Verse. 1409 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَيَوْمَ يَحْشُرُھُمْ كَاَنْ لَّمْ يَلْبَثُوْۗا اِلَّا سَاعَۃً مِّنَ النَّہَارِ يَتَعَارَفُوْنَ بَيْنَھُمْ۝۰ۭ قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِلِقَاۗءِ اللہِ وَمَا كَانُوْا مُہْتَدِيْنَ۝۴۵
Wayawma yahshuruhum kaan lam yalbathoo illa saAAatan mina alnnahari yataAAarafoona baynahum qad khasira allatheena kaththaboo biliqai Allahi wama kanoo muhtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويوم يحشرهم كأن» أي كأنهم «لم يلبثوا» في الدنيا أو القبور «إلا ساعة من النهار» لهول ما رأوا، وجملة التشبيه حال من الضمير «يتعارفون بينهم» يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال، والجملة حال مقدرة أو متعلق الظرف «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» بالبعث «وما كانوا مهتدين».

45

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد فقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم {يَحْشُرُهُمْ } بالياء والباقون بالنون. المسألة الثانية: قوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } في موضع الحال، أي مشابهين من لم يلبث إلا ساعة من النهار. وقوله: {يَتَعَارَفُونَ } يجوز أن يكون متعلقاً بيوم نحشرهم، ويجوز أن يكون حالاً بعد حال. المسألة الثالثة: {كأنَ } هذه هي المخففة من الثقيلة. التقدير: كأنهم لم يلبثوا، فخففت كقوله: وكأن قد. المسألة الرابعة: قيل: كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في قبورهم، والقرآن وارد بهذين الوجهين قال تعالى: { أية : كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلاْرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تفسير : [المؤمنون: 112، 113] قال القاضي: والوجه الأول أولى لوجهين: أحدهما: أن حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر، فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص بالكفار، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه، والمؤمن لما انتفع بعمره فإنه لا يستقله. الثاني: أنه قال: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } لأن التعارف إنما يضاف إلى حال الحياة لا إلى حال الممات. المسألة الخامسة: ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوهاً: الأول: قال أبو مسلم: لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم ألبتة، فكان وجود ذلك العمر كالعدم، فلهذا السبب استقلوه ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ } تفسير : [البقرة: 96] الثاني: قال الأصم: قل ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة، والأنسان إذا عظم خوفه نسي الأمور الظاهرة. الثالث: أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد. الرابع: أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا لطول وقوفهم في الحشر. الخامس: المراد أنهم عند خروجهم من القبور يتعارفون كما كانوا يتعارفون في الدنيا، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف. وأقول: تحقيق الكلام في هذا الباب، أن عذاب الكافر مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة والإذلال، والإحساس بالمضرة أقوى من الإحساس باللذة بدليل أن أقوى اللذات هي لذات الوقاع، والشعور بأم القولنج وغيره والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع. وأيضاً لذات الدنيا مع خساستها ما كانت خالصة، بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات، وأيضاً إن لذات الدنيا ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية، وآلام الآخرة أبدية سرمدية لا تنقطع ألبتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود. إذا عرفت هذا فنقول: أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم فقوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ } إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد. أما قوله: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } ففيه وجوه: الأول: يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا يعرفون في الدنيا. الثاني: يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض. فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } تفسير : [المعارج: 10] والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم بعضاً، فيقول: كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح، فهذا تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع لا تعارف عطف وشفقة. وأما قوله تعالى: {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } فالمراد سؤال الرحمة والعطف. والوجه الثاني: في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة فلذلك لا يسأل حميم حميماً. أما قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين، وحال كونهم قائلين {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ } الثاني: أن يكون {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ } كلام الله، فيكون هذا شهادة من الله عليهم بالخسران، والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر، لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني. وأما قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية مصالح هذه التجارة، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة، فصاروا كمن رأى زجاجة حسنة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب. وأما قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } فاعلم أن قوله {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب {نَتَوَفَّيَنَّكَ } وجواب {نُرِيَنَّكَ } محذوف، والتقدير: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك الموعد فإنك ستراه في الآخرة. واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يُري رسوله أنواعاً من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاته، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصل الكثير أيضاً بعد وفاته، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين محمودة وعاقبة المذنبين مذمومة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} بمعنى كأنهم فخففّت، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم. {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} أي قدر ساعة؛ يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث؛ دليله قولهم: {أية : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19]. وقيل: إنما قَصُرت مدّة لَبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر. ٱبن عباس: رأُوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة. {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في «يحشرهم». ويجوز أن يكون منقطعاً، فكأنه قال فهم يتعارفون. قال الكَلْبِيّ: يعرف بعضهم بعضاً كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم؛ وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح؛ يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر؛ وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً}تفسير : [المعارج: 10]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ؛ وهو الصحيح لقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ} ـ إلى قوله ـ {أية : وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [سبأ: 33] وقوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 38] الآية، وقوله: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} تفسير : [الأحزاب: 67] الآية. فأما قوله: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} وقوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 101] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى «يَتَعَارَفُونَ» يتساءلون، أي يتساءلون كم لبثتم؛ كما قال:{أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] وهذا حسن. وقال الضحاك: ذلك تعارفُ تعاطفِ المؤمنين؛ والكافرون لا تعاطف عليهم؛ كما قال: «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ». والأوّل أظهر، والله أعلم. قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} أي بالعرض على الله. ثم قيل: يجوز أن يكون هذا إخباراً من الله عز وجل بعد أن دلّ على البعث والنشور، أي خسروا ثواب الجنة. وقيل: خسِروا في حال لقاء الله؛ لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم، يقولون هذا. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} يريد في علم الله.

البيضاوي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ} يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون، والجملة التشبيهية في موضع الحال أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، أو صفة ليوم والعائد محذوف تقديره: كأن لم يلبثوا قبله أو لمصدر محذوف، أي: حشراً كأن لم يلبثوا قبله. {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً، وهذا أول ما نشروا ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم وهي حال أخرى مقدرة، أو بيان لقوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ} أو متعلق الظرف والتقدير يتعارفون يوم يحشرهم. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ} استئناف للشهادة على خسرانهم والتعجب منه، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في يتعارفون على إرادة القول. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف فاستكسبوا بها جهالات أدت بهم إلى الردى والعذاب الدائم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مُذكِّراً للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عَرَصات القيامة: كأنهم يوم يوافونها لم يلبثوا في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} كما قال تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}تفسير : [الأحقاف: 35] وكقوله: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } تفسير : [طه:102-104] وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} تفسير : [الروم: 55] الآيتين، وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة؛ كقوله: {أية : قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [المؤمنون:112-114]، وقوله: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي: يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض؛ كما كانوا في الدنيا، ولكن كل مشغول بنفسه {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 101] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} تفسير : [المعارج: 10] الآيات، وقوله: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} كقوله تعالى: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } تفسير : [المرسلات: 15] لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنَ } أي كأنهم {لَّمْ يَلْبَثُواْ } في الدنيا أو القبور {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ } لهول ما رأوا، وجملة التشبيه حال من الضمير {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } يعرف بعضهم بعضاً إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدّة الأهوال، والجملة حال مقدرة أو متعلق الظرف {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ } بالبعث {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنَ لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ} فيه وجهان: أحدهما: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار. الثاني: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من النهار لقربه. {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: يعرف بعضهم بعضاً. قال الكلبي: يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة. الثاني: يعرفون أن ما كانوا عليه باطل.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَّمْ يَلْبَثُواْ} في الدنيا، أو القبور. {يَتَعَارَفَونَ} أنهم كانوا على الباطل، أو يعرف بعضهم بعضاً إذا خرجوا من القبور ثم تنقطع المعرفة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} الآية. لمَّا وصف الكفار بقلة الإصغاء، وترك التدبُّر؛ أتبعه بالوعيد، فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ}. "يَوْمَ" منصوب على الظرف، وفي ناصبه أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ}. الثاني: أنَّه منصوبٌ بـ "يتعَارَفُون". الثالث: أنَّه منصوبٌ بمقدرٍ، أي: اذكر يوم. وقرأ الأعمش، وحفص عن عاصم: "يَحْشُرهُم" بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدم اسمه في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ}تفسير : [يونس:44]. قوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} تقدَّم الكلامُ على "كأن" هذه، وهي المخفَّفة من الثَّقيلة، والتقدير: كأنَّهُم لم يلبثُوا؛ فخفَّفَ، كقوله: وكأن قد، ولكن اختلفُوا في محلِّ هذه الجملة على أوجه: أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف، وهو "يوم"، قاله ابن عطية. قال أبو حيان: "لا يصحُّ؛ لأن يوم يَحْشُرهُم معرفةٌ والجمل نكرات، ولا تنعتُ المعرفةُ بالنَّكرة، لا يقال: إنَّ الجمل التي يُضاف إليها أسماءُ الزَّمان نكرةٌ على الإطلاق؛ لأنَّها إنْ كانت في التقدير تنحَلُّ إلى معرفة، فإنَّ ما أضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تنحَلُّ إلى نكرة، كان ما أضيف إليها نكرةً، تقول: "مَرَرْتُ في يوم قدم زيدٌ الماضي"، فتصِفُ "يوم" بالمعرفة، و "جئت ليلة قدم زيدٌ المباركة علينا"، وأيضاً: فكأنْ لمْ يلبثُوا، لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهة المعنى، لأنَّ ذلك من وصف المحشورين، لا من وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّف بعضهم تقدير رابطٍ يربطهُ، فقدره: "كأنْ لَمْ يلبثُوا قبله"، فحذف "قبله"، أي: قبل اليوم، وحذفُ مثل هذا الرَّابط لا يجوز". قال شهاب الدِّين: قوله: "بعضهم"، هو مكِّي بن أبي طالب؛ فإنَّه قال: "الكافُ وما بعدها من "كأن" صفةٌ لليوم، وفي الكلام حذفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ، تقديره: كأنْ لم يَلْبثُوا قبله؛ فحذف "قبله"، فصارت الهاءُ متَّصلةً بـ "يَلْبثُوا"، فحذفتْ لطُولِ الاسم كما تحذفُ من الصِّلات"، ونقل هذا التقدير أيضاً: أبو البقاء، ولمْ يُسَمِّ قائله، فقال: "وقيل"، فذكره. والوجه الثاني: أن تكون الجملةُ في محلِّ نصب على الحال، من مفعول "يَحْشُرهُم" أي: يَحْشُرهم مُشبهين بمن لم يلبث إلاَّ ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري، وممَّن جوَّز أيضاً الحاليَّة: ابنُ عطيَّة، ومكِّيٌّ، وأبو البقاءِ، وجعله بعضهم هو الظَّاهر. الوجه الثالث: أن تكون الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراً، كأنْ لمْ يلبثُوا، ذكر ذلك ابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكِّي، وقدَّر مكِّي، وأبو البقاء: العائد محذوفاً، كما قدَّراه حال جعلهما الجملة صفة لليَوْمِ، وقد تقدَّم ما في ذلك. الرابع: قال ابنُ عطيَّة: "ويَصِحُّ أن يكون قوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} كلاماً مجملاً" ولم يُبَيِّنْ الفعل الذي يتضمَّنهُ {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ}، قال أبو حيَّان: "ولعَلَّهُ أراد ما قاله الحوفيُّ؛ مِنْ أنَّ الكافَ في موضع نصبٍ، بما تضمَّنتهُ من معنى الكلام، وهو السُّرْعَة". انتهى. قال: "فيكونُ التقدير: ويوم يَحْشُرهم يُسْرعون كأنْ لَمْ يَلْبَثُوا"، فيكون "يسرعون": حالاً من مفعول "يَحْشُرهُم"، ويكون "كأن لمْ يَلْبَثُوا": حالاً من فاعل "يُسْرعون"، ويجُوز أن تكون "كَأنْ لَمْ": مفسِّرة لـ "يُسْرعون" المقدَّرة. فصل قال الضحَّاك: كَأنْ لَمْ يَلْبثُوا في الدنيا، إلاَّ ساعة من النَّهار، وقال ابن عبَّاس: كأن لم يلبثوا في قبورهم، إلاَّ قدر ساعة من النَّهار، قال القاضي: الأولُ أولَى، لوجهين: أحدهما: أنَّ حال المؤمنين كحالِ الكافرين: في أنَّهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقتِ الحشر؛ فيجبُ أن يحمل ذلك على أمْر يختصُّ به الكُفار؛ وهو أنَّهم لمَّا لم ينتفعُوا بعُمْرِهم استقلُّوه، والمؤمِنُ لمَّا انتفع بعمره؛ فكأنَّه لا يستقلُّه. الثاني: أنَّه قال: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} والتَّعارف إنَّما يضاف إلى حال الحياةِ، لا إلى حال المَوْت، وفي سبب هذا الاستقلال وجوهٌ: الأول: قال أبو مسلم: إنَّهم لمَّا ضيَّعُوا أعمارهم في طلب الدنيا، والحِرْص على لذَّاتها؛ لم ينتفعُوا بعمرهم ألبتَّة، فكان وجودُ ذلك العمر كالعدم كما تقدَّم؛ فلهذا استقلوه، ونظيره قوله - تعالى -: {أية : وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ}تفسير : [البقرة:96]. الثاني: قال الأصمُّ: إنَّهم لمَّا شاهدُوا أهوال الآخرة وعظمها، عظم خوفُهُم، فنسُوا أمور الدُّنيا، والإنسان إذا عظم خوفهُ، نسي الأمور الظَّاهرة. الثالث: قلَّ عندهم مقامهم في الدُّنيا، في جنب مقامهم في الآخرة. الرابع: قلَّ عندهم في الدنيا؛ لطولِ وقوفهم في الحَشْرِ. قوله: "يتعَارفُونَ" فيه أوجهٌ: أحدها: أنَّ الجملة في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل "يَلْبَثُوا". قال الحوفيُّ: "يتعارفُونَ": فعلٌ مستقبلٌ في موضع الحال من الضَّمير في "يَلْبَثُوا"، وهو العامل، كأنَّه قال: متعارفين، والمعنى: اجتمعوا متعارفين. والثاني: أنها حالٌ من مفعول "يَحْشُرهم" أي: يَحْشُرهم متعارفين، والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فمنْ جوَّز تعدُّدَ الحالِ، جوَّز أن تكون "كأنْ لَمْ": حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانيةٌ، ومن منع ذلك، جعل "كأنْ لَمْ" على ما تقدم من غير الحاليَّة. قال أبُو البقاء: "وهي حالٌ مقدرة؛ لأنَّ التعارف لا يكُونُ حال الحَشْرِ". والثالث: أنَّها مستأنفةٌ؛ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. قال الزمخشري: "فإن قلت: كأنْ لمْ يلبثُوا إلاَّ ساعة"، و "يتَعارفُونَ" كيف موقعهما؟ قلت: أمَّا الأولى: فحالٌ منهم، أي: يَحْشُرهم مُشبهين بمنْ لَمْ يَلْبَثْ إلاَّ ساعة. وأمَّا الثانية: فإمَّا أن تتعلَّق بالظرف - يعني فتكون حالاً -، وإمَّا أن تكون مُبينة لقوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً}؛ لأنَّ التَّعارفَ لا يَبْقَى مع طُولِ العهدِ، وينقلب تَنَاكُراً". فصل في هذا التَّعارف وجوه: الأول: يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا في الدُّنْيَا. الثاني: يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفةُ إذا عاينُوا العذابَ، وتبرَّأ بعضهم من بعض. فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً}تفسير : [المعارج:10]. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضاً؛ فيقول كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وزيَّنتَ لي الفعل القبيح الفُلاني، فهو تعارفُ توبيخٍ، وتباعدٍ، وتقاطع، لا تعارف عطفٍ، وشفقة. وأما قوله: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً}تفسير : [المعارج:10] فهو سؤال رحمة، وعطف. والثاني: أنَّ تحمل هاتين الآيتين على حالتين؛ وهو أنَّهم يتعارفُون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة؛ فلذلك لا يسأل حميمٌ حميماً. قوله: "قَدْ خَسِرَ" فيها وجهان: أحدهما: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر - تعالى - بأنَّ المكذِّبينَ بلقائِهِ خاسرون لا محالة؛ ولذلك أتى بحرفِ التَّحقيق، ويكون هذا شهادة عليهم من الله بالخُسْرَان، والمعنى: أنَّه من باع آخرته بدنياه، فقد خسر؛ لأنَّه أعطى الشَّريف الباقي، في أخْذِ الخسيسِ الفانِي. والثاني: أن يكون في محلِّ نصبٍ بإضمار قولٍ، أي: قائلين قد خَسِر الذين. ثُمَّ لكَ في هذا القول المقدَّر وجهان: أحدهما: أنه حالٌ من مفعول "يَحْشُرهُم" أي: يحشرهم قائلين ذلك. والثاني: أنَّه حالٌ من فاعل "يتعَارفُونَ"، وقد ذهب إلى الاستئناف والحاليَّة من فاعل "يَتَعارفُونَ": الزمخشريُّ؛ فإنَّه قال: "هو استئنافٌ فيه معنى التَّعجُّب، كأنَّه قيل: "ما أحْشرهُمْ"، ثم قال: "قَدْ خَسِرَ" على إرادة القولِ، أي: يَتَعَارفُونَ بينهم قائلين ذلك"، وذهب إلى أنَّها حالٌ من مفعُول "يَحْشُرهُم": ابنُ عطيَّة. قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} يجوزُ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون معطوفةً على قوله: "قَدْ خَسِرَ"، فيكون حكمه حكمَهُ. والثاني: أن تكون معطوفةً على صلةِ "الذينَ"، وهي كالتَّوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً؛ لأنَّ من كذَّب بلقاء الله، غيرُ مُهْتَدٍ، والمراد بالخسران: خُسْران النفس ولا شيء أعظم منه. قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} تقدَّم الكلامُ على "إِمَّا" هذه [البقرة38]، وقال ابن عطيَّة: "ولأجلها، أي: لأجلِ زيادةِ "ما"، جاز دخولُ النون الثقيلة، ولو كانت "إِنْ" وحدها لم يَجُزْ" أي: إنَّ توكيد الفعل بالنُّونِ مشروطٌ بزيادة "ما" بعد "إنْ"، وهو مخالفٌ لظاهرِ كلام سيبويه، وقد جاء التَّوكيد في الشَّرط بغير "إنْ"؛ كقوله: [الكامل] شعر : 2904- مَنْ نَثْقَفَنْ مِنهُمْ فليْسَ بآيبٍ أبَداً وقَتْلُ بَنِي قُتَيبةَ شَافِي تفسير : قال ابن خروف: أجاز سيبويه: الإتيان بـ "ما"، وألاَّ يؤتى بها، والإتيانُ بالنون مع "ما"، وألاَّ يؤتى بها، والإراءَةُ هنا بصريَّة؛ ولذلك تعدَّى الفعلُ إلى اثنينِ بالهمزة، أي: نجعلك رائياً بعض الموعُودين، أو بمعنى: الذي نعدُهم من العذاب، أو نتوفَّيَنَّكَ قبل أن نُريكَ ذلك، فإنَّك ستراه في الآخرة. قال مجاهد: فكان البعضُ الذي رآه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موته. قوله: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} مبتدأ وخبر، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه جوابٌ للشَّرطِ، وما عُطِفَ عليه، إذ معناه صالحٌ لذلك، وإلى هذا ذهب الحوفيُّ، وابنُ عطيَّة. والثاني: أنَّهُ جوابٌ لقوله: "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ"، وجواب الأول محذُوف. قال الزمخشري: "كأنَّه قيل: وإمَّا نُرينَّكَ بعضَ الذي نعدهُم فذاك، أو نتوفَّينَّك قبل أن نُريك، فنحن نُريك في الآخرة". قال أبو حيَّان: "فجعل الزمخشريُّ في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجة إلى تقدير جواب محذوف؛ لأنَّ قوله: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} صالحٌ لأن يكون جواباً للشَّرطِ، والمعطوف عليه، وأيضاً: فقول الزمخشريِّ: "فذاك" هو اسمٌ مفردٌ، لا ينعقدُ منه جوابُ شرطٍ، فكان ينبغي أن يأتي بجملة يصح منها جواب الشرط، إذ لا يفهمُ من قوله: "فَذَاكَ" الجزء الذي حذف، وهو الذي تحصل به فائدة الإسناد". قال شهاب الدِّين: "قد تقرَّر: أنَّ اسم الإشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر، وهو بلفظِ الإفراد؛ فكأنَّ ذاكَ واقعٌ موقع الجملة الواقعة جواباً، ويجُوزُ أن يكون قد حُذف الخبرُ؛ لدلالةِ المعنى عليه، إذ التَّقديرُ: فذاك المرادُ، أو المتمنَّى، أو نحوه". وقوله: "إذْ لا يُفْهم الجزء الذي حذف" إلى آخره، ممنوعٌ، بل هو مفهومٌ كما بينا؛ وهو شيءٌ يتبادر إلى الذِّهن. قوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ} "ثم" ليست هنا للتَّرتيب الزَّماني، بل هي لترتيب الأخبار، لا لترتيب القصص في أنفسها، قال أبو البقاء: "كقولك: زيدٌ عالمٌ، ثم هو كريم". وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: الله شهيدٌ على ما يفعلُون في الدَّاريْن، فما معنى "ثم"؟. قلت: ذكرت الشهادة، والمراد: مقتضاها، ونيتجتها، وهو العقاب؛ كأنَّه قيل: ثم الله معاقبٌ على ما يفعلون". وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: "ثَمَّ" بفتح الثاء، جعله ظرفاً لشهادة الله؛ فيكون "ثَمَّ" منصوباً بـ "شَهِيدٌ" أي: اللهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حشرهم، ويجوز أن يكون ظرفاً لِـ "مَرْجعُهم" أي: فإليْنَا مرْجِعُهم، يعني: رجوعهم في ذلك المكانِ، الذي يُثَاب فيه المُحْسِن، ويعاقبُ فيه المُسيء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يتعارفون بينهم‏}‏ قال‏:‏ يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه‏.

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} منصوبٌ بمضمر وقرىء بالنون على الالتفات أي اذكر لهم أو أنذِرْهم يوم يحشرهم {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ} أي كأنهم لم يلبثوا {إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ} أي شيئاً قليلاً منه فإنها مثَلٌ في غاية القِلة، وتخصيصُها بالنهار لأن ساعاتِه أعرفُ حالاً من ساعاتِ الليلِ، والجملةُ في موقع الحال من ضمير المفعولِ أي يحشرهم مشبَّهين في أحوالهم الظاهرةِ للناس بمَنْ لم يلبَثْ في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا ذلك القدرَ اليسيرَ فإن مَنْ أقام بها دهراً وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثارِ نعمةٍ وأحكامِ بهجةٍ منافيةٍ لما بهم من رثاثة الهيئةِ وسوء الحالِ، أو بمن لم يلبَث في البرزخ إلا ذلك المقدارَ ففائدة التقيـيدِ بـيانُ كمالِ يُسرِ الحشرِ بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهرٍ طويلٍ وإظهارِ بطلانِ استبعادِهم وانكارِهم بقولهم: أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون؟ ونحوِ ذلك، أو بـيانُ تمامِ الموافقةِ بـين النشأتين في الأشكال والصورِ فإن قلةَ اللُّبثِ في البرزخ من موجبات عدمِ التبدلِ والتغيرِ فيكون قوله عز وعلا: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} بـياناً وتقريراً له لأن التعارفَ مع طول العهدِ ينقلب تناكراً، وعلى الأول يكون استئنافاً أي يعرِف بعضُهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً، وذلك أولَ ما خرجوا من القبور، إذ هم حينئذٍ على ما كانوا عليه من الهيئة المتعارَفةِ فيما بـينهم ثم ينقطع التعارفُ بشدة الأهوالِ المذهلة واعتراءِ الأحوالِ المُعضلة المغيِّرةِ للصور والأشكالِ المبدّلة لها من حال إلى حال {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ} شهادةٌ من الله سبحانه وتعالى على خُسرانهم وتعجبٌ منه، وقيل: حالٌ من ضمير يتعارفون على إرادة القولِ، والتعبـيرُ عنهم بالموصول مع كون المقامِ مقامَ إضمارٍ لذمهم بما في حيز الصلةِ، والإشعارُ بعليته لما أصابهم، والمرادُ بلقاء الله إن كان مطلقَ الحسابِ والجزاءِ أو حسنَ اللقاءِ فالمراد بالخسران الوضيعةُ، والمعنى وضَعوا في تجاراتهم ومعاملاتهم واشترائِهم الكفرَ بالإيمان والضلالةَ بالهدى ومعنى قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} ما كانوا عارفين بأحوال التجارةِ مهتدين لطرقها وإن كان سوءَ اللقاءِ فالخَسارُ الهلاك والضلالُ أي قد ضلوا وهلكوا بتكذيبهم وما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة. {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} أصله إن نُرِكَ وما مزيدةٌ لتأكيد معنى الشرطِ ومِنْ ثَمةَ أُكد الفعلُ بالنون أي بنُصرتك بأن نُظهرَ لك {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} أي وعدناهم من العذاب ونعجِّلَه في حياتك فتراه، والعدولُ إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على التجدد والاستمرارِ أي نعِدُهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمةُ من إنذارٍ غِبَّ إنذار، وفي تخصيص البعضِ بالذكر رمزٌ إلى العِدَة بإراءةِ بعضِ الموعودِ، وقد أراه يومَ بدر {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي كيفما دارت الحالُ أريناك بعضَ ما وعدناهم أو لا فإلينا مرجعُهم في الدنيا والآخرةِ فننجزُ ما وعدناهم البتةَ، وقيل: المذكورُ جوابٌ للشرط الثاني كأنه قيل: فإلينا مرجعُهم فنريكَه في الآخرة وجوابُ الأول محذوفٌ لظهوره أي فذاك {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} من الأفعال السيئةِ التي حُكيت عنهم، والمرادُ بالشهادة إما مقتضاها ونتيجتُها وهي معاقبتُه تعالى إياهم وإما إقامتُها وأداؤُها بإنطاق الجوارحِ، وإظهارُ اسمِ الجلالةِ لإدخال الروعةِ وتربـيةِ المهابةِ وتأكيدِ التهديد، وقرىء ثَمّةَ أي هناك.

القشيري

تفسير : الأيامُ والشهور، والأعوام والدهور بعد مُضيها في حُكْمِ اللحظة لمن تفكَّرَ فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب، وكَأنَّ قَدْرَ الماضي من الدهر لم يُعْهَدْ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم يحشرهم} يوم منصوب بفعل مقدر والضمير لكفار مكة اى اذكر لهم يا محمد او انذرهم يوم يحشرهم الله ويجمعهم وهو يوم القيامة {كأن} مخففة اسمها محذوف اى كانهم {لم يلبثوا} لم يمكثوا فى الدنيا او فى القبور {الا ساعة من النهار} اى شيئا قليلا منه فانها مثل فى غاية القلة وتخصيصها بالنهار لان ساعاته اعرف حالا من ساعات اليل والجملة التشبيهية حال من ضمير المفعول اى يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث الا ساعة استقصروا المدة لهول ما رأوا والانسان اذا عظم خوفه ينسى الامور الظاهرة [در تفسير زاهدى اورده كه معتزله در نفى عذاب قبر بدين آيت استدلال نموده كويندا اكر كفار در قبر معذب بودندى مدتى بدين درازى ايشانرا ساعتى نه نمودى وجواب ميكويندكه اين صورت بسبب صعوبت اهوال وشدت احوال قيامتست كه مدت عذاب قبر درجنب آن يكساعت نمايد] يقول الفقير استقلوا مدة اللبث فى الدنيا لانهم كانوا فى النعيم صورة وايامه تمضى كالرياح واستقلوا مدة المكث فى القبور لان عذابهم فيها كان على النصف بالنسبة الى عذاب الآخرة اذ التنعم البرزخي وكذا لتألم على الروح والبدن البرزخى بخلاف التنعم والتألم الحشريين فافهم هداك الله. قال فى التأويلات النجمية تشير الآية الى الخروج من مضيق عالم الاجسام الذى هو عالم الكون والفساد والتناهى الى متسع عالم الارواح الذى هو عالم الكون بلا فساد وتناه فان مدة عمر الدنيا الفانية بالنسبة الى الآخرة الباقية ترى كساعة من نهار بل اقل من لحظة. ثم اعلم ان الحشر يكون عاما وخاصا واخص فالعام هو خروج الاجساد من القبور الى المحشر يوم النشور والحشر الخاص هو خروج ارواحهم الاخروية من قبور اجسامهم الدنيوية بالسير والسلوك فى حال حياتهم الى عالم الروحانية لانهم ماتوا بالارادة عن صفات النفسانية قبل ان يموتوا بالموت عن صورة الحيوانية والحشر الاخص هو الخروج من قبور الانانية الروحانية الى هويته الربانية كما قال تعالى {أية : يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا} تفسير : {يتعارفون بينهم} يعرف بعضهم بعضا كما كانوا يعرفون فى الدنيا فكأنهم لم يتفارقوا بسبب الموت الا مدة قليلة لا تؤثر فى زوال ذلك التعارف اول ما خرجوا من القبور ثم ينقطع التعارف اذا عاينوا العذاب ويتبرأ بعضهم من بعضهم وهو حال اخرى مقدرة لان التعارف بعد الحشر يكون {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} شهادة من الله على خسرانهم وتعجب منه اى قد غبن المكذبون بالحساب والجزاء {وما كانوا مهتدين} فى تجارتهم اذا باعوا الايمان بالكفر والتصديق بالتكذيب فلم يكونوا على نفع وقد مضى الوقت شعر : جه خوش كفت با كودك آموزكار كه كارى نكرديم وشد روزكار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كأن لم يلبثوا}: حال، أي: نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة. أو صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: كأن لم يلبثوا قبله، أو لمصدر محذوف، أي: حشراً كأن لم يلبثوا قبله. وجملة: {يتعارفون}: حال أخرى مقدرة، أو بيان لقوله: {كأن لم يلبثوا}، أو لتعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم نحشرهم: "وإما": شرط، و {نرينك} فعله، {أو نتوفينك}: عطف عليه. {فإلينا} جواب {نتوفينك}، وجواب الأول محذوف، أي: إن أريتك بعض عذابهم في الدنيا فذاك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يومَ نحشُرهم} ونجمعهم للحساب، فتقصر عندهم مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ، {كأن لمْ يلبثوا إلا ساعةً من النهار} يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أو في القبور؛ لهول ما يرون، حال كونهم {يتعارفون بينهم} أي: يعرف بعضهم بعضاً، كأن لم يتفارقوا إلا قليلاً، وهذا في أول حشرهم، ثم ينقطع التعارف؛ لشدة الأمر عليهم لقوله:أية : {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ}تفسير : [المعارج: 10] {قد خَسِرَ الذين كذَّبُوا بلقاءِ الله} خسرانا لا ربح بعده {وما كانوا مهتدين} إلى طريق الربح أصلاً، أو إلى طريق توصلهم إلى معرفة الله ورضوانه، لترك استعمال ما منحوه من العقل فيما يوصل إلى الإيمان بالله ورسله، فاستكسبوا جهالات أدت بهم إلى الرّدى والعذاب الدائم. {وإما نُرينّك} أي: مهما نبصرنك {بعضَ الذي نَعِدُهم} من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر. {أو نتوفينَّك} قبل أن نريك {فإلينا مَرجِعُهم} فنريكه في الآخرة، {ثم اللهُ شهيدٌ على ما يفعلون}، فيجازيهم عليه حينئذٍ، فالترتيب إخباري. وقال البيضاوي، تبعاً للزمخشري: ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها، وهو العقاب، ولذلك رتبها على الرجوع بثم، أو مؤدِّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة. هـ. {ولكل أُمة} من الأمم الماضية {رسولٌ} يبعثه إليهم، يدعوهم إلى الحق، {فإذا جاء رسولُهم} بالمعجزات "فكذبوه" {قُضِيَ بينهم بالقسط}: بالعدل، فأنجى الرسولَ ومن تبعه، وأهلك المكذبين {وهم لا يُظلمون}، حيث أعذر إليهم على ألسنة الرسل. وقيل معناه: لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه. كقوله: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}تفسير : [الإسراء: 71] فإذا جاء رسولهم الموقفَ ليشهد عليهم بالكفر أو الإيمان {قضي بينهم} بإنجاء المؤمنين وعقاب الكافرين، كقوله: {أية : وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم}تفسير : [الزمر: 69]. {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا، استبعاداً له واستهزاء به، {إن كنتم صادقين} فيه، وهو خطاب منهم للنبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: أهل الغفلة إذا بعثوا أو ماتوا ندموا على ما فوّتوا، وقصر بين أعينهم ما عاشوا في البطالة والغفلة، كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار. فالبدار البدار أيها الغافل إلى التوبة واليقظة، قبل أن تسقط إلى جنبك فتنفرد رهيناً بذنبك. فأما أهل اليقظة ـ وهم العارفون بالله ـ فقد حصل لهم اللقاء، قبل يوم اللقاء، قد خسر الوصول من كذَّب بأهل الوصول، وما كان أبداً ليهتدي إلى الوصول إلا بصحبة أهل الوصول. وإما نرينك أيها العارف بعض الذي نعدهم من الوصول لمن تعلق بك، أو نتوفينك قبل ذلك، فإلينا مرجعهم فنوصلهم بعدك بواسطة أو بغيرها. ولكل أمة رسول يبعثه الله يُذكر الناس ويدعوهم إلى الله، فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط، فيوصل من تبعه ويبعد من انتكبه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم أجاب عن قولهم متى هذا الوعد، فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حفص {يحشرهم} بالياء. الباقون بالنون. قال أبو علي الفارسي: قوله {كأن لم يلبثوا} يحتمل ثلاثة أوجه: احدها - أن يكون صفة اليوم. والآخر - أن يكون صفة للمقدر المحذوف. والثالث - أن يكون حالا من الضمير في {يحشرهم} فاذا جعلته صفة لليوم احتمل أن يكون التقدير {كأن لم يلبثوا} قبله {إلا ساعة} كما قال {أية : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} تفسير : أي امسكوهن قبله، وكذلك قوله {أية : فإن فاءوا فإن الله} تفسير : معناه فان فاءوا قبل انقضاء الاربعة أشهر. ويحتمل أن يكون المعنى {كأن لم يلبثوا} قبله، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، ثم حذفت الهاء من الصفة. ومثله {أية : وترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} تفسير : والتقدير وجزاؤه واقع بهم. وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفيناه، ومثله {كأن لم يلبثوا} قبله فحذف وأقام المضاف اليه مقام المضاف، ثم حذف العائد من الصفة، كما يحذف من الصلة في نحو قوله {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : وإن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء في اللفظ، لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال. والمعنى يحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث الا ساعة. ويحتمل أن يكون معمولا بما دل عليه قوله {كأن لم يلبثوا} فاذا جعلته معمولا لـ {يتعارفون} انتصب {يوم} على وجهين: احدهما - أن يكون ظرفاً والآخر - ان يكون مفعولا على السعة، على يا سارق الليلة أهل الدار. ومعنى {يتعارفون} يحتمل امرين: احدهما - ان يكون المعنى يتعارفون مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها وحذف المفعول للدلالة عليه، أو يكون أعمل الفعل الذي دل عليه {يتعارفون} ألا ترى انه قد دل على سيعلمون إذ يتعارفون، فعلى هذا يكون قوله {ويوم يحشرهم} معمول {يتعارفون}. والآخر - أن يكون {يوم يحشرهم} معمول ما دل عليه قوله {كأن لم يلبثوا} لأن المعنى تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فعمل في الظرف هذا المعنى ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف وان تقدم الظرف عليه كقولهم: أكل يوم لك ثوب؟ واذا جعلت {يتعارفون} العامل في {يحشرهم} لم يجز أن يكون صفة اليوم، على أنك كأنك وصفت اليوم بقوله كأن لم يلبثوا ويتعارفون، فوصفت يوم يحشرهم بجملتين لم يجز أن يكون معمولا لقوله {يتعارفون} لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، وجاز وصف اليوم بالجمل وان أضيف، لأن الاضافة ليست محضة، فلم تعرفه. ومن قرأ بالنون فلقوله {أية : وحشرناهم فلم نغادر} تفسير : وقوله {أية : فجمعناهم جمعاً}تفسير : وقوله {أية : ونحشره يوم القيامة أعمى}. تفسير : ومن قرأ بالياء فلقوله {أية : ليجمعنكم إلى يوم القيامة}تفسير : والنون والياء متعارفان في مثل هذا بدلالة قوله {أية : وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه} تفسير : فعلم من هذا ان كل واحد منهما يجري مجرى الآخر. يقول الله تعالى في هذه الآية أنه يوم يحشر الخلق إلى المحشر والموقف {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} عند أنفسهم؛ لقلة بقائهم فيها وسرعة تصرمها عنهم مع طول وقوفهم يوم القيامة ومع علمهم بدوام بقائهم في الاخرة، شبه قرب الوقت إلى ذلك الحين بساعة من النهار لأن كل ما هو آت قريب، كما قال {أية : اقتربت الساعة} تفسير : ودل بذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بطول ما يأمله من البقاء في الدنيا إذ كان عاقبة ذلك إلى الزوال. وقوله {يتعارفون بينهم} اخبار منه تعالى أن الخلق يعرّف بعضهم بعضاً في ذلك الوقت خسرانهم ويتذاكرونه. وقوله {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} اخبار منه تعالى بأن الذين كذبوا بالبعث والنشور ولقاء ثواب الله ولقاء عقابه يخسرون نفوسهم. والخسران ذهاب رأس المال، فالنفس أكبر من رأس المال. وقوله {وما كانوا مهتدين} معناه لا يكونون مهتدين إلى طريق الجنة لكونهم مستحقين للعقاب. وقال الزجاج: معنى الآية قرب ما بين موتهم كما قالوا {أية : لبثنا يوماً أو بعض يوم}تفسير : و {يتعارفون بينهم} أي يعرف بعضهم بعضاً، وفي ذلك توبيخ لم وإثبات الحجة عليهم.

الجنابذي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} عطف على محذوف والتّقدير لكنّ النّاس انفسهم يظلمون فى الدّنيا ويوم يحشرهم او متعلّق باذكر مقدّراً او بيتعارفون او قد خسر {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} حال من مفعول يحشرهم او صفة لمصدر محذوف بتقدير العائد اى حشراً كأن لم يلبثوا قبله او متعلّق بيتعارفون والمقصود انّهم استقلّوا لبثهم فى الدّنيا او فى القبر لتمثّل الحال الماضية بحيث انّها كأن لم تغب ولذا قيّد بالنّهار {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يعرف بعضهم بعضاً لاستحضارهم الحال الماضية وتمثّلها عندهم {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} قالاً كالدّهريّة والطّبيعيّة وكلّ من اقرّ بالمبدء دون المعاد، وحالاً كاكثر من اقرّ بلسانه ولم يساعده حاله وهو جواب سؤالٍ كأنّه قيل: فما كان حال النّاس يؤمئذٍ؟ او حال من فاعل يتعارفون بتقدير العائد، او متعلّق ليوم يحشرهم، او ابتداء كلام منقطع عمّا قبله والتّعبير بالماضى والحال انّ حقّه الاتيان بالمستقبل على غير الوجه الاخير لتحقّق وقوعه {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} ان نرك {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب والانتقام {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل الاراءة {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} لا يفوتون عنّا فلا تحزن على تأخير الانتقام {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} وللتّفاوت بين الاخبارين فى الغرض المسوق له الكلام وهو تسليته ايضاً اتى بثمّ والتفت تجديداً لنشاط السّامع حتّى يتمكّن فى قلبه واشارة الى علّة الحكم كأنّه قال: ان نرك او نتوفّك فلا تحزن لانّ مرجعهم الينا فنجازيهم على سوء اعمالهم على انّ الله شاهد بالفعل على اعمالهم ومحيط بهم.

اطفيش

تفسير : {ويَوْم} أى واذكر يوم {نَحْشُرُهُم} [وفى قراءة يَحْشُرُهم] أى هؤلاء المشركين، فهو مفعول به لا ظرف، نعم هو ظرف إن نصبناه بيتعارفون، أو بيستقلون محذوفا، دل عليه جملة التشبيه، والواضح ما ذكرته أولا، وقرأ بعض، والأعمش: يحشرهم بالتحتية أى الله {كأنْ} مخففة واسمها ضمير الشأن {لَمْ يلْبثُوا} فى الدنيا أو فى القبر أو فيهما: قيل: الأول أولى، لأن المؤمن والكافر مستويان فى عدم معرفة ما لبثا فى القبر، فيحمل على ما يختص بحال الكافر. {إلاَّ ساعةً} ظرف {مِنَ النَّهارِ} استقصروا لبثهم مع طوله، لهول ما رأوا فى الحشر، وقال الشيخ هود رحمه الله: لطول لبثهم فى النار، وذلك أن أيام العافية تمر فى غفلة، ولهو، فما يشعر المغرور إلا وقد نقضت، فكأنها قصيرة، بخلاف أيام البلاد، وأن لبثهم بعد الحشر لا غاية له، فمقامهم فى الدنيا فى جنبه كالعدم، وأن العمر المضيع فى غير الطاعة كالعدم، وأن كل أمد طويل إذا انقضى فهو والقصير سواء، وخص النهار لأن ساعاته معروفة ببينة، وجملة {كأن لم يلبثوا} الخ إنشائية عندى لا خبرية، فلا تصح حالا، ولكنها معمول لقول محذوف، وذلك القول حال، أى مقولا كأن لم، أو قائلين كأن لم، وصاحب الحال الضمير المستتر أو الهاء، وعليه ففى الكلام خروج عن مقتضى الطاهر، فإن مقتضاه كأن لم نلبث بالنون، ففيه التفات سكاكى، أو ذلك القول نعت لمصدر محذوف، أى حشرا مقولا كأن لم يلبثوا قبله الخ، ولا تكون تلك الجملة نعتا ليوم عندى، لأنه معرفة، فإن قوله: {يوم يحشرهم} بمنزلة يوم حشرهم، غير أن بعض المتأخرين أجاز نعت المعرفة بالجملة والظروف، مأولا لها بالمعرفة، ولأنها إن شاء كما مر، ويجوز كونها مقدرة بقول معرف يكون نعتا، أى يوم حشرهم المقول فى شأنه كأن لم يلبثوا قبله إلى إلخ. {يتَعارفُونَ} يعرف بعضهم بعضا معرفة قليلا قدر ما تحصل المعرفة فقط {بيْنَهم} متعلق به، لأنه بمعنى يوقعون المعرفة بينهم إذا بعثوا، وينقطع التعارف بعد لشدة الأمر. وقد روى أنه لا يعرف أحدٌ أحدا عند الميزان، حتى يعلم أىٌّ أخف أم يرجح، وعند تطاير الصحف، حتى تعلم أيأخذها بيمينه أو بشماله، وعند الصراط حتى يعلم أيجوزه أم لا، يعنى السؤال عن القناطر، وأحوال القيامة مهولة مختلفة، ففى بعضها يعرف بعضهم بعضا، وفى بعضها لا يعرف أو المراد أنهم يعرف بعضهم بعضا فقط دون أن يقدموا على الكلام هيبة وخشية، أو المراد بالتعارف التلاوم والتلاعن، وذلك كله بعد الحشر. والجملة حال ثانية إذا جعلنا الأولى حالا من الهاء، أو هذه مستأنفة متعلق بها اليوم كما مر، أو ذلك التعارف فى الدنيا، فتكون الجملة حالا من الواو فى {لم يلبثوا} فيفيد أنهم لبثوا وتعارفوا فى الدنيا قدر الساعة، وأخبر الله عنهم نيته فى الدنيا بقوله: {قدْ خَسِرَ الذِينَ كذَّبوا بلقاءِ اللهِ} شهادة عليهم، وتعجيبا ممن خسر آخرته فى دنياه، وذلك مستأنف، ويجوز أن يكون ذلك معمولا لقول محذوف حال من واو يتعارفون، أى يتعارفون قائلين تحسرا وتلهفا: {قد خسر الذين} الخ مريدين بالذين أنفسهم، فوضعوا الظاهر موضع الضمير، أو حال من الهاء فى نحشرهم، أو من المستتر فيه، أو حال من الهاء بلا تقدير قول. {ومَا كانُوا مهْتَدينَ} عطف على خسر الذين، أو على كذبوا، أو مستأنف تعجيبا ممن أعطى آيات يهتدى بها إلى المصالح والفوز، وينجوا بها من العذاب والخسران، فضيعها بالاستعمال فيما يورثه العذاب الدائم والخسران.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} الضمير يحشر المنكرين للبعث إِياهم وغيرهم من سائِرِ المنكرين أَو متعلق بيتعارفون وقوله {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} حال من الهاءِ، ولا يصح أَن يكون نعتاً ليوم بتقدير الرابط، أَى كأَن لم يلبثوا فيه لأَن يوماً معرفة بالإِضافة إِلى جملة مشتملة على معرفة لأَن المعنى يوم حشرناهم أَو حشرنا إِياهم ـ بإِسكان الشين فيهما وكسر الراء ـ وأَما أَن يقدر ويوم حشر منا لهم فخطأ ولا حاجة إِلى جعله نعتاً لمصدر على تقدير الرابط، أَى حشرا كأَن لم يلبثوا قبله لأَن عدم الحذف أَولى من الحذف، فكيف حذفان؟ والمراد اللبث فى الدنيا أَو اللبث فى القبور أَو كلاهما. يستقصرون كل ذلك لهول الحشر لأَن وقت الشدة طويل بها ولو قصر، وهذا نفس وقت الحشر وهو البعث من القبور خاصة، وأَما اللبث فى الحشر فهو فى نفسه مع شدته طويل الزمان، والسعداء لا يستقلون لبثهم فى الدنيا والقبر، والظاهر أَن الاستقلال يلحق الموتى مطلقاً لعظم الهول على الكل إِلا أَنهم يتفاوتون فى ذلك، ثم إِنه كيف يستقل الكافر لبث القبر مع أَنه معذب فيه حتى كأَنه لبث ساعة، ولعله لإِفضائِه بعد القبر إِلى العذاب الدائِم، وإِن أُريد باللبث البرزخ العام بعد قيام الساعة فإِنه لا يعذبون فيه وهو أَربعون عاماً، فالأَمر ظاهر، والساعة مطلق الوقت وأَضيفت للنهار لأَن الساعة فى النهار أَظهر منها فى الليل، وربما تقوى بذكر النهار أَن المراد اللبث فى الدنيا، ولا يخفى أَن المسلم أَيضاً لا يدرى كم لبث فى القبر، فلا يتم ما قيل من ترجيح حمل اللبث على اللبث فى الدنيا بأَن الكافر هو الذى لا يعرف كم لبث فى قبره، واسم كان ضمير المحشورين أَى كأَنهم لم يلبثوا أَو الشأْن، أَى كأَنه لم يلبثوا، ومن فوائِد هذا التشبيه الإِشارة إِلى أَن طول مكثهم كأَنه طول ساعة فلم يتعاص عنه البعث لطوله، وكونهم عظاماً وتراباً ورفاتاً وإِلى أَنه كوقت قريب جداً يسهل معه البعث بلا تغيير مع أَن الأَمر كله عنده سواءٌ طوله وقصره، ويناسب هذا قوله {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فإِن التعارف أَنسب بالزمان القليل حتى لا ينكر بعض بعضاً لطول العهد، والجملة حال من هاءِ نحشرهم أَو واو لبثوا مقدرة لأَن التعارف غير مقترن بالحشر، وهو الحشر بمعنى الجمع فى الموقف، وقد تجعل الحال مقارنة على التفسير بالبعث لقربه بالتعارف، وقد قيل يتعارفون عند البعث ثم ينقطع فى الوقت لشدة الهول حتى كأَنه لا يعرف بعض بعضا ولتغير وجوههم وصفاتهم، فذلك الوقت غير وقت قوله فلا أَنساب بينهم، ولا يسأَل حميم حميماً الآيتين، ولكن يرجع التعارف بعد انقطاعه لقوله تعالى: {أية : ولو ترى إِذ الظالمون} تفسير : [الأنعام: 93، سبأ: 31]، وقوله تعالى: {أية : كلما دخلت أُمة} تفسير : [الأعراف: 38]، وقوله تعالى: {أية : ربنا إِنا أَطعنا} تفسير : [الأحزاب: 67]، الآيات ونحو ذلك، وللآثار الواردة فى أَن الوالد يطلب من ولده الحسنة وبالعكس، ونحو هذا فالتعارف الأَول مطلق وما بعده توبيخ أَو طلب أَو نحو ذلك، ولهم مواطن يتعارفون فى بعضها دون بعض، أَو التعارف المنفى تعارف تواصل، والمثبت تعارف التوبيخ وعن الحسن يعرف الرجل صاحبه إِلى جانبه ولا يكلمه {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} مستأْنف أَو حال من واو يتعارفون أَو هاءِ نحشرهم، والرابط الذين لأَنه ظاهر فى موضع الضمير ليصفهم بمضمون الصلة، أَو مفعول لحال أَى قائِلين قد خسر إِلخ، ولقاءُ الله البعث {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إلى طرق النجاة، أَو عارفين بأَحوالها، عطف على خسر الذين، إِلخ أَو على كذبوا إِلخ.

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} بالياء وهي قراءة حمزة عن عاصم وقرأ الباقون بالنون على الالتفات و {يَوْمَ} عند الأكثرين منصوب بمضمر أي اذكر لهم أو أنذرهم يوم نجمعهم لموقف الحساب {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ} أي كأنهم أناس لم يلبثوا {إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ} أي شيئاً قليلاً منه فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالاً من ساعات الليل والجملة في موقع الحال من مفعول {نَحْشُرُهُمْ} أي نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث في الدنيا أو في البرزخ إلا ذلك القدر اليسير، وليس المراد من التشبيه ظاهره على ما قيل، وقد صرح في «شرح المفتاح» أن التشبيه كثيراً ما يذكر ويراد به معان أخر تترتب عليه، فالمراد إما التأسف على عدم انتفاعهم بأعمارهم أو تمني أن يطول مكثهم قبل ذلك حتى لا يشاهدوا ما شاهدوه من الأهوال فمآل الجملة في الآخرة نحشرهم متأسفين أو متمنين طول مكثهم قبل ذلك. ويجوز أن يراد نحشرهم مشبهين في أحوالهم الظاهرة للناس بمن لم يلبث في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا يسيراً فإن من أقام بها دهراً وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثار نعمة وأحكام بجهة منافية لما بهم من رثاثة الهيئة وسوء الحال وإليه ذهب بعضهم، والظاهر أنه تكلف لإبقاء التشبيه على ظاهره والأول أولى كما لا يخفى، وأياً ما كان ففائدة التشبيه كنار على علم، والعجب ممن لم يرها فقال الظاهر أن {كَأَن} للظن، وادعى البعض أن فائدة التقييد على تقدير أن يراد اللبث في البرزخ بيان كمال يسر الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهر طويل وإظهار بطلان استبعادهم وإنكارهم بقولهم: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 82] ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور فإن قلة اللبث في البرزخ من موجبات عدم التبدل والتغير، ولعل مآل الحال على هذا ويوم نحشرهم على صورهم وأشكالهم غير متغيرين، وجوز أبو علي كون الجملة في موضع الصفة ـ ليوم ـ والعائد محذوف تقديره كأن لم يلبثوا قبله أو لمصدر محذوف والعائد كذلك أي / حشراً كأن لم يلبثوا قبله، ورد بأن مثل هذا الرابط لا يجوز حذفه والأول بأن المراد بالظرف المضاف وهو الموصوف يوم القيامة وهو يوم معين وتقدير الكلام يوم حشره أو يوم حشرنا فيكون الموصوف معرفة والجمل نكرات ولا تنعت المعرفة بالنكرة. وأجيب بأن المنع من جواز حذف مثل ذلك الرابط في حيز المنع وبأن الجمل التي تضاف إليها أسماء الزمان قد يقدر حلها إلى معرفة فيكون ما أضيف إليها معرفة وقد يقدر حلها إلى نكرة فيكون ذلك نكرة، ولعل أبا علي يتكلف لاعتبار حلها إلى نكرة ويكون الموصوف هنا نكرة عنده فيرتفع محذور نعت المعرفة بالنكرة. وأنت تعلم أن الجواب إنما يدفع البطلان لا غير فالحق ترجيح الحالية. وقوله سبحانه: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً يحتمل أن يكون استئنافاً وأن يكون بياناً للجملة التشبيهية واستدلالاً عليها كما قيل، وذلك أنه لو طال العهد لم يبق التعارف لأن طول العهد منس مفض إلى التناكر لكن التعارف باق فطول العهد منتف وهو معنى {لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً} وفية دغدغة. وزعم أبو البقاء كونه حالاً مقدرة ولا داعي لاعتبار كونها مقدرة لأن الظاهر عدم تأخر التعارف عن الحشر بزمان طويل ليحتاج إليه، وقد صرحوا بأن التعارف بينهم يكون أول خروجهم من القبور ثم ينقطع لشدة الأهوال المذهلة واعتراء الأحوال المعضلة المغيرة للصور والأشكال المبدلة لها من حال إلى حال، وعندي أن لا قطع بالانقطاع فالمواقف مختلفة والأحوال متفاوتة فقد يتعارفون بعد التناكر في موقف دون موقف وحال دون حال، وفي بعض الآثار ما يؤيد ذلك. وزعم بعضهم المنافاة بين ما تدل عليه هذه الآية وما يدل عليه قوله سبحانه: {أية : فَلآ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً }تفسير : [المعارج: 10] من عدم التعارف لولا اعتبار الزمانين. وقيل: لا منافاة بناء على أن المثبت تعارف تقريع وتوبيخ والمنفي تعارف تواصل وشفقة، ولمانع أن يمنع دلالة ما ذكر من الآيات على نفي التعارف، وقصارى ما يدل عليه نفي نفع الأنساب وسؤال بعضهم بعضاً، والتعارف الذي تدل عليه هذه الآية لا ينافي ذلك، فقد أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال فيها: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه ثم أن حمل التعارف على معرفة بعضهم بعضاً هو المعروف عند المفسرين، وقيل: المراد به التعريف أي يعرف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطأ والكفر وفيه ما فيه. وجوز بعضهم أن يكون الظرف السابق متعلقاً ـ بيتعارفون ـ قيل فيعطف على ما سبق ولا يظهر له وجه. وقوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآء ٱللَّهِ} جملة مستأنفة سيقت للشهادة منه تعالى على خسرانهم والتعجيب منه وهي خبرية لفظاً إنشائية معنى، وقيل: مقول لقول مقدر وقع حالاً من ضمير {يَتَعَارَفُونَ} أو من ضمير {يَحْشُرُهُمْ} إن كانت جملة {يَتَعَارَفُونَ} حالاً أيضاً لئلا يفصل بين الحال وذيها أجنبـي والاستئناف أظهر، والتعبير عنهم بالموصول مع أن المقام مقام إضمار لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لما أصابهم، والظاهر أن المراد بلقاء الله تعالى مطلق الحساب والجزاء وبالخسران الوضيعة أي قد وضعوا في تجارتهم ومعاملتهم واشترائهم الكفر بالإيمان، وجوز أن يراد بالأول سوء اللقاء وبالثاني الهلاك والضلال، أي قد ضلوا وهلكوا بتكذيبهم بذلك {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي لطرق التجارة عارفين بأحوالها أو ما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة، والجملة عطف على جملة {قَدْ خَسِرَ} الخ، وجوز أن تكون معطوفة على صلة الموصول على أنها كالتأكيد لها.

ابن عاشور

تفسير : عطف على: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم}تفسير : [يونس: 28] عطف القصة على القصة عَوْداً إلى غرض من الكلام بعد تفصيله وتفريعه وذم المسوق إليهم وتقريعهم فإنه لما جاء فيما مضى ذكر يوم الحشر إذ هو حين افتضاح ضلال المشركين ببراءة شركائهم منهم أتبع ذلك بالتقريع على عبادتهم الأصنام مع وضوح براهين الوحدانية لله تعالى. وإذ كان القرآن قد أبلغهم ما كان يعصمهم من ذلك الموقف الذليل لو اهتدوا به أتبع ذلك بالتنويه بالقرآن وإثبات أنه خارج عن طوق البشر وتسفيه الذين كذبوه وتفننوا في الإعراض عنه واستُوفي الغرض حقَّه عاد الكلام إلى ذكر يوم الحشر مرة أخرى إذ هو حين خيبة أولئك الذين كذبوا بالبعث وهم الذين أشركوا وظهر افتضاح شركهم في يوم الحشر فكان مثلَ رد العجز على الصدر. وانتصب {يوم} على الظرفية لفعل {خسر}. والتقدير: وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم، فارتباط الكلام هكذا: وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم. وتقديم الظرف على عامله للاهتمام لأن المقصود الأهم تذكيرهم بذلك اليوم وإثبات وقوعه مع تحذيرهم ووعيدهم بما يحصل لهم فيه. ولذلك عدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} دون قد خسروا، للإيماء إلى أن سبب خسرانهم هو تكذيبهم بلقاء الله وذلك التكذيب من آثار الشرك فارتبط بالجملة الأولى، وهي جملة: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم}تفسير : [يونس: 28] إلى قوله: {أية : وضل عنهم ما كانوا يفترون}تفسير : [يونس: 30]. وقرأ الجمهور {نحشرهم} بنون العظمة، وقرأه حفص عن عاصم بياء الغيبة، فالضمير يعود إلى اسم الجلالة في قوله قبله: {أية : إن الله لا يظلم الناس شيئاً}تفسير : [يونس: 44] وجملة: {كأنْ لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} إما معترضة بين جملة: {نحشرهم} وجملة {يتعارفون بينهم}، وإما حال من الضمير المنصوب في {نحشرهم}. و{كأن} مخففةُ (كأنَّ) المشددةِ النون التي هي إحدَى أخوات (إنَّ)، وهي حرف تشبيه، وإذا خففت يكون اسمها محذوفاً غالباً، والتقدير هنا: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من النهار. وقد دل على الاسم المحذوف ما تقدم من ضمائرهم. والمعنى تشبيه المحشورين بعد أزمان مضت عليهم في القبور بأنفسهم لو لم يلبثوا في القبور إلا ساعةً من النهار. و{من النهار} (من) فيه تبعيضية صفة لـ{ساعة} وهو وصف غير مراد منه التقييد إذ لا فرق في الزمن القليل بين كونه من النهار أو من الليل وإنما هذا وصف خرج مخرج الغالب لأن النهار هو الزمن الذي تستحضره الأذهان في المتعارف، مثل ذكر لفظ الرجل في الإخبار عن أحوال الإنسان كقوله تعالى: {أية : وعلى الأعراف رجال}تفسير : [الأعراف: 46]. ومن هذا ما وقع في الحديث «حديث : وإنما أحِلَّت لي ساعة من نهار»تفسير : ، والمقصود ساعة من الزمان وهي الساعة التي يقع فيها قتال أهل مكة من غير التفات إلى تقييد بكونه في النهار وإن كان صادف أنه في النهار. والساعة: المقدار من الزمان، والأكثر أن تطلق على الزمن القصير إلا بقرينة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون}تفسير : في سورة [الأعراف: 34]. ووجه الشبه بين حال زمن لبثهم في القبور وبين لبثِ ساعة من النهار وجوهٌ: هي التحقق والحصول، بحيث لم يمنعهم طول الزمن من الحشر، وأنهم حشروا بصفاتهم التي عاشوا عليها في الدنيا فكأنهم لم يفنوا. وهذا اعتبار بعظيم قدرة الله على إرجاعهم. والمقصود من التشبيه التعريض بإبطال دعوى المشركين إحالتهم البعث بشبهة أن طول اللبث وتغير الأجساد ينافي إحياءها{ أية : يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاماً نخرة}تفسير : [النازعات: 10، 11]. وجملة: {يتعارفون بينهم} حال من الضمير المنصوب في {نحشرهم}. والتعارف: تفاعل من عَرف، أي يعرف كل واحد منهم يومئذٍ من كان يعرفه في الدنيا ويعرفه الآخَر كذلك. والمقصود من ذكر هذه الحال كالمقصود من ذكر حالة {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} لتصوير أنهم حشروا على الحالة التي كانوا عليها في الدنيا في أجسامهم وإدراكهم زيادة في بيان إبطال إحالتهم البعث بشبهة أنه ينافي تمزق الأجسام في القبور وانطفاء العقول بالموت. فظهر خسرانهم يومئذٍ بأنهم نفوا البعث فلم يستعدوا ليومه بقبول ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار إذا حشروا استقلوا مدة مكثهم في دار الدنيا، حتى كأنها قدر ساعة عندهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في آخر "الأحقاف". {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} تفسير : [الأحقاف: 35] الآية، وقوله في آخر "النازعات": {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]، وقوله في آخر "الرُّوم": {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} تفسير : [الروم: 55] الآية. وقد بينا بإيضاح في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، وجه الجمع بين هذه الآيات المقتضية أن الدنيا عندهم كساعة، وبين الآيات المقتضية أنها عندهم كأكثر من ذلك، كقوله تعالى: {أية : يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} تفسير : [طه: 103] وقوله: {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} تفسير : [المؤمنون: 113] فانظره فيه في سورة: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1] في الكلام على قوله: {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ}. قوله تعالى: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}. صرح في هذه الآية الكريمة: أن أهل المحشر يعرف بعضهم بعضاً فيعرف الآباء الأبناء، كالعكس، ولكنه بين في مواضع أخر أن هذه المعارفة لا أثر لها، فلا يسأل بعضهم بعضاً شيئاً، كقوله: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ} تفسير : [المعارج: 10-11]، وقوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101]. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أيضاً: وجه الجمع بين قوله: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}، وبين قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27]، في سورة: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: أيضاً. قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: بخسران المكذبين بلقائه، وأنهم لم يكونوا مهتدين، ولم يبين هنا المفعول به لقوله خسر، وذكر في مواضع كثيرة أسباباً من أسباب الخسران، وبين في مواضع أخر المفعول المحذوف هنا، فمن الآيات المماثلة لهذه الآية، قوله تعالى في "الأنعام": {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنعام: 31] الآية، وقوله تعالى في "البقرة": {أية : ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [البقرة: 27]، وقوله في "البقرة" أيضاً: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [البقرة: 121]، وقوله في "الأعراف": {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 99]، وقوله في "الأعراف" أيضاً: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 178]، وقوله في "الزمر": {أية : لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الزمر: 63]. والآيات في مثل هذا كثيرة، وقد أقسم تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه إنسان إلا بأربعة أمور: الأول: الإيمان. الثاني: العمل الصالح. الثالث: التواصي بالحق. الرابع: التواصي بالصبر. وذلك في قوله: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [العصر: 1-2] إلى آخر السورة الكريمة. وبين في مواضع أخر، أن المفعول المحذوف الواقع عليه الخسران هو أنفسهم، كقوله في "الأعراف": {أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 9]، وقوله في "المؤمنون": {أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}تفسير : [المؤمنون: 103] وقوله في "هود": {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [هود: 21]. وزاد في مواضع أخر خسران الأهل مع النفس، كقوله في "الزمر": {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [الزمر: 15]، وقوله في "الشورى": {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 45]. وبين في موضع آخر أن خسران الخاسرين قد يشمل الدنيا والآخرة، وهو قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11].

الواحدي

تفسير : {ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلاَّ ساعةً من النهار} كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاَّ قدر ساعة من النَّهار، استقصروا تلك المدَّة من هول ما استُقبلوا من أمر البعث. والقيامة {يتعارفون بينهم} يعرف بعضهم بعضاً تعارف توبيخٍ؛ لأنَّ كلَّ فريق يقول للآخر: أنت أضللتني وما يشبه هذا {قد خسر} ثواب الجنَّة {الذين كذَّبوا} بالبعث. {وإمَّا نرينَّك بعض الذي نعدهم} يريد: ما ابتُلوا به يوم بدرٍ {أو نتوفينك} قبل ذلك {فإلينا مرجعهم} أَيْ: فنعذِّبهم في الآخرة {ثمَّ الله شهيد على ما يفعلون} من محاربتك وتكذيبك، فيجزيهم بها، ومعنى الآية: إنْ لم ينتقم منهم في العاجل ينتقم منهم في الآجل. {ولكلِّ أمة رسول} يُرسل إليهم {فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط} وهو هلاك مَنْ كذَّبه، ونجاة من تبعه {وهم لا يظلمون} لا يُنقص ثواب المُصدِّق، ويُجازى المكذِّب بتكذيبه. {ويقولون متى هذا الوعد} قالوا ذل حين قيل لهم: {وإمَّا نرينَّك بعض الذي نعدهم...} الآية، فقالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمَّد؟ {إن كنتم} أنت يا محمَّد وأتباعك صادقين. {قل لا أملك لنفسي ضرَّاً ولا نفعاً إلاَّ ما شاء الله...} الآية مفسَّرةٌ في آيتين من سورة الأعراف.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 45- وأنذرهم - أيها الرسول - يوم نجمعهم للحساب، فيتحققون مجئ اليوم الآخر بعد أن كانوا يكذبون به، ويتذكرون حياتهم فى الدنيا، كأنها ساعة من النهار لم تتسع لما كان ينبغى من عمل الخير، ويعرف بعضهم بعضا، يتلاومون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. قد خسر المكذبون باليوم الآخر، فلم يقدموا فى دنياهم عملا صالحاً، ولم يظفروا بنعيم الآخرة بكفرهم. 46- وإن أريناك - أيها الرسول - بعض الذى نعدهم به، من نصرتك عليهم، وإلحاق العذاب بهم، أو نتوفينك قبل أن ترى كل ذلك، فلا مناص من عودتهم إلينا للحساب والجزاء. والله سبحانه رقيب وعالم بكل ما يفعلونه، ومجازيهم به. 47- ولقد جاء رسول لكل أمة فبلَّغها دعوة الله، فآمن مَن آمن، وكذّب مَن كذب، فإذا كان يوم الحشر، وجاء رسولهم وشهد على مكذبيه بالكفر، وللمؤمنين بالإيمان، فيحكم الله بينهم بالعدل التام، فلا يظلم أحداً فيما يستحقه من جزاء. 48- ويُمعن الكافرون فى التكذيب باليوم الآخر، فيستعجلونه متهكمين، ويقولون: متى يكون هذا الذى تعدنا به من العذاب، إن كنت - أيها الرسول - ومن معك، صادقين فيما تؤمنون به وتدعوننا إليه؟. 49- قل لهم - أيها الرسول - إننى لا أملك لنفسى خيراً ولا شراً، إلا ما أقدرنى الله عليه. فكيف أملك تقديم العقوبة؟ إن لكل أمة نهاية حددها الله أزلا، فإذا حانت هذه النهاية فلا يستطيعون التأخر عنها وقتاً ما، كما لا يستطيعون سبقها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يحشرهم: أي نبعثهم من قبورهم ونجمعهم لساحة فصل القضاء. كأن لم يلبثوا: أي في الدنيا أحياء في دورهم وأمواتاً في قبورهم. أو نتوفينك: أي نميتك قبل ذلك. فإذا جاء رسولهم: أي في عرصات القيامة. بالقسط: أي بالعدل. متى هذا الوعد: أي بالعذاب يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي اذكر لهم يوم نحشرهم من قبورهم بعد بعثهم أحياء {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} في الدنيا أحياء في دورهم وأمواتاً في قبورهم. {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي ليرى بعضهم بعضاً ساعة ثم يحول بينهم هول الموقف، وقوله تعالى {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} يخبر تعالى أن الذين كذبوا بالبعث الآخر والحساب والجزاء الأخروي فلم يرجوا لقاء الله فيعملوا بمحابه وترك مساخطه قد خسروا في ذلك اليوم أنفسهم وأهليهم في جهنم، وقوله {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي في حياتهم حيث انتهوا إلى خسران وعذاب أليم. وقوله تعالى {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل ذلك فعلى كل حال مرجعهم إلينا جميعاً بعد موتهم، فنحاسبهم ونجازيهم بحسب سلوكهم في الدنيا الخير بالخير والشر بمثله، وقوله تعالى {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} تقرير وتأكيد لمجازاتهم يوم القيامة لأن علم الله تعالى بأعمالهم وشهادته عليها كافٍ في وجوب تعذيبهم. وقوله تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي ولكل أمة من الأمم رسول أرسل إليها وبلغها فأطاع من أطاع وعصى من عصى فإذا جاء رسولها في عرصات القيامة قضي بينهم أي حوسبوا أو جوزوا بالقسط أي بالعدل وهم لا يظلمون بنقص حسنات المحسنين ولا بزيادة سيئآت المسيئين. وقوله تعالى {وَيَقُولُونَ} أي المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} أي بالعذاب يوم القيامة. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يقولون هذا استعجلاً للعذاب لأنهم لا يؤمنون به. والجواب في الآية التالية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة. 2- الإِعلان عن خسران منكري البعث يوم القيامة. 3- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر حتى يؤدي رسالته بإعلامه بأنه سيعذب أعداءه. 4- بيان كيفية الحساب يوم القيامة بأن يأتي الرسول وأمته ثم يجري الحساب بينهم فينجي الله المؤمنين ويعذب الكافرين.

القطان

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ...} أنذرْهم أيها الرسول يومَ يجمعُهم الله للحساب، وقل لهم إن هذه الدنيا التي غرّتهم بمتاعها الزائل، لهي قصرة الأمد وستزول بموتهم. وفي ويوم القيامة سيقدّرون قصرها بساعة من النهار، وبتلاومون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. يومئذٍ سيعرفون أن الذين آثروا هذه الحياة السريعة الزوال وكذّبوا باليوم الآخر- قد خسروا السعادة الأبدية ولم يهتدوا إلى طريقها. قراءات: قرأ حفص "يحشرهم" بالياء كما هو في المصحف، والباقون "نحشرهم" بالنون. {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ}. وإن أريناك أيّها الرسول، وفي أثناء حياتك، بعض ما نعِدُهم من العقاب، من نصرك عليهم، وإلحاق العذاب بهم، أو توفّيناك قبل ان ترى كل ذلك، فلا مناصَ من عودتهم إلينا للحساب والجزاء. {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ}. والله تعالى رقيب على كل ما يفعلونه عالم بذلك، وسيجزيهم عليه. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. لقد أرسل الله لك أمةٍ رسولاً قبلّغها دعوة الله. فآمن بعضهم، وكذّب آخرون وهكذا استوفى الجميع حقهم الذي فرضه الله على نفسه بأن لا يعذِّب قوماً إلا بعد الرسالة. وبعد الاعذار لهم فإن الله يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم لرسوله. {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15].

د. أسعد حومد

تفسير : (45) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِتَفَاهَةِ الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَبِقِصَرِ مُدَّتِهَا، وَبِسُرْعَةِ زَوَالِهَا، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَمْوَاتَ مِنْ قُبُورِهِمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي قُبُورِهِمْ إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (أَوْ أَنَّ حَيَاتَهُمْ فِي الدُّنيا لَمْ تَكُنْ إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)، وَيَتَعَارَفُ النَّاسُ فيمَا بَيْنَهُمْ، فَيَعْرِفُ الأَبْنَاءُ الآبَاءَ، وَيَعْرِفُ الآبَاءُ الأبْنَاءَ، وَيَعْرِفُ الأَقْرِبَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، كَمَا كَانُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُدْرِكُ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ، وَآثَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيا، القَصِيرَةَ المُنَغَّصَةَ بِالأَكْدَارِ، عَلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ، أَنَّهُمْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ يَرَوْنَ مَا صَارَتْ إِليهِ أُمُورُهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَأَنَّهُمْ خَسِرُوا أَهْلِيهِمْ، إِذْ فُرِّقَ بَيْنَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهذه الدنيا التي يتلهف عليها الإنسان، ويأخذ حظه فيها، وقد ينسى الآخرة، فإذا ما قامت القيامة فأنت تشعر كأنك لم تمكث في الدنيا إلا ساعة، والساعة هي الساعة الجامعة التي تقوم فيها القيامة، ولكن الساعة في الدنيا هي جزء من الوقت، ونحن نعلم أن اليوم مقسَّم لأربع وعشرين ساعة، وأيضاً تُطلق الساعة على تلك الآلة التي تُعلَّق على الحائط أو يضعها الإنسان على يده، وهي تشير إلى التوقيت. والتوقيت ثابت - بمقدار الساعة والدقيقة والثانية - منذ آدم عليه السلام وإلى من سوف يأتون بعدنا، ولكن التوقيت يختلف من مكان إلى آخر، فتشير الساعة في القاهرة - مثلاً - إلى الثانية ظهراً، وتكون في نيويورك السابعة صباحاً، وتشير في بلد آخر إلى الثالثة بعد منتصف الليل، ولا تتوحد الساعة بالنسبة لكل الخلق إلا يوم القيامة. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..}تفسير : [الروم: 55]. وهم - إذن - يُفاجَأون أن دنياهم الطويلة والعريضة كلها مرَّتْ وكأنها مجرد ساعة، وهكذا يكتشفون قِصَر ما عاشوا من وقت، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إنهم لم ينتفعوا بها أيضاً فهي مدة من الزمن لم تكن لها قيمة. والحق سبحانه يقول: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [الأحقاف: 35]. أي: أن الدنيا تمر عليهم في لهو ولعب ومشاغل، ولم يأخذوا الحياة بالجد اللائق بها؛ فضاعت منهم وكأنها ساعة. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ..} [يونس: 45]. ويوم الحشر ينقسم الناس قسمين: قسم مَنْ كانوا يتعارفون على البر، وقسم مَنْ كانوا يتعارفون على الإثم، فالذين تعارفوا في الحياة الدنيا على البر يفرحون ببعضهم البعض، وأما الذين تعارفوا في الحياة الدنيا على الإثم فهم يتنافرون بالعداء، والحق سبحانه هو القائل: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. وكذلك قال في الذين تعارفوا على الإثم: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ..}تفسير : [البقرة: 166]. هم سيتعارفون على بعضهم البعض، ولكن هذه المعرفة لا تدوم، بل تنقلب إلى نكران، فالواحد منهم لا يريد أن يرى مَنْ كان سبباً في أن يؤول إلى هذا المصير، وتعارفهم سيكون تعارف تعنيف. ويقول الحق سبحانه: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ..} [يونس: 45]. وساعة تسمع كلمة "خسر" فاعرف أن الأمر يتعلق بتجارة ما، والخسارة تعنى: أن يفقد الإنسان المتاجر إما جزءاً من رأس المال، أو رأس المال كله. ومراحل التجارة - كما نعرف - إما كسب يزيد رأس المال المتاجَر فيه، وإما ألاَّ يكسب التاجر ولا يخسر؛ لكنه يشعر بأن ثمن عمله ووقته في هذه التجارة قد ضاع، وكل ذلك يحدث في الصفقات. ونجد الحق سبحانه وتعالى يصف العملية الإيمانية في الدنيا بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الصف: 10-11]. ويقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}تفسير : [فاطر: 29]. والتجارة تعتمد على أنك لا تُقبل على عقد صفقة إلا إذا غلب على ظنك أن هذه الصفقة سوف تأتي لك بأكثر مما دفعت فيها. ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصفقات الخاسرة: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [البقرة: 16]. ويقول أيضاً: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ..}تفسير : [الجمعة: 11]. وشاء الحق سبحانه أن يجعل معنى التجارة واضحاً ومعبِّراً عن كثير من المواقف؛ لأن التجارة تمثِّل جماع كل حركة الحياة؛ فهذا يتحرك في ميدان؛ لينفع نفسه، وينفع غيره، وغيره يعمل في ميدان آخر؛ فينفع نفسه، وينفع غيره. وبهذا يتحقق نفع الإنسان من حركة نفسه وحركة غيره، وهو يستفيد من حركة غيره أكثر مما يستفيد من حركته هو، ومن مصلحة أي إنسان أن يحسِّن كل إنسان حركته؛ فيرتاح هو؛ لأن ما سوف يصل إليه من حركة الناس سيكون جيد الإتقان. والتجارة تحمل أيضاً الوساطة بين المنتج والمستهلك. ولذلك حين أراد الله سبحانه أن نستجيب لأذان الجمعة قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة: 9]. ولم يقل الله سبحانه: اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة، أو اتركوا التدريس، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع؛ لأن فيه تجارة، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة. والتاجر وسيط بين منتج ومستهلك وتقتضي التجارة شراءً وبيعاً، والشراء يدفع فيه التاجر ثمناً، أما في البيع فهو يأخذ الثمن، والغاية من كل شيء أن يتموَّل الإنسان. لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء، فأنت قد تشتري شيئاً وأنت كاره له، لاحتياجك إليه، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق، ولأن الشراء فيه أخذ، والبيع فيه عطاء، والعطاء يرضي النفس دائماً؛ لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها. وإن كنت مزارعاً فأنت تُعِدّ الأرض، وتحرثها، وتبذر البذور، وترويها، وتُشَذِّب النبات، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع، وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعاً، لكن البيع في التجارة يأتي لك بالكسب سريعاً، فكأن ضَرْبَ المثل في التجارة، جاء من أصول التجارة بالبيع ولم يأتِ بالشراء. إذن: لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة، تأخذ منها أكثر من رأسمالك، وتربح، أما إن تركت بعضاً من الدِّين؛ فأنت تخسر بمقدار ما تركت، بل وأضعاف ما تركت. وأنت في أية صفقة قد تعوِّض ما خسرت فيما بعد، وإن استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا، ويمكن أن تربح بعدها، وإذا لم تربح، فسيضيع عليك تعبك فقط؛ ولأن الدنيا محدودة الزمن؛ فخسارتها محتملة، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت - الزمن الدائم - فهي خسارة كبيرة؛ لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا، وأنت في الآخرة: إما في جنة ذات نعيم مقيم، وفي هذا ربح وكسب كبير، وإما إلى نار، وهذه هي الخسارة الحقيقة. والخسران الحقيقي أن يكذِّب الإنسان، لا بنعيم الله فقط، ولكن بلقاء الله أيضاً. يقول الحق سبحانه: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ..} [يونس: 45]. أي: أن الله سبحانه لم يكن في بالهم، وهو حين تقوم الساعة يجدون الله - سبحانه وتعالى - أمامهم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً ..}تفسير : [النور: 39]. والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء، وهو عبارة عن انعكاس للضوء؛ فيظن أن أمامه ماء، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء، وهكذا شبَّه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة، ويرى السراب ؛ فيظنه ماءً، لكنه سراب، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق سبحانه: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..}تفسير : [النور: 39]. أي: أنه يُفاجأ بوجود الله سبحانه وتعالى، فيوفيه الله حسابه. ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر، فإنه يأخذ حسابه ممن عمل له، ولا يُحسب له ذلك في الآخرة، وتجد الناس يُكرّمونه، ويقيمون له التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : فعلتَ ليقال، وقد قيل ". تفسير : وهنا يقول الحق سبحانه عن الذين كَذّبوا بلقاء الله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [يونس: 45]. أي: لم يكونوا سائرين على المنهج الذي وضعه لهم خالقهم سبحانه؛ هذا المنهج الذي يمثِّل قانون الصيانة لصنعة الله تعالى، وقد خلق الله سبحانه الإنسان لمهمة، والله سبحانه يصون الإنسان بالمنهج من أجل أن يؤدي هذه المهمة. والهداية هي الطريق الذي إن سار فيه الإنسان فهو يؤدي به إلى تحقيق المهمة المطلوبة منه؛ لأن الحق سبحانه قد جعله الخليفة في الأرض. ومن لا يؤمن برب المنهج سبحانه وتعالى ولا يطبق المنهج فهو إلى الخسران المبين، أي: الخسران المحيط. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، عن سرعة انقضاء الدنيا، وأن الله تعالى إذا حشر الناس وجمعهم ليوم لا ريب فيه، كأنهم ما لبثوا إلا ساعة من نهار، وكأنه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس، وهم يتعارفون بينهم، كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون، ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم، حيث فاتهم النعيم، واستحقوا دخول النار.