Verse. 1411 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَلِكُلِّ اُمَّۃٍ رَّسُوْلٌ۝۰ۚ فَاِذَا جَاۗءَ رَسُوْلُھُمْ قُضِيَ بَيْنَھُمْ بِالْقِسْطِ وَھُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ۝۴۷
Walikulli ommatin rasoolun faitha jaa rasooluhum qudiya baynahum bialqisti wahum la yuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولكل أمة» من الأمم «رسول فإذا جاء رسولهم» إليهم فكذبوه «قضي بينهم بالقسط» بالعدل فيعذبون وينجى الرسول ومن صدقه «وهم لا يظلمون» بتعذيبهم بغير جرم فكذلك نفعل بهؤلاء.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه، بين أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولاً والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط، ويتأكد هذا بقوله تعالى: { أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 24]. فإن قيل: كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } تفسير : [يس: 6]. قلنا: الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضراً مع القوم، لأن تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولاً إليهم، كما لا يمنع تقدم رسولنا من كونه مبعوثاً إلينا إلى آخر الأبد. وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ووقوع موجبات التخليط فيها. المسألة الثانية: في الكلام إضمار والتقدير: فإذا جاء رسولهم وبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون قضى بينهم أي حكم وفصل. المسألة الثالثة: المراد من الآية أحد أمرين: إما بيان أن الرسول إذا بعث إلى كل أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلاً ولا يكون ظلماً، لأنهم من قبل أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب، أو يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في وقت المحاسبة، وبأن الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما شاهد منهم، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به الزجر في الدنيا كالمساءلة، وإنطاق الجوارح، والشهادة عليهم بأعمالهم والموازين وغيرها، وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهيد عليهم، فكأنه تعالى يقول: أنا شهيد عليهم وعلى أعمالهم يوم القيامة، ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة مع كل قوم رسولهم، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال. والمراد منه المبالغة في إظهار العدل. واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وقوله: { أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] وقوله: { أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } تفسير : [طه: 134] ودليل القول الثاني قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : إلى قوله: { أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] وقوله: { أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً } تفسير : [الفرقان: 30] وقوله تعالى: {قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ}.يكون المعنى: ولكل أُمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينهم؛ مثل. {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41]. وقال ٱبن عباس: تُنكر الكفار غداً مجيء الرسل إليهم، فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة؛ فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. دليله قوله: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة: 143]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم؛ فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعُذّب. دليله قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. والقسط: العدل. «وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ } من الأمم {رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ } إليهم فكذبوه {قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل فيعذبون وينجَّى الرسول ومَن صدَّقه {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بتعذيبهم بغير جُرم فكذلك نفعل بهؤلاء.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {ولكل أمة رسول }، إخبار مثل قوله تعالى: {أية : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى} تفسير : [الملك: 8] وقال مجاهد وغيره: المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم صير قوم للجنة وقوم للنار فذلك " القضاء بينهم بالقسط " وقيل: المعنى فإذا جاء رسولهم في الدنيا وبعث صاروا من حتم الله بالعذاب لقوم والمغفرة لآخرين لغاياتهم، فذلك قضاء بينهم بالقسط، وقرن بعض المتأولين هذه الآية بقوله {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [ الإسراء:15] وذلك يتفق إما بأن نجعل {أية : معذبين} تفسير : [الاسراء: 15] في الآخرة، وإما بأن نجعل " القضاء بينهم " في الدنيا بحيث يصح اشتباه الآيتين، وقوله {ويقولون متى هذا الوعد } إلى {يستقدمون } ، الضمير في {يقولون } يراد به لكفار، وسؤالهم عن الوعد تحرير بزعمهم في الحجة، أي هذا العذاب الذي توعدنا حدد لنا فيه وقته لنعلم الصدق في ذلك من الكذب، وقال بعض المفسرين: قولهم هذا على جهة الاستخفاف. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يظهر من اللفظة، ثم أمره تعالى أن يقول لهم {لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله }، المعنى قل لهم يا محمد رداً للحجة إني {لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً } من دون الله ولا أنا إلا في قبضة سلطانه وبضمن الحاجة إلى لطفه، فإذا كنت هكذا فأحرى أن لا أعرف غيبه ولا أتعاصى شيئاً من أمره، ولكن {لكل أمة أجل} انفرد الله تعالى بعلم حده ووقته، فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة لم يتأخروا ساعة ولا أمكنهم التقدم عن حد الله عز وجل، وقرأ ابن سيرين " آجالهم " بالجمع.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} يوم القيامة ليشهد عليهم قضي بينهم، أو إذا جاء في الدنيا ودعا عليهم قضي بينهم في الدنيا بالانتقام منهم، أو إذا جاء في الآخرة قضي بينهم وبينه لتكذيبهم في الدنيا.

النسفي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ } يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق {فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه {قُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين النبي ومكذبيه {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل فأنجى الرسول وعذب المكذبين، أو لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بالقسط {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا يعذب أحد بغير ذنبه. ولما قال {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} أي من العذاب استعجلوا لما وعدوا من العذاب نزل {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي وعد العذاب {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن العذاب نازل وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين {قُلْ } يا محمد {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّا } من مرض أو فقر {وَلاَ نَفْعاً } من صحة أو غنى {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح فإذا جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } الذي تستعجلونه {بَيَاتًا } نصب على الظرف أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون {أَوْ نَهَارًا } وأنتم مشتغلون بطلب المعاش والكسب{مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ } أي من العذاب، والمعنى أن العذاب كله مكروه موجب للنفور فأي شيء تستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟ والاستفهام في {ماذا} يتعلق بـ {أرأيتم} لأن المعنى أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون. وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه. ولم يقل «ماذا يستعجلون منه» لأنه أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، أو {ماذا يستعجل منه المجرمون} جواب الشرط نحو «إن أتيتك ماذا تطعمني» ثم تتعلق الجملة بـ {أرأيتم} أو

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} الآية. لمَّا بيَّن حال محمد - عليه الصلاة والسلام - في قومه، بيَّن أنَّ حال كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أقوامهم كذلك. والآية تدلُّ على أنَّ كلَّ جماعة ممَّن تقدَّم، قد بعث الله إليهم رسُولاً، ولم يهمل أمَّة من الأمم ويؤيِّدهُ قوله - تعالى -: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر:24]. فإن قيل: كيف يصحُّ هذا مع ما يعلمُه من أحْوالِ الفترة؟. فالجواب: أنَّ الدَّليل الذي ذكرناه، لا يوجب أن يكون الرَّسُول حاضراً مع القوم؛ لأنَّ تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسُولاً إليهم، كما لا يمنع تقدُّم رسولنا، من كونه مبعوثاً إلينا إلى آخر الأبد. وفي الكلام إضمار تقديره: فإذا جاء رسُولهُم وبلَّغ، وكذَّبه قوم وصدقه آخرون، قُضِيَ بَيْنَهُم، أي: حُكِمَ وفُصِلَ. والمراد من الآية: إمَّا بيان: أنَّ الرسول إذا بعث إلى كلِّ أمَّة، فإنَّه بالتبليغ، وإقامةِ الحُجَّةِ يزيح عللهم، ولم يبق لهم عُذْر؛ فيكون ما يُعَذَّبُونَ به في الآخرة عدلاً لا ظُلْماً، ويدُلُّ عليه قوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء:15]، وقوله: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء:165]. وإمَّا أن يكون المرادُ: أنَّ القوم إذا اجتمعوا في الآخرة، جمع الله بينهم وبين رسلهم وقت المحاسبة، وبيان الفصل بين المُطِيعِ والعَاصِي؛ ليشهد عليهم بما شاهد منهم؛ وليقع منهم الاعتراف بأنَّه بلغ رسالات ربِّه، ويدل عليه قوله - تعالى -: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة:143]. قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الآية. هذه شبهة خامسة من شبهات مُنْكِري النبوة؛ فإنَّه - عليه الصلاة والسلام - كُلَّما هدَّدهُم بنُزُول العذاب، ومرَّ زمان ولم يظهر ذلك العذاب، قالوا: متى هذا الوعد، فاحتجُّوا بعدم ظهوره، على القدح في نُبُوته، واعلم: أنَّهم قالوا ذلك على وجه التَّكذيبِ للرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام - لمَّا أخبرهم بنُزُول العذاب على الأعداء، وبنُصْرَة الأولياء - أو على وجه الاستبعاد، وتدلُّ الآية على أنَّ كلَّ أمَّة قالت لرسُولها مثل ذلك القول؛ بدليل قوله - تعالى - {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} لأنَّه جمع، وهو موافقٌ لقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ}. ثم إنَّه - تعالى - أمره بأن يجيبَ عن هذه الشُّبهةِ بجواب يحسم المادَّة، وهو قوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} والمعنى: أنَّ إنزال العذاب على الأعداء، وإظهار النُّصرة للأولياء لا يقدر عليه إلاَّ الله - سبحانه -، وأنَّه - تعالى - ما عيَّن لذلك وقتاً معيناً، بل تعيين الوقت مُفوَّض إلى الله - سبحانه - بحسب مشيئته. قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناءٌ متَّصل، تقديره: إلاَّ ما شاءَ الله أن أملكه، وأقدر عليه. والثاني: أنَّهُ منقطعٌ، قال الزمخشري: "هو استثناءٌ منقطعٌ، أي: ولكن ما شاء اللهُ من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضَّرر وجَلْبَ العذابِ؟". فصل احتجَّ المعتزلة بقوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} بأن هذا الاستثناء، يدلُّ على أنَّ العبد لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، إلاَّ الطَّاعة والمعصية، فهذا الاستثناء يدل على كون العبد مستقبلاً بهما. وأجيبوا: بأنَّ هذه الاستثناء منقطعٌ، والتقدير: ولكن ما شاء الله من ذلك كائنٌ. قوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي: مدَّة مضروبة {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ}: وقت فناء أعمارهم، قرأ ابن سيرين: "إذا جَاءَ آجالهم فلا يستأخِرُون ساعةً ولا يسْتقدِمُونَ" أي: لا يتأخَّرُون، ولا يتقدمون، وهذه الآية تدلُّ على أنَّ أحداً لا يموت إلا بانقضاء أجله. فصل قوله: {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} شرط، وقوله: {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي: لا يتأخَّرون ولا يتقدمون، وهذه الآية تدل على جزاء، و "الفاء" حرف الجزاء؛ فوجب إدخاله على الجزاء، فدلَّت الآيةُ على أنَّ الجزاء يحصل مع حُصُول الشَّرطِ لا يتأخَّر عنه، وأنَّ حرف الفاء لا يدلُّ على التَّراخي؛ وإنَّما يدلُّ على كونه جزاء. وإذا ثبت هذا، فنقولُ: إذا قال الرجُل لامرأة أجنبيَّة: إن تزوجتك، فأنت طالقٌ؛ قال بعضهم: لا يصح هذا التعليق؛ لأنَّ هذه الآية دلَّت على أنَّ الجزاءَ إنَّما يحصل بحُصُول الشَّرط، فلو صحَّ هذا التعليق، لوجب أن يحصل الطلاق مقارناً للنِّكاح، لما ثبت أنَّ الجزاء يجبُ حصولهُ مع حصول الشرط، وذلك يوجبُ الجمع بين الضِّدَّين، ولمَّا بطل هذا اللاَّزم، وجب ألاَّ يصحَّ التعليق، وقال أبو حنيفة: يَصِحُّ.

ابو السعود

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} من الأمم الخالية {رَّسُولٌ} يُبعث إليهم بشريعة خاصةٍ مناسبة لأحوالهم ليدعُوَهم إلى الحق {فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ} فبلغهم ما أُرسل به فكذبوه وخالفوه {قُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بـين كلِّ أمةٍ ورسولِها {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل وحُكم بنجاة الرسول والمؤمنين به وإهلاك المكذِبـين كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }تفسير : [الإسراء: 15] {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} في ذلك القضاءِ المستوجِب لتعذبهم لأنه من نتائج أعمالِهم أو ولكل أمةٍ من الأمم يوم القيامةِ رسولٌ تُنسَبُ إليه وتُدعىٰ به فإذا جاء رسولُهم الموقفَ ليشهدَ عليهم بالكفر والإيمان كقوله عز وجل: {أية : وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ }تفسير : . [الزمر: 69] {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} استعجالاً لما وُعدوا من العذاب على طريقة الاستهزاءِ به والإنكارِ حسبما يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيـين وقتِ مجيئِه على وجه الإلزام كما في سورة الملك {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في أنه يأتينا والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يتلون عليهم الآياتِ المتضمنةَ للوعد المذكورِ، وجوابُ الشرط محذوفٌ اعتماداً على ما تقدم حسبما حُذف في مثل قوله تعالى: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [الأعراف: 70] فإن الاستعجالَ في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً كأنه قيل: فليأتنا عجَلةً إن كنتم صادقين، ولِما فيه من الإشعار بكون إتيانِه بواسطة النبـيِّ صلى الله عليه وسلم قيل: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا} أي لا أقدِر على شيء منهما بوجه من الوجوه، وتقديمُ الضر لِما أن مساقَ النظمِ لإظهار العجزِ عنه، وأما ذكرُ النفعِ فلتوسيع الدائرةِ تكملةً للعجز، وما وقع في سورة الأعرافِ من تقديم النفعِ للإشعار بأهميته والمقامُ مقامُه، والمعنى إني لا أملك شيئاً من شؤوني رداً وإيراداً مع أن ذلك أقربُ حصولاً فكيف أملك شؤونَكم حتى أتسبّبَ في إتيان عذابِكم الموعودِ {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} استثناءٌ منقطعٌ أي ولكن ما شاء الله كائناً وحملُه على الاتصال على معنى إلا ما شاء الله أن املِكَه يأباه مقامُ التبُّرؤ من أن يكون له عليه السلام دخلٌ في إتيان الوعدِ فإن ذلك يستدعي بـيانَ كونِ المتنازَعِ فيه مما لا يشاء الله أن يملِكه عليه السلام، وجعلُ (ما) عبارةً عن بعض الأحوالِ المعهودةِ المنوطةِ بالأفعال الاختياريةِ المفوضة إلى العباد على أن يكون المعنى لا أملك لنفسي شيئاً من الضر والنفعِ إلا ما شاء الله أن أملِكه منهما من الضر والنفعِ المترتبَـيْن على الأكل والشربِ عدماً ووجوداً تعسّفٌ ظاهرٌ، وقوله تعالى: {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} بـيانٌ لما أُبهم في الاستثناء وتقيـيدٌ لما في القضاء السابقِ من الإطلاق المُشعِر بكون المقضيِّ به أمراً مُنجزاً غيرَ متوقَّفٍ على شيء غيرِ مجيءِ الرسولِ وتكذيبِ الأمة أي لكل أمةٍ أمة ممن قُضي بـينهم وبـين رسولِهم أجلٌ معينٌ خاصٌّ بهم لا يتعدىٰ إلى أمة أخرى مضروبٍ لعذابهم يحِلّ بهم عند حلولِه {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} إن جُعل الأجلُ عبارةً عن حد معينٍ من الزمان فمعنى مجيئِه ظاهرٌ، وإن أريد به ما امتدّ إليه من الزمان فمجيئُه عبارةٌ عن انقضائِه إذ هناك يتحقق مجيئُه بتمامه، والضميرُ إن جُعل للأمم المدلولِ عليها بكل أمةٍ فإظهارُ الأجلِ مضافاً إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغُ كل أمةٍ أجلَها الخاصِّ بها، ومجيئُه إياها بعينها من بـين الأممِ بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعيةِ كأنه قيل: إذا جاءهم آجالُهم بأن يجيءَ كلَّ واحدةٍ من تلك الأممِ أجلُها الخاصُّ بها، وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ، والإضافةُ إلى الضمير لإفادة كمالِ التعيـين أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجلِ {سَاعَةً} أي شيئاً قليلاً من الزمان فإنها مثَلٌ في غاية القلةِ منه أي لا يتأخرون عنه أصلاً، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي لا يتقدمون عليه وهو عطفٌ على يستأخرون لكنْ لا لبـيان انتفاءِ التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في انتفاءِ التأخرِ بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كما في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلأَنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } تفسير : [النساء: 18] فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم قَبولِ التوبةِ في سلك من سوّفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبةِ حينئذٍ وعدِمها بالمرة، كما مر في سورة الأعراف، وقد جُوز أن يراد بمجيء الأجلِ دنوُّه بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ معينةٌ منه لكن ليس في تقيـيد عدمِ الاستئخار بدنوه مزيدُ فائدةٍ، وتقديمُ بـيان انتفاءِ الاستئخار على بـيان انتفاءِ الاستقدامِ لأن المقصودَ الأهمَّ بـيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب ولو ساعةً وذلك بالتأخر، وأما ما في قوله تعالى: {أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } تفسير : [الحجر: 5] من سبق السبْقِ في الذكر فلما أن المرادَ هناك بـيانُ سرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبـيء عنه قوله عز وجل: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الحجر: 3] فالأهمُّ إذ ذاك بـيانُ انتفاءِ السبقِ كما ذكر هناك.

القشيري

تفسير : لم يُخْلِ زماناً مِنْ شَرِعٍ، ولم يُخْلِ شرعاً مِنْ حُكْم، ولم يُخْلِ حُكْماً مما يُعْقُبُه من ثواب وعقاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولكل امة} من الامم الماضية {رسول} يبعث اليهم بشريعة خاصة مناسبة لاحوالهم ليدعوهم الى الحق {فاذا جاء رسولهم} بالبينات فكذبوه {قضى بينهم} اى بين كل امة ورسولها {بالقسط} بالعدل وحكم بنجاة الرسول وللمؤمنين به وهلاك المكذبين {وهم لا يظلمون} فى ذلك القضاء المستوجب لتعذيبهم لانه من نتائج اعمالهم يقول الفقير ان قلت يرد على ظاهرة الآية زمان الفترة فانها بظاهرها ناطقة بانه لم يهمل امة قط ولم يبعث لاهل الفترة رسول كما يشهد عليه قوله تعالى {أية : لتنذر قوما ما انذر آباؤهم } تفسير : قلت مساق الآية الكريمة على ان كل امة قضى لها بالهلاك قد انذروا اولا على لسان رسول من الرسل ولم يعذب اهل الفترة لان العرب لم يرسل اليهم رسول بعد اسماعيل غير رسول الله عليهما الصلاة والسلام فعذب اعقابهم ببدر وغيره لتكذيبهم رسول الله كما دل عليه قوله تعالى {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} تفسير : وقد انتهت رسالة اسماعيل بموته كبقية الرسل لان ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا عليه السلام كما فى انسان العيون. وبهذا ظهر بطلان قول ابن الشيخ فى حواشيه ان عموم الآية لا يقتضى ان يكون الرسول حاضرا مع كل واحدة منهم لان تقدم الرسول على بعض منهم لا يمنع من كونه رسولا الى ذلك البعض كما لا يمنع تقدم رسولنا عليه السلام من كونه مبعوثا الينا الى آخر الابد انتهى. واما كون اهل الفترة معذبين فى الآخرة ام لا فقد سبق فى اواخر سورة التوبة ثم ان الرسول يأتى بالوحى الظاهر والباطن ووارث الرسول يأتى بالوحى الباطن وهو الالهام الالهى وكل ما جاز وقوعه للانبياء من المعجزات جاز للاولياء مثله من الكرامات والله تعالى لا يحكم بين العباد الا بعد مجيء رسولهم بالظاهر والباطن فان صدقوه قضى بينهم بالسعادة على قدر تصديقهم وان كذبوه قضى بينهم بالشقاوة على قدر تكذيبهم شعر : هركسى ازهمت والاى خويش سوددارد درخور كالاى خويش تفسير : فعليك بالصدق والتصديق فى حق الانبياء والاولياء واتباع ما جاؤوا به من الوحى والالهام لتظفر بكل مرام

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل جماعة على دين واحد وطريقة واحدة كأمة محمّد وأمة موسى وعيسى عليهم السلام رسولا بعثه الله اليهم وحمله الرسالة التي يؤديها اليهم ليقوم بأدائها. وقوله {فإذا جاء رسولهم} يعني يوم القيامة - في قول مجاهد - وقال الحسن: في الدنيا، بما أذن الله تعالى من الدعاء عليهم. وقوله {قضي بينهم} معناه فصل بينهم الأمر على الحتم. والله تعالى يقضي بين الخصوم أي يفصل بينهم فصلا لا يرد {بالقسط} يعني بالعدل. والمقسط العادل. والقاسط الجائر، ومنه قوله {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً }تفسير : والأصل واحد، والمقسط العادل إلى الحق والقاسط العادل عن الحق. وقوله {وهم لا يظلمون} إنما نفى عنهم الظلم بعد أن وصف أنه يقضي بينهم بالعدل ليكون العدل في جميع الأحوال من الابتداء إلى الانتهاء، لأنه كان يمكن ان يكون العدل في أوله والظلم في آخره، فنفي بذلك نفياً عاماً ليخلص العدل في كل أحوالهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} من الامم الماضية {رَّسُولٌ} من الله اعمّ من الرّسول الموحى اليه او وصيّه وعلى هذا فقوله {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} مبتنٍ على تصوير الحال الماضية حاضرة او على كون اذا للزّمان الماضى وهذا على كون الآية تسلية للرّسول (ص) بتذكّره (ص) حال الانبياء الماضين، او لكلّ امّة من الامم الماضية والآتية رسول من الله نبىّ او خليفته فاذا جاء رسولهم فكذّبوه {قُضِيَ بَيْنَهُمْ} بين الرّسول والامّه او بين امّة الرّسول (ص) باهلاك الامّة وانجاء الرّسول (ص)، او اهلاك المكذّبين وانجاء الرّسول والمصدّقين، او اذا جاء رسولهم يحاكم بينهم بالحقّ ولم يهملوا كما كانوا من قبل مجيء الرّسول (ص) {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} باهلاك المستحقّ للنّجاة وانجاء المستحقّ للهلاك او بالمحاكمة بينهم بهوى النّفس واغراضها، او المعنى لكلّ امّة رسول من الانبياء او خلفائهم او شاهد عليهم فاذا جاء رسولهم يوم القيامة للشّهادة عليهم وشهد عليهم قضى بين الامّة بالقسط بادخال من كان اهلاً للجحيم فيها ومن كان اهلاً للنّعيم فى الجنّة، وعن الباقر (ع) تفسيرها فى الباطن انّ لكلّ قرن من هذه الامّة رسولاً من آل محمّد (ص).

اطفيش

تفسير : {ولكُلِّ أمةٍ} من الأمم الماضية {رسُولٌ} يُبعث ليدعوهم إلى الإيمان والشريعة {فإذَا جَاء رسُولُهم} بالبينات، ودعاهم فكذبوه {قُضِى بيْنَهم} أى بين الرسول ومكذبيه، أو إذا جاء فصدقه بعض وكذبه بعض، قُضى بين المصدقين والمكذبين. {بالقِسْطِ} بالعدل، بأن ينجى الرسول ومن آمن معه، ويهلك من كذبه، وقيل: قضى بين أمته بتوفيق السعداء للإيمان، وخذلان الأشقياء عدلا منه على مقتضى اختيارهم، والأول قول الحسن، وقال: إنه يدعو عليهم رسولهم بإذن الله فيهلكون، وقال مجاهد: إذا جاء رسولهم للشهادة عليهم يوم القيامة قضى بينهم بتصيير فريق إلى الجنة، وفريق إلى النار {وهُم لا يُظْلمونَ} بأن يعذبوا بلا جُرْم، أو بلا إرسال رسل، أو بزيادة فى ذنوبهم، ونقص من حسناتهم فاحذروا.

اطفيش

تفسير : {وَلِكُلِّ أَمَّةٍ} من الأُمم {رَّسُولٌ} من الله يأْمرهم وينهاهم ويعظهم ويعلمهم ويكون بعده خلائف يؤدون عنه {فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ} إِلَيهم بالبينات فكذبوه أَو كذب بعض وآمن بعض، ومجىءُ الرسول بالبينات تبليغه إِياها إِليهم فيكفى عن تقدير جاءَهم رسولهم فبلغهم، فإِنه لا يلزم من الرسالة أَن يكون الرسول ماشياً إِلى أُمته بل تتصور بمشى وبلا مشى كتبليغ الحاضرين وإِرسالهم إِلى غيرهم، وهكذا إِلى الفترة إِذا كانت، وأَما التكذيب فلا بد من تقديره؛ لأَن هذا تخويف لقومه صلى الله عليه وسلم واستشهاد على العقاب على الكفر أَو بيان أَن حال الرسل مع أُممهم كحاله صلى الله عليه وسلم مع أُمته {قُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين الرسول ومكذبيه. {بِالْقِسْطِ} بالعدل تنجية الرسول ومن آمن، وإِهلاك من كفر كما قال عز وجل "أية : ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا"تفسير : [يونس: 103] وأَما من آمن فلا قضاءَ بينه وبين الرسول إِلا على معنى التقرير والاستشهاد، ويجوز أَن يكون المعنى لكل أُمة يوم القيامة رسول يحضر وهو رسولهم فى الدنيا يشهد لهم وعليهم بالكفر والإِيمان "أية : وجيىء بالنبيين والشهداءِ وقضى بينهم"تفسير : [الزمر: 69] والتفسير الأَول أَولى، والآية عليه لا على الثانى كالتعليل للتى قبلها. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بزيادة ما لم يفعلوا من الذنوب ولم يتسببوا ولا بنقص ثواب لم ينقصوه بأَعمالهم، ولا بتكليف بلا إِنزال كتاب وإِرسال رسول وصحة عقل "أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"تفسير : [الإِسراء: 15] "أية : رسلا مبشرين ومنذرين لئَلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" تفسير : [النساء: 165].

الالوسي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} يوم القيامة {رَّسُولٍ} تنسب إليه وتدعى به {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان {قُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي بعد أن يشهد {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل وحكم بنجاة المؤمن وعقاب الكافر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أصلاً والجملة قيل تذييل لما قبلها مؤكدة له. وقيل: في موضع الحال أي مستمراً عدم ظلمهم، ونظير هذه الآية على هذا قوله سبحانه: {أية : وَجِـيء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم } تفسير : [الزمر: 69] أو لكل أمة من الأمم الخالية رسول يبعث إليهم بشريعة اقتضتها الحكمة ليدعوهم إلى الحق فإذا جاء رسولهم فبلغهم ودعاهم فكذبوه وخالفوه قضى بينهم أي بين كل أمة ورسولها بالعدل وحكم بنجاة الرسول والمؤمنين به وهلاك المكذبين والأول مما رواه ابن جرير. وغيره عن مجاهد، والاستقبال عليه على ظاهره ولا يحتاج إلى تقدير مثل ما احتيج في التفسير الثاني وقد رجح بقوله تعالى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وإما نرينك بعض الذي نعدهم}تفسير : [يونس: 46]، وهي بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها. وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة هو منتهى الإمهال، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك. فهذا إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب، فهي ناظرة إلى قوله تعالى: {أية : وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا}تفسير : [القصص: 59] وقوله: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}تفسير : [الإسراء: 15]. وجملة: {لكل أمة رسول} ليست هي المقصود من الإخبار بل هي تمهيد للتفريع المفرع عليها بقوله: {فإذا جاء رسولهم} الخ، فلذلك لا يؤخذ من الجملة الأولى تعين أن يرسل رسول لكل أمة لأن تعيين الأمة بالزمن أو بالنسب أو بالموطن لا ينضبط، وقد تخلو قبيلة أو شعب أو عصر أو بلاد عن مجيء رسول فيها ولو كان خلوها زمناً طويلاً. وقد قال الله تعالى: {أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك}تفسير : [القصص: 46]. فالمعنى: ولكل أمة من الأمم ذواتِ الشرائع رسول معروف جاءها مثل عاد وثمود ومدين واليهودِ والكلدان. والمقصود من هذا الكلام ما تفرع عليه من قوله: {فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط}. والفاء للتفريع و(إذا) للظرفية مجردة عن الاستقبال، والمعنى: أن في زمن مجيء الرسول يكون القضاء بينهم بالقسط. وتقديم الظرف على عامله وهو (قضي) للتشويف إلى تلقي الخبر. وكلمة (بين) تدل على توسط في شيئين أو أشياء، فتعين أن الضمير الذي أضيفت إليه هنا عائد إلى مجموع الأمة ورسولها، أي قُضي بين الأمةِ ورسولها بالعَدل، أي قضَى اللّهُ بينهم بحسب عملهم مع رسولهم. والمعنى: أن الله يمهل الأمة على ما هي فيه من الضلال فإذا أرسل إليها رسولاً فإرسالُه أمارة على أن الله تعالى أراد إقلاعهم عن الضلال فانتهى أمد الإمهال بإبلاغ الرسول إليهم مرادَ الله منهم فإن أطاعوه رضي الله عنهم وربحوا، وإن عصوه وشاقوه قضى الله بين الجميع بجزاء كل قضاء حق لا ظلم فيه وهو قضاء في الدنيا. وقد أشعر قوله: {قضي بينهم} بحدوث مشاقة بين الكافرين وبين المؤمنين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا تحذير من مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار لأهل مكة بما نالهم. وقد كان من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبته أن أبقى الله على العرب فلم يستأصلهم، ولكنه أراهم بطشته وأهلك قادتهم يوم بدر، ثم ساقهم بالتدريج إلى حظيرة الإسلام حتى عمهم وأصبحوا دعاته للأمم وحملة شريعته للعالم. ولما أشعر قوله: {قضي بينهم} بأن القضاء قضاء زجر لهم على مخالفة رسولهم وأنه عقاب شديد يكاد من يراه أو يسمعه أن يجول بخاطره أنه مبالغ فيه أتي بجملة {وهم لا يظلمون}، وهي حال مؤكدة لعاملها الذي هو {قُضي بينهم بالقسط} للإشعار بأن الذنب الذي قضي عليهم بسببه ذنب عظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : (47) - مِنْ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ رَسُولاً مِنْهَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ: مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، وَمِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ الذِي يُنْجِيهِمْ مِنَ العِقَابِ فِي الآخِرَةِ، فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ وَبَلَّغَهُمْ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَيَوْمَ الحِسَابِ فِي الآخِرَةِ يَأْتِي كُلُّ رَسُولٍ لِيَشْهَدَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ رِسَالَتَهُ، فَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ التَّامِّ، فَلاَ يَظْلِمُ أَحَداً شَيْئاً مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه لا يظلم أحداً، ولا يعذب قوماً إلا بعد أن يكفروا بالرسول الذي أرسله إليهم، وهو سبحانه القائل: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 24]. وهو سبحانه القائل أيضاً: {أية : لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 131]. فلا تجريم ولا عقوبة إلا بنص وببيان لتجريم هذا الفعل أو ذاك، بإرسال الرسل؛ حتى لا يحتج أحد بأنه لم يصل إليه شيء يحاسب بمقتضاه. والحق سبحانه هنا يبيِّن أن لكل أمة رسولاً يتعهدها بأمور المنهج. وقد خلق الحق سبحانه كل الخلق، وكانوا موحِّدين منذ ذرية آدم - عليه السلام - ثم اقتضت الأحداث أن يتباعدوا، وانتشروا في الأرض، وصارت الالتقاءات بعيدة، وكذلك المواصلات، وتعددت الآفات بتعدد البيئات. ولكن إذا تقاربت الالتقاءات، وصارت المواصلات سهلة، فما يحدث في الشرق تراه في لحظتها وأنت في الغرب، فهذا يعني توحُّد الآفات أو تكاد تكون واحدة؛ لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، أما في الأزمنة القديمة، فقد كانت أزمنة انعزالية، تحيا كل جماعة بعيدة عن الأخرى؛ ولذلك كان لا بد من رسول لكل جماعة؛ ليعالج داءات البيئة، أمَا وقد التقت البيئات، فالرسول الخاتم يعالج كل الداءات. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 47]. وقد حكى التاريخ لنا ذلك، فكل رسول جاء آمن به البعض، وكفر به البعض الآخر، والذين آمنوا به انتصروا، ومَنْ كفروا به هُزِمُوا. أو أن الآية عامة {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} أي: تُنادي كل أمة يوم القيامة باسم رسولها، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويا أمة موسى، ويا أمة عيسى ... إلخ. والحق سبحانه يقول: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء: 41-42]. إذن: فالحق سبحانه هنا يبيِّن أن لكل أمة رسولاً جاءها بالبلاغ عن الله، وقد آمن به مَنْ آمن، وكفر به مَنْ كفر، وما دام الإيمان قد حدث - وكذلك الكفر - فلا بد من القضاء بين المؤمنين والكافرين. لذلك يقول الحق سبحانه: {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 47]. وما دام في الأمر قضاء، فلا بد أن المؤمن يَعتبر الكافر منازعاً له، وأن الكافر يَعتبر المؤمن منازعاً له، ويصير الأمر قضية تتطلب الحكم؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 47]. أي: يُقضى بينهم بالعدل، فالمؤمنون يتقصَّى الحق سبحانه حسناتهم ويزيدها لهم، أما الكافرون فلا توجد لهم حسنات؛ لأنهم كفروا بالله الحق؛ فيوردهم النار، وهم قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي يوم يُسألون فيه عن كل شيء، فاستبعدوا ذلك وقالوا: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}تفسير : [الصافات: 16-17]. لقد تعجبوا من البعث وأنكروه، لكنهم يجدونه حتماً وصدقاً. ويشاء الحق سبحانه أن يُدخل عليهم هذه المسألة دخولاً إيمانياً، فيقول: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ..}تفسير : [ق: 15]. فأنتم إذا متُّم وتحلَّلتم في التراب، أيعجز الله سبحانه أن يخلقكم من جديد؟ لا؛ إنه سبحانه القائل: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}تفسير : [ق: 4]. أي: أنه سبحانه يأمر العناصر الخاصة بكل إنسان أن تتجمَّع كلها، وليس هذا بعسير على الله الذي خلقهم أولاً. وهم قد كَذَّبوا واستنكروا واستهزأوا بمجيء يوم القيامة والبعث، وبلغ استهزاؤهم أن استعجلوا هذا اليوم، وهذا دليل جهلهم، وكان على الواحد منهم أن يفر من هول ذلك اليوم. ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك على ألسنتهم: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اعلموا أن {لِكُلِّ أُمَّةٍ} أي: فرقةٍ وطائفة {رَّسُولٌ} مرسل من عند الله على مقتضى حكمته وحكمه؛ ليهديهم إلى توحيده {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} والعدل الموضوع من عند الله لإصلاح أحوال عباده {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 47] في يوم الجزاء، ولا ينقصون من أجور أعمالهم بل يجازون مقدار ما يقترفون من المعاصي. {وَ} من خبث بواطنهم {يَقُولُونَ} لك مستنكراً عليك، مستهزئاً معك يا أكمل الرسل: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الذي ادعيت إتيان العذاب فيه عين وقته {إِن كُنتُمْ} أيها المؤمنون {صَادِقِينَ} [يونس: 48] ي هذه الدعوة، مصدقين لمن يدعي الصدق فيهز {قُل} يا أكمل الرسل: {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي} ولا أقدر أن أكتسب عليها ولها {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} وقدره في سباق قضائه، ومتى لم أقدر على أحوال نفسي، فكيف لي قدرة على استعجال ما في مشيئة الله في غيبه وتعيين وقته؟ مع أنه لم يأذن لي، ولم يوح إلي من عنده سوى أن {لِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم سواء كانوا محقين أو مبطلين {أَجَلٌ} معين، ووقت مقدر، مقرر في علم الله {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} الذي عيَّنه الحق؛ لإهلاكهم فيه لا يمكن التخلف فيه إذن لا استعجال ولا استئجار {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49] أي: لا يمكنهم طلب التأخير لمحةً وطرفةً؛ إذ الساعة مصروفة إلى مطلق الزمان؛ ليدفعوا الضر، ولا يمكنهم أيضاً طلب التقديم؛ ليجلبوا النفنع، بل الأمر حتم في وقته، لا يتجاوز عنه أصلاً، فانتظروا فسيجيء أجلكم ووقتكم، وينجز وعدكم. ومتى كان الأجل مبهماً، ولم يمكن لأحد أن يعين وقته {قُلْ} لهم توبيخاً وتقريعاً: {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني أيها المجرمون المستعجلون للعذاب والنكال {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً} أي: حال كونكم بائتين في الليل {أَوْ نَهَاراً} حال كونكم مترددين فيها، وعلى أي شأن وكل حال يصعب عليك أمره؛ إذ هو يفزعكم ويفجعكم، وإذ اكان حالكم عند نزوله وحلوله هذا {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ} سبحاه من طوله؛ إذ كله مكروه {ٱلْمُجْرِمُونَ} [يونس: 50] المستحقون لأنواع العقوبة والعذاب، أتنكرون وتكذبون له وتصرون على ما أنتم عليه من الكفر والشرك إلى وقت حلول العذاب؟!. {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} ونزيل {آمَنْتُمْ بِهِ} ولم ينفعكم الإيمان حينئذ؛ إذ قيل لكم حينئذ من وراء سرادقات العز والجلال: {الآنَ} أيها الضالون المكذبون آمنتم {وَ} الحال أنه {قَدْ كُنتُم} من شدة إنكاركم وإصراركم {بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [يونس: 51] استهزاء وسخرية. {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالله بالخروج عن مقتضى أوامره وتكذيب رسله: {ذُوقُواْ} بدل ذوقكم واستلذاذكم بتكذيب الرسل، الاستهزاء بهم {عَذَابَ ٱلْخُلْدِ} المستمر الدائم الذي لا ينقطع أبد الآباد {هَلْ تُجْزَوْنَ} به {إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52] في النشأة الأولى من الجرائم العظام والمعاصي والآثام. {وَ} بعد تبليغك إليهم مآل أمرهم وعاقبة حالهم، أنهم {يَسْتَنْبِئُونَكَ} ويستخبرونك على مقتضى أكنتهم المستكنة في قلوبهم: {أَحَقٌّ هُوَ} أي: ما أخبرت به من الوعيدات الهائلة؛ يعني: أجد هو أم هزل وتخويف؟ {قُلْ} مبالغاً في تحقيقه وتقريره: {إِي وَرَبِّيۤ} أقسم بربي {إِنَّهُ لَحَقٌّ} ثابت محقق عندي بوحي الله والهامه، لا شبهة في وقوعه وثبوته {وَمَآ أَنتُمْ} بأمثال هذه الشبهات الواهية الظنون والجهالات {بِمُعْجِزِينَ} [يونس: 53] مسقطين العذاب النازل عليكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ } من الأمم الماضية { رَسُولٌ } يدعوهم إلى توحيد الله ودينه. { فَإِذَا جَاءَ } هم { رَسُولُهُمْ } بالآيات، صدقه بعضهم، وكذبه آخرون، فيقضي الله بينهم بالقسط بنجاة المؤمنين، وإهلاك المكذبين { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } بأن يعذبوا قبل إرسال الرسول وبيان الحجة، أو يعذبوا بغير جرمهم، فليحذر المكذبون لك من مشابهة الأمم المهلكين، فيحل بهم ما حل بأولئك. ولا يستبطئوا العقوبة ويقولوا: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فإن هذا ظلم منهم، حيث طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس له من الأمر شيء، وإنما عليه البلاغ والبيان للناس. وأما حسابهم وإنزال العذاب عليهم، فمن الله تعالى، ينزله عليهم إذا جاء الأجل الذي أجله فيه، والوقت الذي قدره فيه، الموافق لحكمته الإلهية. فإذا جاء ذلك الوقت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فليحذر المكذبون من الاستعجال بالعذاب، فإنهم مستعجلون بعذاب الله الذي إذا نزل لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ولهذا قال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ ...}.