Verse. 1414 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ اَرَءَيْتُمْ اِنْ اَتٰىكُمْ عَذَابُہٗ بَيَاتًا اَوْ نَہَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْہُ الْمُجْرِمُوْنَ۝۵۰
Qul araaytum in atakum AAathabuhu bayatan aw naharan matha yastaAAjilu minhu almujrimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أرأيتم» أخبروني «إن أتاكم عذابه» أي الله «بياتا» ليلا «أو نهارا ماذا» أيُّ شيء «يستعجل منه» أي العذاب «المجرمون» المشركون، فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط: كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني، والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم { أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يونس:48] وفيه مسائل: المسألة الأولى: حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم نؤمن عنده، فذلك باطل، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر، وذلك لا يفيد نفعاً ألبتة، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه، وهو أنه يقال: للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } فحاصل هذا الجواب: أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك. المسألة الثانية: قوله: {بَيَاتًا } أي ليلاً يقال بت ليلتي أفعل كذا، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهراً في البيت، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهراً في الظل. وانتصب {بياتاً} على الظرف أي وقت بيات وكلمة {مَاذَا } فيها وجهان: أحدهما: أن يكون ماذا اسماً واحداً ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله، ويجوز أن يكون {ذا} بمعنى الذي، فيكون {ماذا} كلمتين ومحل {ما} الرفع على الابتداء وخبره {ذا} وهو بمعنى الذي، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون. واعلم أن قوله: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا } شرط. وجوابه: قوله {ماذا يستعجل منه المجرمون}، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، يعني: إن حصل هذا المطلوب، فأي مقصود تستعجلونه منه. وأما قوله: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله: { أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } تفسير : [الأعراف: 98] { أية : أَفَأَمِنَ } تفسير : [الأعراف: 97] وهو يفيد التقريع والتوبيخ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون، يقال: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء، وقرىء {آلان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام. وأما قوله: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ } فهو عطف عى الفعل المضمر قبل {آلان} والتقدير: قيل: آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد. وأما قوله تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } ففيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن سائلاً يسأل يقول: يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد، فهو تعالى يقول: «أنا ما عاملته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل» وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب، وجانب العذاب مرجوح مغلوب. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل، أما عند الفلاسفة فهو أثر العمل، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى وأما عند أهل السنة، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض. المسألة الثالثة: الآية تدل على كون العبد مكتسباً خلافاً للجبرية، وعندنا أن كونه مكتسباً معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة طويلة معروفة بدلائلها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} ظرفان، وهو جواب لقولهم: «مَتَى هَذَا الْوَعْدُ» وتسفيهٌ لآرائهم في استعجالهم العذاب؛ أي إن أتاكم العذاب فما نَفْعُكم فيه، ولا ينفعكم الإيمان حينئذ. {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} استفهام معناه التهويل والتعظيم؛ أي ما أعظم ما يستعجلون به؛ كما يقال لمن يطلب أمراً يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك! والضمير في «منه» قيل: يعود على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى. قال النحاس: إن جعلت الهاء في «منه» تعود على العذاب كان لك في «ماذا» تقديران: أحدهما أن يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، وهو خبر «ما» والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون «ماذا» اسماً واحداً في موضع رفع بالابتداء، والخبر في الجملة، قاله الزجاج: وإن جعلت الهاء في «منه» تعود على اسم الله تعالى جعلت «ما»، و «ذا» شيئاً واحداً، وكانت في موضع نصب بـ «يستعجل»؛ والمعنى: أيّ شيء يستعجل منه المجرمون من الله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُهُ } أي الله {بَيَٱتًا } ليلاً {أَوْ نَهَارًا مَّاذَا } أيّ شيء {يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ } أي العذاب {ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون؟ فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط: كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني؟ والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } هذا منه سبحانه تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأوّل: أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله {بَيَاتًا } أي: وقت بيات، والمراد به: الوقت الذي يبيتون فيه، وينامون ويغفلون، عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر كالسلام بمعنى التسليم، وهو منتصب على الظرفية، وكذلك نهاراً: أي وقت الاشتغال بطلب المعاش والكسب، والضمير في {منه} راجع إلى العذاب، وقيل: راجع إلى الله، والاستفهام في: {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ } للإنكار المتضمن للنهي، كما في قوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } تفسير : [النحل: 1] ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم: أن العذاب مكروه تنفر منه القلوب، وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له؟ والجملة المصدرة بالاستفهام جواب الشرط بحذف الفاء، وقيل: إن الجواب محذوف، والمعنى: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ منكم فيه. وقيل: إن الجواب قوله: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } وتكون جملة {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ } اعتراضاً، والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان. والأوّل: أولى. وإنما قال: {يستعجل منه المجرمون}، ولم يقل: يستعجلون منه؛ للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام؛ لأن من حقّ المجرم أن يخاف من العذاب بسبب إجرامه، فكيف يستعجله؟ كما يقال لمن يستوخم أمراً إذا طلبه: ماذا تجني على نفسك. وحكى النحاس، عن الزجاج، أن الضمير في {مِنْهُ } إن عاد إلى العذاب كان لك في {مَاذَا } تقديران: أحدهما: أن تكون "ما" في موضع رفع بالابتداء، و"ذا" بمعنى الذي، وهو خبر ما، والعائد محذوف. والتقدير الآخر: أن يكون {مَاذَا } اسماً واحداً في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، وإن جعل الضمير في {مِنْهُ } عائداً إلى الله تعالى، كان {مَاذَا } شيئاً واحداً في موضع نصب بـ {يستعجل}، والمعنى: أيّ شيء يستعجل منه المجرمون: أي من الله عزّ وجلّ. ودخول الهمزة الاستفهامية في {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } على ثم كدخولها على الواو والفاء، وهي لإنكار إيمانهم، حيث لا ينفع الإيمان، وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل عليهم، وتفظيع ما فعلوه في غير وقته، مع تركهم له في وقته الذي يحصل به النفع والدفع، وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به، وجيء بكلمة "ثم" التي للتراخي؛ دلالة على الاستبعاد. وجيء بـ {إذا} مع زيادة ما للتأكيد؛ دلالة على تحقق وقوع الإيمان منهم في غير وقته، ليكون في ذلك زيادة استجهال لهم، والمعنى: أبعد ما وقع عذاب الله عليكم، وحلّ بكم سخطه وانتقامه آمنتم، حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئاً، ولا يدفع عنكم ضرّاً. وقيل إن هذه الجملة: ليست داخلة تحت القول المأمور به، وأنها من قول الملائكة استهزاء بهم، وإزراء عليهم. والأول: أولى. وقيل: إن ثم هاهنا، هي بفتح الثاء، فتكون ظرفية بمعنى هناك. والأوّل: أولى. قوله: {الآن وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} قيل: هو استئناف بتقدير القول، غير داخل تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به وقد كنتم به تستعجلون: أي بالعذاب تكذيباً منكم واستهزاء؛ لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والاستهزاء، ويكون المقصود بأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول: التوبيخ لهم، والاستهزاء بهم، والإزراء عليهم، وجملة {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في محل نصب على الحال، وقرىء: «آلان» بحذف الهمزة التي بعد اللام، وإلقاء حركتها على اللام. قوله: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ } معطوف على الفعل المقدّر، قيل: آلآن، والمراد منه: التقريع والتوبيخ لهم: أي قيل للذين ظلموا أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان: إن هذا الذي تطلبونه ضرر محض، عار عن النفع من كل وجه، والعاقل لا يطلب ذلك، ويقال لهم على سبيل الإهانة لهم: ذوقوا عذاب الخلد: أي العذاب الدائم الذي لا ينقطع، والقائل لهم هذه المقالة، والتي قبلها، قيل: هم: الملائكة الذين هم: خزنة جهنم. ولا يبعد أن يكون القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص، أو المؤمنون على العموم {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } في الحياة من الكفر والمعاصي. والاستفهام للتقرير، وكأنه يقال لهم هذا القول عن استغاثتهم من العذاب، وحلول النقمة. ثم حكى الله سبحانه عنهم بعد هذه البيانات البالغة، والجوابات عن أقوالهم الباطلة: أنهم استفهموا تارة أخرى عن تحقق العذاب، فقال: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } أي: يستخبرونك عن جهة الاستهزاء منهم والإنكار، أحق ما تعدنا به من العذاب في العاجل والآجل، وهذا السؤال منهم جهل محض. وظلمات بعضها فوق بعض، فقد تقدّم ذكره عنهم مع الجواب عليه، فصنيعهم في هذا التكرير صنيع من لا يعقل ما يقول، ولا يقال له؛ وقيل: المراد بهذا الاستخبار منهم هو: عن حقية القرآن، وارتفاع حق على أنه خبر مقدّم. والمبتدأ هو الضمير الذي بعده، وتقديم الخبر للاهتمام، أو هو مبتدأ، والضمير مرتفع به سادّ مسدّ الخبر، والجملة في موضع نصب بـ {يستنبئونك}، وقرىء «آلحق هو» على أن اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل. قوله: {قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة جواباً عن استفهامهم الخارج مخرج الاستهزاء، أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى ما هو مقصودهم من الاستهزاء: إي وربي إنه لحق، أي نعم، وربي إن ما أعدّكم به من العذاب لحق ثابت كائن لا محالة. وفي هذا الجواب تأكيد من وجوه: الأوّل: القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم الواقع موقع نعم. الثاني: دخول إن المؤكدة؛ الثالث: اللام في لحق؛ الرابع: إسمية الجملة، وذلك يدلّ على أنهم قد بلغوا في الإنكار والتمرّد إلى الغاية التي ليست وراءها غاية، ثم توعدهم بأشدّ توعد، ورهبهم بأعظم ترهيب، فقال: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي: فائتين العذاب بالهرب والتحيل الذي لا ينفع، والمكابرة التي لا تدفع من قضاء الله شيئاً، وهذه الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم، أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم من عذاب الله بوجه من الوجوه. ثم زاد في التأكيد، فقال: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ } أي: ولو أن لكل نفس من الأنفس المتصفة بأنها ظلمت نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان به ما في الأرض، من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة، والذخائر الفائقة لافتدت به: أي جعلته فدية لها من العذاب، ومثله قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }تفسير : [آل عمران: 91] وقد تقدّم قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} الضمير راجع إلى الكفار، الذين سياق الكلام معهم. وقيل: راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس. ومعنى {أسروا}: أخفوا، أي لم يظهروا الندامة بل أخفوها، لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم، وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم، وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا، فأسرّوا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون، وقيل: أسرّها الرؤساء فيما بينهم دون أتباعهم، خوفاً من توبيخهم لهم، لكونهم هم الذين أضلوهم، وحالوا بينهم وبين الإسلام؛ ووقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا }تفسير : [المؤمنون: 106]. وقيل: معنى {أسروا}: أظهروا. وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها، ومنه قول كثير:شعر : فأسررت الندامة يوم نادى بردّ جمال عاضرة المنادى تفسير : وذكر المبرد في ذلك وجهين: الأوّل: أنها بدت في وجوههم أسرة الندامة، وهي الإنكسار، واحدها: سرار، وجمعها: أسارير، والثاني: ما تقدّم. وقيل معنى: {أَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ } أخلصوها؛ لأن إخفاءها إخلاصها، و{لَّمّاً } في قوله: {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ } ظرف بمعنى حين منصوب بأسرّوا، أو حرف شرط جوابه محذوف للدلالة ما قبله عليه {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } أي: قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين، أو بين الرؤساء والأتباع، أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين. وقيل: معنى القضاء بينهم: إنزال العقوبة عليهم، والقسط: العدل، وجملة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } في محل نصب على الحال، أي: لا يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حلّ بهم، فإنه بسبب ما كسبوا. وجملة {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } مسوقة لتقرير كمال قدرته؛ لأن من ملك ما في السموات والأرض، تصرف به كيف يشاء، وغلب غير العقلاء لكونهم أكثر المخلوقات، قيل: لما ذكر سبحانه افتداء الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك بين أن الأشياء كلها لله، وليس لهم شيء يتمكنون من الافتداء به. وقيل: لما أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يصحب ذلك بدليل البرهان البين بأن ما في العالم على اختلاف أنواعه ملكه، يتصرّف به كيف يشاء، وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه تنبيه للغافلين، وإيقاظ للذاهلين، ثم أكد ما سبق بقوله: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: كائن لا محالة، وهو عامّ يندرج فيه ما استعجلوه من العذاب اندراجاً أوّلياً، وتصدير الجملة بحرف التنبيه، كما قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي: الكفار {لاَّ يَعْلَمُونَ } ما فيه صلاحهم، فيعملون به، وما فيه فسادهم فيجتنبونه {هُوَ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } يهب الحياة ويسلبها. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الدار الآخرة، فيجازي كلاً بما يستحقه، ويتفضل على من يشاء من عباده. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } يعني: القرآن فيه ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه، والوعظ في الأصل: هو: التذكير بالعواقب سواء كان بالترغيب أو الترهيب، والواعظ هو كالطبيب ينهى المريض عما يضرّه، و{مِنْ} في {مّن رَّبّكُمْ } متعلقة بالفعل، وهو {جاءتكم}، فتكون ابتدائية، أو متعلقة بمحذوف، فتكون تبعيضية {وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ } من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين، لوجود ما يستفاد منه في من العقائد الحقة، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة، والهدى: الإرشاد لمن اتبع القرآن، وتفكر فيه، وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة، والرحمة: هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم الله بها عباده، فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها، فالقرآن العظيم مشتمل على هذه الأمور. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الخطاب معه بعد خطابه للناس على العموم، فقال: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } المراد بالفضل من الله سبحانه: هو تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر، والرحمة: رحمته لهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام. وروي عن الحسن والضحاك، ومجاهد وقتادة، أن فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. والأولى: حمل الفضل والرحمة على العموم، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولاً أوّلياً، وأصل الكلام: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني في قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } عليه، قيل: والفاء في هذا الفعل المحذوف داخلة في جواب شرط مقدّر، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح. وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب مستقلّ في الفرح، والفرح: هو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب، وقد ذمّ الله سبحانه الفرح في مواطن كقوله: {أية : لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ }تفسير : [القصص: 76] وجوّزه في قوله: {أية : فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }تفسير : [آل عمران: 170] وكما في هذه الآية، ويجوز أن تتعلق الباء في {بفضل الله وبرحمته} بقوله: {جَاءتْكُمُ }، والتقدير: جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك: أي فبمجيئها، فليفرحوا، وقرأ يزيد بن القعقاع ويعقوب «فلتفرحوا» بالفوقية، وقرأ الجمهور بالتحتية، والضمير في {هو خير} راجع إلى المذكور من الفضل والرحمة، أو إلى المجيء على الوجه الثاني، أو إلى اسم الإشارة في قوله {فَبِذَلِكَ } والمعنى: أن هذا خير لهم مما يجمعون من حطام الدنيا. وقد قرىء بالتاء الفوقية في {يَجْمَعُونَ } مطابقة للقراءة بها في {فلتفرحوا}. وقد تقرّر في العربية أن لام الأمر تحذف مع الخطاب إلا في لغة قليلة، جاءت هذه القراءة عليها، قورأ الجمهور بالمثناة التحتية في يجمعون، كما قرءوا في {فليفرحوا}. وروي عن ابن عامر أنه قرأ بالفوقية في "يجمعون"، والتحتية في "فلتفرحوا". وقد أخرج الطبراني، وأبو الشيخ، عن أبي الأحوص، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فوصف له الخمر، فقال: سبحان الله! ما جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شيء من القرآن والعسل، فهما شفاء لهما في الصدور، وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، قال: إن الله جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أشتكي صدري، فقال: "حديث : اقرأ القرآن، يقول الله: شفاء لما في الصدور»تفسير : . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن واثلة بن الأسقع، أن رجلاً شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وجع حلقه، قال: «حديث : عليك بقراءة القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء.»تفسير : وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبيّ قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتاء يعني الفوقية، وقد روى نحو هذا من غير هذه الطريق. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ } قال: "حديث : بفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله"تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط، عن البراء، مثله من قوله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، في الآية قال: بكتاب الله بالإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه قال: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه أيضاً قال. بفضل الله: القرآن، وبرحمته: حين جعلهم من أهله. وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدّمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، هو خير مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَسْتَنْبئُونَكَ} أي يستخبرونك، وهو طلب النبأ. {أََحَقٌّ هُوَ} فيه وجهان: أحدهما: البعث، قاله الكلبي. الثاني: العذاب في الآخرة. {قُلْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} فأقسم مع إخباره أنه حق تأكيداً. {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} فيه وجهان: أحدهما: بممتنعين. الثاني: بسابقين، قاله ابن عباس. قوله عز وجل: {وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُْ الْعَذَابَ} فيه وجهان: أحدهما: أخفوا الندامة وكتموها عن رؤسائهم، وقيل بل كتمها الرؤساء عن أتباعهم. الثاني: أظهروها وكشفوها لهم. وذكر المبرد فيه وجهاً ثالثاً: أنه بدت بالندامة أَسِرّةُ وجوههم وهي تكاسير الجبهة. {وَقُضِيَ بَيْنَهُم} فيه وجهان: أحدهما: قضي بينهم وبين رؤسائهم، قاله الكلبي. الثاني: قضى عليهم بما يستحقونه من عذابهم.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قال يا أيها الكفرة المستعجلون عذاب الله عز وجل {أرأيتم إن أتاكم عذابه} ليلاً وقت المبيت، يقال: بيت القوم القوم إذا طرقوهم ليلاً بحرب أو نحوها {أو نهاراً } لكم منه منعة أو به طاقة؟ فماذا تستعجلون منه، وأنتم لا قبل لكم به؟ و" ما" ابتداء و"ذا " خبره، ويصح أن تكون {ماذا } بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء وخبره الجملة التي بعده، وضعف هذا أبو علي وقال: إنما يجوز ذلك على تقدير إضمار في {يستعجل } وحذفه كما قال [أبو النجم ]: [الرجز ] شعر : كله لم أصنع تفسير : وزيدت ضربت قال: ويصح أن تكون {ماذا } في حال نصب لـ {يستعجل } ، والضمير في {منه} يحتمل أن يعود على الله عز وجل، ويحتمل أن يعود على " العذاب " وقوله {أثم إذا ما وقع } الآية، عطف بقوله {ثم } جملة القول على ما تقدم ثم أدخل على الجميع ألف التقرير، ومعنى الآية: إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به حينئذ، وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به، وقرأ طلحة بن مصرف "أثَم" بفتح الثاء، وقال الطبري في قوله "ثُم" بضم الثاء، معناه هنالك وقال: ليست "ثُم" هذه التي تأتي بمعنى العطف. قال القاضي أبو محمد: والمعنة صحيح على أنها " ثم " المعروفة ولكن إطباقه على لفظ التنزيل هو كما قلنا، وما ادعاه الطبري غير معروف و {الآن } أصله عند بعض النحاة آن فعل ماض دخلت عليه الألف واللام على حدها في قوله: الحمار اليجدع ولم يتعرف بذلك كل التعريف ولكنها لفظة مضمنة معنى حرف التعريف ولذلك بنيت على الفتح لتضمنها معنى الحرف ولوقوعها موقع المبهم لأن معناها هذا الوقت، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وعاصم والجمهور {الآن } بالمد والاستفهام على حد التوبيخ، وكذلك {أية : الآن وقد عصيت} تفسير : [يونس: 91] وقرأها باستفهام بغير مد طلحة والأعرج. وقوله تعالى: {ثم قيل للذين ظلموا } الآية، هو الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخص الذي هو ظلم الكفر لا ظلم المعصية، وقوله {هل تجزون } توقيف وتوبيخ، ونصت هذه الآية على أن الجزاء في الآخرة، هو على تكسب العبد، وقوله {ويسألونك} معناه يستخبرونك، وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين: أحدهما الكاف، والآخر في الابتداء والخبر، وقيل هي بمعنى يستعلمونك، فهي على هذا تحتاج إلى مفعولين ثلاثة: أحدها الكاف، والابتداء والخبر يسد مسد المفعولين، و{أحق هو} قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن، وقيل: إلى الوعيد وهو الأظهر، وقرأ الأعمش " الحق هو " بمدة وبلام التعريف، وقوله {إي}، هي لفظة تتقدم القسم وهي بمعنى "نعم" ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء، تقول: {إي وربي } وإي ربي و{معجزين } معناه مفلتين، وهذا الفعل أصله تعدية عجز لكن كثر فيه حذف المفعول حتى قالت العرب: أعجز فلان، إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً} الآية. هذا جواب ثانٍ عن قولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}تفسير : [يونس:48] وقد تقدَّم الكلام على "أرَأيْتَ" هذه، وأنَّها تتضمَّن معنى: أخبرني، فتتعدَّى إلى اثنين، ثانيهما غالباً جملةٌ استفهاميَّة، فينعقد منها مع ما قبلها مبتدأٌ وخبرٌ، كقولهم: "أرأيتكَ زيداً ما صنع" وتقدَّم مذاهبُ النَّاسِ فيها في "عذاب"، والمسألةُ من إعمال الثاني؛ إذ هو المختار عند البصريِّين، ولمَّا أَعمله أضمر في الأول وحذفه؛ لأنَّ إبقاءه مخصوصٌ بالضَّرورة، أو جائزُ الذِّكْرِ على قلَّةٍ عند آخرين، ولو أعمل الأول، لأضمر في الثاني إذ الحذف منهُ لا يكونُ إلاَّ في ضرورة، أو في قليلٍ من الكلام. ومعنى الكلام: قل لهم يا محمد: أخبروني عن عذاب الله، إن أتاكم أيُّ شيءٍ تستعجلون منه، وليس شيءٌ من العذاب يستعجل به؛ لمرارته، وشدَّة إصابته، فهو مُقْتَضٍ لنُفُورِ الطبع منه. قال الزمخشري: "فإن قلت: بم يتعلَّق الاستفهامُ، وأين جوابُ الشَّرط؟ قلت: تعلَّق بـ "أرَأيْتُمْ" لأنَّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجوابُ الشَّرط محذوفٌ، وهو: تندمُوا على الاستعجَال، أو تعرفُوا الخطأ فيه". قال أبو حيَّان: "وما قدَّره غيرُ سائغ؛ لأنَّه لا يقدَّر الجوابُ إلاَّ ممَّا تقدَّمه لفظاً أو تقديراً، تقول: "أنت ظالمٌ إن فعلت" التقدير: إن فعلت، فأنت ظالمٌ، وكذلك {أية : وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة:70] التقدير: إن شاء الله نَهْتَدِ، فالذي يُسَوِّغ أن يقدر: إن أتاكم عذابه، فأخبروني ماذا يستعجلُ منهُ المجرمُونَ. وقال الزمخشريُّ أيضاً: "ويجوز أن يكون {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} جواباً للشرط كقولك: إن أتيتُك ما تُطْعمني؟ ثم تتعلَّق الجملةُ بـ "أرأيْتُمْ"، وأن يكون "أثمَّ إذا ما وقع آمنتُم به" جواباً للشَّرْطِ، و {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} اعتراضاً، والمعنى: إن أتاكم عذابه، آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان. قال أبو حيَّان: "وأمَّا تجويزهُ أن يكون "مَاذَا" جواباً للشَّرط فلا يصحُّ؛ لأنَّ جواب الشَّرط إذا كان استفهاماً، فلا بُدَّ فيه من الفاءِ تقول: إنْ زارنا فلانٌ، فأيُّ رجلٍ هو، وإن زارنا فلانٌ، فأيُّ يدٍ لهُ بذلك، ولا يجوزُ حذفها إلاَّ إن كان في ضرورةٍ، والمثالُ الذي ذكره وهو "إنْ أتَيْتُكَ ما تُطعمني؟" هو من تمثيله، لا من كلام العرب. وأمَّا قوله: ثُمَّ تتعلَّق الجملةُ بـ "أرَأيْتُم" إن عنى بالجملة "مَاذَا يَسْتعجِلُ" فلا يصح ذلك؛ لأنَّه قد جعلها جواباً للشَّرْطِ، وإن عنى بالجملةِ جملة الشَّرطِ، فقد فسَّر هو "أرَأيْتُمْ" بمعنى: أخبرُوني، و "أخبرني" يطلب متعلِّقاً مفعولاً، ولا تقع جملةُ الشَّرطِ موقع مفعول "أخبرني"، وأمَّا تجويزه أن يكون: "أثُمَّ إذا ما وقعَ آمنتُم بِهِ" جواباً للشَّرطِ، و {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} اعتراضاً، فلا يصحُّ أيضاً لما ذكرناه: من أن جملة الاستفهام لا تقع جواباً للشَّرط إلاَّ ومعها فاءُ الجواب، وأيضاً: فـ "ثُمَّ" هنا حرف عطفٍ تعطفُ الجملة التي بعدها على التي قبلها، فالجملةُ الاستفهاميَّة معطوفة، وإذا كانت معطوفة، لم يصحَّ أن تقع جواب الشَّرط، وأيضاً: فـ "أرَأيْتُمْ" بمعنى: "أخبروني" يحتاج إلى مفعول، ولا تقع جملة شرطٍ موقعه". وكون "أرأيتم" بمعنى "أخبروني" هو الظاهر المشهور، وقال الحوفيُّ: "الرؤية من رؤية القلب التي بمعنى العلم؛ لأنَّها داخلةٌ على الجملة من الاستفهام التي معناها: التقرير، وجواب الشرط محذوفٌ، وتقدير الكلام: أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون، إن أتاكم عذابه" انتهى. فهذا ظاهرٌ في أنَّ "أرأيتم" غير مضمنةٍ معنى الإخبار، وأنَّ الجملة الاستفهاميَّة سدَّت مسدَّ المفعولين، ولكنَّ المشهور الأول. قوله: "مَاذَا يَسْتَعجلُ" قد تقدَّم الكلامُ على هذه الكلمة، ومذاهب النَّاس فيها [البقرة:26]، وجوَّز بعضهم هنا أن تكون "ما" مبتدأ، و "ذا" خبره، وهو موصولٌ بمعنى: "الَّذي"، و "يَسْتَعْجِل" صلته، وعائده محذوفٌ تقديره: أيُّ شيء الذي يستعجله منه، أي: من العذاب، أو من الله - تعالى -. وجوَّز مكي، وغيره: أن يكون "مَاذَا" كلُّه مبتدأ، أي: يجعل الاسمان بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، والجملة بعده خبر، قال أبو عليٍّ: "وهو ضعيفٌ: لخلوِّ الجملة من ضمير يعُود على المبتدأ". وقد أجاب أبو البقاء عن هذا، فقال: "ورُدَّ هذا القول بأنَّ الهاء في "مِنْهُ" تعودُ على المبتدأ؛ كقولك: زيدٌ أخذتُ منه درهماً". قال شهاب الدِّين: "ومثلُ أبي علي لا يخفى عليه مثل ذلك، إلاَّ أنَّه لا يرى عود الهاء على الموصول؛ لأنَّ الظاهر عودها على العذاب". قال أبو حيَّان: "والظَّاهرُ عودُ الضمير في "مِنْه" على العذاب، وبه يحصل الرَّبْطُ لجملة الاستفهام بمفعول "أرأيتم" المحذوف الذي هو مبتدأ في الأصل". وقال مكي: "وإن شئت جعلت "ما"، و "ذا" بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفع بالابتداء، والجملة التي بعدهُ الخبر، والهاءُ في "منهُ" تعود أيضاً على العذاب". قال شهابُ الدِّين: "فقد ترك المبتدأ بلا رابطٍ لفظي، حيث جعل الهاءَ عائدةً على غير المبتدأ، فيكون العائدُ عنده محذوفاً، لكنَّه قال بعد ذلك: "فإن جعلت الهاء في "منهُ" تعود على الله - جلَّ ذكره -، و "ما" و "ذا" اسماً واحداً، كانت "ما" في موضع نصبٍ بـ "يستعجل" والمعنى: أيَّ شيء يستعجلُ المجرمون من الله" فقوله هذا يؤذن بأنَّ الضمير لمَّا عاد على غير المبتدأ، جعله مفعولاً مقدماً، وهذا الوجه بعينه جائزٌ فيما إذا جعل الضمير عائداً على العذاب. ووجه الرَّفع على الابتداء جائزٌ، فيما إذا جعل الضمير عائداً على الله - تعالى -، إذ العائدُ الرَّابطُ مقدرٌ، كما تقدم التنبيهُ عليه". حاصل الجواب: أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب: بتقدير أن يحصل هذا المطلوبُ، ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم نؤمن عنده، فذلك باطل؛ لأنَّ الإيمان في ذلك الوقت لا يفيد نفعاً ألبتَّة؛ لأنَّه إيمان في وقت انحباس النفس؛ فثبت أنَّ الذي تطلبونه لو أتاكم، لم يحصل منه إلاَّ العذاب في الدنيا، ثم يحصل عقيبة يوم القيام عذابٌ آخر أشدُّ منه، ثم يقرون ذلك العذاب بكلام يدل على الإهانةِ، وهو قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}. فالحاصل: أنَّ هذا الذي تطلبونه محضُ الضَّرر العادي من جهات النفع، والعاقل لا يفعل ذلك. وقوله: "بَيَاتاً" أي: ليلاً يقال: بت ليلتي أفعل كذا؛ لأنَّ الظاهر أنَّ الإنسان يكون في البيت بالليل؛ فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل، والبيات: مصدر مثل التَّبييت؛ كالوداع، والسراح، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا؛ لأنَّ الظاهر أن الإنسان يكون في النهار في الظِّلِّ، وانتصب "بياتاً" على الظرف أي: وقت بيات. قوله: "أثُمَّ" قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملة بين همزة الاستفهام، وحرف العطف، و "ثمَّ": حرفُ عطف. واعلم: أنَّ دخول حرف الاستفهام على "ثُمَّ" كدخوله على "الواوِ" و "الفاء" في قوله: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأعراف:98]، {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأعراف:97] وهو يفيد التَّقريع والتَّوبيخ، وقال الطبري: "أثُمَّ" هذه بضمِّ الثاء ليست التي بمعنى: العطف، وإنَّما هي بمعنى: "هنالك" وهذا لا يوافقُ عليه؛ لأنَّ هذا المعنى لا يعرفُ في "ثُمَّ" بضم "الثاء"، إلاَّ أنَّه قد قرأ طلحة بن مصرِّف: "أثَمَّ" بفتح الثاء، وحينئذ يصحُّ تفسيرها بمعنى: هنالك. قوله: "ألآن" قد تقدَّم الكلام في {أية : ٱلآنَ}تفسير : [البقرة:71]، وقرأ الجمهور: "ألآن" بهمزة الاستفهام داخله على "الآن" وقد تقدَّم مذاهبُ الفراء في ذلك، و "الآن" نصب بمضمر تقديره: الآن آمنتم، ودلَّ على هذا الفعل المقدَّر الفعلُ الذي تقدمهُ، وهو قوله: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} ولا يجوز أن يعمل فيه "آمنتُم" الظَّاهرُ؛ لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعده لا يعملُ فيما قبله؛ لأنَّ له صدر الكلام، وهذا الفعلُ المقدَّرُ ومعمولُه على إضمار قول، أي: قيل لهم إذ آمنوا بعد وقوع العذابِ: آمنتُم الآن به، وقرأ عيسى، وطلحة: "آمنتم به الآن" بوصل الهمزة من غير استفهامٍ، وعلى هذه القراءة فـ "الآن" منصوبٌ بـ "آمنتم" هذا الظَّاهر. قوله: {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} "وقَدْ كُنتُم" جملةٌ حاليةٌ، قال الزمخشري: "وقد كُنتُم به تَستعجلُون؛ يعني: تُكذِّبُونَ؛ لأنَّ استعجالهم كان على جهةِ التَّكذيب، والإنكارِ". فجعله من باب الكناية؛ لأنَّه دلالةٌ على الشَّيء بلازمه، نحو "هو طويلُ النَّجاد" كنيت به عن طُول قامته؛ لأنَّ طولَ نجاده لازمٌ لطول قامته، وهو باب بليغٌ. وقوله: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هذه الجملةُ على قراءة العامَّة؛ عطفٌ على ذلك الفعل المقدَّر الناصب لـ "الآن" وعلى قراءة طلحة هو استئناف إخبار عمَّا يقال لهم يوم القيامة، و "ذُوقُوا" و "هَلْ تُجزَونَ" كلُّه في محلِّ نصبٍ بالقول، وقوله: "إلاَّ بِمَا" هو المفعولُ الثاني لـ "تُجْزَون"، والأولُ قائمٌ مقام الفاعلِ، وهو استثناءٌ مفرَّغٌ. فصل دلَّت الآية على أنَّ الجزاء يوجب العمل، أمَّا عند الفلاسفة: فهو أثر العمل، وأمَّا عند المعتزلة: فإنَّ العمل الصَّالح يوجب استحقاق الثَّواب على الله - تعالى -، وأما عند أهل السنة؛ فلأنَّ ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض. قالت المعتزلةُ: ودلَّت الآية على كون العبد مكتسباً، وعند أهل السُّنَّة معناها: أنَّ مجموع القُدْرَة مع الدَّاعية الحاصلة يوجب الفعل.

البقاعي

تفسير : ولما كان جل قصدهم بذلك الاستهزاء، وكان وقوعه أمراً ممكناً، وكان من شأن العاقل أن يبعد عن كل خطر ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم بجواب آخر حذف منه واو العطف لئلا يظن أنه لا يكفي في كونه جواباً إلا بضمنه إلى ما عطف عليه فقال: {قل} أي لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا أو في الأخرى، وهو لا يكون إلا بعد الأخذ في الدنيا إعلاماً بأن الذي يطلبونه ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه، فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل {أرءيتم} وهي من رؤية القلب لأنها دخلت على الجملة من الاستفهام {إن أتاكم عذابه} في الدنيا. ولما كان أخذ الليل أنكى وأسرع، قدمه فقال: {بياتاً} أي في الليل بغتة وأنتم نائمون كما يفعل العدو؛ ولما كان الظفر ليلاً لا يستلزم الظفر نهاراً مجاهرة قال: {أو نهاراً} أي مكاشفة وأنتم مستيقظون، أتستمرون على عنادكم فلا تؤمنوا؟ فكأنهم قالوا: لا، فليجعل به ليرى، فقيل: إنكم لا تدرون ما تطلبون! إنه لا لمخلوق بنوع منه، ولا يجترىء على مثل هذا الكلام إلا مجرم {ماذا} أي ما الذي؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط {يستعجل} أي يطلب العجله {منه} أي من عذابه،وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه {المجرمون*} إذ سنة الله قد استمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله، وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان {أية : ولن تجد لسنةِ الله تحويلاً}تفسير : [فاطر: 43] وهذا معنى التراخي في قوله: {أثُمَّ إذا ما وقع} أي عذابه وانتفى كل ما يضاده {آمنتم به} وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم الاستعجال بالعذاب عند التوعد به، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين إذا أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم صدماته لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغياً وعتواً كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضاً ولم يؤمنوا. وجرت بأنهم إذا ذاقوا مس العذاب وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن العناد واضطرتهم أهواله إلى سهل الانقياد، فكان في غاية الحسن وضع تقريعهم على الاستعجال عقب الوعيد، ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد بعد الإشراف على الهلاك ومعاينة التلف، فكان كأنه قيل: أخبروني على تقدير أان يأتيكم عذابه الذي لا عذاب أعظم منه - كما دل ذلك إضافته إليه - فبيتكم أو كاشفكم، ما تفعلون؟ ألا تؤمنون؟ فقالوا لا، فليعجل به ليرى، فناسب لما كان استعجالهم بعد هذا الإنذار تسفيههم على ذلك فقيل {ماذا} أي أي نوع منه يطلب عجلته {المجرمون}، ولا نوع منه الإ وهو فوق الطاقة ووراء الوسع، إن هذا لمنكر من الآراء، أفبعد تراخي إيمانكم عن مخايل صدمته ومشاهدة مبادىء عظمته وشدته أوجدتم الإيمان به عند وقوعه؟ يقال لكم حين اضطرتكم فواجئه إلى الإيمان وحملتكم قوارعه على صيورة الإذعان: {آلآن} تؤمنون به - أي بسببه - بعد أن أزال بطشاً قواكم وحل عزائم هممكم وأوهاكم {وقد كنتم} أي كوناً كأنكم مجبولون عليه {به تستعجلون*} أي تطلبون تعجيله طلباً عظيماً حتى كأنكم لاتطلبون عجلة شيء غيره تكذيباً وعزماً على الثبات على العناد، لو وقع فلم نقبل إيمانكم هذا منكم ولا كف عذابنا عنكم، بل صيركم كأمس الدابر. ولما كان ما ذكر هو العذاب الدنيوي، أتبعه ما بعده إعلاماً بأنه لا يقتصر عليه في جزائهم فقال: {ثم قيل} أي من أيّ قائل كان استهانة {للذين ظلموا} أي وبعد أزّكم في الدنيا والبرزخ بالعذاب وهزّكم بشديد العقاب قيل لكم يوم الدين بظلمكم بالآيات وبما أمرتم به فيها بوضعكم كلاًّ من ذلك في غير موضعه: {ذوقوا عذاب الخلد} فالإتيان بـ "ثم" إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم الدين {هل تجزون} بناه للمفعول لأن المخيف مطلق الجزاء؛ ولما كان الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، وكان المعنى: بشيء، استثنى منه فقال: {إلا بما كنتم} أي بجبلاتكم {تكسبون*} أي في الدنيا من العزم على الاستمرار على الكفر ولو طال المدى لاتنفكون عنه بشيء من الأشياء وإن عظم، فكان جزاءكم الخلود في العذاب طبق النعل بالنعل؛ والعذاب: الألم المستمر، وأصله الاستمرار، ومنه العذوبة لاستمرارها في الحلق؛ والبيات: إتيان الشيء ليلاً؛ والذوق: طلب الطعم بالفم في ابتداء الأخذ. ولما انقضى ما اشتملت عليه الآية من التهديد وصادع الوعيد، أخبر تعالى أنهم صاروا إلى ما هو جدير بسامع ذلك من النزول عن ذلك العناد إلى مبادىء الانقياد بقوله تعالى: {ويستنبئونك} عطفاً على قوله "ويقولون متى هذا الوعد" أي ويطلبون منك الإنباء وهو الإخبار العظيم عن حقيقة هذا الوعد الجسيم، ويمكن أن يكون ذلك منهم على طريق الاستهزاء كالأول، فيكون التعجيب والتوبيخ فيه بعد ما مضى من الأدلة أشد {أحق هو} أي أثابت هذا الذي تتوعدنا به أم هو كالسحر لا حقيقية له كما تقدم أنهم قالوه {قل} أي في جوابهم {إي وربي} أي المحسن إليّ المدبر لي والمصدق لجميع ما آتي به؛ ولما كانوا منكرين، أكد قوله: {إنه لحق} أي كائن ثابت لا بد من نزوله بكم. ولما كان الشيء قد يكون حقاً، ويكون الإنسان قادراً على دفعه فلا يهوله، قال نفياً ذلك: {وما أنتم} أي لمن توعدكم {بمعجزين*} فيما يراد بكم.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} لهم غِبَّ ما بـيّنتَ كيفيةَ جريانِ سنةِ الله عز وجل فيما بـين الأمم على الإطلاق ونبهتَهم على أن عذابَهم أمرٌ مقررٌ محتومٌ لا يتوقف إلا على مجيء أجله المعلومِ إيذاناً بكمال دنوِّه وتنزيلاً له منزلةَ إتيانِه حقيقة {أَرَءيْتُمْ} أي أخبروني {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلون به {بَيَاتًا} أي وقتَ بـياتٍ واشتغالٍ بالنوم {أَوْ نَهَارًا} أي عند اشتغالِكم بمشاغلكم حسبما عُيِّن لكم من الأجل بمقتضى المشيئةٍ التابعةِ للحكمة كما عيّن لسائر الأممِ المهلَكة، وقوله عز وجل: {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} جوابٌ للشرط بحذف الفاءِ كما في قولك: إن أتيتُك ماذا تطعمني؟ والمجرمون موضوعٌ موضعَ المضمر لتأكيد الإنكارِ ببـيان مباينةِ حالِهم للاستعجال، فإن حقَّ المجرمِ أن يَهلك فزَعاً من إتيان العذابِ فضلاً عن استعجاله، والجملةُ الشرطيةُ متعلقةٌ بأرأيتم، والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابُه تعالى أيَّ شيءٍ تستعجلون منه سبحانه والشيءُ لا يمكن استعجالُه بعد إتيانِه، والمرادُ به المبالغةُ في إنكار استعجالِه بإخراجه عن حيز الإمكانِ، وتنزيلُه في الاستحالة منزلةَ استعجالِه بعد إتيانِه بناءً على تنزيل تقرر إتيانِه ودنوِّه منزلةَ إتيانه حقيقةً كما أشير إليه، وهذا الإنكارُ بمنزلة النهي في قوله عز وعلا: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }تفسير : [النحل: 1] خلا أن التنزيلَ هناك صريحٌ وهنا ضمنيٌّ كما في قول من قال لغريمه الذي يتقضّاه حقَّه: أرأيتَ إن أعطيتُك حقَّك فماذا تطلُب مني؟ يريد المبالغةَ في إنكار التقاضي بنظمه في سلك التقاضي بعد الإعطاءِ بناءً على تنزيل تقرّرِه منزلةَ نفسِه.

القشيري

تفسير : مَنْ عَرَفَ كمالَ القُدرة لم يأمَنْ فجأةَ الأخذِ بالشدة، ومن خاف البيات لم يستلذ السُّبات. ويقال مَنْ توسَّدَ الغفلةَ أيقظْته فجاءةُ العقوبة، ومَنْ استوطن مركب الزَّلَّة عَثَرَ في وَهْدَةِ المحنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ارأيتم} اى اخبرونى لان الرؤية سبب للاخبار {ان اتاكم عذابه} الذى تستعجلون به {بياتا} اى وقت بيات واشتغال بالنوم {او نهارا} حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم {ماذا يستعجل منه المجرمون} جواب للشرط بحذف الفاء فان جواب الشرط اذا كان استفهاما لا بد فيه من الفاء الا فى الضرورة اى أى شيء ونوع من العذاب يستعجلونه وليس شيء من العذاب يستعجل به لمرارته وشدة اصابته فهو مقتص لنفور الطبع منه او أى شيء يستعجلون منه سبحانه والشيء لا يمكن استعجاله بعد اتيانه والمراد به المبالغة فى انكار استعجاله باخراجه عن حيز الامكان وتنزيله فى الاستحالة منزلة استعجاله بعد اتيانه بناء على تنزيل تقرر اتيانه ودنوه منزلة اتيانه حقيقة والمجرمون موضوع موضع المضمر لتأكيد الانكار ببيان مباينة حالهم للاستعجال فان حق المجرم ان يهلك فزعا من اتيان العذاب فضلا عن استعجاله

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه بهذه الاية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين استبطأوا وعد الله {أرأيتم } اي اعلمتم؟ لانها من رؤية القلب، لانها دخلت على الجملة من الاستفهام {إن أتاكم عذابه} يعني عذاب الله. والعذاب الالم المستمر واصله الاستمرار. ومنه العذوبة لاستمرارها في الحلق {بياتاً} وهو إتيان الشيء ليلا يقال بيته تبييتاً وبياتاً وبات بيتوتة، وفلان لا يستبيت إذا لم يكن له ما يبيت به وجواب {إن} محذوف، وتقدير الكلام ارايتم ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم عذابه بياتاً او نهاراً، ووقع {إن أتاكم} في وسط الكلام موقع الاعتراض. ومعنى (ما) في قوله {ماذا} للانكار لأن يكون في العذاب شيء يستعجل به، وجاء على صيغة الاستفهام، لأنه لا جواب لصاحبه يصح له. وقال ابو جعفر عليه السلام هو عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة. نعوذ بالله منه. وقال الزجاج: موضع (ماذا) رفع من وجهين: احدهما - ان يكون (ذا) بمعنى (الذي) والتقدير ما الذي يستعجل منه المجرمون. ويجوز أن يكون (ماذا) إسماً واحداً، والمعنى اي شيء يستعجل منه. والهاء في قوله {منه} عائدة على العذاب ويجوز ان تكون عائدة على الاستعجال.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} من الرّأى بمعنى الاعتقاد {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} يترائى انّ التّقييد بهما تطويل حيث انّه يستفاد من الاتيان لكنّه اطناب مستحسن لانّه تكميل لسابقه ورفع لتوهّم اختصاص العذاب بالاتيان فى وقت مخصوص فالمقصود من ذكر الظّرف اطلاق الحكم لا تقييده {مَّاذَا} اىّ شيءٍ او ما الّذى {يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ} من العذاب {ٱلْمُجْرِمُونَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة التّهويل والانكار وتفضيحاً لهم بذمّ آخر والاستفهام الاوّل على حقيقته للاستخبار بحسب اصل المعنى والاّ فهو مع الفعل بمعنى اخبرونى والاستفهام الثّانى للانكار والتّهويل متعلّق بأرايتم والفعل معلّق بسبب الاستفهام والمعنى اخبرونى بجواب هذا السّؤال وجملة الشّرط محذوفة الجواب معترضة بينهما وهذا انكار لاستعجالهم العذاب المستفاد من قولهم: متى هذا الوعد؟

اطفيش

تفسير : {قلْ أرأيتُم} أخبرونى وقد مر بيانه، أو يأتى {إنْ أتاكُم عذابُهُ} أى عذاب الله الذى تستعجلون به {بَياتاً} مصدر نائب عن ظرف الزمان، أى وقت بيات، أى نوم، وذلك الوقت هو الليل، وابتدأ به، لأن مجئ العذاب فيه أفظع، إذ هو وقت غفلة واشتغال بالنوم، وقيل: البيات هو الليل، سمى لأن الإنسان غالبا لا يكون إلا فى البيت ليلا، وعلى كل حال، فلم يقل ليلا لما فى لفظ البيات من الدلالة على اليوم الذى هو غفلة، وعلى تبييت العدو، وهو الوقوع عليه حيث لا يشعر، وقد قيل: إن البيات اسم مصدر، ولمعنى تبييت على أنه من بيت بالتشديد {أو نَهاراً} وقت الاشتغال بطلب المعاش. {مَاذا} خبر فمبتدأ، وأجيز العكس، والجملة صلة ذا، والرابط محذوف أى يستعجله، أو ماذا اسم واحد مركب مفعول للفعل بعده، ويضعف جعله مبتدأ لحذفه رابطة المنصوب بالفعل، أى يستعجله {يسْتَعْجل منهُ} أى من العذاب، وقيل: من الله {المجْرمُون} المخاطبون، والأصل ماذا تستعجلون منه، وذكرهم بالفظ المجرمين ليدل على أن إجرامهم يقتضى أن لا يستعجلوا العذاب، وأن يحبوا تأخيره، والاستفهام إنكار، فإن العذاب كله مكروه مر المذاق، موجب للنفار، فليس منه شئ يصح استعجاله، ومن للعجب، ومن على الوجهين للتبعيض أو للبيان. وقال جار الله: هى فى وجه التعجب للبيان، وجواب إن محذوف، أى تندموا عن الاستعجال، أو تعرف الخطأ فيه، أو {ماذا يستعجل منه المجرمون} دليل لجواب مؤخر من تقديم المعمول لأرأيتم، والأصل: قل أرأيتم ماذا يستعجل منه المجرمون إن أتاكم عذابه بياتا، أو نهارا وليس هو نفس الجواب، لأنه لم يقرن بالفاء، مع أنه لا يصح شرطا، وإنما صح تقدير الجواب مما بعد أرأيتم، لا من معنى أرأيتم، وهو أخبرونى كما يقدر من جملة الأمر فى قولك: انظر هل قام زيد إن شئت؟ لأنه أريد هنا على ذلك الوجه الجواب بمثل ذا يستعجل منه المجرمون، ثم هو والشرط معمول لأرأيتم كما تقول: أخبرونى هل يقوم عمرو إن قام زيد؟ وأنت تريد معنى قولك: أخبرنى إن قام زيد فهل يقوم عمرو؟ ولا معنى قولك: إن قام زيد فأخبرنى هل يقوم عمرو؟ فزال الإشكال الذى أورده شيخ الإسلام كذا ظهر لى فافهم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أَخبرونى. عبر عن الإِخبار بالرؤية لأَنها سببه، وعن الأَمر بالاستفهام لاتفاقهما فى الطلب ولأَن الاستفهام أَمر بالإِفهام ومفعوله جملة ماذا يستعجل منه المجرمون بالتعليق بالاستفهام وعلى تعديته لاثنين يقدر أَحدهما تقديره أَرأَيتم عذاب الله من مطلق الحذف لدليل وهو هنا عذابه، أَو تنازع مع أَتى فى عذابه والاستفهام تعجيب {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} جوابه مستغنى عنه بقوله{أَرأَيتم... ماذا يستعجل منه المجرمون} أَو محذوف تقديره تندموا أَو بين خطأَكم لا جملة ماذا يستعجل منه المجرمون، وإِلا قرن بالفاءِ لأَنه جملة اسمية وأَيضاً استفهامية، وما أَوهم خلاف ذلك قدر فيه الجواب، ولا ترض بما قال الرضى وغيره، والمراد بعذابه المستعجل به فى قولهم متى هذا الوعد إِنكار واستبعاد له وإِن للشك بالنسبة إِلى وقوع العذاب فى نفس الأَمر لأَنه غير واجب وجود فقد لا يقع والله عالم أَيقع أَم لا. {بَيَاتاً} كقوم لوط، مصدر نائِب عن ظرف الزمان كجئْت طلوع الشمس أَى وقت بيات وهو وقت الاشتغال بالنوم وهو الليل كما قابله بقوله {أَوْ نَهَاراً} كقوم شعيب وأَو للتنويع كما رأَيت أَو للترديد باعتبار الخلق وقت القيلولة من النهار أَو مطلقاً لأَن النهار كله وقت الغفلة بنحو المعاش، كما أَن الليل وقت الغفلة بالنوم، ويدل لإِرادة وقت القيلولة قوله أَو هم قائِلون، ويجوز أَن يكون بياتا اسم مصدر ظرفاً أَى وقت تبييت وهو الوقت الذى يغار فيه على القوم مثل قرب الفجر أَو عقب الفجر كوقت القيلولة من النهار فى الغفلة {مَّاذَا} اسم مركب مفعول لقوله {يَسْتَعْجِلُ} أَو مبتدأٌ أَو خبر وذا بمعنى الذى صلته قوله يستعجل {مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} والرابط محذوف أَى ما الذى يستعجله منه أَى من العذاب، وقيل من الله والمجرمون المشركون من وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالإِجرام ففيه طريق الالتفات من الخطاب إِلى الغيبة، والأَصل ماذا تستعجلون، والاستفهام تعجيب وإِنكار للياقة، لا يليق بعاقل أَن يستعجل نوعاً من العذاب ولا فرد، أَو لا يتعرض لموجبها من تكذيب لكلام الله ومن سائر الكبائر، ثم إِنه لا يخفى أَنه لا يستعجل الشىءَ بعد حضوره لأَن تحصيل الحاصل غير ممكن عقلا، فمعنى الآية إِن أَراد الله إِتيانه بياتاً أَو نهاراً لوقته فما وجه استعجاله قبل وقته، أَو نزل استعجالهم قبل وقته منزلة استعجاله بعد مجيئه فى الاستحالة على دنوه كوقوعه كقولك لغريمك زجرا عن تقاضيه: إِذا قضيتك فماذا تطلب؟ نزلت تقاضيه قبل إِعطائكه منزلته بعده، أَو المراد إِن أَتاكم أَمارة استعجاله، وهاءُ يستعجله للبعض المعبر عنه بماذا، ومنه حال من الهاءِ أَو من ماذا إِذا كان اسماً واحدا، ومن للتبعيض، ولك جعلها للبيان على أَن المراد مطلق العذاب لا بعضه، ومنه حال لذلك أَو من للابتداءِ بلا تجريد أَو به كقولك رأَيت منه أَسداً، جرد من العذاب أَمراً هائلا متولداً منه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} لهم بعد ما بينت لهم كيفية حالك وجريان سنة الله تعالى فيما بين الأمم على الإطلاق ونبهتهم على أن عذابهم أمر مقرر محتوم لا يتوقف إلا على مجىء أجله المعلوم إيذاناً بكمال دنوه وتنزيلاً له منزلة إتيانه حقيقة {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلون به ولعل استعمال {إِن} من باب المجاراة {بَيَاتًا} أي وقت بيات {أَوْ نَهَارًا} أي عند اشتغالكم بمشاغلكم وإنما لم يقل ليلاً ونهاراً ليظهر التقابل لأن المراد الإشعار بالنوم والغفلة والبيات متكفل بذلك لأنه الوقت الذي يبيت فيه العدو ويوقع فيه ويغتنم فرصة / غفلته وليس في مفهوم الليل هذا المعنى ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار، وقد يقال: النهار كله محل الغفلة لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو زمان قيلولة بخلاف الليل فإن محل الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات فلذا خص بالذكر، والبيات جاء بمعنى البيتوتة وبمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم والمعنى المراد هنا مبني على هذا. {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي أي شيء يستعجلون من العذاب وليس شيء منه يوجب الاستعجال لما أن كله مكروه مر المذاق موجب للنفار، فمن للتبعيض والضمير للعذاب والتنكير في شيء للفردية، وجوز أن يكون المعنى على التعجب وهو مستفاد من المقام كأنه قيل: أي هول شديد يستعجلون منه، فمن بيانية وتجريدية بناءً على عد الزمخشري لها منها، وقيل: الضمير لله تعالى، وعليه فالمعنى على الثاني ولكن تزول فائدة الإبهام والتفسير وما فيه من التفخيم. وما قيل: إنه أبلغ على معنى هل تعرفون ما العذاب المعذب به هو الله سبحانه فهو مشترك على التقديرين ألا ترى إلى قوله تعالى: {عَذَابَهُ}، و {مَاذَا} بمعنى أي شيء منصوب المحل مفعولاً مقدماً وهو أولى من جعله مبتدأ، ومن فعل قدر العائد، ومن قال: إن ضمير {مِنْهُ} هو الرابط مع تفسيره بالعذاب جنح إلى أن المستعجل من العذاب فهو شامل للمبتدأ فيقوم مقام رابطه لأن عموم الخبر في الاسم الظاهر يكون رابطاً على المشهور ففي الضمير أولى. وزعم أبو البقاء أن الضمير عائد إلى المبتدأ وهو الرابط وجعل ذلك نظير قولك: زيد أخذت منه درهماً وليس بشيء كما لا يخفى. والمراد من {الْمُجْرِمُونَ} المخاطبون، وعدل عن الضمير إليه للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من إتيان العذاب فضلاً عن أن يستعجلوه، وقيل: النكتة في ذلك إظهاره تحقيرهم وذمهم بهذه الصفة الفظيعة، والجملة متعلقة ـ بأرأيتم ـ على أنها استئناف بياني أو في محل نصب على المفعولية وعلق عنها الفعل للاستفهام، وهو في الأصل استفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية ثم استعمل بمعنى أخبروني لما بين الرؤية والإخبار من السببية والمسببية في الجملة فهو مجاز فيما ذكر وإليه ذهب الكثير، وذهب أبو حيان إلى أن ذلك بطريق التضمين ولم يستعمل إلا في الأمر العجيب، وجواب الشرط محذوف أي إن أتاكم عذابه في أحد ذينك الوقتين تندموا أو تعرفوا الخطأ أو فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون؟ وزعم أبو حيان تعين الأخير لأن الجواب إنما يقدر مما تقدمه لفظاً أو تقديراً ولم يدر أن تقديره من غير جنس المذكور إذا قامت قرينة عليه ليس بعزيز، ولئن سلم صحة الحصر الذي ادعاه فما ذكر غير خارج عنه بناء على أن المقصود من {أَرَأَيْتُمْ} {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ} الخ تنديمهم أو تجهيلهم كما نص عليه بعض المحققين. وفي «الكشف» تقريراً لأحد الأوجه المذكورة في «الكشاف» أن {مَاذَا} الخ متعلق الاستخبار والشرط مع جوابه المحذوف مقرر لمضمون الاستخبار ولهذا وسط بينهما، ولما كان في الاستفهام تجهيل وتنديم قدر الجواب تندموا أو تعرفوا الخطأ، ولا مانع من تقديرهما معاً أو ما يفيد المعنيين ولهذا حذف الجواب ووسط تأكيداً على تأكيد انتهى. وجوز كون {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ} جواباً للشرط كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني والمجموع بتمامه متعلق بأرأيتم ورد بأن جواب الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول إن زارنا فلان فأي رجل هو ولا تحذف إلا ضرورة، وقد صرح في المفصل بأن الجملة إذا كانت إنشائية لا بد من الفاء معها، والاستفهام وإن لم يرد به حقيقته لم يخرج عن الإنشائية، والمثال مصنوع فلا يعول عليه. / وأجيب بأن الرضي صرح بأن وقوع الجملة الاستفهامية جواباً بدون الفاء ثابت في كثير من الكلام الفصيح، ولو سلم ما ذكر فيقدر القول وحذفه كثير مطرد بلا خلاف، وأورد أيضاً على هذا الوجه أن استعجال العذاب قبل إتيانه فكيف يكون مرتباً عليه وجزاء له، وأجيب بأنه حكاية عن حال ماضية أي ماذا كنتم تستعجلون، ويشهد لهذا التصريح ـ بكنتم ـ فيما بعد والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وأنت تعلم أن مجرد ذلك لا يجوز كونه جواباً لأن الاستعجال الماضي لا يترتب على إتيان العذاب فلا بد من تقدير نحو تعلموا أي تعلموا ماذا الخ، وقيل: إن {أَتَاكُم} بمعنى إن قارب إتيانه إياكم أو المراد إن أتاكم أمارات عذابه، وقيل: حيث إن المراد إنكار الاستعجال بمعنى نفيه رأساً صح كونه جواباً، واعترض على جعل مجموع الشرطية متعلقاً بأرأيتم بأنه لا يصح أن يكون مفعولاً به له بناءً على أنه بمعنى أخبروني وهو متعد بعن ولا تدخل الجملة إلا أنها إذا اقترنت بالاستفهام وقلنا بجواز تعليقها وفيه كلام في العربية جاز، ودفع بأن مراد القائل بالتعلق التعلق اللغوي لأن المعنى أخبروني عن صنيعكم إن أتاكم الخ.

ابن عاشور

تفسير : هذا جواب ثان عن قولهم: {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يونس: 48] باعتبار ما يتضمنه قولهم من الوعد بأنهم يؤمنون إذا حق الوعد الذي توعدهم به، كما حكي عنهم في الآية الأخرى {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله:{أية : أو تسقط السماء كما زعمتَ علينا كِسفاً}تفسير : [الإسراء: 92]، وهذا الجواب إبداء لخلل كلامهم واضطراب استهزائهم، وقع هذا الأمر بأن يجيبهم هذا الجواب بعد أن أمر بأن يجيبهم بقوله: {أية : قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله}تفسير : [يونس: 49]، وهذا الجواب واقع موقع التسليم الجدلي بعد أن يجاب المخطىء بالإبطال. وحاصل هذا الجواب إن قدر حصول ما سألتم تعيين وقته ونزول كسف من السماء بكم أو نحوه ماذا يحصل من فائدة لكم في طلب تعجيل حصوله إذ لا تخلون عن أن تكونوا تزعمون أنكم تؤمنون حينئذٍ فذلك باطل لأن العذاب يعاجلكم بالهلاك فلا يحصل إيمانكم. وهذا كما قال بعض الواعظين: نحن نريد أن لا نموت؛ حتى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتى نموت. ووقع في خلال هذا الجواب تفنن في تخييل التهويل لهذاالعذاب الموعود بقوله: {إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً} تخييلاً يناسب تحقق وقوعه فإن هاذين الوقتين لا يخلو حلول الحوادث عن أحدهما، على أنه ترديد لمعنى العذاب العاجل تعجيلاً قريباً أو أقلَّ قرباً، أي أتاكم في ليل هذا اليوم الذي سألتموه أو في صبيحته، على أن في ذكر هذين الوقتين تخييلاً مَا لصورة وقوع العذاب استحضاراً له لديهم على وجه يحصل به تذكيرهم انتهازاً لِفرصة الموعظة، كالتذكير به في قوله: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون}تفسير : [الأنعام: 47]. والبيات: اسم مصدر التبييت، ليلاً كالسلام للتَّسليم، وذلك مباغتة. وانتصب {بياتاً} على الظرفية بتقدير مضاف، أي وقت بيات. وجواب شرط {إن أتاكم عذابه} محذوف دل عليه قوله: {ماذا يستعجل منه المجرمون} الذي هو ساد مسد مفعولي (أرأيتم) إذ علقه عن العمل الاستفهام بـ(ماذا). و{ماذا} كلمتان هما (ما) الاستفهامية و(ذا). أصله إشارة مشار به إلى مأخوذ من الكلام الواقع بعده. واستعمل (ذا) مع (ما) الاستفهامية في معنى الذي لأنهم يراعون لفظ الذي محذوفاً. وقد يظهر كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}[البقرة: 255]. وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار عليهم، وفي التعجيب من تعجلهم العذاب بنية أنهم يؤمنون به عند نزوله. و(مِن) للتبعيض. والمعنى ما الذي يستعجله المجرمون من العذاب، أي لا شيء من العذاب بصالحٍ لاستعجالهم إياه لأن كل شيء منه مهلك حائل بينهم وبين التمكن من الإيمان وقت حلوله. وفائدة الإشارة إليه، تهويله أو تعظيمه أو التعجيب منه كقوله تعالى: {أية : ماذا أراد الله بهذا مثلاً}تفسير : [البقرة: 26]، فالمعنى ما هذا العذاب العظيم في حال كونه يستعجله المجرمون، فجملة {يستعجل منه} في موضع الحال من اسم الإشارة، أي أن مثله لا يُستعجل بل شأنه أن يُستأخَر. و(من) بيانية، والمعنى معها على معنى ما يسمى في فن البديع بالتجرد. واعلم أن النحاة يذكرون استعمال (ماذا) بمعنى (ما الذي) وإنما يعنون بذلك بعض مواضع استعماله وليس استعمالاً مطرداً. وقد حقق ابن مالك في «الخلاصة» إذ زاد قيداً في هذا الاستعمال فقال: شعر : ومثل ما، ذا بعد ما استفهام أو مَن إذا لم تلغ في الكلام تفسير : يريد إذا لم يكن مزيداً. وإنما عبر بالإلغاء فراراً من إيراد أن الأسماء لا تزاد. والحق أن المراد بالزيادة أن اسم الإشارة غير مفيد معناه الموضوع له ولا هو بمفيد تأسيس معنى في الكلام ولكنه للتقوية والتأكيد الحاصل من الإشارة إلى ما يتضمنه الكلام، وقد أشار إلى استعمالاته صاحب «مغنى اللبيب» في فصل عقده لـ(ماذا) وأكثر من المعاني ولم يحرر انتساب بعضها من بعض. وانظر ما تقدم عند قوله تعالى: {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32] المتقدم آنفاً، وقوله تعالى: {أية : ماذا أراد الله بهذا مثلاً}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. والمجرمون: أصحاب الجرم وهو جرم الشرك. والمراد بهم الذين يقولون{ أية : متى هذا الوعد}تفسير : [يونس: 48]، وهم مشركو مكة فوقع الإظهار في مقام الإضمار عوض أن يقال ماذا يستعجلون منه لقصد التسجيل عليهم بالإجرام، وللتنبيه على خَطَئِهم في استعجال الوعيد لأنه يأتي عليهم بالإهلاك فيصيرون إلى الآخرة حيث يُفضون إلى العذاب الخالد فشأنهم أن يستأخروا الوعد لا أن يستعجلوه، فدل ذلك على أن المعنى لا يستعجلون منه إلاّ شراً. وعطفت جملة: {أثم إذا ما وقع} بحرف المهلة للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأن (ثم) في عطفها الجمل، لأن إيمانهم بالعذاب الذي كانوا ينكرون وقوعه حين وقوعه بهم أغرب وأهم من استعجالهم به. وهمزة الاستفهام مقدمة من تأخير كما هو استعمالها مع حروف العطف المفيدة للتشريك. والتقدير: ثم أإذا ما وقع، وليس المراد الاستفهام عن المهلة. والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب، وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار بمعنى التغليط وإفساد رأيهم، فإنهم وعدوا بالإيمان عند نزول العذاب استهزاء منهم فوقع الجواب بمجاراة ظاهر حالهم وبيان أخطائهم، أي أتؤمنون بالوعد عند وقوعه على طريقة الأسلوب الحكيم، كقوله تعالى: {أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : [البقرة: 189.] وكلمة {آلآن} استفهام إنكاري عن حصول إيمانهم عند حلول ما توعدهم، فعبر عن وقت وقوعه باسم الزمان الحاضر وهو (الآن) حكاية للسانِ حالِ منكر عليهم في ذلك الوقت استحضر حال حلول الوعد كأنه حاضر في زمن التكلم، وهذا الاستحضار من تخييل الحالة المستقبلة واقعة. ولذلك يحسن أن نجعل (آلآن) استعارة مكنية بتشبيه الزمن المستقبل بزمن الحال، ووجه الشبه الاستحضار. ورمز إلى المشبه به بذكر لفظ من روادفه، وهو اسم الزمن الحاضر. وجملة: {وقد كنتم به تستعجلون} ترشيح، وإما تقدير قول في الكلام، أي يقال لهم إذا آمنوا بعد نزول العذاب آلآن آمنتم، كما ذهب إليه أكثر المفسرين. فذلك تقدير معنى لا تقدير نظم وإعراب لأن نظم هذا الكلام أدق من ذلك. ومعنى: {تستعجلون} تكذبون، فعبر عن التكذيب بالاستعجال حكايةً لحاصل قولهم {أية : متى هذا الوعد}تفسير : [يونس: 48] الذي هو في صورة الاستعجال، والمرادُ منه التكذيب. وتقديم المجرور للاهتمام بالوعد الذي كذبوا به، وللرعاية على الفاصلة.

الواحدي

تفسير : فلمَّا استعجلوا العذاب قيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: {قل أرأيتم} أعلمتم {إن أتاكم عذابُهُ بياتاً} ليلاً {أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون} أَيٌّ شيءٍ يستعجل المجرمون من العذاب؟ وهذا استفهام ٌ معناه التَّهويل والتًّفظيع، أَيْ: ما أعظم ما يلتمسون ويستعجلون! كما تقول:أعلمت ماذا تجني على نفسك؟! فلمَّا قال لهم النبيُّ عليه السَّلام هذا، قالوا: نكذِّب بالعذاب ونستعجله، فإذا وقع آمنَّا به، فقال الله تعالى: {أثمَّ إذا ما وقع} وحلَّ بكم {آمنتم به} بعد نزوله، فلا يقبل منكم الإِيمان، ويقال لكم: {آلآن} تؤمنون به {وقد كنتم به تستعجلون} في الدُّنيا مستهزئين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 50- قل لهؤلاء المكذبين المستعجلين وقوع العذاب: أخبرونى إن وقع بكم عذاب الله ليلا أو نهاراً، فأى فائدة يحصل عليها من استعجاله المجرمون الآثمون؟ والعذاب كله مكروه. 51- أتنكرون العذاب الآن، ثم إذا حل بكم يقال لكم توبيخاً: هل آمنتم به حين عاينتموه، وقد كنتم تستعجلونه فى الدنيا مستهينين جاحدين. 52- ثم يقال يوم القيامة للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب: ذوقوا العذاب الدائم، لا تجزون الآن إلا على أعمالكم التى كسبتموها فى الدنيا. 53- ويطلب الكفار منك - أيها الرسول - على سبيل الاستهزاء والإنكار - أن تخبرهم أحق ما جئت به من القرآن وما تعدهم به من البعث والعذاب؟ قل لهم: نعم وحق خالقى الذى أنشأنى إنه حاصل لا شك فيه، وما أنتم بغالبين ولا مانعين ما يريده الله بكم من العذاب. 54- ولو أن كل ما فى الأرض مملوك لكل نفس ارتكبت ظلم الشرك والجحود، لارتضت أن تقدمه فداء لما تستقبل من عذاب تراه يوم القيامة وتعاين هوله، وحينئذ يتردد الندم والحسرة فى سرائرهم لعجزهم عن النطق به، ولشدة ما دهاهم من الفزع لرؤية العذاب، ونفذ فيهم قضاء الله بالعدل، وهم غير مظلومين فى هذا الجزاء. لأنه نتيجة ما قدَّموا فى الدنيا. 55- ليعلم الناس أن الله مالك ومهيمن على جميع ما فى السموات والأرض، وليعلموا أن وعده حق، فلا يعجزه شئ، ولا يفلت من جزائه أحد، ولكنهم قد غرتهم الحياة الدنيا، لا يعلمون ذلك علم اليقين. 56- والله سبحانه، يهب الحياة بعد عدم، ويسلبها بعد وجود، وإليه المرجع فى الآخرة، ومَن كان كذلك لا يعظم عليه شئ.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} {أَتَاكُمْ} {بَيَاتاً} (50) - قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ الكَرِيمُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلِينَ بِالعَذَابِ: أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ، وَمَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَفْعَلُوهُ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ الذِي تَسْتَعْجلُونَهُ، فِي وَقْتِ مَبِيتِكُمْ بِاللَّيْلِ، أَوْ وَقتِ اشْتِغَالِكُمْ بِلَهْوِكُمْ وَلَعِبِكُمْ وَأُمُورِ مَعَايِشِكُمْ نَهَاراً؟ وَأَيَّ عَذَابٍ يَسْتَعْجِلُ بِهِ هؤُلاءِ المُجْرِمُونَ المُكَذِّبُونَ؟ أَهُوَ عَذَابُ الدُّنْيَا أَمْ عَذَابُ يَوْمِ القِيَامَةِ؟ وَاسْتِعْجَالُهُمْ بِالعَذَابِ أَيّاً كَانَ فَهُو جَهَالَةٌ. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ أَوْ عَنْ عَذَابِ اللهِ. بَيَاتاً - وَقْتَ البَيَاتِ أَيْ لَيْلاً؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا رَدٌّ شافٍ على استعجالهم للعذاب، فإن جاءكم العذاب فَلْنَرَ ماذا سيكون موقفكم. وهُمْ باستعجالهم العذاب يبرهنون على غبائهم في السؤال عن وقوع العذاب. وقول الحق سبحانه: {أَرَأَيْتُمْ}. أي: أخبروني عما سوف يحدث لكم. وشاء الحق سبحانه أن يأتي أمر العذاب هنا مبهماً من جهة الزمان فقال سبحانه: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً ..} [يونس: 50]. والبيات مقصود به الليل؛ لأن الليل محل البيتوتة، والنهار محل الظهور. والزمن اليومي مقسوم لقسمين: ليل، ونهار. وشاء الحق سبحانه إبهام اليوم والوقت، فإن جاء ليلاً، فالإنسان في ذلك الوقت يكون غافلاً نائماً في الغالب، وإن جاء نهاراً، فالإنسان في النهار مشغول بحركة الحياة. والحق سبحانه يقول في موضع آخر: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 97]. ويقول سبحانه: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}تفسير : [الأعراف: 98]. ولو نظرت إلى الواقع لوجدت أن العذاب يأتي في الليل وفي النهار معاً، لأن هناك بلاداً يكون الوقت فيها ليلاً، وفي ذات الوقت يكون الزمن نهاراً في بلاد أخرى. وإذا جاء العذاب بغتة، وحاولوا إعلان الإيمان، فلن ينفعهم هذا الإيمان؛ لأن الحق سبحانه يقول فيمن يتخذ هذا الموقف: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [يونس: 91]. فإن جاءكم العذاب الآن لما استقلتم منه؛ لأنه لن ينفعكم إعلان الإيمان، ولن يقبل الله منكم، وبذلك يصيبكم عذاب في الدنيا، بالإضافة إلى عذاب الآخرة، وهذا الاستعجال منكم للعذاب يضاعف لكم العذاب مرتين، في الدنيا، ثم العذاب الممتد في الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ} الآية، تقدم الكلام عليها في الانعام، وقررنا هناك أن العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، وان المفعول الثاني اكثر ما يكون جملة استفهام ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر. تقول العرب: أرأيت زيداً ما صنع، المعنى أخبرني عن زيد ما صنع. وقبل دخول أرأيت كان الكلام زيد ما صنع وإذا تقرر هذا فأرأيتم هنا المفعول الأول لها محذوف والمسألة من باب الاعمال تنازع أرأيت وإن أتاكم على قوله: عذابه، فاعمل الثاني إذ هو المختار على مذهب البصريين، وهو الذي ورد به السماع أكثر من اعمال الأول فلما أعمل الثاني حذف من الأول ولم يضمر لأن إضماره مختص بالشعر أو قليل في الكلام على اختلاف النحويين في ذلك والمعنى قل لهم يا محمد أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم أي شىء تستعجلون منه فليس شىء من العذاب يستعجله عاقل إذ العذاب كله مر المذاق موجب لنفار الطبع منه، فتكون جملة الاستفهام جاءت على سبيل التلطف بهم والتنبيه لهم ان العذاب لا ينبغي أن يستعجل. ويجوز أن تكون الجملة جاءت على سبيل التعجب والتهويل للعذاب، أي أيّ شىء شديد تستعجلون منه أي ما أشد وأهول ما تستعجلون من العذاب. وتقدم الكلام في قوله: بياتاً، في الاعراف مدلولاً وإعراباً وانتصابه وما بعده على الظرف، والمعنى إن أتاكم عذابه وأنتم ساهون غافلون اما بنوم واما باشتغال بالمعاش والكسب وهو نظير قوله: بغتة، لأن العذاب إذا فاجأ من غير شعور به كان أشد وأصعب بخلاف أن يكون قد استعد له وتهيّىءَ لحلوله ويجوز في ماذا أن تكون ما مبتدأ وذا خبره، وهو بمعنى الذي. ويستعجل صلته وحذف الضمير العائد على الموصول التقرير، أي شيء الذي يستعجله من العذاب المجرمون. ويجوز في ماذا أن يكون كله مفعولاً كانه قيل: أي شىء يستعجله من العذاب المجرمون. قال الزمخشري: فإِن قلت: يتعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط؟ قلت: تعلق بأرأيتم، لأن المعنى أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف وهو يندموا على الاستعجال ويعرفوا الخطأ فيه. "انتهى". وما قدره الزمخشري غير سائغ لأنه لا يقدر الجواب إلا مما تقدمه لفظاً أو تقديراً تقول: أنت ظالم إن فعلت التقدير إن فعلت فأنت ظالم، وكذلك وانّا إن شاء الله لمهتدون التقدير إن شاء الله نَهتدِ، فالذي يسوغ ان يقدر إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا يستعجل. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ماذا يستعجل جواباً للشرط كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بأرأيتم وان يكون اثم إذا ما وقع آمنتم به من بعد جواب الشرط وماذا يستعجل منه المجرمون اعتراضاً، والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإِيمان. "انتهى". اما تجويزه أن يكون ماذا جواباً للشرط فلا يصح لأن جواب الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء، تقول: ان زارنا زيد فأي رجل هو وإن زارنا فلان فأي يدله بذلك، ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة. والمثال الذي ذكره وهو ان أتيتك ماذا تطعمني هو من قبله لا من كلام العرب. وأما قوله: تتعلق الجملة بأرأيتم إن عني بالجملة ماذا يستعجل فلا يصح ذلك لأنه قد جعلها جواباً للشرط وإن عني بالجملة جملة الشرط فقد فسر هو أرأيتم بمعنى أخبروني. وأخبرني يطلب متعلقاً مفعولاً ولا تقع جملة الشرط موقع مفعول أخبرني، وأما تجويزه ان يكون إثم إذا ما وقع آمنتم به جواب الشرط وماذا يستعجل منه المجرمون اعتراضاً، فلا يصح أيضاً لما ذكرناه من أن جملة الاستفهام لا تقع جواباً للشرط إلا ومعها فاء الجواب، وأيضاً فثم هنا وهي حرف عطف تعطف الجملة التي بعدها على ما قبلها فالجملة الاستفهامية معطوفة وإذا كانت معطوفة لم يصح أن تقع جواب شرط، وأيضاً أفأرأيتم بمعنى أخبرني يحتاج إلى مفعول ولا تقع جملة الشرط موقعه. والظاهر عود الضمير في منه على العذاب وبه يحصل الربط بجملة الاستفهام بمفعول أرأيتم المحذوف الذي هو مبتدأ في الأصل. وقيل: يعود على الله تعالى، والمجرمون هم المخاطبون في قوله: أرأيتم إن أتاكم. ونبه على الوصف الموجب لترك الاستعجال وهو الإِجرام لأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ويهلك نزعاً من مجيئه وإن أبطأ فكيف يستعجله. وثم: حرف عطف وتقدمت همزة الاستفهام عليها كما تقدمت على الواو. والفاء في أفلم يسيروا وفي أو لم يسيروا وتقدم الكلام على ذلك. قال الطبري في قوله: اثم بضم الثاء أن معناه أهنالك. قال: وليست ثم هذه التي تأتي بمعنى العطف. "انتهى". وما قاله من أن ثم ليست للعطف دعوى، وأما قوله: ان المعنى أهنالك فالذي ينبغي أن يكون ذلك تفسير معنى لا ان ثم المضمومة الثاء معناها معنى هنالك، وفاعل وقع ضمير يعود على العذاب، وقرىء الآن على الاستفهام بالمد. وقرىء: بهمزة الاستفهام بغير مدّ وهو اضمار القول، أي قيل لهم إذ آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به. فالناصب لقوله: الآن هو آمنتم وهو محذوف. {وَقَدْ كُنتُم} جملة حالية لأن استعجالهم بالعذاب تكذيب لوقوعه. {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي يقول لهم خزنة جهنم هذا الكلام. والظلم: ظلم الكفر. ثم قيل: هذا من عطف الجمل وهو استئناف أخبار عما يقال لهم يوم القيامة. {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} أي يستخبرونك، وأصلها ان تتعدى الى واحد بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر تقول: استنبأت زيداً عن عمر وأي طلبت منه أن يخبرني عن عمرو، فاستفعل هنا للطلب والمفعول الأول كاف للخطاب والمفعول الثاني الجملة من قوله: أحق، هو على سبيل التعليق. وحق يجوز أن يكون خبراً مقدماً وهو مبتدأ ويجوز أن يكون مبتدأ وهو الخبر. قال ابن عطية: وقيل هي بمعنى يستعلمونك قال فهي على هذا تحتاج إلى مفاعيل ثلاثة أحدها الكاف والابتداء والخبر سدا مسد المفعولين. "انتهى". ليس كما ذكر لأن استعلم لا يحفظ كونها متعدية إلى مفاعيل ثلاثة لا يحفظ استعلمت زيداً عمراً قائماً، فيكون جملة الاستفهام سدت مسد المفعولين، ولا يلزم من كونها بمعنى يستعلمونك أن تتعدى إلى ثلاثة لأن استعلم لا يتعدى إلى ثلاثة كما ذكرنا، والضمير في هو عائد على العذاب. {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ} أمره تعالى أن يقول لهم مجيباً إيْ وربي وإيْ هي من حروف الجواب بمعنى نعم، ولا تستعمل إلا مع القسم. {إِنَّهُ لَحَقٌّ} قال الزمخشري: وسمعتم يقولون في التصديق، إي ويصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده. "انتهى". لا حجة فيما سمعه الزمخشري من ذلك لعدم الحجة في كلامه لفساد كلام العرب إذ ذاك وقبله بأزمان كثيرة. {بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين. {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} الآية، ذكرت بعض أحوال الظالمين في الآخرة، وظلمت صفة لنفس. والظلم هنا الشرك والكفر. وافتدي يأتي مطاوعاً لفدى فلا يتعدى، تقول: فديته فافتدي وبمعنى فدى فيتعدى. وهنا يحتمل الوجهين وما في الأرض، أي ما كان لها في الدنيا من الخزائن والأموال والمنافع وأسروا من الأضداد، فأتي بمعنى أظهروا وبمعنى أخفوا. {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ} الآية قيل: تعلق هذه الآية بما قبلها من جهة انه فرض ان النفس الظالمة لو كان لها ما في الأرض لا فتدت به وهي لا شىء لها البتة، لأن جميع الأشياء إنما هي بأسرها ملك الله تعالى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا } وقت نومكم بالليل { أَوْ نَهَارًا } في وقت غفلتكم { مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ } أي: أي بشارة استعجلوا بها؟ وأي عقاب ابتدروه؟. { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ } فإنه لا ينفع الإيمان حين حلول عذاب الله، ويقال لهم توبيخًا وعتابًا في تلك الحال التي زعموا أنهم يؤمنون، { آلآنَ } تؤمنون في حال الشدة والمشقة؟ { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } فإن سنة الله في عباده أنه يعتبهم إذا استعتبوه قبل وقوع العذاب، فإذا وقع العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها، كما قال تعالى عن فرعون، لما أدركه الغرق { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } وأنه يقال له: {أية : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } . تفسير : وقال تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } تفسير : وقال هنا: { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ } تدعون الإيمان { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } فهذا ما عملت أيديكم، وهذا ما استعجلتم به. { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } حين يوفون أعمالهم يوم القيامة: { ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ } أي: العذاب الذي تخلدون فيه، ولا يفتر عنكم ساعة. { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } من الكفر والتكذيب والمعاصي.