Verse. 1419 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اَلَاۗ اِنَّ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اَلَاۗ اِنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ وَّلٰكِنَّ اَكْثَرَھُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۵۵
Ala inna lillahi ma fee alssamawati waalardi ala inna waAAda Allahi haqqun walakinna aktharahum la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله» بالبعث والجزاء «حق» ثابت «ولكن أكثرهم» أي الناس «لا يعلمون» ذلك.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن من الناس من قال: إن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى قال قبل هذه الآية { أية : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلاْرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ } تفسير : [يونس: 54] فلا جرم قال في هذه الآية ليس للظالم شيء يفتدى به، فإن كل الأشياء ملك الله تعالى وملكه، واعلم أن هذا التوجيه حسن، أما الأحسن أن يقال إنا قد ذكرنا أن الناس على طبقات، فمنهم من يكون انتفاعه بالإقناعيات أكثر من انتفاعه بالبرهانيات، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات، وإنما تعويلهم على الدلائل البينة والبراهين القاطعة، فلما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا {أحق هو}؟ أمر الرسول عليه السلام بأن يقول: { أية : إِي وَرَبّي } تفسير : [يونس:53] وهذا جار مجرى الإقناعيات، فلما ذكر ذلك أتبعه بما هو البرهان القاطع على صحته وتقريره أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم وأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه، فعبر عن هذا المعنى بقوله: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } ولم يذكر الدليل على صحة هذه القضية، لأنه تعالى قد استقصى في تقرير هذه الدلائل فيما سبق من هذه السورة، وهو قوله: { أية : إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [يونس: 6] وقوله: { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يونس: 5] فلما تقدم ذكر هذه الدلائل القاهرة اكتفى بذكرها، وذكر أن كل ما في العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور فهو ملكه وملكه، ومتى كان الأمر كذلك، كان قادراً على كل الممكنات، عالماً بكل المعلومات غنياً عن جميع الحاجات، منزهاً عن النقائص والآفات، فهو تعالى لكونه قادراً على جميع الممكنات يكون قادراً على إنزال العذاب على الأعداء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادراً على إيصال الرحمة إلى الأولياء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادراً على تأييد رسوله عليه السلام بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة ويكون قادراً على إعلاء شأن رسوله وإظهار دينه وتقوية شرعه، ولما كان قادراً على كل ذلك فقد بطل الاستهزاء والتعجب ولما كان منزهاً عن النقائص والآفات، كان منزهاً عن الخلف والكذب وكل ما وعد به فلا بد وأن يقع، هذا إذا قلنا: إنه تعالى لا يراعي مصالح العباد، أما إذا قلنا: إنه تعالى يراعيها فنقول: الكذب إنما يصدر عن العاقل، إما للعجز أو للجهل أو للحاجة، ولما كان الحق سبحانه منزهاً عن الكل كان الكذب عليه محالاً، فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار، وبحصول الحشر والنشر وجب القطع بوقوعه، فثبت بهذا البيان أن قوله تعالى: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } مقدمة توجب الجزم بصحة قوله: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } والمراد أنهم غافلون عن هذه الدلائل، مغرورون بظواهر الأمور، فلا جرم بقوا محرومين عن هذه المعارف، ثم إنه أكد هذه الدلائل فقال: {هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } والمراد أنه لما قدر على الإحياء في المرة الأولى فإذا أماته وجب أن يبقى قادراً على إحيائه في المرة الثانية، فظهر بما ذكرنا أنه تعالى أمر رسوله بأن يقول: { أية : إِى وَرَبّى } تفسير : [يونس: 53] ثم إنه تعالى أتبع ذلك الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة. واعلم أن في قوله: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } دقيقة أخرى وهي كلمة {ألا } وذلك لأن هذه الكلمة إنما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون البستان للأمير والدار للوزير والغلام لزيد والجارية لعمرو فيضيفون كل شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم مستغرقين في نوم الجهل ورقدة الغفلة يظنون صحة تلك الإضافات فالحق نادى هؤلاء النائمين الغافلين بقوله: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } وذلك لأنه لما ثبت بالعقل أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته، وثبت أن الممكن مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة، فثبت أن ما سواه ملكه وملكه، وإذا كان كذلك، فليس لغيره في الحقيقة ملك، فلما كان أكثر الخلق غافلين عن معرفة هذا المعنى غير عالمين به، لا جرم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر هذا النداء، لعل واحداً منهم يستيقظ من نوم الجهالة ورقدة الضلالة.

القرطبي

تفسير : «ألاَ» كلمة تنبيه للسامع تزاد في أوّل الكلام؛ أي انتبهوا لما أقول لكم: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك.

البيضاوي

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب. {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم لا يعلمون لقصور عقولهم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت، وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك، العليم بما تفرق من الأجسام، وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلآ إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَلآَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث والجزاء {حَقٌّ } ثابت {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ } أي الناس {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك.

النسفي

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } فكيف يقبل الفداء، وأنه المثيب المعاقب وما وعده من الثواب أو العقاب فهو حق لقوله: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالثواب أو بالعذاب {حَقّ } كائن {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ } هو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وإلى حسابه وجزائه المرجع فيخاف ويرجى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، والموعظة التي تدعو إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب، فما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى كل مرغوب وزاجر عن كل مرهوب إذ الأمر يقتضي حسن المأمور به فيكون مرغوباً هو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح وعلى هذا النهي {وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ } أي صدوركم من العقائد الفاسدة {وهدى} من الضلالة {وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } لمن آمن به منكم. {قُلْ } يا محمد {بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد، والتقدير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، أو بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا وهما كتاب الله والإسلام. في الحديث «حديث : من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه»تفسير : وقرأ الآية {هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } وبالتاء شامي، {فلتفرحوا} يعقوب

ابو السعود

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما، وكلمةُ ما لتغليب غيرِ العقلاءِ على العقلاء، فهو تقريرٌ لكمال قدرتِه سبحانه على جميع الأشياءِ وبـيانٌ لاندراج الكلِّ تحت ملكوتِه يتصرف فيه كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإثابةً وعقاباً. {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} إظهارُ الاسمِ الجليلِ لتفخيم شأنِ الوعدِ والإشعارِ بعلة الحكم، وهو إما بمعنى الموعودِ أي جميعِ ما وُعد به كائناً ما كان فيندرج فيه العذابُ الذي استعجلوه وما ذُكر في أثناء بـيان حالِه اندراجاً أولياً، أو بمعناه المصدريِّ أي وعدَه بجميع ما ذكر فمعنى قولِه تعالى: {حَقٌّ} على الأول ثابتٌ واقعٌ لا محالة وعلى الثاني مطابقٌ للواقع، وتصديرُ الجملتين بحرفي التنبـيهِ والتحقيقِ للتسجيل على تحقق مضمونِها المقرِّر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة والتنبـيهِ على وجوب استحضارِه والمحافظةِ عليه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} لقصور عقولِهم واستيلاءِ الغفلة عليهم والفهمِ بالأحوال المحسوسةِ المعتادة {لاَّ يَعْلَمُونَ} ذلك فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون {هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ} في الدنيا من غير دخلٍ لأحد في ذلك {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في الآخرة بالبعث والحشرِ {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} التفاتٌ ورجوعٌ إلى استمالتهم نحوَ الحق واستنزالِهم إلى قَبوله واتباعه غِبَّ تحذيرِهم من غوائل الضلالِ بما تُليَ عليهم من القوارع الناعيةِ عليهم سوءَ عاقبتِهم وإيذانٌ بأن جميعَ ذلك مسوقٌ لمصالحهم ومنافعِهم {قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} هي والوعظُ والوعظة التذكيرُ بالعواقب سواءٌ كان بالزجر والترهيبِ أو بالاستمالة والترغيبِ وكلمة من في قوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} ابتدائيةٌ متعلقةٌ بجاءتكم أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لموعظة أي موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكم، وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ من حسن الموقِع ما لا يخفى {وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} أي كتاب جامعٌ لهذه الفوائد والمنافِع فإنه كاشفٌ عن أحوال الأعمالِ حسناتِها وسيئاتِها مرغب في الأولى ورادِعٌ عن الأخرى ومبـينٌ للمعارف الحقةِ التي هي شفاءٌ لما في الصدور من الأدواء القلبـيةِ كالجهل والشكِّ والشِّرْكِ والنفاق وغيرِها من العقائد الزائغةِ وهادٍ إلى طريق الحقِّ واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ وفي مجيئه رحمةً للمؤمنين حيث نجَوا به من ظلمات الكفرِ والضلال إلى نور الإيمانِ وتخلصوا من دركاتِ النيرانِ وارتقَوا إلى درجات الجنانِ، والتنكيرُ في الكل للتفخيم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [الآية: 55]. قال بعضهم: المغبُونُ من يرجع إلى غير ربه فى سؤاله ومهماته وطلباته، وله من فى السماوات والأرض فالكل له فمن طلب بعض الكل من غيره فقد أخطأ الطريق. وقيل فى قوله: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أن يجزم سائلاً غيره ويبعد عليه وجه طلبته ولا يجيب سائله ويبلغه أقصى أمنيته.

القشيري

تفسير : الحادثات بأسْرِها لله مِلْكاً، وبه ظهوراً، ومنه ابتداءً، وإليه انتهاء؛ فقولُه حقٌّ، ووعدهُ صِدْقُ، وأمره حَتْمٌ وقضاؤه باتٌ. وهو العَلِيُّ، وعلى ما يشاء قويٌّ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} اشتد غوائم القدم بان الاكوان والحدثان صادرات من فيض فعله سحرت فى بطش عزته محتاجات الى مزيد رحمته حسم اطماع عبيده عنها وصرف وجوههم منها الى نفسه اذ لا ذرة من الكون جارية الا بمشيته فما دام الكل له فابذل كلك لكليته حتى يكون كله لك لا غير فان وعد الله فى ذلك حق لا نجيب رجاء الصادقين ولا يخلف مواعيد المقربين قال بعضهم المغيرون من يرجع الى غيرته فى سواله ومهماته وطلباته وله ما فى السموات وما فى الارض فالكل له فمن طلب بعض الكل من غيره فقد اخطأ الطريق وقوله الا ان وعد الله حق ان يحرم سائل غيره ويبعد عليه وجه طلبته ولا تخيب سايله ويبلغه الى اقصى امانيه ثم بين الحق ان من اقبل اليه يحييه بانوار حيوته حتى يبقى مع الحق بوصف شهوده على معائنة ذاته وصفاته ويميت نفسه حتى لا تزاحم بظلمه هواجسها انوار اسراره فى قلبه بقوله {هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يحيى قلوب العارفين بمعرفته ومشاهدته ويميت نفوس الزاهدين بانوار هيبته ومراقبته فمعاد العارفين مشاهدة جماله وجلاله ومعاد الزاهدين === نعماؤه وهذا معنى قوله واليه يرجعون قال بعضهم هو يحيى القلوب باماتة النفوس ويميت النفوس بحيوة القلوب وهذا لمن كان اليه رجوعه فى جميع اخواله وقيل يحيى الاسرار بانوار العزة ويميت النفوس بنزع الشهوات عنها قال النصرابادى يحيى الارواح فى المشاهدة والتجلى ويميت الهياكل فى الاستتار ثم ذكر سبحانه سبب هذه الحيوة الباقية التى هى شفاء ارواح الصديقين وقوة ابدان المريدين ومنور اسرار العارفين وشفاء الم فراق المشتاقين وخبر دوام الوصال للمستانسين والمحبين وهو كلامه القديم الذى هو نبا القدم والبقاء وحلاوة الجمال والجلال واحكام الربوبية والعبودية بقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} خاطب اهل وده وسماهم بالناس لان غيرهم ليسوا باناس فى الحقيقة حيث لم يعرفوا حقوق الازلية لذلك وصفهم بالجهل الجهل بقوله اولئك كالانعام بل هم اضل والناس من نسى نفسه وما دون الله فى الله اى قد جاء من === موعظة احكام العبودية وشفاء اى انوار الربوبية وهدى تعريف نفسه بظهور انوار صفته ورحمة فتح ابواب المشاهدة فالموعظة للمريدين والشفاء للمحبين والهدى للعارفين والرحمة للمستانسين المشتاقين وايضا الموعظة للنفوس والشفاء للقلوب والهدى للارواح والرحمة للاشباح وايضا الموعظة مقام === والشفاء مقام الوصلة والهدى مقام المعرفة والرحمة مقام المخاطبة الموعظة صدرت من العظمة والشفاء صلة من حسن الجمال والهدى صدر من عيان القدم والبقاء والرحمة للعموم صدر من الافعال وللخصوص صدر من الصفات ولخصوص الخصوص صدر من الذات وايضا الموعظة للابقين والشفاء لمرضى المحبين والهدى للمريدين والرحمة للواصلين بدأ بالموعظة المريض حبه لانها ادوية اسهال شهواته بمعجونات موعظته تقديسا لاسراره عن عوارض بشرياته فاذا كان مقدسا بسقيه من اشربه مراهم الطافه شفاء لذلك السقم ولانه تعالى يشفى بخطابه صدور مرضى اهل شوقه بمقدمك المبارك زال رايتى وفى لقياك عجل لى شفائي فاذا شقى بعذبه بهدايته الى نفسه فلما كل فى صحته يظهره بمياه رحمته عن اوساخ المرض والاستحسان قال ابن عطا الموعظة للنفوس والشفاء للقلوب والهدى للاسرار والرحمة لمن هذه صفته قال جعفر شفاء لما فى الصدور اى راحة لما فى السرائر وقال جعفر لبعضهم شفاء المعرفة والصفاء لبعضهم شفاء التسليم والرضا ولبعضهم شفاء التوبة والوفاء ولبعضهم شفاء المشاهدة واللقاء وقال الاستاذ الموعظة للكافة ولكنها لا تنجع فى اقوام وتنفع اخرين فمن اصغى بسمع سره اتضح نور اليقين فى قلبه ومن استمع اليه نبعت غيبته ما اتصف الا بدوام محبته ويقال الموعظة لارباب الغيبة ليبؤ والشفاء للخواص والهدى لخاص الخاص والرحمة لجميعهم وبرحمته وصلوا الى ذلك ويقال شفاء كل احد على حسب ذاته فشفاء المذنبين بوجود الرحمة وشفاء المطيعين بوجود النعمة وشفاء العارفين بوود القربة وشفاء الواحدين بوجود الحقيقة ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة وشفاء المطيعين بوجود الدرجات وشفاء العارفين بالقرب والمناجاة ثم زاد تمام نعمته على عباد حيث انعم عليهم بتذكير الموعظة والشفاء عن العلة والهداية الى القربة وادخالهم فى زمرة الرحمة والمشاهدة ودعاتهم الى رؤية فضل السابق ورحمة الكاملة عن رؤية الاكتساب وعلل الاجتهاد وفرح فوادهم بقوله {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} حكم فى الازل باختصاص اهل وده ان يختارهم لولايته ويصطفيهم بالنظر الى مشاهدته وسماع خطابه بلا واسطة فالمشاهدة فضلة والخطاب معهم وتلحما لا نهاية لهما حيث لا بقع لديهما لهم موانع من علل الحدوثية وعوارضات البشرية فاول الفضل والرحمة ماسبق لهم فى ازل الازل ====== سلك الاصطفائية الازلية الى الابد والابد الى الابد وابد الابد لا نهاية له ولو ان الازل والابد نهاية لم يكن تلك الرحمة كاملة ولم يكن ذلك الفضل عميما فاذا هما خارجان من حدود النهايات والعلة ولم ينقطعان عن الاولياء بسبب ما فيوجبان الفرح والابتهاج بهما حيث لا يحتجبون عنهما ولا بنقصان بل يزيدان لان مشاهدة الحق جل جلاله فى كل ساعة فى عيونهم اكشف وخطابه لهم اكثر وبين تعالى لمن اقبل اليه بنعت المجاهدة والرياضة ان طلب القربة المراقبة وخلو الهمة عن الاغيار وعلل الاعمال خير له من اشتغاله بالمجاهدات الكثيرة الشاغلة للقلوب عن مشاهدة الغيوب فان المراقب اذا رقب الله بسره يرد على قلبه وارد التجلى ويسمع من الحق خطابه القديم فاذا وصل ذلك الى قلبه وسره بطيران فى الملكوت والجبروت باجنحة الشوق والمحبة فيرجعان بكنوز المعارف والكواشف وذرة منهما خير له من عبادة سبعين الف سنة الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسلام تفكر ساعة خير من عبادة سبعين الف سنة والاشارة فى قوله قل بفضل الله وبرحمته هذا الفضل عندى انكشاف صباح الازل لعيون ارواح المريدين بالبديهة ويزيد وضوحها فى كل لحظة حتى تطلع عليها شموس الصفات واقمار الذات فتطير فى انوارها باجنحة الجذبات الا الاباد ورحمته تتابع مواجيد الغيوب للقلوب بنعت السّرمد بلا قنام الانقطاع وتغائر الاوقات الا ترى كيف يفرح بذلك ضرغام اجمه التصوف ابو بكر الشبلى قدس الله روحه بقوله دقق مسمد وتجرى بلا مثالى وايضا فضله الاصطفائية بالولاية ورحمته العصمة عن قوارع قهرياته فى مقام المشاهدة وايضا فضله الوصال ورحمته الوقاية عن الانفصال وايضا فضله عنايته ورحمته كفايته وايضا فضله معرفة ذاته ورحمته كشوف صفاته وايضا فضله القاء نيران المحبة الى قلوب المحبين ورحمته جذب ارواح المشتاقين الى لقائه فضله على العارفين كشف الذات وعلى المحبين كشف الصفات وعلى المريدين كشف انوار الايات ورحمته على العارفين العناية وعلى المحبين الكفاية وعلى المريدين الرعاية قال الواسطى فى قوله قل بفضل الله وبرحمته ايسهم ان يكون لهم شئ من عندهم بقوله قل بفضل الله وبرحمته وقال بعضهم فضل الله اتصال احسانه اليك ورحمة ما سبق لك منه ولم تك شيئا من الهداية فبذلك فليفرحوا اى بذلك فاعتمد واهو خير مما يجمعون من افعالكم واقوالكم واذكاركم فانها نتائج تلك المقدمة وبهائم جميع الاهوال قال جعفر فضل الله معرفته ورحمته توفيقه قال بعضهم الثواب اعواض والفضل كرم قال الله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ما توملون من الثواب على الافعال قال الجنيد فضل الله فى الابتداء ورحمته فى الانتهاء قال الكتانى فضل الله النعم الظاهرة ورحمته النعم الباطنة بيانه واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال سهل فضل الله الاسلام ورحمته السنة وقال ذو النون فضل الله دخول الجنان ورحمته النجاة من النيران وقال عمرو بن عثمان فضل الله كشف الغطاء ورحمته الرؤية واللقاء قيل فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق قيل فضل الله الرؤية ورحمته ابقاهم فى حال الرؤية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألا} قال الامام كلمة ألا انما تذكر لتنبيه الغافلين واهل هذا العالم مشغولون بالنظر الى الاسباب الظاهرة فيضيفون الاشياء الى ملاكها الظاهرة المجازية فيقولون الدار لزيد والغلام لعمرو والسلطنة للخليفة والتصرف للوزير ونحو ذلك فكانوا مستغرقين فى نوم الجهلة والغفلة حيث يظنون صحة تلك الاضافات فلذلك نادى الحق هؤلاء النائمين بقوله ألا {ان لله ما فى السموات والارض} لانه قد ثبت ان جميع ما سواه تعالى ممكن لذاته وان الممكن لذاته مستند الى الواجب لذاته اما ابتداء او بواسطة فثبت ان جميع ما سواه مملوك له تعالى يتصرف فيه كيفما يشاء ايجادا واعداما واثابة وعقابا وكلمة ما لتغلب غير العقلاء على العقلاء {الا ان وعد الله حق} اى ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه فالوعد بمعنى الموعود والحق بمعنى الثابت والواقع ويجوز ان يكون بمعناه المصدرى والحق بمعنى المطابق للواقع اى وعده بما ذكر مطابق للواقع {ولكن اكثرهم} لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم والفهم بالافعال المحسوسة المعتادة {لا يعلمون} ذلك وانما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون شعر : مانده در تنكناى اين مجلس غير دنيانديده ديده حس جشم دل كوكه بردها بدرد جانب ملك آخرت نكرد مرغ او در قفس زبون باشد جه شناسد كه باغ جون باشد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألا إن لله ما في السموات والأرض} خلقاً وملكاً وعبيداً، يتصرف فيهم تصرف المالك في ملكه، فلا يتطرقه ظلم ولا جور. ويحتمل أن يكون تقريراً لقدرته على الإثابة والعقاب، {أَلاَ إن وعد الله حقٌ} أي: ما وعد به من الثواب والعقاب، لا خلف فيه، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} لقصور عقولهم، فلا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، {هو يُحيي ويُميت} يحيي من يريد إظهاره للدنيا، ويميت من يريد نقله للآخرة، {وإليه تُرجعون} بالموت والنشور؛ لأن من قدر على الإيجاد والإعدام في الدنيا قدرعليها في العقبى؛ لأن القادر لذاته لا تزول قدرته، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبداً هـ. من البيضاوي. الإشارة: ما وعد به الحق سبحانه القاصدين إليه من الوصول والمعرفة به حق، إن وفوا بشرطه، وهو صحبة من يوصل إليه، مع الصدق والتعظيم، وإخلاص القصد، هو يحيي قلوباً بمعرفته، ويميت قلوباً بالغفلة والجهل به، وإليه ترجعون، فيظهر العارف من الجاهل والذاكر من الغافل. فهذه موعظة لمن اتعض، كما قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}.

الطوسي

تفسير : {ألا} كلمة تستعمل في التنبيه، وأصلها (لا) دخلت عليها حرف الاستفهام تقريراً وتأكيداً، فصارت تنبيهاً وكسرت {إن} بعد {ألا} لأن {ألا} يستأنف ما بعدها لينبه بها على معنى الابتداء: ولذلك وقع بعدها الامر والدعاء كقول امرئ القيس: شعر : ألا انعم صباحاً أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي تفسير : ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها أحد أمرين: احدهما - للاثبات بعد النفي لأن ما قبلها تقديره ليس للظالم ما يفتدي به بل جميع الملك لله تعالى. والثاني - ان يكون معناه من يملك السموات والارض يقدر على ايقاع ما توعد به. والسموات جمع سماء وهو مأخوذ من السمو الذي هو العلو، وهي المزينة بالكواكب وهي سقف الأرض، وهي طبقات، كما قال سبع سموات طباقاً. وجمعت السموات، ووحدت الارض في جميع القرآن، لان طبقاتها السبع خفية عن الحس وليس كذلك السموات. وقوله {ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} صحة ذلك لجهلهم به تعالى وبما يجوز عليه وما لا يجوز، وجهلهم بصحة ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله.

الجنابذي

تفسير : {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ} مبدءً ومرجعاً وملكاً {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيفعل ما يشاء بمن يشاء من غير مانعٍ من حكمه ولا رادٍّ من فعله {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالعذاب والثّواب {حَقٌّ} لا خلف فيه من قبله كما لا مانع له من غيره ولمّا كان الجملتان لتسجيل عقوبة المنافقين وكان التّأكيد بعد ذمّهم مطلوباً اتى فى الجملتين باداة الاستفتاح ومؤكّدات الحكم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس لهم صفة العلم، فانّ العلم هو الادراك الّذى يحرّك صاحبه من السّفل الى العلو، وبعبارةٍ اخرى هو الادراك الّذى يحصل لصاحبه حال كونه فى السّلوك الى الله ولا محالة يشتدّ كل يوم وكلّ آن ويستلزم ذلك الادراك العمل بموجبه وحصول علم آخر له بآخرته ويحصل له ازدياد علمٍ بالله وقدرته واحاطته، وهذا العلم غير حاصل لمن انكر الآخرة قالاً كاهل بعض المذاهب او حالاً كاكثر المنتحلين للملل الحقّة فهم غير عالمين وان كانوا عالمين بجميع الفنون والصّناعات، وللغفلة عن حقيقة العلم سمّى ادراكاتهم اشباه النّاس علوماً؛ وفى الخبر قد سمّاه اشباه النّاس عالماً وقد حقّقنا ذلك فى اوّل البقرة عند قوله: {أية : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 102] وفى الرّسالة المسمّاة بـ "سعادت نامه" وعلى هذا فالتّقييد بالاكثر للاشعار بانّ اقلّهم ما ابطلوا علمهم الفطرىّ الّذى اعطاهم الله وبقى فيهم شيءٌ منه محجوباً احتجاباً عرضيّاً.

اطفيش

تفسير : {ألاَ إنَّ للهِ ما فى السَّماواتِ والأرْضِ} فهو القادر على الثواب والعقاب بالعدل، لا يظلم أحد فى حقه، وقال الطبرى: له ما فيهما فلا يبقى للكافر ما يفتدى به، قيل: هو بعيد. {ألاَ إنَّ وَعْد اللهِ} بالثواب والعقاب، أو موعوده الذى هو الثواب والعقاب {حقٌّ} واقع لا خُلْف فيه {ولكنَّ أكْثرهُم لا يعْلَمون} ذلك، ولم قيل: ولكنهم لا يعلمون، لأن منهم من علم كأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو عبر بالأكثر عن كل هؤلاء الكفرة، الذين لا يعلمون، وقيل: الهاء للخلق، فبعضهم آمن وأسلم، وأكثرهم لم يكن كذلك.

الالوسي

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي إن له سبحانه لا لغيره تعالى ما وجد في هذه الأجرام العظيمة داخلاً في حقيقتها أو خارجاً عنها متمكناً فيها، وكلمة {مَا} لتغليب غير العقلاء على العقلاء، وهو تذييل لما سبق وتأكيد واستدلال عليه بأن من يملك جميع الكائنات وله التصرف فيها قادر على ما ذكر وقيل: إنه متصل بقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ}تفسير : [يونس: 54] كأنه بيان لعقدهم ما يفتدون به وعدم ملكهم شيئاً حيث أفاد أن جميع ما في السماوات والأرض ملكه لا ملك لأحد فيه سواه جل وعلا وليس بشيء وإن ذكره بعض الأجلة واقتصر عليه. {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} أي جميع ما وعد به كائناً ما كان فيندرج فيه العذاب الذي استعجلوه وما ذكر في أثناء بيان حاله اندراجاً أولياً، فالمصدر بمعنى اسم المفعول، ويجوز أن يكون باقياً على معناه المصدري أي وعده سبحانه بجميع ما ذكر {حَقُّ} أي ثابت واقع لا محالة أو مطابق للواقع، والظاهر أن حمل الوعد على العموم بحيث يندرج فيه العذاب المذكور والعقاب للعصاة أو الوعد بهما يستدعي اعتبار التغليب في الكلام، وبعضهم حمل الوعد على ما وعد به صلى الله عليه وسلم من نصره وعقاب من لم يتبعه وقال: إن اعتبار التغليب توهم وليس بالمتعين. وإظهار الاسم الجليل لتفخيم شأن الوعد والإشعار بعلة الحكم. وتصدير الجملتين بحرفي التنبيه والتحقيق للتسجيل على تحقق مضمونها المقرر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيه على وجوب استحضاره والمحافظة عليه. وذكر الإمام في توجيه ذكر أداة التنبيه في الجملة الأولى ((أن أهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيضيفون الأشياء إلى ملاكها الظاهرة المجازية ويقولون مثلاً الدار لزيد والغلام لعمرو والسلطنة للخليفة والتصرف للوزير فكانوا مستغرقين في نوم الجهل والغفلة حيث يظنون صحة تلك الإضافات فلذلك زادهم سبحانه بقوله عز اسمه: {أَلا إِنَّ للَّهِ} الخ، واستناد جميع ذلك إليه جل شأنه بالمملوكية لما ثبت من وجوب وجوده لذاته سبحانه وأن جميع ما سواه ممكن لذاته وأن الممكن لذاته مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة وذلك يقتضي أن الكل مملوك له تعالى، والكلام في ذكر الأداة في الجملة الثانية على هذا النمط لا يخلو عن تكلف، والحق ما أشرنا إليه في وجه التصدير، ووجه اتصال هذه الجملة بما تقدم ظاهر مما قررنا وللطبرسي في توجيه ذلك كلام ليس بشيء. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} لسواء استعداداتهم وقصور عقولهم واستيلاء الغفلة عليهم {لاَّ يَعْلَمُونَ} فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون.

ابن عاشور

تفسير : تذييل تنهية للكلام المتعلق بصدق الرسول والقرآن وما جاء به من الوعيد وترقب يوْم البعث ويوم نزول العذاب بالمشركين. وقد اشتمل هذا التذييل على مجمل تفصيل ذلك الغرض، وعلى تعليله بأن من هذه شؤونه لا يعجز عن تحقيق ما أخبر بوقوعه. فكان افتتاحه بأن الله هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو يتصرف في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفاً لا يشاركه فيه غيره؛ فتصرفه في أمور السماء شامل للمغيبات كلها، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار العذاب؛ وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس. ثم أعقب بتحقيق وعده، وأعقب بتجهيل منكريه، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء والإماتة والبعث. وافتتح هذا التذييل بحرف التنبيه، وأعيد فيه حرف التنبيه للاستيعاء لسماعه، وللتنبيه على أنه كلام جامع هو حوصلة الغرض الذي سمعوا تفصيله آنفاً. وتأكيد الخبر بحرف {إن} للرد على المشركين لأنهم لما جعلوا لله شركاء فقد جعلوها غير مملوكة لله. ولا يدفع عنهم ذلك أنهم يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} لأن ذلك اضطراب وخبط. وقدم خبر {إنَّ} على اسمها للاهتمام باسمه تعالى ولإفادة القصر لرد اعتقادهم الشركة كما علمت. وأكد بحرف التوكيد بعد حرف التنبيه في الموضعين للاهتمام به، ولرد إنكار منكري بعضه والذين هم بمنزلة المنكرين بعضه الآخر. واللام في {لله} للملك، و(ما) اسم موصول مفيد لعموم كل ما ثبتت له صلة الموصول من الموجودات الظاهرة والخفية. ووعْد الله: هو وعده بعذاب المشركين، وهو وعيد، ويجوز أن يكون وعده مراداً به البعث، قال تعالى: {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده وعْداً علينا إنا كنا فاعلين}تفسير : [الأنبياء: 104] فسمَّى إعادة الخلق وعْداً. وأظهر اسم الجلالة في الجملة الثانية دون الإتيان بضميره لتكون الجملة مستقلة لتجري مجرى المثل والكلام الجامع. ووقع الاستدراك بقوله: {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} لأن الجملتين اللتين قبله أريد بهما الرد على معتقدي خلافهما فصارتا في قوة نفي الشك عن مضمونهما، فكأنه قيل: لا شك يَحق في ذلك، ولكن أكثرهم لا يعلمون فلذلك يَشكّون. وتقييد نفي العلم بالأكثر إشارة إلى أن منهم من يعلم ذلك ولكنه يجحده مكابرة، كما قال في الآية السابقة {أية : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به}تفسير : [يونس: 40]. فضمير {أكثرهم} للمتحدث عنهم فيما تقدم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (55) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، وَأَنَّ وَعْدَهُ حَقٌّ كَائِنٌ لاَ مَحَالَةً، وَأَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإليهِ يَرْجِعُ النَّاسُ جَمِيعاً، وَلِذلِكَ فَإِنَّ الكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ لاَ يَمْلِكُونَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ شَيْئاً يَفْتَدُونَ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"ألا" في اللغة يقال عنها "أداة تنبيه" وهي تنبه السامع أن المتكلم سيقول بعدها كلاماً في غاية الأهمية، والمتكلم - كما نعلم - يملك زمام لسانه، بحكم وضعه كمتكلم، لكن السامع يكون في وضع المُفاجَأ. وقد يتكلم متكلم بما دار في ذهنه ليبرزه على لسانه للمخاطب، ولكن المخاطب يفاجأ، وإلى أن ينتبه قد تفوته كلمة أو اثتنان مما يقوله المتكلم. والله سبحانه وتعالى يريد ألاَّ يفوت السامع لقوله أي كلمة، فأتى بأداة تنبيه تنبه إلى الخبر القادم بعدها، وهو قول الحق سبحانه: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [يونس: 55]. هكذا شاء الحق سبحانه أن تأتي أداة التنبيه سابقة للقضية الكلية، وهي أنه سبحانه مالك كل شيء، فهو الذي خلق الكون، وخلق الإنسان الخليفة، وسخَّر الكون للإنسان الخليفة، وأمر الأسباب أن تخضع لمسببات عمل العامل؛ فكل من يجتهد ويأتي بالأسباب؛ فهي تعطيه، سواء أكان مؤمناً أو كافراً. وإذا خدمت الأسبابُ الإنسانَ، وكان هذا الإنسان غافلاً عن ربه أو عن الإيمان به، ويظن أن الأسباب قد دانت له بقوته، ويفتن بتلك الأسباب، ويقول مثلما قال قارون: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..}تفسير : [القصص: 78]. فالذي نسي مسبِّب الأسباب، وارتبط بالأسباب مباشرة، فهو ينال العذاب، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة؛ فكأن الحق سبحانه ينبههم: تَنَّبهوا أيها الجاهلون، وافهموا هذه القضية الكبرى: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [يونس: 55]. فإياك أيها الإنسان أن تغترَّ بالأسباب، أو أنك بأسبابك أخذت غير ما يريده الله لك، فهو سبحانه الذي أعطاك وقدَّر لك، وكل الأسباب تتفاعل لك بعطاء وتقدير من الله عز وجل. وفي أغيار الكون الدليل على ذلك، ففكرك الذي تخطِّط به قد تصيبه آفة الجنون، والجوارح مثل اليد أو القدم أو اللسان أو العين أو الأذن قد تُصاب أيُّ منها بمرض؛ فلا تعرف كيف تتصرف. وكل ما تأتي فيه الأغيار؛ فهو ليس من ذاتك، وكل ما تملكه موهوب لك من مسبِّب الأسباب. فإياك أن تنظر إلى الأسباب، وتنسى المسبِّب؛ لأن لله ملك الأشياء التي تحوزها والأدوات التي تحوز بها؛ بدليل أنه سبحانه حين يشاء يسلبها منك، فتنبه أيها الغافل، وإياك أن تظن أن الأسباب هي الفاعلة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يخلق الأسباب؛ ثم يشاء ألا تأتي بنتائجها، كمن يضع بذور القطن - مثلاً - ويحرث الأرض، ويرويها في مواعيدها، ثم تأتي دودة القطن لتأكل المحصول. إذن: فمردُّ كل مملوك إلى الله تعالى. واعلمْ أن هناك مِلْكاً، وإن هناك مُلْكاً، والمِلْك هو ما تملكه؛ جلباباً؛ أو بيتاً، أو حماراً، إلى غير ذلك، أما المُلْك فهو أن تملك من له مِلْك، وتسيطر عليه، فالقمة - إذن - في المُلْك. وانظر إلى قول الحق سبحانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ..}تفسير : [آل عمران: 26]. إذن: فالمُلك في الدنيا كله لله سبحانه. وكلمة "ألا" جاءت في أول الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - لتنبِّه الغافل عن الحق؛ لأن الأسباب استجابت له وأعطته النتائج، فاغترَّ بها، فيجعل الله سبحانه الأسباب تختلف في بعض الأشياء؛ ليظل الإنسان مربوطاً بالمسبِّب. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [يونس: 55]. والوعد إن كان في خير فهو بشارة بخير يقع، وإن كان بِشَرٍّ فهو إنذار بشرّ يقع؛ ويغلب عليه كلمة "الوعيد". إذن: ففي غالب الأمر تأتي كلمة "وعد" للاثنين: الخير والشر، أما كلمة "وعيد" فلا تأتي إلا في الشر. والوعد: هو إخبارٌ بشي سيحدث من الذي يملك أن يُحْدِث الشيء. وإنفاذ الوعد له عناصر: أولها الفاعل، وثانيها المفعول، وثالثها الزمان، ورابعها المكان، ثم السبب. والحدث يحتاج إلى قدرة، فإن قلت: "آتيك غداً في المكان الفلاني لأكلمك في موضوع كذا" فماذا تملك أنت من عناصر هذا الحدث؛ إنك لا تضمن حياتك إلى الغد، ولا يملك سامعك حياته، وكذلك المكان الذي تحدد فيه اللقاء قد يصيبه ما يدمِّره، والموضوع الذي تريد أن تتحدث فيه، قد يأتي لك خاطر ألا تتحدث فيه من قبل أن يتم اللقاء. وهَبْ أن كل العناصر اجتمعت، فماذا تملك أنت أو غيرك من عناصر الوعد؟ لا شيء أبداً. ولذلك يعلِّم الله سبحانه خَلْقه الأدب في إعطاء الوعود، التي لا يملكونها، فيقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 23-24]. وحين تقدِّم المشيئة فإن حدث لك ما يمنع إنفاذ الوعد فلن تكون كذاباً. وهكذا يعلّمنا ربنا صيانة أخبارنا عن الكذب، وجعلنا نتكلم في نطاق قُدراتنا، وقُدراتنا لا يوجد فيها عنصر من عناصر الحدث، لكن إذا قال الله سبحانه، ووعد، فلا رادّ لما وعد به سبحانه؛ لأنه منزَّه عن أن يُخْلف الميعاد؛ لأن عناصر كل الأحداث تخضع لمشيئته سبحانه، ولاَ تتأبَّى عليه، ووعده حق وثابت. أما أنت فتتحكم فيك الأغيار التي يُجريها الحق سبحانه عليك. وهَبْ أنك أردت أن تبني بيتاً، وقلت للمهندس المواصفات الخاصة التي تريدها في هذا البيت، لكن المهندس لم يستطع أن يشتري من الأسواق بعضاً من المواد التي حددتها أنت، فأنت - إذن - قد أردت ما لا يملك المهندس تصرُّفاً فيه. لكن الأمر يختلف بالنسبة للخالق الأعلى سبحانه؛ فهو الذي يملك كل شيء، وهو حين يَعد يصير وَعْدُه محتَّم النفاذ، ولكن الكافرين ينكرون ذلك؛ ولذلك قال الله سبحانه: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 55]. أي: أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة، فقد سبق أن قالوا: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ..}تفسير : [يونس: 48]. أو أن {أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تعني: أن الإنسان يجب ألاَّ يضع نفسه في موعد دون أن يقدِّم المشيئة؛ لأنه لا يملك من عناصر أي وعد إلا ما يشاؤه الله تعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ...}.