Verse. 1424 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَمَا ظَنُّ الَّذِيْنَ يَفْتَرُوْنَ عَلَي اللہِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَذُوْ فَضْلٍ عَلَي النَّاسِ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَھُمْ لَا يَشْكُرُوْنَ۝۶۰ۧ
Wama thannu allatheena yaftaroona AAala Allahi alkathiba yawma alqiyamati inna Allaha lathoo fadlin AAala alnnasi walakinna aktharahum la yashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما ظن الذين يفترون على الله الكذب» أي أيّ شيء ظنهم به «يوم القيامة» أيحسبون أنه لا يعاقبهم لا «إن الله لذو فضل على الناس» بإمهالهم والإنعام عليهم «ولكن أكثرهم لا يشكرون».

60

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} «يوم» منصوب على الظرف، أو بالظن؛ نحو ما ظنك زيداً؛ والمعنى: أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي في التأخير والإمهال. وقيل: أراد أهل مكة حين جعلهم في حَرَم آمن. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} يعني الكفار. {لاَ يَشْكُرُونَ} الله على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم. وقيل: «لا يشكرون» لا يوحدون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } أي: أيُّ شيء ظنهم به {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ }؟ أيحسبون أنه لا يعاقبهم؟ لا {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } بإمهالهم والإِنعام عليهم {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } آية وعيدٍ - لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها؛ أنهم مفترون على اللَّه - عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ ٱلافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة؛ بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع ٱلافتراء والعصيان؛ إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تُعمُّ جميعَ فَضْل اللَّه سبحانَهُ، وجميعَ تَقْصير الخَلْقِ. وقوله سبحانه: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ...} الآية: مَقْصِدُ هذه الآية وصْفُ إِحاطة اللَّه عزَّ وجلَّ بكلِّ شيء، لا ربَّ غيره، ومعنى اللفْظِ: وما تكُونُ يا محمَّد، والمرادُ هو وَغَيْرُهُ في شأن من جميع الشؤون، {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ}: الضمير عائدٌ على شَأْن أي: فيه وبسببه «مِن قُرْآنٍ»، ويحتمل أنْ يعود الضميرُ على جميع القرآن. وقال * ص *: ضمير «منه» عائدٌ على «شأن» و{مِن قُرْآنٍ }: تفسيرٌ للضمير. انتهى. وهو حَسَن، ثم عمَّ سبحانه بقوله: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ }، وفي قوله سبحانه: {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } تحذيرٌ وتنبيهٌ. * ت * وهذه الآية عظيمةُ المَوْقِعِ لأَهْل المراقبة تثيرُ من قلوبهم أسراراً، ويغترفون من بَحْر فيضها أنواراً، و{تُفِيضُونَ } معناه: تأخذون وتَنْهَضُون بِجِدٍّ، {وَمَا يَعْزُبُ }: معناه: وما يَغِيبُ {عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } والكتابُ المُبينُ هو اللوحُ المحفوظُ، ويحتملُ ما كتبته الحَفَظَةُ.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} كلامٌ مسوقٌ من قِبَله تعالى لبـيان هولِ ما سيلقَونه غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمورِ به والتعبـيرُ عنهم بالموصول في موقع الإضمارِ لقطع احتمالِ الشق الأولِ من التردد والتسجيلِ عليهم بالافتراء وزيادةِ الكذب مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذباً لإظهار كمالِ قبحِ ما افتعلوا وكونِه كذباً في اعتقادهم أيضاً، وكلمةُ (ما) استفهاميةٌ وقعت مبتدأً وظن خبرُها ومفعولاه محذوفان وقوله عز وجل: {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} ظرفٌ لنفس الظنِّ، أي أيُّ شيءٍ ظنُّهم في ذلك اليوم، يومَ عرضِ الأفعال والأقوالِ والمجازاة عليها مثقالاً بمثقال، والمرادُ تهويلُه وتفظيعُه بهول ما يتعلق به مما يُصنع بهم يومئذ، وقيل: هو ظرفٌ لما يتعلق به ظنُّهم اليومَ من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلاً له ولِما فيه ـ من الأحوال لكمال وضوحِ أمرِه في التقرير والتحققِ ـ منزلةَ المسلم عندهم أي أيُّ شيء ظنُّهم لما سيقع يوم القيامة؟ أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه أو يجازون جزاءً يسيراً ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون؟ كلا إنهم لفي أشدِّ العذاب لأن معصيتَهم أشدُّ المعاصي، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، وقرىء على لفظ الماضي، أي أيُّ ظنَ ظنوا يوم القيامة؟ وإيرادُ صيغةِ الماضي لأنه كائنٌ فكأنه قد كان {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ} أي عظيم لا يُكتنه كنهُه {عَلَى ٱلنَّاسِ} أي جميعاً حيث أنعم عليهم بالعقل المميّز بـين الحقِّ والباطلِ والحسَنِ والقبـيحِ ورحِمهم بإنزال الكتبِ وإرسالِ الرسلِ وبـيّن لهم الأسرارَ التي لا تستقلُ العقولُ في إدراكها وأرشدهم إلى ما يُهمّهم من أمر المعاشِ والمعاد {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} تلك النعمةَ الجليلةَ فلا يصرِفون قُواهم ومشاعرَهم إلى ما خُلقت له ولا يتبعون دليلَ الشرعِ فيما لا يدرك إلا به، وقد تفضل عليهم ببـيان ما سيلقَوْنه يوم القيامة فلا يلتفتون إليه فيقعون فيما يقعون فهو تذيـيلٌ لما سبق مقرِّرٌ لمضمونه. {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} أي في أمر، من شأنْتُ شأْنه أي قصدتُ قصدَه مصدر بمعنى المفعول {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} الضميرُ للشأنِ والظرفُ صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تلاوةً كائنةً من الشأن إذ هي معظمُ شؤونِه عليه السلام أو للتنزيل، والإضمارُ قبل الذكر لتفخيم شأنِه، ومن ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ أو لله عز وجل ومن ابتدائيةٌ والتي في قوله تعالى: {مِن قُرْءانٍ} مزيدةٌ لتأكيد النفيِ أو ابتدائيةٌ على الوجه الأول وبـيانية أو تبعيضيةٌ على الثاني والثالث {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} تعميمٌ للخطاب إثرَ تخصيصِه بمقتضى الكلِّ وقد رُوعي في كل من المقامين ما لا يليق به حيث ذُكر أولاً من الأعمال ما فيه فخامةٌ وجلالةٌ وثانياً ما يتناول الجليلَ والحقيرَ {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم أحوال المخاطبـين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابِسون بشيء منها حال من الأحوال إلا حالَ كونِنا رُقباءَ مطّلعين عليه حافظين له {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تخوضون وتندفعون فيه، وأصلُ الإفاضة الاندفاعُ بكثرة أو بقوة، وحيث أريد بالأفعال السابقةِ الحالةُ المستمرَّةُ الدائمةُ المقارنةُ للزمان الماضي أيضاً أوثر في الاستثناء صيغةُ الماضي وفي الظرف كلمةُ إذ التي تفيد المضارعَ معنى الماضي {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ} أي لا يبعُد ولا يغيب على علمه الشامل، وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ من الإشعار باللطف ما لا يخفى وقرىء بكسر الزاءِ {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} كلمةُ مِنْ مزيدةٌ لتأكيد النفي أي ما يعزُب عنه ما يساوي في الثقل نملةً صغيرةً أو هباءً {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} أي في دائرة الوجودِ والإمكان فإن العامة لا تعرِف سواهما ممكناً ليس في أحدهما أو متعلِّقاً بهما، وتقديمُ الأرضِ لأن الكلامَ في حال أهلِها والمقصودُ إقامةُ البرهانِ على إحاطة علمِه تعالى بتفاصيلها وقوله تعالى: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} كلامٌ برأسه مقرِّرٌ لما قبله ولا نافيةٌ للجنس وأصغرَ اسمُها وفي كتاب خبرُها وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر (في كتاب). ومن عطفَ على لفظ مثقالِ ذرةٍ وجعل الفتحَ بدلَ الكسرِ لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعلَ الاستثناءَ منقطعاً كأنه قيل: لا يعزُب عن ربك شيءٌ ما، لكنْ جميعُ الأشياء في كتاب مبـين فكيف يعزُب عنه شيٌ منها؟ وقيل: يجوز أن يكون الاستثناءُ متصلاً ويعزُب بمعنى يَبـينُ ويصدُر والمعنى لا يصدُر عنه تعالى شيءٌ إلا وهو في كتابٌ مبـين. والمراد بالكتاب المبـين اللوحُ المحفوظ.

القشيري

تفسير : هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} في إمهال مَنْ أجْرَم، والعصْمِة لَمِنْ لم يُجْرِمْ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب} ما استفهامية فى محل الرفع على الابتداء وظن خبرها ومفعولاه محذوفان وزيادة الكذب مع ان الافتراء لا يكون الا كذبا لاظهار كمال قبح ما افتعلوه وكونه كذبا فى اعتقادهم ايضا {يوم القيمة} ظرف لنفس الظن اى أى شيء ظنهم فى ذلك اليوم يوم عرض الافعال والاقوال والمجازاة عليها مثقالا بمثقال والمراد تهويله وتفظيعه بهول ما يتعلق به ما يصنع بهم يومئذ {ان الله لذو فضل} عظيم {على الناس} جميعا حيث انعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح ورحمهم بانزال الكتب وارسال الرسل {ولكن اكثرهم لا يشكرون} تلك النعمة الجليلة فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم الى ما خلقت له ولا يتبعون دليل العقل فما يستبد به ولا دليل الشرع فيما لا يدرك الا به

الطوسي

تفسير : المعنى أي شيء يظن الذين يكذبون على الله انه يصيبهم يوم القيامة على افترائهم على الله، اي لا ينبغي ان يظنوا ان يصيبهم على ذلك الا العذاب والعقاب، وجعل ذلك زجراً عن الكذب على الله. ثم اخبر تعالى {إن الله لذو فضل على الناس} بما فعل بهم من ضروب النعم {ولكن أكثرهم لا يشكرون} نعمه ولا يعترفون به ويجحدونه. وهذا خرج مخرج التقريع على افتراء الكذب، وإن كان بصورة الاستفهام وتقديره ايؤديهم إلى خير ام شر؟. وافتراء الكذب أفحش من فعل الكذب بتزويره وتنميقه فالزاجر عنه اشد. وقيل: معنى قوله {لذو فضل على الناس} أي لم يضيق عليهم بالتحريم لما لا مصلحة لهم في تحريمه كما ادعيتم عليه. وقيل: معناه انه لذو فضل على خلقه بتركه معاجلة الكذاب بالعقوبة في الدنيا، وامهاله إياه إلى يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} ظرف مستقرّ حال من لفظة ما فانّه مفعول للظّنّ معنىً وفى معنى الحدث، وامّا تعلّقه بالظّنّ فانّه يفيد خلاف المقصود لانّ المقصود تهديدهم على اعتقادهم الحاصل المستتبع لاعمال منافية لاعتقاد الجزاء يوم القيامة، وتعلّقه بيفترون ايضاً مفسد للمعنى والمعنى، اىّ جزاءٍ مظنون الّذين يفترون على الله حال كونه ثابتاً يوم القيامة؟ او ظرف لغو بتقدير فى او اللاّم ومتعلّق بالظّنّ او بيفترون والمعنى، اىّ شيءٍ ظنّ الّذين يفترون فى حقّ يوم القيامة او ليوم القيامة؟ وقرئ ظنّ بلفظ الماضى وهذه الكلمة فى المبالغة والتّشديد فى التّهديد صارت كالمثل فى العرب والعجم، ولمّا بالغ فى التّهديد فى المتصرّفين بآرائهم فى احكام الله وقل من ينفكّ عن التّصرّف فى احكام الله قالاً او حالاً فى الصّغير او فى الكبير وصار المقام قريباً من مقام اليأس والمطلوب مزج الخوف مع الرّجاء حتّى لا يترك العاصى الاستغفار ولا يغتّر الرّاجى، فرض سؤالاً عن فضله تعالى ورحمته فأجاب بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} ما يتفضّل به عليهم وبعضهم يكفرون والاقلّ منهم يشكرون.

اطفيش

تفسير : {وما ظنُّ الذِينَ يفْترونَ عَلى الله الكَذبَ} ظن مصدر مضاف لفاعله {يَومَ} متعلق بظن أى ما ظن المفترين على الله يوم {القيامة} أيظنون أن لا يعاقبوا على الافتراء، وهذا وعيد عظيم حيث أبهم الأمر، فإنه قال بعد ذلك يعاقبهم أهول عقاب، وظنهم إن ظنوه فى ذلك اليوم باطل فى غاية الرداءة. وقرأ عيسى بن عمرو: وما ظن الذين بفتح نون ظن على أن ما مفعول لظن، وظن فعل ماض، أى به لأنه يوم القيامة واقع لا محالة، والذين فاعل، والاستفهام على كل حال توبيخ، ويجوز أن يكون يوم القيامة متعلق بمحذوف، أى ما ظنهم اليوم أن يفعل بهم يوم القيامة، فيكون الظن على هذا فى الدنيا كذا ظهر لى فتأمله. {إنَّ اللهَ لذُو فَضْلٍ} إنعام بالعقل والرسل، والكتب المبينة للحلال والحرام وبالإمهال {عَلى النَّاسِ ولكنَّ أكْثَرهم لا يشْكُرونَ} النعم بالائتمار والانتهاء.

اطفيش

تفسير : {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ علَى اللهِ الْكَذِبَ} هذا يتضمن وعيدا أَبهمه الله تهديدا وتهويلا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} متعلق بظن كما قرأَ عيسى ابن عمر وما ظن بصيغة الماضى على أَن الظن فى الدنيا أَو فى الآخرة، لتحقق الوقوع، فالظن يوم القيامة ومفعولا الظن محذوفان، أَى أَى شىءٍ ظنهم يوم القيامة أَنه لا يجازيهم على افترائِهم أَو يجازيهم جزاءً بسيرا، كلا لابد من الجزاءِ وشدته، أَو بمحذوف أَى ما ظنهم فى الدنيا أَنه لا يجازيهم يوم القيامة، وما استفهام على الجنس، وهو متعلق الظن وهو المظنون كأَنه لغرابته مجهول {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} كلهم بالإِمهال والإِنعام والعقل الذى يميزون به بين الحق والباطل وإِنزال الكتب والرسل وبالصحة والرزق {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} هذا الفضل ومن شكره التدبر والعمل به، فالنعم التى هى للاهتداءِ سبب للضلال، والقرآن المنزل للتصديق سبب للوقوع فى الكذب. شعر : إلى الماءِ يسعى من يغص بلقمة إِلى أَين يسعى من يغص بماءِ

الالوسي

تفسير : {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} كلام مسوق من جهته تعالى لبيان هول ما سيلقونه غير داخل تحت القول المأمور به، والتعبير عنهم بالموصول لقطع احتمال الشق الأول من الترديد والتسجيل عليهم بالافتراء، وزيادة الكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذلك لإظهار / كمال قبح ما افتعلوا وكونه كذباً في اعتقادهم أيضاً، و {مَا} استفهامية مبتدأ و {ظَنَّ} خبرها هو مصدر مضاف إلى فاعله ومفعولاه محذوفان. وقوله سبحانه: {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} ظرف لنفس الظن لا بيفترون لعدم صحته معنى ولا بمقدر لأن التقدير خلاف الظاهر، أي أي شيء ظنهم في ذلك اليوم أني فاعل بهم، والمقصود التهديد والوعيد، ويدل على تعلقه بالظن قراءة عيسى ابن عمر {وما ظن} بصيغة الماضي و {مَا} في هذه القراءة بمعنى الظن في محل نصب على المصدرية، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بذلك في القرآن لما ذكر، والعمل في الظرف المستقبل لا يمنع لتصييره الفعل نصاً في الاستقبال التجوز المذكور لأنه يقدر لتحققه أيضاً ماضياً، وقيل: الظرف متعلق بما يتعلق به ظنهم اليوم من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلاً له ولما يقع فيه من الأهوال لمكان وضوح أمره في التحقق والتقرر منزلة المسلم عندهم، أي أي شيء ظنهم لما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه أو يجازون جزاءً يسيراً ولذلك يفعلون ما يفعلون كلا إنهم لفي أشد العذاب لأن معصيتهم أشد المعاصي، والآية السابقة قيل متصلة بقوله سبحانه: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 31] الخ كأنه قيل: حيث أقروا أنه سبحانه الرازق قل لهم أرأيتم ما أنزل الله الخ ونقل ذلك عن أبـي مسلم، وقيل: بقوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } تفسير : [يونس: 57] الخ، وذلك أنه جل شأنه لما وصف القرآن بما وصفه وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرغب باغتنام ما فيه عقب ذلك بذكر مخالفتهم لما جاء به وتحريمهم ما أحل، وقيل: إنها متصلة بالآيات الناعية عليهم سوء اعتقادهم كأنه سبحانه بعد أن نعى عليهم أصولهم بين بطلان فروعهم، ولعل خير الثلاثة وسطها. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ} أي عظيم لا يقدر قدره ولا يكتنه كنهه {عَلَى ٱلنَّاسِ} جميعاً حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبين لهم ما لا تستقل عقولهم بإدراكه وأرشدهم إلى ما يهمهم من أمر المعاش والمعاد ورغبهم ورهبهم وشرح لهم الأحوال وما يلقاه الحائد عن الرشاد من الأهوال. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} ذلك الفضل فلا ينتفعون به، ولعل الجملة تذييل لما سبق مقرر لمضمونه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة{أية : قل أرأيتم}تفسير : [يونس: 59]، فهو كلام غير داخل في القول المأمور به، ولكنه ابتداء خطاب لجميع الناس. و{ما} للاستفهام. والاستفهام مستعمل في التعجيب من حالهم. والمقصود به التعريض بالمشركين ليستفيقوا من غفلتهم ويحاسبوا أنفسهم. ولذلك كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير(هم) مضافاً إليه الظن إما ضميرَ خطاب أو غيبة. فيقال: وما ظنكم أو وما ظنهم، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى الإتيان بالموصول بالصلة المختصة بهم للتنبيه على أن الترْديد بين أن يكون الله أذن لهم فيما حرَّموه وبين أن يكونوا مفترين عليه قد انحصر في القسم الثاني، وهو كونهم مفترين إذ لا مساغ لهم في ادعاء أنه أذن لهم، فإذ تعين أنهم مفترون فقد صار الافتراء حالهم المختص بهم. وفي الموصول إيذان بعلة التعجيب من ظنهم بأنفسهم يوم القيامة. وحذف مفعولا الظن لقصد تعميم ما يصلح له، أي ما ظنهم بحالهم وبجزائهم وبأنفسهم. وانتصب {الكذبَ} على المفعول المطلق، واللام فيه لتعريف الجنس، كأنه قيل كذباً، ولكنه عرف لتفظيع أمره، أي هو الكذب المعروف عند الناس المستقبح في العقول. و{يوم القيامة} منصوب على الظرفية وعامله الظن، أي ما هو ظنهم في ذلك اليوم أي إذا رأوا الغضب عليهم يومئذٍ ماذا يكون ظنهم أنهم لاقون، وهذا تهويل. وجملة: {إن الله لذو فضل على الناس} تذييل للكلام المفتتح بقوله: {أية : يا أيها الناس قد جاءتكم موْعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور}تفسير : [يونس: 57]. وفيه قطع لعذر المشركين، وتسجيل عليهم بالتمرد بأن الله تفضل عليهم بالرزق والموعظة والإرشاد فقابلوا ذلك بالكفر دون الشكر وجعلوا رزقهم أنهم يكذبون في حين قابله المؤمنون بالفرح والشكر فانتفعوا به في الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (60) - أَيُّ شَيءٍ يَكُونُ ظَنُّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، الذِي تُجْزَى فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ؟ أَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُتْرَكُونَ بِلا عِقَابٍ عَلَى جَرِيمَةِ افْتِرَاءِ الكَذِبِ عَلَى اللهِ، وَتَعَمُّدِهِ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ بِرُبُوبِيَّتِهِ؟ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ مَا خَلَقَهُ لَهُمْ مِنْ أَرْزَاقٍ، وَكُلِّ مَا شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الأَصْلَ فِيمَا أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ الإبَاحَةَ، وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ إلاّ مَا كَانَ ضَارّاً بِهِمْ، وَحَصَرَ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ وَالأَفْضَالِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : إِذا آتَاكَ اللهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِتفسير : ). (رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية توضح أن كل أمر بحساب، فالذين يفترون على الله الكذب سيجدون حسابهم يوم القيامة عسيراً، فالحق سبحانه منزّه عن الغفلة، ولو ظنوا أنه لا توجد آخرة ولن يوجد حساب؛ فهم يخطئون الظن. ولو استحضروا ما أعدَّه الله لهم من العذاب والنكال يوم القيامة لما فعلوا ذلك، ولكنهم كالظَّان بأن الله - سبحانه وتعالى - غافل عن أفعالهم، وكأنها أفعال لا حساب عليها، ولا كتابة لها، ولا رقيب يحسبها. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس: 60]. إن الله سبحانه متفضِّل على كل خَلْقه - وأنتم منهم - بأشياء كثيرة؛ فلم تحرمون أنفسكم من هذا الفضل؟! ولو شكرتم الله تعالى على هذا التفضل لزاد من عطائكم، لكنكم تنسون الشكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ...}.