١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى في الآية الأولى، قسم الكفار إلى قسمين منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به، وفي هذه الآية قسم من لا يؤمن به قسمين: منهم من يكون في غاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال: ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من حيث إنه لا ينتفع ألبتة بذلك الكلام فإن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر، وعظمت نفرته عنه، صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه، فالصمم في الأذن، معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي للوقوف على محاسن ذلك الكلام والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك البغض ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه الله تعالى من الفضائل، فبين تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى هذا الحد، ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعاً ولا جعل الأعمى بصيراً، فكذلك لا يمكن جعل العدو البالغ في العداوة إلى هذا الحد صديقاً تابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه الطائفة، قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا يقبلون العلاج والطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أعرض عنه، ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار. المسألة الثانية: احتج ابن قتيبة بهذه الآية، على أن السمع أفضل من البصر فقال: إن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. وزيف ابن الأنباري هذا الدليل فقال: إن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه الله مع البصر لأنه تعالى أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله. واحتج ابن قتيبة على هذا المطلوب بحجة أخرى من القرآن، فقال: كلما ذكر الله السمع والبصر، فإنه في الأغلب يقدم السمع على البصر، وذلك يدل على أن السمع أفضل من البصر ومن الناس من ذكر في هذا الباب دلائل أخرى: فأحدها: أن العمى قد وقع في حق الأنبياء عليهم السلام أما الصمم فغير جائز عليهم لأنه يخل بأداء الرسالة، من حيث إنه إذا لم يسمع كلام السائلين تعذر عليه الجواب فيعجز عن تبليغ شرائع الله تعالى. الحجة الثانية: أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة وهي المقابل. الحجة الثالثة: أن الإنسان إنما يستفيد العلم بالتعلم من الأستاذ، وذلك لا يمكن إلا بقوة السمع، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع، ولا يتوقف على قوة البصر، فكان السمع أفضل من البصر. الحجة الرابعة: أنه تعالى قال: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [ق:37] والمراد من القلب ههنا العقل، فجعل السمع قريناً للعقل ويتأكد هذا بقوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الملك: 10] فجعلوا السمع سبباً للخلاص من عذاب السعير. الحجة الخامسة: أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق والكلام وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة، فمتعلق السمع النطق الذي به حصل شرف الإنسان، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. الحجة السادسة: أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأصوات المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام، فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر، فهذا جملة ما تمسك به القائلون بأن السمع أفضل من البصر، ومن الناس من قال: البصر أفضل من السمع، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان، وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الأبصار. الحجة الثانية: أن آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي الهواء والنور أشرف من الهواء فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة. الحجة الثالثة: أن عجائب حكمة الله تعالى في تخليق العين التي هي محل الأبصار أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع، فإنه تعالى جعل تمام روح واحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للأبصار، وركب العين من سبع طبقات وثلاث رطوبات وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة والأذن ليس كذلك وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من غيره. الحجة الرابعة: أن البصر يرى ماحصل فوق سبع سموات والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ، فكان البصر أقوى وأفضل وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع يدرك من كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد. الحجة الخامسة: أن كثيراً من الأنبياء سمع كلام الله في الدنيا، واختلفوا في أنه هل رآه أحد في الدنيا أم لا؟ وأيضاً فإن موسى عليه السلام سمع كلامه من غير سبق سؤال والتماس ولما سأل الرؤية قال: { أية : لَن تَرَانِى } تفسير : [الأعراف: 143] وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع. الحجة السادسة: قال ابن الأنباري: كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل جمال الوجه، وبذهابه عيبه، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً، العرب تسمي العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا؟ ومنه الحديث يقول الله تعالى: (حديث : من أذهبت كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة).تفسير : المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية، على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، قالوا: الآية دالة على أن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام، وكالأعمى بالنسبة إلى إبصار الأشياء، وكما أن هذا ممتنع فكذلك ما نحن فيه. قالوا: والذي يقوي ذلك أن حصول العداوة القوية الشديدة، وكذلك حصول المحبة الشديدة في القلب ليس باختيار الإنسان، لأن عند حصول هذه العداوة الشديدة يجد وجداناً ضرورياً أن القلب يصير كالأصم والأعمى في استماع كلام العدو وفي مطالعة أفعاله الحسنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل المطلوب، وأيضاً لما حكم الله تعالى عليها حكماً جازماً بعدم الإيمان، فحينئذ يلزم من حصول الإيمان انقلاب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال. وأما المعتزلة: فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وجه الاستدلال به، أنه يدل على أنه تعالى ما ألجأ أحداً إلى هذه القبائح والمنكرات، ولكنهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها. أجاب الواحدي عنه فقال: إنه تعالى إنما نفى الظلم عن نفسه، لأنه يتصرف في ملك نفسه، ومن كان كذلك لم يكن ظالماً، وإنما قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} يريد بظواهرهم، وقلوبُهم لا تَعِي شيئاً مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن؛ ولهذا قال: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا تسمع؛ فظاهره الاستفهام ومعناه النفي، وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها، أي لا تقدر على هداية من أصمّه الله عن سماع الهدى. وكذا المعنى في: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} أخبر تعالى أن أحداً لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته. وهذا وما كان مثلَه يردّ على القدرية قولهم؛ كما تقدّم في غير موضع. وقال: «يستمعون» على معنى «مَن» و «ينظر» على اللفظ؛ والمراد تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي كما لا تقدر أن تسمع من سُلب السمع ولا تقدر أن تخلُق للأعمى بصراً يهتدي به، فكذلك لا تقدر أن توفّق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألاّ يؤمنوا. ومعنى: «يَنْظُرُ إلَيْكَ» أي يديم النظر إليك؛ كما قال: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [الأحزاب: 19]. قيل: إنها نزلت في المستهزئين، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلاً. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} تقدر على إسماعهم. {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم. وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره وعقولهم لما كانت مؤفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف، والتقليد تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } إذا قرأت القرآن {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } شبَّههم بهم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم {وَلَوْ كَانُواْ } مع الصمم {لاَ يَعْقِلُونَ } يتدبرون؟.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ } الخ بيّن الله سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد، وهي أنهم يستمعون إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر، ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة؛ لعدم حصول أثر السماع، وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، ولهذا قال: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } يعني: أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صمّ، والصمم مانع من سماعهم، فكيف تطمع منهم بذلك مع حصول المانع، وهو: الصمم، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنهم لا يعقلون، فإن من كان أصمّ غير عاقل، لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له. وجمع الضمير في {يستمعون} حملاً على معنى من، وأفرده في {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ } حملاً على لفظه. قيل: والنكتة: كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين؛ لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر، من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع، والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ } {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ } ومنهم ناس يستمعون، ومنهم بعض ينظر، والهمزتان في {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ } {أَفَأَنْتَ تَهْدِى } للإنكار، والفاء في الموضعين للعطف على مقدّر، كأنه قيل: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم؟ أينظرون إليك فأنت تهديهم؟ والكلام في: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } كالكلام في {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ } الخ؛ لأن العمى مانع، فكيف يطمع من صاحبه في النظر. وقد انضمّ إلى فقد البصر، فقد البصيرة؛ لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر، وكذلك الأصمّ العاقل، قد يتحدّس تحدّساً يفيده بعض فائدة، بخلاف من جمع له بين عمي البصر والبصيرة، فقد تعذر عليه الإدراك. وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل، فقد انسدّ عليه باب الهدى، وجواب "لو" في الموضعين محذوف، دلّ عليهما ما قبلهما، والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه، واستراح من الاشتغال به. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ذكر هذا عقب ما تقدّم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار، لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل، والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم يظلمهم الله شيئاً من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية، فعلى نفسها براقش تجني، وقرأ حمزة والكسائي "ولكن الناس" بتخفيف النون ورفع الناس، وقرأ الباقون بتشديدها ونصب الناس. قال النحاس: زعم جماعة من النحويين منهم الفراء، أن العرب إذا قالت «ولكن» بالواو شدّدوا النون، وإذا حذفوا الواو خففوها. قيل: والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر زيادة التعيين والتقرير، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر، أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } الظرف منصوب بمضمر: أي واذكر يوم نحشرهم {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } أي: كأنهم لم يلبثوا، والجملة في محلّ نصب على الحال: أي مشبهين من لم يلبث {إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ } أي: شيئاً قليلاً منه، والمراد باللبث: هو اللبث في الدنيا، وقيل: في القبور، واستقلوا المدّة الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا، فجعلوا وجودها كالعدم، أو استقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في المحشر، أو لشدّة ما هم فيه من العذاب، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن، ومثل هذا قولهم: {أية : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تفسير : [المؤمنون: 113] وجملة: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة. والمعنى: يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً، وذلك عند خروجهم من القبور، ثم تنقطع التعاريف بينهم لما بين أيديهم من الأمور المدهشة للعقول، المذهلة للأفهام. وقيل: إن هذا التعارف، هو: تعارف التوبيخ والتقريع، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني، لا تعارف شفقة ورأفة، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } تفسير : [المعارج: 10] وقوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 101] فيجمع بأن المراد بالتعارف؛ هو: تعارف التوبيخ، وعليه يحمل قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } تفسير : [سبأ: 31]، وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة مختلفة، فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } هذا تسجيل من الله سبحانه عليهم بالخسران، والجملة في محل النصب على الحال، والمراد بلقاء الله: يوم القيامة عند الحساب والجزاء، ونفى عنهم أن يكونوا من جنس المهتدين لجهلهم، وعدم طلبهم لما ينجيهم وينفعهم. قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } أصله: إن نرك، وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط وزيدت نون التأكيد، والمعنى: إن حصلت منا الإراءة لك بعض الذي وعدناهم من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فتراه، أو فذاك، وجملة: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } معطوفة على ما قبلها، والمعنى: أو لا نرينك ذلك في حياتك، بل نتوفينك قبل ذلك {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } فعند ذلك نعذبهم في الآخرة، فنريك عذابهم فيها، وجواب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } محذوف أيضاً، والتقدير: أو نتوفينك قبل الإراءة فنحن نريك ذلك في الآخرة. وقيل: إن جواب {أونتوفينك} هو قوله: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } لدلالته على ما هو المراد من إراءة النبي صلى الله عليه وسلم تعذيبهم في الآخرة، وقيل: العدول إلى صيغة المستقبل في الموضعين لاستحضار الصورة، والأصل: أريناك أو توفيناك، وفيه نظر، فإن إراءته صلى الله عليه وسلم لبعض ما وعد الله المشركين من العذاب لم تكن قد وقعت كالوفاة. وحاصل معنى هذه الآية: إن لم ننتقم منهم عاجلاً انتقمنا منهم آجلاً. وقد أراه الله سبحانه قتلهم وأسرهم، وذلهم وذهاب عزّهم، وانكسار سورة كبرهم بما أصابهم به في يوم بدر وما بعده من المواطن، فلله الحمد. قوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ } جاء بثم الدالة على التبعيد، مع كون الله سبحانه شهيداً على ما يفعلونه في الدارين، للدلالة على أن المراد بهذه الأفعال ما يترتب عليها من الجزاء، أو ما يحصل من إنطاق الجوارح بالشهادة عليهم يوم القيامة، فجعل ذلك بمنزلة شهادة الله عليهم، كما ذكره النيسابوري {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم الخالية في وقت من الأوقات {رَّسُولٍ } يرسله الله إليهم، ويبيّن لهم ما شرعه الله لهم من الأحكام على حسب ما تقتضيه المصلحة {فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } إليهم، وبلغهم ما أرسله الله به فكذبوه جميعاً {قُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي: بين الأمة ورسولها {بِٱلْقِسْطِ } أي: العدل فنجا الرسول، وهلك المكذبون له، كما قال سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15]. ويجوز أن يراد بالضمير في {بينهم} الأمة على تقدير أنه كذبه بعضهم، وصدقه البعض الآخر، فيهلك المكذبون، وينجو المصدقون {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } في ذلك القضاء، فلا يعذبون بغير ذنب، ولا يؤاخذون بغير حجة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الزمر: 69] وقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } تفسير : [النساء: 41]. والمراد المبالغة في إظهار العدل، والنصفة بين العباد، ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا {يَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } والاستفهام منهم للإنكار، والاستبعاد، وللقدح في النبوّة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } خطاباً منهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه ما قبله، ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم الله إليهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادّة الشبهة ويقطع اللجاج فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا } أي: لا أقدر على جلب نفع لها، ولا دفع ضرّ عنها، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري، وقدّم الضرّ، لأن السياق لإظهار العجز عن حضور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } منقطع كما ذكره أئمة التفسير، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كان، فكيف أقدر على أن أملك لنفسي ضراً أو نفعاً، وفي هذه أعظم واعظ، وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه. فإن هذا مقام ربّ العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين، وجميع المخلوقين، ورزقهم، وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبيّ من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لربّ الأرباب القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك بما في هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده: لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلاً عن أن يملكه لغيره، فيا عجباً لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عزّ وجلّ؟ كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حلّ بهم من المخالفة لمعنى: لا إلٰه إلا الله، ومدلول: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1]؟ وأعجب من هذا: اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشدّ منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضارّ النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقرّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضرّ والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شرّ سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقرّ به عينه، وينثلج به صدره، من كفر كثير من هذه الأمة المباركة {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }تفسير : [الكهف: 104] إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بيّن سبحانه أن لكل طائفة حدّاً محدوداً لا يتجاوزونه، فلا وجه لاستعجال العذاب فقال: {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } فإذا جاء ذلك الوقت، أنجز وعده وجازى كلاً بما يستحقه، والمعنى: أن لكل أمة ممن قضى بينهم وبين رسولهم، أو بين بعضهم البعض أجلاً معيناً، ووقتاً خاصاً، يحلّ بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند حلوله: {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } أي: ذلك الوقت المعين، والضمير راجع إلى كل أمة {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عن ذلك الأجل المعين {سَاعَةِ } أي: شيئاً قليلاً من الزمان {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وعليه، وجملة: {لا يستقدمون} معطوفة على جملة {لا يستأخرون}، ومثله قوله تعالى: {أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون}تفسير : [الحجر: 5] والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدّم في تفسير الآية التي في أوّل الأعراف، فلا نعيده. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } قال: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه لا يستطيع أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } الآية. قال: سوء العذاب في حياتك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } وفي قوله: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } قال: يوم القيامة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أفأنت} بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. {ولكن الناس} بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف {يحشرهم} بالياء: حفص الباقون بالنون {نرينك أو نتوفينك} بالنون الخفيفة: رويس {آلان} بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف {ربي إنه} بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع. {فليفرحوا} بياء الغيبة {تجمعون} بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد. وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب. والباقون على الغيبة فيهما. الوقوف: {إليك} ط {لا يعقلون} ه {إليك} ط {لا يبصرون} ه {يظلمون} ه {بينهم} ط {مهتدين} ه {يفعلون} ه {رسول} ج ط {لا يظلمون} ه {صادقين} ه {ما شاء الله} ط {أجل} ط {ولا يستقدمون} ه {المجرمون} ه {آمنتم به} ط، {تستعجلون} ه {الخلد} ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد {تكسبون} ه {أحق هو} ط {بمعجزين} ه {لافتدت به} ط {العذاب} ج ط للعطف على {أسروا} دون {رأوا} {يظلمون} ه {والأرض} ط {لا يعلمون} ه {ترجعون} ه {للمؤمنين} ه {فليفرحوا} ط {يجمعون} ه {وحلالاً} ط {تفترون} ه {القيامة} ط {لا يشكرون} ه. التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله سبحانه في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد {يستمعون إليك} إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون. قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف النظر. فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم. ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده. وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: {أفأنت}. والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق. ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: {إن الله لا يظلم} الآية. فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها. وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه. وإنما قال: {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب. والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة. ثم ذكر وعيد الكفار فقال: {ويوم يحشرهم} أي واذكر يوم يحشرهم {كأن لم يلبثوا} في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث {إلا ساعة} وقوله {يتعارفون} إما حال أخرى أو بيان لقوله: {كأن لم يلبثوا} لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد. ويجوز أن يكون قوله: {ويوم يحشرهم} متعلقاً بـ {يتعارفون} والمراد باللبث. قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها. وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته. والجمع بين ذلك وبين قوله:{أية : ولا يسأل حميم حميماً}تفسير : [المعارج: 10] أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة. وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة{أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا} تفسير : [الأنعام: 122] ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: {جميعاً} ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم. قوله: {قد خسر} استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم! وفيه شهادة من الله على خسرانهم. وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك. ثم أكد خسرانهم بقوله: {وما كانوا مهتدين} أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإما نرينك} وجوابه محذوف. وقوله: {فإلينا مرجعهم} جواب {أو نتوفينك} والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا. ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله. ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: {ولكل أمة رسول} وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه. {فإذا جاء رسولهم} فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون {قضى بينهم بالقسط} أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإسراء: 15] ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه تعالى يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان. {فإذا جاء رسولهم} وشهد لهم أو عليهم {قضي بينهم} والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله:{أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد}تفسير : [النساء: 41] ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا {يقولون متى هذا الوعد} استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ. وأيضاً قوله: {إن كنتم صادقين} لفظ الجمع موافق لقوله: {ولكل أمة رسول} ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: {قل لا أملك لنفسي ضراً} من مرض أو فقر {ولا نفعاً} من صحة أو غنى {إلا ما شاء الله} قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب. ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال. فقال و{لكل أمة أجل} الآية. وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله:{أية : ولكل أمة أجل}تفسير : [الأعراف: 34] فلم يحسن الجمع بين الفاءين. ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: {قل أرأيتم} أي أخبروني {إن أتاكم عذابه بياتاً} أي في حين الغفلة والراحة. {أو نهاراً} حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف {ماذا يستعجل} أي شيء يستعجل {منه} أي من العذاب {المجرمون} وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله. و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟ أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟ وقيل: الضمير في "منه" لله تعالى وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه. و "ماذا" الجملة مفعول {أرأيتم} ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ {أرأيتم} ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط {ثم إذا وقع آمنتم به} والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب {آلآن} آمنتم به {وقد كنتم به تستعجلون} على جهة التكذيب والإنكار وقوله {ثم قيل} عطف على قيل المضمر قبل {آلآن} والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك. وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة. {ذوقوا عذاب الخلد} فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟ أجبتم {هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون} فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة. وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله:{أية : لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}تفسير : [الآية: 134]. ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: {ويستنبئونك أحق هو} وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟ وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه. وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟ وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟ فأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: {قل إي وربي} ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة. وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم. ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد. فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد. ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله {وما أنتم بمعجزين} فائتين العذاب. والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى. ثم زاد في التأكيد بقوله: {ولو أن لكل نفس} الآية. وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة". وقوله: {ظلمت} صفة لنفس. أما قوله: {وأسروا الندامة} فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد. والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم. وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته {وقضى بينهم بالقسط} قيل: أي بين المؤمنين والكافرين. وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم. وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب. ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة. وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه. وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد. وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع. شعر : ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله سبحانه في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: {وما كان هذا القرآن أن يفترى} إلى تمام الآيتين. والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار سبحانه إلى هذا الطريق بقوله: قل {يا أيها الناس} الآية. فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره. الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة. الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت. الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم. وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها. والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة. ولما أرشد سبحانه إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: {قل بفضل الله وبرحمته} قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا {فبذلك فليفرحوا} والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه. والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا. وعلى هذا يكون {قل} اعتراضاً. ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل. ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذب العقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية. وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن. وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى. ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: شعر : إن حزناً في ساعة الموت ضعا ف سرور في ساعة الميلاد تفسير : فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه. وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قل بفضل الله وبرحمته} فقال: بكتاب الله والإسلام. ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله. ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: {قل أرأيتم} الآية. وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله. وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم:{أية : هذه أنعام وحرث حجر}تفسير : [الأنعام: 138] وغير ذلك. {وما أنزل} الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره {آلله أذن لكم} و {قل} مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ { أرأيتم} والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله {أم على الله تفترون} وعن الزجاج أن "ما" في {ما أنزل} بمعنى الاستفهام منصوباً بـ {أنزل} وأنه مع معموله مفعول {أرأيتم} معناه أخبرونيه. وعلى هذا يكون {قل آلله} كلاماً مستأنفاً. ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله:{أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} تفسير : [الزمر: 6] وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في {آلله} للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء. ثم قال: {وما ظن الذين} يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟ وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت {لذو فضل على الناس} إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع {ولكن أكثرهم لا يشكرون} هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته. التأويل: {أفأنت تسمع الصم} صم آذان القلوب {أفأنت تهدي العمى} عمي أبصار البصائر. {ويوم نحشرهم} حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال:{أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن}تفسير : [مريم: 85] كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد. {يتعارفون بينهم} يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن {أو نتوفينك} فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود {فإلينا مرجعهم} رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً {ثم الله شهيد على ما يفعلون} من خسارة الدارين {ولكل أمة رسول} في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق. {لكل أمة أجل} في استكمال السعادة والشقاوة {بياتاً} أي في الأزل {أو نهاراً} أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل. {قل أي وربي إنه لحق} أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات. {ألا إن لله ما في السموات} الأرواح وأرض القلوب والنفوس {ألا إن وعد الله} لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل {حق هو يحيي} قلوب بعضهم بالمعرفة {ويميت} قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال {يا أيها الناس} يأ أهل النسيان {قد جاءتكم موعظة} هي خطاب{أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة {بلى} {لما في الصدور} وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة. ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال {قل بفضل الله} وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب {فليفرحوا هو خير مما} يجمعه أهل الدنيا في دنياهم {ما أنزل الله لكم من رزق} القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد {فجعلتم منه حراماً} على أنفسكم {وحلالاً} على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء {قل آلله أذن لكم} أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها {أم على الله تفترون} بأن الدعوة اختصت بهم دوننا {إن الله لذو فضل على الناس} بتسوية الاستعداد الفطري.
السلمي
تفسير : قال الحسين: من استمع إليك بآية فإنك لا تسمعه، إنما تسمع من أسمعناه فى الأزل فيسمع منك، وإما لم تسمعه فما للأصم والسماع وإن سمع ولم يعقل فكأنه لم يسمع قال الله تعالى: {أية : إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} تفسير : [النمل: 81]. إلا من أجرينا عليه حكم السعادة فى الأزل. قال بعضهم: من حكم المتحقق أن يكون أصم أعمى يعنى: أصم عمن يعبر عنه، أعمى عما يشار إليه. وقال بعضهم: إذا لم تسمع نداء الله فكيف تجيب داعى الله.
القشيري
تفسير : من استمع بتكلفه ازداد في تَخَلُّفِه بزيادة تصرفه، ومَنْ استمع الحقَّ بتَفَضُّلِه - سبحانه - استغنى في إدراكه عن تَعَمُّلِه. والحقُّ - سبحانه - يُسْمِعُ أولياءَه ما يناجيهم به في أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة قابلوه بالقبول لِمَا سَبَقَ لهم من استماعِ الحقِّ. ومَنْ عَدِمَ استماعِ الحقِّ إياه من حيث التفهيم لم يَزِدْه سماعُ الخَلْقِ إلا جحداً على جحد، ولم يحْظَ به إلا بُعْداً على بُعْد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم} اى من المكذبين {من} اى ناس {يستمعون اليك} عند قراءتك القرآن وتعليمك للشرائع بسمع الظاهر وفى سمع قلوبهم صمم من محبة الدنيا وشهواتها فان حب الشيء يعمى ويصم عن غيره {أفانت تسمع الصم} الهمزة الاستفهامية انكارية والفاء للعطف على مقدر والتقدير أيستمعون اليك فانت تسمعهم اى تقدر على اسماعهم وقد اصمهم الله بسوء اعمالهم والمنكر هو وقوع الاسماع لا الاستماع فانه امر محقق {ولو كانوا لا يعقلون} اى لو انضم الى صممهم عدم تعلقهم لان الاصم العاقل ربما تفرس اذا وصل الى صماخه صوت واما اذا اجتمع فقدان السمع والعقل جميعا فقد تم الامر
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء الكفار {من يستمع إليك} يا محمّد. والاستماع طلب السمع، فهم كانوا يطلبون السمع للرد لا للفهم، فلذلك لزمهم الذم، فهم اذا سمعوه على هذا الوجه كأنهم صم لم يسمعوه حيث لم ينتفعوا به. وقوله {أفأنت تسمع الصم} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأنه لا يقدر على اسماع الصم الذين لا يسمعون، وبهم صمم، وهم الذين ولدوا صماً، والاصم المفسد السمع بما يمنع من ادراك الصوت، وقد صم يصم صمماً، والسمع إدراك الشيء بما به يكون مسموعاً. وتسمى الأذن السليمة سمعاً، لأنه يسمع بها. وقوله {ولو كانوا لا يعقلون} تشبيه من الله تعالى لهؤلاء الكفار في ترك إصغائهم إلى النبي صلى الله عليه وآله واستماع كلامه طلباً للفائدة بالذين لا يسمعون أصلا، وان النبي صلى الله عليه وآله ولا يقدر على اسماعهم على وجه ينتفعون به اذا لم يستمعوا بنفوسهم، للفكر فيه، كما لا يقدر على اسماع الصم. وقوله {من} يقع على الجمع كما يقع على الواحد، فلذلك أخبر عنه بلفظ الجمع بقوله {يستمعون إليك} و {لو} في اكثر الأمر يكون ما بعدها أقل مما قبلها تقول: أعطني دابة ولو حماراً، وقد يجيء ما بعدها اكثر مما قبلها، كما يقول الرجل: انا أقاتل الاسد فيستعظم ذلك منه، فيقال: أنت تقاتل الأسد ولو كان ضارياً، وعلى هذا مخرج الاية. قال الزجاج: والمعنى ولو كانوا جهالا كما قال الشاعر: شعر : اصم عما ساءه سميع
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} ردّاً واستهزاءً، او لسماع المقصود منك {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} حال بتقدير القول او جواب عن سؤال مقدّرٍ كأنّه (ص) قال: فما شأنهم لا يسمعون المقصود منّى؟ - فقال: شأنهم ان يقال أفأنت تسمع الصّمّ يعنى انّ آذانهم الانسانيّة صمّ عن سماع ما يسمعه الانسان ولا عقل لهم حتّى يمكن الافهام بالاشارة ونحوه فهم كالبهائم ولذا قال {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} ويشاهد منك بيّنات صدقك وصدق كتابك لكنّهم عمى عن مشاهدة آثار الصّدق ودلالة دوالّه {أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} الى مشاهدة آثار الرّبوبيّة والآخرة {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} ببصيرة عقليّة يعنى ان كان لهم بصيرة يمكن افهام آثار الرّبوبيّة ولو لم يكن بصر لهم لكنّهم عمى وغير ذوى بصيرة والآية كالعلّة للاعراض والمتاركة.
اطفيش
تفسير : {ومنْهُم مَنْ يَسْتمعُون} الواو نظر إلى معنى مَنْ {إليْكَ} إذا قرأت القرآن، أو علمت الحلال والحرام، أو أخبرت عن غيب بآذانهم، ولا يؤثر ذلك فى قلوبهم، فهم كمن لا يحسن صوتا بإذنه، ولذلك قال: {أفأنتَ تُسْمع الصُّم} أى تجعل الذين هم صم سامعين الكلام. {ولَوْ كانُوا} أى الصم {لا يعْقلُون} كما لا يعقل الجماد والبهيمة، وللأصم الذى لا يسمع شيئا بحال، لا يكون كذلك فى الغالب إلا مع فساد العقل، فلا سبيل إلى أن يعقل هو أو يعقله أحد، حجة لا يقدر صلى الله عليه وسلم على ذلك، فكذلك لا يقدر على إسماع هؤلاء والتأثيرة فى قلوبهم، لأنهم لمتابعتهم الخيال، ومشايعتهم من القوة، وتقليدهم الرؤساء والآباء، كمن لا سمع له ولا عقل، ولو كان لهم سمع وعقل يدركون به مجرد الكلام.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُونَ} باذانهم {إِلَيْكَ} إِذا قرأْت القرآن، ولا تسمع قلوبهم بتدبر وكأَنهم لا يستمعون كما قال {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أَى يستمعون إِليك فأَنت تسمعهم {وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ} انضم إِلى صممهم عدم العقل، يقول صلى الله عليه وسلم لا أُسمعهم فيقول الله عز وجل فكذلك هؤلاءِ لا يتأَثرون بالقرآن لم يدخل آذانهم وكأَنهم مجانين، وذلك تمثيل بالصم مطلقاً. ويجوز أَن يكون الصم هؤلاءِ المكذبين، وأَن الأَصل أَفأَنت تسمعهم وهم لا يعقلون بالإِضمار، فأَظهر ليصفهم بالصمم تشبيها أَو بصمم القلوب، أَى كيف تهديهم وقد طبع على قلوبهم، والمقصود من سمع الأُذن سمع القلب فقد يحسن سميع القلب ما لا يحسنه سميع الأُذن الأَحمق فانسد باب الهدى أَلبتة عمن فقد سمع الأُذن وسمع القلب، وكذا الوجهان.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} بيان لكونهم مطبوعاً على قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم و(مَن) مبتدأ خبره مقدم عليه، وهو إما موصول أو نكرة موصوفة والجملة بعده إما صلة أو صفة. وجمع الضمير الراجع إليه رعاية لجانب المعنى كما أفرد فيما بعد رعاية لجانب اللفظ، ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء على عدم توقف الاستماع على ما يتوقف عليه النظر من الشروط العادية أو العقلية، والمعنى ومن المكذبين الذين أو أناس يصغون إلى القرآن أو إلى كلامك إذا علمت الشرائع وتصل الألفاظ لآذانهم ولكن لا ينتفعون بها ولا يقبلونها كالصم الذين لا يسمعون. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} أي تقدر على إسماعهم {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقلهم لأن الأصم العاقل ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه دوي وأما إذا اجتمع فقدان السمع والعقل فقد تم الأمر، وإنما جعلوا كالصم الذين لا عقل لهم مع كونهم عقلاء لأن عقولهم قد أصيبت بآفة معارضة الوهم لها وداء متابعة الألف والتقليد، ومن هنا تعذر عليهم فهم معاني القرآن والأحكام الدقيقة وإدراك الحكم الرشيقة الأنيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما تنتفع به البهائم من كلام الناعق. وتقديم المسند إليه في {أَفَأَنتَ} للتقوية عند السكاكي وجعله العلامة للتخصيص. ففي تقديم الفاعل المعنوي وإيلائه همزة الإنكار الدلالة على أن نبـي لله صلى الله عليه وسلم تصور في نفسه من حرصه على إيمان القوم أنه قادر على الإسماع أو نزل منزلة من تصور أنه قادر عليه وأنه تعالى شأنه نفى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وأثبته لنفسه سبحانه على الاختصاص كأنه قيل: أنت لا تقدر على إسماع أولئك بل نحن القادرون عليه كذا قيل وفي القلب منه شيء، ولذا اختير هنا مذهب السكاكي، وجعل إنكار الإسماع متفرعاً على المقدمة الاستدراكية المطوية المفهومة من المقام حسبما أشير أليه، وفيه اعتبار كون الهمزة مقدمة من تأخير لاقتضائها الصدارة وهو مذهب لبعضهم. وقيل: إنها في موضعها، وأدخلت الفاء لإنكار ترتب الإسماع على الاستماع لكن لا بطريق العطف على فعله المذكور الواقع صلة أو صفة للزوم اختلال المعنى على ذلك بل بطريق العطف على فعل مثله مفهوم من فحوى النظم غير واقع موقعه كأنه قيل: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم، وقد يراد إنكار إمكان وقوع الإسماع عقيب ذلك وترتبه عليه كما ينبىء عنه وضع الصم موضع ضميرهم ووصفهم بعدم العقل، وجواب {لَوْ} محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها، والكل في موضع الحال من مفعول الفعل السابق، أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون على معنى أفأنت تسمعهم على كل حال مفروض ـ ويقال ـ للو ـ هذه وصلية وذلك أمر مشهور. واستشكل الإتيان بها هنا بأن الأصل فيها أن يكون الحكم على تقدير تحقق مدخولها ثابتاً كما أنه ثابت على تقدير عدمه إلا أنه على تقدير عدمه أولى والأمر هنا بالعكس. وأجيب بأن اتصال الوصل بالإثبات جار على المعروف فإن تقديره تسمعهم ولو كانوا لا يعقلون وظاهر أن إسماعهم مع العقل بطريق الأولى، والاستفهام إثبات بحسب الظاهر فإن نظر إليه فذاك وإن نظر إلى الإنكار وأنه نفى بحسب المعنى اعتبر أنه داخل على المجموع بعد ارتباطه وكذا يقال فيما بعد فتأمل فيه ولا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : لما سبق تقسيم المشركين بالنسبة إلى اعتقادهم في الأصنام إلى من يتبع الظن ومن يوقن بأن الأصنام لا شيء، وتقسيمهم بالنسبة لتصديق القرآن إلى قسمين: من يؤمن بصدقه ومن لا يؤمن بصدقه؛ كمُل في هذه الآية تقسيمهم بالنسبة للتلقي من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: قِسم يحضرون مجلسه ويستمعون إلى كلامه، وقسم لا يحضرون مجلسه وإنما يتوسمونه وينظرون سمته. وفي كلا الحالين مسلك عظيم إلى الهدى لو كانوا مهتدين؛ فإن سماع كلام النبي وإرشادِه ينير عقول القابلين للهداية، فلا جرم أن كان استمرار المشركين على كفرهم مع سماعهم كلام النبي أو رؤية هديه مؤذناً ببلوغهم الغاية في الضلالة مَيئوساً من نفوذ الحق إليهم، وليس ذلك لقصور كلامه عن قوة الإبلاغ إلى الاهتداء، كما أن التوسم في سمته الشريف ودلائل نبوءته الواضحة في جميع أحواله كاف في إقبال النفس عليه بشراشرها، فما عُدم انتفاع الكفار الذين يعاينون ذاته الشريفة بمعاينتها إلا لشدة بغضهم إياه وحسدهم، وقد أفاد سياق الكلام أنهم يستمعون إليه وينظرون إليه ولا ينتفعون بذلك من جهة أن المستمعين إليه والناظرين إليه هنا استمروا على الكفر كما دل عليه قوله: {وَمِنْهُمْ} في الموضعين، فطويت جملة: ولا ينتفعون أو نحوها لِلإيجاز بدلالة التقسيم. وجيء بالفعل المضارع دون اسم الفاعل للدلالة على تكرر الاستماع والنظر. والحرمان من الاهتداء مع ذلك التكرر أعجب. فجملة: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفريع على جملة: {مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} مع ما طوي فيها. وفي هذا التفريع بيان لسبب عدم انتفاعهم بسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتعليم للمسلمين، فقُربت إليهم هذه الحالة الغريبة بأن أولئك المستمعين بمنزلة صُم لا يعقلون في أنهم حُرموا التأثر بما يسمعون من الكلام فساووا الصم الذين لا يعقلون في ذلك، وهذه استعارة مصرحة إذ جعلهم نفس الصم. وبُني على ذلك استفهام عن التمكن من إسماع هؤلاء الصم وهدي هؤلاء العمي مع أنهم قد ضموا إلى صَممهم عدم العقل وضموا إلى عَماهم عدم التبصر. وهذان الاستفهامان مستعملان في التعجيب من حالهم إذ يستمعون إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعقلونها، وإذ ينظرون أعماله وسِيرته ولا يهتدون بها، فليس في هذين الاستفهامين معنى الإنكار على محاولة النبي إبلاغهم وهديهم لأن المقام ينبُو عن ذلك. وهذه المعاني المجازية تختلف باختلاف المقام والقرائن، فلذلك لم يكن الاستفهامان إنكاراً، ولذلك لا يتوهم إشكال بأن موقع (لو) الوصلية هنا بعدما هو بمعنى النفي بحيث تنتقض المبالغة التي اجتلبت لها (لو) الوصلية، بل المعنى بالعكس. وفي هذين الاستفهامين ترشيح لاستعارة الصم والعمي لهؤلاء الكافرين، أي أن الله لما خلق نفوسهم مفطورة على المكابرة والعناد وبغضاء من أنعم الله عليه وحسده كانت هاته الخصال حوائل بينهم وبين التأثر بالمسموعات والمبصرات فجيء بصيغة الاستفهام التعجيبي المشتملة على تقَوّي الخبر بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: {أفأنت تسمع} وقوله: {أفأنت تهدي} دون أن يقال: {أتسمع الصم} و{أتهدي العمي}، فكان هذا التعجيب مؤكداً مقوى. و(لو) في قوله: {ولو كانوا لا يعقلون} وقوله: {ولو كانوا لا يبصرون}، وصلية دالة على المبالغة في الأحوال، وهي التي يكون الذي بعدها أقصى ما يعلق به الغرض. ولذلك يقدرون لتفسير معناها جملة قبل جملة (لو) مضمونها ضِد الجملة التي دخلت عليها (لو)، فيقال هنا: أفأنت تسمع الصم لَوْ كانوا يعقلون بل ولو كانوا لا يعقلون. ولما كان الغرض هنا التعجيب من حالهم إذ لم يصلوا إلى الهدى كان عدم فهمهم وعدم تبصرهم كناية عن كونهم لا يعقلون وكونهم لا بصائر لهم. فمعنى: {لا يعقلون} ليس لهم إدراك العقول، أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم فإن الأصم العاقل ربما تفرس في مخاطَبِه واستدل بملامحه. وأما معنى: {لا يبصرون} فإنهم لا بصيرة لهم يتبصرون بها. وهو الذي فسر به «الكشاف» وهو الوجه، إذ بدونه يكون معنى: {لا يبصرون} مساوياً لمعنى العمى فلا تقع المبالغة بـ(لو) الوصلية موقعها، إذ يصير أفأنت تهدي العمي ولو كانوا عمياً. ومقتضى كلام «الكشاف» أنه يقال: أبصر إذا استعمَل بصيرته وهي التفكير والاعتبار بحقائق الأشياء. وكلامُ «الأساس» يحوم حوله. وأيَّاً ما كان فالمراد بقوله: {لا يبصرون} معنى التأمل، أي ولو انضم إلى عَمى العُمي عدم التفكير كما هو حال هؤلاء الذين ينظرون إليك سواء كان ذلك مدلولاً لفعل {يبصرون} بالوضع الحقيقي أو المجازي. فبهذا النظم البديع المشتمل على الاستعارة في أوله وعلى الكناية في آخره وعلى التعجيب وتقويته في وسطه حصل تحقيق أنهم لا ينتفعون بأسماعهم ولا بأبصارهم وأنهم لا يعقلون ولا يتبصرون في الحقائق. وقد علم أن هذه الحالة التي اتصفوا بها هي حالة أصارَهم الله إليها بتكوينه وجعلها عقاباً لهم في تمردهم في كفرهم وتصلبهم في شركهم وإعراضهم عن دعوة رسوله ولذلك جعلهم صماً وعمياً. فليس المعنى أن الله هو الذي يسمعهم ويهديهم لا أنت لأن هذا أمر معلوم لا يحتاج للعبارة. وقد أورد الشيخ ابن عرفة سؤالاً عن وجه التفرقة بين قوله: {من يستمعون} وقوله: {من يَنظر} إذ جيء بضمير الجمع في الأول وبضمير المفرد في الثاني. وأجاب عنه بأن الإسماع يكون من الجهات كلها وأما النظر فإنما يكون من الجهة المقابلة. وهو جواب غير واضح لأن تعدد الجهات الصالحة لأحد الفعلين لا يؤثر إذا كان المستمعون والناظرون متحدين ولأن الجمع والإفراد هنا سواء لأن مفاد (مَن) الموصولة فيهما هو من يصدر منهم الفعل وهم عدد وليس الناظر شخصاً واحداً. والوجه أن كلا الاستعمالين سواء في مراعاة لفظ (من) ومعناها، فلعل الابتداء بالجمع في صلة (مَن) الأولى الإشارة إلى أن المراد بـ(من) غير واحد معيَّن وأن العدول عن الجمع في صلة (من) الثانية هو التفنن وكراهية إعادة صيغة الجمع لثقلها لا سيما بعد أن حصل فهم المراد، أو لعل اختلاف الصيغتين للمناسبة مع مادة فعلي (يستمع) و(ينظر). ففعل (ينظر) لا تلائمه صيغة الجمع لأن حروفه أثقل من حروف (يَستمع) فيكون العدول استقصاء لمقتضى الفصاحة.
د. أسعد حومد
تفسير : (42) - وَمِنَ المُكَذِّبِينَ أُنَاسٌ يُصِيخُونَ إِليكَ سَمْعَهُمْ إِذا قَرَأْتَ القُرْآنَ، وَبَيَّنْتَ مَا فِيهِ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ مَعْنَى مَا يَسْمَعُونَ، فَهُمْ لاَ يَتَدَبَّرُونَ القَوْلَ، وَلاَ يَفْقَهُونَ مَا يُرَادُ مِنْهُ، بَلْ هَمُّهُمْ أَنْ يَسْتَمِعُوا إِلى غَرَابَةِ نَظْمِهِ، وَإلى جَرْسِ صَوْتِكَ بِتَرْتِيلِهِ. وَالسَّمَاعُ النَّافِعُ لِلْمُسْتَمِعِ هُوَ الذِي يَعْقِلُ بِهِ مَا يَسْمَعُهُ، وَيَفْقَهُهُ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَإِنْ فَقَدَ هَذا كَانَ كَالأَصَمِّ الذِي لاَ يَسْمَعُ. وَكَمَا أَنَّكَ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، لَمْ تُؤْتَ القُدْرَةَ عَلَى إِسْمَاعِ الصُّمِّ الذِينَ فَقَدُوا حَاسَّةَ السَّمْعِ، فَكَذَلِكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ تُسْمِعَ إِسْمَاعاً نَافِعاً، مَنْ هُمْ فِي حُكْمِهِمْ، وَهُمُ الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "مَنْ" تطلق وقد يراد بها المفرد، وقد يراد بها المفردة، وقد يراد بها المثنى، وقد يراد بها الجمع، ومرة يطابق اللفظ فيقول سبحانه: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأنعام: 25]. ومرة يقصد المعنى فيقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ ..} [يونس: 42]. لأن {مَّن} صالحة للموقعين. والسماع كما نعلم هو استقبال الأذن للصوت، فإن كان صوتاً مُبْهماً كأصوات الحيوانات أو أصوات الأعواد، فهذه الأصوات لا تفيد إلا ما تفيده النغمة في الجسم من هزة أو ارتجاج. وإما أن يكون الصوت له معنى تواضُعيٌّ، كاللغات المختلفة التي يتخاطب بها الناس في البلدان المختلفة، فإن تكلمتَ بالإنجليزية في بلد يتكلم أهله بهذه اللغة فهموك وفهمت عنهم. هذا هو معنى التواضع في اللغة، أي: أن المتكلم والسامع على درجة. واحدة من الاتفاق على اللغة. والنبي صلى الله عليه وسلم عربي يتحدث بلسان عربي مبين لقوم من العرب، فما العائق عن السمع إذن؟ إن العائق عن السمع نفض الأذن لما يأتي من جهة الخصم، والسماع - كما نعلم - هو استشراف المخاطب إلى ما يفهم من المتكلم، فإن لم يوجد عند المخاطب استشراف إلى أن يسمع، فالكلام يُقال ولا يصل. إذن: لا بد للسامع من حالة الاستشراف إلى فهم ما يقوله المتكلم. وكما يقول المثل: "أذن من طين وأخرى من عجين". أو كما تقول المزحة أن واحداً مال على أذن صديق له وقال: "أريد أن أقول لك سِرّاً" فاقترب الصديق مستشرفاً سماع السر، فقال الرجل: "أريد مائة جنيه كقرض"؛ فقال الصديق: "كأني لم أسمع هذا السر". إذن: فالكلام ليس مجرد صوت يصل إلى الأذن، لكن لا بد من استشراف نفسي للتلقي. وهم لا يملكون هذا الاستشراف؛ لذلك قال الحق سبحانه: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ..} [يونس: 42] أي: كان سمعهم لا يسمع. ومثال ذلك: أننا نجد المدرس الذي يشرح الدرس للتلاميذ، وبين التلاميذ من يستشرف السمع؛ ولذلك يفهم الدرس، أما الذي لا يستشرف فكأنه لم يسمع الدرس. وهم قد فاتوا الصُّمَّ؛ لأن الأصم قد يفهم بالحركة أو الإشارة أو لغة العين، ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 42]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} الآية، قال ابن عباس: نزلت الآيتان في النضر بن الحارث وغيره من المستهزئين، وهذه الآية فيها تقسيم من لا يؤمن من الكفار إلى قسمين بعد تقسيم المكذبين إلى من يؤمن ومن لا يؤمن. والضمير في يستمعون عائد على من، والعود على المعنى دون العود على اللفظ في الكثرة وهو كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ}تفسير : [الأنبياء: 82]. والمعنى من يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع. ثم نفى جدوى ذلك الاستماع بقوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} أي هم وان استمعوا إليك صم عن إدراك ما تلقيه إليهم ليس لهم وعي ولا قول ولا قبول، ولا سيما وقد انضاف إلى الصّمم انتفاء العقل فحر بمن عدم السمع والعقل إلا أن يكون له إدراك لشىء البتة، بخلاف أن لو كان الأصم عاقلاً فإِنه بعقله يهتدي إلى أشياء. وأعاد في قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} الضمير مفرداً مذكراً على لفظ من وهو الأكثر في لسان العرب. قال ابن عطية: جاء ينظر على لفظ مَنْ وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر، المعنى: وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ، لأن الكلام يُلبسُ حينئذٍ. "انتهى". ليس كما قال بل يجوز أن يراعي المعنى أولاً فيعيد الضمير على حسب ما يريد من المعنى من تأنيث وتثنية وجمع، ثم يراعى اللفظ فيعيد الضمير مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيل ذكر في علم النحو. والمعنى وأنهم عمي فلا تقدر على هدايتهم، لأن السبب الذي يهتدي به إلى رؤية الدلائل قد فقدوه هذا وهم مع فقد البصر قد فقدوا البصيرة، إذ من كان أعمى فإِنه يهديه نور بصيرته إلى أشياء بالحدس، وهذا قد جمع بين فقدان البصر والبصيرة وهذه مبالغة عظيمة في عدم قبول ما يلقى إلى هؤلاء إذ جمعوا بين الصمم وانتفاء العقل، وبين العمى وفقد البصيرة. وفي قوله: أفأنت تسلية له صلى الله عليه وسلم وألاّ يكترث بعدم قبولهم فإِن الهداية إنما هي لله تعالى. ولما ذكر هؤلاء الأشقياء ذكر أنه تعالى لا يظلمهم شيئاً إذ قد أزاح عللهم ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيرهم من عقابه ولكنهم ظلموا أنفسهم بالتكذيب والكفر. واحتمل هذا النفي للظلم أن يكون في الدنيا أي لا يظلمهم شيئاً من مصالحهم، واحتمل أن يكون في الآخرة وان ما يلحقهم من العقاب هو عدل منه لأنهم هم الذين تسببوا فيه باكتساب ذنوبهم، كما قدر تعالى عليهم لا يسأل عما يفعل. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} الآية، كان لم يلبثوا جملة تشبيهية في موضع نصب من الضمير المنصوب في نحشرهم التقدير مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ويتعارفون حال ثانية، ويجوز أن يكون استئناف اخبار. وأجاز ابن عطية في كان لم يلبثوا صفة لمصدر محذوف تقديره حشراً كان لم يلبثوا، وان تكون الجملة التشبيهية في موضع صفة لقوله: يوم. "انتهى". أما قوله: انه نعت لمصدر محذوف، فيحتاج إلى رابط فقدّره كان لم يلبثوا قبله، ومثل هذا الربط لا يجوز حذفه وأما قوله: ان الجملة في موضع الصفة ليوم نحشرهم فلا يجوز لأن الجملة التشبيهية هي نكرة ويوم نحشرهم معرفة، إذ التقدير ويوم حشرهم ولا توصف المعرفة بالنكرة. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أخبر عنهم بخبرين أحدهما خسرانهم معللاً بالتكذيب بلقاء الله، والثاني إخباره تعالى بانتفاء هدايتهم. {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} اما هي ان الشرطية زيد عليها ما قال ابن عطية، ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت ان وحدها لم يجز. "انتهى". يعني أن دخول النون للتأكيد إنما يكون مع زيادة ما بعد ان وهذا الذي ذكره مخالف لظاهر كلام سيبويه فإِن سيبويه أجاز أن تقول ان تقومنّ أقم بغير زيادة ما بعد ان. ومعنى هذه الآية الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى، أي أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب. قال الزمخشري: فإِلينا مرجعهم جواب نتوفينّك، وجواب نرينّك محذوف كأنه قيل: واما نرينك بعض الذي نعدهم فذاك أو نتوفينك قبل أن نريكَه فنحن نريك في الآخرة. جعل الزمخشري الكلام شرطين لهما جوابان ولا حاجة إلى تقدير جواب محذوف لأن قوله: فإِلينا مرجعهم صالح أن يكون جواباً للشرط والمعطوف عليه، وأيضاً فقول الزمخشري فذاك هو اسم مفرد لا ينعقد منه جواب شرط فكان ينبغي أن يأتي بجملة يتضح بها جواب الشرط، إذ لا يفهم من قوله: فذاك الخبر الذي حذف المتحصل به فائدة الإِسناد، ثم مع ذلك الله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم، فثم هنا لترتيب الاخبار لا لترتيب القصص في أنفسها. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} الآية، لما بين حال الرسول صلى الله عليه وسلم في قومه بين حال الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم تسلية له عليه السلام وتطميناً لقلبه. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ} الآية، الضمير في "ويقولون" عائد على مشركي قريش ومن تابعهم من منكري الحشر استعجلوا بما وعدوا به من العذاب على سبيل الاستبعاد أو على سبيل الاستخفاف، ولذلك قالوا ان كنتم صادقين فيما وعدتم به فلا يقع شىء منه. {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي} الآية، لما التمسوا تعجيل العذاب أو تعجيل الساعة أمره تعالى أن يقول لهم ليس ذلك إليّ بل إلى الله تعالى، وإذا كنت لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فكيف أملكه لغيري وكيف أطلع على ما لم يطلعني عليه الله. {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} انفرد تعالى بعلمه. وتقدم الكلام على كل أمة أجل في الاعراف.
الجيلاني
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} استهزاءً، وأنت تلتفت إلى أسماعهم، وتبالغوا فيه؛ ليتعظوا، وهم لا يسمعون ولا يفقهون؛ لأكنة قلوبهم وصمم أسماعهم {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} وتجتهد في إصغائهم وإسماعهم {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] لجهلهم المركوز في جبلتهم {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} ويعاين دلائل نبوتك ويشاهد أماراتها، ومع ذكل ينكر بك وبنبوتك {أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} وتقدر على أسماعه {وَلَوْ كَانُواْ} مجبولين بأنهم {لاَ يُبْصِرُونَ} [يونس: 43] لتعامي بصائرهم وأبصارهم، وقساوة قلوبهم. {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ} المستوجبين للعذاب والنكال {شَيْئاً} مما لحقهم منه {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ} الناسين صرف ما أنعم الله لهم إلى ما خلق لأجله {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] بصرفها إلى خلاف ما حكم الله وأظهره له، لذلك استحقوا المقت والانتقام. {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي: أهواله المتطاولة وشدائده المترادفة المتتالية إلى حيث يصور عندهم مدة حياتهم في الدنيا {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} فيها {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} لطول ذلك اليوم وشدة أهواله {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي: وهم يعرف بعضهم بعضاً هذا في أول النشر، ثم يشتد عليهم الأمر ويرتفع التعارف والالتفات، ويصير كل منهم رهينة ما كسبت، وبالجملة: {قَدْ خَسِرَ} وخاب خيبة عظيمة {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} في الآخرة، وأصروا على ما هم عليه من اقتراف المعاصي، ولم يلتفتوا إلى الأنبياء والذي جاءوا به من عند الله؛ لإصلاح أحوالهم في مبدئهم ومعادهم {وَمَا كَانُواْ} أيضاً {مُهْتَدِينَ} [يونس: 45] بطريق الصلاح والصواب من تلقاء نفوسهم بلا إرشاد مرشد. {وَ} لقصورهم عن الرشد والهداية بلا مرشد مهدي {إِمَّا نُرِيَنَّكَ} يا أكمل الرسل {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} بالهداية والإرشاد، والسلوك في سبيل الصواب والسداد {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل وصولهم إلى فنائك؛ ليسترشدوا منك، ويستهدوا من زلال هدايتك، ويسترشحوا من رشحات فيضك وجودك ليصفوا من كدر هوياتهم ورين أنانياتهم {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جميعاً، ضالاً وهادياً، رجوع الأظلال إلى الشمس {ثُمَّ} بعد رجوعهم {ٱللَّهُ} المظهر لهم من كتم العدم؛ لحكمية العبودية والعرفان {شَهِيدٌ} مطلع حاضر بعلمه الحضوري {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] من المعرفة والضلال، والإيمان والطغيان يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن بعض المكذبين للرسول، ولما جاء به، { وَ } أن { منهم مَنْ يَسْتَمِعُونَ } إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقت قراءته للوحي، لا على وجه الاسترشاد، بل على وجه التفرج والتكذيب وتطلب العثرات، وهذا استماع غير نافع، ولا مُجدٍ على أهله خيرًا، لا جرم انسد عليهم باب التوفيق، وحرموا من فائدة الاستماع، ولهذا قال: { أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ } وهذا الاستفهام، بمعنى النفي المتقرر، أي: لا تسمع الصم الذين لا يستمعون القول ولو جهرت به، وخصوصًا إذا كان عقلهم معدومًا. فإذا كان من المحال إسماع الأصم الذي لا يعقل للكلام، فهؤلاء المكذبون، كذلك ممتنع إسماعك إياهم، إسماعًا ينتفعون به. وأما سماع الحجة، فقد سمعوا ما تقوم عليهم به حجة الله البالغة، فهذا طريق عظيم من طرق العلم قد انسد عليهم، وهو طريق المسموعات المتعلقة بالخير. ثم ذكر انسداد الطريق الثاني، وهو: طريق النظر فقال: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ } فلا يفيده نظره إليك، ولا سبر أحوالك شيئًا، فكما أنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون، فكذلك لا تهدي هؤلاء. فإذا فسدت عقولهم وأسماعهم وأبصارهم التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ومعرفة الحقائق، فأين الطريق الموصل لهم إلى الحق؟ ودل قوله: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ } الآية، أن النظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة. وقوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا } فلا يزيد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. { وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } يجيئهم الحق فلا يقبلونه، فيعاقبهم الله بعد ذلك بالطبع على قلوبهم، والختم على أسماعهم وأبصارهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):