١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران: الأول: أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك، فهو رسول من عند الله حقاً وصدقاً، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله: { أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يَفْتَرِى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يونس: 37، 38] وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات. وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو؟ فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الحق، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق، وتقريره: أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل، قوي النفس، مشرق الروح، علوي الطبيعة، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال، وذلك هو النبي. فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة: الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين، فالقسم الأول هو عامة الخلق، والقسم الثاني هم الأولياء، والقسم الثالث هم الأنبياء، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة. ولهذا السر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»تفسير : . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها: كونه موعظة من عند الله. وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور. وثالثها: كونه هدى. ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين. ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها. ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية، فصار ذلك الاستغراق سبباً لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح، فلا بد لها من طبيب حاذق، فإن من وقع في المرض الشديد، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب، وكان هذا البدن قابلاً للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم. إذا عرفت هذا فنقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة. ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله. المرتبة الثانية: الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى } تفسير : [النحل: 90] وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت. والمرتبة الثالثة: حصول الهدى، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها» تفسير : وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل في حق الحق ممتنع، فالمنع في حقه ممتنع، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور، فإذا زالت تلك الأحوال، فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت، وأول هذه المرتبة هو قوله: { أية : يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } تفسير : [الفجر: 27] وأوسطها قوله تعالى: { أية : فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الذاريات: 50] وآخرها قوله: { أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأنعام: 91] ومجموعها قوله: { أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلاْمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تفسير : [هود: 123] وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه {وَهَدَىٰ }. وأما المرتبة الرابعة: فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم، وذلك هو المراد بقوله {وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى، لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلاً لوجه الشمس، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين، لم تنتفع بأنوارهم، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس، فلا جرم يبقى خالص الظلمة، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات، وأبعد النهايات، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى. المسألة الثانية: قوله: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } وتقديره: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم يقول مرة أخرى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } والتكرير للتأكيد. وأيضاً قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } يفيد الحصر، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك. واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين: أحدهما: أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية، ويدل عليه وجوه: الأول: أن جماعة من المحققين قالوا: لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به. والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية، لكنها معنوية من وجوه: الأول: أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية. والثاني: أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج. وأما الآلام: فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر. والثالث: أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى. الرابع: أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد، ولذلك قال المعري: شعر : إن حزنا في ساعة الموت أضعا ف سرور في ساعة الميلاد تفسير : فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته. الخامس: أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة. السادس: أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء. والبحث الثاني: من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته، فلهذا السبب قال الصديقون: من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب، أما المفسرون فقالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله. المسألة الرابعة: قرىء {فلتفرحوا} بالتاء، قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال: معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي {فَبِذَلِكَ فافرحوا} والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضاً وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلاً فجعله عيباً إلا أن ذلك هو الأصل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد: « حديث : لتأخذوا مصافكم » تفسير : يريد به خذوا، هذا كله كلام الفراء. وقرىء {تجمعون} بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية، وما دام الروح متعلقاً بهذا الجسد، فإنه لا ينفك عن حب الجسد، وعن طلب اللذات الجسمانية، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين، وقال: حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يعني قريشاً. {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} أي وعظ. {مِّن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن، فيه مواعظ وحِكَم. {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي من الشك والنفاق والخلاف والشقاق. {وَهُدًى} أي ورشداً لمن ٱتبعه. {وَرَحْمَةٌ} أي نعمة. {لِّلْمُؤْمِنِينَ} خصّهم لأنهم المنتفعون بالإيمان؛ والكل صفات القرآن، والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر:شعر : إلى المَلِك القَرْم وابنِ الهُمام وليثِ الكَتِيبة في المُزْدَحَمْ
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ} أي: زاجر عن الفواحش {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ} أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، وهدى ورحمة، أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به، والمصدقين الموقنين بما فيه؛ كقوله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} تفسير : [الإسراء: 82] وقوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} تفسير : [فصلت: 44] الآية، وقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا، فإنه أولى ما يفرحون به {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة؛ كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية، وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه، خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا، هو الذي يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} الآية، وهذا مما يجمعون، وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية، فذكره.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَـٱأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبِّكُمْ } كتاب فيه ما لكم وما عليكم، وهو القرآن {وَشِفَآءٌ } دواء {لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ } من العقائد الفاسدة والشكوك {وَهُدَىً } من الضلال {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن فضل الله معرفته، ورحمته توفيقه. الثاني: أن فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم والضحاك. الثالث: أن فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن، قاله الحسن ومجاهد وقتادة. {فَبِذلِكَ فَلْيَفُرَحُواْ} يعين بالمغفرة والتوفيق على الوجه الأول، وبالإٍسلام والقرآن على الوجهين الآخرين. وفيه ثالث: فلتفرح قريش بأن محمداً منهم، قاله ابن عباس. {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} يعني في الدنيا. روى أبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ هَدَاهُ اللهُ لِلإِسْلاَمِ وَعَلَّمَهُ القُرآنَ ثُمَّ شَكَا الفَاقَةَ كَتبَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ"، تفسير : ثم تلا {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.
ابن عطية
تفسير : هذه آية خوطب بها جميع العالم، و" الموعظة" القرآن لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وقوله: {من ربكم } يريد لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم بل هي من عند الله، و { ما في الصدور } يريد به الجهل والعتو عن النظر في آيات الله ونحو هذا مما يدفع الإيمان، وجعله موعظة بحسب الناس أجمع، وجعله {هدى ورحمة } بحسب المؤمنين فقط، وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تؤمل بان وجهه، وقوله سبحانه {قل بفضل الله وبرحمته}، الباء متعلقة بمحذوف استغني عن ذكره يدل عليه قوله: {وهدى ورحمة}، قال بعض المتأولين وهو هلال بن يساف وقتادة والحسن وابن عباس " الفضل ": الإسلام، و " الرحمة ": القرآن، وقال أبو سعيد الخدري: " الفضل ": القرآن، و" الرحمة " أن جعلهم من أهله، وقال زيد بن أسلم والضحاك " الفضل ": القرآن، و" الرحمة ": الإسلام، وقالت فرقة: "الفضل": محمد صلى الله عليه وسلم، و " الرحمة ": القرآن. قال القاضي أبو محمد: ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند منه شيء إلى النبي صلى الله عليه سلم، وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه، أن " الفضل " هو هداية الله تعالى إلى دينه والتوفيق إلى اتباع الشرع، و" الرحمة ": هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان به، ومعنى الآية: قل يا محمد لجميع الناس: {بفضل الله وبرحمته } فليقع الفرح منكم، لا بأمور الدنيا وما جمع من حطامها، فالمؤمنون يقال لهم: فلتفرحوا، وهم متلبسون بعلة الفرح وسببه، ومحصلون لفضل الله منتظرون الرحمة، والكافرون يقال لهم: {بفضل الله وبرحمته } فلتفرحوا، على معنى أن لو اتفق لكم أو لو سعدتم بالهداية إلى تحصيل ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن القعقاع وابن عامر والحسن على ما زعم هارون ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم "فلتفرحوا"، و" تجمعون " بالتاء فيهما على المخاطبة، وهي قراءة جماعة من السلف كبيرة، وعن أكثرهم خلاف، وقرأ السبعة سوى ابن عامر وأهل المدينة والأعرج ومجاهد وابن أبي إسحاق وقتادة وطلحة والأعمش: بالياء فيهما على ذكر الغائب، ورويت عن الحسن بالتاء من فوق فيهما، وقرأ أبو التياح وأبو جعفر وقتادة: بخلاف عنهم وابن عامر بالياء في الأولى وبالتاء في الآخرة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وجماعة من السلف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالياء في الأولى وفي الآخرة، ورويت عن أبي التياح، وإذا تأملت وجوه ذلك بانت على مهيع الفصيح من كلام العرب ولذلك كثر الخلاف من كل قارىء، وفي مصحف أبي بن كعب، " فبذلك فافرحوا" وأما من قرأ " فلتفرحوا " فأدخل اللام في أمر المخاطب فذلك على لغة قليلة، حكى ذلك أبو علي في الحجة، وقال أبو حاتم وغيره: الأصل في كل أمر إدخال اللام إذا كان النهي بحرف فكذلك الأمر، وإذا كان أمراً لغائب بلام، قال أبو الفتح: إلا أن العرب رفضت إدخال اللام في أمر المخاطب لكثرة ترداده، وقرأ أبو الفتوح والحسن: بكسر اللام من " فلِتفرحوا"، فإن قيل: كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية؟ وقد ورد ذمه في قوله {أية : لفرح فخور } تفسير : [هود: 10]، وفي قوله {أية : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} تفسير : [القصص: 76] قيل إن الفرح إذا ورد مقيداً في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية، وإذا ورد مقيداً في شر أو مطلقاً لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على ذنبه وخوفه لربه، وقوله: {مما يجمعون } يريد من مال الدنيا وحطامها الفاني المؤذي في الآخرة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} قيل: أراد بالناس قريشاً. وقيل: هو على العموم وهو الأصح وهو اختيار الطبري قد جاءتكم موعظة من ربكم يعني القرآن والوعظ زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وقيل: الموعظة، ما يدعو إلى الصلاح بطريقة الرغبة والرهبة. والقرآن داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق {وشفاء لما في الصدور} يعني أن القرآن ذو شفاء لما في القلوب من داء الجهل وذلك لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن. وأمراض القلب هي: الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة. فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها، لأن فيه الوعظ والزجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية، وإنما خص الصدر بالذكر، لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه {وهدى} يعني وهو هدى من الضلالة {ورحمة للمؤمنين} يعني ونعمة على المؤمنين لأنهم هم الذين انتفعوا بالقرآن دون غيرهم {قل بفضل الله وبرحمته} الباء في بفضل الله متعلقة بمضمر استغنى عن ذكره لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله قد جاءتكم موعظة من ربكم. والفضل هنا: بمعنى الإفضال ويكون معنى الآية على هذا يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهو القرآن بإفضال الله عليكم ورحمته بكم وإرادته الخير لكم ثم قال سبحانه وتعالى: {فبذلك فليفرحوا} أشار بذلك إلى القرآن لأن المراد بالموعظة والشفاء: القرآن فترك اللفظ وأشار إلى المعنى وقيل: فبذلك فليفرحوا إشارة إلى معنى الفضل والرحمة والمعنى فبذلك التطول والإنعام فليفرحوا قال الواحدي الفاء في قوله تعالى: فليفرحوا زائدة كقول الشاعر: شعر : فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي تفسير : فالفاء في قوله فاجزعي، زائدة. وقال صاحب الكشاف في معنى الآية بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك. فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير إيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه والفاء داخلة لمعنى الشرط فكأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما، والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب والمشتهى. يقال: فرحت بكذا إذا أدركت المأمول ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح في اللذات البدنية الدنيوية واستعمل هنا فيما يرغب فيه من الخيرات ومعنى الآية ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته أي ما آتاهم الله من المواعظ وشفاء الصدور وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه {هو خير مما يجمعون} يعني من متاع الدنيا ولذاتها الفانية هذا مذهب أهل المعاني في هذه الآية. وأما مذهب المفسرين فغير هذا، فإن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله. وقال ابن عمر: فضل الله الإسلام ورحمته تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل الله الإسلام ورحمته الجنة. وقيل: فضل الله القرآن ورحمته السنن. فعلى هذا الباء في بفضل الله تتعلق بمحذوف يفسره ما يعده تقديره قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته {قل} أي قل يا محمد لكفار مكة {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} يعني من زرع وضرع وغيرهما وعبر عما في الأرض بالإنزال لأن جميع ما في الأرض من خير ورزق فإنما هو من بركات السماء {فجعلتم منه} يعني من ذلك الرزق {حراماً وحلالاً} يعني ما حرموه على أنفسهم في الجاهلية من الحرث والأنعام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. قال الضحاك: هو قوله سبحانه وتعالى: {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً}تفسير : [الأَنعام: 136] {قل آلله أذن لكم} يعني: قل لهم يا محمد آلله أذن لكم في هذا التحريم {أم على الله تفترون} يعني بل أنتم كاذبون على الله في ادعائكم أن الله أمرنا بهذا {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} يعني: إذا لقوه يوم القيامة أيحسبون أنه لا يؤاخذهم على أعمالهم فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب {إن الله لذو فضل على الناس} يعني ببعثة الرسل وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام {ولكن أكثرهم لا يشكرون} يعني: لا يشكرون الله على ذلك الفضل والإحسان.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، والـــ {مَّوْعِظَةٌ }: القرآن؛ لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز»، وقوله: {مِّن رَّبِّكُمْ } يريد: لم يختلقْها محمَّد ولا غيره، و{مَا فِي ٱلصُّدُورِ }: يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه. وقوله سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}، قال ابن عباس وغيره: الفضل: الإِسلام، والرحمة: القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: الفَضْل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم مِنْ أهله. وقال زيْدُ بن أسلم والضَّحَّاك: الفَضْل: القرآن، والرحمة: الإِسلام. قال * ع *: ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى ٱتبَاعِ شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: { أية : لَفَرِحٌ فَخُورٌ } تفسير : [هود:10] وفي قوله: { أية : لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } تفسير : [القصص:76]. قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه. وقوله: {مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المُرْدِيَ في الآخرة. وقوله سبحانه: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً...} الآية. قال * ص *: {أَرَءَيْتُم }: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و«ما» موصولة. قال * ع *: هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: {أَنَزلَ }: لفظةً فيها تجوُّز.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} الآية. اعلم: أنَّه - تعالى - لمَّا بيَّن أنَّ الرسول حقٌّ وصدقٌ بظهور المعجزات على يديه، في قوله: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [يونس:37] إلى قوله {أية : إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس:38] وصف القرآن هنا بصفاتٍ أربع: أولها: كونه موعظة. وثانيها: كوه شفاءً لما في الصُّدُور. وثالثها: كونه هُدًى. ورابعها: كونه رحمة للعالمين. قوله: "مِّن رَّبِّكُمْ" يجوز أن تكون "مِنْ" لابتداء الغاية، فتتعلَّق حينئذٍ بـ "جَآءَتْكُمْ"، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، ويجوز أن تكون للتَّبعيض، فتتعلق بمحذوف على أنَّها صفةٌ لـ "موعظة" أي: موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكُم. وقوله: {مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} من باب ما عطف فيه الصِّفات بعضها على بعضٍ، أي: قد جاءتكم موعظةٌ جامعةٌ لهذه الأشياء كلِّها، و "شِفَاءٌ" في الأصل مصدرٌ جعل وصفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به، أي: يُداوى، فهو كالدَّواءِ لما يُدَاوى، و "لِمَا في الصُّدورِ" يجوز أن يكون صفةً لـ "شِفَاء" فيتعلق بمحذوفٍ، وأن تكون اللامُ زائدةً في المفعول؛ لأنَّ العامل فرعٌ إذا قلنا بأنَّه مصدرٌ. وقوله: "لِلْمؤمنينَ" محتملٌ لهذين الوجهين، وهو من التَّنازُع؛ لأنَّ كلاًّ من الهُدَى والرحمة يطلبُه. فصل أمَّا كون القرآن موعظةً؛ فلاشتماله على المواعظِ والقصص، وكونه شفاءً، أي: دواءً، لجهل ما في الصُّدورِ، أي: شفاء لعمى القُلُوب، والصُّدُور موضعُ القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجواز القلب، قال - تعالى -: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج:46] وكونه هُدًى، أي: من الضَّلالة، {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، والرَّحْمَة: هي النعمة على المحتاج؛ فإنَّه لو أهدى ملكٌ إلى ملك شيئاً، فإنَّه لا يقال رحمة وإن كان ذلك نعمة؛ فإنَّه لم يصنعها إلى المحتاج. قوله: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ}: في تعلُّق هذا الجارِّ أوجهٌ: أحدها: أنَّ "بِفَضْلِ" و "بِرَحْمتهِ" متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديره: بفضل الله وبرحمته ليفرحُوا، فبذلك فليَفْرَحُوا، فحذف الفعل الأول؛ لدلالة الثاني عليه، فهما جملتان. ويدلُّ على ذلك قول الزمخشري: "أصلُ الكلام: بفَضْلِ الله وبرحمته، فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتَّكرير للتَّأكيد، والتَّقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحدُ الفعلين؛ لدلالةِ المذكور عليه، والفاءُ داخلةٌ لمعنى الشَّرطِ، كأنَّه قيل: إن فرحُوا بشيءٍ، فليَخُصُّوهُمَا بالفرح، فإنَّه لا مفروح به أحق منهما". الثاني: أنَّ الجارَّ الأول متعلِّقٌ أيضاً بمحذوفٍ دلَّ عليه السِّياقُ والمعنى، لا نفس الفعل الملفوظ به، والتقديرُ: بفضل الله وبرحمته، فليعتنُوا، فبذلك فليَفْرَحُوا، قاله الزمخشري. الثالث: أن يتعلَّق الجارُّ الأوَّل بـ "جَاءَتكُم" قال الزمخشري: "ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعظةٌ بفضلِ الله وبرحمتهِ، فبذلك فليفرحوا، أي: فَبِمجِيئهما فليَفْرَحُوا". قال أبو حيَّان: "أمَّا إضمار "فليَعْتنُوا" فلا دليل عليه". قال شهاب الدِّين: "الدَّلالةُ عليه من السِّياق واضحةٌ، وليس شرطُ الدَّلالةِ أن تكون لفظيَّة". وقال أبو حيَّان: وأمَّا تعلُّقُه بقوله: "قَدْ جَاءتُكم" فينبغي أن يُقدَّرَ محذوفاً بعد "قُلْ"، ولا يكونهُ متعلِّقاً بـ "جَاءَتْكُم" الأولى؛ للفَصْل بينهما بـ "قُلْ"، وهذا إيراد واضحٌ، ويجُوزُ أن يكون "بِفَضْلِ اللهِ" صفةً لـ "مَوْعِظَة" أي: موعظةٌ مصاحبةٌ، أو ملتبسةٌ بفضل اللهِ. الرابع: قال الحوفيُّ: "الباءُ متعلِّقةٌ بما دلَّ عليه المعنى، أي: قد جاءتكم الموعظة بفضل الله". الخامس: أنَّ الفاء الأولى زائدةٌ، وأنَّ قوله: "بذلك" بدلٌ ممَّا قبله، وهو "بِفَضْلِ الله وبرحمتِهِ" وأُشير بذلك إلى اثنين؛ كقوله: {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة:68]. وقوله: [الرمل] شعر : 2907- إنَّ للخَيْرِ وللشَّرِّ مدًى وكِلاَ ذلكَ وجْهٌ وقَبَلْ تفسير : وفي هاتين الفاءين أوجهٌ: أحدها: أنَّ الأولى زائدةٌ، وقد تقدَّم في الوجه الخامس. الثاني: أنَّ الفاء الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، فعلى هذا لا تكونُ الأولى زائدةً، ويكون أصل التَّركيب: فبذلك ليفرحوا، وعلى القول الأول قبلهُ يكون أصلُ التَّركيب: بذلك فليَفْرَحُوا. الثالث: قال أبو البقاء: الفاءُ الأولى مرتبطةٌ بما قبلها، والثانيةُ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: فليَعْجَبُوا بذلك فليَفْرَحُوا؛ كقولهم: زيداً فاضربه، أي: تعمَّد زيداً فاضربه والجمهورُ على "فَلْيَفْرَحُوا" بياء الغيبة. وقرأ عثمان بن عفان، وأبيُّ، وأنس، والحسن، وأبو رجاء، وابن هرمز، وابن سيرين: بتاء الخطاب، وهي قراءةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الزمخشري: "وهو الأصلُ والقياسُ". قال أبو حيَّان: "إنَّها لغةٌ قليلة". يعنى أنَّ القياسَ أن يُؤمَرَ المخاطب بصيغةِ "افعل"، وبهذا الأصل قرأ أبيُّ: "فَافْرَحُوا" وهي في مصحفه كذلك، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ: وهي أنَّ الأمر باللاَّم يكثر في الغائب، والمخاطب المبنيِّ للمفعول، مثال الأول: "لِيقم زيدٌ" وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور، ومثال الثاني: لِتُعْنَ بحاجتي، ولتضرب يا زيد، فإن كان مبنياً للفاعل، كان قليلاً؛ كقراءة عثمان، ومن معه، وفي الحديث: "حديث : لتأخُذُوا مصافَّكُم" تفسير : بل الكثير في هذا النَّوْع الأمرُ بصيغة "افْعَلْ" نحو: قُمْ يا زيد، وقوموا، وكذلك يضعف الأمر باللاَّم للمتكلم وحدهُ، أو معه غيره، فالأول نحو: "لأقُمْ" تأمر نفسك بالقيام، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : قُومُوا فلأصَلّ لكُم" تفسير : ومثال الثاني: لِنَقُمْ، أي: نحن، وكذلك النَّهْي؛ ومنه قول الشَّاعر: [الكامل] شعر : 2908- إذَا ما خَرَجْنَا مِنْ "دِمشْقَ" فلا نَعُدْ لهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجُرَاضِمُ تفسير : ونقل ابنُ عطيَّة، عن ابن عامر: أنَّه قرأ: "فَلتَفْرَحُوا" خطاباً، وهذه ليست مشهورة عنه. وقرأ الحسن، وأبو التياح: "فَليَفْرَحُوا" بكسر اللام، وهو الأصل. قوله: {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} "هو" عائدٌ على الفضل والرَّحْمَةِ، وإن كانا شيئين؛ لأنَّهُمَا بمعنى شيء واحد، عُبِّر عنه بلفظتين على سبيل التأكيد؛ ولذلك أشير إليهما بإشارة واحدةٍ. وقرأ ابن عامر: "تَجْمَعُون" بتاء الخطاب، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب الالتفات، فيكون في المعنى كقراءة الجماعة، فإنَّ الضَّمير يُراد من يُرادُ بالضَّمير في قوله: "فَلْيَفْرَحُوا". والثاني: أنَّه خطاب لقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ} وهذه القراءةُ تناسبُ قراءة الخطاب في قوله "فَلْيَفْرَحُوا" كما نقلها ابنُ عطيَّة عنه أيضاً. فصل قال مجاهد وقتادةُ: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. وقال أبو سعيدٍ الخُدريُّ - رضي الله عنه -: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله. وقال ابن عمر: فضلُ الله: الإسلام، ورحمته: تزيينهُ في القلب، وقال خالدُ بن معدان: فضلُ الله: الإسلام، ورحمته: السُّنَن. وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنَّة، {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أي: لِيَفْرَحِ المؤمنون أن جعلهم من أهله، {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: خير ممَّا يجمعه الكُفَّار من الأموالِ؛ لأنَّ الآخرة خيرٌ وأبْقَى، وما كان عند الله، فهو أولى بالطَّلب.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن أبي الأحوص قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أخي يشتكي بطنه. فوصف له الخمر فقال: سبحان الله...! ما جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شيئين: القرآن والعسل، فيهما شفاء لما في الصدور وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: إن الله سبحانه وتعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور ولم يجعله شفاء لأمراضكم. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أني أشتكي صدري. فقال: اقرأ القرآن، يقول الله تعالى: شفاء لما في الصدور . تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. حديث : أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه. فقال: عليك بقراءة القرآن . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: في القرآن شفاءان القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء. وأخرج البيهقي عن طلحة بن مصرف كان يقال: إن المريض إذا قرىء عنده القرآن وجد له خفة. فدخلت على خيثمة وهو مريض فقلت: إني أراك اليوم صالحاً. قال: إنه قرىء عندي القرآن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} [الآية: 57]. قال ابن عطاء: الموعظة للنفوس والشفاء للقلوب، والهدى للأسرار والرحمة لمن هذه صفته. قال جعفر: شفاء لما فى الصدور أى: راحة لما فى السرائر. قال بعضهم: الشفاء المعرفة والصفاء. قال بعضهم الشفاء التسليم والرضا. ولبعضهم: شفاء التوبة والوفاء وقال: الشفاء المشاهدة واللقاء.
القشيري
تفسير : الموعظة للكافة...ولكنها لا تنجع في أقوامٍ، وتنفع في آخرين؛ فَمَنْ أصغى إليها بَسْمعِ سِرِّه اتضح نورُ التحقيق في قلبه، ومَنْ استمع إليها بنعت غَيْبَتِه ما اتصف إلا بدوام حجبته. ويقال الموعظة لأربابِ الغيبة لِيَؤوبُوا، والشِّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا. ويقال "الموعظة": للعوام، "والشفاء": للخواص، "والهُدى" لخاص الخاص، "الرحمة" لجميعهم، وبرحمته وصَلوا إلى ذلك. ويقال شفاءُ كلِّ أحدٍ على حَسَبِ دائه، فشفاءُ المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء المطيعين بوجود النعمة، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة. ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاءُ العارفين بالقرب والمناجاة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الناس} نداء عام كما فى تفسير الكاشفى وخصصه فى الارشاد بكفار مكة {قد جاءتكم موعظة} هى التذكير بالعواقب سواء كان بالزجر والترهيب او بالاستمالة والترغيب اى كتاب مبين لما يجب لكم وعليكم مرغب فى الاعمال الحسنة منفر عن الافعال السيئة وهو القرآن {من ربكم} متعلق بجاءتكم {وشفاء لما فى الصدور} ودواء من امراض القلوب كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الفاسدة {وهدى} الى طريق الحق واليقين بالارشاد الى الاستدلال بالدلائل المنصوبة فى الآفاق والانفس {ورحمة للمؤمنين} حيث نجوا بمجيء القرآن من ظلمات الكفر والضلال وهذه المصادر وصف بها القرآن للمبالغة كأنه عينها شعر : زهى كلام تو محض هدايت وحكمت زهى بيام تو عين عنايت ورحمت كشد كمند كلام تو اهل عرفانرا زشورة زار خساست بكلشن همت تفسير : يقال القرآن موعظة للنفوس وشفاء للصدور وهدى للارواح. ويقال الموعظة للعوام والشفاء للخواص والهدى للاخص والرحمة للكل حيث اوصلهم الى مراتبهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (بفضل الله) يتعلق بمحذوف، يفسره ما بعده، أي: ليفرحوا بفضل الله، أو بقوله: "فليفرحوا". وكرر قوله: (فبذلك) تأكيداً والفاء بمعنى الشرط، كأنه قال: إن فرحوا بشيء فبهما فليفرحوا. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الناسُ قد جاءتكم موعظة من ربكم} يعنى القرآن العظيم، {وشفاء لما في الصدور} من الشك والجهل، {وهُدىً ورحمةٌ للمؤمنين} هداية في بواطنهم بأنوار التحقيق، ورحمة في ظواهرهم بآداب التشريع. قال البيضاوي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية، الكاشف عن محاسن الأعمال وقبائحها، والراغبة في المحاسن، والزاجرة عن القبائح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين؛ حيث أنزلت عليهم فنجوا من ظلمات الضلال بنور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان. والتنكير فيها للتعظيم. هـ. {قل بفضل الله وبرحمته} أي: بمطلق الفضل والرحمة، {فبذلك فليفْرَحُوا} لا بغيره، أو الفضل: الإسلام، والرحمة: القرآن. وقرأ يعقوب بتاء الخطاب، ورُوي مرفوعاً، ويؤيده قراءة من قرأ: "فافرحوا"، {هو خيرٌ مما يجمعون} من حطام الدنيا، فإنها إلى الزوال، وقرأ ابن عامر: "تجمعون" بالخطاب، على معنى: فبذلك فليفرح المؤمنون، فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون. الإشارة: قد جعل الله في خواصِّ أوليائه موعظة للناس بما يسمعون منهم من التذكير والإرشاد وشفاء لما في الصدور، لما يسري منهم إلى القلوب من الإمداد، وما يكتسبه مَنْ صحبهم من أنوار التحقيق، وهدى إلى صريح العرفان وإشراق أنوار الإحسان، ورحمة بسكون القلوب والطمأنينة بذكر علام الغيوب، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، ففضل الله: أنوار الإسلام والإيمان، ورحمته: أنوار الإحسان، أو فضل الله: أحكام الشريعة، ورحمته: الطريقة والحقيقة، أو فضل الله: حلاوة المعاملة، ورحمته: حلاوة المشاهدة، أو فضل الله: استقامة الظواهر، ورحمته: استقامة البواطن، أو فضل الله: محبته، ورحمته: معرفته. إلى غير ذلك مما لا ينحصر، ولم يقل: فبذلك فلتفرح يا محمد؛ لأن فرحه صلى الله عليه وسلم بالله، لا بشيءٍ دونه. ولمَّا كانت موعظة القرآن العظيم مشتملة على التحليل والتحريم، رد الله تعالى على من افترى خلافه، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين من الناس يخبرهم الله تعالى بأنه أتاهم موعظة من الله. والموعظة ما يدعوا إلى الصلاح ويزجر عن القبيح بما يتضمنه من الرغبة والرهبة ويدعو إلى الخشوع والنسك، ويصرف عن الفسوق والاثم، ويريد بذلك القرآن وما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من الشريعة. وقوله {وشفاء لما في الصدور} فالشفاء معنى كالدواء لازالة الداء. فداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه اقل والشفاء منه أجل. والصدور جمع صدر وهو موضع القلب، وهو اجل موضع في الحي لشرف القلب. وقوله {وهدى ورحمة للمؤمنين} وصف القرآن بأنه يقال عما يؤدي إلى الحق ودلالة تؤدي إلى المعرفة ونعمة على المحتاج لأنه لا يقال للملك إذا اهدى إلى ملك آخر جوهرة أنه قد رحمه بذلك، وإن كانت نعمة يجب بها شكره ومكافأته. وإنما أضافه إلى المؤمنين، لأنهم الذين انتفعوا به دون الكفار الذين لم ينتفعوا به، كما قال {هدى للمتقين} وإن كان هدى لغيرهم.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} دعوة من الشّرور الى الخيرات {مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} من وساوس الشّيطان ولمّات النّفس واهويتها لمن استشفى به {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} والمراد القرآن فانّه موعظة وشفاء وهداية ورحمة اطلق الاوّلين لانّ الموعظة عامّة لمن اتّعظ ومن لم يتّعظ وكذا الشّفاء لكن لا ينتفع بهما الاّ من اتّعظ واستشفى، وقيّد الثّانيّين لاختصاصهما بالمؤمنين وعدم تعلّقهما بغيرهم وحقيقة الموعظة هى الرّسالة واحكامها لتعلّقها بالقوالب والظّواهر وعمومها لكلّ الخلق، وحقيقة الشّفاء النّبوّة لتعلّقها بالصّدور وعمومها ايضاً وحقيقة الهدى والرّحمة الولاية لانّ الرّسالة والنّبوّة سبب لايقاظ الخلق من الغفلة وتنبيههم على الحيرة والضّلالة ليس فيهما من حيث انفسهما هداية ولا رحمة، والولاية سبب لاراءة الطّريق وايصال الضّالّ المتحيّر بعد تنبّهه بضلاله وتحيّره الى الطّريق، وبعد الوصول الى الطّريق موجبة لنزول الرّحمة آنا فآناً عليه، ولمّا كان القرآن صورة للكلّ صحّ جعل الاوصاف كلّها اوصافاً له فصحّ التّفسير بالقرآن، كما صحّ جعل الاوصاف لموصوفاتٍ متعدّدةٍ كما ذكرنا والتّفسير بها.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النَّاسُ} هذا على عمومه، وقيل: أهل مكة، وقيل: قريش {قَدْ جاءتْكُم موْعِظةٌ} هى القرآن، ونكر تعظيما، والوعظ قول يأمر بمعروف، ويزجر من منكر، ويرفق تارة، ويغلظ أخرى، ويوعد ويعد، وقيل: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل، تذكير بخير فيما يرق له القلب، وقيل: الدلالة على ما يدعو إلى الإصلاح بطريق الرغبة والرهبة، قبل النطق بالحكمة العلمية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومفاتيحها الفرعية، فى المحاسن الزاجرة عن القبائح، وبالحكمة النظرية، وذلك كله صفة القرآن العزيز. {مِنْ ربِّكُم} لا من عند محمد أو غيره {وشِفاءٌ} إزالة، فاللام بعد للتقوية، أو دواء واللام على أصلها {لما فى الصُّدورِ} من الشكوك والعقائد الفاسدة، والجهات لا المهلكة، تشبيه ذلك بالمرض، كما دل عليه بلفظ الشفاء، بل داؤه أضر من ذلك المرض، وخص الصدر للذكر، لأنه موضع القلب الذى هو أفضل عضو، والموعظة والشفاء عامَّان بمعنى أنه فى نفسه شفاء ولو لم يستشف به الكافر. {وهدًى} إيصال الى الحق واليقين، وتوفيق إليهما {ورحْمةٌ للمؤمنينَ} الذين سبقت لهم السعادة خاصة إذ نجوا به إلى نور الإيمان، درجات الجنان، من ظلمات الضلال، ودركات النيران.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أَهل مكة أَو الناس كلهم، وهذا استمالة لهم إِلى الحق وطريق صحة النبوءَة بعد ذكر طرق الدلالة على الوحدانية {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءُ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} هذه الأَربعة كلها شىءٌ واحد وهو القرآن، ونكرت للتعظيم. نزلت لتغايرها وصفاً منزلة تغاير الذوات فساغ العطف كما شهر أَن العطف يقتضى التغاير غالباً، جاءَكم من الله القرآن الجامع للوعظ والشفاءِ والهدى والرحمة، والموعظة مصدر ميمى بمعنى الوعظ وهو إِرشاد المكلف ببيان ما ينفعه من محاسن الأَعمال وما يضره من القبائح، وذكر الثواب والعقاب والترغيب فى المحاسن والزجر عن القبائح، ومن للابتداءِ ولا حاجة إِلى التبعيض على تقدير من مواعظ ربكم، والشفاء إِزالة ما يشبه المرض فى الضرر والإِهلاك من سوءِ الاعتقاد والشكوك، ويلتحق بذلك ذنوب الجوارح واللسان والهدى والإِرشاد عن الضلال إِلى اليقين وهو الحق، والرحمة إِنعام الله على المؤمنين بإِنزال القرآن الذى ينجون به من النار ويفوزون بالجنة، وكذا للكفار ولكن أَعرضوا عنه فلم ينالوا، والهدى هنا بيان لا هدى إِيصال كما قيل، لأَن هدى الإِيصال لله لا للقرآن، ولا شك أَن لقراءَة القرآن عموماً بركة يذهب به أَمراض البدن عموماً بإِذن الله تعالى على طريق الدعاء والتبرك، أَو بلا قصد الشفاءِ به، وجاءَ رجل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو صدره فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : اقرأْ القرآن تفسير : ، يقول الله تعالى شفاءٌ لما فى الصدور، وليس على ظاهره من أَن معنى الآية أَن القرآن دواء لوجع الصدر بل معناه أنه دواءٌ لدنس القلوب بنية المعاصى بل قياس منه صلى الله عليه وسلم للمرض الحسى على المرض المعقول من الذنب، وذلك كما أَنه يقرأُ صلى الله عليه وسلم المعوذتين ويمسح على بدنه لوجع، وكذا شكا إِليه رجل وجع الحلق فقال: حديث : عليك بقراءَة القرآنتفسير : ، بل قد يكون المرض المعنوى سبباً للحسى، فيقرأُ القرآن ليزول المعنوى الذى هو سبب الحسى، وجاءَ أَحاديث فى أَن الذنوب تجر المصائِب والأَمراض، ويقال: لله دَر الحسد ما أَعدله، بدأَ بصاحبه فقتله.
الالوسي
تفسير : التفات ورجوع إلى / استمالتهم نحو الحق واستنزالهم إلى قبوله واتباعه غب تحذيرهم من غوائل الضلال بما تلا عليهم من القوارع وإيذان بأن جميع ذلك مسوق لمصالحهم وهذا وجه الربط بما تقدم. وقال أبو حيان في ذلك: ((أنه تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة ذكر الدلائل الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي إليها وهو [القرآن و] المتصف بهذه الأوصاف [الشريفة هو القرآن])) والأول أولى ولا يأباه عموم الخطاب كما هو الظاهر واختاره الطبري خلافاً لمن جعله خاصاً بقريش. والموعظة كالوعظ والعظة تذكير ما يلين القلب من الثواب والعقاب، وقيل: زجر مقترن بتخويف، والشفاء الدواء ويجمع على أشفية وجمع الجمع أشافي، والهدى معلوم مما مر غير مرة، والرحمة الإحسان أو إرادته أو صفة غيرهما لائقة بمن قامت به، و {مّن رَّبّكُمْ} متعلق بجاء و {مِنْ} ابتدائية أو بمحذوف وقع صفة لموعظة و {مِنْ} تبعيضية والكلام على حذف مضاف أي موعظة من مواعظ ربكم و {لِّمَا} إما متعلق بما عنده واللام مقوية وأما متعلق بمحذوف وقع نعتاً له وكذا يقال على ما قيل فيما بعد، والمراد قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد والمنافع كاشف عن أحوال الأعمال حسناتها وسيآتها مرغب في الأولى ورادع عن الأخرى ومبين للمعارف الحقة المزيلة لأدواء الشكوك وسوء مزاج الاعتقاد وهاد إلى طريق الحق واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل الآفاقية والأنفسية ورحمة للمؤمنين حيث نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان وتخلصوا من دركات النيران وارتقوا إلى درجات الجنان. قال بعض المحققين: إن في ذلك إشارة إلى أن للنفس الإنسانية مراتب كمال من تمسك بالقرآن فاز بها. أحدها: تهذيب الظاهر عن فعل ما لا ينبغي وإليه الإشارة بالموعظة بناءً على أن فيها الزجر عن المعاصي وثانيها: تهذيب الباطن عن العقائد الفاسدة والملكات الردية وإليه الإشارة بشفاء لما في الصدور وثالثها: تحلي النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ولا يحصل ذلك إلا بالهدى. ورابعها: تجلي أنوار الرحمة الإلهية وتختص بالنفوس الكاملة المستعدة بما حصل لها من الكمال الظاهر والباطن لذلك. وقال الإمام: ((الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة، والهدى إلى ظهور [نور] الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة إلى بلوغ الكمال والإشراق حتى يكمل غيره ويفيض عليه وهو النبوة والخلافة فهذه درجات لا يمكن فيها تقديم ولا تأخير))، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جداً والذي يقتضيه الظاهر كون المذكورات أوصافاً للقرآن باعتبار كونه سبباً وآلة لها، وجعلت عينه مبالغة وبينها تلازم في الجملة، والتنكير فيها للتفخيم، والهداية إن أخذت بمعنى الدلالة مطلقاً فعامة أو بمعنى الدلالة الموصولة فخاصة وحينئذٍ يكون {لِلْمُؤْمِنِينَ} قيد الأمرين، ويؤيد تقييد الهدى بذلك قوله سبحانه: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] فالقرآن واعظ بما فيه من الترهيب والترغيب أو بما فيه من الزجر عن المعاصي كيفما كانت المقترن بالتخويف فقط بناءً على التفسير الثاني للموعظة، وشاف لما في الصدور من الأدواء المفضية إلى الهلاك كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها، ومرشد ببيان ما يليق وما لا يليق إلى ما فيه النجاة والفوز بالنعيم الدائم أو موصل إلى ذلك، وسبب الرحمة للمؤمنين الذين آمنوا به وامتثلوا ما فيه من الأحكام، وأما إذا ارتكب خلاف الظاهر فيقال غير ما قيل أيضاً مما ستراه إن شاء الله تعالى في باب الإشارة. واستدل كما قال الجلال السيوطي بالآية على أن القرآن يشفي من الأمراض البدنية كما يشفي من الأمراض القلبية فقد أخرج ابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري قال: «حديث : جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: / إني أشتكي صدري فقال عليه الصلاة والسلام: «اقرأ القرآن يقول الله تعالى {شِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ}»» تفسير : وأخرج البيهقي في «الشعب» عن واثلة بن الأسقع أن رجلاً شكا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه فقال: «حديث : عليك بقراءة القرآن»تفسير : وأنت تعلم أن الاستدلال بها على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثاني لا يدل عليه إذ ليس فيه أكثر من أمره صلى الله عليه وسلم الشاكي بقراءة القرآن إرشاداً له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة قد يذهب الله تعالى بسببها الأمراض والأوجاع وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك؛ والخبر الأول وإن كان ظاهراً في المقصود لكن ينبغي تأويله كأن يقال: لعله صلى الله عليه وسلم اطلع على أن في صدر الرجل مرضاً معنوياً قلبياً قد صار سبباً للمرض الحسي البدني فأمره عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثاني، ولا يستبعد كون بعض الأمراض القلبية قد يكون سبباً لبعض الأمراض القالبية فإنا نرى أن نحو الحسد والحقد قد يكون سبباً لذلك، ومن كلامهم لله تعالى در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وهذا أولى من إخراج الكلام مخرج الأسلوب الحكيم. والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: إن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرنا.
ابن عاشور
تفسير : استئناف أو اعتراض، يجوز أن يكون لابتداء غرض جديد وهو خطاب جميع الناس بالتعريف بشأن القرآن وهديه، بعد أن كان الكلام في جدال المشركين والاحتجاج عليهم بإعجاز القرآن على أنه من عند الله وأن الآتي به صادق فيما جاء به من تهديدهم وتخويفهم من عاقبة تكذيب الأمم رُسلَها، وما ذيل به ذلك من الوعيد وتحقيق ما توعدوا به، فالكلام الآن منعطف إلى الغرض المفتتح بقوله: {أية : وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله}تفسير : [يونس: 37] إلى قوله: {أية : ولو كانوا لا يبصرون}تفسير : [يونس: 43]. فعاد الكلام إلى خطاب جميع الناس لما في القرآن من المنافع الصالحة لهم، والإشارة إلى اختلافهم في مقدار الانتفاع به، ولذلك كان الخطاب هنا عاماً لجميع الناس ولم يأت فيه ما يقتضي توجيهه لخصوص المشركين من ضمائر تعود إليهم أو أوصاف لهم أو صلات موصول. وعلى هذا الوجه فليس في الخطاب بـ {يأيّها الناس} التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى أن القرآن موعظة لجميع الناس وإنما انتفع بموعظته المؤمنون فاهتدوا وكان لهم رحمة. ويجوز أن يكون خطاباً للمشركين بناء على الأكثر في خطاب القرآن بـ {يأيها الناس} فيكون ذكر الثناء على القرآن بأنه هدًى ورحمة للمؤمنين إدماجاً وتسجيلاً على المشركين بأنهم حَرموا أنفسهم الانتفاع بموعظة القرآن وشفائه لما في الصدور، فانتفع المؤمنون بذلك. وافتتاح الكلام بـ{قد} لتأكيده، لأن في المخاطبين كثيراً ممن ينكر هذه الأوصاف للقرآن. والمجيء: مستعمل مجازاً في الإعلام بالشيء، كما استعمل للبلوغ أيضاً، إلا أن البلوغ أشهر في هذا وأكثر، يُقال: بلغني خبر كذا، ويقال أيضاً: جاءني خبر كذا أو أتاني خبر كذا. وإطلاق المجيء عليه في هذه الآية أعز. والمراد بما جاءهم وبلغهم هو ما أنزل من القرآن وقرىء عليهم، وقد عبر عنه بأربع صفات هي أصول كماله وخصائصه وهي: أنه موعظة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه هدى، وأنه رحمةٌ للمؤمنين. والموعظة: الوعظ، وهو كلام فيه نصح وتحذير مما يضر. وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعظهم}تفسير : في سورة [النساء: 63]، وعند قوله تعالى: {أية : موعظة وتفصيلاً لكل شيء}تفسير : في سورة [الأعراف: 145]. ووصفها بـ {من ربكم} للتنبيه على أنها بالغة غاية كمال أمثالها. والشفاء تقدم عند قوله تعالى: {أية : ويشف صدور قوم مؤمنين}تفسير : في سورة [براءة: 14]. وحقيقته: زوال المرض والألم، ومجازه: زوال النقائص والضلالات وما فيه حرج على النفس، وهذا هو المراد هنا. والمراد بالصدور النفوس كما هو شائع في الاستعمال. والهدى تقدم في قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : في طالع سورة [البقرة: 2]، وأصله: الدالة على الطريق الموصل إلى المقصود. ومجازه: بيان وسائل الحصول على المنافع الحقة. والرحمة تقدمت في تفسير البسملة. وقد أومأ وصف القرآن بالشفاء إلى تمثيل حال النفوس بالنسبة إلى القرآن، وإلى ما جاء به بحال المعتل السقيم الذي تغير نظام مزاجه عن حالة الاستقامة فأصبح مضطرب الأحوال خائر القوى فهو يترقب الطبيب الذي يدبر له بالشفاء، ولا بد للطبيب من موعظة للمريض يحذره بها مما هو سبب نشء علته ودوامها، ثم ينعت له الدواء الذي به شفاؤه من العلة، ثم يصف له النظام الذي ينبغي له سلوكه لتدوم له الصحة والسلامة ولا ينتكسَ له المرض، فإن هو انتصح بنصائح الطبيب أصبح معافى سليماً وحيي حياة طيبة لا يعتوره ألم ولا يشتكي وَصَبَا، وقد كان هذا التمثيل لكماله قابلاً لتفريق تشبيه أجزاء الهيئة المشبَّهة بأجزاء الهيئة المشبَّه بها، فزواجرُ القرآن ومواعظه يُشبَّه بنصح الطبيب على وجه المكنية، وإبطالُه العقائد الضالة يشبه بنعت الدواء للشفاء من المضار على وجه التصريحية، وتعاليمُه الدينية وآدابه تشبَّه بقواعد حفظ الصحة على وجه المكنية، وعبر عنها بالهَدى، ورحمتُه للعالمين تشبه بالعيش في سلامة على وجه المكنية. ومعلوم أن ألفاظ المكنية يصح أن تكون مستعملة في حقائق معانيها كما هنا، ويصح أن تجعل تخييلاً كأظفار المنية. ثم إن ذلك يتضمن تشبيه شأن باعث القرآن بالطبيب العليم بالأدواء وأدويتها، ويقوم من ذلك تشبيه هيئة تلقي الناس للقرآن وانتفاعهم به ومعالجة الرسول إياهم بتكرير النصح والإرشاد بهيئة المرضى بين يدي الطبيب وهو يصف لهم ما فيه برؤهم وصلاح أمزجتهم فمنهم القابل المنتفع ومنهم المتعاصي الممتنع. فالأوصاف الثلاثة الأُول؛ ثابتة للقرآن في ذاته سواء في ذلك مَن قَبِلها وعمل بها، ومن أعرض عنها ونبذها، إلا أن وصفه بكونه هدًى لمَّا كان وصفاً بالمصدر المقتضي للمبالغة بحيث كأنه نفس الهدى كان الأنسب أن يراد به حصول الهدى به بالفعل فيكون في قران الوصف الرابع. والوصف الرابع وهو الرحمة، خاص بمن عمل بمقتضى الأوصاف الثلاثة الأُول، فانتفع بها فكان القرآن رحمة له في الدنيا والآخرة. وهو ينظر إلى قوله تعالى: {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}تفسير : [الإسراء: 82]. فقَيْد {للمؤمنين} متعلق بـ{رحمة} بلا شبهة وقد خصه به جمهور المفسرين. ومن المحققين من جعله قيداً لـ{هدى ورحمة} ناظراً إلى قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] فإنه لم يجعله هدى لغير المتقين وهم المؤمنون. والوجه أن كونه موعظة وصف ذاتي له، لأن الموعظة هي الكلام المحذّر من الضر ولهذا عقبت بقوله: {من ربكم} فكانت عامة لمن خوطب بـ {يأيُّها الناس}. وأما كونه شفاء فهو في ذاته صالح للشفاء لكن الشفاء بالدواء لا يحصل إلا لمن استعمله. وأما كونه هدى ورحمة فإن تمام وصف القرآن بهما يكون بالنسبة لمن حَصَلت له حقيقتُهما، وأما لمن لم تحصل له آثارهما، فوصف القرآن بهما بمعنى صلاحيته لذلك، وهو الوصف بالقوة في اصطلاح أهل المنطق. وقد وقع التصريح في الآية الأخرى بأنه {أية : شفاء ورحمة للمؤمنين}تفسير : [الإسراء: 82]، وصرح في آية [البقرة: 2] بأنه {أية : هدى للمتقين، }تفسير : فالأظهر أن قيد للمؤمنين راجع إلى {هدى ورحمة} معاً إلى قاعدة القيد الوارد بعد مفردات، وأما رجوعه إلى {شفاء} فمحتمل، لأن وصف {شفاء} قد عُقب بقيد {لما في الصدور} فانقطع عن الوصفين اللذين بعده، ولأن تعريف {الصدور} باللام يقتضي العموم، فليحمل الشفاء على معنى الدواء الذي هو صالح للشفاء للذي يتناوله. وهو إطلاق كثير. وصَدَّر به في «اللسان» و«القاموس»، وجعلوا منه قوله تعالى في شأن العسل {أية : فيه شفاء للناس}تفسير : [النحل: 69]. وأما تعليق فعل المجيء بضمير الناس في قوله: {قد جاءتكم} فباعتبار كونهم المقصود بإنزال القرآن في الجملة. ثم وقع التفصيل بالنسبة لما اختلفت فيه أحوال تلقيهم وانتفاعهم، كما دل عليه قوله بعده: {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}تفسير : [يونس: 58] أي المؤمنون. وعبر عن الهدى بالفضل في قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً}تفسير : [النساء: 174، 175] فعمم في مجيء البرهان وإنزال النور جميع الناس، وخصص في الرحمة والفضل والهداية المؤمنين، وهذا منتهى البلاغة وصحة التقسيم.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الناس} يعني: قريشاً {قد جاءتكم موعظة من ربكم} القرآن {وشفاءٌ لما في الصدور} ودواءٌ لداء الجهل {وهدىً} وبيانٌ من الضَّلالة {ورحمةٌ للمؤمنين} ونعمةٌ من الله سبحانه لأصحاب محمَّدٍ. {قل بفضل الله} الإِسلام {وبرحمته} القرآن {فبذلك} الفضل والرَّحمة {فليفرحوا هو خيرٌ} أَيْ: ما آتاهم الله من الإِسلام والقرآن خيرٌ ممَّا يجمع غيرهم من الدُّنيا. {قل} لكفَّار مكَّة: {أرأيتم ما أنزل الله} خلقه وأنشأه لكم {من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً} يعني: ما حرَّموه ممَّا هو حلالٌ لهم من البحيرة وأمثالها، وأحلُّوه ممَّا هو حرامٌ من الميتة وأمثالها {قل ءَآلله أذن لكم} في ذلك التَّحريم والتَّحليل {أم} بل {على الله تفترون}. {وما ظنُّ الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} أَيْ: ما ظنُّهم ذلك اليوم بالله وقد افتروا عليه؟ {إنَّ الله لذو فضلٍ على الناس} أهل مكَّة حين جعلهم في أمنٍ وحرمٍ إلى سائر ما أنعم به عليهم {ولكنَّ أكثرهم لا يشكرون} لا يُوحدِّون ولا يُطيعون. {وما تكون} يا محمَّد {في شأن} أمرٍ من أمورك {وما تتلوا منه} من الله {من قرآنٍ} أنزله عليك {ولا تعملون من عمل} خاطبه وأمَّته {إلاَّ كُنَّا عليكم شهوداً} نشاهد ما تعلمون {إذ تفيضون} تأخذون {فيه وما يعزب} يغيب ويبعد {عن ربك من مثقال ذرة} وزن ذرَّة {إلاَّ في كتاب مبين} يريد: اللَّوح المحفوظ الذي أثبت الله سبحانه فيه الكائنات. {ألا إنَّ أولياء الله} هم الذين تولَّى الله سبحانه هداهم. {الذين آمنوا} صدَّقوا النبيَّ {وكانوا يتقون} خافوا مقامهم بين يدي الله سبحانه. {لهم البشرى في الحياة الدنيا} عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشرى من الله {وفي الآخرة} يُبشَّرون بثواب الله وجنَّته {لا تبديل لكلمات الله} لا خلف لمواعيده. {ولا يحزنك قولهم} تكذيبهم إيَّاك {إنَّ العزة لله} القوَّة لله والقدرة لله {جميعاً} وهو ناصرك {وهو السميع} يسمع قولهم {العليم} بما في ضميرهم، فيجازيهم بما يقتضيه حالهم. {ألآ إن لله مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض} يعني: يفعل بهم وفيهم ما يشاء {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} أيْ: ليسوا يتَّبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنَّهم يعدُّونها شركاء شفعاء لهم، وليست على ما يظنُّون {إن يتبعون إلاَّ الظنَّ} ما يتَّبعون إلاَّ ظنَّهم أنَّها تشفع لهم {وإن هم إلا يخرصون} يقولون ما لا يكون.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 57- يا أيها الناس: قد جاءكم على لسان الرسول محمد كتاب من الله، فيه تذكير بالإيمان والطاعة وعظة بالترغيب فى الخير، والترهيب من عمل السوء، وسوْق العبر بأخبار مَن سبقوكم، وتوجيه نظركم إلى عظمة الخلق لتدركوا عظمة الخالق، وفيه دواء لأمراض قلوبكم من الشرك والنفاق، وهداية إلى الطريق المستقيم. وذلك كله رحمة للمؤمنين الذين يستجيبون. 58- قل لهم - أيها الرسول -: افرحوا بفضل الله عليكم ورحمته بكم، بإنزال القرآن، وبيان شريعة الإسلام، وهذا خير من كل ما يجمعه الناس من متاع الدنيا، لأنه غذاء القلوب وشفاء أسقامها. 59- قل - أيها الرسول - للكفار الذين أوتوا بعض متاع الدنيا: أخبرونى عما منحكم الله من رزق حلال طيب، فأقمتم من أنفسكم مشرِّعين، تجعلون بعضه حلالا، وبعضه حراماً، دون أن تأخذوا بشرع الله؟ إن الله لم يأذن لكم فى هذا، بل أنتم تكذبون فى ذلك على الله. 60- ما الذى يظنه يوم القيامة أولئك الذين كانوا يفترون الكذب على الله، فيدَّعون الحِلّ والتحريم من غير أن يكون عندهم دليل؟ إن الله أنعم عليهم نعماً كثيرة، وأحلها لهم بفضله، وشرع لهم ما فيه خيرهم، ولكن الأكثرين لا يشكرون الله عليها، بل يفترون على الله الكذب.
القطان
تفسير : موعضة: نصيحة ووصية بالخير واجتناب الشر. شفاء لما في الصدور: دواء للنفوس. بعد ان ذكر الله تعالى الادلة على أسس الدين الثلاثة: الوحدانية، والرسالة والبعث، ذكر هنا القرآن الكريمَ وما فيه من مقاصد هامة أجملَها في أمور اربعة: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}. يا أيها الناس جاءكم على لسانِ الرسولِ الكريم كتابٌ جامع لكل ما تحتاجون اليه. 1- موعظة تصلح اخلاقكم واعمالكم. 2- شفاء لأمراض قلوبكم من الشِرك والنفاق. 3- الهِداية الواضحة الى الصراط المستقيم الذي يوصل الى سعادة الدارين. 4- ورحمة للمؤمنين من رب العالمين. {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. قل لهم أيها الرسول: إفرحوا بفضلِ الله عليكم ورحمتِه بكم بإنزال القرآن، وبيانِ شريعةِ الإسلام. ان هذا خير من كل ما يجمعه الناس من متاع الدنيا، لأنه هو سببُ السعاد في الدارَين. وقد نال المسملون في العصور الأولى بسببه المُلْكَ الواسع والمالَ الكثير، لكنّهم تأخروا الآن لبُعدهم عن القرآن والدين، لانشغالِهم بالدنيا ومتاعها، نسأل الله تعالى ان يردّنا إلى ديننا، ويلهمنا الصوابَ في القول والعمل. قراءات: قرأ رويس عن يعقوب: "فلتفرحوا" بالتاء والباقون "فليفرحوا" بالياء. وقرأ ابن عامر ورويس: "تجمعون" بالتاء والباقون "يجمعون" بالياء. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً}. قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني عن الرِزق الذي منحكم الله إياه، حلالاً طيبا، لكنكم جعلتم بعضهَ حراماً وبعضه حلالاً، فلماذا؟ وكان العرب في الجاهلية يحرّمون على أنفسِهم بعضَ الإبل وغيرها، ويجعلون بعضَها للذكور منهم خاصة. وقد تقدم بيان ذلك في سورة الانعام. {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}. قل لهم أيها الرسول: إن حقّ التحريم والتحليل لا يكون الا لِله، فله أذِنَ لكم بذلك، ام أنكم تكذبون في ذلك!؟. وبعد ان سجل الله تعالى عليهم جريمة افتراء الكذب على الله، بين هنا ما يكون من سوء حالهم وشدة عقابهم يوم القيامة فقال: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. أيظن اولئك الذين يكذبون على الله أنهم يتركون بلا عقاب على كذبهم وافترائهم؟ وهذا ينافي العدالة. والله تعالى يقول: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ؟} تفسير : [ص:28]. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} ان الله تعالى قد انعم على الناس نعما كثيرة من فضله، ولكن أكثرهم لا يشكرون الله عليها. اخرج البخاري والطبراني عن زهير بن ابي علقمة قال: "حديث : اذا آتاك الله مالا فليرَ عليك، فان الله يحب ان يرى أثره على عبده حسنا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس ".
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (57) - يَمْتَنّ اللهُ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ بِإِنْزَالِهِ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ زَاجِرٌ عَنِ الغَيِّ، وَعَنِ الفَوَاحِشِ، وَفِيهِ شِفَاءٌ لِلصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالرِّيَبِ، وَالقُرْآنُ يَهْدِي المُؤْمِنينَ الذِينَ يَأْخُذُونَ بِهِ، وَيُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى إِدْخَالِهِمْ فِي رَحْمَةِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والخطاب هنا للناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [البقرة: 104]. فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج. والحق سبحانه وتعالى يخاطب الناس كافّةً بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ..}تفسير : [النساء: 1]. أما المؤمنون فسبحانه يكلّفهم بخطابه إليهم، من مثل قول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ..}تفسير : [البقرة: 183]. ومثل قول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ..}تفسير : [البقرة: 178]. أي: أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائماً في الأحكام التي يخطاب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد الموجِد، فهذا يكون خطاباً للناس كافة. والحق سبحانه يقول هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ ..} [يونس: 57]. والأية هنا تصوِّر الموعظة وكأنها قد تجسَّدت وصار لها مجيء، رغم أن الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطي للموعظة صورة الحركة التي تؤثِّر وتحضُّ على الإيمان. والموعظة هي الوصية بالخير والبعد عن الشر بلَفْظ ٍمؤثِّر، ويقال: فلان واعظ متميز، أي: أن كلامه مستميل وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائماً أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق الأداء؛ لأن الموعوظ قد يقول في نفسه: لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدَّر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه. ولنتذكر الحكمة التي تقول: "النصح ثقيل، فلا تجعلوه جَدَلاً، ولا ترسلوه جَبَلاً، واستعيروا له خِفَّة البيان"؛ وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميلَ المقنع الممتع الذي يعجبه، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه. والموعظة تختلف عن الوصية؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهَبْ أن إنساناً مريضاً وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقولم بكتابة وَصِيَّته، ويوصيهم بعيون المسائل. والحق سبحانه يقول هنا: {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ ..} [يونس: 57]. والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها، ولأنها موعظة قادمة {مِّن رَّبِّكُمْ} فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله؛ لأن الإله يريدك عابداً، لكن الرب هو المربِّي والكفيل، وإن كفرت به. وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي: أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين قسمين: القسم الأول هو مقوِّمات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قُوت ورزق - وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر - والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط. إذن: فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم؛ لأنه هو الذي خَلَق من عَدَم وأمَدّ من عُدْم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل الخلق. إذن: فالموعظة تجيء ممن يُعطي ولا ينتظر منك شيئاً، فهو سبحانه مُنزَّه عن الغرض؛ لأنه لن ينال شَيئاً منك فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه. والموعظة القادمة بالمنهج تخصُّ العقلاء الراشدين؛ لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولاً، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير مرتَّبة ولا منسَّقة، ولا تمر على عقله؛ لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل. ولكن لماذا يُفسِد العاقل الاختيار بين البدائل؟ إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ..} [يونس: 57]. أي: أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غِلّ يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، ويُنقِّي باطن الإنسان؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا بد أن يُشفى النبع الوجداني؛ ليصحَّ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارح وهي نابعة من وجدان طاهر مُصفّى وسليم؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة. ولذلك قال الحق سبحانه: {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]. وجاءت كلمة "الشفاء" أولاً، لتبيِّن أن الهداية الحقَّة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تُخْرِج ما في قلبه من أهواء، ثم تدلَّه إلى المنهج المستقيم. وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما يُمْرِض الصدور، أما الرحمة فهي اتْباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 82]. وهكذا يتبيَّن لنا أثر الموعظة: شفاء، وهدى، ورحمة، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذور المرض. إذن: فشفاء الصدور يجب أن يتم أولاً؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر، على عكس الطبيب غير المدرَّب العَجُول الذي يعالج الظواهر دون علاج جذور المرض. ومثال ذلك: طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثوراً؛ فهو يعالجها بما يطمسها ويزيلها مؤقَّتاً، لكنها تعود بعد قليل، أما الطبيب المدرَّب الفاهم فهو يعالج الأسباب التي تُنتج البثور، ويزيلها بالعلاج الفعَّال؛ فيقضي على أسباب ظهورها. وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام، فقد قال له الحق سبحانه: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}تفسير : [ص: 42]. أي: اضربْ برجلك ذلك المكان يخرجْ لك منه ماء بارد، تغتسل منه؛ فيزيل الأعراض الظاهرة، وتشرب منه ليعالج أصل الداء. إذن: فالموعظة وكأنها تجسَّدت، فجاءت من ربكم - المأمون عليكم - شفاءً حتى تعالج المواجيد التي تصدر عنها الأفعال، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة، لا تحلُّل فيها، وهدى إلى الطريق الموصِّل إلى الغاية الحقَّة، ورحمة إن اتبعها الإنسان لا يُصَابُ بأيِّ داءٍ، وهذه الموعظة تؤدي إلى العمل المقبول عند الله سبحانه. ولكن إنْ صحَّتْ لك الأربعة النابعة من الموعظة: الشفاء، والهدى، والرحمة والعمل الصالح، فإيّاك أن تفرح بذلك؛ ففوق كل ذلك فضل الله عليك؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ} الآية، الخطاب بيا أيها الناس عام، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة ذكر الدلائل الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي إليها وهو القرآن، والمتصف بهذه الأوصاف الشريفة هو القرآن. {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} فضل الله الإِسلام والرحمة: القرآن، قاله ابن عباس. وقيل غير ذلك. والظاهر أن قوله: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا جملتان وحذف ما يتعلق به الباء، والتقدير قل بفضل الله وبرحمته ليفرحوا ثم عطفت الجملة الثانية على الأولى على سبيل التوكيد. قال الزمخشري: والتكرير للتأكيد وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف إحدى الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة بمعنى الشرط كأنه قيل: ان فرحوا لشىء فليخصوهما بالفرح فإِنه لا مفروح به أحق منهما. ويجوز أن يراد بفضل الله ورحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، ويجوز أن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك أي فبمجيئهما فليفرحوا. "انتهى". أما إضمار فليعتنوا فلا دليل عليه واما تعليقه بقوله: قد جاءتكم، فينبغي ان يقدر ذلك محذوفاً بعد قل ولا يكون متعلقاً بجاءتكم الأولى للفصل بينهما بقل. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر تعالى قل: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ}. وكان المراد بذلك كتاب الله المشتمل على التحليل والتحريم بين فساد شرائعهم وأحكامهم من الحلال والحرام من غير مستند في ذلك إلى الوحي. وأرأيتم هنا بمعنى أخبروني، وتقدم انها تتعدى لمفعولين فالأول هنا ما من قوله: ما أنزل، وهي موصولة وصلتها انزل، والضمير محذوف تقديره انزله ومن رزق تبيين لما انبهم من لفظ ما، وفجعلتم معطوف على انزل، والمفعول الثاني محذوف تقديره آلله اذن لكم وهي جملة استفهام دل على حذفها قوله: بعد أمر الله تعالى له، قيل آلله أذن لكم. وأم الظاهر أنها متصلة والمعنى أخبروني الله أذن لكم في التحليل والتحريم فانتم تفعلون ذلك بإِذنه أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه، فنبه بتوقيفهم على أحد القسمين وهم لا يمكنهم ادّعاء إذن الله في ذلك فثبت افتراؤهم. {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} الآية، ما: استفهامية مبتدأة خبرها ظن، والمعنى أي شىء ظن المفترين يوم القيامة أبهم الأمر على سبيل التهديد والإِيعاد يوم يكون الجزاء بالإِحسان والإِساءة. ويوم: منصوب بظن ومفعول الظن، قيل: تقديره ما ظنهم ان الله فاعل بهم أينجيهم أم يعذبهم. {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه تعالى ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم والرد عليهم ومحاولة الرسول لهم، ذكر فضله تعالى على الناس وان أثرهم لا يشكره على فضله، وذكر اطلاعه تعالى على أحوالهم وحال الرسول معهم في مجاهدته لهم وتلاوة القرآن عليهم وأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم واستطرد من ذلك إلى ذكر أولياء الله ليظهر التفاوت بين الفريقين فريق الشيطان وفريق الرحمن. والخطاب في قوله: وما تكون في شأن، وما تتلوا للرسول وهو عام لجميع شؤونه صلى الله عليه وسلم. {وَمَا تَتْلُواْ} مندرج تحت عموم شأن واندرج من حيث المعنى في الخطاب كل ذي شأن، وما: في الجملتين نافية، والضمير في "منه" عائد على شأن. و{مِن قُرْآنٍ} تفسير للضمير من العموم لأن القرآن هو أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم. والخطاب في قوله: {وَلاَ تَعْمَلُونَ} عام. وكذا: {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} وَوَليَ إلا هنا الفعل غير مصحوب بقد لأنه قد تقدم إلا فعل، والجملة بعد إلاّ حال وشهوداً رُقَبَاء نحصي عليكم، وإذ: معمولة لقوله شهوداً. ولما كانت الأفعال السابقة المراد بها الحالة الدائمة وينسحب على الأفعال الماضية كان الظرف ماضياً وكان المعنى وما كنت في شأن وما تلوت من قرآن ولا عملتم من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ أفضتم فيه وإذ تخلص المضارع لمعنى الماضي. ثم واجهه تعالى بالخطاب وحده في قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} تشريفاً له وتعظيماً ولما ذكر شهادته تعالى على أعمال الخلق ناسب تقديم الأرض التي هي محل المخاطبين على السماء بخلاف ما في سورة سبأ، وان كان الأكثر تقديمها على الأرض. وقرىء: يعزب بكسر الزاي وكذا في سبأ. والمثقال اسم لا صفة، ومعناه هنا وزن ذرة. والذر: صغار النمل، ولما كانت الذرة أصغر الحيوان المتناسل المشهور النوع عندنا جعلها الله مثلاً لأقل الأشياء وأحقرها إذْ هي أحقر ما يشاهد. ثم قال: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ} أي من مثقال ذرة ولما ذكر أنه لا يعزب عن علمه أدق الأشياء التي نشاهده ناسب تقديم ولا أصغر من ذلك ثم أتى بقوله: ولا أكبر، على سبيل إحاطة علمه بجميع الأشياء. ومعلوم أن من علم أَدَق الأشياء وأخفاها كان علمه متعلقاً بأكبر الأشياء وأظهرها. وقرىء: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بفتح الراء فيهما أو وجه على أنه عطف على موضع ذرة، أو على مثقال على اللفظ. وقرىء: برفع الراء فيهما. ووجّه على أنه عطف على موضع مثقال لأن من زائدة فهو مرفوع بيعزب. وقال الزمخشري: تابعاً لاختيار الزجاج والوجه النصب على نفي الجنس والرفع على الابتداء يكون كلاماً مبتدأ، وفي العطف على محل مثقال ذرة أو لفظة فتحاً في موضع الجر اشكال لأن قوله: لا يعزب عنه شىء إلا في كتاب مشكل. "انتهى". وإنما أشكل عنده لأن التقدير يصير إلا في كتاب فيعزب وهذا كلام لا يصح. وخرجه أبو البقاء على أنه استثناء منقطع تقديره لكن هو في كتاب مبين، ويزول بهذا التقدير الاشكال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - مرغبًا للخلق في الإقبال على هذا الكتاب الكريم، بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: تعظكم، وتنذركم عن الأعمال الموجبة [ ص 367 ] لسخط الله، المقتضية لعقابه وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها. { وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ } وهو هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } فالهدى هو العلم بالحق والعمل به. والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين. وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور. ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ } الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده { وَبِرَحْمَتِهِ } الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته. { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } من متاع الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب. وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها، أو الفرح بالباطل، فإن هذا مذموم كما قال [تعالى عن] قوم قارون له: {أية : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } . تفسير : وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل: {أية : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):