١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
القرطبي
تفسير : لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم، وأن تقدير الشقاء عليهم وسلب سمع القلب وبَصرَه ليس ظلماً منه؛ لأنه تصرّف في ملكه بما شاء، و هو في جميع أفعاله عادل. {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم. وقرأ حمزة والكسائي «ولكِنْ» مخففاً «الناس» رفعا. قال النحاس: زعم جماعة من النحويين منهم الفرّاء أن العرب إذا قالت «ولكن» بالواو آثرت التشديد، وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف، واعتلّ في ذلك فقال: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل، وإذا جاؤوا بالواو خالفت بل فشدّدوها ونصبوا بها، لأنها «إنّ» زيدت عليها لام وكاف وصُيّرت حرفاً واحداً؛ وأنشد:شعر : ولكنني من حبّها لعَميد تفسير : فجاء باللام لأنها «إنّ».
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا} بسلب حواسهم وعقولهم. {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بإفسادها وتفويت منافعها عليهم، وفيه دليل على أن للعبد كسباً وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بمعنى أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله لا يظلمهم به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. وقرأ أبو عمرو والكسائي بالتخفيف ورفع {ٱلنَّاسِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قرأت فرقة: " ولكنْ الناس " بتخفيف " لكِن " ورفع " الناسُ "، وقرأت فرقة "ولكنّ" بتشديد "لكنّ" ونصب "الناسَ"، وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي يقارن اختراع الله تعالى لأفعالهم، وعرف " لكن " إذا كان قبلها واو أن تثقل وإذا عريت من الواو أن تخفف، وقد ينخرم هذا، وقال الكوفيون: قد يدخل اللام في خبر " لكن" المشددة على حد دخولها في " أن " ومنع ذلك البصريون، وقوله تعالى: {ويوم نحشرهم } الآية، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم لبعض، و { يوم } ظرف ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } ، ويصح نصبه بـ {يتعارفون }، والكاف من قوله {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } يصح أن تكون في معنى الصفة لليوم، ويصح أن تكون في موضع نصب للمصدر، كأنه قال ويوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا، ويصح أن يكون قوله {كأن لم يلبثوا} في موضع الحال من الضمير في {نحشرهم } وخصص {النهار} بالذكر لأن ساعاته وقسمه معروفة بيّنة للجميع، فكأن هؤلاء يتحققون قلة ما لبثوا، إذ كل أمد طويل إذا انقضى فهو واليسير سواء، وأما قوله {يتعارفون} فيحتمل أن يكون معادلة لقوله: {ويوم نحشرهم} كأنه أخبر أنهم يوم الحشر {يتعارفون }، وهذا التعارف على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في {نحشرهم} ويكون معنى التعارف كالذي قبله، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في {يلبثوا } ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب ويصير تعارفهم في الدنيا كساعة من النهار لا قدر لها، وبنحو هذا المعنى فسر الطبري، وقرأ السبعة وجمهور الناس " نحشرهم"، بالنون، وقرأ الأعمش فيما روي عنه، " يحشرهم" بالياء، وقوله {قد خسر الذين } إلى آخرها حكم على المكذبين بالخسار وفي اللفظ إغلاظ على المحشورين من إظهار لما هم عليه من الغرر مع الله تعالى، وهذا على أن الكلام إخبار من الله تعالى وقيل: إنه من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم،وقوله تعالى: {وإما نرينك } الآية، {إما } شرط وجوابه {فإلينا} ، والرؤية في قوله {نرينك} رؤية بصر وقد عدي الفعل بالهمزة فلذلك تعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر {بعض }، والإشارة بقوله {بعض الذي } إلى عقوبة الله لهم نحو بدر وغيرها، ومعنى هذا الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم فـ {ثم } ها هنا لترتيب الإخبار لا لترتيب القصص في أنفسها، وإما هي " إن " زيدت عليها " ما" ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن مكحول رضي الله عنه في قوله {إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ} إشارةٌ إلى أن ما حكيَ عنهم من عدم اهتدائِهم إلى طريق الحقِّ وتعطّلِ مشاعرِهم من الإدراك ليس لأمر مستندٍ إلى الله عز وجل من خلقهم مؤفي المشاعرِ ونحو ذلك بل إنما هو من قِبلهم أي لا ينقُصهم {شَيْئاً} مما نيط به مصالحُهم الدينيةُ والدنيويةُ وكمالاتُهم الأولويةُ والأُخْروية من مبادىء إدراكِهم وأسبابِ علومِهم من المشاعر الظاهرةِ والباطنةِ والإرشادِ إلى الحق بإرسال الرسلِ وإنزالِ الكتب بل يوفيهم ذلك من غير إخلالٍ بشيء أصلاً {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ} وقرىء بالتخفيف ورفعِ الناس، وضع الظاهرُ موضَع الضمير لزيادة تعيـينٍ وتقريرٍ، أي لكنهم بعدم استعمالِ مشاعِرهم فيما خُلقت له وإعراضِهم عن قبول دعوةِ الحق وتكذيبِهم للرسل والكتب {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ينقُصون ما ينقصون مما يُخِلّون به من مبادىء كمالِهم وذرائعِ اهتدائِهم، وإنما لم يُذكر لما أن مَرمىٰ الغرضِ إنما هو قصرُ الظلمِ على أنفسهم لا بـيانُ ما يتعلق به الظلمُ، والتعبـيرُ عن فعلهم بالنقص مع كونِه تفويتاً بالكلية وإبطالاً بالمرة لمراعاة جانبِ قرينتِه، قولُه عز وجل: {أَنفُسِهِمْ} إما تأكيدٌ للناس فيكونُ بمنزلة ضمير الفصلِ في قوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [هود: 101] في قصر الظالمية عليهم وإما مفعولٌ ليظلمون حسبما وقع سائر المواقع، وتقديمُه عليه لمجرد الاهتمامِ به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلوميةِ عليهم على رأي من لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ }تفسير : [الزخرف: 76] من غير قصر للظلم لا على الفاعل ولا على المفعول، وأما على رأي من يراه موجباً له فلعل إيثارَ قصرِها دون قصرِ الظالمية عليهم للمبالغة في بـيان بطلان أفعالِهم وسخافةِ عقولِهم لما أن أقبحَ الأمرين عند اتحادِ الفاعلِ والمفعولِ وأشدَّهما إنكاراً عند العقل ونفرةً لدى الطبع وأوجبَهما حذراً منه عند كل أحدٍ هو المظلوميةُ لا الظالمية، على أن قصرَ الأولى عليهم مستلزِمٌ لما يقتضيه ظاهرُ الحالِ من قصر الثانية عليهم ضرورةَ أنه إذا لم يظِلمْ أحدٌ من الناس إلا نفسَه يلزم أن لا يظلِمَه إلا نفسُه، إذ لو ظلمه غيرُه يلزم كونُ ذلك الغيرِ ظالماً لغير نفسِه، والمفروضُ أن لا يظلم أحدٌ إلا نفسَه فاكتُفي بالقصر الأولِ عن الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة، وصيغةُ المضارع للاستمرار نفياً وإثباتاً، فإن حرفَ النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقامِ استمرارَ النفي لا نفيَ الاستمرارِ، ألا يرى أن قولكَ: ما زيدا ضربتُ يدل على اختصاص النفي لا على نفي الاختصاص، ومساقُ الآيةِ الكريمةِ لإلزام الحجةِ ويجوز أن يكون للوعيد فالمضارعُ المنفيُّ للاستقبال والمُثبتُ للاستمرار، والمعنى أن الله لا يظلِمُهم بتعذيبهم يومَ القيامة شيئاً من الظلم ولكنهم أنفسَهم يظلِمون ظلماً مستمراً، فإن مباشرتَهم المستمرةَ للسيئات الموجبةِ للتعذيب عينُ ظلمِهم لأنفسهم، وعلى الوجهين فالآيةُ الكريمة تذيـيلٌ لما سبق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} [الآية: 44]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: لا يتجلى لهم بحقه فإن ذلك ظلم، لأن الحق لا يحتملونه بل فيه ذهابهم، ويستحيل أن يكون لهم من القوة ما يطيعون الحق بحقه، إذ فى ذلك مساواة ومقارنة.
القشيري
تفسير : نَفَى عن نَفْسِه ما يستحيل تقديره في نعته، وكيف يوصَفُ بالظلم وكلُّ ما يُتَوهَّمُ أَنْ لو فَعَلَه كان له ذلك؟ إذ الحقُّ حقُّه والمُلْكُ مُلْكُه. وَمَنْ لا يَصِحُّ تقديرُ قبيحٍ منه - أَنَّى يوصف بالظلم جوازاً أو وجوباً؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله لا يظلم الناس شيئا} [الله ظلم نكند بر مردمان هيج جيز يعنى سلب نكند حواس وعقول ايشانرا] {ولكن الناس انفسهم يظلمون} [ستم كنند بر نفسهاى خود وحس وعقل كه آلت ادراك آيات قدرتست درملاهى استعمال نمايند ومنافع وفوائد آن بدركات از ايشان فائت كردد] شعر : جثم از براى ديدن آيات قدرتست كوش از بى شنيدن اخبار حضر تست هركه كه حق نبيند وحق نشنود كسى كور وكرست بلكه ازان هم بتر بسى تفسير : وفى التأويلات النجمية {ان الله لا يظلم شيئا} بان لا يعطيهم استعدادا لهداية وقبول فيض الايمان ثم يجبرهم على الهداية وقبول الايمان بل اعطاهم استعداد الهداية وقبول الايمان بفطرة الله التى فطر الناس عليها {ولكن الناس انفسهم يظلمون} بافساد الاستعداد الفطرى فى مخالفات الاوامر والنواهى الشرعية انتهى. وفيه دليل على ان للعبد كسبا وانه ليس مسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت الجبرية وان كل ما ابتلى به فانما اتى من جانبه: وفى المثنوى شعر : عاشق بودهاست درايام بيش باسبان عهد اندرعهد خويش سالها دربند وصل ماه خود شاه مات ومات شاهنشاه خود عاقبت جويندة يابنده بود كه فرج از صبر زاينده بود كفت روزى يار او كامشب بيا كه به يختم ازبى تولوبيا درفلان حجره نشين نانيم شب تابيايم نيمشب من بى طلب مردقربان كر دونانهابخش كرد جون بديد آمد مهش اززيركرد شب دران حجره نشست آن كرم دار بر اميد وعده آن يار غار بعد نصف الليل آمد يار او صادق الوعدانه آن دلدار او عاشق ودرا فتاده خفته ديد اند كى از آستين اودريد كرد كانى جندش اندر جيب كرد كه توطفلى كيراين مى باز نرد جون سحراز خواب عاشق برجهيد آستين وكردكانهارا بديد كفت شاه ماهمه صدق ووفاست آنجه برمامى رسدآن هم زملست خوابرا بكذار امشب اى بدر يك شى بركوى بى خوابان كذر بنكر اينهارا كه مجنون كشته اند همجو بروانه بوصلت كشته اند تفسير : ايقظنا الله واياكم ونور محيانا ومحياكم ولا يجعلنا من الغافلين الضالين آمين آمين
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية على وجه التمدح به بأنه لا يظلم أحداً شيئاً وانما الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بارتكاب ما نهى الله عنه من القبائح فيستحقون بها عقاباً، فكأنهم الذين أدخلوا عليها ضرراً فلذلك كانوا ظالمين لنفوسهم. والمعنى - ها هنا - ان الله لا يمنع احداً الانتفاع بما كلفهم الانتفاع به من القرآن وأدلته، ولكنهم يظلمون انفسهم بترك النظر فيه والاستدلال به، وتفويتهم انفسهم الثواب وإدخالهم عليها العقاب. ففي الآية دلالة على انه لا يفعل الظلم، لان فاعل الظلم ظالم، كما أن فاعل الكسب كاسب، وليس لهم أن يقولوا يفعل الظلم ولا يكون ظالماً به، كما يفعل العلم ولا يكون به عالما. وذلك أن معنى قولنا: ظالم أنه فعل الظلم، كقولنا: ضارب، أنه يفيد انه فعل الضرب. وكذلك يكون ظالماً بما يفعله من الظلم في غيره، وليس كذلك العالم؛ لأنه يفيد انه على صفة مخصوصة ولذلك قد يكون عالماً بما يفعل فيه من العلم، ولا يكون ظالماً بما يفعل فيه من الظلم ولا يكون عالماً بما يفعل في غيره من العلم وليس كذلك الظلم، فبان الفرق بينهما. وليس لأحد ان يقول: ان الانتفاء من الظلم كالانتفاء من السنة والنوم، في انه ليس بنفي الفعل؛ وذلك أن الظلم مقدور قبل العدل، وليس كذلك النوم واليقظة لانهما يستحيلان عليه. و {لكن} اذا كانت مشددة عملت عمل {إن} واذا خففت لم تعمل لأن المخففة تدخل على المفرد كما يدخل حرف العطف، والثقيلة تدخل على الجملة فتزيل الابتداء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} بمنع ما يستحقّونه منهم جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل فالله يمنعهم السّماع ويظلمهم {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بابطال فطرتهم وافساد استحقاقهم وانفسهم مفعول ليظلمون او تأكيد للنّاس.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الله لا يظْلمُ النَّاس شَيئاً} ظلما ما {ولكنَّ النَّاسَ} أعاد الظاهر تأكيدا {أنفسهم} مفعول مقدم للفاصلة {يظْلمُون} باكتسابهم اختيارا ما يوجب عذابهم، وذلك أيضا وعيد، ويجوز أن يكون المعنى: إن الله تعالى لا ينقصهم شيئا مما يتوصلون به إلى مصالحهم من عقول، وحواس، وبعث رسل، وإنزال كتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم بإفساد عقولهم وحواسهم، واستعمالها فيما يضر، وبتكذيب الرسل والكتب، وقرأ حمزة، والكسائى بتشديد لكن، ونصب الناس.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} لا يجبرهم على عمى القلب ولا يطبعهم عليه، والإِجبال أَو الطبع نقص لهم والظلم بمعنى النقص، وشيئاً مفعول به ثان، فالمعنى لا ينقصهم هدى، أَو مفعول مطلق أَى لا يظلمهم ظلماً ما قليلا ولا كثيراً {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} باختيارهم الضلال والخروج عن الفطرة، وذلك كسب لهم موافق للقضاءِ الأَزلى أَن كسبهم خلق من الله وهم عبيده لا يتصور أَن يكون شىءٌ منه ظلماً لهم مع أَنهم لم يملكوا أَنفسهم بل هو ملكها، وذلك الذِى ظهر من القدرة على الفعل والترك هو الاختيار منك، أَو المعنى لا يظلم الناس بالعذاب يوم القيامة، بل ظلموا بذلك العذاب الذى استوجبوه، وقدم أَنفسهم للفاصلة، ولطريق الاهتمام لا للحصر، لأَنه ما مقابلة لا يظلم الناس شيئاً بالاستدراك، ولو صح فى نفس الأَمر حصر القلب لقوله إِن الله لا يظلم الناس إِذ زعموا أَن الله أَجبرهم وأَن مشيئته إِجبار وأَن عقابهم مع الإِجبار ظلم، وقد قال الله تعالى، "أية : ولكن ظلموا أَنفسهم"تفسير : [هود: 101] بلا ضيعة، حصرا وهذا الظلم المنسوب إِلى الله لا يناله وإِنما نال الظلم أَنفسهم، وهذا حصر المظلومية وحصر الظالمية فى قوله تعالى "أية : ولكن كانوا هم الظالمين"تفسير : [الزخرف: 76] واختار هنا قصر المظلومية، وحصر للمبالغة فى بطلان أَفعالهم وسخافة عقولهم، إِذا فعلوا الشر فى أَنفسهم كمن قتل نفسه، ويجوز أَن يكون أَنفسهم تأْكيداً للناس كما يقال: ضربت عمراً نفسه عينه، فيكون حصراً للظالمين، كأَنه قيل الظالمون هم لا الله تعالى، فيقدر المفعول به أَى يظلمون أَنفسهم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ} أي لا ينقصهم {شَيْئاً} مما نيطت به مصالحهم وكمالاتهم من مبادىء الإدراكات وأسباب العلوم والإرشاد إلى الحق بإرسال الرسل عليهم السلام ونصب الأدلة بل يوفيهم ذلك فضلاً منه جل شأنه وكرماً {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ينقصون ما ينقصون من ذلك لعدم استعمال مشاعرهم فيما خلقت له وإعراضهم عن قبول الحق وتكذيبهم للرسل وترك النظر في الأدلة ـ فشيئاً ـ مفعول ثان ـ ليظلم ـ بناء على أنه مضمن معنى ينقص كما قيل أو أنه بمعناه من غير حاجة إلى القول بالتضمين كما نقول وان النقص يتعدى لاثنين كما يكون لازماً ومتعدياً لواحد، ولم يذكر ثاني مفعولي الثاني لعدم تعلق الغرض به، وتقديم المفعول الأول يحتمل أن يكون لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديم موجباً للقصر كابن الأثير ومن تبعه كما في قوله سبحانه: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [هود: 101] ويحتمل أن يكون لقصر المظلومية على رأي من يرى التقديم موجباً لذلك كالجمهور ومن تبعهم، ولعل إيثار قصرها على قصر الظالمية عليهم للمبالغة في بطلان أفعالهم وسخافة عقولهم على أن قصر الأولى عليهم مستلزم كما قيل لما يقتضيه ظاهر الحال من قصر الثانية عليهم فاكتفى بالقصر الأول عن الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة. وجوز بعضهم كون {أَنفُسِهِمْ} تأكيداً للناس والمفعول حينئذ محذوف فيكون بمنزلة ضمير الفصل في قوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الزخرف: 76] في قصر الظالمية عليهم، والتعبير عن فعلهم ذلك بالنقص مع كونه تفويتاً بالكلية لمراعاة جانب قرينه، وصيغة المضارع للاستمرار نفياً وإثباتاً أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأن حرف النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقام استمرار النفي لا نفي الاستمرار كما مر غير مرة. وقيل: المعنى إن الله لا يظلم الناس بتعذيبهم يوم القيامة شيئاً من الظلم ولكن الناس أنفسهم يظلمون ظلماً مستمراً فإن مباشرتهم المستمرة للسيئات الموجبة للتعذيب عين ظلمهم لأنفسهم فالظلم على معناه المشهور، و {شَيْئاً} مفعول مطلق والمضارع المنفي للاستقبال والمثبت للاستمرار، ومساق الآية الكريمة على الأول لإلزام الحجة وعلى الثاني للوعيد وعلى الوجهين هي تذييل لما سبق، وجعلها على الأول تذييلاً لجميع التكاليف والأقاصيص المذكورة من أول السورة وإن كان متجهاً خلاف الظاهر لا سيما وما بعد ليس ابتداء مشروع في قصة آخرين. وقيل: معنى الآية إن الله لا يظلم الناس شيئاً بسلب حواسهم وعقولهم إن سلبها لأنه تصرف في خالص ملكه ولكن الناس أنفسهم يظلمون بإفساد ذلك وصرفه لما لا يليق، وهي جواب لسؤال نشأ من الآية السابقة والظلم فيها على ظاهره أيضاً. واستدل بها على أن للعبد كسباً وليس مسلوب الاختيار بالكلية كما ذهب إليه الجبرية والمختار عند كثير من المحققين أن نفي ظلم الناس عنه تعالى شأنه لأنه سبحانه جواد حكيم يفيض على القوابل حسب استعدادها الأزلي الثابت في العلم فما من كمال أو نقص في العبد الا هو كماله أو نقصه الذي اقتضاه / استعداده كما يرشد إلى ذلك قوله جل وعلا: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيء خَلْقَهُ}تفسير : [طه: 50] وقوله سبحانه: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس: 8] وأن اثبات ظلم الناس لأنفسهم باعتبار اقتضاء استعدادهم الثابت في العلم الأزلي ما أفيض عليهم مما استحقوا به التعذيب. وقد ذكروا أن هذا الاستعداد غير مجعول ضرورة أن الجعل مسبوق بتعلق القدرة المسبوق بتعلق الإرادة المسبوق بتعلق العلم والاستعداد ليس كذلك لأنه لم يثبت العلم إلا وهو متعلق به بل بسائر الأشياء أيضاً لأن التعلق بالمعلوم من ضروريات العلم والتعلق بما لا ثبوت له أصلاً مما لا يعقل ضرورة أنه نسبة وهي لا تتحقق بدون ثبوت الطرفين، ولا يرد على هذا أنه يلزم منه استغناء الموجودات عن المؤثر لأنا نقول: إن كان المراد استغناءها عن ذلك نظراً إلى الوجود العلمي القديم فالأمر كذلك ولا محذور فيه وإن كان المراد استغناءها عن ذلك نظراً إلى وجودها الخارجي الحادث فلا نسلم اللزوم وتحقيق ذلك بما له وما عليه في محله. وفي الآية على هذا تنبيه على أن كون أولئك المكذبين كما وصفوا إنما نشأ عن اقتضاء استعدادهم له ولذلك ذموا به لا عن محض تقديره عليهم من غير أن يكون منهم طلب له باستعدادهم ولعل تسمية التصرف على خلاف ما يقتضيه الاستعداد لو كان ظلماً من باب المجاز وتنزيل المقتضى منزلة الملك وإلا فحقيقة الظلم مما لا يصح إطلاقه على تصرف من تصرفاته تعالى كيف كان إذ لا ملك حقيقة لأحد سواه في شيء من الأشياء، ووضع الظاهر في الجملة الاستداركية موضع الضمير لزيادة التعيين والتقرير. وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف {لَكِنِ} ورفع {الناس}.
ابن عاشور
تفسير : تذييل، وشمل عموم الناس المشركين الذين يستمعون ولا يهتدون وينظرون ولا يعتبرون. والمقصود من هذا التذييل التعريض بالوعيد بأنْ سينالهم ما نال جميع الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسل الله. وعموم {الناس} الأولِ على بابه وعموم {الناس} الثاني مراد به خصوص الناس الذين ظلَموا أنفسهم بقرينة الخبر. وإنما حسن الإتيان في جانب هؤلاء بصيغة العموم تنزيلاً للكثرة منزلة الإحاطة لأن ذلك غالب حال الناس في ذلك الوقت. وهذا الاستدراك أشعر بكلام مطوي بعد نفي الظلم عن الله، وهو أن الله لا يظلم الناس بعقابه من لم يستوجب العقاب ولكن الناس يظلمون فيستحقون العقاب، فصار المعنى أن الله لا يظلم الناس بالعقاب ولكنهم يظلمون أنفسهم بالاعتداء على ما أراد منهم فيعاقبهم عدلاً لأنهم ظلَموا فاستوجبوا العقاب. وتقديم المفعول على عامله لإفادة تغليطهم بأنهم ما جنوا بكفرهم إلا على أنفسهم وما ظلموا الله ولا رسله فما أضروا بعملهم إلا أنفسهم. وقرأ الجمهور بتشديد نون {لكنّ} ونصب {الناس}. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتخفيف النون ورفع {الناس}.
د. أسعد حومد
تفسير : (44) - وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، أَنْ يُنْقِصَهُمْ شَيْئاً مِنَ الأَسْبَابِ التِي يَهْتَدُونَ بِاسْتِعْمَالِها إِلى مَا فِيه خَيْرُهُمْ، مِنْ إِدْرَاكٍ وَإِرْشَادٍ إِلَى الحَقِّ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَنَصْبِ الأدِلَّةِ التِي تُوصِلُهُمْ إِلى سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَنَكَّبُونَ عَنْ طَرِيقِ الهِدَايَةِ وَالحَقِّ، وَيُصِرُّونَ عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَالإِشْرَاكِ بِهِ، فَيَظْلِمُونَ بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ، لأَِنَّ كُفْرَهُمْ سَيُؤَدِّي بِهِمْ إِلى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ تَعَالَى قَدْ أَعْذَرَ إليهم، وَبَيَّنَ لَهُمُ الدَّلاَئِلَ وَالحُجَجَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِهِدَايَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنهُ تَعَالى لا يَكُونُ قَدْ ظَلَمَ النَّاسَ شَيئاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة "الله" هي اسم عَلَمٍ على واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال التي عرفناها في أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وإن كان لله تعالى كمالات لا تتناهى؛ لأن الأسماء أو الصفات التي يحملها التسعة والتسعون اسماً لا تكفي كل كمالات الله سبحانه، فكمالاته سبحانه لا تتناهى. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسألك بكل اسم سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحداً من خَلْقك، أو استأثرت به في علّم الغيب عندك ". تفسير : وإن سأل سائل: ولماذا يستأثر الله سبحانه ببعض من أسمائه في علم الغيب؟ أقول: حتى يجعل لنا الله سبحانه في الآخرة مزيداً من الكمالات التي لم نكن نعرفها؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يفتح على رسوله صلى الله عليه وسلم "من محامده وحُسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبله". وهذا بعض من فيض لا ينفد من آفاق اسم عَلَمٍ على واجب الوجود، وصفات علم واجب الوجود، والتسعة والتسعون اسماً التي نعلمها هي اللازمة لحياتنا الدنيا، ولكننا سنجد في الآخرة صفات كمال أخرى، وكلمة "الله" هي الجامعة لكل هذه الأسماء، ما عرفناها؛ وما لم نعرفها. والإنسان منا حين يُقبل على عمل، فهذا العمل يتطلب تكاتُفَ صفات متعددة، يحتاج إلى قدرة، وعلم، وحكمة، ولُطْف، ورحمة، وغير ذلك من الصفات، فإن قلت: باسم القويّ؛ فأنت تحتاج إلى القوة، وإن قلت باسم القادر؛ فأنت تحتاج إلى القدرة، وإن قلت: باسم الحليم؛ فأنت تحتاج إلى الحِلْم، وإن قلت: باسم الحكيم؛ فأنت تحتاج إلى الحكمة، وإن قلت: "باسم الله" فهي تكفيك في كل هذا وغيره أيضاً؛ ولذلك يكون بدء الأعمال بـ "بسم الله"، فإذا احتجت إلى قدرة وجدتها، وإن احتجت إلى غِنَىً وجدته، وإن احتجت إلى بَسْطٍ وجدته. وكل صفات الكمال أوجزها الحق سبحانه لنا في أن نقول: "بسم الله". وحين تبدأ عملك باسم الله؛ فأنت تُقِرُّ بأن كل حَوْلٍ لك موهوب من الله، والأشياء التي تنفعل لك، إنما تنفعل باسم الله، وكل شيء إنما يسخر لك باسم الله، وهو القائل: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}تفسير : [يس: 71-72]. ولو لم يذلِّل الله لنا الأنعام والأشياء لتنفعل لنا ما استطعنا أن نملكها، بدليل أن الله تعالى قد ترك أشياء لم يذللها لنا حتى نتعلَّم أننا لا نستطيع ذلك، لا بعلْمنا، ولا بقُدْرتنا، إنما الحق سبحانه هو الذي يُذلِّل. فأنت ترى الطفل في الريف وهو يسحب الجمل، ويأمره بالرقود؛ فيرقد، ويأمره بالقيام؛ فيقوم. أما إن رأينا ثعباناً فالكثير منا يجري ليهرب، ولا يواجهه إلا من له دُرْبة على قتله. والبرغوث الصغير الضئيل قد يأتي ليلدغك ليلاً، فلا تعرف كيف تصطاده؛ لأن الله لم يذلِّله لك. وكذلك الثمرة على الشجرة إذا قطفتها قبل نضجها تكون غير مستساغة، أما إن قطفتها بعد نضجها فأنت تستمتع بطعمها، ثم تأخذ منها البذرة لتعيد زراعتها، وتضمن بقاء النوع، بل إن الثمرة تسقط من على الشجرة حين تنضج وكأنها تنادي من يأكلها. وكذلك الإنسان حين يبلغ، أي: يصبح قادراً على أن ينجب غيره، فيكلّفه الله بعد ذلك بالتكاليف الإيمانية؛ لأنه لو كلَّفه قبل ذلك ثم طرأتْ عليه مشاكل المراهقة؛ فقد لا يستطيع أن يتحمل التكليف. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يخلق من عدم، وأن يربِّى حتى يكتمل الإنسان، ثم حدَّد التكليف من لحظة البلوغ، ووضع شرط اكتمال العقل والرشد، وألا توجد آفة أو جنون. ولا أقوى من الله سبحانه يمكن أن يُكلِّف لتفعل غير ما يريد الله؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف، أم المجنون فلم يكلفه الله سبحانه، وكذلك يسقط التكليف عن المُكْرَه؛ لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين البدائل، وهذه منتهى العدالة في التشريع. وأنت حين تستقبل التكليف عليك ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات، لأنها لا تأخذ من حريتك، بل تحترم أنت حرية الآخرين، ويحترمون هم حريتك، فإن حرَّم عليك أن تسرق، فهو سبحانه قد حماك بأن حرَّم على جميع الخلق أن يسرقوا منك. إذن: فالقيد قد جاء لصالحك. وهَبْ أنك أطلقت يدك في الناس، فماذا تصنع لو أطلقوا هم أياديهم فيما تملك؟ وحين حرَّم عليك التكليف أن تنظر إلى محارم غيرك، فهو قد حرم على الغير أن ينظروا إلى محارمك. وحين أمرك أن تزكِّي، فهو قد أخذ منك؛ ليعطي الفقير من المال الذي استخلفك الله فيه. فلا تنظر إلى ما أخِذ منك، بل انظر إلى ما قد يعود عليك إن أصابك القدر بالفقر، والشيء الذي تستشعر أنه يؤخذ منك فالله سبحانه يعطيك الثواب أضعافاً كثيرة. وبعد ذلك انظر إلى حركة الحياة، وانظرْ إلى ما حَرَّم الله تعالى عليك من أشياء، وما حلَّل لك غير ذلك؛ فستجد المباح لك أكثر مما منعك عنه. إذن: فالتكليف لصالحك. ثم بعد كل ذلك: أيعود شيء مما تصنع من تكاليف على الحق سبحانه؟ لا. أيعطيه صفة غير موجودة؟ لا؛ لأن الحق سبحانه قد خلقنا بكل صفات كماله، وليس في عملنا ما يزيده شيئاً. إذن: فمن المصلحة أن تطبّق التكاليف لأنها تعود عليك أنت بالخير. وانظر - مثلاً - إلى الفلاح في الحقل، إنه يحرث الأرض، وينقل السماد، ويبذر، ويروى ويتعب، وبعد ذلك يستريح في انتظار الثمار. وأنت حين تنفِّذ تكاليف الحق سبحانه فأنت تجد العائد، وأنت ترى في حياتك أن الفلاح الكسول يصاب بحسرة يوم الحصاد، فما بالنا بحساب الآخرة. والفلاح الذي يأخذ من مخزنة إردبّاً؛ ليزرعه، وهو في هذه الحالة لا ينقص مخزنه؛ لأنه سيعود بعد فترة بخمسة عشر إردبّاً. وهكذا من ينفِّذ التكاليف يعود عليه كل خير؛ ولذلك أقول: انظر في استقبالات منهج الله تعالى فيما تعطيه، لا فيما تأخذه. وهكذا ترى أنه لا ظلم؛ لأننا صنعة الله، فهل رأيتم صانعاً يفسد صنعته؟ إذن: فالصانع الأعلى لا يظلم صنعته ولا يفسدها أبداً، بل يُحسِّنها ويعطيها الجمال والرونق؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]. أي: أن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ومن الظلم جَحْد الحق، وهذا هو الظلم الأعلى، ومن الظلم أن يعطي الإنسان نفسه شهوة عاجلة؛ ليذوق من بعد ذلك عذاباً آجلاً، وهو بذلك يحرم نفسه من النعيم المقيم، وهو حين يظلم نفسه يكون قد افتقد القدرة على قياس عمره في الدنيا، فالعمر مهما طال قصير، وما دام الشيء له نهاية فهو قصير. والحق سبحانه وتعالى حين يخاطب الناس، فهو قد نصب لهم آيات باقية إلى أن تقوم الساعة، وكلهم شركاء فيها، وهي الآيات الكونية، وبعد ذلك خَصَّ كل رسول بآية ومعجزة، وأنزل منهجاً بـ "افعل" و"لا تفعل"، وبيَّن في آيات الكتاب ما المطلوب فعله، وما المطلوب أن نمتنع عنه، وترك لك بقية الأمور مباحة. والمثال الذي أضربه دائماً: هو التلميذ الذي يرسب آخر العام، هذا التلميذ لم تظلمه المدرسة، بدليل أن غيره قد نجح؛ لذلك لا يصح أن يقال: إن المدرسة أسقطت فلاناً، ولكن الصحيح أن نقول: إن فلاناً قد أسقط نفسه، وأن زميله قد أنجح نفسه، ودور المدرسة في ذلك هو إعلان النتيجة. ومن الظلم أيضاً أن يستكثر الظالم نعمة عند المظلوم، فيريد أن يأخذها منه، ولا يمكن أن يكون الحق سبحانه وتعالى ظالماً يستكثر نِعَم عباده؛ لأنه مُنزَّه عن ذلك؛ فضلاً عن أن خَلْقه ليس عندهم نِعَم يريدها هو، فهو الذي أعطاها لهم؛ ولذلك لا يأتي منه سبحانه أي ظلم، وإنْ جاء الظلم فهو من الإنسان لنفسه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):