم {ولو كانوا لا يعقلون} أي: ولو انضم إلى صممهم فَقْدُ عقولهم، فهو احرى في عدم الاستماع. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام هو فهم المعنى المقصود منه، ولذلك لا توصف به ـ أي: بالاستماع ـ البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل وتدبره. وعقولهم لما كانت مؤوفة ـ أي: قاصرة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد بعدت أفهامهم عن فهم الحِكَم والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. هـ. {ومنهم من ينظر إليك} أي: يعاينون دلائل نبوتك، ولكن لا يصدقون، كأنهم عمي عنها، {أفأنت تهدي العُمْيَ}: تقدر على هدايتهم {ولو كانوا لا يُبصرون} أي: وإن انضم إلى عدم البصرَ عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار، والعمدة في ذلك البصيرة، فإذا فقدت فلا اعتبار ولا استبصار، ولذلك يُحدس الأعمى المتبصر، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. والآية كالتعليل للأمر بالتبري. {إن الله لا يظلم الناسَ شيئاً} بسلب حواسهم وعقولهم، {ولكن الناس أنفسَهم يظلمون} بإفسادهم وإهمالها، وتفويت منافعها عليهم. وفيه دليل على أن للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت الجبرية، ويجوز ان يكون وعيداً لهم، بمعنى: أن ما يحيق يوم القيامة من العذاب عدل من الله، لا يظلمهم به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. قاله البيضاوي. الإشارة: إذا رأى أهل الوعظ والتذكير قوماً غرقوا في بحر الهوى، وأخذتهم شبكة الدنيا واستتحوذت عليهم الغفلة، فذكروهم وبذلوا جهدهم في نصحهم، فلم يقلعوا، فليتبرؤوا منهم، وليقولوا: نحن براءٌ مما تعملون، وأنتم بريئون مما نعمل. ومنهم من يستمع إلى وعظك أيها الواعظ، ولكن لا يتعظ، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من يشاهد كرامتك وخصوصيتك ولكن لا يهتدي، فأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟ {إن الله لا يظلم الناس شيئاً}، بل في كل زمان يبعث من يذكر ويُدَاوي أمراض القلوب، {ولكن الناس أنفسهم يظلمون}، حيث حادوا عنهم، وأساؤوا الظن بهم، وبالله التوفيق. ثم ذكر وقت مجيء تأويل ما كذبوا به، فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً}.

الطوسي

تفسير : خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال {وإن كذبوك} هؤلاء الكفار ولم يصدقوك وردّوا عليك بذلك ونسبوك إلى الكذب {فقل لي عملي} أي إن كنت كاذباً فوباله علي {ولكم عملكم} أي ان كنتم غير محقين فيما تردونه علي وتكذبوني، فلكم جزاء عملكم، فانتم تبرؤن مما أعمل وأنا ابرأ من أعمالكم. وفائدة ذلك الاخبار بأنه لا يجازى احد الا على عمله، ولا يؤخذ أحد بجرم غيره كما قال تعالى {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : والبراءة قطع العلقة التي توجب رفع المطالبة وذلك كالبراءة من الدين، والبراءة من العيب في البيع، ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله هذا القول شكاً منه فيما يجازي الله الكفار والمؤمنين به من الثواب والعقاب. وانما قال على وجه التلطف لخصمه وحسن العشرة، وأن لا يستقبلهم بما يكرهونه من الخطاب فربما كان داعياً لهم ذلك إلى الانقياد والنظر في قوله. وقال ابن زيد: هذه الاية منسوخة بآية الجهاد، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل} اعراضاً عن الجاهلين او متاركة لهم {لِّي عَمَلِي} نافعاً كان او ضارّاً {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} كذلك {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تأكيد للاوّل ولذا ترك العاطف وعكس التّرتيب لانّه تأكيد للمفهوم لا للمنطوق كأنّه قال: لى عملى لا لكم بحسب مفهوم الحصر ولكم عملكم لالى.

اطفيش

تفسير : {وإنْ كذَّبُوكَ} داموا على تكذيبك بعد تلك البراهين {فقُلْ لى عَمَلى} أجازى به خيراً كان أو شراً {ولكُم عَملكُم} تجازون به كذلك، وإنما يقول هذا تهديدا ومنابذة لهم، ومعلوم أن عمله حق، وعملهم باطل، وقيل: لى ثواب عملى، ولكم عقاب عملكم. {أنتُم بريئُونَ مما أعْملُ} بعيدون عنه، لا يصلكم منه ثواب ولا عقاب {وأنَا بَرىءٌ ممَّا تعْملُون} كذلك، وذلك منابذة وتهديد، وكناية عن بطلان أمرهم وضلالهم، وهلاكهم، على عكس من كان على الإيمان، وذلك ثابت، سواء أمره الله بالقتال أم لا، وليس كما قال مقاتل، والكلبى: أن الآية منسوخة بآية السيف، وممن قال بنسخها ابن زيد، ونسب للجمهور، وهى آية مكية، واختاره بعضهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ كَذَّبُوكَ} بعد التكذيبات السابقة وإِلزام الحجج، فتول عنهم ولا لوم عليك كما قال {فَقُل لِّى عَملِى} أُجازى به وحدى، به لا بغيره {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} تجازون به وحدكم لا بغيره {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ} لا ضرر عليكم يلحقكم منه لو كان مضرا، أَو المقصود بالذات إِن لى وحدى ثوابه وعبر بذلك والله أَعلم مشاكلة لقوله {وَأَنآ بَرِىءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} لا يلحقنى منه ضرر. وقوله أَنتم برئيُون إِلى تعملون تأْكيد لقوله لى عملى إِلخ. أَو الأَول الخبر على فرض أَن لعملهم ثواباً، والثانى فى العقاب والآية غير منسوخة بآية السيف، لأَن كون المكلف له عمله باق دائِماً لا يقبل الرفع ولو بعد نزول القتال.

الالوسي

تفسير : {وَإِن كَذَّبُوكَ} أي أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة، وأول بذلك لأن أصل التكذيب حاصلاً فلا يصح فيه الاستقبال المفاد بالشرط، وأيضاً جوابه وهو قوله سبحانه: {فَقُل لّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} المراد منه التبرؤ والتخلية إنما يناسب الإصرار على التكذيب واليأس من الإجابة، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم كيفما كانا، وتوحيد العمل المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ولمراعاة كمال المقابلة كما قيل، وقوله سبحانه: {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تأكيد لما أفاده لام الاختصاص من عدم تعدي جزاء العمل إلى غير عامله أن لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، وعلى هذا فالآية محكمة غير منسوخة بآية السيف لما أن مدلولها اختصاص كل بأفعاله وثمراتها من الثواب والعقاب وآية السيف لم ترفع ذلك، وعن مقاتل والكلبـي وابن زيد أنها منسوخة بها وكأن ذلك لما فهموا منها الإعراض وترك التعرض بشيء، ولعل وجه تقديم حكم المتكلم أولاً وتأخيره ثانياً والعكس في حكم المخاطبين ظاهر مما ذكرناه في معنى الآية فافهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّآء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءايَـٰتِنَا} وهو احتجابهم عن قبول صفات الحق وذلك لأنه بتوفر النعم الظاهرة والمرادات الجسمانية يقوي ميل النفس إلى الجهة السفلية فتحتجب عن قبول ذلك كما أنه بأنواع البلاء تنكسر سورة النفس ويتلطف القلب ويحصل الميل إلى الجهة العلوية والتهيؤ لقبول ذلك {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} بإخفاء القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري {أية : إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}تفسير : [يونس: 21] في ألواح الملكوت {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِي ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} أي يسير نفوسكم في بر المجاهدات وقلوبكم في بحر المشاهدات، وقيل: يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات / {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي فلك العناية الإزلية {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ} وهي ريح صبا وصاله سبحانه {وَفَرِحُواْ بِهَا} لإيذانها بذلك وتعطرها بشذا ديار الأنس ومرابع القدس: شعر : ألا يا نسيم الريح مالك كلما تقربت منا زاد نشرك طيبا أظن سليمى خبرت بسقامنا فأعطتك رياها فجئت طبيباً تفسير : {جَآءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ} وذلك عاصف القهر وأمواج صفات الجلال، وهذه سنة جارية في العاشقين لا يستمر لهم حال ولا يدوم لهم وصال، ولله در من قال: شعر : فبتنا على رغم الحسود وبيننا شراب كريح المسك شيب به الخمر فوسدتها كفي وبت ضجيعها وقلت لليلي طل فقد رقد البدر فلما أضاء الصبح فرق بيننا وأي نعيم لا يكدره الدهر تفسير : {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أنهم من الهالكين في تلك الأمواج{دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} بالتبري من غير الله تعالى قائلين {أية : لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ}تفسير : [يونس: 22] لك بك {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} وهو تجاوزهم عن حد العبودية بسكرهم في جمال الربوبية، وذلك مثل ما عرا الحلاج وأضرابه ثم إنه سبحانه نبههم بعد رجوعهم من السكر إلى الصحو على أن الأمر وراء ذلك بقوله جل وعلا: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }تفسير : [يونس: 23] أي أنه يرجع إليكم ما ادعيتم لا إليه تعالى فإنه سبحانه الموجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق كذا قالوا. وقال ابن عطاء في الآية: حتى إذا ركبوا مراكب المعرفة وجرت بهم رياح العناية وطابت نفوسهم وقلوبهم بذلك وفرحوا بتوجههم إلى مقصودهم {جَآءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} أفنتهم عن أحوالهم وإرادتهم {وَجَآءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي تيقنوا أنهم مأخوذون عنهم ولم يبق لهم ولا عليهم صفة يرجعون إليها وأن الحق خصهم من بين عباده بأن سلبهم عنهم {أية : دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }تفسير : [يونس: 22] حيث صفى سبحانه أسرارهم وطهرها مما سواه {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} أي ردهم إلى أوصافهم وأشباحهم ورجعوا إلى ما عليه عوام الخلق من طلب المعاش للنفوس انتهى. وكأنه حمل البغي على الطلب وضمنه معنى الاشتغال أي يطلبون في الأرض مشتغلين بغير الحق سبحانه وهو المعاش الذي به قوام أبدانهم، ويشكل أمر الوعيد المنبىء به {أية : فَنُنَبّئُكُمْ }تفسير : [يونس: 23] الخ على هذا التأويل وما قبله لأن ما يقع في السكر لا وعيد عليه وكذا طلب المعاش، وانظر هل يصح أن يقال: إن الأمر من باب حسنات الأبرار سيآت المقربين؟ ثم أنه سبحانه مثل الحياة في سرعة زوالها وانصرام نعيمها غب اقبالها واغترار صاحبها بها بما أشار إليه سبحانه بقوله جل وعلا: {أية : كَمَآ أَنزَلْنَـٰهُ }تفسير : [يونس: 24] الخ وفيه إشارة إلى ما يعرض والعياذ بالله تعالى لمن سبقت شقاوته في الأزل من الحور بعد الكور فبينما تراه وأحواله حالية وأعوامه عن شوائب الكدر خالية وغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة قلب الدهر له ظهر المجن وغزاه بجيوش المحن وهبت على هاتيك الرياض عاصفات القضاء وضاقت عليه فسيحات الفضاء وذهب السرور والأنس وجعل حصيداً كأن لم يغن بالأمس وأنشد لسان حاله: شعر : قف بالديار فهذه آثارهم نبكي الأحبة حسرة وتشوقاً كم قد وقفت بها أسائل مخبرا عن أهلها أو صادقاً أو مشفقاً فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} وهو العالم الروحاني السليم من الآفات {أية : وَيَهْدِي مَن يَشَآء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [يونس: 25] لا شعوب فيه وهو طريق الوحدة. وقد يقال: يدعو الجميع إلى داره ويهدي خواص العارفين إلى وصاله أو يدعو السالكين إلى الجنة ويبدي المجذوبين إلى المشاهدة {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} وهم خواص الخواص {ٱلْحُسْنَىٰ} وهي رؤية الله تعالى {وَزِيَادَةٌ} وهي دوام الرؤية، أو للذين جاؤا بما يحسن به حالهم من خير قلبـي أو قالبـي، المثوبة الحسنة من الكمال الذي يفاض عليهم وزيادة في استعداد قبول الخير إلى ما كانوا عليه قبل، وقد يقال: الحسنى ما يقتضيه قرب النوافل والزيادة ما يقتضيه قرب الفرائض {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} أي لا يصيبهم غبار الخجالة ولا ذل الفرقة {أُوْلَٰـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} التي تقتضيها أفعالهم {أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }تفسير : [يونس: 26] ثم ذكر سبحانه حال الذين أساءوا بقوله جل شأنه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ } تفسير : [يونس: 27] الخ وأشار إلى أنه على عكس حال أولئك الكرام {ٱلظَّـٰلِمُونَ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} في المجمع الأكبر {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} منهم وهم المحجوبون الواقفون مع الغير بالمحبة والطاعة {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} قفوا جميعاً وانتظروا الحكم {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي قطعنا الأسباب التي كانت بينهم {أية : وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }تفسير : [يونس: 28] بل كنتم تعبدون أشياء اخترعتموها في أوهامكم الفاسدة {أية : فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ }تفسير : [يونس: 29] لم نطلبها منكم لا بلسان حال ولا بلسان قال {هُنَالِكَ} أي في ذلك الموقف {تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ} أي تذوق وتختبر {مَّا أَسْلَفَتْ} في الدنيا {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ} المتولي لجزائهم بالعدل والقسط {أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }تفسير : [يونس: 30] من اختراعاتهم وتوهماتهم الكاذبة وأمانيهم الباطلة. ثم ذكر سبحانه مما يدل على التوحيد ما ذكر، والرزق من السماء عند العارفين هو رزق الأرواح ومن الأرض رزق الأشباح، والحي عندهم العارف والميت الجاهل {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا }تفسير : [يونس: 36] ذم لهم بعدم العلم بما يجب لمولاهم وما يمتنع وما يجوز ولا يكاد ينجو من هذا الذم إلا قليل، ومنهم الذين عرفوه جل شأنه به لا بالفكر بل قد يكاد يقصر العلم عليهم فإن أدلة أهل الرسوم من المتكلمين وغيرهم متعارضة وكلماتهم متجاذبة فلا تكاد ترى دليلاً سالماً من قيل وقال ونزاع وجدال، والوقوف على علم من ذلك مع ذلك أمر أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق: شعر : لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم تفسير : فمن أراد النجاة فليفعل ما فعل القوم ليحصل له ما حصل لهم أولاً فليتبع السلف الصالح فيما كانوا عليه في أمر دينهم غير مكترث بمقالات الفلاسفة ومن حذا حذوهم من المتكلمين التي لا تزيد طالب الحق إلا شكا {مَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من اللوح المحفوظ {أية : وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ }تفسير : [يونس: 37] الذي هو الأم، أي كيف يكون مختلقاً وقد أثبت قبله في كتابين مفصلاً ومجملاً {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ }تفسير : [يونس: 39] ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر والاطلاع على الحقيقة وهذه عادة المنكرين أهل الحجاب مع كلمات القوم حيث أنهم يسارعون إلى إنكارها قبل التأمل فيها وتدبر مضامينها والوقوف على الاصطلاحات التي بنيت عليها وكان الحري بهم التثبت والتدبر والله تعالى ولي التوفيق.

ابن عاشور

تفسير : لما كان العلم بتكذيبهم حاصلاً مما تقدم من الآيات تعين أن التكذيب المفروض هنا بواسطة أداة الشرط هو التكذيب في المستقبل، أي الاستمرار على التكذيب. وذلك أن كل ما تبين به صدق القرآن هو مثبِت لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى به، أي إن أصروا على التكذيب بعدما قارعتْهم به من الحجة فاعلم أنهم لا تنجع فيهم الحجج وأعلن لهم بالبراءة منهم كما تَبرؤوا منك. ومعنى: {لي عملي ولكم عملكم} المتاركة. وهو مما أجري مُجرى المثل، ولذلك بني على الاختصار ووفرة المعنى، فأفيد فيه معنى الحصر بتقديم المعمول وبالتعبير بالإضافة بـ{عَملي} و{عَمَلكم}، ولم يعبر بنحو لي ما أعمل ولكم ما تعملون، كما عُبر به بعد. والبريء: الخلي عن التلبس بشيءٍ وعن مخالطته. وهو فَعيل من بَرّأ المضاعف على غير قياس. وفعل بَرَّأ مشتق من برىء ـ بكسر الراء ـ من كذا، إذا خلت عنه تبعته والمؤاخذة به. وهذا التركيب لا يراد به صريحُه وإنما يراد به الكناية عن المباعدة. وقد جاء هذا المكنى به مصرحاً به في قوله تعالى: {أية : فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون}تفسير : [الشعراء: 216]، ولذلك فجملة: {أنتم بريئون مما أعمل} إلى آخرها بيان لجملة: {لي عملي ولكم عملكم} ولذلك فصلت. وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدراً كما أتي به في قوله: {لي عملي ولكم عملكم} إلى الإتيان به فعلاً صلة لــ{ما} الموصولة للدلالة على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى لا يتعلق الغرض بذكر البراءة منه. ولو عبر بالعمل لربما توهم أن المراد عمل خاص لأن المصدر المضاف لا يعم، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد؛ لأن جملة البيان من تمام المبيَّن، ولأن هذا اللفظ أنسب بسلاسة النظم، لأن في (ما) في قوله: {مما أعمل} من المد ما يجعله أسعد بمد النَفَس في آخر الآية والتهيئة للوقف على قوله: {مما تعملون}، ولما في {تعملون} من المد أيضاً، ولأنه يراعي الفاصلة. وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكاراً لها، وإظهاراً لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في قوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون: 1] إلى قوله: {أية : وَلِيَ دِينِ}تفسير : [الكافرون:1-6]، ونظير ذلك، قول إبراهيم الخليل - وأتباعه - لقومه: {أية : إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [الممتحنة: 4] الآية. وبين تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار، والأوثان والبراءة منهم. من فوائده تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة، و هو قوله في "مريم": {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}تفسير : [مريم: 49] إلى قوله: {أية : صِدْقٍ عَلِيّاً} تفسير : [مريم: 50]. وقال ابن زيد، وغيره، إن آية: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي} تفسير : [يونس: 41] الآية: منسوخة بآيات السيف. والظاهر أن معناها محكم. لأن البراءة إلى الله من عمل السوء لا شك في بقاء مشروعيتها.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَرِيۤئُونَ} (41) - وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِكَ، مَعَ وُضُوحِ الأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِكَ فِيمَا دَعَوْتَهُمْ إِليهِ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ لِي جَزَاءَ عَمَلِي، وَلَكُمْ أَنْتُمْ جَزَاء أَعْمَالِكُمْ، وَلَنْ يَحْمِلَ أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ وِزْرِ أَحَدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ بَرِيءٌ مِنْ عَمَلِ الآخَرِ، وَلاَ يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه آية تضع الاطمئنان في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَقُل الله سبحانه: "إذا كذَّبوك" بل قال: {إِن كَذَّبُوكَ ..} [يونس: 41] وشاء الحق سبحانه أن يأتي بالتكذيب في مقام الشك، وأتبع ذلك بقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ..} [يونس: 41] أي: أبْلِغْهم: أنا لا أريد أن أحْمِلكم على ما أعمل أنا، إنما أريد لكم الخير في أن تعملوا الخير، فإن لم تعملوا الخير؛ فهذا لن يؤثر في حصيلتي من عملي. وبذلك يتضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُجازَى على عدد المؤمنين به، بل بأداء البلاغ كما شاءه الله سبحانه. وقد شاء الحق سبحانه أن ينقل محمد صلى الله عليه وسلم الخير إلى أمته، فإن ظلوا على الشر؛ فهذا الشر لن يناله لأن خير البلاغ بالمنهج يعطيه صلى الله عليه وسلم خيراً، لأنه يطبِّقه على نفسه، وشر الذين لا يتبعونه إنما يعود عليهم؛ لأن الذين يتأبون على الاستجابة لأي داعٍ إنما يظنون أن الداعي سوف يستفيد. والبلاغ عن الله، إنما يطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم منهجاً وسلوكاً ويُجازَى عليه. فلا يجوز الخلط في تلك المسائل {لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ..} [يونس: 41]. ثم يقول الحق سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41]. وكلمة {بَرِيۤءٌ} تفيد أن هناك ذنباً، وهذا القول الحق فيه مجاراة للخصوم، وشاء الحق سبحانه أن يُعلِّم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أدب الحوار والمناقشة، فيقول: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 24]. أي: أننا - الرسول ومعه المؤمنون - وأنتم أيها الكافرون إما على هدى، أو في ضلال. والرسول صلى الله عليه وسلم موقن أنه على هدى وأن الكافرين على الضلال، ولكنه يجاريهم؛ عدالة منه صلى الله عليه وسلم ومجاراة لهم. كذلك يعلِّمه ربه سبحانه أن يقول: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ..}تفسير : [سبأ: 25]. أي: أنه يبين لهم: هَبُوا أنِّي أجرمتُ فأنتم لن تُسألوا عن إجرامي، ومن أدب الرسول صلى الله عليه وسلم شاء له الحق سبحانه أن يقول: {أية : وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [سبأ: 25]. ولم يقل: "ولا نُسأل عما تُجرمون". وكذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ...}.