Verse. 1423 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ اَرَءَيْتُمْ مَّاۗ اَنْزَلَ اللہُ لَكُمْ مِّنْ رِّزْقٍ فَجَــعَلْتُمْ مِّنْہُ حَرَامًا وَّحَلٰلًا۝۰ۭ قُلْ اٰۗللہُ اَذِنَ لَكُمْ اَمْ عَلَي اللہِ تَفْتَرُوْنَ۝۵۹
Qul araaytum ma anzala Allahu lakum min rizqin fajaAAaltum minhu haraman wahalalan qul allahu athina lakum am AAala Allahi taftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أرأيتم» أخبروني «ما أنزل الله» خلق «لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا» كالبحيرة والسائبة والميتة «قل آلله أذن لكم» في ذلك بالتحليل والتحريم لا «أم» بل «على الله تفترون» تكذبون بنسبة ذلك إليه.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها. والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان: الأول: أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة. وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: « حديث : إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به » تفسير : والأول طريق باطل بالاتفاق، فلم يبق إلا الثاني، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة، ولما بطل هذا، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ونبي بعثه الله إليكم، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول. الطريق الثاني: في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب. المسألة الثانية: المراد بالشيء الذي جعلوه حراماً ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضاً قوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } تفسير : [الأنعام: 138] إلى قوله: { أية : وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلانْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] وأيضاً قوله تعالى: { أية : ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 143] والدليل عليه أن قوله: {فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا } إشارة إلى أمر تقدم منهم، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا، فوجب توجه هذا الكلام إليه، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلِ ٱللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } وهذه القسمة صحيحة، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى، فهو المراد بقوله: {ٱللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ } وإن كانت ليست من الله. فهو المراد بقوله: {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ }. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله. وقرأ عيسى بن عمر {وَمَا ظَنُّ } على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله. المسألة الثالثة: (ما) في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ } فيه وجهان: أحدهما: بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج، ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ كقوله: { أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلاْنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر: 6] وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً}. فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} يخاطب كفار مكة. {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} «ما» في موضع نصب «بأرأيتم». وقال الزجاج: في موضع نصب بـ «أنزل». «وَأَنْزَلَ» بمعنى خلق؛ كما قال: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6]. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}. فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر. {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البَحِيرة والسائبة والوِصيلة والحام. وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} تفسير : [الأنعام: 136]. {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} أي في التحليل والتحريم. {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ} «أم» بمعنى بل. {تَفْتَرُونَ} هو قولهم إن الله أمرنا بها. الثانية ـ استدلّ بهذه الآية من نفى القياس، وهذا بعيد؛ فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دِلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلاً لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: نزلت إنكاراً على المشركين فيماكانوا يحللون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل؛ كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} تفسير : [الأنعام: 136] الآيات، وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، سمعت أبا الأحوص - وهو عوف بن مالك بن نضلة - يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رث الهيئة، فقال: «حديث : هل لك مال؟» تفسير : قلت: نعم. قال: حديث : من أي المال؟ تفسير : قال: قلت: من كل المال من الإِبل والرقيق والخيل والغنم، فقال: «حديث : إِذا آتاك الله مالاً فَلْيُرَ عليك - وقال: - هل تنتج إِبلك صحاحاً آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر، وتشق جلودها، وتقول هذه صرم، وتحرمها عليك وعلى أهلك» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : فإن ما آتاك الله لك حل، ساعدُ الله أشدُّ من ساعدك، وموسى الله أحدّ من موساك» تفسير : وذكر تمام الحديث. ثم رواه عن سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو عن عمه أبي الأحوص، وعن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص به، وهذا حديث جيد قوي الإسناد، وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها، ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: ما ظنهم أن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة؟ وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} قال ابن جرير: في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا (قلت): ويحتمل أن يكون المراد: لذو فضل على الناس؛ فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم، ويضيقون على أنفسهم، فيجعلون بعضاً حلالاً، وبعضاً حراماً. وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم، وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم. وقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا رباح: حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا موسى بن الصباح في قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} قال: إذا كان يوم القيامة، يؤتى بأهل ولاية الله عز وجل، فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أصناف، قال: فيؤتى برجل من الصنف الأول، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها، وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري شوقاً إليها - قال: - فيقول الله تعالى: عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها، ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل هو ومن معه الجنة - قال: - ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا رب خلقت ناراً، وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها، وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفاً منها، فيقول: عبدي إنما عملت ذلك خوفاً من ناري، فإني قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل هو ومن معه الجنة. ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: رب حباً لك، وشوقاً إليك، وعزتك لقد أسهرت ليلي، وأظمأت نهاري شوقاً إليك، وحباً لك. فيقول تبارك وتعالى: عبدي إنما عملت حباً لي، وشوقاً إلي، فيتجلى له الرب جل جلاله، ويقول: ها أنا ذا، فانظر إليّ، ثم يقول: من فضلي عليك أن أعتقك من النار، وأبيحك جنتي، وأزيرك ملائكتي، وأسلم عليك بنفسي، فيدخل هو ومن معه الجنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } خلق {لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } كالبحيرة والسائبة والميتة {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } في ذلك التحليل والتحريم؟ لا {أَمْ } بل {عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } تَكْذِبون بنسبة ذلك إليه.

الشوكاني

.تفسير : أشار سبحانه بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ } إلخ إلى طريق أخرى غير ما تقدّم في إثبات النبوّة، وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض، وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء، مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم، فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله، ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، ومعنى {أرأيتم}: أخبروني، و{مَا } في محل نصب بأرأيتم المتضمن لمعنى أخبروني، وقيل: إن {ما} في محل الرفع بالابتداء وخبرها {آلله أذن لكم} و{قل} في قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } تكرير للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر في محل نصب بـ {أرأيتم} والمعنى: أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق، فجعلتم منه حراماً وحلالاً، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } وعلى الوجهين، فمن في {منه حراماً} للتبعيض، والتقدير: فجعلتم بعضه حراماً وجعلتم بعضه حلالاً، وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في الكتاب العزيز؛ ومعنى إنزال الرزق: كون المطر ينزل من جهة العلوّ، وكذلك يقضي الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في اللوح المحفوظ من ذكره سبحانه وتعالى، لكل شيء فيه. وروى عن الزجاج أن {ما} في موضع نصب بـ {أنزل}، وأنزل بمعنى خلق، كما قال: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر: 6] {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } تفسير : [الحديد: 25] وعلى هذا القول والقول الأوّل يكون قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } مستأنفاً، قيل: ويجوز أن تكون الهمزة في {ٱللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ } للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله، وإظهار الإسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال الافتراء. وفي هذه الآية الشريفة ما يصكّ مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته، بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله، ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي. ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعاً مستقلاً. ما عمل به من الكتاب والسنة، فهو المعمول به عندهم. وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه، فهو في حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبّداً بهذه الشريعة، كما هم متعبدون بها ومحكوماً عليه بأحكامها، كما هو محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدّى ما عليه، وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة، ودليلاً معمولاً به. وقد أخطئوا في هذا خطأ بيناً. واغلطوا غلطاً فاحشاً. فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتمد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليداً له واقتداء به، وما جاء به المقلدة في تقوّم هذا الباطل، فهو من الجهل العاطل، اللهمّ كما رزقتنا من العلم ما نميز به بين الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير. ثم قال: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: أيّ شيء ظنهم في هذا اليوم، وما يصنع بهم فيه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحلّ بهم من عذاب الله، و{يوم القيامة} منصوب بالظنّ، وذكر الكذب بعد الافتراء، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً لزيادة التأكيد. وقرأ عيسى بن عمر «وما ظنّ» على أنه فعل: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } يتفضل عليهم بأنواع النعم في الدنيا والآخرة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } الله على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات، وطرفة من الطرفات. قوله: {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و"ما" نافية، والشأن: الأمر بمعنى القصد، وأصله الهمز، وجمعه شؤون. قال الأخفش: تقول العرب: ما شأنت شأنه: أي ما عملت عمله: {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآن} قال الفراء والزجاج: الضمير في منه يعود على الشأن، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف: أي تلاوة كائنة منه، إذ التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى: أنه يتلو من أجل الشأن الذي حدّث القرآن، فيعلم كيف حكمه، أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك الشأن. وقال ابن جرير الطبري: الضمير عائد في {منه} إلى الكتاب: أي ما يكون من كتاب الله من قرآن، وأعاده تفخيماً له كقوله: {أية : إنني أَنَا ٱللَّهُ } تفسير : [طه: 14]، والخطاب في {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } لرسول الله وللأمة، وقيل: الخطاب لكفار قريش {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُم شُهُوداً } استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال للمخاطبين: أي شهوداً عليكم بعمله منكم، والضمير. في {فيه} من قوله: {تُفِيضُونَ فِيهِ } عائد على العمل، يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل: إذا اندفع فيه. وقال الضحاك: الضمير في {فيه} عائد على القرآن. والمعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } قرأ الكسائي «يعزب» بكسر الزاي، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان فصيحتان، ومعنى يعزب: يغيب، وقيل يبعد. وقال ابن كيسان: يذهب، وهذه المعاني متقاربة، و"من" في {مِن مّثْقَالِ } زائدة للتأكيد: أي وما يغيب عن ربك وزن ذرة. أي: نملة حمراء، وعبر بالأرض والسماء مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما، لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات، وقدّم الأرض على السماء؛ لأنها محل استقرار العالم فهم يشاهدون ما فيها من قرب، والواو في {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } لعطف على لفظ مثقال، وانتصبا لكونهما ممتنعين، ويجوز أن يكون العطف على ذرة؛ وقيل: انتصابهما بلا التي لنفي الجنس، والواو للاستئناف، وليس من متعلقات وما يعزب، وخبر لا {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } والمعنى: ولا أصغر من مثقال الذرّة ولا أكبر منه إلا وهو في كتاب مبين، فكيف يغيب عنه؟ وقرأ يعقوب وحمزة برفع أصغر وأكبر، ووجه ذلك أنه معطوف على محل من مثقال، ومحله الرفع، وقد أورد على توجيه النصب والرفع على العطف على لفظ مثقال ومحله، أو على لفظ ذرّة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية: لا يعزب عنه شيء في الأرض، ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وهو محال. وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة، كخلق الملائكة والسموات والأرض؛ وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأوّل من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسلة العلية عن مرتبة الأوّل، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده، سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض: الردّ على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات. وأجيب أيضاً بأن الاستثناء منقطع: أي لكن هو في كتاب مبين. وذكر أبو علي الجرجاني أن "إلا" بمعنى الواو، على أن الكلام قد تمّ عند قوله: {وَلا أَكْبَرَ } ثم وقع الابتداء بقوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } أي: وهو أيضاً في كتاب مبين. والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ * إَلاَّ مَن ظَلَمَ } تفسير : [النمل:10، 11] يعني: ومن ظلم، وقوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }تفسير : [البقرة: 150] أي: والذين ظلموا، وقدّر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها، كما في قوله: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ }تفسير : [البقرة: 58] أي: هي حطة، ومثله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ }تفسير : [النساء: 171] {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 59]. وقال الزجاج: إن الرفع على الابتداء في قراءة من قرأ بالرفع، وخبره: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } واختاره صاحب الكشاف، واختار في قراءة النصب التي قرأ بها الجمهور أنهما منصوبان بلا التي لنفي الجنس، واستشكل العطف بنحو ما قدّمنا. ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء، وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين، وكسر لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين، فقال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } الوليّ: في اللغة: القريب. والمراد بأولياء الله: خلص المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته. وقد فسر سبحانه، هؤلاء الأولياء بقوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } أي: يؤمنون بما يجب الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه، والمراد بنفي الخوف عنهم: أنهم لا يخافون أبداً كما يخاف غيرهم؛ لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم، وحسن ظنّ بربهم، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب، لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله وقدره، فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهمّ والكدر، فصدورهم منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة، ومحل الموصول النصب على أنه بدل من أولياء أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ وخبره لهم البشرى، فيكون غير متصل بما قبله، أو النصب أيضاً على المدح، أو على أنه وصف لأولياء. قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ } تفسير لمعنى كونهم أولياء الله: أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلى أنبيائه، وينزله في كتبه، من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم، وكذلك ما يحصل لهم من الرؤيا الصالحة، وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم: لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة؛ وأما البشرى في الآخرة، فتلقى الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب. والبشرى مصدر أريد به المبشر به، والظرفان في محل نصب على الحال: أي حال كونهم في الدنيا، وحال كونهم في الآخرة، ومعنى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } لا تغيير لأقواله على العموم، فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولاً أوّلياً، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين في الدارين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الذي لا يقادر قدره، ولا يماثله غيره، والجملتان: أعني {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } و{ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } اعتراض في آخر الكلام عند من يجوّزه، وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، أو الأولى: اعتراضية، والثانية: تذييلية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ } قال: هم أهل الشرك كانوا يحلون من الأنعام والحرث، ما شاءوا ويحرّمون ما شاءوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } قال: إذ تفعلون. وأخرج الفريابي، وابن جرير، عن مجاهد، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } قال: لا يغيب عنه وزن ذرّة {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } قال: هو الكتاب الذي عند الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ } قيل: من هم يا ربّ؟ قال: هم {الذين آمنوا وكانوا يتقون}. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: هم الذين إذا رؤوا ذكر الله. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، مرفوعاً وموقوفاً قال: هم الذين إذا رؤوا يذكر الله لرؤيتهم. وأخرج عنه ابن المبارك، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه مرفوعاً، مثله. وأخرجه ابن المبارك، وابن شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، مرفوعاً وهو مرسل. وروي نحوه من طرق أخرى مرفوعاً وموقوفاً. وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، عن عمرو بن الجموح، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يحقّ العبد حقّ صريح الإيمان حتى يحبّ لله ويبغض لله، فإذا أحبّ لله وأبغض لله فقد استحقّ الولاء من الله، وإنّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم»تفسير : . وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباده المشاءون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة الباغون البرآء العنت»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي، عن ابن عباس، مرفوعاً نحوه. وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر، مرفوعاً: «حديث : إن لله عباداً ليسوا بالأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه"تفسير : ، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا؟ قال: "حديث : قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل، تصافوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم. يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»تفسير : . وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. قال ابن كثير: وإسناده جيد. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ } الآية فقال: "حديث : الذين يتحابون في الله»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن جابر، مرفوعاً مثله. وقد ورد في فضل المتحابين في الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، والحكيم في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مرودويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن معنى قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت عليّ: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة"تفسير : ، وفي إسناده هذا الرجل المجهول. وأخرج أبو داود الطيالسي، وأحمد، والدارمي، والترمذي، وابن ماجه، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قال:"حديث : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قال: "حديث : الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، فمن رأى ذلك فليخبر بها"تفسير : الحديث. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: «حديث : هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن منده، من طريق أبي جعفر، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر البشرى في الحياة الدنيا بالرؤيا الحبيبة، وفي الآخرة ببشارة المؤمن عند الموت: إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، مرفوعاً مثل حديث جابر. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعاً الشطر الأوّل من حديث جابر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن ابن عباس، مثله. وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من المبشرات، وأنها جزء من أجزاء النبوّة، ولكنها لم تقيد بتفسير هذه الآية. وقد روي أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله: {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً }تفسير : [الأحزاب: 47] أخرج ذلك ابن جرير، وابن المنذر، من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر، عنه، من طريق مقسم أنها قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30]. وأخرج ابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن نافع، قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقال ابن عمر: لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير، {لا تبديل لكلمات الله}.

ابن عطية

تفسير : هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب والنصيب من الحرث والأنعام وغير ذلك مما لم يأذن الله به، وإنما اختلقوه بأمرهم، وقوله تعالى: {أنزل } لفظة فيها تجوز، وإنزال الرزق، إما أن يكون في ضمن إنزال المطر بالمآل، أو نزول الأمر به الذي هو ظهور الأثر في المخلوق منه المخترع، ثم أمر الله نبيه بتوقيفهم على أحد القسمين، وهو لا يمكنهم ادعاء إذن الله تعالى في ذلك، فلم يبق إلا أنهم افتروه، وهذه الآية نحو قوله تعالى: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} تفسير : [الأعراف: 32]، ذكر ذلك الطبري عن ابن عباس، وقوله {وما ظن الذين يفترون على الله } الآية، وعيد، لما تحقق عليهم، بتقسيم الآية التي قبلها، أنهم مفترون على الله، عظم في هذه الآية جرم الافتراء، أي ظنهم في غاية الرداءة بحسب سوء أفعالهم، ثم ثنى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان: والإمهال داعية إلى التوبة والإنابة، ثم استدرك ذكر من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره ولا يبادر به فيه على جهة الذم لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله وجميع تقصير الخلق في شكره، لا رب غيره.

النسفي

تفسير : {قُلْ أَرَءيْتُمْ } أخبروني {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ } «ما» منصوب بـ {أنزل} أو بـ {أرأيتم} أي أخبرونيه {أية : فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } فبعضتموه وقلتم هذا حلال وهذا حرام كقوله {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} تفسير : [الأنعام: 139] نعم الأرزاق تخرج من الأرض ولكن لما نيطت أسبابها بالسماء نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات، والشمس التي بها النضج وينع الثمار، أضيف إنزالها إلى السماء {قُلِ ٱللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بـ {أرأيتم} و{قل} تكرير للتوكيد، والمعنى أخبروني الله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أم أنتم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه، أو الهمزة للإنكار و«أم» منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله تقريراً للإفتراء. والآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان وإلا فهو مفتر على الديان {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } ينسبون ذلك إليه {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } منصوب بالظن وهو ظن واقع فيه أي أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } حيث أنعم عليهم بالعمل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى - {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} الآية. قال ابن الخطيب: ذكر النَّاسُ في تعلُّقِ هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها. والذي يخطر بالبال وجهان: الأول: أنَّ المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة، وذلك أنَّه - عليه الصلاة والسلام - قال للقوم: "حديث : إنَّكُم تحكُمُون بحلِّ بعض الأشياء، وحرمة بعضها، فهذا الحكم تقولونه افتراءً على الله، أم تعلمُون أنَّهُ حكمٌ حَكَمَ اللهُ به"تفسير : ؛ والأول باطلٌ بالاتِّفاق، فلم يبقَ إلاَّ الثَّاني، ومن المعلُوم أنَّه - تعالى - ما خاطبكم به من غير واسطةٍ، ولمَّا بطل هذا، ثبتَ أنَّ هذه الأحكام إنَّما وصلتْ إليكم بقول رسولٍ أرسله الله إليكم، ونبيِّ بعثهُ الله إليكم، وذلك يدلُّ على اعترافكم بصحَّةِ النبوة والرِّسالة، فكيف تُبالغُوا هذه المبالغاتِ العظيمةِ في إنكار النبوة؟. الوجه الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - لمَّا ذكر الدَّلائل الكثيرة على صحَّة نبوَّة نفسه، وبيَّن فساد سؤالاتهم، وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم، وبيَّن أنَّ التمييز بين هذه الأشياء بالحلِّ والحرمةِ، مع أنَّه لم يشهد بذلك لا عقلٌ ولا نقلٌ، فدل على أنَّه طريق باطلٌ، وأنَّهم ليسُوا على شيءٍ. قوله: "أَرَأَيْتُمْ": هذه بمعنى: "أخْبرُوني". وقوله: "ما أنزلَ" يجُوز أن تكُون "مَا" موصولةً بمعنى: "الَّذي"، والعائد محذوفٌ، أي: ما أنزله، وهي في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولاً، والثاني هو الجملة من قوله: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ}؟ والعائدُ من هذه الجملة على المفعول الأولِ محذوفٌ، تقديره: آلله أذن لكم فيه؛ واعترض على هذا: بأنَّ قولهُ "قُلْ" يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولاً ثانياً. وأجيب عنه: بأنَّه كُرِّرَ توكيداً، ويجوز أن تكون "مَا" استفهاميَّة منصوبة المحلِّ بـ "أنزل" وهي حينئذٍ معلَّقةٌ لـ "أرأيْتُم" وإلى هذا ذهب الحوفيُّ، والزمخشريُّ، ويجوز أن تكون "ما" الاستفهاميَّةُ في محلِّ رفع بالابتداء، والجملةُ من قوله: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} خبره، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم، أي: أذن لكم فيه، وهذه الجملة الاستفهاميةُ معلِّقةٌ لـ "أرَأيْتُم"، والظاهرُ من هذه الأوجه هو الأول؛ لأنَّ فيه إبقاءاً لـ "أرَأيْتَ" على بابها من تعدِّيها إلى اثنين، وأنَّها مؤثِّرةٌ في أولهما بخلاف جعل "ما" استفهامية، فإنَّها مُعلِّقةٌ لـ "أرأيت" وسادَّةٌ مسدَّ المفعولين. قوله: "مِنْ رزقٍ": يجوز أن يكون حالاً من الموصولِ، وأن تكون "مِنْ": لبيان الجنس، و "أنْزَلَ" على بابها، وهو على حذف مضافٍ، أي: أنزله من سبب رزقٍ وهو المطرُ، وقيل: تُجوِّز بالإنزال علن الخلق، كقوله: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ}تفسير : [الحديد:25] {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ}تفسير : [الزمر:6]. قوله: {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} في "أم" هذه وجهان: أحدهما: أنها متصلةٌ عاطفةٌ، تقديره: أخبروني: آللهُ أذِنَ لكم في التحليل والتحريم، فإنكم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبُون على الله في نسبة ذلك إليه. والثاني: أن تكون منقطعةً. قال الزمخشري: "ويجوز أن تكون الهمزةُ للإنكارِ، و "أمْ" منقطعةٌ بمعنى: بل أتَفْتَرُونَ على الله، تقريراً للافتراء" والظَّاهرُ هو الأولُ؛ إذ المعادلةُ بين الجملتين اللتين بمعنى المفرد واضحةٌ، إذ التقدير: أيُّ الأمرين وقع إذن الله لكم في ذلك، أم افتراؤكم عليه؟. فصل المراد بالشَّيء الذي جعلوه حراماً: ما ذكروه من تحريم السائبة، والوصيلة، والحام، وقولهم {أية : هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ}تفسير : [الأنعام:138] {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}تفسير : [الأنعام:36]، وقولهم: {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا}تفسير : [الأنعام:139] وقولهم: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [الأنعام:143] ويدلُّ على ذلك: أنَّ قوله: {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} إشارة إلى أمر تقدَّم منهم، ولمْ يحكِ الله - تعالى - عنهم إلاَّ هذا؛ فوجب توجيه الكلام إليه، ثم لمَّا حكى تعالى ذلك عنهم، قال لرسوله: {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} وهذه قسمةٌ صحيحةٌ؛ لأنَّ هذه الأحكام: إمَّا أن تكون من الله - تعالى -، أو لم تكن، فإن كانت من الله فهو المراد بقوله: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} وإنْ كانت ليست من الله، فهو المراد بقوله: {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}. فصل استدلَّ نفاةُ القياس بهذه الآية على بُطلان القياس. قال القرطبيُّ: "وهو بعيدٌ؛ لأنَّ القياس دليلُ قول الله - تعالى -؛ فيكون التَّحْليل والتَّحريم من الله - تعالى -، عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلاً لله - تعالى -، فهو خروجٌ عن هذا الغرض، ورجوعٌ إلى غيره". قوله: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ}: "ما" مبتدأة استفهامية، و "ظَنَّ" خبرها، و "يَوْمَ" منصوبٌ بنفس الظنِّ، والمصدر مضافٌ لفاعله، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يظُنُّ الذين يفترون يوم القيامة أنِّي فاعلٌ بهم: أأنجيهم من العذاب، أم أنتقمُ منهم؟ وقيل: أيحْسَبُون أنَّ الله لا يؤاخذهم به، ولا يعاقبهم عليه، والمراد منه: تعظيم وعيد من يفتري، وقرأ عيسى بن عمر: "وما طَنَّ الذين" جعله فعلاً ماضياً، والموصولُ فاعله، و "ما" على هذه القراءة استفهاميَّة أيضاً في محلِّ نصب على المصدر، وقُدِّمتْ لأنَّ الاستفهام لهُ صدرُ الكلام، والتقدير: أيَّ ظنٍّ ظنَّ المفترون، و "مَا" الاستفهاميَّةُ قد تنُوبُ عن المصدرِ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2909- مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رَبْعٍ عوِيلُهُمَا لا تَرْقُدان ولا بُؤسى لِمَنْ رَقَدَا تفسير : وتقول: "ما تَضْرب زَيْداً"، تريد: أيَّ ضربٍ تضربه، قال الزمخشريُّ: "أتى به فعلاً ماضياً؛ لأنَّه واقعٌ لا محالة، فكأنَّهُ قد وقع وانقضى". وهذا لا يستقيم هنا؛ لأنَّه صار نصّاً في الاستقبال لعمله في الظرف المستقبل، وهو يومُ القيامة، وإن كان بلفظ الماضي، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} بإعطاء العقل، وإرسال الرُّسُل، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} لا يستعملُون العقل في تأمل دلائل الله، ولا يقبلون دعوة أنبياءِ الله، ولا ينتفعُون باستماع كلام الله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هم أهل الشرك كانوا يحلون من الحرث والأنعام ما شاؤوا، ويحرمون ما شاؤوا‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال‏:‏ أتى وفد أهل مصر عثمان بن عفان رضي الله عنه فقالوا له‏:‏ ادع بالمصحف وافتتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأها حتى أتى على هذه الآية ‏ {‏قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً‏} ‏ فقالوا له‏:‏ قف، أرأيت ما حميت من الحم أَأَلله أذن لك أم على الله تفتري‏؟‏ فقال‏:‏ امضه إنما نزلت في كذا وكذا، فاما الحمى فإن عمر رضي الله عنه حمى الحمى لإِبل الصدقة، فلما وليت وزادت إبل الصدقة زدت في الحمى‏.‏

القشيري

تفسير : يعَنِّفُهم ويُقَرِّعهُم على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويُظْهِر كذبهم فيما تقوَّلُوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل أرأيتم} اخبرونى ايها المشركون {أية : ما انزل الله لكم من رزق} تفسير : ما استفهامية منصوبة المحل سادة مسد المفعولين لأرأيتم جعل الرزق منزلا من السماء مع ان الارزاق انما تخرج من الارض اما لانه مقدر فى السماء كما قال تعالى {وفى السماء رزقكم} ولا يخرج من الارض الا على حسب ما قدر فيها فصار بذلك كأنه منزل منها او لانه انما يخرج من الارض باسباب متعلقة بالسماء كالمطر والشمس والقمر فان المطر سبب الانبات والشمس سبب النضج والقمر سبب اللون واللام للمنفعة فدلت على ان المراد منه ما حل {فجعلتم منه} اى جعلتم بعضه {حراما} اى حكمتم بانه حرام {وحلالا} اى وجعلتم بعضه حلالا اى حكمتم بحله مع كون كله حلالا. والمعنى أى شيء انزل الله من رزق فبعضتموه والمقصود والانكار لتجزئتهم الرزق وذلك قولهم {أية : هذه انعام وحرث حجر} تفسير : وقولهم {أية : ما فى بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا} تفسير : وهى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام {قل} لهم {آلله} [ايخدا] {اذن لكم} فى ذلك الجعل فانتم فيه ممتثلون لأمره قائلون بالتحريم والتحليل بحكمه {ام على الله تفترون} فى نسبة ذلك اليه. وفى الكواشى هذه الآية من ابلغ الزواجر عن التجوز فيما يسأل عنه من الحكم وباعثة على الاحتياط فيه ومن لم يحتط فى الحكم فهو مفتر انتهى. قال على كرم الله وجهه "من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض". وسألت بنت على البلخى اباها عن القيئ اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لا يا على حتى يكون ملء الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا. وفى الآية اشارة الى انه لا يجوز للمرء ان يعتقد ويقول ان الرزق المعنوى من الواردات الالهية والشواهد الربانية حرام على ارباب النفوس وحلال على اصحاب القلوب وان تحصيل السعادات ونيل هذه الكرامات ليس من شأننا وانما هو من شان الاخيار لكبراء وخواص الانبياء والاولياء فان هذا افتراء على الله فان الله تعالى ما خص قوما بالدعوة الى الدرجات والمقامات العلية بل جعل الدعوة عامة لقوله {أية : والله يدعو الى دار السلام} تفسير : وقوله {أية : يدعوكم ليغفر لكم} تفسير : فتحريمه هذا الرزق على نفسه من خساسة نفسه وركاكة عقله ودناءة همته والا فالله تعالى لم يسد عليه هذا الباب بل هو الفياض الوهاب: قال الحافظ شعر : عاشق كه شد كه يار بخالش نظر نكرد اى خواجه دردنيست وكرنه طبيب هست تفسير : وقال شعر : طالب لعل وكهرنيست وكرنه خورشيد همجنان در عمل معدن وكانست كه بود تفسير : وفى المثنوى شعر : كر كران وكر شتابنده بود عاقبت جوينده با بنده بود تفسير : وفى الحكم العطائية وشرحها من استغرب ان ينقذه الله من شهوته التى اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التى شملته فى جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية ومن استعجزها فقد كفر او كاد ودليل ذلك ان الله تعالى يقول {أية : وكان الله على كل شيء مقتدرا} تفسير : أبان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شيء وهذا امس الاشياء وان اردت الاستعانة على تقوية رجائك فى ذلك فانظر لحال من كان مثلى ثم انقذه الله وخصه بعنايته كابراهيم بن ادهم وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وذى النون ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ما أنزل): نصب بأنزل أو بأرأيتم؛ لأنه بمعنى اخبروني. يقول الحق جل جلاله: {قل أرأيتم}: أخبروني {ما أنزل الله لكم من رزقٍ} بقدرته، وإن سترها بالأسباب العادية، وقوله: {لكم} دل على أن المراد منه: ما حلّ، ولذلك وبَّخ على التبعيض بقوله: {فجعلتم منه حراماً وحلالاً} كالبحائر وأخواتها، {أية : وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا}تفسير : [الأنعام: 139]. {قل} لهم: {آللَّهُ أَذِنَ لكم} في التحريم والتحليل، فتقولون ذلك عنه، {أم على الله تفترون} في نسبة ذلك إليه؟. {وما ظنّ الذين يفترون على الله الكذبَ يوم القيامة}، أيُّ شيء ظنهم يفعل بهم، أيحسبون أنه لا يجازيهم عليه؟ وفيه تهديد عظيم لهم، {إن الله لذو فضل على الناس}، حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وشرع لهم الأحكام، {ولكن أكثرهم لا يشكرون} هذه النعمة. قال ابن عطية: ثنَّى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان، والإمهال داعية إلى التوبة والإنابة، ثم استدرك من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره، ولا يبادر فيه على جهه الذم لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله، وجميع تقصير الخلق في شكره، لا رب غيره. هـ. الإشارة: الوقوف مع حدود الشريعة، والتمسك بالسنة النبوية قولاً وفعلاً، وأخذاً وتركاً، والاهتداء بأنوار الطريقة تخلية وتجلية، هو السير إلى أسرار الحقيقة، فمن تخطى شيئاً من ذلك فقد حاد عن طريق السير. وبالله التوفيق. ثم هددهم بمراقبته عليهم، فقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ}.

الطوسي

تفسير : قال الحسن: المعني بهذه الاية مشركوا العرب قال الله لهم {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} أي أرزاق العباد من المطر الذي ينزله الله {فجعلتم منه حراماً وحلالاً} يعني ما حرموا من السائبة والوصيلة والحام، وما حرموا من زروعهم. قل يا محمّد لهم {آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟} معناه انه لم يأذن لكم في شيء من ذلك بل انتم تكذبون في ذلك على الله. واستدل قوم بذلك على أن القياس في الاحكام لا يجوز. قال الزجاج {ما} في قوله {ما أنزل الله} في موضع نصب بـ {أنزل} والمعنى انكم جعلتم البحائر والسوائب حراماً، والله تعالى لم يحرم ذلك وتكون {ما} بمعنى الاستفهام. ويحتمل أن تكون {ما} بمعنى الذي وتكن نصباً بـ {أرأيتم}. والرزق منسوب كله إلى الله لأنه لا سبيل للعبد اليه الا باطلاقه بفعله له او اذنه فيه اما عقلا او سمعاً. ولا يكون الشيء رزقاً بمجرد التمكين لانه لو كان كذلك لكان الحرام رزقاً، لان الله مكّن فيه. قال الرماني: التحريم عقد بمعنى النهي عن الفعل والتحليل حل معنى النهي بالاذن.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} ما استفهاميّة للتّعجيب اشارة الى شرافته وعظمته فى نفسه ومن حيث انتسابه الى الله والى كثرته وتوطئة لذمّ التّصرّف فيه بالاهواء وحينئذٍ فآرأيتم استفهام واستخبار مستعمل بمعنى اخبرونى كسابقه او هو بمعنى اعلمتم والاستفهام للتّعجيب او للانكار او للتّقرير وقوله الله اذن لكم يكون مستأنفاً او لفظة ما شرطيّة وقوله: فجعلتم جزاءه بتقدير قد على القول بلزوم قد فى الجزاء اذا كان ماضياً لفظاً ومعنىً ولذا دخل الفاء وأرأيتم حينئذٍ بمعنى اخبرونى او للتّعجيب او للانكار التّوبيخىّ، وعلى التّقادير فالفعل معلّق عن جملة ما انزل الله ولفظة ما موصولة مفعولاً اوّلا لرأيتم والمفعول الثّانى محذوف اى كذلك او آلله اذن لكم والفعل معلّق عنه ولفظة قل تأكيد للفظ قل الاوّل، والمراد بانزال الرّزق فى الرّزق الصّورى النّباتّى انزل اسبابه وفى الرّزق المعنوىّ الانسانىّ انزال حقيقته، فانّ رزق الانسان وهو العلوم والاخلاق الحسنة تنزل بحقائقها من سماوات الارواح ولفظ لكم للاشعار بانّ الغرض انتفاعكم ومن الانتفاع يستنبط حليّتّه {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} بما اسّستم بجعلكم من حرمة بعض الانعام مطلقاً وحرمة بعضها على بعضٍ من افراد الانسان وحرمة شيءٍ من الحرث وغير ذلك وبما تقوّلتم من عند انفسكم من حرمة علم انتم جاهلوه لكونكم اعداءً لما تجهلون، كتحريم بعض المتشبّهين بالفقهاء ومنعه عن مثل علم الكلام والهيئة، وكمنع المتفلسفة عن الحكمة الحقيقيّة والعلوم الشّرعية ما سوى اصطلاحاتهم واقيستهم المأخوذة من اسلافهم، وكتحريم المتصوّفه ما سوى مأخوذاتهم من اقرانهم، وامّا العالم الحقيقىّ فانّه لجامعيّته لا يقول بحرمة شيءٍ من ذلك بل يقول بحلّيّة الجميع بشرط كون الأخذ على اتّباعٍ وتقليدٍ من الانبياء (ع) واوصيائهم ونوّابهم وكان الأخذ باذنٍ منهم فيقول: جملة العلوم اذا اخذت من أهلها وعلى وجهها فهى محلّلة واذا لم تؤخذ من اهلها او لا على وجهها فهى محرّمة، ويقول الحلال ما احلّه الله والحرام ما حرّمه الله والمبيّن هو النّبىّ (ص) او من كان مأذوناً منه بلا واسطةٍ او بواسطةٍ، فانّ الاذن والاجازة كما يصحّح العمل يصحّح العلم ويجعل الظّنّ قائماً مقام العلم بل اشرف منه كما مضى؛ ولذلك قال تعالى {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ} بلا واسطةٍ او بواسطة {لَكُمْ} فى التّحليل والتّحريم باىّ نحوٍ شئتم او فى خصوص تحليل اشياء خاصّة وتحريم اشياء خاصّة والاذن اعمّ من ان يكون بتكليم الله بلا واسطةٍ او بواسطة الملك وحياً او تحديثاً او بواسطة خلفائه البشريّة {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} فى ادّعاء الاذن فى نسبة التّحليل والتّحريم الى الله، ولمّا كان الحلال ما احلّه الله والحرام ما حرّمه الله لا غير فمن قال بالتّحليل والتّحريم باذن الله فحلاله حلال الله وحرامه حرام الله، ومن لم يقل باذن الله فتحليله وتحريمه افتراء على الله سواء ادّعى الاذن فى ذلك وقال برأيه او ادّعى نسبة ذلك الى الله وادّعى أنّه مبيّن لحكم الله او لم يدّع شيئاً من ذلك، لانّه قال فيما هو مختصّ بالله والقول فيما هو مختصّ بالله لا يكون الاّ من ادّعاء الاذن فيه او ادّعاء نسبته اليه تعالى وانّه مبيّنه فالمنفصلة حقيقيّة، فاذا كان عدم الاذن معلوماً فالافتراء محقّق ولذا عقّبه بتهديد المفترين، فمن ادّعى تبليغ الاحكام القالبيّة كما هو شأن علماء الشّريعة رضوان الله عليهم او تبليغ الاحكام القلبيّة كما هو شأن علماء الطّريقة رضوان الله عليهم ولم يكن مأذوناً من الله بواسطة خلفائه كان مفترياً ومصداقاً لقوله تعالى: ولو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين، ولذا كانت سلسلة الاجازة منضبطة متّصلة من لدن آدم (ع) الى الخاتم (ص) وبعده الى زماننا هذا بين الفقهاء رضوان الله عليهم ومشايخ الصّوفيّة.

الأعقم

تفسير : {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق}، قيل: خلق لكم من أنواع الأرزاق، وقيل: أنزل من السماء الماء فأخرج به الأرزاق {فجعلتم منه حراماً وحلالاً} فالحرام ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والحلال ما استحلوا من غير إباحة شرعية، وقيل: حراماً على النساء حلالاً للرجال كقوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} إلى آخرها يعني أنكم بعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام نحو قوله تعالى: {أية : هذه أنعام وحرث حجر} تفسير : [الأنعام: 138] الآية {قل آلله اذن لكم} أي أخبروني هل الله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذن {أم} أنتم {تفترون} أي تكذبون على الله تعالى في نسبه ذلك إليه {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ان الله لذو فضل على الناس} حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام {ولكن أكثرهم لا يشكرون} هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه {وما تكون في شأن} الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيل: أراد المكلف في شأن أي في عمل من الأعمال، وقيل: في شأن من الدنيا والدين {وما تتلو منه} أي ما تقرأ منه، قيل: من القرآن، وقيل: من الشأن في القرآن، وقيل: منه أي من الله تعالى {ولا تعملون من عمل} خطاب للمكلفين، قوله تعالى: {الا كنا عليكم شهوداً}، قيل: حافظاً وشاهداً عليكم حتى نشهد يوم القيامة ثم نجازيكم به، وقيل: شاهدين رقباء نُحصي عليكم {إذ تفيضون فيه} من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه والهاء عائدة على العمل، وقيل: هو القرآن يعني يقولون في القرآن الكذب {وما يعزب عن ربك} أي ما يغيب عنه {من مثقال ذرة} أي من وزن ذرة وهي الذرة الحمراء الصغيرة {إلاَّ في كتاب مبين}، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: في كتاب الحفظة، وفيه ترغيب وترهيب وأنه لا يخفى عليه شيء فيجازيكم بجميع أعمالكم {ألاَّ إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، قيل: هم المتحابون في الله تعالى في خبر مرفوع، وقيل: هم {الذين آمنوا وكانوا يتّقون لهم البشرى في الحياة الدنيا} ما بشر الله به المتّقين في غير مكان من القرآن وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"تفسير : ، وقيل: محبة الناس له والذكر الحسن وعن عطاء لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة، قال الله تعالى: {أية : تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنَّة التي كنتم توعدون} تفسير : [فصلت: 30] وفي الآخرة تلقى الملائكة إياهم مسلمين ومبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وأعطاهم الصحف بايمانهم.

اطفيش

تفسير : {قلْ} يا محمد لكفار مكة {أرأيتم} أخبرونى {ما} مفعول مقدم بقوله: {أنزلَ} وهى استفهامية، وجملة أنزل {اللهُ} مفعول لأرأيتم معلق عنها بالاستفهام، كما تقول: أخبرنى هل قام زيد؟ أو ما مفعول لأرأيتم، وهى موصولة، والجملة بعدها صلة، والرابط محذوف أى ما أنزله الله. {لكُم مِنْ رِزْقٍ} بيان لما على الوجهين، أو من الرابط المحذوف، فهو حال من ما أو منه، أو نعت لما، فإنه لا مانع عندى من نعت ما الاستفهامية، وكم الخبرية والاستفهامية، ووجه كونه حال من ما الاستفهامية، مع أنها نكرة، أن تقدم الاستفهام مسوغ بمجئ الحال من اسم الاستفهام نفسه، بل قد تقدم عليها استفهام آخر، فإن لفظ أرأيتم استفهام، والمراد بإنزال الرزق خلق الرزق، أو إنزال الرزق بالواسطة، لأنه بوسائط سماوية كالمطر وحرارة الشمس، فجعله كأنه منزل بنفسه، ولأنه مقدر فى اللوح المحفوظ، وعلى أيدى ميكائيل وأعوانه، والمراد من الرزق ما حل منه، فإنه يطلق على الحلال والحرام، ودل على هذه الإرادة بقوله: {لكم} فلذلك وبخهم على تحريم بعضه إذ قال: {فجَعَلتُم منْهُ حَراماً} كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والنصيب من الحرث لشركائهم وترك ما فى بطون الأنعام يحرمونه على أزواجهم. {وحَلالاً} هو غير ذلك مما قالوا بحليته، وهو حلال، أو أراد بالحلال حلال شرعا، والميتة ونحوها من المحرمات، فإنها عندهم حلال فيكون المعنى إن الله سبحانه وتعالى أنزل لهم الرزق الحلال، وبين لهم الحرام، كالميتة، وتركوا هذا التشريع واخترعوه شرعا، بأن حرموا بعض ما أحل الله، وحللوا ما حرم، ومن تبعيضية متعلقة بمحذوف مفعول ثانٍ مقدم، وقيل: هى ومدخولها فى مقام المفعول الأول، لأن المعنى فجعلتم بعضه، وقيل: اسم مضاف للضمير المفعول الأول. {قُلْ آللهُ أذِنَ لَكُم} فى التحليل والتحريم، هذا إنكار وتوبيخ واستفهام على الأسلوب الحقيقى {أمْ عَلى اللهِ تفْتَرونَ} إذ كانوا ينسبون ذلك إلى الله، أو يعتقدون إصابة الحق فى ذلك عند الله، وذلك افتراء منهم فى الحقيقة، وأم متصلة عاطفة لتفترون على أذن لكم، ويجوز كونها منقطعة، أى بل تفترون على الله، أو بل لتفترون على الله، فهى بمعنى بلا وبل وهمزة التقرير، ويجوز أن يكون قل توكيد للأول، وقوله: {آلله أذن لكم أم على الله تفترون} عائد إلى قوله: {أرأيتم} مستأنف على جعل ما موصولة، أو مفعول ثان معلق عنه، وبدل من ما على جعلها استفهامية، ولذلك قرن بهمزة الاستفهام، وبدلوا لمضمن الهمز يلى همز، أو صح جعل الجملة بدلا من مفرد لتأويلها بالمفرد، ومن قال شيئا فى أمر الحلال والحرام والحكم، غير مستند إلى مجتهد، ولا إلى اجتهاد نفسه إن كان مجتهدا دخل فى الآية.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِّنْ رِزْقٍ} ما اسم موصول والمعنى أَرأَيتم ما نزل الله من البحيرة والوصيلة والحامى والسائِبة، والمفعول الثانى جملة قوله أَالله أذن لكم، على أَن قل الداخل عليها لهذا ولا يحسن تخريج الآية على الاستفهام وأَنها مبتدأٌ خبره الله لكم، لعدم الرابط إِذ لا يكفى تقديره هكذا: أَالله أَذن لكم فيه، وإِنما يكفى الضمير فى أَنزل فيكون الخبر أَنزل الله، أَى ما أَنزله الله، أَى ما أَنزله الله مع أَن هذا تكلف، لأَن هذا الحذف يوهم أَن ما مفعول به لأَنزل، ولا يحسن أَن تقول زيد ضربت برفع زيد وتقدير الهاءِ، أَى زيد ضربته، بل ينصب ولو ورد الرفع نادرا كقول أَبى النجم "كله لم أَصنع" برفع كل، أَى كله لم أَصنعه، فما إِذا كانت استفهامية ومفعولا به لأَنزل، ومعنى أَنزل خلق لأَن ما خرج من الأَرزاق مقدر فى السماءِ وبسبب الماءِ النازل منها فإِن النبات به وبحرارة القمر والشمس والحيوانات كالنبات {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً} هو الوصيلة والبحيرة والحامى {وَحَلاَلاً} هو الميتة. قال الله عز وجل "أية : أَنعام وحرث حجر} تفسير : [الأَنعام: 138] {أية : ما فى بطون هذه الأَنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أَزواجنا وإِن يكن ميتة فهم فيه شركاء"تفسير : [الأَنعام: 139]، وقيل المراد أَنه أَنزل الماءَ وكان منه ما يؤكل وقلتم هذه أَنعام وحرث حجر وما فى بطون هذه الأَنعام إِلخ، وأَسند الإِنزال إِلى الرزق لأَنه مسبب عن سببه وهو المطر والريح والبرد والحر، أَو أَطلق المسبب وهو الرزق عن سببه وهو الماءُ ونحوه {قُلْ أَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ} فى التحليل والتحريم، وعديل هذا هو قوله {أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} فى التحريم والتحليل، فأَم متصلة والاستفهام توبيخ ويجوز أَن تكون منفصلة، أَى بل على الله تفترون، أَو بل أَعلى الله تفترون، وعلى الانفصال يتعلق بقوله {قل أَالله أَذن لكم} أَو بقوله أَرأَيتم، ومقتضى الظاهر أالله أَذِن لكم أَم غيره، ولكن قال أَم على الله تفترون لأَن فيه معنى أَم غيره وزيادة التصريح بافتِرَائِهم، ولأَن معنى أَالله أَذن لكم: أَفعلتم ما فعلتم على أَنه من عند الله أَم فعلتموه من عند أَنفسكم افتراءً، وقدم قوله على الله للفاصلة وطريق الاهتمام لا للحصر إِذ ليس المقام لأَن يقال يفترون على الله لا على غيره.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ} أي ما قدر لانتفاعكم من ذلك وإلا فالرزق ليس كله منزلاً، واستعمال أنزل فيما ذكر مجاز من إطلاق المسبب على السبب، وجوز أن يكون الإسناد مجازياً بأن أسند الإنزال إلى الرزق لأن سببه كالمطر منزل، وقيل: إن هناك استعارة مكنية تخييلية وهو بعيد، وجعل الرزق مجازاً عن سببه أو تقدير لفظ سبب مما لا ينبغي و {مَا} إما موصولة في موضع النصب على أنها مفعول أول ـ لأرأيتم ـ والعائد محذوف أي أنزله والمفعول الثاني ما ستراه إن شاء الله تعالى قريباً و {مَا} استفهامية في موضع النصب على أنه مفعول {أَنَزلَ} وقدم عليه لصدارته، وهو معلق لما قبله إن قلنا بالتعليق فيه أي أي شيء أنزل الله تعالى من رزق {فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} أي فبعضتموه وقسمتموه إلى حرام وحلال وقلتم، {أية : هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ }تفسير : [الأنعام: 138] و {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] إلى غير ذلك. {قُلِ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} في جعل البعض منه حراماً والبعض الآخر حلالاً {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} {أَمْ} والهمزة متعادلتان والجملة في موضع المفعول الثاني ـ لأرأيتم ـ و {قُلْ} مكرر للتأكيد فلا يمنع من ذلك، والعائد على المفعول الأول مقدر، والمعنى أرأيتم الذي أنزله الله تعالى لكم من رزق ففعلتم فيه ما فعلتم أي الأمرين كائن فيه الإذن فيه من الله تعالى بجعله قسمين أم الافتراء منكم، وكان أصل {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} الخ آلله أذن أم غيره فعدل إلى ما في النظم الجليل دلالة على أن الثابت هو الشق الثاني وهم نسبوا ذلك إليه سبحانه فهم مفترون عليه جل شأنه لا على غيره وفيه زجر عظيم كما لا يخفى، ولعل هذا مراد من قال: إن الاستفهام للاستخبار ولم يقصد به حقيقته لينافي تحقق العلم بانتفاء الإذن وثبوت الافتراء بل قصد به التقرير والوعيد وإلزام الحجة. وجوز أن يكون الاستفهام لإنكار الإذن وتكون {أَمْ} منقطعة بمعنى بل الإضرابية، والمقصود الإضراب عن ذلك لتقرير افترائهم، والجملة على هذا معمولة للقول وليست متعلقة ـ بأرأيتم ـ وهو قد اكتفى بالجملة الأولى كما أشرنا إليه، ومن الناس من جوز كون {أَمْ} متصلة وكونها منفصلة على تقدير تعلق الجملة بفعل القول وأوجب الاتصال على تقدير تعلقها ـ بأرأيتم ـ وجعل الاسم الجليل مبتدأ مخبراً عنه بالجملة للتخصيص عند بعض ولتقوية الحكم عند آخر، والإظهار بعد في مقام الإضمار للإيذان بكمال قبح افترائهم، وتقديم الجار والمجرور للقصر مطلقاً في رأي ولمراعاة الفواصل على الوجه الأول وللقصر على الوجه الثاني في آخر. واستدل المعتزلة بالآية على أن الحرام ليس برزق ولا دليل لهم فيها على ما ذكرناه لأن المقدر للانتفاع هو الحلال فيكون المذكور هنا قسماً من الرزق وهو شامل للحلال والحرام والكفرة إنما أخطأوا في جعل بعض الحلال حراماً، ومن جعل أهل السنة نظيراً لهم في جعلهم الرزق مطلقاً منقسماً إلى قسمين فقد أعظم الفرية.

ابن عاشور

تفسير : استئناف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين. وافتتاحه بـ{قل} لقصد توجه الأسماع إليه. ومناسبة وقوعه عقب ما تقدم أن الكلام المتقدم حكى تكذيبهم بالقرآن وادعاءهم أنه مفترى وأنه ليس بحق، ثم إبطال أن يكون القرآن مفترى على الله لأنه اشتمل على تفصيل الشريعة وتصديق الكتب السالفة، ولأنه أعجز مكذبيه عن معارضته. فلما استوفى ذلك بأوضح حجة، وبانت لِقاصد الاهتداء المَحجة، لا جرم دالت النوبة إلى إظهار خطل عقولهم واختلال تكذيبهم، فإنه بعد أن كان تكذيباً بما لم يحيطوا بعلمه فقد ارتبكوا في دينهم بما يلزمهم منه مماثلة الحالة التي أنكروها، فإنهم قد وضعوا ديناً فجعلوا بعض أرزاقهم حلالاً لهم وبعضها حراماً عليهم فإن كان ذلك حقاً بزعمهم فمن الذي أبلغهم تلك الشرائع عن الله ولماذا تقبلوها عمن شرعها لهم ولم يكذبوه وهم لا يستطيعون أن يلتزموا ذلك، وإن كان ذلك من تلقاء أنفسهم فقد افتَروا على الله فلزمهم ما ألصقوه بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلق بهم وبرأ الله منه رسوله، فهذا الاستدلال من الطريق المسمى بالقلب في علم الجدل. ثم إن اختيار الاستدلال عليهم بشيء من تشريعهم في خصوص أرزاقهم يزيد هذا الاستدلال مناسبة بآخر الكلام الذي قبله ليظهر ما فيه من حسن التخلص إليه وذلك أن آخر الكلام المتقدم جملة {أية : هو خير مما يجمعون}تفسير : [يونس: 58]، أي من أموالهم. وتلك الأموال هي التي رزقهم الله إياها فجعلوا منها حلالاً ومنها حراماً وكَفروا نعمة الله إذ حرموا على أنفسهم من طيبات ما أعطاهم ربهم، وحسبهم بذلك شناعة بهم ملصقة، وأبواباً من الخير في وجوههم مغلقة. والاستفهام في {أرأيتم} و{ءَالله أذن لكم أم على الله تفترون} تقريري باعتبار إلزامهم بأحد الأمرين: إما أن يكون الله أذن لهم، أو أن يكونوا مفترين على الله، وقد شيب التقرير في ذلك بالإنكار على الوجهين. والرؤية علمية، و{ما أنزل الله لكم من رزق} هو المفعول الأول لـ (رأيتم)، وجملة {فجعلتم منه} الخ معطوفة على صلة الموصول بفاء التفريع، أي الذي أنزل الله لكم فجعلتم منه. والاستفهام في {آلله أذن لكم أم على الله تفترون} مفعول ثان لـ (رأيتم)، ورابط الجملة بالمفعول محذوف، تقديره: أذنكم بذلك، دل عليه قوله: {فجعلتم منه حراماً وحلالاً}. و{قل} الثاني تأكيد لـ {قل} الأول معترض بين جملة الاستفهام الأولى وجملة الاستفهام الثانية لزيادة إشراف الأسماع عليه. وهي معادلة بهمزة الاستفهام لأنها بين الجملتين المعمولتين لفعل {أرأيتم}. وفعل الرؤية معلق عن العمل في المفعول الثاني؛ لأن الأصح جواز التعليق عن المفعول الثاني. وزعم الرضي أن الرؤية بصرية. وقد بسطت القول في ذلك عند قوله: {أية : أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه}تفسير : الآية في سورة [الواقعة: 58، 59]. و{أم} متصلة وهي معادلة لهمزة الاستفهام لأن الاستفهام عن أحد الأمرين. والرزق: ما ينتفع به. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : في سورة [البقرة: 3] وفي قوله:{أية : أو مما رزقكم الله}تفسير : في [الأعراف: 50]. وعبر عن إعطاء الرزق بالإنزال؛ لأن معظم أموالهم كانت الثمار والأعناب والحبوب، وكلها من آثار المطر الذي هو نازل من السحاب بتكوين الله، فأسند إنزاله إلى الله بهذا الاعتبار، ومعظم أموالهم الأنعام، وحياتها من العشب والكلأ وهي من أثر المطر، قال تعالى:{أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم}تفسير : [عبس: 24، 32]. وقال: {أية : وفي السماء رزقكم}تفسير : [الذاريات: 22] أي سبب رزقكم وهو المطر. وقد عُرف العرب بأنهم بنو ماء السماء. وهو على المجاز في كلمة (بني) لأن الابن يطلق مجازاً على الملازم للشيء. وقد عبر عن إعطاء الأنعام بالإنزال في قوله: {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : [الزمر: 6] بهذا الاعتبار. والمجعول حراماً هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: {أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حِجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حُرمت ظهورها}تفسير : [الأنعام: 138] وقوله: {أية : وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومُحرَّم على أزواجنا}تفسير : في سورة [الأنعام: 139]. ومحل الإنكار ابتداءً هو جعلهم بعض ما رزقهم الله حراماً عليهم. وأما عطف {حلالاً} على {حراماً} فهو إنكار بالتبع لأنهم لما عمدوا إلى بعض ما أحل الله لهم فجعلوه حراماً ومَيَّزوه من جملة الرزق فقد جعلوا الحلال أيضاً حلالاً، أي بجعل جديد إذ قالوا هو حلال فجعلوا أنفسهم مهيمنين على أحكام الله إذ عمدوا إلى الحلال منها فقلبوه حراماً وأبقَوا بعض الحلال على الحل، فلولا أنهم أبقوه على الحل لما بقي عندهم حلالاً ولتعطل الانتفاع به فلذلك أنكر عليهم جعل بعض الرزق حراماً وبعضه حلالاً، وإلا فإنهم لم يجعلوا ما كان حراماً حلالاً إذ لم يكن تحريم في الجاهلية. وقوله: {حلالاً} عطف على {حراماً} والتقدير: ومنه حلالاً، لأن جميع ما رزقهم الله لا يعدو بينهم هذين القسمين، وليس المعنى فجعلتم بعضه حراماً وحلالاً، وبعضه ليس بحرام ولا حلال لأن ذلك لا يستقيم. وتقديم اسم الجلالة وهو مسند إليه على خبره الفعلي في قوله: {آلله أذن لكم} لتقوية الحكم مع الاهتمام. وتقديم المجرور على عامله في قوله: {أم على الله تفترون} للاهتمام بهذا المتعلق تشنيعاً لتعليق الافتراء به. وأظهر اسم الجلالة لتهويل الافتراء عليه. وحذف متعلق {أذن} لظهوره. والتقدير: آلله أذن لكم بذلك الجعل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أرأيتم: أي أخبروني. ما أنزل الله لكم من رزق: أي الذي خلق لكم من رزق كلحوم الأنعام. ءآلله أذن لكم: أي في التحريم حيث حرمتم البحيرة والسائبة وفي التحليل حيث أحللتم الميتة. يفترون على الله الكذب: أي يختلقون الكذب تزويراً له وتقديراً في أنفسهم. وما تكون في شأن: أي في أمر عظيم. شهوداً إذْ تفيضون فيه: أي تأخذون في القول أو العمل فيه. وما يعزب عن ربك: أي يغيب. من مثقال ذرة: أي وزن ذرة والذرة أصغر نملة. إلا في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ ومبين أي واضح. معنى الآيات: سياق الآيات في تقرير الوحي وإلزام المنكرين له من المشركين بالدليل العقلي قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المشركين {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} أي أخبروني عما خلق الله لكم من نبات وطعام وحرث فجعلتم منه حراماً كالبحيرة والسائبة والثياب التي تحرِّمون الطواف بها والحرث الذي جعلتموه لآلهتكم، وحلال كالميتة التي تستبيحونها {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} (في هذا التشريع بوحي منه {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} فإن قلتم الله أذن لنا بوحي فلم تنكرون الوحي وتكذبون به، وإن قلتم لا وحي ولكننا نكذب على الله فموقفكم إذاً شر موقف إذ تفترون على الله الكذب والله تعالى يقول: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي إذا هم وقفوا بين يديه سبحانه وتعالى ما ظنهـم أيغفر لهم ويُعفى عنهم لا بل يلعنون وفي النار هم خالدون وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} في كونه لا يعجل لهم العقوبة وهم يكذبون عليه ويشركون به ويعصونه ويعصون رسوله، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} وذلك لجهلهم وسوء التربية الفاسدة فيهم، وإلا العهد بالإِنسان أن يشكر لأقل معروف وأتفه فضل. وقوله تعالى {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} أي وما تكون يا رسولنا في أمر من أمورك الهامة وما تتلو من القرآن من آية أو آيات في شأن ذلك الأمر {إِلاَّ كُنَّا} أي نحن رب العزة والجلال {عَلَيْكُمْ شُهُوداً} أي حضوراً {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي في الوقت الذي تأخذون فيه، وقوله تعالى {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يخبر تعالى عن سعة علمه تعالى وإحاطته بسائر مخلوقاته بحيث لا يعزب أي لا يغيب عن علمه تعالى مثقال ذرة أو وزن ذرة وهي النملة الصغير وسواء كانت في الأرض أو في السماء، وسواء كانت أصغر من النملة أو أكبر منها. بالإِضافة إلى أن ذلك كله في كتاب مبين أي في اللوح المحفوظ. لهذا العلم والقدرة والرحمة استوجب التأليه والعبادة دون سائر خلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير الوحي وإثباته للنبي صلى الله عليه وسلم. 2- التحريم والتحليل من حق الله تعالى دون سائر خلقه. 3- حرمة الكذب على الله، وإن صاحبه مستوجب للعذاب. 4- ما أعظم نعم الله تعالى على العباد ومع هذا فهم لا يشكرون إلا القليل منهم. 5- وجوب مراقبة الله تعالى، وحرمة الغفلة في ذلك. 6- إثبات اللوح المحفوظ وتقريره كما صرحت به الآيات والأحاديث.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} {وَحَلاَلاً} {ءَآللَّهُ} (59) - نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ، إِنْكَاراً عَلَى المُشْرِكِينَ، فِيمَا كَانُوا يُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَهُ، مِنَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالوَصَائِلِ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى فِعْلَ مَنْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَفِعْلَ مَنْ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ، بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالهَوَى، وَلاَ مُسْتَنَدَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلاَ دَلِيلَ، لأَِنَّ حَقَّ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ للهِ. وَيَسْأَلُهُم اللهُ تَعَالَى عَمَّنْ أَذِنَ لَهُمْ بِهِ؟ هَلْ جَاءَهُمْ بِهِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ، أَمْ أَنَّهُمْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ؟ وَبِمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ فَهُمْ مُفْتَرُونَ. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ. أَذِنَ لَكُمْ - أَعْلَمَكُمْ بِهَذا التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ. يَفْتَرُونَ - يَكْذِبُونَ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيهِ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن تمتع الإنسان في الحياة بالمُلْك والمِلْك، فكل ذلك يحتاج إلى استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبُنَا الحق سبحانه إيّاه، وكذلك استبقاء النوع بالتزواج بين الذكر والأنثى. ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا بُدَّ أن يكون حلالاً؛ لذلك حدَّد لنا الحق سبحانه وتعالى المحرَّمات فلا تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدَّده الله، فلا تدخل أنت على ما حلّل الله لتحرِّمَه؛ لأن الحق سبحانه حدَّد لك من الطعام ما يستبقي حياتك ويعطيك وقوداً لحركة الحياة، فعاملْ نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي يمدّك بها ما حَلَّله الله لك. وكذلك حرَّم الله عليك ما يَضُرُّك. وإياك أن تقول: ما دامت هذه الأشياء تضرّني فلماذا خلقها الله؛ لأن عليك أن تعرف أن هناك فارقاً بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل ما في الكون هو رزق، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فوراً، وهناك رزق غير مباشر. ومثال ذلك: النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تُنضِج لك الطعام. إذن: فهناك شيء مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك. والحق سبحانه قد حلّل لك - على سبيل المثال - لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرَّم عليك لحم الخنزير، فلا تسألْ: لماذا خلق الله الخنزيرَ؛ لأنه خَلقه لمهمةٍ أخرى، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، فاتركه للمهمة التي أراده الله لها. وبعض الناس قد حرَّم على نفسه أشياء حلَّلها الله تعالى، وهم بذلك يُضيّقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرَّم الله أنه يوسِّع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ..} [يونس: 59]. أي: أخبِروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون به، إما مباشرةً، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيَّن لكم الحلال والحرام؟! وكلمة {أَنزَلَ} تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى، وكل ما ترونه حولكم هو رزق، تنتفعون به مباشرة، أو بشكل غير مباشر، فالمال الذي تُشترى به أغلب الأرزاق لا يأكله الإنسان، بل يشتري به ما يأكله. وكلمة {أَنزَلَ} تعني: أوْجَدَ، وخلق مِنْ أعلى، وما دام كل شيء قد وُجد بمشيئة مَنْ هو أعلى من كل الوجود، فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط. ولا تأخذ كلمة {أَنزَلَ} من جهة العلوّ الحسية، بل خُذها من جهة العلوِّ المعنوية، فالمطر - مثلاً - ينزل من أعلى حسيّاً، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها، والرزق بالمطر ومن الأرض مُقدَّر ممّن خَلَق، وهو الأعلى سبحانه. وقد قال الحق سبحانه: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [الحديد: 25]. نعم، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل عليهم السلام لتصلح حياة الناس، وأنزل الحديد أيضاً، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن الأرض. إذن: فالمراد هنا بالإنزال، أي: الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك أيها الإنسان. وما دام الحق سبحانه هو الذي أنزل الرزق، وبيَّن الحلال والحرام، فلماذا تُدخِلون أنوفكم في الحلال والحرام، وتجعلون بعض الحلال حراماً، وبعض الحرام أو كُلَّ الحرام حلالاً؟ لماذا لا تتركون الجَعْل لمن خَلَق وهو سبحانه أدْرى بمصلحتكم؟ {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ..} [يونس: 59]. أي: هل أعطاكم الله سبحانه تفويضاً في جَعْلِ الحلال حراماً، والحرام حلالاً؟ {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] أي: على الله تتعمدون الكذب. وقد جاء الحق سبحانه بالحلال والحرام ليبيِّن لنا مدى قُبح السلوك في تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرَّم الله. ويشير الحق سبحانه - في إجمال هذه الآية - إلى آيات أخرى فَصَّلت الحرام، وسبق أن تناولناها بخواطرنا، مثل قوله تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [المائدة: 103]. والبَحيرة - كما ذكرنا - هي الناقة التي أنجبتْ خمس بُطونٍ آخرها ذَكَر، وكانوا يشقُّون أذنها، ويعلنون أنها قامت بواجبها ويتركونها سائمة غير مملوكة، لا يركبها أحد، ولا يحمل عليها أحد أيَّ حِمْل، ولا يحلبها أحد، ولا يجزّ صوفها أحد، ثم يذبحها خُدَّام الآلهة التي كانوا يعبدونها، وسَمَّوها "بَحيرة"؛ لأنهم كانوا يشقون آذانها علامةً على أنها أدَّتْ مهمتها. أما السائبة فهي غير المربوطة؛ لأن الربط يفيد الملكية، وكان الواحد منهم إذا شفي من مرض أو أراد شيئاً وَهَبَ أن يجعل ناقةً لخدَّام الأصنام، واسمها سائبة، وهي أيضاً لا تُركب، ولا تُحلب، ولا يُحمل عليها، ولا أحد يتعرَّض لها. والوصيلة: هي الأنثى تلدها الناقة في بطن واحدة مع ذكر، فيقولون: "وَصَلَتْ أخاها"؛ فلا يذبحونه للأصنام من أجل أخته. {وَلاَ حَامٍ} والحام: هو الفَحْل الذي يحمي ظهر نفسه بإنجاب عشرة أبْطُن، فلا يركبه أحد بعد ذلك، ولا يُحمَل عليه، ويترك لخدَّام الأصنام. هذه هي الأنعام المحلَّلة التي حرَّموها على أنفسهم، بينما يأكلها خُدَّام الأصنام، وفي ذكر عدم تحريم تلك الأنعام رأفة بهم. وهناك أيضاً قول الحق سبحانه: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 143-144]. إذن: فقد حَرَّموا بعضاً مما أحلّ الله لهم، وقالوا ما أورده القرآن: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}تفسير : [الأنعام: 136]. وأجمل الحق سبحانه كل ذلك في قوله الحق: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]. وهكذا تدخَّلوا في تحريم بعض الحلال وحلَّلوا بعضاً من الحرام، وفي هذا تعدٍّ ما كان يجب أن يقترفوه؛ لأن الحق سبحانه هو خالقهم، وهو خالق أرزاقهم، وفي هذا كذب متعمَّد على الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني كيف كفرتم في {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ} لمعاشكم وتقوية مزاجكم {مِّن رِّزْقٍ} مسوق إليكم محصل بأسباب سماوي مباح لكم {فَجَعَلْتُمْ} من تلقاء أنفسكم {مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} أي: حرمتم بعضه وحللتم بعضاً آخر بلا ورود شرع {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتقريعاً: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} بهذه التفرقة والقسمة {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] بنسبتها إليه. {وَمَا ظَنُّ} أي: أي شيء ظن أولئك المفترون {ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بأنهم لم يجاوزوا ولم يؤاخذوا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} على افترائهم على الله ما لم يصدر عنه، بل إنهم مؤاخذون على جرأتهم على الله وافترائهم به، سيما بعد ورود الزواجر والروادع من الآيات الدالة على امتناعهم عنها فلم يمتنعوا {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {لَذُو فَضْلٍ} عظيم {عَلَى ٱلنَّاسِ} بإنزال الكتب وإرسال الرسل المنبهين على ما هو الأصلح لهم وأليق بحالهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} بجهلهم وخبث باطنهم {لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس: 60] نعمه بل ينكرون ويكفرون بها عناداً ومكابرة. {وَ} كيف ينكرون رسالتك ووحيك من الله وتأييدك من عنده سبحانه؛ إذ {مَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} وأمر من ادعاء الرسالة من الله والتشريع من جانبه بلا إذن منه {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} مدعياً نزوله من عنده بلا وحيه وإنزاله {وَلاَ تَعْمَلُونَ} أنتم أضاً {مِنْ عَمَلٍ} صالح أو طالح، خير أو شر {إِلاَّ كُنَّا} بذاتنا وأوصافنا وأسمائنا {عَلَيْكُمْ شُهُوداً} حضراء رقباء، مطلعين على جميع ما جئتم به وقت {إِذْ تُفِيضُونَ} أي: تخوضون وتقصدون الشروع {فِيهِ} أول الذب عنه {وَ} كيف لا نطلع عليها ولا يحيط علمنا بها وشهودنا إياها؛ إذ {مَا يَعْزُبُ} أي: لا يغيب ويبعد {عَن رَّبِّكَ} ومربيكم أيها المظهر الجامع لجميع المراتب الكونية والكيانية والمتخلق بجميع الأخلاق الإلهية {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} كائنةٍ {فِي} أقطار {ٱلأَرْضِ وَلاَ} كائنة {فِي ٱلسَّمَآءِ} وفضائها {وَ} كيف يعزب ويغيب عن حيطة علمه شيء؛ إذ {لاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ} المقدار {وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] ظاهر الإبانة والظهور بالنسبة إلى أرباب الولاء، الباذلين أرواحهم في طريق الفناء، المستغرقين في بحر الوحدة، الفانين عن هوياتهم بالمرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله تعالى: {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} يشير إلى رزق القلوب والأرواح فضلاً عن رزق النفوس والأشباح من الواردات الروحانية والشواهد الربانية التي ترد على القلوب الصافية المتوجهة إلى الحضرة وتشاهد الأرواح الزكية مشاهد العزة ومواهب الحكمة. {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً} [يونس: 59] أي: على أنفسكم لخيانة أنفسكم وركاكة عقولكم ودناءة همتكم، {وَحَلاَلاً} [يونس: 59] على أرباب القلوب النقية وأصحاب الهمم العلية أي: حديث أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادة ونيل هذه الكرامات ليس من شأنها، وإنما هو من شأن الأخبار والكبراء وخواص الأولياء والأنبياء. {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59] أن تعرضوا عن هذه المقامات العلية والأحوال السنية وتجبلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها، {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] بأنه تعالى اختص قوماً بالدعوة إلى هذه الدرجات الرفيعة دوننا، بل عمت دعوته لقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}تفسير : [يونس: 25]، وقوله تعالى: {أية : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 10]. {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [يونس: 60] أي: وما ظن أهل الافتراء عند كشف الغطاء عن درجات أرباب الولاء ودركات عبدة الأهوال لا يتبدلون بعذاب الحرمان وسوء عاقبة أهل الخذلان، {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} [يونس: 60] بمساواة الاستعداد في قبول الفيض، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس: 60] بأن يصرفوا استعدادهم في تعرض نفحات الألطاف التي هي دائمة الهبوب من منهات العناية وعلمه تعالى. {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} [يونس: 61] أي: يا محمد، {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} التي هي مختصة بك، {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} أي: من شأن النبوة، {مِن قُرْآنٍ} [يونس: 61] تقرأه عليهم، {وَلاَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 61] يا أمة محمد، {مِنْ عَمَلٍ} [يونس: 61] أي: من أعمال الأمة ومن قبول القرآن ورده. {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} [يونس: 61] أي: شاهداً على أعمالكم، {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] أي: تسرعون فيه بنياتكم في القبول والرد والعمل به، {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} [يونس: 61] ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا، {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 61] عمَّا ظهر من حركة أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر، {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [يونس: 61] أي: سماء القلوب بالنيات الفاسدة، {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ} [يونس: 61] أي: من الحركة وهو القصد دون الفعل، {وَلاۤ أَكْبَرَ} [يونس: 61] أكبر في النية وهو العمل، {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] أي: في أم الكتاب الذي هو عنه في الأزل إلى الأبد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى - منكرًا على المشركين، الذين ابتدعوا تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم-: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ } يعني أنواع الحيوانات المحللة، التي جعلها الله رزقا لهم ورحمة في حقهم. { فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا } قل لهم - موبخا على هذا القول الفاسد-: { آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } ومن المعلوم أن الله لم يأذن لهم، فعلم أنهم مفترون. { وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أن يفعل الله بهم من النكال، ويحل بهم من العقاب، قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ } . تفسير : { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } كثير، وذو إحسان جزيل، وَلَكِنَّ أكثر الناس لا يشكرون، إما أن لا يقوموا بشكرها، وإما أن يستعينوا بها على معاصيه، وإما أن يحرموا منها، ويردوا ما منَّ الله به على عباده، وقليل منهم الشاكر الذي يعترف بالنعمة، ويثني بها على الله، ويستعين بها على طاعته. ويستدل بهذه الآية على أن الأصل في جميع الأطعمة الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، لأن الله أنكر على من حرم الرزق الذي أنزله لعباده.