١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} شرط. {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} أي من إظهار دينك في حياتك. وقال المفسرون: كان البعض الذي وعدهم قتْلَ من قُتل وأسْرَ من أُسر ببدر. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} عطف على «نُرِيَنَّكَ» أي نتوفينك قبل ذلك. {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب «إمّا». والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلاً انتقمنا منهم آجلاً. {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ} أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد. {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} من محاربتك وتكذيبك. ولو قيل: «ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ» بمعنى هناك، جاز.
البيضاوي
تفسير : {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} نبصرنك. {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} من العذاب في حياتك كما أراه يوم بدر. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن نريك. {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} فنريكه في الآخرة وهو جواب {نَتَوَفَّيَنَّكَ} وجواب {نُرِيَنَّكَ} محذوف مثل فداك. {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} مجاز عليه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع بـ {ثُمَّ }، أو مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة. {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} من الأمم الماضية. {رَّسُولٍ} يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحق. {فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ} بالبينات فكذبوه. {قُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين الرسول ومكذبيه. {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل فأنجي الرسول وأهلك المكذبون. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وقيل معناه لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بإنجاء المؤمنين وعقاب الكفار لقوله: {أية : وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ }تفسير : [الزمر: 69] {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} استبعاداً له واستهزاء به. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} خطاب منهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا} فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب إليكم. {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} أن أملكه أو ولكن ما شاء الله من ذلك كائن. {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} مضروب لهلاكهم. {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} لا يتأخرون ولا يتقدمون فلا تستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم. {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلون به. {بَيَاتًا} وقت بيات واشتغال بالنوم. {أَوْ نَهَارًا} حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم. {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي شيء من العذاب يستعجلونه، وكله مكروه لا يلائم الاستعجال وهو متعلق بـ {أَرَءيْتُمْ} لأنه بمعنى أخبروني، والمجرمون وضع موضع الضمير للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب لا أن يستعجلوه، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا خطأه، ويجوز أن يكون الجواب ماذا كقولك إن أتيتك ماذا تعطيني وتكون الجملة متعلقة بـ {أَرَءيْتُمْ} أو بقوله: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } بمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإِيمان، وماذا يستعجل اعتراض ودخول حرف الاستفهام على «ثم» لانكار التأخير. {ٱلئَـٰنَ} على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به. وعن نافع {ٱلئَـٰنَ} بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام. {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تكذيباً واستهزاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} أي: ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي: مصيرهم ومنقلبهم، والله شهيد على أفعالهم بعدك. وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا داود بن الجارود عن أبي السليل عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عرضت عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة، أولها وآخرها» تفسير : فقال رجل: يارسول الله عرض عليك من خلق، فكيف من لم يخلق؟ فقال: «حديث : صوروا لي في الطين، حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه» تفسير : ورواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن زياد بن المنذر عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد به نحوه. وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} قال مجاهد: يعني: يوم القيامة {قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} الآية، كقوله تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر: 69] الآية، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضاً، أمة بعد أمة، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضي لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» تفسير : فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف: أي فذاك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل تعذيبهم {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ } مُطَّلع {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ } من تكذيبهم وكفرهم فيعذبهم أشدّ العذاب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} يعني نبياً يدعوهم إلى الهدى ويأمرهم بالإيمان. {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم ليكون رسولهم شاهداً عليهم، قاله مجاهد. الثاني: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة وقد كذبوه في الدنيا قضى الله تعالى بينهم وبين رسولهم في الآخرة، قاله الكلبي. الثالث: فإذا جاء رسولهم في الدنيا واعياً بعد الإذن له في الدعاء عليهم قضى الله بينهم بتعجيل الانتقام منهم، قاله الحسن.
الخازن
تفسير : {وإما نرينك} يعني يا محمد {بعض الذي نعدهم} يعني ما نعدهم به من العذاب في الدنيا فذاك {أو نتوفينك} قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى: {فإلينا مرجعهم} يعني في الآخرة وفيه دليل على أن الله يري رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعاً من عذاب الكافرين وذلهم وخزيهم في حال حياته في الدنيا وقد أراه ذلك في يوم بدر وغيره من الأيام وسير به ما أعد لهم من العذاب في الآخرة بسبب كفرهم وتكذيبهم {ثم الله شهيد على ما يفعلون} فيه وعيد وتهديد لهم يعني أنه سبحانه وتعالى شاهد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم القيامة. قوله عز وجل: {ولكل أمة رسول} لما بيَّن الله عز وجل حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بيَّن أن حال الأنبياء مع أممهم كذلك فقال تعالى: وكل أمة، يعني قد خلت وتقدمت قبلكم، رسول يعني: مبعوثاً إليهم يدعو إلى الله وإلى طاعته والإيمان به {فإذا جاء رسولهم} في هذا الكلام إضمار تقديره، فإذا جاءهم رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون {قضي بينهم بالقسط} يعني حكم بينهم بالعدل وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما: أنه في الدنيا وذلك أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى كل أمة رسولاً لتبليغ الرسالة وإقامة الحجة وإزالة العذر فإذا كذبوا رسلهم وخالفوا أمر الله قضى بينهم، وبين رسلهم في الدنيا فيهلك الكافرين وينجي رسلهم والمؤمنين ويكون ذلك عدلاً لا ظلماً لأن قبل مجيء الرسول لا يكون ثواباً ولا عقاباً. القول الثاني: إن وقت القضاء في الآخرة وذلك أن الله إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والقضاء بينهم والفصل بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم. والمراد من ذلك، المبالغة في إظهار العدل، وهو قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} يعني من جزاء أعمالهم شيئاً ولكن يجازي كل أحد على قدر عمله. وقيل: معناه أنهم لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم {ويقولون} يعني هؤلاء الكفار {متى هذا الوعد} يعني الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب وقيل قيام الساعة، وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد {إن كنتم صادقين} يعني فيما تعدونا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك أو يكون المعنى: إن كنتم صادقين أنت وأتباعك يا محمد أوذكروه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم {قل} أي: قل لهم يا محمد {لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً} يعني لا أملك لنفسي دفع ضر أو جلب نفع ولا أقدر على ذلك {إلا ما شاء الله} يعني أن أقدر عليه أو أملكه. والمعنى: أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصر للأولياء وعلم قيام الساعة لا يقدر عليه إلا الله فتعيين الوقت إلى الله سبحانه وتعالى بحسب مشيئته ثم إذا حضر ذلك الوقت الذي وقته الله لحدوث هذه الأشياء فإنه يحدث لا محالة وهو قوله سبحانه وتعالى: {ولكل أمة أجل} أي مدة مضروبة ووقت معين {إذا جاء أجلهم} يعني إذا انقضت مدة أعمارهم {فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} يعني لا يتأخرون عن ذلك الأجل الذي أجل لهم ولا يتقدمونه {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك {أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً} يعني ليلاً يقال بات يفعل كذا إذا فعل بالليل والسبب فيه إن الإنسان في الليل لا يكون إلا في البيت غالباً فجعل الله هذه اللفظة كناية عن الليل {أو نهاراً} يعني في النهار {ماذا يستعجل منه المجرمون} يعني ما الذي يستعجلون من نزول العذاب وقد وقعوا فيه وحقيقة المعنى أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأَنفال: 32] فأجابهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {ماذا يستعجل منه المجرمون} يعني أي شيء يعلم المجرمون ما يطلبون ويستعجلون كما يقول الرجل لغيره وقد فعل فعلاً قبيحاً ماذا جنيت على نفسك.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ...} الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: {فَإِلَيْنَا}، والرؤية في {نُرِيَنَّكَ } بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ«ثُمَّ» لترتيب الأَخبار لا لترتيب القصص في أنفسها، و«إِما» هي «إِنْ»، زيدَتْ عليها «ما»، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز. * ص *: وٱعْتُرِضَ بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى. وقوله سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ}: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاءُ بينهم بالقسْطِ.
البقاعي
تفسير : ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقراً لعين، وكانت مشاهدة هلاكهم أقر لها، عطف على قوله {قد خسر}: {وإما نرينك} أي إراءة عظيمة قبل وفاتك {بعض الذي نعدهم} أي في الدنيا بما لنا من العظمة فهو أقر لعينك {أو نتوفينك} قبل ذلك {فإلينا مرجعهم} فنريك فيما هنالك ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الإراءة دليلاً على حذفها ثانياً، والوفاة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً؛ و"ثم" في قوله: {ثم الله} أي المحيط بكل شيء {شهيد} أي بالغ الشهادة {على ما يفعلون*} في الدارين - يمكن أن يكون على بابها، فتكون مشيرة إلى التراخي بين ابتداء رجوعهم بالموت وآخره بالقيامة، ليس المراد بقوله {شهيد} ظاهره، بل العذاب الناشىء عن الشهادة في الآخرة إلى أن الله يعاقبهم بعد مرجعهم، فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون. ولما كان في هذه الآية التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير معين له صلى الله عليه وسلم واحدةً منهما،أتبعها بما هو صالح للأمرين بالنسبة إلى كل رسول إشارة إلى أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم يجزم بتعيين واحدة من الدارين للجزاء،وجعل الأمر منوطاً بالقسط، ففي أي دار أحكم جعله فيها، فقال تعالى: دالاً على أنه نشر ذكر الإسلام وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر من عهد آدم عليه السلام إلى آخر الدهر على وجه لم يحصل له اندراس في دهر من الدهور، فمن تركه استحق العذاب سواء كان ممن بين عيسى ومحمد عليهما السلام أم لا، فلا تغتر بما يقال من غير هذا: {ولكل أمة} أي من الأمم التي خلت قبلك {رسول} يدعوهم إلى الله؛ ثم سبب عن إتيان رسولهم بيان القضاء فيهم فقال: {فإذا جاء} أي إليهم {رسولهم} في الدنيا بالبينات والهدى؛ وفي الآخرة في الموقف بالإخبار بما صنعوا به في الدنيا من تكذيب أو تصديق {قضي بينهم} أي في جميع الأمور بما أفاده نزع الخافض على أسهل وجه من غير شك بما أفاده البناء للمفعول؛ ولما كان السياق بالترهيب أجدر، قال {بالقسط} أي أظهر خفياً من استحقاقهم في القضاء بالعدل والقسمة المنصفة بينهم كلهم بالسوية فأعطى كل أحد منهم مقدار ما يخصه من تعجيل العذاب وتأخيره كما فعل معك؛ولما كان ذلك لا يستلزم الدوام، قال: {وهم لا يظلمون*} أي لا يتجدد لهم ظلم منه سبحانه ولا من غيره. ولما تقدم في هذه الآيات تهديدهم بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، حكى سبحانه جوابهم عن ذلك عطفاً على قوله: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} فقال: {ويقولون} أي هؤلاء المشركون مجددين لهذا القول مستمرين على ذلك استهزاء: {متى هذا الوعد} أي بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، وألهبوا وهيجوا بقولهم: {إن كنتم} أي أنت ومن قال بقولك {صادقين*} والقول كلام مضمن في ذكره بالحكاية وقد يكون كلام لا يعبر عنه فلا يكون له ذكر مضمن بالحكاية، فلا يكون قولاً لأنه إنما يكون قولاً من أجل تضمن ذكره بالحكاية - قاله الرماني، ولتضمين جعل الشيء في وعاء؛ والوعد: خبر بما يعطي من الخير،والوعيد: خبر بما يعطى من الشر، وقد يراد الإجمال كما هنا فيطلق الوعد على المعنيين: وعد المحسن بالثواب والمسيء بالعقاب؛ والصدق: الخبر عن الشيء على ما هو به؛ والكذب: الخبر عنه على خلاف ما هو به. ولما تضمن قولهم هذا استعجاله صلى الله عليه وسلم بما يتوعدهم به، أمره بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه بقوله: {قل} أي لقومك المستهزئين {لا أملك لنفسي} فضلاً عن غيري؛ ولما كان السياق للنقمة، قدم الضر منبهاً على أن نعمه أكثر من نقمة؛ وأنهم في نعمه،عليهم أن يقيدوها بالشكر خوفاً من زوالها فضلاً عن أن يتمنوه فقال: {ضراً ولا نفعاً}. ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ببعض ذلك قال: {إلا ما شاء الله} أي المحيط علماً وقدرة أن أملكه من ذلك، فكأنه قيل: فما لك لا تدعوه بأن يشاء ذلك ويقدرك عليه؟ فقيل: {لكل أمة أجل} فكأنه قيل: وماذا يكون فيه؟ فقيل: {إذا جاء أجلهم} هلكوا؛ ولما كان قطع رجائهم من الفسحة في الأجل من أشد عذابهم، قدم قوله: {فلا يستأخرون} أي عنه {ساعة} ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها {ولا يستقدمون*} فلا تستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا بد منه. والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه الفعل مثل: استشكل الشيء واستثقله، ويجوز كون المعنى: لا يوجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من تصريف الشيء أتم تصريف، والنفع: إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} قال: سوء العذاب في حياتك {أو نتوفينك} قبل {فإلينا مرجعهم} وفي قوله {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم} قال: يوم القيامة.
القشيري
تفسير : معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق، وبعد النَّشْرِ حَشْرٌ، وفي ذلك الوقت مُطَالَبَةٌ وحسابٌ، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلومُ مُشَاهَداً موجوداً!
اسماعيل حقي
تفسير : {واما نرينك} اصله ان نترك وما مزيدة لتاكيد معنى الشرط اى ان نبصر نك بان تظهر {بعض الذى نعدهم} من العذاب ونعجله فى حياتك كما اراه ببدر والجواب محذوف لظهوره اى فذاك هو المأمول وانا عليهم مقتدرون {او نتوفينك} قبل ان نريك {فالينا مرجعهم} اى رجوعهم رجوعا اضطراريا فنريكه فى الآخرة وانا منهم منتقمون وهو جواب نتوفينك لان الرجوع انما يكون فى الآخرة بعد الموت فهو لا يصلح ان يكون جوابا للشرط وما عطف عليه ولان قوله تعالى فى حم الزخرف {أية : فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون او نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون} تفسير : يدل على ما ذكرنا والقرآن يفسر بعضه بعضا هكذا لاح ببال الفقير اصلحه الله القدير {ثم الله شهيد على ما يفعلون} اى مجاز على افعالهم السيئة. ذكر الشهادة واراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع بثم الدالة على التراخى ولو كان المراد من الشهادة نفسها لم يصح الترتيب المذكور لانه تعالى شهيد على ما يفعلونه من التكذيب والمحاربة حال رجوعهم اليه تعالى وقبله. وقال فى الكواشى ثم بمعنى الواو او لترتيب الاخبار نحو زيد قائم ثم هو كريم وليس التأخير عجزا بل للايذان بانه تعالى قادر عليهم فى كل آن.
الطوسي
تفسير : نون التأكيد في الجزاء لا تجوز الا مع (ما) كما لا يجوز الجزاء بـ (اذ، وحيث) الا مع (ما) يخرجونها عن اخواتها، فدخلت (ما) لتقريبها منها، فالنون تدخل في الأمر والنهي والاستفهام والعرض، وكله طلب، وكله غير واجب. وليس في الجزاء طلب إلا أنه يشبه غير الواجب. وقوله {نرينك} من رؤية العين لأنها لو كانت من رؤية الاعلام لتعدى إلى مفعولين والبعض شيء يفصل من الكل، والبعض والقسم والجزء نظائر. والتوفي القبض على الاستيفاء بالأمانة، لأن الروح تخرج من البدن على تمام وكمال من غير نقصان. ومعنى الاية إن أريناك يا محمّد بعض ما نعد هؤلاء الكفار من العذاب عاجلا بأن ننزل عليهم ذلك في حياتك، وإن أخرنا ذلك عنهم إلى بعد وفاتك ووفاتهم، فان ذلك لا يفوتم، لأنه الينا مرجعهم، والله شاهد بأعمالهم، وعالم بها، وحافظ لها، فهو يوفيهم عقاب معاصيهم. وقال مقاتل: المعنى إما نرينك بعض الذي نعد المؤمنين من النصر والاعلاء، وهو يوم بدر. وقوله {ثم الله} عطف في قول الفراء، وقال غيره: {ثم} بمعنى الواو.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب، أي: عذاب الدنيا {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} فيكون بعد وفاتك { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} أي: من أعمالهم. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالقِسْطِ} أي: بالعدل { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} في تفسير الحسن: إذا بعث رسولهم فكذبوه، فدعا عليهم، فاستجيب له أهلكهم الله. وإنما يدعو عليهم إذا أُمِر بالدعاء. ذكروا أن مجاهداً قال: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة؛ وهو كقوله: (أية : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) تفسير : [الزمر:69]. قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يقوله المشركون لما كان يعدهم به النبي عليه السلام من عذاب الله إن لم يؤمنوا؛ فكانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاءً وتكذيباً. أي: إنه لا يأتيهم العذاب، ويقولون: متى هذا الوعد، و (أية : ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تفسير : [العنكبوت:29]. قال الله لمحمد عليه السلام: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}أي: النبوة {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي: من عذاب الله {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إنِ القَضَاءُ {إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إنما ذلك إلى الله (أية : يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ) تفسير : [الأنعام:57] أي القاضين.
اطفيش
تفسير : {وإمَّا} إن الشرطية، وما المؤكدة، وأدغمت النون فى الميم، ولذلك ساغ تأكيد الفعل بالنون {نُرينَّكَ} يا محمد مضارع أرى المتعدى إلى اثنين بالهمزة، فإن هذه رؤية بصرية، والرؤية البصرية تتعدى الواحد. {بَعْض الَّذِى نَعِدُهم} من عذاب الدنيا {أو نتَوفيَّنَّك} نميتنك قبل هذا العذاب {فإلينا مَرْجعُهم} أى رجوعهم جواب الشرط، وما عطف عليه، أى إلينا مرجعهم فى الآخرة للعقاب، سواء أريناك أم لا، فذلك تسلية له، وتهديد لهم، وقد أراه حالهم يوم بدر، وقيل: جواب إن محذوف، أى فذاك أغيظ لهم، أو أشد، يقدر قبل أو إلينا مرجعهم عائد إلى نتوفينك فكان، أو عطفت شرطا على شرط، وجوابا على جواب، عطف معمولين على معمولى عامل. {ثمَّ} لترتيب الأخبار، ويجوز أن تكون لترتيب المعنى، بأن يراعى فى {إلينا مرجعهم} معنى "إلينا يرجعون" وفى قوله: {اللهُ شَهيدٌ عَلى ما يفْعلُونَ} نجازيهم على ما يفعلون، فإن مقتضى الشهادة الحكم بموجبها، فأطلق الشهادة على معنى ما يتولد منها، أو أراد أنه يؤدى الشهادة عليهم، ويلزم الحكم بها بعد، والفرق بين الوجهين: أن الأول مجاز، والثانى حقيقة، وقرأ ابن أبى عبلة بفتح التاء، فيكون ظرفا متعلقا بمرجع أو شهيد.
اطفيش
تفسير : {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} إِن الشرطية وما التى هى صلة لتأكيد التعليق {بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ} من العذاب فى حياتك كما أَراهم يوم بدر، ويوم فتح مكة فإِنه أَشد على من بقى على الكفر حتى فتحت من يوم بدر لأَن فتحها إِقناط لهم والإِراءَة بصرية باعتبار أَثر العذاب وأَسبابه، لأَن نفس العذاب لا يرى {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل تعذيبهم وإِراءَتكَ. {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب لنرينك محذوف، أَى فذلك ما خولك أَو فذلك ما تريد أَو ما تتمنى أَو حق أَو صواب، وجواب نتوفينك لعطفه على الشرط فكأَنه شرط هو قوله إِلينا مرجعهم لأَن معناه نعذبهم بعد الرجوع إِلينا وقدره بعض نرى فى الآخر فيكون إِلينا مرجعهم سادا عنه لأَنه علة، وإِنما لم أَجعل إِلينا مرجعهم للكل، لأَن رجوعهم إِلينا لا يتوقف على الإِراءَة ولا على التوفى، نعم يجوز على معنى عذبناهم فى الدنيا أَو لم نعذبهم لا بد من رجوعهم إِلينا {ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} من التكذيب وأَنواع الكفر، وشهادة الله علمه أَو إِخباره ونتيجة علمه، والترتيب بثم ذكرى أَو رتبى إِذا فسرنا الشهادة بالعلم أَو إِخباره مجازاته على أَفعالهم وأَقوالهم المحرمة، فهذا الجزاءُ لازم لعلمه أَو إِخباره ومسبب له، وهذه المجازاة تكون يوم القيامة، ولذلك رتبها بثم على قوله إِلى مرجعكم، ويجوز أَن يكون شهيداً بمعنى مؤَدى علمه أَو خبره يوم القيامة على أَفعالهم أَو مظهر أَثرها كتسويد الوجوه وإِنطاق الجوارح، فذلك شهادته، وأَما إِبقاء الشهادة على ظاهرها أَو على معنى العلم بلا تأْويل بما مر فلا يصح لأَن علمه قديم سابق على رجوعهم إِليه وهو شهيد قبل رجوعهم أَيضاً ومشاهد قبله أَيضاً.
الالوسي
تفسير : {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} / أصله إن نرينك و {مَا} مزيد لتأكيد معنى الشرط ومن ثمت أكد الفعل بالنون والرؤية بصرية أي اما نرينك بعينك {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} من العذاب بأن نعذبهم في حياتك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب للشرط وما عطف عليه، والمعنى إن عذابهم في الآخرة مقرر عذبوا في الدنيا أولا، وقيل: هو جواب {نَتَوَفَّيَنَّكَ} كأنه قيل: إنا نتوفينك فإلينا مرجعهم فنريكه في الآخرة وجواب الأول محذوف أي إما نرينك فذاك المراد أو المتمني أو نحو ذلك، وقال الطيبـي: أي فذاك حق وصواب أو واقع أو ثابت واختار الأول أبو حيان، والاعتراض عليه بأن الرجوع لا يترتب على تلك الإراءة فيحتاج إلى التزام كون الشرطية اتفاقية ناشىء من الغفلة عن المعنى المراد، والمراد من {نَعِدُهُمْ} وعدناهم إلا أنه عدل إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد والاستمرار أن نعدهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار غب إنذار. وفي تخصيص البعض بالذكر قيل رمز إلى أن العدة بإراءة بعض الموعود وقد أراه صلى الله عليه وسلم ذلك يوم بدر. {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} من الأفعال السيئة التي حكيت عنهم، والمراد من الشهادة لازمها مجازاً وهو المعاقبة والجزاء فكأنه قيل: ثم الله تعالى معاقب على ما يفعلون، وجوز أن يراد منها إقامتها وأداؤها بإنطاق الجوارح وإلا فشهادة الله سبحانه بمعنى كونه رقيباً وحافظاً أمر دائم في الدارين و {ثُمَّ} لا تناسب ذلك، والظاهر أنها على هذين الوجهين على ظاهرها. وفي «الكشف» وغيره هي على الأول للتراخي الرتبـي وعلى الثاني على الظاهر وظاهر كلام البعض استحسان حملها على التراخي الرتبـي مطلقاً ولا أرى لارتكاب خلاف الظاهر بعد ذلك الارتكاب داعياً، وأن العطف بها على الجزاء لا على مجموع الشرطية، وأنت تعلم أن العطف على ذاك يمنع من إرادة التعذيب منه أو إراءته أو نحو ذلك مما لا يصح أن يكون المعنى المعطوف بثم بعده ومترتباً عليه، ولعل ما اعتبروه هناك ليس تفسيراً للرجوع بل هو بيان للمقصود من الكلام، وإظهار اسم الجلالة لإدخال الروعة وتربية المهابة وتأكيد التهديد. وقرأ ابن أبـي عبلة {ثم} بالفتح أي هنالك.
ابن عاشور
تفسير : كانَ ذكر تكذيبهم الذي جاء في صدر السورة بقوله: {أية : قال الكافرون إنّ هذا لساحر مبين}تفسير : [يونس: 2]، ثم الوعيد عليه بعذاب يحل بهم، والإشارةُ إلى أنهم كذبوا بالوعيد في قوله: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر} تفسير : [يونس: 11] إلى قوله: {أية : لننظر كيف تعملون}تفسير : [يونس: 14] منذراً بترقب عذاب يحل بهم في الدنيا كما حل بالقرون الذين من قبلهم، وكان معلوماً من خلق النبي صلى الله عليه وسلم رأفتُه بالناس ورغبتُه أن يتم هذا الدين وأن يهتدي جميع المدعوين إليه، فربما كان النبي يحذر أن ينزل بهم عذاب الاستئصال فيفوت اهتداؤهم. وكان قوله: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون}تفسير : [يونس: 11] تصريحاً بإمكان استبقائهم وإيماءً إلى إمهالهم. جاء هذا الكلام بياناً لذلك وإنذاراً بأنهم إن أمهلوا فأبقي عليهم في الدنيا فإنهم غير مفلتين من المصير إلى عقاب الآخرة حين يرجعون إلى تصرف الله دون حائل. وجاء الكلام على طريقة إبْهام الحاصل من الحالين لإيقاع الناس بين الخوف والرجاء وإن كان المخاطب به النبي ـ صلى الله عليه وسلم والمرادُ بـ {بعض الذي نعدهم} هو عذاب الدنيا فإنهم أوعدوا بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: {وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك}. فالمعنى إن وقع عذاب الدنيا بهم فرأيتَه أنت أو لم يقع فتوفاك الله فمصيرهم إلينا على كل حال. فمضمون {أو نتوفينك} قسيم لمضمون {نرينك بعضَ الذي نعدهم}. والجملتان معاً جملتا شرط، وجواب الشرط قوله: {فإلينا مرجعهم}. ولما جعل جواب الشرطين إرجاعَهم إلى الله المكنَّى به عن العقاب الآجِل، تعين أن التقسيم الواقع في الشرط ترديد بين حالتين لهما مناسبة بحالة تحقق الإرجاع إلى عذاب الله على كلا التقديرين، وهما حالة التعجيل لهم بالعذاب في الدنيا وحالة تأخير العذاب إلى الآخرة. وأما إراءة الرسول تعذيبهم وتوفيه بدون إرائته فلا مناسبة لهما بالإرجاع إلى الله على كلتيهما إلا باعتبار مقارنة إحداهما لحالة التعجيل ومناسبة الأخرى لحالة التأخير. وإنما كُني عن التعجيل بأن يريد اللّهُ الرسولَ للإيماء إلى أن حالة تعجيل العذاب لا يريد الله منها إلا الانتصاف لرسوله بأن يريه عذاب معانديه، ولذلك بُني على ضد ذلك ضدّ التعجيل فكُني بتوفيه عن عدم تعجيل العذاب بل عن تأخيره إذْ كانت حكمة التعجيل هي الانتصافَ للرسول صلى الله عليه وسلم ولما جعل مضمون جملة: {نتوفينك} قسيماً لمضمون جملة: {نرينك} تعين أن إراءته ما أوعدوا به من عذاب الدنيا إنما هو جزاء عن تكذيبهم إياه وأذَاهُم له انتصاراً له حتى يكون أمره جارياً على سنة الله في المرسلين، كما قال نوح: {أية : رب انصرني بما كذبون}تفسير : [المؤمنون: 26] وقد أشار إلى هذا قوله تعالى عقبه: {أية : ولكل أمة رسول}تفسير : [يونس: 47] الآية وقوله: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يونس: 48]. وقد أراه الله تعالى بعض الذي توعدهم بما لقوا من القحط سبع سنين بدعوته عليهم، وبما أصابهم يوم بدر من الإهانة، وقتل صناديدهم، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلّم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}تفسير : [الدخان: 10 ـ 16]. والدخان هو ما كانوا يرونه في سنين القحط من شبه الدخان في الأرض. والبطشة الكبرى: بطشة يوم بدر. وتأمَّلْ قوله: {ثم تولوا عنه} وقوله: {إنا منتقمون}. ثم كف الله عنهم عذاب الدنيا إرضاء له أيضاً إذ كان يود استبقاء بقيتهم ويقول: لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده. فأما الكفر بالله فجزاؤه عذاب الآخرة. فطوي في الكلام جمل دلت عليها الجمل المذكورة إيجازاً محكماً وصارت قوة الكلام هكذا: وإمّا نعجل لهم بعض العذاب فنرينك نزوله بهم، أو نتوفينك فنؤخر عنهم العذاب بعد وفاتك، أي لانتفاء الحكمة في تعجيله فمرجعهم إلينا، أي مرجعهم ثابت إلينا دوماً فنحن أعلم بالحكمة المقتضية نفوذ الوعيد فيهم في الوقت المناسب في الدنيا إن شئنا في حياتك أو بعدك أو في الآخرة. وكلمة {إما} هي (إن) الشرطية و(ما) المؤكدة للتعليق الشرطي. وكتبت في المصحف بدون نون وبميم مشددة محاكاة لحالة النطق، وقد أكد فعل الشرط بنون التوكيد فإنه إذا أريد توكيد فعل الشرط بالنون وتعينت زيادة (ما) بعد (إن) الشرطية فهما متلازمان عند المبرد والزجاج وصاحب «الكشاف» في تفسير قوله تعالى: {أية : فإما نرينّك}تفسير : في سورة [غافر: 77]، فلا يقولون: إن تكرِمَنِّي أكرمك بنون التوكيد ولكن تقولون: إن تُكْرِمْني بدون نون التوكيد كما أنه لا يقال: إما تكرمني بدون نون التوكيد ولكن تقول: إن تكرمني. وشذ قول الأعشى: شعر : فإما تريْنِي ولي لِمة فإنَّ الحوادث أودَى بها تفسير : ثم أكد التعليق الشرطي تأكيداً ثانياً بنون التوكيد وتقديم المجرور على عامله وهو مرجعهم} للاهتمام. وجملة: {إلينا مرجعهم} اسمية تفيد الدوام والثبات، أي ذلك أمر في تصرفنا دوماً. وجملة: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} معطوفة على جملة: {فإلينا مرجعهم}.l وحرف {ثم} للتراخي الرُّتبي كما هو شأن (ثم) في عطفها الجمل. والتراخي الرتبي كون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبةً من المعطوفة عليها فإن جملة: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} لاشتمالها على التعريض بالجزاء على سوء أفعالهم كانت أهم مرتبة في الغرض وهو غرض الإخبار بأن مرجعهم إلى الله، لأن إرجاعهم إلى الله مجمل واطلاعه على أفعالهم المكنى به عن مؤاخذتهم بها هو تفصيل للوعيد المجمل، والتفصيل أهم من الإجمال. وقد حصل بالإجمال ثم بتفصيله تمام تقرير الغرض المسوق له الكلام وتأكيد الوعيد. وأما كون عذاب الآخرة حاصلاً بعد إرجاعهم إلى الله بمهلة جمع ما فيه من تكلف تقرر تلك المهلة هو بحيث لا يناسب حمل الكلام البليغ على التصدي لذكره. وقوله: {الله شهيد على ما يفعلون} خبر مستعمل في معناه الكنائي، إذ هو كناية عن الوعيد بالجزاء على جميع ما فعلوه في الدنيا بحيث لا يغادر شيئاً. والشهيد: الشاهد، وحقيقته: المخبر عن أمر فيه تصديق للمخبر، واستعمل هنا في العالم علم تحقيق. وعبر بالمضارع في قوله: {يفعلون} للإشارة إلى أنه عليم بما يحدث من أفعالهم، فأما ما مضى فهو بعلمه أجدر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة لنبيه صلى الله عليه وسلم، إنه إما أن يريه في حياته بعض ما يعد للكفار من النكال والانتقام، أو يتوفاه قبل ذلك، فمرجعهم إليه جل وعلا لا يفوته شيء مما يريد أن يفعله بهم لكمال قدرته عليهم، ونفوذ مشيئته جل وعلا فيهم، وبين هذا المعنى أيضاً في مواضع أخر، كقوله في سورة "المؤمن": {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]، وقوله في "الزخرف": {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ}تفسير : [الزخرف: 41-42] إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت في القرآن العظيم فعل المضارع بعد إن الشرطية المدغمة في ما المزيدة لتوكيد الشرط، إلا مقترناً بنون التوكيد الثقيلة، كقوله هنا: {أية : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ}تفسير : [يونس: 46] الآية: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ} تفسير : [الزخرف: 41] الآية: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} تفسير : [الأنفال: 57] الآية: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} تفسير : [الأنفال: 58] الآية. ولذلك زعم بعض العلماء العربية وجوب اقتران المضارع بالنون المذكورة في الحال المذكورة، والحق أن عدم اقترانه بها جائز، كقول الشاعر: شعر : فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها تفسير : وقول الآخر: شعر : زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
د. أسعد حومد
تفسير : (46) - إِنْ أَرَاكَ اللهُ تَعَالَى بَعْضَ مَا يَعِدُهُمْ مِنَ العِقَابِ وَالخِذْلاَنِ فِي الدُّنْيا، فَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَهُمْ لَهُ أَهْلٌ، (وَقَدْ أَرَى اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم فِي بَدْرٍ قَتْلَ رُؤُوسِ الكُفْرِ، وَأَسْرَهُمْ وَهَزِيمَتَهُم) وَإِنْ تَوَفَّاكَ اللهُ قَبْلَ أَنْ تَرَى فِيهِمْ ذَلِكَ فَمَصِيرُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلى اللهِ، وَسَيَلْقَوْنَ فِي الآخِرَةِ مِنْ صِدْقِ الجَزَاءِ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ وَعِيدِهِ، وَاللهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ، فَيَجْزِيهِمْ عَلَيهِ عَلَى عِلْمٍ، وَشَهَادَةِ حَقٍّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الحق سبحانه: {وَإِمَّا} مكونة من "إن" و"ما" مدغومتين، وهنا يبين لنا الحق سبحانه أنه يعد الذين كذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالعذاب والهوان والعقاب والفضيحة. أي: يا محمد، إما أن ترى ما قلناه فيهم من خذلان وهوان، وإما أن نتوفينَّك قبل أن ترى هذا في الدنيا، ولكنك ستراه في الآخرة حين تشاهدهم في الهوان الأبدي الذي يصيبهم في اليوم الآخر. وفي هذا تسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقول الحق سبحانه: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} [يونس: 46] أي: أن نريك ما وعدناهم من الخذلان والهوان في هذه الحياة، وإن لم تره في الحياة الدنيا فلسوف ترى هوانهم في الآخرة، حيث المرجع إلى الله تعالى؛ لأنه سبحانه سيصيبهم في أنفسهم بأشياء فوق الهوان الذي يُرى في الناس؛ كحسرة في النفس، وكبْت للأسى حين يرون نصر المؤمنين. أما الذي يُرى فهو الأمر الظاهر، أي: الخذلان، والهزيمة، والأسى، والقتل، وأخْذ الأموال، وسَبْي النساء والأولاد، أو غير ذلك مما سوف تراه فيهم - بعد أن تفيض روحك إلى خالقها - فسوف ترى فيهم ما وعدك الله به. وأنت لن تحتاج إلى شهادة من أحد عليهم، لأنه سبحانه: {شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46]. وكفاك الله سبحانه شهيداً: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 79]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا تحزن أيها الرسول على هؤلاء المكذبين، ولا تستعجل لهم، فإنهم لا بد أن يصيبهم الذي نعدهم من العذاب. إما في الدنيا فتراه بعينك، وتقر به نفسك. وإما في الآخرة بعد الوفاة، فإن مرجعهم إلى الله، وسينبئهم بما كانوا يعملون، أحصاه ونسوه، والله على كل شيء شهيد، ففيه الوعيد الشديد لهم، والتسلية للرسول الذي كذبه قومه وعاندوه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):