١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أي أشركت وكفرت. {مَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ملكاً. {لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي من عذاب الله، يعني ولا يقبل منها؛ كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}. وقد تقدّم. قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي أخفَوْها؛ يعني رؤساءهم، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم. {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} وهذا قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في النار ألْهتهم النار عن التصنع؛ بدليل قولهم: {أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}تفسير : [المؤمنون: 601]. فبيّن أنهم لا يكتمون ما بهم. وقيل: «أسَرُّوا» أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدلّ عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبّر. وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها. قال كثير:شعر : فأسررتُ الندامة يوم نادى بردّ جمال غاضرة المنادي تفسير : وذكر المبرّد فيه وجهاً ثالثاً ـ أنه بدت بالندامة أسِرّة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سِرَار. والندامة: الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، وأصلها اللزوم؛ ومنه النديم لأنه يلازم المجالس. وفلان نادم سادم. والسَّدَم اللَّهَج بالشيء. ونَدِم وتندّم بالشيء أي اهتمّ به. قال الجوهري: السَّدَم (بالتحريك) الندم والحزن؛ وقد سَدِم بالكسر أي اهتمّ وحَزِن ورجل نادمٌ سادمٌ، وندمانُ سَدْمان؛ وقيل: هو إتباع. وماله همٌّ ولا سَدَم إلا ذلك. وقيل: الندم مقلوب الدمن، والدَّمْن اللزوم؛ ومنه فلان مدمن الخمر. والدّمْن: ما اجتمع في الدار وتلبّد من الأبوال والأبعار؛ سُمِّيَ به للزومه. والدّمنة: الحقد الملازم للصدر، والجمع دِمَن. وقد دَمِنت قلوبهم بالكسر؛ يقال: دَمِنت على فلان أي ضَغِنت. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي بين الرؤساء والسُّفَّل بالعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} بالشرك أو التعدي على الغير {مَّا فِى ٱلأَرْضِ} من خزائنها وأموالها. {لاَفْتَدَتْ بِهِ} لجعلته فدية لها من العذاب، من قولهم افتداه بمعنى فداه. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهوله فلم يقدروا أن ينطقوا. وقيل {أَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها، أو لأنه يقال سر الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى ويضن بها. وقيل أظهروها من قولهم أسر الشيء وأسره إذا أظهره. {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ليس تكريراً لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم والثاني مجازاة المشركين على الشرك أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين، والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } كفرت {مَّا فِى ٱلأَرْضِ } جميعاً من الأموال {لاَفْتَدَتْ بِهِ } من العذاب يوم القيامة {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ } على ترك الإِيمان {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ } أي أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين الخلائق {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار للكفار في سياق إخبارهم بأن ذلك الوعد حق، {وأسروا} لفظة تجيء بمعنى أخفوا، وهي حينئذ من السر، وتجيء بمعنى أظهروا، وهي حينئذ من أسارير الوجه، قال الطبري: المعنى وأخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة عن سفلتهم ووضعائهم. قال القاضي أبو محمد: بل هو عام في جميعهم و {ألا } استفتاح وتنبيه، ثم أوجب أن جميع {ما في السماوات والأرض } ملك لله تعالى، قال الطبري: يقول: فليس لهذا الكافر يومئذ شيء يقتدي به. قال القاضي أبو محمد: وربط الآيتين هكذا يتجه على بعد، وليس هذا من فصيح المقاصد، وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون } قيد بالأكثر لأن بعض الناس يؤمن فهم يعلمون حقيقة وعد الله تعالى وأكثرهم لا يعلمون فهم لأجل ذلك يكذبون، وقوله و{هو يحيي}، يريد يحيي من النطفة {ويميت} بالأجل ثم يجعل المرجع إليه بالحشر يوم القيامة وفي قوة هذه الآيات ما يستدعي الإيمان وإجابة دعوة الله، وقرأ " ترجعون " بالتاء من فوق الأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع والناس، وقرأ عيسى بن عمر "يرجعون" بالياء من تحت، واختلف عن الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ} أظهروها، أو أخفوها من رؤسائهم، أو أخفاها الرؤساء منهم، أو بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة قاله المبرد. {وَقُضِىَ بَيْنَهُم} وبين الرؤساء، أو قضي عليهم بالعذاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ...} الآية، و{أَسَرُّواْ}: لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا»، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا»، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ. * ص *: قال أبو البقاء: وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة. وقوله تعالى: {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية، «أَلاَ» ٱستفتاحٌ وتنبيهٌ، وباقي الآية بيِّن.
البقاعي
تفسير : ولما أخبرهم بحقيقته، أخبرهم بما يكون منهم من الظلم أيضاً عند معياينته بالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل بعد ترك المأمور به وهو من أيسر الأشياء وأحسنها فقال: {ولو أن لكل نفس ظلمت} أي عند المعاينة {ما في الأرض} أي كلها من خزائنها ونفائسها {لافتدت به} أي جعلت فدية لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك، ولو كان من قبل منهم، فإذا وقع ما يوعدون استسلموا {وأسروا الندامة} أي اشتد ندمهم ولم يقدروا على الكلام {لما رأوا العذاب} لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان فعلهم فعل المسر، لأنهم لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئاً مما يفعله الجازع؛ والاستنباء: طلب النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم؛ والنبأ: خبر عن يقين في أمر كبير؛ والحق: عقد على المعنى على ماهو به تدعو لحكمة إليه، وكل ما بنى على هذا العقد فهو حق لأجله، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم، والقوة فيما طريقة غالب الأمر، وذلك فيما يحتمل أمرين أحدهما أشبه بألاصل الذي جاء به النص؛ والافتداء: إيقاع الشيء بدل غيره لرفع المكروه، فداه فدية وأفداه وافتداه افتداء وفاداه مفاداة وفداه تفدية وتفادى منه تفادياً؛ والإسرار: إخفاء الشيء في النفس؛ والندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن أوقعها، وهي حال معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منها ويود أنه لم يكن أوقعها. ولما اشتملت الآيات الماضيات على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم، وختمت بقوه: {وقضي} أي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله؛ ولما استغرق القضاء جميع وقائعهم. دل بنزع الجار فقال: {بينهم} أي الظالمين والمظلومين والظالمين والأظلمين {بالقسط} أي العدل؛ ولما كان وقوع ذلك لا ينفي وقوع الظلم في وقت آخر قال: {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون*} أي لا يقع فيهم ظلم من أحد أصلاً كائناً من كان في وقت ما. ولما كان السبب الحامل لملوك الدنيا على الكذب والجور والظلم العجز أو طلب التزيد في الملك، أشار إلى تنزهه عن ذلك بقوله مؤكداً سوقاً لهم مساق المنكر لأن فعلهم في عبادة الأصنام فعل من ينكر مضمون الكلام: {ألا إن لله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} بدأ بها لعلوها معنى وحساً وعظمتها؛ ولما كان المقام للغنى عن الظلم لم يحوج الحال إلى تأكيد بإعادة النافي فقال: {والأرض} أي من جوهر وعرض صامت وناطق، فلا شيء خارج عن ملك يحوجه إلى ظلم أو إخلاف وعد لحيازته، والحاصل أنه لا يظلم إلا ناقص الملك وأما من له الملك كله فهو الحكم العدل: لأن جميع الأشياء بالنسبة إليه على حد سواء، ولا يخلف الوعد إلا ناقص القدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو المحق في الوعد العدل في الحكم، وفي الآية زيادة تحسير وتنديم للنفس الظالمة حيث أخبرت بأن ما تود أن تفتدي به ليس لها منه شيء ولا تقدر على التوصل إليه، ولو قدرت ما قبل منها،وإنما هو لمن رضي منها بالقليل منه فضلاً منه عليها على ما أمر به على لسان رسله، وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير: لو أن لها ذلك لافتدت به، لكنه ليس لها بل لله؛ فلما ثبت بذلك حكمه بالعدل وتنزهه عن إخلاف الوعد. صرح بمضمون ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم: {ألا إن وعد الله} أي الذي له الكمال كله {حق} لأنه تام القدرة والغنى، فلا حامل له على الإخلاف {ولكن أكثرهم} أي الذين تدعوهم وهم يدعون دقة الأفهام وسعة العقول {لا يعلمون* } أي لا علم لهم فهم لا يتدبرون ما نصبنا من الأدلة فلا ينقادون لما أمرنا به من الشريعة فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم؛ و {ألا} مركبة من همزة الاستفهام و "لا" وكانت تقريراً وتذكيراً فصارت تنبيهاً، وكسرت إن بعدها لأنها استئنافيه ينبه بها على معنى يبتدأ به ولذا يقع بعدها الأمر والدعاء بخلاف "لو" و "إلا" للاستقبال فلم يجز بعدها إلا كسر "إن" "أما" قد تكون بمعنى "حقاً" في قولهم: أما إنه منطلق، وهي للحال فجاز في "أن" بعدها الوجهان - ذكره الرماني؛ والسماوات طبقات مرفوعه أولها سقف مزين بالكواكب. وهي من سما بمعنى علا. ولما تقرر أنه لا شيء خارج عن ملكه، وأنه تام القدرة لأنه لا منجي من عذابه، شامل العلم لقضائه بالعدل، صادق الوعد لأنه لا حامل له على غيره، وثبت تفرده بأنه يحي ويميت؛ ثبت أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ذلك بقوله: {هو} أي وحده {يحيي} أي كما أنتم به مقرون {ويميت} كما أنتم له مشاهدون {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} لأنه وعد بذلك في قوله:{أية : إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً} تفسير : [ يونس: 4] وفي قوله:{أية : فإلينا مرجعهم}تفسير : [يونس: 46] وفي قوله {أية : إي وربي إنه لحق} تفسير : [يونس: 53] وغير ذلك ولا مانع له منه؛ والحياة معنى يوجب صحة العلم والقدرة ويضاد الموت، وهو يحل سائر أجزاء الحيوان فيكون بجميعه حياً واحداً، والحي هو الذي يصح أن يكون قادراً، والقادر هو الذي يصح أن يذم ويحمد بما فعل، والموت معنى يضاد الحياة على البنية الحيوانية، وليس كذلك الجمادية. ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل، أقبل على الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله: أكان للناس عجباً أنهم قالوا إنه سحر، فقال: {يا أيها الناس} أي الذين قالوا: إن وعدنا والإخبار به سحر؛ ولما كان بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق، والتذ الروح لذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته نور العقل حتى تعود النقائص بقوة التعلق فحدثت له أخلاق ذميمة هي أمراض روحانية، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن إليه طبيباً حاذقاً هو الرسول صلى الله عليه وسلم لعلاج هذه الأمراض. وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب المرض، قال تعالى: {قد جاءتكم موعظة} أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي، وذلك هو الشريعة. ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر، وهو لذيذ إلى النفس بينهما من ملاءمة النقص، وكان الانكفاف عنه أشق شيء عليها، رغبها في القبول بقوله: {من ربكم} أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن، قال: {وشفاء} أي عظيم جداً {لما في الصدور} من أدواء الجهل، وذلك الشفاء يحصل بتطهير الباطن بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات الحميدة ليصير الباطن سالماً عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدنية، وهذا هو الطريق. ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض البروق الإلهية والنفخات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة اللمعان كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه:"حديث : إن لربكم أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا له" تفسير : الحديث. وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم الظلمات فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة، فيكون بذلك كالمرايا الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها، قال تعالى: {وهدى} إلى الحق لأنه نور عظيم يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم، وهذا للصديقين وهو الحقيقة. ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض - بعد الوصول إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه، قال تعالى: {ورحمة} أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد عليه، وهذا للأنبياء عليهم السلام؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا من توجه إليهم، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم والإقبال عليهم، قال: {للمؤمنين*} الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه إلى المرشدين والاستسلام لهم فكان ذلك سبباً لنجاتهم - أشار إلى هذا الإمام وقال: فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه، وهذا بخلاف ما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من السحر فإنه داء كله وضلال يجر إلى الشقاء، والموعظة: إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم؛ والشفاء: إزالة الداء، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل، والشفاء منه أجل؛ والصدر: موضع القلب، وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب؛ والهدى: بيان عن معنى يؤدي إلى الحق، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة؛ والرحمة: نعمة على المحتاج.
القشيري
تفسير : لا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا سَرَفٌ، ولا يحصل فيما سَبَقَ لهم من الوعيد خَلَفَ. ولا ندامة تنفعهم وإنْ صَدَقوها، ولا كرامة تنالهم وإنْ طلبوهَا، ولا ظُلْمَ يجري عليهم ولا حيف، كلا...بل هو اللَّهُ العَدْلُ في قضائه، الفَرْدُ في علائه بنعت كبريائه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو ان لكل نفس ظلمت} اشركت صفة نفس {ما فى الارض} اى فى الدنيا من خزائنها واموالها {لافتدت به} اى جعلته فدية لها من العذاب وبذلته مقابلة نجاتها من افتداه بمعى فداه اى اعطى فداءه {واسروا} اى النفوس المدلول عليها بكل نفس وايثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص او لتغليب ذكور مدلوله على اناثه {الندامة} على ما فعلوا من الظلم {لما رأوا العذاب} والمعنى اخفوها ولم يظهروها عند معاينة العذاب عجزا عن النطق لكمال الحيرة كمن يذهب به ليصلب فانه يبقى مبهوتا لا ينطق بكلمة. وفى الكواشى {واسروا الندامة} اظهروها لانه ليس بيوم تصبر. قال فى التبيان الاسرار من الاضداد {وقضى بينهم} اى اوقع القضاء والحكم بين الظالمين من المشركين وغيرهم من اصناف اهل الظلم بان اظهر الحق سواء كان من حقوق الله او من حقوق العباد من الباطل وعومل اهل كل منهما بما يليق به {بالقسط} بالعدل {وهم} اى الظالمون {لا يظلمون} فيما فعل بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمهم ولوازمه الضرورية كذا فى الارشاد. وقال القاضى ليس تكريرا لان الاول قضاء بين الانبياء ومكذبيهم والثانى مجازاة للمشركين على الشرك
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى على وجه التعظيم لهذا العذاب وشدته بأنه لو كان لمن ظلم بارتكاب المعاصي {ما في الأرض} من الأموال {لافتدت به} من هول ما يلحقه من العذاب. وفتحت {أن} بعد {لو} لأنها مبنية على ما هو بمنزلة العامل لاختصاصها بالفعل، والتقدير لو كان أن لكل نفس، إلا أنه لا يظهر المعنى عن اظهاره بطلب {أن} له. وجاز أن تقع {أن} بعد {لو} ولم يجز المصدر، لأن فتحها يدل على إظمار العامل اللفظي وليس كذلك المصدر، لأنه مما يعمل فيه الابتداء. والافتداء إيقاع الشيء بدل غيره لدفع المكروه يقال: فداه يفديه فدية وفداء، وافتداه افتداء، وفاداه مفاداة وتفادى تفادياً، وفدّاه تفدية. وقوله {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي أخفوا الندامة. وقيل {وأسروا الندامة} رؤساء الضلالة من الاتباع والسفلة. وقيل {أسروا الندامة} أي اخلصوها. والندامة الحسرة على ما كان يتمنى انه لم يكن، وهي حالة معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منه ويود أنه لم يكن أوقعه. وقال ابوعبيدة {أسروا} معناه أظهروا. قال الازهري: هذا غلط إنما يكون بمعنى الاظهار ما كان بالشين المنقطة من فوق وقوله {وقضي بينهم بالقسط} اي فصل بينهم بالعدل {وهم لا يظلمون} في القضاء والحكم بينهم وما يفعل بهم من العقاب، لأنهم جرّوه على أنفسهم بارتكاب المعاصي. وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله ما يغنيهم اسرار الندامة وهم في النار؟ قال: "حديث : يكرهون شماتة الاعداء" تفسير : وروي مثله عن أبي عبد الله عليه السلام.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} فى حقّ الله او حقّ محمّدٍ (ص) {مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ} عن نفسه من هول العذاب وشدّته {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} كراهة شماتة الاعداء كما فى الخبر او خوف اطّلاع ملائكة العذاب او اطّلاع الله على ندامتهم النّاشئة عن اعترافهم بالظّلم فانّهم يحلفون لله كما يحلفون لكم على انكار الظّلم والّذنب {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بين المؤمنين والمنافقين او بين الظّالمين او المظلومين {بِٱلْقِسْطِ} باعطاء كلّ ذى حقٍّ حقّه وكلّ ذى عقوبهٍ عقوبته {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بمنع الحقّ وعقوبة غير المتسحقّ وبنقص الحقّ وزيادة العقوبة.
اطفيش
تفسير : {ولَوْ أنَّ لِكلِّ نَفْسٍ} أى ولو ثبت أن لكل نفس، وفيه أوجه ذكرتها فى غير هذه الآية، والأصح عندى هذا {ظَلَمتْ} نعت نفس، بشرك أو نفاق، أو تعد على الغير {ما فى الأرْضِ} من الأموال والمنافع المتملكة وغير المتملكة، كالمعادن والكنوز الخفية، أو فيها كله من مال وحجر، وشجر ومدر وتراب، وغير ذلك، بأن يجعل ذلك كله مالا. {لافْتَدتْ بهِ} لسمحت به ولم تبخل، وجعلته فدية من جزاء لظلمها، ولا يقبل عنها، يقال: افتدأ من كذا أى تخلص عنه بشئ، وهذا هو المراد فى الآية، والله أعلم على ما ظهر لى، وليس كما قيل: إنه من افتدأ بمعنى فداه، لأن هذه المادة ليس مما يعمل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد. {وأسرُّوا} أى هؤلاء المعبر عنه بكل نفس أى أخفوا {النَّدامة} رؤساؤهم وأتباعهم {لمَّا رَأوا العَذابَ} الشديد الذى لم يخطر ببالهم السالب لقواهم، الباهر لهم، حتى أنهم لا يطيقون عند رؤيته بكاء ولا صراخا ولا نطقا، كما ترى المقدم للقتل جامدا مبهوتا. يقال: إذا تناهى الغم انقطع الدمع، وقيل: أسر الرؤساء الندامة عن الأتباع خوفا من تعبيرهم وتوبيخهم، وهو ضعيف، إذ ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع، وليس بباق فيه ما يراعون به تعبير هؤلاء وتوبيخهم، ولذلك قال بعضهم: أسروا بمعنى أظهروا، وهذا إن كان لغة مسموعة فذاك، وإلا فتوجيهه أن أفعل يكون للسلب، كأقرد بمعنى أزال القراد، وأعتب بمعنى أزال العتب على ما بسطته فى التصريف، فكأنه قيل: أزالوا السر أى أظهروه، وقيل أسروا الندامة بمعنى أخلصوها، أى توبتهم خالصة، وذلك أن إخفاء العمل الصالح فى الجملة من إخلاصه، أو أن العرب يعبرون عن الخالص بالسر، من حيث إنه يخفى ويبخل به، يقال سر الشئ كذا أى خالصه، والكلام على هذا القول بوجهيه تهكم بهم وبأخطائهم فى إخلاص الندامة فى غير وقتها. {وقُضِى بيْنَهم} بين هؤلاء الظلمة، إذ من جملة ظلمهم تعدى بعض على بعض، فيؤخذ من الظالم للمظلوم، أو القضاء بينهم هو الجعل كل فى دركته التى استوجبها عمله اعتقاده، هذا ما ظهر لى، وقيل: بين الظالمين والمظلومين، ويدل له قوله: {وهم لا يظلمون} فيما قال القاضى، ووجه الدلالة عندى أن فيه تعريضا بأن لا نظلمكم، كما كان بعضكم يظلم بعضا، والله أعلم. وقيل: بين المؤمنين والكافرين، وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الخلق، ومن فسر هذه بالقضاء بين المؤمنين والكافرين لم يفسر تلك بها لئلا يلزم التكرار، والتعبر بالماضى هنا، وفى أسروا وبلوا التى هى حرف شرط فى مضى لوجوب الوقوع. {بالقِسْطِ} العدل {وهُم لا يُظْلمونَ} فى القضاء.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ} وكيف يكون لها ذلك وليس هناك درهم ولا دينار، فقد فنيت الدنيا، ولم يبق لإِنسان غير عمله عليه يبعث وبه يجازى إِن خيراً فخير وإِن شراً فشر. حتى لو وجد الإِنسان ما يمكن أَن يفتدى به فإِنه لن يقبل منه "أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون. إِلا من أَتى الله بقلب سليم"تفسير : [الشعراء: 88 - 89] {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} عن فعل الشرك والمعاصى {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} والضميران لكل نفس لا للرؤساءِ خاصة، بأَن أَخفوها عن الضعفاءِ مخافة التعْيير كما قيل، بل وجه الإِخفاء للفشل عن الإِظهار لأَجل إياسهم ولأَجل أَنه فاجأَهم من الأَمر الفظيع ما لم يحتسبوه كأَنهم بكم كمن ذهب به ليقتل، والندامة قلبية لا ظهور لها فذكر أَسروا تأْكيدا أَو باعتبار أَن الندامة قد يعبر عنها اللفظ كالنطق بها والبكاءِ، أَو أَسروا الندامة أَخلصوها لله حين لا تنفع، ويقال أَسر الشىءَ بمعنى أَخلصه كما يحافظ على الشىءِ بستره، والإِخفاءُ من لوازم صفاءِ الشىءِ، أَو أَسر بمعنى أَظهر من الأَضداد كغبر بمعنى مضى، وغبر بمعنى بقى، أَو الهمزة للسلب أَى أَزالوا سرها، أَى خفاءَها كأَقردت البعير أَزلت قراده، ففى موطن فشلوا وفى موطن أُذن لهم بالنطق وأُقدروا عليه {وَقُضِىَ} العطف على أَسروا أَو على رأَوا أَو على ما عطف عليه أَسروا {بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} بين الخلائِق كلهم أَو كل نفس ظالمة كل نفس، أَو بين المظلومين والظالمين أَو بين المؤمنين والكافرين أَو بين الرؤَساءِ والضغفاءِ، والأَول أَولى لعمومه قبل، ودخل فى ذلك العدل العظيم أَنه يعدل من الكافر الظالم للكافر الآخر المظلوم فيسقط بعض العذاب عن الكافر المظلوم ويزاد على ظالمه الكافر وأَما عود الضمير إِلى النفوس الظوالم، فلو ناسب بالذكر والقرب لكن لا يتبادر إِرادته ولو كان صحيحاً أَن يقضى بينهن بأَن يخفف عن هذه على تلك من جهه مظلمة، وعن تلك على هذه من جهة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} الأَول بين الأَنبياءِ ومكذبيهم، والثانى بين غيرهم من مر آنفاً، فلا تكرار كما لا يخطر بالبال أَنه تكرير وقرر قدرته على العذاب والثواب والقضاءِ بينهم بقوله {أَلاَ إِنَّ لِلهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} انتبهوا فإِن جميع ما سوى الله ممكن لذاته، والممكن مستند للواجب لذاته إِما ابتداءً أَو بواسطة فثبت أَن جميع ما سواه مملوك له تعالى، وما ينسب من الإِهلاك لغير الله ليس على التحقيق والكل لله وليس للنفس الظالمة شىءٌ، والمراد بما فى السماوات والأَرض أَجزاؤُهما وما عليهما، وفى ذلك إِشارة إِلى مقدمة تصلح كبرى من الشكل الأَول، هكذا كل موجود حادث له تعالى ملكاً أَو تصرفاً ومن شأْنه هذا يقدر على كل ممكن، فيقدر على القضاءِ والثواب والعقاب {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ} بالثواب والعقاب على المعنى المصدرى أَو بمعنى موعوده، ودخل ما كانوا به يستعجلون {حَقُّ} لا خلف فى وعده ولا فى وعيده، لأَن الخلف شأْن من لا يعلم العواقب، أَما من يعلمها سبحانه فإِن شأْنه يستمر ولا يتبدل {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} كلهم الأَشقياء {لاَ يَعْلَمُونَ} فإِنهم لو علموا شيئاً من أَمر الدين يعاندون لقصر قلوبهم على ظاهر من الدنيا، وأَراد أَن بعض الكفار يعلمون ويتوبون ويجوز عود الهاءِ للناس.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أي بالكفر أو بالتعدي على الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم كذا / قيل، وربما يقتصر على الأول لأنه الفرد الكامل مع أن الكلام في حق الكفار و {لَوْ} قيل بمعنى أن وقيل على ظاهرها واستبعد ولا أراه بعيداً {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة {لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه فالمفعول محذوف أي لافتدت نفسها به. وجوز أن يكون افتدى لازماً على أنه مطاوع فدى المتعدي يقال فداه فافتدى، وتعقب بأنه غير مناسب للسياق إذ المتبادر منه أن غيره فداه لأن معناه قبلت الفدية والقابل غير الفاعل، ونظر فيه بأنه قد يتحد القابل والفاعل إذا فدى نفسه نعم المتبادر الأول. {وَأَسَرُّواْ} أي النفوس المدلول عليها بكل نفس، والعدول إلى صيغة الجمع لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار بطريق المعية والاجتماع، وإنما لم يراع ذلك فيما سبق لتحقيق ما يتوخى من فرض كون جميع ما في الأرض لكل واحدة من النفوس، وإيثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله على إناثه، والإسرار الإخفاء أي أخفوا {ٱلنَّدَامَةَ} أي الغم والأسف على ما فعلوا من الظلم، والمراد إخفاء آثارها كالبكاء وعض اليد وإلا فهي من الأمور الباطنة التي لا تكون إلا سراً وذلك لشدة حيرتهم وبهتهم {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي عند معاينتهم من فظاعة الحال وشدة الأهوال ما لم يمر لهم ببال، فأشبه حالهم حال المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من الخطب ويغلب حتى لا يستطيع التفوه ببنت شفة ويبقى جامداً مبهوتاً، وقيل: المراد بالإسرار الإخلاص أي أخلصوا الندامة وذلك إما لأن إخفاءها إخلاصها وإما من قولهم: سر الشيء لخالصه الذي من شأنه أن يخفى ويصان ويضن به وفيه تهكم بهم. وقال أبو عبيدة والجبائي: إن الأسرار هنا بمعنى الإظهار. وفي «الصحاح» أسررت الشيء كتمته وأعلنته أيضاً وهو من الأضداد، والوجهان جميعاً يفسران في قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} وكذلك في قول امرىء القيس: شعر : لو يسرون مقتلي تفسير : انتهى وفي «القاموس» أيضاً ((أسره كتمه وأظهره ضد))، وفيه اختلاف اللغويين فإن الأزهري منهم ادعى أن استعمال أسر بمعنى أظهر غلط وأن المستعمل بذلك المعنى هو أشر بالشين المعجمة لا غير. ولعله قد غلط في التغليط، وعليه فالإظهار أيضاً باعتبار الآثار على ما لا يخفى. وجوز بعضهم أن يكون المراد بالإسرار الإخفاء إلا أن المراد من ضمير الجمع الرؤساء أي أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم، وفيه أن ضمير {أَسَرُّواْ} عام لا قرينة على تخصيصه على أن هول الموقف أشد من أن يتفكر معه في أمثال ذلك، وجملة {أَسَرُّواْ} مستأنفة على الظاهر وقيل: حال بتقدير قد، و {لَّمّاً} على سائر الأوجه بمعنى حين منصوب بأسروا، وجوز أن يكون للشرط والجواب محذوف على الصحيح لدلالة ما تقدم عليه أي لما رأوا العذاب أسروا الندامة. {وَقُضِيَ} أي حكم وفصل {بَيْنَهُمْ} أي بين النفوس الظالمة {بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أصلاً لأنه لا يفعل بهم إلا ما يقتضيه استعدادهم، وقيل: ضمير {بَيْنَهُمْ} للظالمين السابقين في قوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} والمظلومين الذين ظلموهم وإن لم يجر لهم ذكر لكن الظلم يدل بمفهومه عليهم وتخصيص الظلم بالتعدي، والمعنى وقعت الحكومة بين الظالمين والمظلومين وعومل كل منهما بما يليق به. وأنت تعلم أن المقام لا يساعد / على ذلك لأنه إن لم يقتض حمل الظلم على أعظم أفراده وهو الشرك فلا أقل من أنه يقتضي حمله على ما يدخل ذلك فيه دخولاً أولياً، والظاهر أن جملة {قَضَي} مستأنفة، وجوز أن تكون معطوفة على جملة {رَأَوْاْ} فتكون داخلة في حيز {لَمَّا}.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن هذه الجملة من بقية القول، فهي عطف على جملة {أية : إي وربي إنه لحق}تفسير : [يونس: 53] إعلاماً لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه، ولذلك حذف المتعلِّق الثاني لفعل (افتدت) لأنه يقتضي مفدياً به ومفدياً منه، أي لافتدت به من العذاب. والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال الآلام، ولذلك ذكر {كل نفس} دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض لافتديتم به. وجملة {أن لكل نفس ظلمتْ ما في الأرض} واقعة موقع شرط (لو). و{ما في الأرض} اسم (أن). و{ولكل نفس} خبر (أن) وقدم على الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك. وجملة {ظلمت} صفة لِـ{لنفس}. وجملة: {لافتدت به} جواب (لو). فعموم {كل نفس} يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم. ومعنى {ظلمت} أشركت، وهو ظلم النفس {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]. و{ما في الأرض} يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية جمع واحتواء. و(افتدى) مرادف فدى. وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى، أي لتكلفت فداءها به. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام. وضمير {أسروا} عائد إلى {كل نفس} باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث، وعبر عن الإسرار المستقبَلي بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه حتى كأنَّه قد مضى، والمعنى: وسيسرُّون الندامة قطعاً. وكذلك قوله: {وقُضيَ بينهم}. والندامة: الندم، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في الماضي، والندم من هواجس النفس، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير، أي يصدر عن صاحبه قولٌ أو فعل يدل عليه، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولاً ولا فعلاً فقد أسر الندامة، أي قصرها على سِره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها، وإنما يكون ذلك من شدة الهول؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخاً ولا عويلاً. وجملة: {وقُضي بينهم} عطف على جملة: {وأسروا} مستأنفة. ومعنى: {قضي بينهم} قضي فيهم، أي قضي على كل واحد منهم بما يستحقه بالعدل، فالقضاء بالعدل وقع فيهم، وليس المعنى أنه قضي بين كل واحد وآخر لأن القضاء هنا ليس قضاء نزاع ولكنه قضاء زجر وتأنيب، إذ ليس الكلام هنا إلا على المشركين وهم صنف واحد، بخلاف قوله تعالى: {أية : فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط}تفسير : [يونس: 47] فإن ذلك قضاء بين المرسل إليهم وبين الرسل كما قال تعالى: {أية : فلنَسألنَّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين}تفسير : [الأعراف: 6، 7]. وجملة: {وهم لا يظلمون} حالية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لافتدت به: لقدمته فداء لها. وأسروا الندامة: أخفوها في أنفسهم على ترك الإِيمان والعمل الصالح. وقضي بينهم بالقسط: أي حكم الله بينهم بالعدل. وعد الله حق: أي ما يعدهم الله به هو كائن حقاً. موعظة من ربكم: أي وصية من ربكم بالحق والخير، وباجتناب الشرك والشر. وهدى: أي بيان لطريق الحق والخير من طريق الباطل والشر. فضل الله ورحمته: ما هداهم إليه من الإِيمان والعمل الصالح، واجتناب الشرك والمعاصي. فبذلك فليفرحوا: أي فبالإِيمان والعمل الصالح بعد العلم والتقوى فليسروا وليستبشروا. هو خير مما يجمعون: أي من المال والحطام الفاني. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أن ما وعد الله تعالى به المشركين من العذاب هو آت لا محالة إن لم يؤمنوا وإنه عذاب لا يطاق فقال تعالى {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أي نفسها بالشرك والمعاصي، لو أن لها ما في الأرض من مال صامت وناطق وقبل منها لقدمته فداء لها من العذاب، وذلك لشدة العذاب، وقال تعالى عن الكافرين وهم في عرصات القيامة وقد رأوا النار {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي أخفوها في صدروهم ولم ينطقوا بها وهي ندمهم الشديد على عدم إيمانهم واتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي وقضى الله تعالى أي حكم بين الموحدين والمشركين والظالمين والمظلومين بالقسط الذي هو العدل الإِلهي والحال أنهم لا يظلمون بأن يؤاخذوا بما لم يكتسبوا. وقوله تعالى {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي انتبهوا واسمعوا أيها المشركون إن لله ما في السماوات والأرض من سائر المخلوقات ملكاً حقيقياً لا يملك معه أحد شيئا من ذلك فهو يتصرف في ملكه كما يشاء يعذب ويرحم يشقي ويسعد لا اعتراض عليه ألا أن وعد الله حق أي تنبهوا مرة أخرى واسمعوا إن وعد الله أي ما وعدكم به من العذاب حق ثابت لا يتخلف. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إذ لو علموا أن العذاب كائن لا محالة وعلموا مقدار هذا العذاب ما كفروا به وقوله تعالى {هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يخبر تعالى عن نفسه أنه يحيي ويميت ومن كان قادراً على الإِحياء والإِماتة فهو قادر على كل شيء، ومن ذلك إحياء الكافرين بعد موتهم وحشرهم إليه ومجازاتهم على ما كسبوا من شر وفساد وقوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تقرير مبدأ المعاد الآخر. بعد هذه التقريرات لقضايا العقيدة الثلاث: التوحيد، والنبوة، والبعث والجزاء نادى الله تعالى العرب والعجم سواء قائلاً {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} وكل من الموعظة التي هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب والشفاء والهدى والرحمة قد حواها القرآن الكريم كأنه قال يا أيها الناس وفيكم الجاهل والفاسق والمريض بالشرك والكفر والضال عن الحق، والمعذب في جسمه ونفسه قد جاءكم القرآن يحمل كل ذلك لكم فآمنوا به واتبعوا النور الذي يحمله وتداووا به واهتدوا بنوره تشفوا وتكملوا عقلاً وخلقاً وروحاً وتسعدوا في الحياتين معاً. وقوله تعالى {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي بلِّغهم يا رسولنا آمراً إياهم بأن يفرحوا بالإِسلام وشرائعه والقرآن وعلومه فإن ذلك خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني، وما يعقب من آثار سيئة لا تحتمل ولا تطاق. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عظم عذاب يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن يفتدي منه بما في الأرض جميعاً. 2- تقرير ربوبية الله تعالى لسائر المخلوقات في العالمين العلوي والسفلي. 3- الإِشادة بفضل القرآن وعظمته لما يحمله من المواعظ والهدى والرحمة والشفاء. 4- يستحب الفرح بالدين ويكره الفرح بالدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : (54) - وَحِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَيُحْشَرُ الكَافِرُونَ إِلَى اللهِ، يُدْرِكُونَ، حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ، أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ لا مَحَالَةَ، حِينَئِذٍ تَتَمَنَّى كُلُّ نَفْسٍ ظَالِمَةٍ لَوْ أَنَّهَا تَمْلِكُ جَميعَ مَا فِي الأَرْضِ لِتُقَدِّمَهُ فِدَاءً لَهَا مِنَ العَذابِ، وَلكِنْ أَنَّى لَهَا ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ تَتَرَدَّدُ النَّدَامَةُ وَالحَسْرَةُ فِي سَرَائِرِ المُجْرِمِينَ الظَّالِمينَ، عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، وَمَا كَفَرُوا بِآيَاتِهِ. وَيَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بَيْنَ العِبَادِ، بِالعَدْلِ وَالقِسْطِ وَلاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً. أَسَرُّوا النَّدَامَةَ - أَخْفَوا الغَمَّ وَالحَسْرَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة يأتي العذاب فالإنسان يرغب في الفرار منه، ولو بالافتداء. وانظر كيف يحاول الإنسان أن يتخلص من كل ما يملك افتداء لنفسه، حتى ولو كان يملك كل ما في السماوات وما في الأرض. ولكن هل يتأتى لأحد - غير الله سبحانه - أن يملك السماوات والأرض؟ طبعاً لا. إذن: فالشر لا يتأتَّى. وهَبْ أنه تأتَّى، فلن يصلح الافتداء بملك ما في السماوات وما في الأرض؛ لأن الإنسان الظالم في الدنيا قد أخذ حق الغير، وهذا الغير قد كسب بطريق مشروع ما أخذه الظالم منه، والظالم إنما يأخذ ثمرة عمل غيره، ولو صحَّ ذلك لتحوَّل البعض إلى مغتصبِين لحقوق الغير، ولأخذوا عرق وكدح غيرهم، ولتعطلت حركة الحياة. ولذلك إن لم يردع الله - سبحانه وتعالى - الظالم في الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم، وإذا استشرى الظلم في مجتمع، فالبطالة تنتشر فيه، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره، وبهذا يختلّ ميزان العدل وتفسد حركة الحياة كلها. وهَبْ أن الظالم أخذ مُلْك الدنيا كلها، وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا يُقْبَل فداءً، أليس هذا هو الخسران الكبير؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا الناس. وهَبْ أن واحداً ارتشى أو اختلس أو سرق، ويفاجئه القانون ليمسكه من تلابيبه فيقول: خذوا ما عندي واتركوني. ولن يقبل القائمون على القانون ذلك. وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في (الجمارك) فنرى من يتنازل عن البضائع المهربة مقابل الإفراج عنه، هذا ما يحدث في الدنيا، لكنه لن يحدث في الآخرة. وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}تفسير : [البقرة: 48]. وقال الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}تفسير : [البقرة: 123]. وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان، ولم يلتفتوا إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل، والتأخير للشفاعة. والبلاغة الحقَّة تتجلَّى في الآيتين؛ لأن القارىء لصَدْر كل آية منهما، والفاهم للمَلَكه اللغوية العربية أن عَجُز كل آية يناسب صدرها. ومن يقرأ قول الحق سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ ..}تفسير : [البقرة: 48]. يرى أنه أمام نفسين: النفس الأولى هي التي تقدِّم الشفاعة، والنفس الثانية هي المشفوع لها. والشفاعة هنا لا تُقبل من النفس الأولى الشافعة، وكذلك لا يُقبل العدل. وفي الآية الثانية لا تُقبل الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها، فهي تحاول أن تقدم العدل أولاً، ثم حين لا ينفعها تأتي بالشفيع. وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسباً للموقف في كل منهما. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ..} [يونس: 54]. وفي هذا القول تعذُّرِ ملْك النفس الواحدة لكل ما في الأرض، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن تستطيع الافتداء به؛ وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ..} [يونس: 54]. أي: أخفوا الحسرة التي تأتي إلى النفس، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو حركي. إن كلاّ منهم يكتم هَمَّه في قلبه؛ لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ويُصعَق ويُبهَت من هول العذاب، فتجمد دماؤه، ولا يستطيع حتى أن يصرخ، وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه؛ لأن هول الموقف يجمِّد كل دم في عروقهم، ويخرس ألسنتهم، ولا يستطيع أن ينطق؛ لأنه يعجز عن التعبير الحركي من الصراخ أو الألم. ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني، وحين لا يستطيعه الإنسان، فهو يتألم أكثر. هم - إذن - يُسرُّون الندامة حين يرون العذاب المفزع المفجع، والكلام هنا عن الظالمين، وهم على الرغم من ظلمهم، فالحق سبحانه يقول: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 54]. وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون العدل من الله، فَهَبْ أن كافراً بالله بمنأى عن الدين ظلم كافراً آخر، أيقف الله سبحانه من هذه المسألة موقفاً محايداً. لا؛ لأن حق خَلْق الله سبحانه - الكافر المظلوم - يقتضي أن يقتص الله سبحانه له من أخيه الكافر الظالم؛ لأن الظالم الكافر، إنما ظلم مخلوقاً لله، حتى وإن كان هذا المظلوم كافراً. ولذلك يقضي الله بينهم بالحق، أي: يخفِّف عن المظلوم بعضاً من العذاب بقدر ما يثقله على الظالم. هذا هو معنى {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} لأنها تتطلب قضاء، أي: عدم تحيز، وتتطلب الفصل بين خصومتين. ويترتب على هذا القضاء حكم؛ لذلك يبين لنا الحق سبحانه أنهم - وإن كانوا كافرين به - إلا أنه إن وقع من أحدهم ظلم على الآخر، فالحق رب الجميع وخالق الجميع، كما أعطاهم بقانون الربوبية كل خير مثلما أعطى المؤمنين، فهو سبحانه الذي أعطى الشمس، والماء، والهواء، وكل وسائل الرزق والقُوت لكل الناس - مؤمنهم، وكافرهم - فإذا ما حدث ظلم بين متدينين بدين واحد، أو غير متدينين، فلا بد أن يقضي فيه الحق سبحانه بالفصل والحكم بالعدل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف تسقطون عذاب الله عنكم لو فرض {لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} وخرجت عن مقتضى أوامر الله ونواهيه {مَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: خزائن ما فيها جميعاً {لاَفْتَدَتْ بِهِ} بل أضعافه وآلافه لو فرض قبول الفدية منها {وَ} بعد افتدائهم هذه {أَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي: بهتوا حين عاينوا العذاب وأهوالها، وندموا عما افتدوا بمقابلته، وآيسوا عنها مطلقاً {وَ} لم ينفعهم الفدية أصلاً بل {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} الإلهي ومقتضى حكومته وحكمته {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 54] في جزاء ظلمهم وكفرهم، وكيف يتصور الظلم من الله؛ إذ الكل من أظلال أوصافه وأسمائه. {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ} وحيطة قدرته وعلمه {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَ} ما ظهر في {ٱلأَرْضِ} من الكائنات والفسادات يعذب به من يشاء عدلاً منه، ويرحم على من يشاء فضلاً {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي وعد لعباده من الثواب والعقاب {حَقٌّ} محقق ثابت لا محالة؛ إذ لا يجري الخلف في وعده أصلاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} لقصور فهمهم، وقلة تدبرهم في أحكامه المبرمة وحكمته المتقنة {لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 55] حقية وعده، ولا يؤمنون بها جهلاً وعناداً. وكيف يشكون ويرددون أولئك المصرون المعاندون في سعة قدرته، وتستبعدون منه إنجاز ما وعده؛ إذ {هُوَ يُحْيِـي} أي: يظهر، ويوجد بالتجلي الحبي أولاً هياكلهم وأشباحهم مع أنهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً {وَ} بعد إظهارهم وإحيائهم {يُمِيتُ} ويعدم بالتجلي القهري على ما هم عليه من العدم {وَ} كيف لا يقدر على إعادتهم أحياء للجزاء والحساب بعد إماتتهم؛ إذ هم بجميع أمورهم وأحوالهم {إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود سواه {تُرْجَعُونَ} [يونس: 56] رجوع الأضواء والأظلال إلى الشمس. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسين المنشأ الأصلي والوطن الحقيقي {قَدْ جَآءَتْكُمْ} لإيقاظكم وانتباهكم {مَّوْعِظَةٌ} وتذكير {مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي: تشفيه لغليلكم وأكنتكم المستكنة في صدوركم {وَهُدًى} هادياً لأرباب الغاية والوصول إلى مقر التوحيد {وَرَحْمَةٌ} عامة شاملة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] من أصحاب البر والتقوى فعليكم أن تتعظوا وتتذكروا بأحكامه، وتتأملوا في رموزه وإشاراته، وتدبروا في مفاتحه ومطعاله، حتى تنكشفوا منه بقدر وسعكم وطاقتكم ما تنكشفوا، والله الهادي إلى جنابه من يشاء من عباده وهو العزيز الحكيم. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن تبعك إرشاداً لهم وتذكيراً: {بِفَضْلِ ٱللَّهِ} وحسن قبوله وشرف عزه وحضوره {وَبِرَحْمَتِهِ} الواسعة المتسعة لجميع مظاهره فليتشرفوا ولينكشفوا {فَبِذَلِكَ} التلذذ والحضور الحقيقي {فَلْيَفْرَحُواْ} بدل ما لم يتلذذوا ولم يفرحوا بالمستلذات الجسمانية الفانية المتناهية {هُوَ} أي: فرحكم وسروركم الروحاني {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] من أهوية نفوسكم ومقتضيات هوياتكم إن كنتم موقنني مخلصين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):