١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لما استعجلوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له: قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً؛ أي ليس ذلك لي ولا لغيري. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا تستعجلوا. {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم في علمه سبحانه. {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي وقت انقضاء أجلهم. {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي لا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدّمون فيؤخرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّاً } أدفعه {وَلاَ نَفْعاً } أجلبه {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } أن يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب؟ {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مدّة معلومة لهلاكهم {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَئَخِرُونَ } يتأخّرون عنه {سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } يتقدّمون عليه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} [الآية: 49]. قال بعضهم: نفى من السيد الأخص أن يكون له من نفسه شىء أو يعتمد لها حالاً، بل أظهر أن الكل لمن له الكل، ومن لا يملك الأصل كيف يملك فروعه ومن لم يملك نفسه كيف يملك ضرها ونفعها، ومن صحت له هذه الحالة فقد سلم من مدح الخلق فإنه هو الضار النافع.
القشيري
تفسير : الملوكُ متى يكون له مِلْك؟! وإذا كان سيِّدُ البرايا - عليه الصلاة والسلام - لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.. فَمَنْ نَزَلَتْ رُتْبَتُه، وتقاصرَتْ حالتُه متى يملك ذرةً أو تكون باختياره وإيثاره شمةٌ؟ طاح الذي لم يكن - في التحقيق، وتفرَّدَ الجبارُ بنعت الملكوت.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} اخبر عن عين التوحيد وزوال الحدث فى القدم وجعل المشية مشية واحدة وهى المشية الازلية التى لا مدخل فيها لمشية الحدثان وصرف عن سوابق القضاء والقدر علة اكتساب الخلق قال بعضهم نفى السيد الاخص ان يكون له من نفسه شيئا او يعتمد لها حالا بل اظهر ان الكل منه ولمن له الكل من لا يملك الاصل فكيف يملك فروعه من لم يملك نفسه كيف يملك ضرها ونفعها ومن صحت له هذه الحالة فقد سلم من مدح الخلق وذمهم والطمع فيهم والتوسل بهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لا املك} لا اقدر لان الملك يلزمه القدرة {لنفسى ضرا} بان ادفعه {ولا نفعا} بان اجلبه فكيف املك لكم فاستعجل فى جلب العذاب اليكم {الا ما شاء الله} استثناء منقطع اى لكن ما شاء الله كائن فالله هوالمالك للضر والنفع وهو لم يعين لوعده زماننا ثم اخلف فاذا حضر الوقت فانه لا بد وان يقع الموعود كما قال {لكل امة} ممن قضى بينهم وبين رسولهم {اجل} معين خاص بهم لا يتعدى الى امة اخرى مضروب لعذابهم جزاء على تكذيبهم رسلهم يحل بهم عند حلوله {اذا جاء اجلهم} اى زمانهم الخاص المعين {فلا يستأخرون} اى لا يتأخرون عن ذلك الاجل وصيغة الاستقبال للاشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له {ساعة} اى شيئا قليلا من الزمان {ولا يستقدمون} اى لا يتقدمن عليه فلا يستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم وهو عطف على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع امكانه فى نفسه كالتأخر بل للمبالغة فى انتفاء التاخر بنظمه فى سلك المستحيل عقلا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قدَّم في الأعراف النفع، وهنا الضر؛ لأن السؤال في الأعراف عن مطلق الساعة المشتملة على النفع والضر، وهنا السؤال عن العقاب الذي وعدهم به، بدليل قوله: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه}. وقوله: {إلا ما شاء الله} منقطع، ويصح الاتصال، وقوله: {ماذا يستعجل منه المجرمون} وضع المظهر موضع المضمر، أي: ماذا تستعجلون منه؟.. والجملة الاستفهامية جواب الشرط، كما يقال: إن أتيتك ماذا تعطيني؟، أو محذوف، أي: إن أتاكم ألكم منه منعة أو به طاقة فماذا تستعجلون منه؟ وقال الواحدي: الاستفهام للتهويل والتفظيع، أي: ما أعظم ما تستعجلون منه، كما تقول: أعلمت ماذا تجْني على نفسك؟. {أثم إذا ما وقع}، دخلت همزة التقرير على "ثم" العاطفة، أي: إن استعجلتم ثم وقع بكم العذاب آمنتم به حين لا ينفعكم. يقول الحق جل جلاله: {قل} لهم: {لا أملكُ لنفسي ضراً ولا نفعاً}، فكيف أملك لكم ما تستعجلون من طلب العذاب؟ {إلا ما شاءَ اللهُ}: لكن ما شاء الله من ذلك يكون، أو: لا أملك إلا ما ملكني ربي بمشيئته وقدرته، {لكلِّ أمةٍ أجلٌ} مضروب إلى هلاكهم، {إذا جاء أجَلُهُمْ فلا يستأخرون} عنه {ساعةً}، {ولا } هم {يستقدمون} عنه فلا تستعجلوا، فسيحين وقتكم وينجز وعدكم، {قل أرأيتم إن أتاكم عذابُه} الذي تستعجلون {بياتاً} أي: وقت بيات واشتغال بالنوم، {أو نهاراً} حين يشتغلون بطلب معاشكم، {ماذا يستعجل منه المجرمون}؟ أيّ: شيء من العذاب يستعجلونه وكله مكروه لا يلائم الاستعجال؟ وهو متعلق بأرأيتم، لأنه في معنى أخبروني، و"المجرمون"، وضع موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب، لا أن يستعجلوه. قاله البيضاوي. {أثم إذا ما وقع آمنتم به} أي: أثم تؤمنون إذا وقع العذاب وعاينتموه، حين لا ينفعكم إيمانكم، {الآن} أي: فيقال لكم الآن آمنتم حين فات وقته، {وقد كنتم به تستعجلون} تكذيباً واستهزاء، {ثم قيل للذين ظلموا} بعد هلاكهم: {ذُوقُوا عذابَ الخُلد} أي: العذاب المؤلم الذي تخلدون فيه، {هل تُجْزَوْنَ إلا ما كنتم تكسِبُون} من الكفر والمعاصي. الإشارة: لا يشترط في الولي أن يكاشف بالأمور المغيبة حتى يحترز من المكاره أو يجلب المنافع، إذ لم يكن ذلك للنبي، فكيف يكون للولي؟ بل هو معرض للمقادير الجارية على الناس، يجري عليه ما يجري عليهم، نَعْم.. باطنه محفوظ من السخط أو القنط، يتلقى كل ما يلقى إليه بالرضا والتسليم. فمن شرط ذلك فيه فهو محروم من بركة أولياء زمانه. والله تعالى أعلم. ثم استخبروا عن العذاب أو الوحي، هل هو حق أم لا؟ كما قال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ}.
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى عن الكفار استبطاءهم ما وعد الله وقولهم {متى هذا الوعد} امر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم على وجه الانكار عليهم إني {لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً} من الثواب والعقاب بل ذلك إلى الله، ولا أملك إلا ما ملكني الله، فكيف أملك لكم. والملك هو القدرة على التصرف في الشيء على وجه ليس لأحد منعه منه، فالانسان لا يملك إلا ما ملكه الله، لأن له تعالى منعه منه. وقد يملك الطفل ومن لا عقل له من المجانين بالحكم. والنفع هو اللذة أو السرور أو ما أدى إليهما او إلى واحد منهما. والضرر الألم نفسه أو الغم او ما أدى اليهما او إلى واحد منهما. وقوله {إلا ما شاء الله} أن يملكني إياه من نفع او ضر، فيمكنه مما جعل له أخذه او اوجب عليه تركه. والاجل هو الوقت المضروب لوقوع امر، كأجل الدين وأجل البيع واجل الانسان واجل المسافر فاخبر تعالى انه إذا اتى اجل الموت الذي وقته الله لكل حي بحياة، لا يتأخر ذلك ساعة ولا يتقدم على ما قدره الله تعالى.
الأعقم
تفسير : {قل لا أملك لنفسي ضرَّاً} من مرض أو فقر {ولا نفعاً} من صحة أو غنى {إلاَّ ما شاء الله} استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك فهو كائن {لكل أمة أجل} يعني أن عذابكم له أجل عند الله وحد محدود من الزمان {إذا جاء أجلهم} إلى آخرها يعني بل يهلكهم الله في ذلك الوقت من غير تقديم ولا تأخير {قل} يا محمد لهؤلاء المكذبين {أرأيتم} أعلمتم استفهام والمراد التقرير {ان أتاكم عذابه بياتاً} أي ليلاً {أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون} يعني أي شيء يستعجل منه المجرم وما الذي يحصل له منه {أَثمّ إذا ما وقع} أي نزل بهم وحلّ ما استعجلوه {آمنتم به} في وقت اليأس، قيل: بالله، وقيل: بالقرآن وصدق وعيده {الآن} إضمار تقديره وقيل لكم الآن تصدقون به {وقد كنتم به تستعجلون} تكذبون {ويستنبئونك} أي يستخبرون ويطلبون منك الخبر يا محمد ما جئت به من النبوءات والقرآن والشرائع، وقيل: ما تعدنا به من البعث والقيامة {قل} يا محمد {إي وربي إنَّه لحق} أي كائن لا شك فيه، قوله تعالى: {وما أنتم بمعجزين} يعني ما أنتم بفائتين، وقيل: غالبين {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به} أي ولو أن لكل نفس ظالمة ما في الأرض أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها ومنافعها على كثرتها لافتدت به ولكن لا يقبل الفداء منها وإن كثر {وأسروا الندامة}، قيل: أخفوا الندامة على ما سلف منهم من الكفر، وقيل: رؤساء الضلال أخفوها من الاتباع، وقيل: أسروا الندامة أظهروا الندامة {لما رأوا العذاب} أي عاينوا ذلك {وقضي بينهم} حكم وفصل الأمر بينهم، وقيل: بين المؤمنين والكافرين، وقيل: بين الرؤساء والأتباع {ألاَّ إنَّ لله ما في السموات والأرض} خلقاً وملكاً {الا ان وعد الله حق} لا خلف فيه {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قوله تعالى: {يأيها الناس} خطاب جامع لكل المكلفين {قد جاءتكم موعظة من ربكم} يعني القرآن {وشفاء لما في الصدور} أي دواء من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق، ورحمة لمن آمن به، يعني بالقرآن بالإجماع {قل} يا محمد {بفضل الله} الاسلام {وبرحمته} القرآن وعن ابن عباس: بفضل الله القرآن وبرحمته الاسلام، وقيل: بفضل الله الدين وبرحمته ان جعلكم من أهله، وقيل: بفضل الله القرآن وبرحمته السنن، وعن أنس (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : من هداه الله للاسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم القيامة ".
الهواري
تفسير : قوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} يخبرهم أن الذي يستعجلون به من العذاب ليس في يده. {إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} عن عذاب الله إذا نزل بهم { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} العذاب، أي: فيعذبون قبل أن يأتيها رسولها بكتابها من عند الله بعذابها. وهو كقوله: (أية : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ) تفسير : [الحجر:4] أي: يأتيها به رسولها، ووقت ذلك الكتاب أن يكذبوا رسولهم فيدعو عليهم بأمر الله فيهلكهم الله. قوله: { قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً} أي: ليلاً {أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون. {أَثُمَّ إذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ} وهو على الاستفهام. يقول: ماذا يستعجلون به من عذاب الله، فإنه سينزل بهم فيؤمنون به، إذا نزل بهم العذاب فلا ينفعهم الإِيمان ولا يقبل منهم عند نزول العذاب ويصيرون إلى النار، ويقال لهم: إذا آمنوا عند نزول العذاب: { آلآنَ} أي: الآن تؤمنون به {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} يعني بالعذاب. يقول: قد نزل بكم ما كنتم تستعجلون به من عذاب الله فآمنتم حين لا ينفعكم الإِيمان. وقد قال لفرعون: (أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ)تفسير : [يونس:91] أي: لا ينفعك الإِيمان عند نزول العذاب. وكقوله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا إذا نزل بهم {قَالُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} أي: إن القوم إذا كذّبوا رسولهم أهلكهم الله، وإن هم، إذا جاءهم العذاب، آمنوا لم يُقبَل منهم.
اطفيش
تفسير : {قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا} دفع ضر، أَخر الضر فى الأَعراف للإِشعار بأَهمية النفع والمقام مقامه، وهذا المقام للوعيد، كما قالوا متى هذا الوعد {وَلاَ نَفْعاً} جلب نفع فكيف أَملكهما لكم، أَو لا أَملك لنفسى ضرا أَجيئُكم به ولا نفعاً أَنفعكم به، والكلام سيق للضر المناسب لقوله متى هذا الوعد، وإِنما ذكر نفعاً تتميماً للفائِدة، كمال العجز ولدفع إِيهام اختصاص ذلك بالضر، والمراد كيف أُعجل العذاب وليس فى حكمى {إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} أَن أَملكه أَو أَقدر عليه فالاستثناءُ متصل، أَو لكن ما شاءَ الله كائِن، ولا يخفى أَن الإِنسان بحسب الظاهر ما ملكه إِلا إِياه فله قدرة مؤثرة بإِذن الله عز وجل يخلق تأْثيرها، ولا بأْس بهذا، وقال الأشعرية لا تأْثير لها، وقال المعتزلة قبحهم الله: تؤثر ولو يشاءُ الله، ولكن مشيئة الله هى المعتبرة فهو منقطع، والمراد ما شاءَ الله على الإِطلاق أَو ما شاءَ من النفع أَو الضر {لِكُلِّ أُمَّةٍ} موعودة بالهلاك {أَجَلٌ} مدة مضروبة لهلاكهم لكفرهم من إِنكار الحق أَو لكل هلاك أُمة موعودة بالهلاك أَجل، وأَما التى لم يوعد لها فى الدنيا فعذابها فى الآخرة، ويضعف التفسير بأَن لكل أُمة أَجلا للموت لأَنه لم يقل لكل أَحد أَجل، ولو أَمكن باعتبار آحاد الأُمة ولا يقدح فى هذا اتفاق أَجل اثنين فصاعدا ولو آلافاً، والأَجل يطلق على جملة ما حد وعلى آخره وهو أَنسب بقوله {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أَجل كل أُمَّة أَو أَجل الأُمم المعلومة من ذلك، والإِضافة للعموم وكأَنه قيل آجالهم بالجمع {فلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} وأَيضاً هذا كله داخل فى مقول القول، وهو جواب لقوله متى إِلخ، فلا يذكر فى الجواب مدة أَعمارهم بل آخرها الذى يأْتى عليه الهلاك أَو الموت، كيف تطلبون مجىءَ العذاب مع أَن لكل أُمة أَجلا لا يتأَخر ولا يتقدم، أَما إِذا أُريد أَجل الموت فالأُمة هذه داخلة، وأَما إِذا أُريد الهلاك فلا لمجيىءِ الحديث: حديث : إِن أُمتى لا تهلك كلها ولو كان قد يخسف بطائفةتفسير : ، والسين والتاء فى الموضعين ليستا للطلب، والمعنى لا يتأَخرون ولا يتقدمون، بل هما صلتان لتأْكيد النفى، أَى انتفى التقدم والتأَخر انتفاءً بليغاً، أَو الإِفادة أَن التقدم والتأَخر بلغا فى الاستحالة إلى أَنهما لا يطلبان إِذ المحال لا يطلبه العاقل، أَو لإِفادة أَن شدة الهول تمنع الطلب، ويجوز إِبقاؤهما على أَصلها من الطلب، أَى لا يطلبون التقدم ولا التأَخر، وقوله لا يستقدمون معطوف على مجموع إِذا وشرطها وجوابها لأَنه لا يصح أَن يقال إِذا جاءَ أَجلهم لا يستقدمون، لأَن الخاص لا يمكن تقديمه إِلا أَن يقال معنى مجىءَ الأَجل مشارفة مجيئه، وأَجيز العطف على لا يستأْخرون للمبالغة فى انتفاءِ التأْخير. لما نظم فى سلكه أَشعر أَنه بلغ فى الاستحالة مرتبته، وتقدم كلام فى ذلك، والمراد بالساعة أَقل قليل وإِنما لم يقرن إِذا بالفاءِ وقرن به لا يستأْخرون عكس آية الأَعراف لأَن ما هنا جواب لاستعجالهم الوعد فأَتى بالجملة على وجه الاستقلال من أَنها ثابتة بنفسها بلا تفريع على شىءٍ وقوى لزوم جواب الشرط للشرط بالفاءِ وليست آية الأَعراف كذلك، أَو ما هنا تثبيت وشرح لصدره صلى الله عليه وسلم فلا يضيق قلبه باستعجالهم، وتلقين له فى الرد عليهم فناسب الرد بلا تقريع تلويحاً باستقلال الجملة فى المبالغة فى الرد، وما فى الأَعراف وعيد لهم فقرنت بالفاءِ تفريعاً على شأْنهم لأَنها تفيد الربط.
الالوسي
تفسير : {قُل لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي لا أقدر على شيء منهما بوجه من الوجوه وتقديم الضر لما أن مساق النظم الكريم لإظهار العجز عنه وأما ذكر النفع فللتعميم إظهاراً لكمال العجز، وقيل: إنه استطرادي لئلا يتوهم اختصاص ذلك بالضر والأول أولى، وما وقع في سورة الأعراف من تقديم النفع فللإشعار بأهميته والمقام مقامه، والمعنى لا أملك شيئاً من شؤوني رداً وإيراداً مع أن ذلك أقرب حصولاً فكيف أملك شؤونكم حتى أتسبب في إتيان عذابكم الموعود حسبما تريدون. {إِلاَّ مَا شَآء ٱللَّهُ} استثناء منقطع عند جمع أي ولكن ما شاء الله تعالى كائن، وقيل: متصل على معنى إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه، وتعقب بأنه يأباه مقام التبرىء عن أن يكون له صلى الله عليه وسلم دخل في إتيان الوعد فإن ذلك يستدعي بيان كون المتنازع فيه مما لا يشاء أن يملكه عليه الصلاة والسلام. والمعتزلة قالوا باتصال الاستثناء واستدلوا بذلك على أن العبد مستقل بأفعاله من الطاعات والمعاصي، وأنت تعلم أن ذلك بمراحل عن إثبات مدعاهم. نعم استدل بها بعض من يرى رأي السلف من أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه ليس له قدرة أصلاً كما يقوله الجبرية، ولا أن له قدرة لكنها غير مؤثرة كما هو المشهور عن الأشاعرة، ولا أن له قدرة مؤثرة إن شاء الله تعالى وإن لم يشأ كما هو رأي المعتزلة وقال: المعنى لا أقدر على شيء من الضر والنفع إلا ما شاء الله تعالى أن أقدر عليه منهما فإني أقدر عليه بمشيئته سبحانه، وقال بعضهم: إذا كان الملك بمعنى الاستطاعة يكون الاستثناء متصلاً وإذا أبقي على ظاهره تعين الانقطاع، ولا يخفى أن الأصل الاتصال ولا ينبغي العدول عنه حيث أمكن من دون تعسف، وأياً ما كان فظاهر كلامهم أن الاستثناء من المفعول إلا أنه على تقدير الانقطاع ليس المعنى على إخراج المستثنى من حكم المستثنى منه ولذا جعل الحكم على ذلك التقدير أنه كائن دون أملكه مثلاً فلا تدافع في كلام من حكم بالانقطاع وقال / في بيان المعنى أي ولكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن مشيراً بذلك إلى النفع والضر فإنه صريح في كون المستثنى من جنس المستثنى منه المقتضي للاتصال لأن المدار عند المحققين في الأمرين على الإخراج من الحكم وعدمه. ومما يقضي منه العجب زعم أن الاستثناء من فاعل {لآ أَمْلِكُ} وجعل المعنى لا أملك أنا ولكن الله سبحانه هو المالك لكل ما يشاء يفعله بمشيئته. {لِكُلّ أُمَّةٍ} من الأمم الذين أصروا على تكذيب رسلهم {أَجَلٌ} لعذابهم يحل بهم عند حلوله لا يتعدى إلى أمة أخرى {إِذَا جَآء أَجَلُهُمْ} أي أجل كل أمة على ما هو الظاهر، ووضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التقرير، والإضافة لإفادة كمال التعين، وجوز أن يكون الضمير للأمم المدلول عليه بكل أمة، ووجه إظهار الأجل مضافاً لذلك بأنه لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه إياها بعينها من بين الأمم بواسطة اكتساب الأجل بإضافته عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل: (إذا جاءتهم آجالهم) بالجمع كما قرأ به ابن سيرين بأن يجىء كل واحد من تلك الأمم أجلها الخاص بها، ويفسر الأجل بحد معين من الزمان والمجىء عليه ظاهر وبما امتد إليه من ذلك فمجيئه حينئذٍ عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه أي إذا تم وانقضى أجلهم الخاص بهم. {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه {سَاعَةَ} أي شيئاً قليلاً من الزمان {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} عليه، والاستفعال عند جمع على أصله، ونفي طلب التأخر والتقدم أبلغ، وقال آخرون: إنه بمعنى التفعل أي لا يتأخرون ولا يتقدمون، والجملة الثانية إما مستأنفة أو معطوفة على القيد والمقيد ومنعوا عطفها على {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} لئلا يرد أنه لا يتصور التقدم بعد مجىء الأجل فلا فائدة في نفيه، وأجازه غير واحد والفائدة عنده في ذلك المبالغة في انتفاء التأخر لأنه لما نظم في سلكه أشعر بأنه بلغ في الاستحالة إلى مرتبته فهو مستحيل مثله للتقدير الإلهي وإن أمكن في نفسه، قيل: وهذا هو السر في إيراد صيغة الاستفعال أي أنه بلغ في الاستحالة إلى أنه لا يطلب إذ المحال لا يطلب. ودفع بعضهم ذلك بأن {جَآءَ} بمعنى قارب المجىء نحو قولك: إذا جاء الشتاء فتأهب له. وتعقب بأنه ليس في تقييد عدم الاستئخار بالقرب والدنو مزيد فائدة، وأشار الزمخشري إلى جواب آخر وهو أن لا يتأخر ولا يتقدم كناية عن كونه له حد معين وأجل مضروب لا يتعداه بقطع النظر عن التقدم والتأخر كقول الحماسي: شعر : وقف الهوى بـى حيث أنت فليس لي متقدم عنه ولا متأخر تفسير : فإنه أراد كما قال المرزوقي حبسني الهوى في موضع تستقرين فيه فألزمه ولا أفارقه وأنا معك مقيمة وظاعنة لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، ووجه تقديم بيان انتفاء الاستئخار على بيان انتفاء الاستقدام قد تقدم في آية الأعراف [34] مع بسط كلام فيها؛ ثم لا يخفى أن هذه الآية داخلة في حيز الجواب ولم تعطف على ما قبلها إيذاناً باستقلالها فيه. قال العلامة الطيبـي طيب الله تعالى ثراه: إن الجواب بقوله سبحانه: {قُل لآ أَمْلِكُ} الخ وارد على الأسلوب الحكيم لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله تعالى وأنه صلوات الله تعالى وسلامه عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه فطلبوا منه تعيين الوقت تهكماً وسخرية فقيل في الجواب هذا التهكم إنما يتم إذا ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود وإذا كنت مقراً بأني مثلكم في أني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً كيف أدعي ما ليس لي بحق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح ولم يلتفت صلى الله عليه وسلم إلى تهكمهم واستبعادهم فقال: {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} الخ. وحاصله على ما في «الكشاف» ((إن عذابكم له أجل مضروب / عند الله تعالى وحد محدود من الزمان إذا جاء ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة فلا تستعجلوا، ومن هنا يعلم سر إسقاط الفاء من {إِذَا جَآء أَجَلُهُمْ} وزيادتها في {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ} على عكس آية الأعراف حيث أتى بها أولاً ولم يؤت بها ثانياً، وذلك أنه لما سيقت الآية جواباً عن استعجالهم العذاب الموعود حسبما علمت آنفاً اعتنى بأمر الشرطية ولزومها كمال الاعتناء فأتى بها غير متفرعة على شيء كأنها من الأمور الثابتة في نفسها الغير المتفرعة على غيرها وقوي لزوم التالي فيها للمقدم بزيادة الفاء التي بها يؤتى للربط في أمثال ذلك ولا كذلك آية الأعراف كما لا يخفى إلا على الأنعام فاحفظه فإنه من الأنفال، ولا يأباه ما مر في تقرير الاستفهام في صدر الكلام كما هو ظاهر لدى ذوي الأفهام، وكذا لا يأباه ما قيل في ربط هذه الآية بما قبلها من أنها بيان لما أبهم في الاستثناء وتقييد لما في القضاء السابق من الإطلاق المشعر بكون المقضي به أمراً منجزاً غير متوقف على شيء غير مجىء الرسول وتكذيب الأمة لأنه على ما فيه ما فيه إنكار المدخلية في الجواب، ولعل الغرض يتم بمجرد ذلك لحصول التغاير بين مساقي الآيتين به أيضاً، وقد يقال: إن إسقاط الفاء أولاً لتكون الجملة في موضع الصفة ـ لأجل ـ تهويلاً لأمره وتنويهاً بشأنه حسبما يقتضيه المقام، أي لكل أمة أجل موصوف بأنه إذا جاء لا يستأخرون عنه ولا يستقدمون عليه البتة، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير مثل ما مر آنفاً وليس بذاك. ومما تضحك منه الموتى ما قاله بعض العظاميين بعد أن كاد يقضى عليه فكراً من أن السر في اختلاف الآيتين الإشارة منه تعالى إلى جواز الأمرين عربية ولم يعلم عافاه الله تعالى أن القرآن الكريم لم ينزل معلماً للعربية مبيناً لقواعدها وشارحاً لما يجوز فيها وما لا يجوز، بل نزل معجزاً بفصاحته وبلاغته وما تضمنه من الأسرار أقواماً كل منهم في ذلك الشأن ـ الجذيل المحكك والعذيب المرجب ـ. وذكر بعض من أحيا ميت الفضل علمه وصفا عن تخليط أبناء العصر فهمه صفاء الدين عيسى البندنيجي أن مساق هذه الآية لتثبيت النبـي صلى الله عليه وسلم وشرح صدره عليه الصلاة والسلام عما عسى يضيق به بحسب البشرية من قولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [يونس: 48] ولتلقينه صلى الله عليه وسلم رد قولهم ذلك كما يشعر به السباق فناسب قطع كل من الجملتين عن الأخرى ليستقل كل منهما في إفادة التثبيت والرد للتأكيد والمبالغة فيها ولذا لم يؤت بالفاء في صدر الشرطية وجىء بها في الجواب زيادة في ذلك لإفادتها تحقق ما بعدها عقيب ما يقتضيه بلا مهلة، وآية الأعراف سيقت وعيداً لأهل مكة، ومن البين أن محط الفائدة في إشعار أنه وعيد وأن ما هو أدخل في التخويف الجملة الشرطية، لأنها النص في نزول العذاب عند حلول الأجل وأنه لا محيص لهم عن ذلك عنده دون {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} فقط فكان المقام مقام ربط ووصل فجىء بالفاء لتدل على ذلك وتؤذن باتحاد الجملتين في كونهما وعيداً ولمسامحته سبحانه في الوعيد لم يؤت بالفاء في الجواب انتهى. ولعل ما قدمناه ليس بالبعيد عنه من وجه وإن خالفه من وجه آخر ولكل وجهة والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن لكل أمة أجلاً، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}تفسير : [الحجر: 5] وقوله: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [نوح: 4] وقوله: {أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} تفسير : [المنافقون: 11] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لنفسي ضراً: أي لا أقدر على دفع الضر إذا لم يُعِنِّي الله تعالى. ولا نفعاً: أي لا أقدر على أن أجلب لنفسي نفعاً إذا لم يُرده الله تعالى لي. لكل أمة أجل: أي وقت معين لهلاكها. فلا يستأخرون ساعة: أي عن ذلك الأجل. ولا يستقدمون: أي عليه ساعة. قل أرأيتم: أي قل لهم أخبروني. أثم إذا ما وقع: أي حل العذاب. عذاب الخلد: أي الذي يخلدون فيه فلا يخرجون منه. ويستنبئونك: أي ويستخبرونك. قل إي: أي نعم. وما أنتم بمعجزين: أي بفائتين العذاب ولا ناجين منه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين فقد طلبوا في الآيات السابقة بالعذاب فقالوا {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}تفسير : [يونس: 48] أي بالعذاب {أية : إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [يونس: 48] فأمر الله تعالى رسوله في هذه الآيات أن يقول لهم إني {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً} أي لا أملك دفع الضر عني، ولا جلب النفع لي إذا لم يشأ الله تعالى ذلك، فكيف أعلم الغيب وأعرف متى يأتيكم العذاب كما لا أقدر على تعجيله إن كان الله يريد تأجيله، واعلموا أنه لكل أمة من الأمم أجل أي وقت محدد لهلاكها وموتها فيه، فلا يتأخرون عنه ساعة ولا يتقدمون عليه بأخرى فلذا لا معنى لمطالبتكم بالعذاب. وشيء آخر أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم العذاب الذي تستعجلونه بياتاً أي ليلاً أو نهاراً أتطيقونه وتقدرون على تحمله إذاً فماذا تستعجلون منه أيها المجرمون إنكم تستعجلون أمراً عظيماً. وقوله تعالى {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}؟ أي أتستمرون على التكذيب والعناد، ثم إذا وقع آمنتم به، وهل ينفعكم إيمانكم يومئذ؟ فقد يقال لكم توبيخاً وتقريعاً الآن تؤمنون به، وقد كنتم به تستعجلون. وقوله تعالى {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}؟ يخبر تعالى أنه إذا دخل المجرمون النار وهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ذوقوا - تهكماً بهم - عذاب الخلد أي العذاب الخالد الذي لا يفني ولا يبيد إنكم ما تجزون أي ما تثابون إلا بما كنتم تكسبونه من الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ}؟ أي ويستخبرك المشركون المعاندون قائلين لك أحق ما تعدنا به من العذاب يوم القيامة؟ أجبهم بقولك {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} الله ولا فائتينه بل لا بد وأن يلجئكم إلى العذاب إلجاءً، ويذيقكموه عذاباً أليماً دائماً وأنتم صاغرون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا يملك أحد من الخلق لنفسه فضلاً عن غيره ضراً يدفعه ولا نفعاً يجلبه إلا بإذن الله تعالى ومشيئته، وخاب الذين يُعولون على الأولياء في جلب النفع لهم ودفع الشر عنهم. 2- الآجال محدودة لا تتقدم ولا تتأخر فلذا لا معنى للجبن من العبد. 3- لا ينفع الإِيمان ولا التوبة عند معاينة العذاب أو مَلَك الموت. 4- جواز الحلف بالله إذا أريد تأكيد الخبر. 5- إي حرف إجابة وتقترن دائماً بالقسم نحو إي والله، إي وربي.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَأْخِرُونَ} (49) - قُلْ لِهَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلِينَ بِالعَذَابِ: إِنِّي بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً، وَلاَ أَمْلِكُ إِنْزَالَ العَذَابِ بِالكُفَّارِ المُعَانِدِينَ، ولا تَحْقِيقَ النَّصْرِ لِلْمُؤْمِنينَ، والقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، يُحَقِّقُهُ مَتَى شَاءَ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، فَإِذا جَاءَ الأَجَلُ فَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يُقَدِّمَهُ أَوْ يُؤَخِّرَهُ سَاعَةً عَنِ الوَقْتِ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والرسول صلى الله عليه وسلم يبرِّىء نفسه من كل حَوْل وطَوْل، ويعلن ما أمره الحق سبحانه أن يعلنه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً؛ لأن النفع أو الضر بيد خالقه سبحانه، وهو سبحانه وتعالى خالقكم، وكل أمر هو بمشيئته سبحانه. وهذه الآية جاءت ردّاً على سؤالهم الذي أورده الحق سبحانه في الآية السابقة: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس: 48]. لقد تساءلوا بسخرية عن هذا الوعد بالعذاب، وكأنهم استبطأوا نزول العذاب تهكُّماً، وهذا يدل على أن قول الحق سبحانه: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [يونس: 47]. هذه الآية لم تنزل ليوم القيامة، بل نزلت لتوضح موقف مَنْ كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قالوا بعد ذلك: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس: 48]. وهذا يعني أنهم قالوا هذا القول قبل أن تقوم القيامة، والآية التي توضح أن لكل أمة رسولاً تؤيدها آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]. وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 131]. وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ..}تفسير : [طه: 134]. وكل ذلك يؤيد أن الرسول المرسل إلى الأمة هو الرسول الذي جاء بمنهج الله تعالى، فآمن به قوم، وكذَّب به آخرون، وقضى الله بين المؤمنين والكافرين بأن خذل الكافرين ونصر المؤمنين. وإن استبطأ الكافرون الخذلان فلسوف يرونه؛ ولذلك أمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ..} [يونس: 49]. أي: أنكم إن كنتم تسألون محمداً صلى الله عليه وسلم عن الضر والنفع، فهو صلى الله عليه وسلم مبلِّغ عن الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضَرّاً ولا نفعاً، فضلاً عن أن يملك لهم هم ضَرّاً أو نفعاً، وكل هذا الأمر بيد الله تعالى، ولكل أمة أجلٌ ينزل بالذين كفروا فيها بالعذاب، ويقع فيها القول الفصل. وقول الحق سبحانه: {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ..} [يونس: 49]. يفيدُ أن مشيئة الله هي الفاصلة، ويدل على أن النبي والناس لا يملكون لأنفسم الضر أو النفع؛ لأن الإنسان خُلِق على هيئة القَسْر في أمور، وعلى هيئة الاختيار في أمور أخرى، والاختيار هو في الأمور التكليفية مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29]. وأنت حُرٌّ في أن تطيع أو أن تعصي، وكل ذلك داخل في نطاق اختيارك، وإن صنع الإنسان طاعة، فهو يصنع لنفسه نفعاً، وإن صنع معصية، صنع لنفسه ضَرّاً. إذن: فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع. ومثال ذلك: من ينتحر بأن يشنق نفسه، فهو يأتي لنفسه بالضر، وقد ينقذه أقاربه، وذلك بمشيئة الله سبحانه. إذن: ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان - بمشيئة الله - الضر أو النفع لنفسه، والله سبحانه يبين لنا أن لكل أمة أجلاً، فلا تحددوا أنتم آجال الأمم؛ لأن آجالهم - استئصالاً، أو عذاباً - هي من عند الله سبحانه وتعالى. والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه، فالله تعالى مُنزَّه أن يكون موظفاً عند الخلق، بل هو الخالق الأعلى سبحانه وتعالى. وهو سبحانه القائل: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37]. وهو سبحانه القائل: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11]. إذن: فالحق سبحانه يؤخِّر مراداته رحمة بالخَلْق، وإذا جاء الأجل فهو لا يتأخر عن ميعاده، ولا يتقدم عن ميعاده. لذلك يقول الحق سبحانه: {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49]. وقوله سبحانه: {يَسْتَقْدِمُونَ} ليست من مدخلية جواب الشرط الذي جاء بعد {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ ..} [يونس: 49]. لأن الجواب هو: {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ}. فهم لا يستقدمون قبل أن يحين الأجل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):