Verse. 1417 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَيَسْتَنْۢبِـــُٔـوْنَكَ اَحَقٌّ ھُوَ۝۰ۭؔ قُلْ اِيْ وَرَبِّيْۗ اِنَّہٗ لَحَقٌّ۝۰ۭۚؔ وَمَاۗ اَنْتُمْ بِمُعْجِزِيْنَ۝۵۳ۧ
Wayastanbioonaka ahaqqun huwa qul ee warabbee innahu lahaqqun wama antum bimuAAjizeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويستنبئونك» يستخبرونك «أحق هو» أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث «قل إي» نعم «وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين» بفائتين العذاب.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله: { أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [يونس:48]. وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا: أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه: أولها: أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة. وثانيها: أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولاً من عند الله، وهو بيان كون القرآن معجزاً، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم، وترك الالتفات إلى سؤالهم، واختلفوا في الضمير في قوله: {أَحَقٌّ هُوَ } قيل: أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع. وقيل: ما تعدنا من البعث والقيامة. وقيل: ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا. ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: {قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } والفائدة فيه أمور: أحدها: أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد. وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم، فكذا ههنا. ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ولا بد فيه من تقدير محذوف، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء: أولها: قوله: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلاْرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ } إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى: { أية : وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } تفسير : [مريم: 95] وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى: { أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } تفسير : [البقرة: 48] وقال في صفة هذا اليوم { أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 254] وثانيها: قوله: { أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } تفسير : . واعلم أن قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ } جاء على لفظ الماضي، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله مستقبلها كالماضي، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره. إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد منه إخفاء تلك الندامة، والسبب في هذا الإخفاء وجوه: الأول: أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة. الثاني: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم. فإن قيل: إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه. قلنا: إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى: { أية : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } تفسير : [المؤمنون: 106] الثالث: أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله: ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار. وثالثها: قوله تعالى: {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فقيل بين المؤمنين والكافرين، وقيل بين الرؤساء والأتباع، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم. واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم، وتثقيل لعذاب الباقين، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} أي يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيام الساعة. {أَحَقٌّ} ابتداء. {هُوَ} سدّ مسدّ الخبر؛ وهذا قول سيبويه. ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، و «أحق» خبره. {قُلْ إِي} «إي» كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. {وَرَبِّيۤ} قسم. {إِنَّهُ لَحَقٌّ} جوابه، أي كائن لا شك فيه. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين عن عذابه ومجازاته.

البيضاوي

تفسير : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} ويستخبرونك. {أَحَقٌّ هُوَ أحق ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة تقوله بجد أم باطل تهزل به قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة، والأظهر أن الاستفهام فيه على أصله لقوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} وقيل إنه للإنكار ويؤيده أنه قرىء «آلحق هو» فإن فيه تعريضاً بأنه باطل، وأحق مبتدأ والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر أو خبر مقدم والجملة في موضع النصب {يستنبئونك}. {قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ} إن العذاب لكائن أو ما ادعيته لثابت. وقيل كلا الضميرين للقرآن، وإي بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال إي والله ولا يقال إي وحده. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بفائتين العذاب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ويستخبرونك {أَحَقٌّ هُوَ}؟ أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام تراباً {قُلْ إِى وَرَبِّىۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي: ليس صيرورتكم تراباً بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم، فـ {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 82] وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن، إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } تفسير : [سبأ: 3] وفي التغابن {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى يَسِيرٌ } تفسير : [التغابن: 7] ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة، يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهباً {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالحق {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } يستخبرونك {أَحَقٌّ هُوَ } أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث؟ {قُلْ إِى } نعم {وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآأَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين العذاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحَقٌ هُوَ} البعث، أو عذاب الآخرة. {بِمُعْجِزِينَ} بممتنعين، أو بمسابقين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} الآية. لمَّا أخبر - تعالى - عن الكفَّار، بأنهم يقولون: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس:48] وأجاب عنه بما تقدَّم، حكى عنهم: أنهم رجعُوا إلى الرَّسُول مرَّة أخرى في هذه الواقعة، وسألوه عن ذلك السُّؤال مرَّة أخرى، وقالوا: أحقٌّ هو؟ واعلم: أنهم سألوا أولاً عن زمانِ وقوعه، وههنا سألوا عن تحقُّقه في نفسه، ولهذا اختلف جوابهما. فأجاب عن الأول، وهو السؤال عن الزمان، بقوله {أية : لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}تفسير : [يونس:49]. وأجاب عن الثاني: بتحققه بالقسم، بقوله {إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} وفائدته أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد؛ لأنَّ الظاهر أنَّ من أخبر عن شيء، وأكَّده بالقسم، فقد أخرجه عن الهَزل إلى الجدِّ، وأيضاً: فإنَّ النَّاس طبقات: فمنهم من لا يُقِرّ بشيءٍ إلاَّ بالبرهان الحقيقيِّ، ومنهم من ينتفع بالأشياء الإقناعيَّة، نحو القسم. قوله: "أحَقٌّ هُوَ" يجوز أن يكون "حَقٌّ" مبتدأ، و "هو" مرفوعاً بالفاعليَّة سدَّ مسدَّ الخبر، و "حَقٌّ" وإن كان في الأصل مصدراً ليس بمعنى اسم فاعل ولا مفعول؛ لكنَّه في قوَّة "ثابت" فلذلك رفع الظَّاهر، ويجوز أن يكون "حقٌّ" خبراً مقدَّماً، و "هو" مبتدأ مؤخراً، واختلف في "يَسْتَنبئُونَك" هذه: هل هي متعدِّيةٌ إلى واحدٍ، أو إلى اثنين، أو إلى ثلاثة؟. فقال الزمخشري: "ويَسْتنْبِئُونك"، فيقولون: أحقٌّ هو فظاهرُ هذه العبارة أنَّها متعدية لواحدٍ، وأن الجملة الاستفهامية في محلِّ نصب بذلك القول المضمر المعطوف على "يَسْتنبئُونَك" وكذلك فهم عنه أبو حيَّان، أعني: تعدِّيها لواحدٍ. وقال مكِّي: "أحقٌّ هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضع المفعُولِ الثاني، إذا جعلْتَ "يستنبئونك" بمعنى: يَسْتخْبِرُونكَ، فإذا جعلتَ "يَسْتَنْبِئُونَ" بمعنى: يَسْتعْلِمُونك، كان "أحقٌّ هُوَ" ابتداء وخبراً في موضع المفعولين؛ لأنَّ "أنْبَأ" إذا كان بمعنى: أعلم، وكان متعدِّياً إلى ثلاثةِ مفاعيل، يجوزُ الاكتفاءُ بواحدٍ، ولا يجوز الاكتفاء باثنين دون الثالث، وإذا كانت "أنبأ" بمعنى: أخْبَر، تعدَّت إلى مفعولين، ولا يجوزُ الاكتفاءُ بواحد دون الثاني، وأنبأ ونبَّأ في التعدِّي سواءٌ". وقال ابن عطيَّة: "معناه: يَسْتخبرونك، وهو على هذا يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما الكافُ، والآخرُ في الابتداء والخبر" فعلى ما قال، تكون "يَسْتَنْبِئُونكَ" معلَّقة بالاستفهام، وأصل استنبأ: أن يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما بـ "عَنْ" تقول: اسْتَنْبَأتُ زيداً عن عمرو، أي: طلبت منه أن يُنِْئَني عن عمرو، ثمَّ قال: "والظَّاهر أنَّها تحتاج إلى ثلاثة مفاعيل أحدها الكاف، والابتداء والخبر سدَّ مسدَّ المفعولين". قال أبو حيَّان: "وليس كما ذكر؛ لأنَّ استعلم لا يحفظ كونها متعدِّيةٌ إلى مفاعيل ثلاثةٍ، لا يحفظ "استعملتُ زيداً عمراً قائماً" فتكون جملةُ الاستفهام سدَّت مسدَّ المفعولين، ولا يلزمُ من كونها بمعنى "يَسْتعْلمونك" أن تتعدَّى إلى ثلاثة؛ لأنَّ "استعْلَم" لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ، كما ذكرنا". وقد سبق ابن عطية إلى هذا مكِّيٌّ، كما تقدَّم عنه والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التَّعدِّي إلى ثالثٍ قد حصل بالسِّين؛ لأنَّهم نصُّوا على أنَّ السِّين تعدي، فيكون الأصل: "عَلِمَ زيدٌ عمراً قائماً" ثم تقول: "اسْتعلمْتُ زيداً عمراً قائماً" إلاَّ أنَّ النحويِّين نصُّوا على أنَّه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إلاَّ "عَلِمَ" و "رأى" المنقولين بخصوصية همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنْبَأ، ونَبَّأ، وأخبر، وخبَّر وحدَّث، وقرأ الأعمش: "آلحقُّ" بلام التعريف، قال الزمخشري: "وهو أدخَلُ في الاستهزاء، لتضمُّنه معنى التعريض، فإنه باطلٌ؛ وذلك لأنَّ اللاًَّم للجنس، فكأنه قال: أهُو الحق لا الباطلُ، أو: أو الذي سمَّيتُمُوه الحق" والضمير، أعني: "هو" عائدٌ إمَّا على العذاب، أو على الشَّرع، أو على القرآن، أو على الوعيد، أو على أمر السَّاعة. قوله: "إي وربِّي" "إي" حرف جوابٍ بمعنى "نعم" ولكنَّها تختصُّ بالقسم، أي: لا تُستعمل إلاَّ في القسم بخلافِ "نعم". قال الزمخشري: "وإي: بمعنى نعم في القسم خاصةً؛ كما كان "هَلْ" بمعنى "قَدْ" في الاستفهام خاصَّة، وسمِعْتُهُم يقولون في التَّصديق "إيْوَ" فيَصِلُونَه بواو القسم، ولا ينْطِقُون به وحده". قال أبو حيَّان: "لا حُجَّة فيما سمعه لعدمِ الحُجَّة في كلام من سمعهُ؛ لفسادِ كلامه وكلام من قبله بأزمانٍ كثيرة". وقال ابن عطيَّة: "هي لفظةٌ تتقدَّم القسم بمعنى: نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ، تقول: إي وربِّي وإي رَبِّي". قوله: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} يجوزُ أن تكون الحجازيَّة وأن تكون التميميَّة؛ لخفاء النَّصْبِ، أو الرفع في الخبر. وهذا عند غير الفارسي، وأتباعه، أعني: جواز زيادة الباء في خبر التميمية، وهذه الجملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون معطوفة على جواب القسم؛ فيكون قد أجاب القسم بجملتين؛ إحداهما: مثبتةٌ مؤكَّدةٌ بـ "إنَّ واللاَّم، والأخرى: منفيةٌ مؤكَّدةٌ بزيادة الباءِ. والثاني: أنَّها مستأنفةٌ، سيقت للإخبار بعجزهم عن التَّعجيز، و "مُعْجَِز" من أعجز، فهو متعدٍّ لواحدٍ، كقوله - تعالى -: {أية : وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}تفسير : [الجن:12] فالمفعول هنا محذوفٌ، أي: بمعجزين الله، وقال الزجاج: "أي: أنتم ممَّن يُعْجِزُ من يُعذِّبُكم"، ويجوز أن يكون استعمل استعمال اللازم؛ لأنَّه قد كثر فيه حذفُ المفعول، حتَّى قالت العرب: "أعْجَزَ فلانٌ" إذا ذهب في الأرض فلمْ يُقدر عليه، قال بعض المُفسِّرين: المعنى: ما أنتم بمُعْجزين، أي: بفَائتينَ من العذاب؛ لأنَّ من عجز عن شيءٍ، فقد فاتهُ. قوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية. أي: أشركت ما في الأرض، {لاَفْتَدَتْ بِهِ} إلاَّ أنَّ ذلك يتعذر؛ لأنه في القيامةِ لا يملك شيئاً؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم:95] وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا يقبل منه الفداء؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}تفسير : [البقرة:48] وقوله: "ظَلَمَتْ" في محل جرِّ صفةٍ لـ "نَفْسٍ" أي: لكلِّ نفس ظالمة، و "ما فِي الأرض" اسمُ "أنَّ" و "لكلِّ" هو الخبر. قوله: {لاَفْتَدَتْ بِهِ}: "افتدى" يجوز أن يكون متعدياً، وأن يكون قاصراً، فإذا كان مطاوعاً لـ "فَدَى" كان قاصراً، تقول: فَدَيتُهُ فافْتَدَى، ويكُون بمعنى: فَدَى" فيتعدَّى لواحدٍ، والفعلُ هنا يحتملُ الوجهين: فإن جعلناه مُتعدِّياً، فمفعوله محذوفٌ تقديره: لافتدت به نفسها، وهو في المجاز، كقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}تفسير : [النحل:111]. قوله: "وَأَسَرُّواْ" قيل: "أسرَّ" من الأضداد، يستعمل بمعنى: أظهر؛ كقول الفرزدق: [الطويل] شعر : 2905- وَلَمَّا رَأَى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أَسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 2906- فأسْررتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نَادَى بِرَدِّ جمالِ غاضِرَةَ المُنَادِي تفسير : ويستعمل بمعنى: "أخْفَى" وهو المشهورُ في اللُّغةِ، كقوله - تعالى -: {أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}تفسير : [البقرة:77]. وهو في الآية يحتمل الوجهين، وقيل إنَّه ماض على بابه قد وقع، وقيل: بمعنى: المستقبل؛ لأنَّها لمَّا كانت واجبة الوقوع جعل مستقبلها كالماضي، وقد أبعد بعضهم، فقال: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي: بدتْ بالنَّدامة أسِرَّةُ وجوههم، أي: تكاسيرُ جباههم. قوله: "لَمَّا رَأَوْا" يجوزُ أن تكون حرفاً، وجوابها محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، أو هو المتقدِّم عند من يرى تقديم جواب الشَّرطِ جائزاً، ويجوز أن تكون بمعنى: "حين" والنَّاصبُ لها: "أسَرُّوا". فصل إذا فسرنا الإسْرار بالإخفاء ففيه وجوهٌ: الأول: أنهم لمَّا رَأوا العذابَ الشَّديد، صارُوا مبهُوتين، لم يطيقُوا بكاء ولا صراخاً سوى إسرار النَّدامة، كمن يذهبُ به ليُصلب، فإنَّه يبقى مبهُوتاً لا ينطق بكلمة. الثاني: أنَّهم أسرُّوا النَّدامة من سفلتهم، وأتباعهم، حياء منهم، وخوفاً من توبيخهم. فإن قيل: إنَّ مهابة ذلك الوقت تمنع الإنسان من هذا التَّدبير، فكيف أقدمُوا عليه؟. فالجواب: أنَّ هذا الكتمان قبل الاحتراق، فإذا احترقوا، تركوا هذا الإخفاء وأظهروه؛ لقوله - تعالى -: {أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}تفسير : [المؤمنون:106]. الثالث: أنَّهم أسرُّوا النَّدامة؛ لأنَّهم أخلصُوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسرَّهُ، وفيه تهكُّمٌ بهم وبإخلاصهم، أي: أنَّهم إنَّما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته. ومن فسَّر الإسرار بالإظهار، فإنَّهم إنَّما أخفُوا النَّدامة على الكفر والفسق في الدُّنيا؛ لأجْلِ حفظ الرِّياسة، وفي القيامة يبطل هذا الغرض؛ فوجب الإظهار. قوله "وَقُضِيَ" يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون معطوفاً على "رَأوْا" فيكون داخلاً في حيِّز "لمَّا" والضَّميرُ في "بينهُم" يعودُ على "كُلِّ نفسٍ" في المعنى، وقال الزمخشري: "بين الظَّالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذكرُ الظُّلْمِ". وقيل: يعود على الرؤساء والأتباع، و "بِالقِسْطِ" يجوز أن تكون الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكون للآلة، وقوله: "وإليه تُرْجعُون" قدَّم الجارَّ للاختصاص، أي: إليه لا إلى غيره ترجعُون؛ ولأجْل الفواصل، وقرأ العامَّةُ: "تُرجعُون" بالخطاب، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر: "يُرْجعُون" بياء الغيبة. قوله تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس:66]. قيل: تعلُّق هذه الآية بما قبلها، هو أنَّه - تعالى - لمَّا قال: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ} قال ههنا: ليس للظَّالم شيء يفتدى به؛ فإنَّ الأشياء كلَّها ملكُ الله. وقيل: إنَّه - تعالى - لمَّا قال: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} ثم قال لهُ: {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} أتبعهُ بهذا البرهان القاطع على إثبات الإله القادر الحكيم، وهو قوله: {أية : أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس:66] فدلَّ على أنَّ ما سواه فهو مِلْكُه ومُلْكُه، ولم يذكر الدَّليل على ذلك؛ لأنَّه قد استقصى تقريرهُ في أول السورة، في قوله: {أية : إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [يونس:6] الآية، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً}تفسير : [يونس:5] فاكتفى بذكره هناك، وإذا كان الأمر كذلك، كان قادراً على كلِّ المُمْكناتِ، عالماً بكلِّ المعلومات، غنيّاً عن جميع الحاجات، فيكون قادراً على صحَّة الميعاد، وعلى إنزال العذاب على الكُفَّار في الدُّنيا والآخرة، وعلى إيصال الرَّحْمَة للأولياء في الدُّنيا والآخرة، ويكُون قادراً على تأييدِ رسوله بالدَّلائل القاطعة، والمعجزات الباهرة، وكان كل ما وعد به، فهو حقٌّ لا بُدَّ وأن يقع، وأنَّه منزَّهٌ عن الخلف في وعده، فلمَّا أخبر عن نُزول العذاب بهؤلاء الكُفَّار، وبحصول الحشر والنشر، وجب القطع بوقوعه، فثبت بهذا البيان أن قوله: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمن في ٱلأَرْضِ} يوجب الجزم بصحَّة قوله: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: غافلُون عن هذه الدَّلائل، ثُمَّ أكد هذا الدليل بقوله: {هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: إنه لمَّا قدر على الإحياء في المرَّة الأولى، فإذا أماته، وجب أن يبقى قادراً على إحيائه ثانياً؛ فظهر أمرهُ لنبيه بأن يقول: {إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ}.

ابو السعود

تفسير : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} أي يستخبرونك فيقولون على طريقة الاستهزاءِ أو الإنكار: {أَحَقٌّ هُوَ} أحقٌّ خبرٌ قُدم على المبتدإ الذي هو الضميرُ للاهتمام به ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّهُ لَحَقٌّ} أو مبتدأٌ والضميرُ مرتفعٌ به سادٌّ مسدَّ الخبر، والجملةُ في موقع النصب بـيستنبئونك، وقرىء أألحقُّ هو، تعريضاً بأنه باطلٌ كأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحقَّ؟ {قُلْ} لهم غيرَ ملتفتٍ إلى استهزائهم مغضياً عما قصدوا وبانياً للأمر على أساس الحكمة {إِى وَرَبّى} (إي) من حروف الإيجابِ بمعنى نعم في القسم خاصةً كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام خاصةً، ولذلك يوصل بواوه {إِنَّهُ} أي العذابُ الموعودُ {لَحَقُّ} لثابتٌ البتةَ، أُكّد الجوابُ بأتم وجوهِ التأكيدِ حسب شدةِ إنكارِهم وقوتِه، وقد زيد تقريراً وتحقيقاً بقوله عز اسمُه: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين العذابَ بالهرب وهو لاحقٌ بكم لا محالة وهو إما معطوفٌ على جواب القسم أو مستأنفٌ سيق لبـيانِ عجزِهم عن الخلاص مع ما في من التقدير المذكور {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} بالشرك أو التعدّي على الغير أو غيرِ ذلك من أصناف الظلمِ ولو مرةً حسبما يفيده كونُ الصفةِ فعلاً {مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالِها ومنافعها قاطبةً بما كثُرت {لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي لجعلتْه فديةً لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه {وَأَسَرُّواْ} أي النفوسُ المدلولُ عليها بكل نفسٍ، والعدولُ إلى صيغة الجمعِ مع تحقق العمومِ في صورة الإفرادِ أيضاً لإفادة تهويلِ الخطبِ بكون الإسرارِ بطريق المعيةِ والاجتماع، وإنما لم يُراعَ ذلك فيما سبق لتحقيق ما يُتوخىٰ من فرض كونِ جميعِ ما في الأرض لكل واحدةٍ من النفوس، وإيثارُ صيغةِ جمعِ المذكرِ لحمل لفظ النفسِ على الشخص أو لتغليب ذكورِ مدلولِه على إناثه {ٱلنَّدَامَةَ} على ما فعلوا من الظلم أي أخفَوْها ولم يظهروها لكن لا للاصطبار والتجلد هيهاتَ ولاتَ حينَ اصطبارٍ بل لأنهم بُهتوا {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} أي عند معاينتِهم من فظاعة الحالِ وشدةِ الأهوالِ ما لم يكونوا يحتسبوا فلم يقدروا على أن ينطِقوا بشيء، (فلما) بمعنى حين منصوبٌ بأسرّوا أو حرفُ شرطٍ حذف جوابُه لدِلالة ما تقدم عليه، وقيل: أسرها رؤساؤُهم ممن أضلوهم حياءً منهم وخوفاً من توبـيخهم، ولكن الأمرَ أشدُّ من أن يعترِيَهم هناك شيءٌ غيرَ خوفِ العذاب، وقيل: أسروا الندامةَ أخلصوها لأن إسرارها إخلاصُها أو لأن سرَّ الشيءِ خالصتُه حيث تُخْفىٰ ويُضَنّ بها، ففيه تهكمٌ بهم. وقيل: أظهروا الندامةَ من قولهم: أسرَّ الشيء وأشره إذا أظهره حين عيل صبرُه وفنِيَ تجلُّده {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي أُوقع القضاءُ بـين الظالمين من المشركين وغيرِهم من أصناف أهل الظلمِ بأن أُظهر الحقُّ سواءٌ كان من حقوق الله سبحانه أو من حقوق العبادِ من العباد من الباطل، وعومل أهلُ كل منهما بما يليق به {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل، وتخصيصُ الظلم بالتعدي وحملُ القضاء على مجرد الحكومةِ بـين الظالمين والمظلومين من غير أن يُتعرَّضَ لحال المشركين وهم أظلمُ الظالمين لا يساعدُه المقامُ فإن مقتضاه كونُ الظلم عبارةً عن الشرك أو عما يدخُل فيه دخولاً أولياً {وَهُمْ} أي الظالمون {لاَ يُظْلَمُونَ} فيما فعل بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمِهم ولوازمِه الضرورية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الآية: 53]. قال بعضهم: أنوار الحق مشرقة وآياته ظاهرة، لا يشك فيها إلا معاند، ولا يعمى عنها إلا ضال والمتحققون بحقائق الحق هم السالكون مسالك أنوار الحق فى مقاصدهم ومواردهم ومصادرهم، والراجعون منها إلى الأعيان هم الضالون عن سنن الحق، قال الله {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ}.

القشيري

تفسير : صرِّحْ بالإخبار عند استخبارهم، وأَعْلِمْ بما يزيل الشُّبْهَةَ عمَّا التَبس على جُهَّالِهم، وأَكِّدْ إخبارَكَ بما تذكره مِنَ القَسَم واليمين، مضافاً ذلك إلى ما تُسْلِفُه من التَّبيين. على أنه لا ينفَعهم نُصْحُك، ولا يُؤثّر فيهم وعظُكَ.. كيف لا؟ وقد جُرِّعوا شرابَ الحُجبة، وَوِسُمُوا بَكِيَّ الفُرقة؛ فلا بصيرة لهم ولا (...) ولا فهمَ ولا حصافة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} اخبر سبحانه عن عمى الجاهلين الذين لم يروا انوار جلاله وعظمته فى مرائى كل ذرة لانهم فى غواشى طباعهم محجوبين عن شهود الحق على كل شئ بنعت ظهور تجلى نفسه ومصداق ذلك قوله او لم يكف بربك انه على كل شئ شهيد ثم اخبر عن وصفهم وشكرك بواطنهم وقالا الا انهم فى مرية من لقاء ربهم ومن كان محجوبا عن لقائه فايضا يكون محجوبا اذ ان اسراهم عن حقائق الخطاب وعن فهم معانيه وان كان لهم بصيرة صافية يرون بها المخبر عنه فى الخبر ولا يحتاجون الى الاستخبار منه لان وراء كل خبر اثر قال بعضهم انوار الحق مشرقة واثاره ظاهرة لا يشك فيها الا معاند ولا يعمى عنها الا ضال فالمتحققون بحقائق الحق هم سالكون مسالك انوار الحق فى مقاصدهم ومواردهم ومصادرهم والراجعون منها الى الاغيار هم الضالون من سنن الحق قال الله تعالى ويستنبئونك احق هو قل اى وربى الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويستنبئونك} اى يستخبرونك فيقولون على طريق الاستهزاء والانكار {أحق هو} والهمزة للاستفهام وحق خبر قدم على المبتدأ الذى هو الضمير والجملة فى موضع النصب بيستنبئونك لان انبأ بمعنى اخبر يتعدى الى اثنين بنفسه والاشهر ان يتعدى الى الثانى بكلمة عن بان يقال استنبأت زيدا عن عمرو اى طلبت منه ان يخبرنى عن عمرو {قل} لهم غير ملتفت الى استهزائهم بانيا للامر على اساس الحكمة {اى وربى} اى بكسرة الهمزة وسكون الياء من حروف الايجاب بمعنى نعم فى القسم خاصة كما ان هل بمعنى قد فى الاستفهام خاصة فالواو للقسم. والمعنى بالفارسية [آرى بحق برود كارمن] {انه} اى العذاب الموعود {لحق} ثابتة البتة {وما انتم بمعجزين} ربكم حيث اراد تعذيبكم حتى يفوتكم العذاب بالهرب فهو لا حق بكم لا محالة. وفى الآية اشارة الى ان اهل الغفلة لاحتجاب بصائرهم بحجب التعلقات الكونية ليس الامور الاخروية عندهم بمنزلة المحسوس واما اهل اليقظة فلتنورهم بنور الله تعالى يشاهدون بعين القلب الآخرة واهوالها كما تشاهد عين القالب الدنيا واحوالها فهى عندهم بمنزلة المحسوس بل النبى عليه السلام قد عبر ليلة المعراج على الجنة والنار فشاهد من شاهد بعين الرأس وكشف حقائق الاشياء ولذا حكم على الموعود بالحقية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (أحق): مبتدأ، والضمير فاعله سد مسد الخبر، و(إي): حرف جواب، بمعنى نعم، وهو من لوازم القسم، لذلك يوصل بواوه، فيقال: إي والله، ولا يقال"إي" وحُده. يقول الحق جل جلاله: {ويستنبئونَكَ} أي: يستخبرونك {أحقٌ هُو} أي: ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة، قيل: قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة. {قل} لهم: {إي وربي إنه لحقٌّ} أي: العذاب الموعود لحق، أو ما ادعيته من النبوة لثابت، والأول أرجح لقوله: {وما أنتم بمعجزين}: بفائتين العذاب الموعد. {ولو أنَّ لكلِّ نفسٍ ظلمتْ} بالشرك أو التعدي على الغير {ما في الأرض} من خزائنها وأموالها {لافتدتْ به}: لجعلته فدية لها من العذاب، {وأسرُّوا الندامة} أي: أخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة خوف الشماتة والتعيير من سفلتهم، {لمَّا رأوا العذاب}، أو جميعهم، لأنهم بهتوا بما عاينوا، مما لم يحتسبوا من فظاعة الأمر وهوله، فلم يقدروا أن ينطقوا، وقيل: أظهروها، من قولهم: أسر الشيء: أظهره، ومنه: أسارير الوجه، {وقُضِيَ بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون}، ليس تكراراً؛ لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني في جزاء المشركين على شركهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كثير من الناس من يستخبر عن شيخ التربية، أحق وجوده أم لا؟ إي وربي إنه لحق، ولا يخلو منه زمان، إذ القطب والعدد الذي يقوم الوجود بهم لا ينقطع، والقطبانية لا تدرك من غير تربية أصلاً، وما أنتم بفائتين عنه إن طلبتموه بصدق الاضطرار. ولو أن لكم نفس ظلمت نفسها ـ حيث بقيت بعيبها وغم حجابها حتى لقيت مولاها ـ ما في الأرض جميعاً لافتدت به من البعد وغم الحجاب، وفوات القرب من الأحباب، وقد قضى بين الخلائق بالحق، فارتفع المقربون الذين لقوا الله بقلب سليم، وانحط الغافلون، الذين لقوا الله بقلب سقيم، وندموا على ترك صحبة من يخلصهم من عيبهم، فإن كانت لهم رئاسة علم أو صلاح أضمروا ذلك عمن قلدهم، {ولا يظلم ربك أحداً}. ولذلك قال: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : معنى {ويستنبؤنك} يستخبرونك أي يطلبون النبأ الذي هو الخبر {أحق هو} يعني هذا الوعيد الذي ذكره الله في هذه الآية الأولى، فقال الله لنبيه {قل إي وربي} أي نعم وحق الله انه لحق. والحق في الدين ما شهدت به الادلة الموجبه للعلم او اقتضاه غالب الظن فيما طريقه الظن. وقوله {وما أنتم بمعجزين} أي لستم تقدرون على اعجاز الله عما يريده من انزال العذاب بكم.

اطفيش

تفسير : {ويسْتَنبِئُونَكَ} يطلبون منك الأنباء، أى الأخبار {أحقٌّ} خبر مقدم {هُو} مبتدأ مؤخر، أو حق مبتدأ، وهو فاعل أغنى عن الخبر، لاعتماد الوصف على الاستفهام، وهو استفهام إنكار واستهزاء، واستظهر القاضى أنه حقيقى لقوله: {ويستنبئونك} وليس كذلك، بل معنى {يستنبئونك} يكلفونك بصورة من يسأل ليتعلم أحق هو، تقوية بجد أم باطل تهزل به، ويؤيد الأول قراءة الأعمش الحق هو بالتعريف، وقلبت همزة أل ألفا بعد همزة الاستفهام، فإنه أدخل فى الاستهزاء لتضمنه التعريض بأنه باطل، كأنه قيل: أهو الحق لا الباطل، أو أهو الذى سميتموه الحق، والضمير للموعود به من العذاب والبعث، وقيل: القرآن، وقيل: ادعاء النبوة، والجملة مفعول ثان معلق عنها بالاستفهام. {قُلْ إى} نعم، وتختص فى هذا المعنى بالقسم، فلا تستعمل فى غيره بمعنى نعم، وقال ابن الحاجب: تختص مع ذلك لتقدم الاستفهام، وليس كذلك قاله ابن هشام {وَربِّى إنَّه لحقٌّ} قيل: وقد يتقدمها واو القسم، ويتأخر مجروره، تقول: "إى ربى" وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو. {ومَا أنتُم بمعْجِزينَ} فائتين عذابنا وهذا يؤيد كون الضمير للعذاب، ووجهه مع كون الضمير لغيره أن المعنى أنا نعاقبكم على تكذيبكم بالقرآن أو النبوة ولا تفوتوننا.

اطفيش

تفسير : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} يستخبرونك {أَحَقٌّ هُوَ} سأَلوا أَولا عن وقت العذاب، وهنا عن تحققه فى نفسه، ولفظ هو للعذاب وحق مبتدأٌ وهو فاعله أَغنى من خبره أَو حق خبر وهو مبتدأٌ، وقدم للحصر وللاهتمام أَى أَكان وحده حقاً لا حق معه أَو أَهو الحق لا الباطل، والجملة على كل مفعول ثان ليستنبىءُ علق هنا بالاستفهام {قُلْ إِى} نعم وإِى بمعنى نعم تختص بالقسم وأَجاز أَبو حيان استعمالها فى غير القسم، والغالب استعمالها فيه عنده، وما قاله ظاهر على أَن ورودها فى القسم غير حجر عن استعمالها فى غيره لعدم فساد المعنى على حد ما من البحث فى كافة، وأَهل مضاب وأَهل مصر ومن شايعهم، أَى بلا واو ويقولون أَيو بالواو وأَيوه بهاءِ السكت، ونقول الواو بعض من القسم فإِن كان لأَبى حيان حجة من كلام من يحتج به قبل فساد اللسان فهو حجة {وَرَبِّى إِنُّهُ لَحَقٌّ} إِن العذاب لحق، أَو إِن القرآن لحق أَو ما أَدعيه من الرسالة لحق، قيل الاستفهام فى قوله أَحق على أَصله لقوله: ويستنبئُونك، سافر حيى بن أَخطب من المدينة إلى مكة قبل الهجرة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحق ما تقول، فنزل ويستنبئُونك إلخ، والمضارع لحكاية الحال على أَن الآية بعد قوله ذلك، وأَما قبل قوله فهو للاستقبال وإِخبار بالغيب، وقيل للإِنكار وهو أَولى لأَن السائِل وهو حيى بن أَخطب من رَأْس اليهود فى العلم وهو من أَشدهم، فهو إِما عارف بالحق معاند أَو خائِف من زوال رياسته أَو غير عارف وهو منكر، وقد يقال لعل ذلك من أَول أَمره لعنه الله فيسأَل استفهاماً، ويشتد كفره بعد، وأَما الاستنباءُ فلا دليل فيه لأَنه يستعمل فى الإِنكار كما يستعمل فى الاستفهام الحقيقى، ويجوز أَن يكون المعنى إِنا جازمون بذلك لكن أَخبرنا عما تقول أَجد منك أَم هزل. فقل لهم: نعم، وأُقسم لكم بربى الذى لا إِله إِلا هو ولا معبود بحق سواه إِنه لحق وجد لا هزل فيه، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} فإِنكم بعد أَن تموتوا وتصيروا تراباً لن تعجزوا الله سبحانه وتعالى عن إِعادتكم كما بدأَكم من العدم فـ "أية : إِنما أَمره إِذا أَراد شيئاً أَن يقول له كُن فيكون"تفسير : [يس: 82] وهذه الآية ليس لها نظير فى القرآن إِلا آيتان أُخريان يأْمر الله تعالى رسوله أَن يقسم به على من أَنكر المعاد، فى سورة سبأ: "أية : وقال الذين كفروا لا تأْتينا الساعة قل بلى وربى لتأْتينكم"تفسير : [سبأ: 3] وفى التغابن: "أية : زعم الذين كفروا أَن لن يبعثوا قل: بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير"تفسير : [التغابن: 7] ثم أَخبر الله تعالى أَنه إِذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملءِ الأَرض ذهباً.

الالوسي

تفسير : {وَيَسْتَنْبؤُنَكَ} أي يستخبرونك {أَحَقٌّ هُوَ} أي العذاب الموعود كما هو الأنساب بالسياق دون ادعاء النبوة الذي جوزه بعضهم، ورجح عليه أيضاً بأنه لا يتأتى إثبات النبوة لمنكريها بالقسم. وأجيب بأنه ليس المراد منه إثباتها بل كون تلك الدعوى جداً لا هزلاً أو أنه بالنسبة لمن يقنع بالإثبات بمثله، وقد يقال: ما ذكر مشترك الإلزام لأن العذاب الموعود لا يثبت عند الزاعمين أنه افتراء قبل وقوعه بمجرد القسم أيضاً فلا يصلح ما ذكر مرجحاً، والحق أن القسم لم يذكر للإلزام بل توكيد لما أنكروه، والاستفهام للإنكار، والاستنباء على سبيل التهكم والاستهزاء كما هو المعلوم من حالهم فلا يقتضي بقاءه على أصله، وربما يقال: إن الاستنباء بمعنى طلب النبأ حقيقة لكن لا عن الحقبة ومقابلها بالمعنى المتبادر لأنهم جازمون بالثاني بل المراد من ذلك الجد والهزل كأنهم قالوا: إنا جازمون بأن ما تقوله كذب لكنا شاكون في أنه جد منك أم هزل فأخبرنا عن حقيقة ذلك، ونظير هذا قولهم: {أية : أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةَ }تفسير : [سبأ: 8] على ما قرره الجماعة إلا أن ذلك خلاف الظاهر، و (حق) خبر قدم على المبتدأ الذي هو {هُوَ} ليلي الهمزة المسؤول عنه، وجوز أن يكون مبتدأ وهو مرتفع به ساد مسد الخبر لأنه بمعنى ثابت فهو حينئذٍ صفة وقعت بعد الاستفهام فتعمل ويكتفى بمرفوعها عن الخبر إذا كان اسماً ظاهراً أو في حكمه كالضمير المنفصل هنا، والمشهور أن استنبأ تتعدى إلى اثنين أحدهما بدون واسطة والآخر بواسطة ـ عن ـ فالمفعول الأول على هذا ليستنبؤون الكاف والثاني قامت مقامه هذه الجملة، على معنى يسألونك عن جواب هذا السؤال إذ الاستفهام لا يسأل عنه وإنما يسأل عن جوابه. والزمخشري لما رأى أن الجملة هنا لا تصلح أن تكون مفعولاً ثانياً معنى لما عرفت ولفظاً / لأنه لا يصح دخول ـ عن ـ عليها جعل الفعل مضمناً معنى القول أي يقولون لك هذا، والجملة في محل نصب مفعول القول. وقرأ الأعمش {الحق هو} بالتعريف مع الاستفهام وهي تؤيد كون الاستفهام للإنكار لما فيها من التعريض لبطلانه المقتضي لإنكاره لإفادة الكلام عليها القصر وهو من قصر المسند على المسند إليه على المشهور، والمعنى أن الحق ما تقول أم خلافه؟ وجعله الزمخشري من قصر المسند إليه على المسند حيث قال كأنه قيل: أهو الحق لا الباطل أو أهو الذي سميتموه الحق؟ وأشار بالترديد إلى أن الغرض من هذا الوجه لا يختلف جعل الحصر حقيقياً تحكماً أو ادعائياً. واعترض ذلك بأنه مخالف لما عليه علماء المعاني في مثل هذا التركيب. وفي «الكشف» أنه يتخايل أن الحصر على معنى أهو الحق لا غيره لا معنى أهو الحق لا الباطل على ما قرروه في قولهم: زيد المنطلق والمنطلق زيد، فعلى هذا لا يسد ما ذكره الزمخشري ولكنه يضمحل بما حققناه في قوله تعالى: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة: 24] وأن انحصار أحدهما في الآخر يلاحظ بحسب المقام وحينئذٍ لا يبالي قدم أو أخر، وهٰهنا المعنى على حصر العذاب في الحقية لا على حصر الحقية في العذاب. وقد قال هناك: إن التحقيق أن نحو زيد المنطلق وعكسه إنما يحكم فيه بقصر الثاني أعني الانطلاق على الأول لأن المناسب قصر العام على الخاص، وكذلك نحو الناس هم العلماء والعلماء هم الناس وإن كان بينهما عموم وخصوص من وجه لأن المقصود بين، وأما في نحو قولنا: الخاشعون هم العلماء والعلماء هم الخاشعون فالحكم مختلف تقديماً وتأخيراً وأحد القصرين غير الآخر، فينبغي أن ينظر إلى مقتضى المقام إن تعين أحدهما لذلك حكم به قدم أو أخر وإلا روعي التقديم والتأخير، وقد يكون القصر متعاكساً نحو زيد المنطلق إذا أريد المعهود وهذا ذاك، وكذلك الجنسان إذا اتحدا مورداً كقولك: الضاحك الكاتب إلى آخر ما قال، وكون المعنى هٰهنا على حصر العذاب في الحقية دون العكس هو المناسب، ومخالفة علماء المعاني ليست بدعا من صاحب «الكشاف» وأمثاله، والحق ليس محصوراً بما هم عليه كما لا يخفى فتدبر. {قُلْ إِي وَرَبّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي قل لهم غير مكترث باستهزائهم مغضياً عما قصدوا بانياً للأمر على أساس الحكمة: نعم إن ذلك العذاب الموعود ثابت البتة، فضمير {إنَّه} للعذاب أيضاً و{إي} حرف جواب وتصديق بمعنى نعم قيل: ولا تستعمل كذلك إلا مع القسم خاصة كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام خاصة، ولذلك سمع من كلامهم وصلها بواو القسم إذا لم يذكر المقسم به فيقولون ـ إيو ـ ويوصلون به هاء السكت أيضاً فيقولون: ـ إيوه ـ وهذه اللفظة شائعة اليوم في لسان المصريين وأهل ذلك الصقع. وادعى أبو حيان أنه يجوز استعمالها مع القسم وبدونه إلا أن الأول هو الأكثر قال: وما ذكر من السماع ليس بحجة لأن اللغة فسدت بمخالطة غير العرب فلم يبق وثوق بالسماع، وحذف المجرور بواو القسم والاكتفاء بها لم يسمع من موثوق به وهو مخالف للقياس، وأكد الجواب بأتم وجوه التأكيد حسب شدة إنكارهم وقوته وقد زيد تقريراً وتحقيقاً بقوله جل شأنه: {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين العذاب على أنه من فاته الأمر إذا ذهب عنه، ويصح جعله من أعجزه بمعنى وجده عاجزاً أي ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزاً عن إدراككم وإيقاعه بكم، وأياً ما كان فالجملة إما معطوفة على جواب القسم أو مستأنفة سيقت لبيان عجزهم عن الخلاص مع ما فيه من التقرير المذكور.

ابن عاشور

تفسير : هذا حكاية فن من أفانين تكذيبهم، فمرة يتظاهرون باستبطاء الوعد استخفافاً به، ومرة يُقبلون على الرسول في صورة المستفهم الطالب فيسألونه: أهذا العذاب الخالد، أي عذاب الآخرة، حق. فالجملة معطوفة على جملة {أية : ويقولون متى هذا الوعد}تفسير : [يونس: 48]، وضمير الجمع عائد إليهم فهم المستنبئون لا غيرهم، وضمير (هو) عائد إلى {أية : عذاب الخلد}تفسير : [يونس: 52]. والحق: الثابت الواقع، فهو بمعنى حاقّ، أي ثابت، أي أن وقوعه ثابت، فأسند الثبوت لذات العذاب بتقدير مضاف يدل عليه السياق إذ لا توصف الذات بثبوت. وجملة: {أحق هو} استفهامية معلقة فعل {يستنبئونك} عن العمل في المفعول الثاني، والجملة بيان لجملة {يستنبئونك} لأن مضمونها هو الاستثناء. والضمير يجوز كونه مبتدأ، و{أحقّ} خبر مقدم. واستعملوا الاستفهام تَبالُها، ولذلك اشتمل الجواب المأمور به على مراعاة الحالتين فاعتبر أولاً ظاهر حال سؤالهم فأجيبوا على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيهاً على أن الأولى بهم سؤال الاسترشاد تغليطاً لهم واغتناماً لفرصة الإرشاد بناء على ظاهر حال سؤالهم، ولذلك أكد الجواب بالتوكيد اللفظي إذْ جمع بين حرف {إي} وهو حرف جواب يحقق به المسؤول عنه، وبين الجملة الدالة على ما دل عليه حرف الجواب، وبالقسم، وإنّ، ولام الابتداء، وكلها مؤكدات. والاعتبار الثاني اعتبار قصدهم من استفهامهم فأجيبوا بقوله: {وما أنتم بمعجزين}. فجملة: {وما أنتم بمعجزين} معطوفة على جملة جواب القسم فمضمونها من المقْسم عليه. ولما كان المقسم عليه جواباً عن استفهامهم كان مضمون {ما أنتم بمعجزين} جواباً عن الاستفهام أيضاً باعتبار ما أضمروه من التكذيب، أي هو واقع وأنتم مصابون به غير مفلتين منه. وليس فعل {يستنبئونك} مستعملاً في الظاهر بمعنى الفعل كما استعمل قوله: {أية : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة}تفسير : [التوبة: 64]، كما تقدم في براءة لأن حقيقة الاستنباء واقعة هنا إذ قد صرحوا بصورة الاستفهام. و{إي} بكسر الهمزة: حرف جواب لتحْقيق ما تضمنه سؤال سائل، فهو مرادف (نَعم)، ولكن من خصائص هذا الحرف أنه لا يقع إلا وبعده القسم. والمعجزون: الغالبون، أي وما أنتم بغالبين الذي طلبكم، أي بمفلتين. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين}تفسير : في سورة [الأنعام: 134].

الواحدي

تفسير : {ويستنبئونك} يستخبرونك {أحقٌّ} ما أخبرتنا به من العذاب والبعث؟ {قل: إي} نعم {وربي إنَّه لحقٌّ} يعين: العذاب نازلٌ بكم {وما أنتم بمعجزين} بعد الموت، أَيْ: فتجازون بكفركم. {ولو أنَّ لكلِّ نفسٍ ظلمت} أشركت {ما في الأرض لافتدت به} لبذلته لدفعِ العذاب عنها {وأسروا} أخفوا وكتموا {الندامة} يعني: الرُّؤساء من السَّفلة الذين أضلُّوهم {وقضي بينهم} بين السَّفلة والرُّؤساء {بالقسط} بالعدل، فيجازي كلٌّ على صنيعه. {ألاَ إنَّ وعد الله حقٌّ} ما وعد لأوليائه [وأعدائه] {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} يعني: المشركين.

د. أسعد حومد

تفسير : (53) - وَيَسْتَخْبِرُكَ الكَافِرُونَ الذِينَ تَعِدُهُمْ بِالعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ مِنَ الأَمْوَاتِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، أَحَقّاً سَيَقَعُ ذَلِكَ، أَمْ أَنَّهُ إِرْهَابٌ وَتَخْوِيفٌ؟ وَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبيلِ الإِنْكَارِ وَالاسْتِهْزَاءِ، فَقُلْ لَهُمْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ، وَلَيْسَ فِي صَيْرُورَتِكُمْ تُرَاباً مَا يُعْجِزُ اللهَ عَنْ إِعَادَتِكُمْ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ العَدَمِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ البَعْثِ مَا يُعْجِزُ اللهَ. وَيَسْتَنْبئُونَكَ - وَيَسْتَخْبِرُونَكَ مُسْتَهْزِئِينَ عَنِ العَذَابِ. إِي وَرَبِّي - نَعَمْ وَرَبِّي. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ - وَمَا أَنْتُمْ فَائِتِينَ مِنْ عَذَابِ اللهِ بِالهَرَبِ.

الثعلبي

تفسير : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} ويستخبرونك يا محمد {أَحَقٌّ هُوَ} ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة {قُلْ إِي} كلمة تحقيق {وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} لا شك فيه {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} فأتيقن {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أشركت {مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ} يوم القيامة {وَأَسَرُّواْ} وأخفوا {ٱلنَّدَامَةَ} على كفرهم {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْط} وفرغ من عذابهم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} إلى قوله {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} تذكرة {مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ} ودواء {لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} إلى قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ}. قال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله. وقال ابن عمر: فضل الله الإسلام وبرحمته تزيينه في القلب. خالد بن معدان: فضل الله الإسلام وبرحمته السنّة. الكسائي: فضل الله النعم الظاهرة، ورحمته النعم الباطنة. بيانه: وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. أبو بكر الوراق: فضل الله النعماء وهو ما أعطى وجنى ورحمته الآلاء وهي ما صرف. وروى ابن عيينة فضل الله التوفيق ورحمته العصمة. سهل بن عبد الله: فضل الله الإسلام ورحمته السنّة. الحسين بن الفضل: فضل الله الإيمان ورحمته الجنة. ذو النون المصري: فضل الله دخول الجنان ورحمته النجاة من النيران. عمر بن عثمان الصدفي: فضل الله كشف الغطاء ورحمته الرؤية واللقاء. وقال هلال بن يساف ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان ورحمته القرآن {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} من الأموال قرأ العامة كلاهما بالياء على الخبر، وقرأهما أبو جعفر: بالتاء وذكر ذلك عن أبي بن كعب، وقرأ الحسين ويعقوب: فلتفرحوا بالتاء خطاباً للمؤمنين يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه: "حديث : لتأخذوا [مصافكم] ويجمعون"تفسير : بالياء خبراً عن الكافرين {قُلْ} يا محمد لكفار مكة {أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} خلق الله {لَكُمْ} عبّر عن الخلق بالإنزال لأن ما في الأرض من خيراتها أنزل من السماء {مِّن رِّزْقٍ} زرع أو ضرع {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} وهو ما حرموا من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. قال الضحاك: هو قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}تفسير : [الأنعام: 136] الآية {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} في هذا التحريم والتحليل {أَمْ} بل {عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} وهو قولهم: الله أمرنا بها {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم ولا يعاتبهم عليه {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} منّ على الناس حين لا يعجل عليهم بالعذاب بافترائهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} عمل من الأعمال، وجمعه: شؤون، قال الأخفش: يقول العرب ما شأنك شأنه، أي لمّا عملت على عمل {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} من الله {مِن قُرْآنٍ} ثم خاطبه وأمته جميعاً فقال: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تأخذون وتدخلون فيه، والهاء عائدة على العمل، يقال: أفاض فلان في الحديث وفي القول إذا أبدع فيه. قال الراعي: شعر : وأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا تفسير : قال ابن عباس: تفيضون تفعلون، الحسن: تعملون، الأخفش: تكلمون، المؤرّخ: تكثرون، ابن زيد: تخرصون. ابن كيسان: تنشرون. يقال: حديث ستفيض، وقيل: تسعون. وقال الضحاك: الهاء عائدة إلى القرآن أي تستمعون في القرآن من الكذب. قيل: من شهد شهود الحق قطعاً ذلك عن مشاهدة الأغيار أجمع {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} قال ابن عباس: فلا يغيب، أبو روق: يبعد، وقال ابن كيسان يذهب. وقرأ يحيى والأعمش والكسائي: يعزب بكسر الزاء وقرأ الباقون: بالضم وهما لغتان [صحيحتان] {مِن مِّثْقَالِ} من صلة معناه وما يعزب عن ربك مثقال ذرة أو وزن ذرة [وهي النملة الحمراء الصغيرة]، يقول العرب: [خذ] هذا، فإنهما أثقل مثقالا وأخفها مثقالا أي وزناً {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} قرأ الحسن وابن أبي يحيى وحمزة برفع الراء فيهما عطفاً على موضع المثقال فبرّر دخول من، وقرأ الباقون بفتح الراء عطفاً على الذرة ولا مثقال أصغر وأكبر {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} بمعنى اللوح المحفوظ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهم قد قالوا من قبل: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ..}تفسير : [يونس: 48]. وهم هنا قد عادوا للتساؤل. {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} أي: يطلبون منك النبأ. والنبأ هو الخبر المتعلق بشيء عظيم، وهم يطلبون الخبر منك يا رسول الله ويتساءلون: أهو حق؟ وكلمة "حق" هنا لها معطيات كثيرة؛ لأن {هُوَ} يمكن أن تعود على أصل الدين قرآناً؛ ونبوَّة، وتشريعاً، وهي كلمة تحمل التصديق بأن القرآن حق، والتشريع حق، والنبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم حق، والقيامة والبعث حق، والكلام عن العذاب في الدنيا بخذلانهم ونصرة المؤمنين عليهم حق. إذن: فقولهم: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ..} [يونس: 53] لها أكثر من مرجع، كأنهم سألوا: هل القرآن الذي جئت به حق؟ وهل النبوة التي تدَّعيها حق؟ وهل الشرائع - التي تقول: إن الله أنزلها كمنهج يحكم حركة الإنسان - حق؟ وهل القيامة والبعث حق؟ وهل العذاب في الدنيا حق؟ إنها كلمة شاملة يمكن أن تؤول إلى أكثر من معنى. ويأتي الجواب من الله تعالى: {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ..} [يونس: 53]. وأنت حين يستفهم منك أحد قائلاً: هل زيد موجود؟ فأنت تقول: نعم موجود. ولا تقول له: والله إن زيداً موجود؛ لأنك لن تؤكد الكلام لمن يسألك؛ لأنه لا ينكر وجود زيد. إذن: فأنت لن تؤكد إجابةً ما إلا إذا كان هناك في السؤال شبهة إنكار. إذن: فأنت تستدل من قول الحق سبحانه: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ..} [يونس: 53] على أن سؤالهم يحمل معاني الإنكار والاستهزاء؛ ولذلك جاء الجواب بـ "إي" وهو حرف جواب يعني: "نعم"، وتأتي "إي" دائماً مع القسم. ولكل حرف من حروف الجواب مقام، فهناك "بلى" وهي تأتي في جواب سؤال منفي، في مثل قوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..}تفسير : [الأعراف: 172]. وقول الحق سبحانه هنا: {إِي وَرَبِّيۤ ..} [يونس: 53]. تعني: نعم وأقسم بربي إنه لحق. وأنت لا تُقسم على شيء إلا إذا كان السائل عنده شبهة إنكار، وتأتي بـ"إن" لمزيد من هذا التأكيد. ومثال ذلك في قوله سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ}تفسير : [يس: 13-14]. وماذا كان رد من بُعث اليهم الثلاثة؟ {أية : قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}تفسير : [يس: 15]. هكذا كان إنكار المكذبين للرسل الثلاثة شديداً. فقال لهم الرسل: {أية : رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}تفسير : [يس: 16]. فكان قولهم هذا مناسباً لإنكار الكافرين الشديد. إذن: فالتأكيد في أسلوب المسئول إنما يأتي على مقدار الإنكار، فإن لم يكن هناك إنكار؛ فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد. أما إذا صادف الكلام إنكاراً قليلاً، فالتأكيد يأتي مرة واحدة. وإن صادف الكلام لجاجة في الإنكار جاء التأكيد مرتين. أما إذا ما صادف الكلام تبجُّحاً في الإنكار فالتأكيد يأتي ثلاث مرات. وقد علَّم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم هنا أن يرد على استنبائهم بأن يقول لهم: {إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ..} [يونس: 53]. وهنا يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرب؛ لأن الرب هو من كلَّفه، ثم يؤكد {إِنَّهُ لَحَقٌّ} لأن سؤالهم تضمَّن الإنكار والاستهزاء. وما دام قد قال: {إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} فهم إن لم يؤمنوا فسوف يلقون العذاب؛ لأنه ليس هناك مَنْجًى من الله تعالى، ولن تُعْجِزوا الله هرباً، ولن تعجزوه شفاعة من أحد، ولن تعجزوه بيعاً، ولن تعجزوه خُلَّة تتقدم لتشفع لكم. ثم يأتي قوله سبحانه في نهاية الآية: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [يونس: 53]. وقد أراد الحق سبحانه أن يفسر لمحة من الإعجاز، ذلك أن الله سبحانه وتعالى من الممكن أن يقبل شفاعة الشافعين، ومن الممكن أن يقبل الفداء؛ ولذلك جاء الإيضاح في الآية التالية، فيقول سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } أي: يستخبرك المكذبون على وجه التعنت والعناد، لا على وجه التبين والرشاد. { أَحَقٌّ هُوَ } أى: أصحيح حشر العباد، وبعثهم بعد موتهم ليوم المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؟ { قُلْ } لهم مقسمًا على صحته، مستدلا عليه بالدليل الواضح والبرهان: { إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ } لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه. { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } لله أن يبعثكم، فكما ابتدأ خلقكم ولم تكونوا شيئًا، كذلك يعيدكم مرة أخرى ليجازيكم بأعمالكم. { و } إذا كانت القيامة فـ { لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } بالكفر والمعاصي جميع { مَا فِي الأرْضِ } من ذهب وفضة وغيرهما، لتفتدي به من عذاب الله { لافْتَدَتْ بِهِ } ولما نفعها ذلك، وإنما النفع والضر والثواب والعقاب، على الأعمال الصالحة والسيئة. { وَأَسَرُّوا } [أي] الذين ظلموا { النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } ندموا على ما قدموا، ولات حين مناص، { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } أي: العدل التام الذي لا ظلم ولا جور فيه بوجه من الوجوه. { أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يحكم فيهم بحكمه الديني والقدري، وسيحكم فيهم بحكمه الجزائي. ولهذا قال: { أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك لا يستعدون للقاء الله، بل ربما لم يؤمنوا به، وقد تواترت عليه الأدلة القطعية والبراهين النقلية والعقلية. { هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: هو المتصرف بالإحياء والإماتة، وسائر أنواع التدبير، لا شريك له في ذلك. { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها.