١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
61
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم، وفي أمره بتحمل أذاهم، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين، وتمام الخوف والفزع للمذنبين، وهو كونه سبحانه عالماً بعمل كل واحد، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكاً وطاعة وزهداً وتقوى، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالماً بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام. فالأول: منهما قوله: {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } واعلم أن {مَا } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله، قال الأخفش: وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله، وفيه وجهان: قال ابن عباس: وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها. والثاني: منهما قوله تعالى: {وَمَا نتلوا منه من قرآن} واختلفوا في أن الضمير في قوله: {مِنْهُ } إلى ماذا يعود؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، وعلى هذا التقدير، فكان هذا داخلاً تحت قوله: {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } إلا أنه خصه بالذكر تنبيهاً على علو مرتبته، كما في قوله تعالى: { أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] وكما في قوله: { أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الأحزاب: 7] والثاني: أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير: وما تتلو من القرآن من قرآن، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر، يدل على التعظيم. الثالث: أن يكون التقدير: وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله. وأقول: قوله: {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة. والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولاً، ثم عمم الخطاب مع الكل، هو أن قوله: {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } وإن كان بحسب الظاهر خطاباً مختصاً بالرسول، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [الطلاق: 1] ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين. ثم قال تعالى: {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء، وعالم بكل شيء، أما على أصول أهل السنة والجماعة، فالأمر فيه ظاهر، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى. فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه. والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالماً به، فوجب كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، وأما على أصول المعتزلة، فقد قالوا: إنه تعالى حي وكل من كان حياً، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات، والموجب لتلك العالمية، هو ذاته سبحانه. فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات. أما قوله تعالى: {إِذْ تفيضون فِيهِ } فاعلم أن الإفاضة ههنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم، فتفرقوا. فإن قيل: {إِذْ } ههنا بمعنى حين، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهوداً حين تفيضون فيه، وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل. قلنا: هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبارة عن علمه، وهذا ممنوع، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه، وأما العلم، فلا يمتنع تقدمه على الشيء، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غداً كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها. واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد، فقال: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلاْرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ في كتاب مبين} وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل العزوب من البعد. يقال: كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل، والرجل سمي عزباً لبعده عن الأهل، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد. المسألة الثانية: قرأ الكسائي {وَمَا يَعْزُبُ } بكسر الزاي، والباقون بالضم، وفيه لغتان: عزب يعزب، وعزب يعزب. المسألة الثالثة: قوله: {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } أي وزن ذرة، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل، والمعنى: ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة، وهي تكون خفيفة الوزن جداً، وقوله: {فِي ٱلاْرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } فالمعنى ظاهر. فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ: { أية : عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [سبأ: 3]. قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع. ثم قال: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } وفيه قراءتان قرأ حمزة {وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ } بالرفع فيهما، والباقون بالنصب. واعلم أن قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ {مِثْقَالَ } عند دخول كلمة {مِنْ } عليه مجرور بحسب الظاهر، ولكنه مرفوع في المعنى، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجروراً إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف، فكان مفتوحاً / وإن عطف على المحل، وجب كونه مرفوعاً، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذا قوله: { أية : مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } تفسير : [الأعراف: 59] وغيره وقال الشاعر: شعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : هذا ما ذكره النحويون، قال صاحب «الكشاف»: لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب: وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله تعالى وأنه باطل. وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين: الوجه الأول: أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد. وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المخلوقة على قسمين: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول، مثل: الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالماً بها محيطاً بأحوالها، والغرض منه الرد على من يقول: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، وهو المراد من قوله: { أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29]. والوجه الثاني: في الجواب أن نجعل كلمة {إِلا } في قوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } استثناء منقطعاً لكن بمعنى هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب «النظم» عنه جواباً آخر فقال: قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } ههنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر، وهو قوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } أي وهو أيضاً في كتاب مبين. قال: والعرب تضع «إلا» موضع «واو النسق» كثيراً على معنى الابتداء، كقوله تعالى: { أية : لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ } تفسير : [النمل: 10] يعني ومن ظلم. وقوله: { أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [البقرة: 150] يعني والذين ظلموا، وهذا الوجه في غاية التعسف. وأجاب صاحب «الكشاف»: بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } على قوله: {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ } الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: {فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } وهذا الوجه اختيار الزجاج.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} «ما» للجحد؛ أي لست في شأن، يعني من عبادة أو غيرها إلا والربّ مطلع عليك. والشأن الخطب، والأمر، وجمعه شؤون. قال الأخفش: تقول العرب ما شأنْتُ شَأْنَه، أي ما عملت عمله. {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} قال الفرّاء والزجاج: الهاء في «منه» تعود على الشأن، أي تحدِث شأناً فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. وقال الطبري: «منه» أي من كتاب الله تعالى. «مِنْ قُرْآنٍ» أعاد تفخيماً؛ كقوله: {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ}. {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} يخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم والأُمة. وقوله: «وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ» خطاب له والمراد هو وأُمته؛ وقد يخاطَب الرسول والمراد هو وأتباعه. وقيل: المراد كفار قريش. {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} أي نعلمه؛ ونظيره {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}تفسير : [المجادلة: 7]. {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تأخذون فيه، والهاء عائدة على العمل؛ يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. قال الراعي:شعر : فأفَضْنَ بعد كُظومِهِنّ بجِرّة من ذي الأباطح إذ رَعَيْنَ حَقِيلاَ تفسير : ابن عباس: «تُفِيضُونَ فِيهِ» تفعلونه. الأخفش: تتكلمون. ابن زيد: تخوضون. ابن كَيسان: تنشرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدة على القرآن؛ المعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} قال ابن عباس: يغيب. وقال أبو رَوق: يبعد. وقال ابن كَيسان: يذهب. وقرأ الكسائيّ «يعزِب» بكسر الزاي حيث وقع؛ وضم الباقون؛ وهما لغتان فصيحتان؛ نحو يعرِش ويعرُش. {مِن مِّثْقَالِ} «من» صلة؛ أي وما يعزب عن ربك مثقال {ذَرَّةٍ}؛ أي وزن ذرّة، أي نميلة حمراء صغيرة، وقد تقدّم في «النساء». {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} عطف على لفظ مثقال، وإن شئت على ذرّة. وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفاً على موضع مثقال لأن من زائدة للتأكيد. وقال الزجاج: ويجوز الرفع على الابتداء. وخبره {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به. قال الجُرْجاني: «إلا» بمعنى واو النسق، أي وهو في كتاب مبين؛ كقوله تعالى: {أية : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ} تفسير : [النمل: 10] أي ومن ظلم. وقوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 150] أي والذين ظلموا منهم؛ فـ «إلا» بمعنى واو النسق، وأضمر هو بعده، كقوله: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ} تفسير : [البقرة: 58] أي هي حطّة. وقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} تفسير : [النساء: 171] أي هم ثلاثة. ونظير ما نحن فيه: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59] وهو في كتاب مبين.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} ولا تكون في أمر، وأصله الهمز من شأنت شأنه إذا قصدت قصده والضمير في {وَمَا تَتْلُو مِنْهُ} له لأن تلاوة القرآن معظم شأن الرسول، أو لأن القراءة تكون لشأن فيكون التقدير من أجله ومفعول تتلو {مِن قُرْءانٍ} على أن {مِنْ} تبعيضية أو مزيدة لتأكيد النفي أو للـ {قُرْءانَ}، وإضماره قبل الذكر ثم بيانه تفخيم له أو لله. {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم، ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير. {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} رقباء مطلعين عليه. {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} تخوضون فيه وتندفعون. {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ} ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا وفي «سبأ».{مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} موازن نملة صغيرة أو هباء. {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} أي في الوجود والإمكان فإن العامة لا تعرف ممكناً غيرهما ليس فيهما ولا متعلقاً بهما، وتقديم الأرض لأن الكلام في حال أهلها والمقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها. {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} كلام برأسه مقرر لما قبله {وَلاَ} نافية و {أَصْغَرَ} اسمها {وَفِى كِتَابٍ} خبرها. وقرأ حمزة ويعقوب بالرفع على الابتداء والخبر، ومن عطف على لفظ {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعل الاستثناء منقطعاً، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلمأنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة - في حقارتها وصغرها - في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين؛ كقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلاَْرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة في قوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} تفسير : [الأنعام: 38] الآية، وقال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] الآية، وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الشعراء:217-219] ولهذا قال تعالى: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: إذ تأخذون في ذلك الشيء، نحن مشاهدون لكم راؤون سامعون، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا تَكُونُ } يا محمد {فِى شَأْنٍ } أمر {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } أي من الشأن أو الله {مِن قُرْءَانٍ } أنزله عليك {وَلاَ تَعْمَلُونَ } خاطبه وأمته {مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } رقباء {إِذْ تُفِيضُونَ } تأخذون {فِيهِ } أي العمل {وَمَا يَعْزُبُ } يغيب {عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ } وزن {ذَرَّةٍ } أصغر نملة {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمآءِ وَلآ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلآ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَٱبٍ مُّبِينٍ } بيّن: هو اللوح المحفوظ.
ابن عطية
تفسير : قصد الآية وصف إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومعنى اللفظ {وما تكون} يا محمد ، والمراد هو وغيره {في شأن} من جميع الشؤون {وما تتلوا منه} الضمير عائد على {شأن} أي فيه وبسببه من قرآن، ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن، ثم عم بقوله {ولا تعملون من عمل} وفي قوله {إلا كنا عليكم شهوداً }، تحذير وتنبيه، و {تفيضون} تنهضون بجد، يقال: أفاض الرجل في سيره وفي حديثه، ومنه الإفاضة في الحج ومفيض القدام، ويحتمل أن " فاض " عدي بالهمزة، و {يعزب} معناه: يغيب حتى يخفى حتى قالوا للبعيد عازب، ومنه قول الشاعر [ابن مقبل ]: الطويل ] شعر : عوازب لم تسمع نبوح مقامه ولم تر ناراً تم حول محرم تفسير : وقيل للغائب عن أهله: عازب، حتى قالوه لمن لا زوجة له، وفي السير أن بيت سعد بن خيثمة كان يقال: بيت العزاب، وقرأ جمهور السبعة والناس " يعزُب " يضم الزاي، وقرأ الكسائي وحده منهم: " يعزِب " بكسرها وهي قراءة ابن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف، قال أبو حاتم: القراءة بالضم، والكسر لغة، و" المثقال ": الوزن، وهو اسم، لا صفة كمعطار ومضراب والذر: صغار النمل، جعلها الله مثالاً إذ لا يعرف في الحيوان المتغذي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه، وقرأ جمهور الناس وأكثر السبعة: "ولا أصغرَ ولا أكبرَ" بفتح الراء عطفاً على {ذرة} في موضع خفض لكن منع من ظهوره امتناع الصرف، وقرأ حمزة وحده: "ولا أصغر ولا أكبر" عطفاً على موضع قوله {مثقال }، لأن التقدير وما يعزب عن ربك مثقال ذرة، و"الكتاب المبين": اللوح المحفوظ، كذا قال بعض المفسرين، ويحتمل أن يريد تحصيل الكتبة، ويكون القصد ذكر الأعمال المذكورة قبل، وتقديم "الأصغر" في الترتيب جرى على قولهم: القمرين والعمرين، ومنه قوله تعالى: {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} تفسير : [ الكهف: 49] والقصد بذلك تنبيه الأقل وأن الحكم المقصود إذا وقع على الأقل فأحرى أن يقع على الأعظم، و {ألا} استفتاح وتنبيه، و {أولياء الله} هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى فهو داخل في أولياء الله، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي، وإنما نبهنا هذا التنبيه حذراً من بعض الوصفية وبعض الملحدين في الولي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : أنه إذ سئل عن أولياء الله؟ فقال: الذين إذا رأيتهم ذكرت الله . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: "حديث : أولياء الله قوم تحابوا في الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه تفسير : وقوله {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يحتمل أن يكون في الآخرة، أي لا يهتمون بهمها ولا يخافون عذاباً ولا عقاباً ولا يحزنون لذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أي لا يخافون أحداً من أهل الدنيا ولا من أعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي الذي هو في فوت آمالها وزوال منازلها وكذلك في الحزن، وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث من الأولياء الذين إذا رآهم أحد ذكر الله، وروي فيهم حديث: "حديث : إن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله وتجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم، فهم في عرصة القيامة لا يخافون ولا يحزنون" تفسير : . وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال" تفسير : ، الحديث، ثم قرأ {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، وقوله {الذين آمنوا } يصح أن يكون في موضع نصب على البدل من الأولياء، ويصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء على تقديرهم الذين، وكثيراً ما يفعل ذلك بنعت ما عملت فيه " أن " إذا جاء بعد خبرها، ويصح أن يكون {الذين} ابتداء وخبره في قوله {لهم البشرى}، وقوله {وكانوا يتقون } لفظ عام في تقوى الشرك والمعاصي.
النسفي
تفسير : {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } «ما» نافية والخطاب للنيي صلى الله عليه وسلم والشأن الأمر {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } من التنزيل كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل {مِن قُرْءانٍ } لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له أو من الله عز وجل {وَلاَ تَعْمَلُونَ } أنتم جميعاً {مِنْ عَمَلٍ } أي عمل {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } شاهدين رقباء نحصي عليكم {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } تخوضون من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } وما يبعد وما يغيب، وبكسر الزاي: على حيث كان {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } وزن نملة صغيرة {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } رفعهما حمزة على الابتداء والخبر {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } يعني اللوح المحفوظ، ونصبهما غيره على نفي الجنس، وقدمت الأرض على السماء هنا وفي «سبأ» قدمت السماوات، لأن العطف بالواو وحكمه حكم التثنية {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ } هم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، أو هم الذين تولى الله هداهم بالبرهان الذي آتاهم فتولوا القيام بحقه والرحمة لخلقه، أو هم المتحابون في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، أوهم المؤمنون المتقون بدليل الآية الثانية {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إذا خاف الناس {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } إذا حزن الناس {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } منصوب بإضمار أعني أو لأنه صفة لأولياء، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والمعاصي {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير موضع من كتابه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة»تفسير : وهذا لأن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة، وكان في ستة أشهر منها يؤمر في النوم بالإنذار، وستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءاً، أو هي محبة الناس له والذكر الحسن، أولهم البشرى عند النزع بأن يرى مكانه في الجنة {وَفِي ٱلآخِرَةِ } هي الجنة {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده {ذٰلِكَ } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } وكلتا الجملتين اعتراض، ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام كما تقول «فلان ينطق بالحق والحق أبلج»وتسكت .
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده والشأن الخطب والحال والأمر الذي يتفق ويصلح ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور والجمع الشؤون تقول العرب ما شأن فلان أي ما ماله. والشأن اسم إذا كان بمعنى الخطب والحال ويكون مصدراً إذا كان معناه القصد والذي في هذه الآية يجوز أن يكون المراد به الاسم. قال ابن عباس: معناه، وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر؟ وقال الحسن: في شأن من شؤون الدنيا وحوائجك ويجوز أن يكون المراد منه القصد يعني قصد الشيء وما تتلو منه من قرآن. اختلفوا في الضمير في منه إلى ماذا يعود فقيل: يعود إلى الشأن إذا تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو أعظم شؤونه، فعلى هذا يكون داخلاً تحت قوله تعالى: وما تكون في شأن إلا أنه سبحانه وتعالى خصة بالذكر لشرفه وعلو مرتبته. وقيل: إنه راجع إلى القرآن لأنه قد تقدم ذكره في قوله سبحانه وتعالى قل بفضل الله وبرحمته، فعلى هذا يكون المعنى وما تتلو من القرآن من قرآن يعني من سورة وشيء منه لأن لفظ القرآن يطلق على جميعه وعلى بعضه. وقيل: الضمير في منه راجع إلى الله والمعنى وما تتلو من الله من قرآن نازل عليك. وأما قوله سبحانه وتعالى: {ولا تعملون من عمل} فإنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته داخلون فيه ومرادون به، لأن من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس قوم وكبيرهم، كان القوم داخلين في ذلك الخطاب. ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: ولا تعملون من عمل على صيغة الجمع فدل على أنهم داخلون في الخطابين الأولين وقوله سبحانه وتعالى: {إلا كنا عليكم شهوداً} يعني شاهدين لأعمالكم وذلك لأن الله سبحانه وتعالى شاهد على كل شيء وعالم بكل شيء أنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى فكل ما يدخل في الوجود من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في علمه وهو شاهد عليه {إذ تفيضون فيه} يعني أن الله سبحانه وتعالى شاهد عليكم حين تدخلون وتخوضون في ذلك العمل. والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه. وقال ابن الأنباري: معناه إذ تدفعون فيه وتبسطون في ذكره. وقيل: الإفاضة: الدفع بكثرة. وقال الزجاج: تنشرون فيه. يقال: أفاض القوم في الحديث، إذا انتشروا فيه {وما يعزب عن ربك} يعني: وما يبعد ويغيب عن ربك يا محمد من عمل خلقه شيء لأنه عالم به وشاهد عليه. وأصل العزوب: البعد. يقال منه كلام عازب إذا كان بعيد المطلب {من مثقال ذرة} يعني وزن ذرة والمثقال: الوزن. والذرّة: النملة الصغيرة الحمراء وهي خفيفة الوزن جداً {في الأرض ولا في السماء} فإن قلت: لمَ قدم ذكر الأرض على السماء هنا وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ وما فائدة ذلك؟ قلت: كان حق السماء أن تقدم على الأرض كما في سورة سبأ إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ثم وصل ذلك بقوله وما يعزب عن ربك حسن تقديم الأرض على السماء في هذا الموضع لهذه الفائدة {ولا أصغر من ذلك} يعني من الذرة {ولا أكبر} يعني منها {إلا في كتاب مبين} يعني في اللوح المحفوظ. قوله سبحانه وتعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} اعلم أننا نحتاج أولاً في تفسير هذه الآية أن نبين من يستحق اسم الولاية ومن هو الولي فنقول: اختلف العلماء فيمن يستحق هذا الاسم فقال ابن عباس في هذه الآية هم الذين يذكر الله لرؤيتهم وروى الطبري بسنده عن سعيد بن جبير مرسلاً قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله فقال هم الذين إذ رؤوا ذكر الله" تفسير : وقال ابن زيد: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ولن يتقبل الإيمان إلا بالتقوى. وقال قوم: هم المتحابون في الله. ويدل على ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا بشهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟. قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتقاطعونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"تفسير : أخرجه أبو داود. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"تفسير : أخرجه مسلم. عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : قال الله تعالى: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"تفسير : أخرجه الترمذي. وروى البغوي بسنده حديث : عن أبي مالك الأشعري. قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إن لله عبيداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة". قال: وفي ناحية القوم أعرابي، فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم البشر فقال "هم عباد من عباد الله ومن بلدان شتى وقبائل شتى لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ولا دنيا يتبادلون بها يتحابون بروح الله يجعل وجوههم نوراً ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس لو يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون"تفسير : . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تبارك وتعالى إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم"تفسير : هكذا ذكره البغوي بغير سند، وروى الطبري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"تفسير : الغبطة نوع من الحسد إلا أن الحسد مذموم والغبطة محمودة والفرق بين الحسد والغبطة أن الحاسد يتمنى زوال ما على المحسود من النعمة ونحوها والغبطة هي أن يتمنى الغابط مثل تلك النعمة التي هي على المغبوط من غير زوال عنه. وقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله هدايتهم وتولوا القيام بحق العبودية لله والدعوة إليه. وأصل الولي من الولاء وهو القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض عليه ويكون مشتعلاً بالله مستغرق القلب في معرفة نور جلال الله فإن رأى رأى دلائل قدرة الله وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله وإن تحرك تحرك في طاعة الله وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه إلى الله لا يفتر عن ذكر الله ولا يرى بقلبه غير الله، فهذه صفة أولياء الله وإذا كان العبد كذلك كان الله وليه وناصره ومعينه قال الله تعالى:{أية : الله ولي الذين آمنوا }تفسير : [البقرة: 257] وقال المتكلمون: ولي الله من كان آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة وإليه الإشارة بقوله {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وهو أن الإيمان مبني على جميع الاعتقاد والعمل ومقام التقوى هو أن يتقي العبد كل ما نهى الله عنه وقوله سبحانه وتعالى: لا خوف عليهم، يعني في الآخرة إذ خاف غيرهم ولا هم يحزنون يعني على شيء فاتهم من نعيم الدنيا ولذاتها. قال بعض المحققين: زوال الخوف والحزن عنهم إنما يحصل لهم في الآخرة لأن الدنيا لا تخلو من هم وغم وأنكاد وحزن. قال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب من الله ودوام الاشتغال بالله وإذا كان العبد بهذه الحالة فلا يخاف من شيء ولا يحزن على شيء لأن مقام الولاية والمعرفة منعه من أن يخاف أو يحزن. وأما قوله سبحانه وتعالى {الذين آمنوا وكانوا يتقون} فقد تقدم تفسيره وأنه صفة لأولياء الله.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {شأن} بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف {يعزب} بالكسر حيث كان: علي. الباقون بالضم. {ولا أصغر} {ولا أكبر} بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل. الآخرون بالنصب. الوقوف: {تفيضون فيه} ط {مبين} ه {يحزنون} ه ج لأن {الذين} يصلح صفة {لأولياء} ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على {يتقون} أو مبتدأ خبره {لهم البشرى} فلا يوقف على {يتقون} {وفي الآخرة} ط {لكلمات الله} ط {العظيم} ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى {أولياء} وقول الأولياء لا يحزن الرسول. {قولهم} م لئلا يوهم أن قوله: {إن العزة} مقول الكفار. {جميعاً} ط {العليم} ه {الأرض} ط {شركاء} ط {يخرصون} ه {مبصراً} ط {يسمعون} ه {سبحانه} ط {الغني} ط {وما في الأرض} ط {بهذا} ط {ما لا تعلمون} ه {لا يفلحون} ه ط، {يكفرون} ه. التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه سبحانه عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: {وما تكون} يا محمد {في شأن} أي أمر من الأمور. وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده. قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر. وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في {وما تكون} {وما تتلو} نافية والضمير في {منه} إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله:{أية : وملائكته وجبريل وميكال} تفسير : [البقرة: 98] وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن. ثم عمم الخطاب فقال: {ولا تعملون} أيها المكلفون {من عمل} أيّ عمل كان {إلا كنا عليكم شهوداً} شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون {إذ تفيضون فيه} الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله:{أية : فإذا أفضتم من عرفات}تفسير : [البقرة: 198] قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها. والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين. ثم زاد في التعميم فقال: {وما يعزب عن ربك} أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل. ومعنى {مثقال ذرة} قد مر في قوله:{أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة}تفسير : [النساء: 140] وذلك في سورة النساء. والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة. وإنما قال ههنا {في الأرض ولا في السماء} خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب. ثم بالغ في تعميم علمه فقال: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل {من مثقال} لأنه فاعل {يعزب} فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال. ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض. وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين. وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه تعالى غير عالم بالجزيئات. أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين. وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: {ولا أكبر} ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: {إلا في كتاب} أي وهو أيضاً في كتاب {مبين} والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله:{أية : إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم}تفسير : [النمل: 11] يعني ومن ظلم. وقوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا} يعني والذين ظلموا. ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: {ألا إن أولياء الله} الآية. والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه تعالى لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله. قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه. وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله تعالى في وصفهم {الذين آمنوا} وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية. {وكانوا يتقون} وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية. وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة. وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله؟ فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم. يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة. وعن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله. قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية ". تفسير : يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة. ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟ فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله. ثم أخبر الله سبحانه عنهم بأن {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه{أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات}تفسير : [البقرة: 25]{أية : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات}تفسير : [التوبة: 21] وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن. عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس. قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه. ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله. وقيل: هي الرؤيا الصالحة. وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" تفسير : وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي صلى الله عليه وسلم استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر. ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك. وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت{أية : تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة}تفسير : [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة {لا تبديل لكلمات الله} لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" {ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام. تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: {لا تبديل لكلمات الله}يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله. ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: {ولا يحزنك} أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: {ألا إن أولياء الله} أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: {ولا يحزنك قولهم} أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح. ثم استأنف قوله: {إن العزة لله} كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟ فقيل: لأن العزة لله. {جميعاً} إن الغلبة والقهر له ولحزبه{أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} تفسير : [المجادلة: 21] وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واثقاً بوعد الله تعالى في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها. ثم أكد الوعد بقوله: {هو السميع العليم} يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم. ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له. ثم أكد هذا المعنى بقوله: {وما يتبع} "ما" نافية ومفعول {يدعون} محذوف أي ليس يتبع {الذين يدعون من دون الله شركاء} شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال. وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول {يدعون} والثاني مفعول {يتبع} ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون. و {شركاء} على هذا نصب بـ {يدعون} ولا حاجة إلى إضمار. ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم. ثم زاد في التأكيد فقال: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} وقد مر مثله في سورة الأنعام. ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} طلباً للراحة {والنهار مبصراً} ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تأمل وتدبر وقبول. ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه} وقد مر في "البقرة". ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: {هو الغني} وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل. وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع. ثم بالغ في البرهان فقال: {له ما في السموات وما في الأرض} وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك. ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: {إن عندكم من سلطان بهذا} أي ما عندكم من حجة بهذا القول. قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: {إن عندكم} على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز. كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان. أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على". ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: {أتقولون على الله ما لا تعلمون}. ثم أوعدهم على افترائهم فقال: {قل إن الذين يفترون} الآية. ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك {متاع قليل} في الدنيا. ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه. التأويل: {وما تكون في شأن} من النبوة {وما تتلوا} من شأن النبوة {من قرآن} {ولا تعملون} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم {من عمل} من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر. {ولا في السماء} أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة {ولا أصغر} من الحركة وهو القصد دون الفعل {ولا أكبر} من النية وهو العمل {ألا إن أولياء الله} الذين هم أعداء النفوس {لا خوف عليهم} من تمني النظر بنفوسهم {ولا هم يحزنون} على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم {لهم البشرى في الحياة الدنيا} بالوقائع والمبشرات {وفي الآخرة} بكشف القناع عن جمال العزة. {لا تبديل لكلمات الله} لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً {ولا يحزنك} يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك {إن العزة لله جميعاً} يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "حديث : وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" تفسير : {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية {إن يتبعون إلا الظن} أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا {هو الذي جعل لكم} ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات {لقوم يسمعون} حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية. ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد. وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى {له ما في السموات} الروحانية من الكشوف والأحوال {وما في الأرض} البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات {إن الذين يفترون} هم النفوس الأمارة بالسوء {لا يفلحون} لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الآية. لمَّا أورد الدلائل على فساد مذاهب الكُفَّار، وأمر الرسول بالجواب عن شبهاتهم، وتحمُّل أذاهُم، والرِّفْقِ بهم، ذكر هذا الكلام ليحصل به تمامُ السُّرور للمُطيعين، وتمامُ الخوف للمذنبين، وهو كونه تعالى عالماً بعمل كل واحدٍ، وما في قلبه من الدَّواعي والصَّوارف. قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ} "ما" نافية في الموضعين؛ ولذلك عطف بإعادة "ما" النَّافية، وأوجب بـ "إلا" بعد الأفعال؛ لكونها منفيةٌ، و "فِي شَأنٍ" خبر "تكُون" والضميرُ في "منه" عائدٌ على "شأن" و "مِن قُرآنٍ" تفسيرٌ للضَّمير، وخُصَّ من العموم؛ لأنَّ القرآنَ هو أعظمُ شئونه صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: يعود على التنزيل، وفُسِّر بالقرآن؛ لأنَّ كلَّ جزء منه قرآن، وقال أبو البقاء: "من الشَّأن" أي: مِنْ أجْلِهِ، و "مِنْ قُرآن" مفعول "تَتْلُوا" و "مِنْ" زائدةٌ. يعنى: أنَّها زيدتْ في المفعول به، و "مِنْ" الأولى جارَّةٌ للمفعول من أجله، تقديره: وما تتلُو من أجل الشَّأنِ قُرآناً، وزيدَتْ لأنَّ الكلامَ غير موجبٍ، والمجرور نكرةٌ. وقال مكِّي: "منه" الهاء عند الفرَّاء تعُود على الشَّأن على تقدير حذف مضافٍ، تقديره: وما تتلو من أجْلِ الشَّأنِ، أي: يحدثُ لك شأنٌ، فتتلُوا القرآن من أجله. والشَّأنُ: مصدر شَأنَ يَشْأنُ شأنَهُ، أي: قصد يَقْصِدُ قَصْدَهُ، وأصله الهمز، ويجوز تخفيفه، والشأن أيضاً: الأمرُ، ويجمعُ على شئون، والشأنُ: الحال، تقول العرب: ما شأن فلان؟ أي: ما حاله، قال الأخفش: وتقول العرب: ما شأنْتُ شأنهُ، أي: ما عملت عمله، قال ابن عبَّاس: وما تكونُ يا محمَّدُ في شأن، أي: في عملٍ من أعمالِ البِرِّ، وقال الحسن: في شأن من شأن الدُّنْيَا. قوله: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} هذا خطابٌ للنبي وأمَّتِهِ، وخُصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخطاب أوَّلاً، ثم عُمِّمَ الخطاب مع الكلِّ؛ لأنَّ تخصيصهُ وإن كان في الظَّاهر مُخْتَصّاً بالرسول، إلاَّ أنَّ الأمَّة داخلُون فيه؛ لأنَّ رئيس القوم إذا خُوطب دخل قومُهُ في ذلك الخطاب؛ كقوله: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ}تفسير : [الطلاق:1]. قوله: "إِلاَّ كُنَّا" هذه الجملةُ حاليةٌ، وهو استثناء مفرَّغ، ووليَ "إلا" هنا الفعلُ الماضي دون "قَدْ" لأنَّه قد تقدَّمها فعلٌ، وهو مُجَوِّزٌ لذلك، وقوله: "إذْ" هذا الظرفُ معمول لـ "شُهُوداً" ولمَّا كانت الأفعالُ السَّابقةُ المرادُ بها الحالةُ الدَّائمةُ، وتنسحبُ على الأفعالِ الماضيةِ، كان الظَّرفُ ماضياً، وكان المعنى: وما كنت، وما تكون، وما عملتم، إلاَّ كُنَّا عليكم شُهُوداً، إلاَّ أفضتُم فيه، و "إذا" تُخَلِّصُ المضارع لمعنى الماضي، ومعنى "تُفِيضُونَ" أي: تدخلون فيه وتفيضون، والإفاضة: الدُّخُول في العملِ، يقال: أفاض القوم في الحديث؛ إذا اندفعُوا فيه، وقد أفَاضُوا من عرفة؛ إذا دفعوا منها بكثرتهم. فإن قيل: "إذ" ههنا بمعنى: "حين"، فيصير التقدير: إلاَّ كُنَّا عليكم شُهُوداً حين تفيضون فيه، وشهادة الله - تعالى - عبارة عن علمه؛ فيلزم منه أنَّه - تعالى - ما علم الأشياءَ إلاَّ عند وجودها، وذلك باطلٌ. فالجواب: أنَّ هذا السُّؤال بناءً على أن شهادة الله عبارةٌ عن علمه، وهذا ممنوعٌ؛ فإنَّ الشهادة لا تكون إلاَّ عند المشهود عليه، أمَّا العلم فلا يمتنع تقدُّمه على الشَّيءِ، ويدلُّ على ذلك أنَّ الرسول لو أخبرنا عن زيدٍ أنَّهُ يأكل غداً، كنا من قبل حُصُول تلك الحالةِ عالمين بها، ولا نُوصفُ بكوننا شاهدين بها. قوله - تعالى -: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} قرأ الكسائيُّ هنا، وفي سبأ [سبأ 3]: "يَعْزِب" بكسر الزَّاي، والباقون بضمها، وهما لغتان في مضارع "عَزَبَ"، يقال: عَزَب يَعْزِب ويَعْزُب. أي: غَابَ حَتَّى خَفِي، ومنه الروض العازبُ؛ قال أبو تمام: [الطويل] شعر : 2910- وقَلْقلَ نأيٌ مِنْ خُراسانَ جَأشهَا فقُلْتُ: اطمئنِّي، أنْضَرُ الرَّوضِ عازبُهْ تفسير : وقيل للغائب عن أهله: "عازِب"، حتَّى قالوا لِمَنْ لا زوج له: عازب. وقال الرَّاغب: "العازِبُ: المُتباعدُ في طلب الكلأ، ويقال: رجل عزبٌ وامرأة عزبةٌ، وعزبَ عند حلمه، أي: غاب، وقوم مُعزَّبُون، أي: عَزبتْ عنهم إبلُهُم" وفي الحديث: "حديث : مَنْ قرأ القرآن في أربعين يوماً، فقد عزَّب"تفسير : ، أي: فقد بعُد عهدُه بالختمة، وقال قريباً منه الهرويُّ، فإنَّه قال: "أي: بعد عهده بما ابتدأ منه، وأبْطَأ في تلاوته، وفي حديث أم معبد: "والشَّاءُ عازبٌ حيال". قال: والعَازِبُ: البعيدُ الذهابِ في المَرْعَى، والحَائِلُ: التي ضربها الفَحْلُ، فلمْ تَحْمل لِجُدوبَةِ السَّنة، وفي الحديث أيضاً: "حديث : أصْبَحْنَا بأرضٍ عزوبَةٍ صَحْراءَ"تفسير : ، أي: بعيدةِ المرعى. ويقال للمالِ الغائب: عازِب، وللحاضر: عاهن، والمعنى في الآية: وما يَبْعُد، أو ما يَخْفَى، أو ما يغيبُ عن ربِّك. و "مِن مِّثْقَالِ" فاعل، و "مِنْ": مزيدةٌ فيه، أي: ما يبعد عنه مثقالُ، والمثقالُ هنا: اسمٌ لا صفةٌ، والمعنيُّ به الوزنُ، أي: وزن ذرَّة، ومثقال الشَّيءِ: ما يُساويهِ في الثِّقل، والمعنى: ما يساوي ذرَّة، والذرُّ: صغارُ النَّملِ واحدها ذرَّة، وهي تكون خفيفة الوزن جدَّاً. فإن قيل: لِمَ قدَّم الله ذكر الأرض هنا على ذكر السماء، مع أنَّهُ قال في سبأ: {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [سبأ:3]؟ فالجواب: حقُّ السَّماءِ أن تقدَّم على الأرض، إلاَّ أنه - تعالى - لمَّا ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل بذلك قوله: لا يعزُب عنه؛ ناسب أن تقدم الأرض على السَّماء في هذا الموضع. قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} قرأ حمزة: برفع راء "أصغر" و "أكبر"، والباقون: بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان: أحدهما: - وعليه أكثر المعربين - أنَّهُ جرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ؛ لأنَّه لا ينصرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجْلِ عطفه على المجرور، وهو: إمَّا "مِثْقَالُ"، أو "ذَرَّةٍ". وأمَّا الوجه الثاني: فهو أنَّ "لا" نافيةٌ للجنس، و "أصْغَرَ" و "أكْبَرَ" اسمها، فهما مبنيَّان على الفتح. وأمَّا الرَّفْعُ فمن وجهين: أشهرهما عند المعربين: العطفُ على محلِّ "مثقال" إذ هو مرفوعٌ بالفاعليَّة، و "مِنْ" مزيدة فيه؛ كقولك: "مَا قَامَ مِنْ رجُلٍ ولا امرأةٍ" بجرِّ "امرأة" ورفعها. والثاني: أنَّهُ مبتدأ، قال الزمخشري: والوجهُ النَّصْبُ على نفي الجنس، والرَّفعُ على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، وفي العطف على محلِّ "مثقالُ ذرَّةٍ"، أو على لفظ "مِثقال ذرَّةٍ" فتحاً في موضع الجرِّ؛ لامتناع الصَّرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولك: "لا يعزُب عنه شيءٌ إلاَّ في كتاب" مشكل؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله، ويصير التقدير: إلا في كتاب مبينٍ فيعزبُ، وهو باطلٌ، وهذان الوجهان اختيار الزَّجَّاج. وقد يزول هذا الإشكالُ بما ذكره أبو البقاءِ: وهو أن يكون "إلاَّ في كتابٍ" استثناءً منقطعاً، قال: "إلاَّ في كتابٍ؛ أي: إلاَّ هو في كتابٍ، والاستثناءُ منقطع". قال ابن الخطيب: "أجاب بعضُ المحقِّقين من وجهين: أحدهما: أن الاستثناء منقطع. والآخر: أن العُزُوب عبارةٌ عن مطلق البعد، والمخلوقات قسمان: أحدهما: قسمٌ أوجده الله ابتداءً من غير واسطةٍ، كالملائكةِ، والسمواتِ، والأرضِ. وقسمُ أوجدهُ بواسطةِ القسم الأوَّلِ، مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلة العلِّية والمعلُوليَّة عن مرتبة وجود واجب الوجود، فالمعنى: لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرَّة في الأرض، ولا في السماء، إلا وهو في كتاب مبين كتبه الله، وأثبت فيه صور تلك المعلومات". قال شهاب الدين: "فقد آل الأمرُ إلى أنَّهُ جعله استثناء مفرَّغاً، وهو حالٌ من "أصْغَرَ" و "أكبر"، وهو في قوَّة الاستثناء المتَّصل، ولا يقال في هذا: إنَّه متَّصلٌ ولا منقطع إذ المُفرَّغُ لا يقال فيه ذلك. وقال الجرجانيُّ: "إلاَّ" بمعنى: "الواو"، والتقدير: "وما يعزُب عن ربِّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السَّماء ولا أصْغر من ذلك ولا أكبر" وههنا تمَّ الكلام وانقطع، ثم ابتدأ بقوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ "إلاًَّ" موضع واو النَّسق؛ كقوله: {أية : إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء:148] {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}تفسير : [البقرة:150]. وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنَّهُ شيءٌ قال به الأخفش، ولم يثبُتْ ذلك بدليلٍ صحيح. وقال أبو شامة: ويزيل الإشكال أن تُقدِّر قبل قوله: "إلاَّ في كتاب" "ليس شيء من ذلك إلاَّ في كتاب" وكذا تقدر في آية الأنعام [الأنعام:59]. ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يقوي قول من يقول: إنَّه معطوفٌ على "مِثْقَال"، ويُبَيِّنه أن "مثقال" فيها بالرَّفع؛ إذ ليس قبله حرفُ جرٍّ. وقد تقدَّم الكلامُ على نظير هذه المسألة في سورة الأنعام، في قوله: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ}تفسير : [الأنعام:59] إلى قوله: {أية : إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام:59] وأنَّ صاحب النَّظم الجرجانيَّ أحال الكلام فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأنَّ أبا البقاء قال: "لوْ جعَلْنَاهُ كذا، لفسد المعنى". وتقدَّم بيانُ فساده، والجواب عنه هناك، فالتفت إليه [الأنعام:59]. قوله: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ} الآية. اختلفوا فيمن يستحقُّ هذا الاسم. فقال بعضهم: هم الذين ذكرهم اللهُ في كتابه، بقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. وقال قوم: هم المتحابُّون في الله، لما روى أبو مالك الأشعري، قال: حديث : كنتُ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ للهِ عباداً ليْسُوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطُهُم النبيون والشُّهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامةِ"، قال: وفي ناحية المسجدِ أعرابي، فجثا على ركبتيه، ورمى بيديه، ثم قال: حدِّثنا يا رسول الله عنهم، قال: فرأيتُ في وجهِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم البشر؛ فقال: "هُم عبادٌ من عبادِ اللهِ، من بلدانٍ شتَّى، وقبائل شتَّى لَمْ يكُنْ بينهُمْ أرحامٌ يتواصلون بها، ولا دُنْيَا يتباذلُون بها، يتحابُّون برُوحِ اللهِ، يجعل الله وجُوههُم نُوراً، ويجعل لهم منابر من لؤلؤٍ قدَّام الرحمن، يفزع الناسُ ولا يفزعُون، ويخافُ النَّاسُ ولا يخافُون" . تفسير : قال أبو بكر الأصم: أولياء الله: هم الذين تولَّى الله هدايتهم بالبرهان وتولَّوُا القيامَ بحق العُبُوديَّةِ لله، والدَّعوة إليه. واعلم: أنَّ تركيب الواو، واللاَّم، والياءِ يدل على معنى القرب، فوليُّ كلِّ شيء هو الذي كون قريباً منه، والقُرْب من الله - تعالى - بالمكان والجهة محالٌ؛ فالقرب منه إنَّما يكونُ، إذا كان القلبُ مُسْتَغْرقاً في نُور معرفة الله - تعالى -، فإنْ رأى، رأى دلائلَ قُدْرَةِ الله، وإن سمع، سمع آيات الله، وإن نطقَ، نطقَ بالثناء على الله، وإن تحرَّك، تحرَّك في خدمة الله، وإن اجتهد، اجتهد في طاعةِ الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله؛ فحينئذ يكون وليّاً. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في محلِّه أوجهٌ: أحدها: أنَّه مرفوعٌ خبر مبتدأ مضمر، أي: هم الذي آمنوا، أو خبر ثان لـ "إنَّ"، أو مبتدأ، والخبر الجملةُ من قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ}، أو على النَّعْت على موضع "أوْليَاء" لأنَّ موضعه رفعٌ بالابتداء قبل دخول "إنَّ"، أو بدل من الموضع أيضاً، ذكرهما مكِّي، وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين؛ لأنَّهم يجرُون التَّوابع كلَّها مجرى عطف النَّسق في اعتبار المحلِّ. وقيل: محله الجرُّ بدلاً من الهاءِ، والميم في "عليهم". وقيل: منصوبُ المحلِّ نعتاً لـ "أولياء"، أو بدلاً منهم على اللفظِ، أو على إضمار فعلٍ لائقٍ وهو "أمدحُ"، فقد تحصَّل فيه تسعةُ أوجهٍ: الرفعُ من خمسة، والجرُّ من وجه واحد، والنَّصبُ من ثلاثة، وإذا لم تجعل الجملة من قوله: "لهُمُ البُشْرَى" خبراً لـ "الَّذين" جاز فيها الاستئنافُ، وأن تكون خبراً ثانياً لـ "إنَّ" أو ثالثاً. قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} روى عبادة بن الصَّامت، قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى -: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} قال: هي الرُّؤيا الصَّالحةُ، يراها المسلمُ أو تُرى لهُ. وروى أبو هريرة قال: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَمْ يَبْقَ من النُّبُوَّة إلاَّ المُبشِّرات" قالوا: وما المبشراتُ؟ قال: "الرُّؤيا الصَّالحة". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: حديث : الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءاً من النُّبوَّةِ. تفسير : وقيل: البُشْرَى في الدُّنيا هي: الثَّناءُ الحسن، وفي الآخرة: الجنَّة؛ لما روى أبو ذرٍّ، قال: قلت يا رسُول الله: الرَّجل يعمل لنفسه، ويحبُّه الناس، قال: تلك عاجلُ بُشْرَى المؤمِن. وقال الزهريُّ، وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله - تعالى عند الموت، قال - تعالى -: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}تفسير : [فصلت:30]. وروى عطاء نحوه، عن ابن عباسٍ. وقال الحسن: هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنَّته، وكريم ثوابه، كقوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ}تفسير : [البقرة:25] {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة:223] {أية : وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}تفسير : [فصلت:30]. وقيل: بشَّرهم في الدُّنيا بالكتاب والرسُول أنهم أولياء الله، وبشَّرهم في القبور، وفي كتب أعمالهم بالجنَّة. قوله: {فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}: يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنَّه متعلقٌ بالبشرى، أي: البشرى تقع في الدُّنيا، كما فُسِّرت بالرُّؤيا الصَّالحة. والثاني: أنَّها حالٌ من "البُشْرَى" فتتعلق بمحذوف، والعاملُ في الحال الاستقرارُ في "لهم" لوقوعه خبراً. قوله: "لا تبْديلَ" جملةٌ مستأنفةٌ، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده. وقوله: "ذَلِكَ" إشارةٌ للبُشْرَى، وإن كانت مؤنَّثةً؛ لأنَّها في معنى التَّبشير، وقال ابن عطيَّة: إشارةٌ إلى النَّعيم، وقال الزمخشري: "ذَلِكَ إشارةٌ إلى كونهم مُبشِّرين في الدَّارين". قوله: {ولا يحزنك قَولهم} وههنا تمَّ الكلام، واعلم أنَّ الله لمَّا حكى عن الكُفار شبهاتهم المتقدمة، وأجاب عنها عدلُوا إلى طريقٍ آخر، وهو أنَّهُم هدَّدُوه، وخوَّفُوه بأنهم أصحاب أموالٍ وأتباع؛ فنسعى في قهرك، وفي إبطالِ أمرك، فأجاب - تعالى - عن هذا الطريق بقوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}. فإن قيل: كيف آمنهُ من ذلك، ولم يزل خائفاً حتى هاجر، ثم بعد ذلك يخاف حالاً بعد حالٍ. فالجواب: أنَّ الله وعدهُ بالنَّصر والظَّفر مطلقاً، والوقت ما كان معيَّناً، فهو في كُلِّ وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقتُ المعيَّنُ ذلك الوقت؛ فحينئذٍ يحصل الانكسارُ في هذا الوقت، وقوله: "قَوْلهُم" قيل: حذفت صفته؛ لفهم المعنى، إذا التقدير: ولا يحزنك قولهم الدَّال على تكذيبك، وحذف الصِّفة، وإبقاء الموصوف قليلٌ، بخلاف عكسه. وقيل: بل هو عامٌّ أريد به الخاصُّ. ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ} العامَّةُ على كسر "إنَّ"، استئنافاً، وهو مُشْعِرٌ بالعلِّيَّة. وقيل: هو جوابُ سؤال مقدَّر؛ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}، ليس لهم منها شيءٌ، فكيف تبالي بقولهم؟ والوقف على قوله: "قولهم" ينبغي أن يُعتمد، ويُقصد، ثم يبتدأ بقوله: "إنَّ العزَّة" وإن كان من المستحيل أن يتوهَّم أحَدٌ أنَّ هذا من مقولهم، إلاَّ من لا يعتبرُ بفهمه، وقرأ أبو حيوة "أنَّ العزَّة" بفتح "أنَّ" وفيها تخريجان: أحدهما: أنَّها على حذف لام العلَّة، أي: لا يحزنك قولهم؛ لأجل أنَّ العزة لله جميعاً. الثاني: أنَّ "أنَّ" وما في حيِّزها بدلٌ من "قولهم" كأنَّه قيل: ولا يحزُنك أنَّ العزَّة لله، وكيف يظهرُ هذا التَّوجيهُ، أو يجوز القولُ به، وكيف ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى، وهو لمْ يتعاطَ شيئاً من تلك الأسباب؟ وأيضاً؛ فمنْ أيِّ قبيلٍ الإبدالُ هذا؟ قال الزمخشريُّ: "ومنْ جعله بدلاً من "قولهم" ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكره من القراءة به". يعني: أنَّ إنكارهُ للقراءة منكرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذكر من التَّعليل، وإنَّما المنكر هذا التَّخريجُ، وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءة، ونسبُوها للغلط ولأكثر منه. قال القاضي: "فتحُها شاذٌّ يقاربُ الكفر، وإذا كسرت كان استئنافاً، وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإعراب". وقال ابن قتيبة: لا يجوز فتح "إنَّ" في هذا الموضع وهو كفرٌ وغلوٌّ. قال أبو حيَّان: وإنَّما قالا ذلك بناءً منهما على أنَّ "أنَّ" معمولةٌ لـ "قولهم". قال شهاب الدين كيف تكون معمولة لـ "قَوْلهُم" وهي واجبةُ الكسر بعد القول إذا حكيت به، فكيف يتوهَّم ذلك؟ وكما لا يتوهَّم هذا المعنى مع كسرها، لا يتوهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيحٌ. و "جَمِيعاً" حالٌ من العِزَّة، ويجوز أن يكون توكيداً ولمْ يُؤنَّثْ بالتَّاء؛ لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنَّثُ، لشبهه بالمصادر، وقد تقدَّم تحريره في قوله: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف:56]. فصل قيل: المعنى: إنَّ جميع العزَّة والقدرة لله - تعالى -، يعطي ما يشاء لعباده، والغرضُ منه: أنه لا يعطي الكفَّار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو أعز منهم، ونظيره: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة:21] {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا}تفسير : [غافر:51]. قال الأصمُّ: المراد: أن المشركين يتعزَّزُون بكثرة خدمهم وأموالهم، ويخوفونك بها، وتلك الأشياء كلها لله - تعالى -، فهو - تعالى - قادرٌ على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء، وينصرك، وينقل أموالهم وديارهم إليك. فإن قيل: قوله: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} كالمُضادَّة لقوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون:8]. فالجواب: لا مضادَّة؛ لأنَّ عزَّة الرسول والمؤمنين كلها بالله، فهي لله. {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: يسمع ما يقولون، ويعلمُ ما يعزمون، فيُكافئهم على ذلك.
البقاعي
تفسير : ولما وصف القرآن بما وصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل على إعجازه، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذباً يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة، وختم ذلك بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن مفترى وهم عاجزون عن معارضته، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلّها تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم، وكان قد أكثر في ذلك كله من الأمر له صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم {قل لا أملك لنفسي}، {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه}، {قل إي وربي إنه لحق}، {قل بفضل الله} - الآية، {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم}، {قل الله أذن لكم}، قال تعالى ناظراً إلى قوله: {وما كان هذا القرآن أن يفترى} الآية، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتقوية لهمته وزيادة في تهديدهم عطفاً على ما تقديره: فقد أنزلت إليهم على لسانك ما هو شرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر: {وما تكون} أنت {في شأن} أي أيّ شأن كان {وما تتلوا منه} أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه السورة، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم {من قرآن} أي قليل أو كثير {ولا تعملون} أي كلكم طائعكم وعاصيكم، وأغرق في النفي فقال: {من عمل} صغير أو كبير {إلا كنا} أي بما لنا من العظمة {عليكم شهوداً} أي عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد {إذ تفيضون فيه} الآية إيذاناً بأنك بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العالم بتدبيرك والقادر على نصرتك، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظاً أو معنى فضلاً عن التغيير فضلاً عن الإتيان بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه، لاستقامة أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ورحمة، وما كان كذلك فهو من عندي قطعاً وبإذني جزماً لأني عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم. ولما كان ربما ظن ظان من إفهام {كنا} و {شهوداً} للجنود أنه سبحانه محتاج إليهم، نفى ذلك بقوله: {وما} أي والحال أنه ما {يعزب} أي يغيب ويخفى {عن ربك} أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله، وأغرق في النفي فقال: {من مثقال ذرة} أي وزن نملة صغيرة جداً وموضع وزنها وزمانه؛ ولما كان "في" بمزون أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال: {في الأرض} ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ - قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس: {ولا في السماء} أي ما علا عن الأرض كائناً ما كان. ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة، قال عاطفاً على الجملة من أولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين: {ولا أصغر من ذلك} أي من مثقال الذرة {ولا أكبر} ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر، أخبر عنه بقوله: {إلا} أي لا شيء من ذلك إلا موجود {في كتاب} أي جامع {مبين*} أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان، وفي ذلك تهديداً لهم وتثبيت له صلى الله عليه وسلم، ولاح بهذا أن ما بعد {إلا} حال من الفاعل، أي ما يفعل شيئاً إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه؛ والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذاً من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه، وأفضتم: تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء؛ والعزوب: ذهاب المعنى عن العلم، وضده الحضور؛ والذر: صغار النمل وهو خفيف الوزن جداً، ومثقاله: وزنه. ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم، وعلم - من وضع الأحوال ما لا يتسع ومن لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف منه وجد من غير خفاء ولا احتياج إلى تفتيش - أنه كامل القدرة بعد أن تقدم أنهم فريقان: صادق في أمره، ومفتر عليه، وأنه متفضل على الناس بعدم المعاجلة والتأخير إلى القيامة، وخوّف المفتري عواقب أمره عاجلاً وآجلاً، ورجىّ المطيع، كان موضع أن يقال: ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في الدارين على الجزم؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل مطيع عن ساعد جده ويبذل غاية جهده في لحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين بقوله تعالى مؤكداً لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب الله وإنكارهم غاية الإنكار أن يفوتوهم: {ألا إن أولياء الله} أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز منه ولا أعظم ويتولاهم {لا خوف} أي ثابت عال {عليهم} أي من شيء يستقبلهم {ولا هم} أي بضمائرهم {يحزنون} أي يتجدد لهم حزن على فائت لأن قلوبهم معلقة بالله سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثراً يقطع قلوبهم كما يعرض لغيرهم، وفسرهم بقوله: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف المصحح للأعمال وبه كمال القوة العلمية {وكانوا} أي كوناً صار لهم جبلة وخلقاً {يتقون} أي يوجدون التقوى، وهي كمال القوة العملية في الإيمان والأعمال ويجددونها فإنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره؛ وانتهى الجواب بقوله: {إن الذين يفترون على الله الكذب} - الآية، وهذا الذي فسر الله به الأولياء لا مزيد على حسنه، وعن علي رضي الله عنه "هم قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الخوى" وقيل: الولي من لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه، وصح عن الإمامين: أبي حنيفة والتبيان أن كلاًّ منهما قال: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي. وهذا في العالم العامل بعلمه كما بينته عند قوله في سورة الزمر {أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {إذ تفيضون فيه} قال: إذ تفعلون. وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما يعزب} قال: ما يغيب. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} قال: لا يغيب عنه وزن ذرة {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} قال: هو الكتاب الذي عند الله.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} [الآية: 61]. قال شقيق: على العبد أن يلزم نفسه دوام نظر الله إليه وقربه منه وقدرته عليه، لأن الله عز وجل يقول: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} إذ تفيضون فيه. قال بعضهم: من شهد شهود الحق إياه، قطعه ذلك عن مشاهدة الأعيان أجمع. قال النصرآباذى: شتان بين من عمل على رؤية الثواب وبين من عمل لاتباع الأمر، وبين من عمل على سبيل المشاهدة. قال الله عز وجل: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً}.
القشيري
تفسير : خوَّفَهم بما عرفَّهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم. والعلْمَ بأنه يراهم يوجِبُ استحياءَهم منه، وهذه حال المراقبة، والعبد إذا عَلمَ أن مولاه يراه استحي منه، وتَركَ متابعة هواه، ولا يحُوِّم حَوْلَ ما نهاه، وفي معناه أنشدوا: شعر : كأنَّ رقيباً منك حَالُّ بمهجتي إذا رُمتُ تسهيلاً عليَّ تَصعَّبَا تفسير : وأنشدوا: شعر : أُعاتِبُ عَنْكَ النَّفُسَ في كلِّ خَصْلَةٍ تعاتبني فيها وأنت مقيم تفسير : {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}: وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه عنه، وهو منشئُه وموجِدُه؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: ردَّهم إلى كتابته ذلك عليهم - لعدم اكتفائهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه - برؤيته وعلمه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} اخبر عن عظيم اطلاعه على اسرار الخواطر وما يجرى فى الضمائر وكيف لا يطلع وهو مبدئها === قال تعالى الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير خوف اشرف خلقه من اطلاعه حيث قال وما يكون فى شان اى ما تكون فى طلب وسيلة منك الى التصل بها الى وما تتلوا منه اى من قران من خطابى بنعت التبليغ على عبادىة لتحدب قلوبهم بلذة خطابى الى الا وانا منتظر قدوم اسرارك على واراعى خطرات قلبك حتى لا يجرى ذكر غيرى من العرش الى الثرى فتح بهذا الخطاب لحبيبه ابواب انوار عظمته ليكون عظيم الشان فى عيون العالمين ثم خاطب الجميع بهذا الخطاب بقوله {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} من عبوديتى وطلب مشاهدة ربوبيتى {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} مطلعا على جريان هممكم على اسراركم بنعت كشف جلالى وعظمتى والقاء سطوة كبريائى على قلوبكم حتى لا تكونوا الا مشاهدين عظايم جبروتى وشرائف ملكوتى ومعنى {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} عند عزايمكم فى بذل وجودكم الى وكل حركة عيبية تجرى عليكم ثم اخبر عن سلطان احاطته على كل ذرة من العرش الى الثرى بقوله {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} بين ان ما صدر من العدم بنور القدم يكون بين علمه القديم وقدراته القائمة بذاته ونظره الشامل على وجود جميع الاشياء على حد صغرها وكبرها واناه بجميعها معروفة فى علمه عند بصره وكلها قائمة بذاته وصفاته وفى جميع الاوقات ينظر الى كل ذرة بنظر الحفظ والرعاية ولولا كمال عزة قدرته واحاطته بعلمه القديم لتفتت ما بين عرصات الملكوت والجبروت وبهذه الاية يكمل خوف المراقبين وحذر الواجلين واحلال العارفين وخشية الموحدين ورعاية الصادقين وموانسة الصديقين ومطالبة المريدين قال الشقيق على العبد ان يلزم قلبه دوام نظر الله اليه وقربه منه وقدرته عليه لان الله يقول ولا يعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا وقال بعضهم من شهد شهود الحق اياه قطعه ذلك عن مشاهدة الاغيار اجمع قال النصرابادى شتان بين من عمل على رؤية الثواب وبين من عمل اتباع === من عمل على سبيل المشاهدة قال الله تعالى ولا تعملون من عمل الا كنا عيكم شهودا وقد وقع لى اشارة لطيفة ان الله سبحانه بين التفاوت بين الارواح والاشباح وبين اجرام الاكوان تفاوتا شريفا حيث اخبر تعالى انه مع الارواح والاشباح بانوار شهوده وكشف وجوده واستغراقها فى علمه بقوله ولا تعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا خطاب الارواح والاشباح واجرام الاكوان معها بالعلم ==== والاحاطة بها منة عليها فالله سبحانه مع العبد العارف بنعت القربة والمشاهدة والكون مستغرق فى علم بقوله وما يغرب عن ربك من مثقال ذرة فى الارض ولا فى السماء وما انت للعارف لو شاهد مشهوده يغيب عن الخوض فى الاعمال بل يطير اليه باجنحة الاحوال اذا انكشف جماله لمحبة لم يبق بين المحب والمحبوب واسطة الاعمال واذا كان كذلك يسقط عنه احزان الفوات وخون الافات اذ هو فى مشاهد الوصال ورؤية الجمال لقوله سبحانه فى وصف المشاهدين جماله المستانسين وصاله الخارجين عن مكائد القهريات ونوائب العقوبات {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} العارف الصادق اذا كوشف له انوار جمال الذات استانس بها وفرح بمواصلتها على الدوام ثم دخل فى نور البسط وغلب عليه الطمأنينة والرجاء ثم يدخل فى سماع الانبساط من روح الوصال فيغلب النشاط والاستبشار وذلك مقام لا يدخل فيه وجل القلوب من سطوات العظمة ولا اضطراب الارواح من انوار الهيبة ولا فناء الاسرار من قهر سلطان الاولية ولا اضمحلال الوجود من قوارع العزة لان الولى العارف اذا كان فى رؤية هذه الصفات يكون اسراره فى اسفار الازال والاباد ويكون هناك على خطر الفناء من غيرة القهريات الا ترى الى قوله عليه السلام المخلصون على خطر عظيم فاذا سكنت اسرار عن تلك الاسفار وكملت الحق فى الحق وتمكنت بالله فى الله ويوطبت فى مواطن انوار الجمال لا يجرى بعد ذلك عليه طوارقات الامتحان الا ترى الى المؤمن فى الجنان لا يجرى عليه افات العذاب === الخوف والحزن لانه فى جنان الظاهر وموضع الروح والريحان فالعارف الولى ايضا اذا بلغ الى جنان جمال مشاهدة الله يكون محروسا برعاية لطفه عن طوارق قهره امنا به عنه لذلك قال الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لا خوف عليهم من مكر السابق فى الازل فانهم اصحاب العنايات فى سوابق علم القدم ولا هم يحزنون من مستقبل عارض القهر لانهم اصحاب الكفايات الى الابد وكيف يخاف من ينظر الى جماله وكيف يحزن من يكون فى سنا جلاله ولا يتم الولاية الا باربع مقام الاول مقام المحبة والثانى مقام الشوق والثالث مقام العشق والرابع مقام المعرفة لا يكون المحبة الا بكشف الجمال ولا يكون الشوق الا باستنشاق نسيم الوصال ولا يكون العشق الا بدنو الدنو ولا يكون المعرفة الا بالصحبة واصل الصحبة وكشف الالوهية القديمة مع ظهور انوار الصفات جميعا فاذا راى انوار الصفات وعرف النعوت والاسماء ومشارب الصفات وعرف بها الذات سبحانه ويخرج من درك الفناء فيها بنعت البقاء فيكون وليا فيورث محبته الطاعة ويورث شوقه الحالة ويورث عشقه بذل الوجود ويورث معرفته الخلو مما سواه فيتورث ابطاعة الفراسات وتورث الحالة اللطافة والظرافة ويورث بذل الوجود الكرامات ويورث الخلو مما سواه الهيبة والوقار فاذا كان كذلك بما وصفنا يكون الاية لله فى بلاد الله شمائله البشارة والسخاوة واخلاقه الصحبة والنصيحة يامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحفظ حدود الله على عباد الله طوبى لمن راه وطولى لمن صحبه واثر خدمته وتصديق ما ذكرنا وصف الله اياهم عقب هذه الاية بقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} امنوا عاينوا الله بنور الله وشاهدوا الله بشهود الله اياهم وعرفوا الله بالله حيث لا سبب لمعرفتهم الا كشف جمال الله لهم وكانوا يتقون مما سواته من نفوسهم وغيرها من العرش الى الثرى فايمانهم يوجب الكرامات وتقربهم يوجب المشاهدات ثم افرح فوادهم نبيل وصاله وادراك مشاهدته بنعت الرضا عنهم فى الدنيا والاخرة بقوله {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} اى لهم فى الدنيا مشاهدة البيان وفى الاخرة مشاهدة العيان لهم فى الدنيا مكاشفات وفى الاخرة مشاهدات لهم فى الدنيا التجلى وفى الاخرة مقام التدلى لهم فى الدنيا رؤية الله فى المنامات وفى الاخرة عيان المشاهدات ثم بين ان تلك الاصطفائية الازلية لا تتغير ابدا بقوله {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} اى لا تبديل لما سبق لهم فى الازل من حسن عنايته لهم {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} حيث نجوا من قهره وظفروا بوصاله ومشاهدته واى فوز اعظم من ذلك قال الواسطى حظوظ الاولياء من اربعة اسماء وقيام كل فريق منهم باسم منها هو الاول والاخر والظاهر والباطن فمن فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام ومن كان حظه من اسمه الظاهر لا حظ عجائب قدرته ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى فى السرائر من انواره ومن كان حظه من اسمه الاول كان شغله ما سبق ومن لاحظ اسمه الاخر كان مربوطا بما يستقبله وكل كوشف على قدر طبعه وطاقته الا من تولاه الحق ببره وقام عنه بنفسه وقال بعضهم قلوب اهل الولاية مصانه عن كل معنى لانها موارد الحق سئل بعضهم ما علامة الاولياء قال همومهم مع الله وشغلهم بالله وفرارهم الى الله قال ابو سعيد الحراز الاولياء فى الدنيا يطيرون بقلوبهم يرتادون الوان الفوائد والحكمة ويشربون من عين المعرفة فهم يفرون من فضول الدنيا ويانسون بالمولى ويستوحشون من نفوسهم الى وقت موافاة رسول الرحيل وقال ايضا نفوس الاولياء جملة قلوبهم وقلوب الاعداء يحمل اثقال نفوسهم من الشرك طمعاً فى راحة نفوسهم وقال ابو يزيد اولياء الله عرائس الله ولا يرى العرائي الا من يكون محرما بهم وهم محذرون عند الله فى حجال الانس لا يرهم احد قال ابو على الجورجانى الولى هو الفانى فى حالة الباقى فى مشاهدة الحق وذاته تولى الله اسبائه فتوالت عليه انوار الولى لم يكن له عن نفسه اخبار ولا مع احد غير الله قرار وسئل ابو حفس عن الولى قال الولى من ايد بالكرامات وغيب عنها وقال محمد بن على الترمذى الولى بشرى كانه على روحه فى منامه وعلى قلبه فى تلطفه فروحه يسرى الى تحت العرش فيسجد فيه وقلبه يسرى الى فوق العرش فيلاحظ المجالس ويناجى ويبشر قال ابو سعيد الحراز فى قوله لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الاخرة هم به وله موقوفون بين يديه غير ان الحق ممتع لهم بماله اراهم من عظيم الفوائد وجزيل الذخائر ما لا يقع لهم علم به ولا علم عليه قبل حين وروده حتى يكون الحق مطالعا لهم على ما يريد من ذلك على حسب ما قسمه لهم فهم فى ذلك على احوال شتى فذلك قوله لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الاخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما} نافية {تكون} يا محمد {فى شأن} اى فى امر والجمع شؤون من قولك شانت شأنه قصدت قصده مصدر بمعنى المفعول ويكون الشأن بمعنى الحال ايضا يقال ما شأن فلان بمعنى حاله {وما تتلو منه} الضمير للشأن والظرف صفة لمصدر محذوف اى تلاوة كائنة من الشأن لان تلاوة القرآن معظم شأن الرسول {من قرآن} من مزيدة لتأكيد النفى وقرآن مفعول تتلو {ولا تعملون} [اى آدميان] {من عمل} من الاعمال تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير. قال ابن الشيخ الخطاب وان خص به عليه السلام اولا بحسب الظاهر الا ان الامة داخلون فيه لان رئيس القوم اذا خوطب دخل قومه فى ذلك الخطاب كما فى قوله تعالى{أية : يا ايها النبى اذا طلقتم النساء} تفسير : {الا كنا عليكم شهودا} استثناء مفرغ من اعم احوال المخاطبين بالافعال الثلاثة اى ما تلابسون بشيء منها فى حال من الاحوال الا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له {اذ تفيضون فيه} ظرف لشهودا اذ تخلص المضارع لمعنى الماضى والافاضة الدخول فى العمل يقال افاض القوم فى العمل اذا اندفعوا فيه اى تخوضون وتندفعون فيه {وما يعزب عن ربك} اى لا يعبد ولا يغيب عن علمه الشامل {من مثقال ذرة} من مزيدة لتأكيد النفى اى ما يساوى فى الثقل نملة صغيرة او هباء {فى الارض ولا فى السماء} اى فى دائرة الوجود والامكان {ولا} لنفى الجنس {اصغر} الذرة {ولا اكبر الا فى كتاب مبين} خبرها وهو اللوح المحفوظ فاذا كان كل شيء مكتوبا فى اللوح فكيف يغيب عن علمه شيء وكيف يخفى عيله امر فلا يظن انه لا يجازى على اقواله وافعاله خيرا كانت او شرا. وفيه اشارة الى طريق المراقبة وحث على المحافظة فان المرء اذا علم يقينا اطلاع الله عليه فى كل آن وحافظ على اوقاته سلم من الخلاف وعامل بالانصاف -حكى- عن عمر البنانى رحمه الله قال مررت براهب فى مقبرة فى كفه اليمنى حصى ابيض وفى كفه اليسرى حصى اسود فقلت يا راهب ما تصنع ههنا قال اذا فقدت قلبى اتيت المقابر فاعتبرت بمن فيها فقلت ما هذا الحصى الذى فى كفك فقال اما الحصى الابيض اذا عملت حسنة القيت واحدة منها فى الاسود واذا عملت سيئة القيت واحدة من هذا الاسود فى الابيض فاذا كان الليل فنظرت فان فضلت الحسنات على السيآت افطرت وقمت الى وردى وان فضلت السيآت على الحسنات لم آكل طعاما ولم اشرب شرابا فى تلك الليلة هذه حالتى والسلام عليك. وعن بعض الكبار من علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من المراقبات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات لان الحياة تقتضى الاحساس والعكس صفة الميت وكل معصية من الغفلة والنسيان فذاكر الحق سالم فى الدنيا والآخرة -حكى- ان وليا اشتاق الى رؤية حبيب من احباء الله فقيل له اذهب الى القصبة الفلانية ففيها حبيبى فجاء اليها ورأى رجلا يذكر الله واسدا فاذا تغافل يختطفه الاسد حتى يقطع قطعة لحم من اعضائه فلما قرب اليه وسأل عن حاله قال اردت ان لا اتغافل عن ذكر الله فاذا وقعت الغفلة سلط على كلبا من كلاب الدنيا فانا الازمه مخافة ان يسلط كلبا من كلاب الآخرة على الغفلة. يقول الفقير فى هذه القصة اشارات. منها ان فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة وان مقاساة شدائد طريق الحق فى هذه النشأة أسهل من المؤاخذات الاخروية فعلى المرء ملازمة الطاعة والعبادة وان كانت شاقة عليه: وفى المثنوى شعر : اندرين ره مى تراش ومى خراش تا آخر دمى فارغ مباش تفسير : ومنها انه لابد من المراقبة فان عجز بنفسه عنها استعان عليها من خارج فانه لا بد للنائم من محرك وموقظ اذ النوم طويل والنفس كسلى ولذا جعلوا من شرط الصحبة ان لا يصطحب الا من فوقه: وفى البستان شعر : زخزد بهترىئ جوى وفرصت شمار كه باجون خودى كم كنى روزكار تفسير : ومنها ان الاسد الذى سلطه الله عليه انما سلطه فى الحقيقة على نفسه ليفترسها فان لم يمت نفسه فى هذا الدار سلطها الله عليه فى دار البوار
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمير في {منه} يعود على القرآن، وإن لم يتقدم ذكره؛ لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: وما تتلو شيئاً من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح؛ لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء. قاله ابن جزي. قلت: والأحسن أن يعود على الله تعالى؛ لتقدم ذكره قبل، ومن قرأ: {ولا أصغر}، {ولا أكبر} بالفتح فعطف على {مثقال} ممنوع من الصرف، أو مبني مع "لا"، ومن قرأ بالرفع فعطف على موضعه، أو مبتدأ، و {إلا في كتاب}: خبر. يقول الحق جل جلاله: {وما تكون في شأنٍ} أي: أمر من الأمور، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها. {ولا تعملون من عمل}، ومعنى الآية: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، {وما تتلو منه من قرآنٍ} أي: وما تتلو شيئاً من القرآن، أو وما تتلو من الله من قرآن، أي: تأخذه عنه. {ولا تعملون من عملٍ} أي عمل كان، وهو تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم، ولذلك ذكر الحق تعالى، حيث خص بالذكر ما فيه فخامة وتعظيم، وذكر حيث عمم ما يتناول الجليل والحقير، أي: لا تعلمون شيئاً {إلا كنا عليكم شهوداً}: رقباء مطلعين عليه ظاهراً وباطناً، {إذ تُفيضون فيه}: حين تخوضون فيه وتندفعون إليه، يقال: أفاض الرجل في الأمر: إذا أخذ فيه بجد واندفع إليه، ومنه: {أية : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ}تفسير : [البقرة: 198]، {وما يَعْزُبُ عن ربك} أي: ما يغيب عنه {مثقال ذرةٍ}: ما يوازن نملة، {في الأرض ولا في السماء} والمراد: لا يغيب عنه شيء في الوجود بأسره، وخصهما لأن العامة لا تعرف غيرهما. قال في الكشاف: فإن قلت: لِمَ قدَّم هنا الأرض بخلاف سورة سبأ؟ فالجواب: أن السماء قدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادةُ على أهل الأرض. هـ. {ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين} أي: اللوح المحفوظ، أو علمه تعالى المحيط، المُبيّن للأشياء على ما هي عليه. الإشارة: هذه الآية وأمثالها هي أصل المراقبة عند القوم، وهي على ثلاثة أقسام: مراقبة الظواهر، ومراقبة القلوب، ومراقبة السرائر. فالأولى للعوام، والثانية للخواص، والثالثة لخواص الخواص. فأما مراقبة الظواهر: فهي اعتقاد العبد أن الله يراه، ومطلع عليه في كل مكان، فينتجُ له الحياء من الله، فيستحيي أن يسيء الأدب معه وهو بين يديه، وفي بعض الأخبار القدسية: "حديث : إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخَللُ في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ". تفسير : وقال ـ عليه الصلاة والسلامـ: "حديث : أفضل الناس إيماناً من يعلم أن الله معه في كل مكان"تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم: ورُوي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرَّ براعي غنم، فقال له: أعطنا شاة من غنمك، فقال له: ليست لي. فقال له: لصاحبها أكلها الذئب، فقال له الراعي: وأين الله؟!. ورُويَ أن رجلاً خلا بجارية فراودها على المعصية، وقال لها: لا ترانا إلا الكواكب، فقالت له: وأين مُكوكُبها؟. وأما مراقبة القلوب فهي: تحقيق العبد أن الله مطلع على قلبه، فيستحي منه أن يجول فيما لا يعني، أو يدبر ما لا يفيد ولا يجدي، أو يهم بسوء أدب؛ فإنْ جال في ذلك استغفر وتاب. وأما مراقبة السرائر فهي: كشف الحجاب عن الروح، حتى ترى الله أقرب إليها من كل شيء، فتستحي أن تجول فيما سواه من المحسوسات، فإن فعلت بادرت إلى التوبة والاستغفار، فالتوبة لا تفارق أهل المراقبة مطلقاً، وقد تقدم في أول سورة النساء بعض الكلام على المراقبة، فمن لم يُحْكِم أمر المراقبة، لم يذق أسرار المشاهدة. فالمراقبة مفتاح المشاهدة، والمشاهدة مفتاح المعرفة، والمعرفة هي الولاية، التي أشار إليها بقوله: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي {يعزب} بكسر الزاي هنا وفي سبأ. الباقون بضمها، وهما لغتان. وان كان الضم أفصح واكثر. وقرأ حمزة وخلف ويعقوب {ولا أصغر... ولا أكبر} بالرفع فيهما. الباقون بفتحهما. فمن فتح الراء فلأن (افعل) في الموضعين في موضع جر، لأنه صفة المجرور الذي هو قوله {مثقال ذرة} وانما فتح، لأن (افعل) اذا اتصل به منكر كان صفة لا تنصرف في النكرة. ومن رفعه حمله على موضع الموصوف، لأن الموصوف الذي هو {من مثقال ذرة} الجار والمجرور في موضع رفع، كما كانا في موضعه في قوله {أية : كفى بالله} تفسير : ومثل قوله {أية : من إله غيره} تفسير : فمن رفع يجوز ان يكون صفة بمنزلة (مثل) ويجوز أن يكون استثناء كما تقول: ما لكم من إله الا الله. ومثله {أية : فاصدّق وأكن من} تفسير : وغير ذلك. ويجوز أن يعطف قوله {ولا أصغر} على {ذرة} فيكون التقدير وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال اصغر، فعلى هذا لا يجوز الا الجر لانه لا موضع للذرة غير لفظها، كما كان لقولك من مثقال ذرة موضع غير لفظه. ولا يجوز على قراءة حمزة ان يكون معطوفاً على {ذرة} كما جاز في قول الباقين لأنه اذا عطف على {ذرة} وجب ان يكون اصغر مجروراً، وانما فتح، لأنه لا ينصرف وكذلك يكون على قول من عطفه على الجار الذي هو {من}. معنى قوله {وما تكون في شأن} ليس تكون في حال من الاحوال، لأن الشأن والبال الحال نظائر وجمعه شؤن. والشأن معنى مفخم على طريق الجملة يقال: ما شأنك وما حالك وما بالك. وقوله {وما تتلو منه من قرآن} اي وليس تتلو من القرآن، فتكون الهاء كناية عن القرآن قبل الذكر لتفخيم ذكر القرآن، كما قال {أية : إنه أنا الله العزيز الحكيم} تفسير : ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على الشأن وتقديره وما يكون من الشأن. وقوله {وما تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً} اي ليس يخفى على الله شيء من اعمالكم بل يعلمها كلها ويشهدها. والمشاهدة الادراك بالحاسة. والمشاهد المدرك بحاسة اي ذات يعني عن حاسة يقال: شاهد وشهود وشهداء. وقوله {إذ تفيضون فيه} فالاضافة الدخول في العمل على جهة الانصباب اليه، وهو الانبساط اليه في العمل مأخوذ من فيض الاناء اذا انصب من جوانبه. ومنه قوله {أية : أفضتم من عرفات} تفسير : اي تفرقتم كتفرق الماء الذى ينصب من الاناء. ومثله أفاض الماء عليه وافاض في الحديث وقوله {وما يعزب عن ربك} فالعزوب الذهاب عن المعلوم وضده حضور المعنى للنفس. وتعزّب اذا انفرد عن اهله. وقال ابن عباس معنى لا يعزب لا يغيب. وقوله {من مثقال ذرة} فالذر صغار النمل واحده ذرة، وهو خفيف الوزن جداً. ومعنى مثقال ذرة وزن ذرة يقال: خذ هذا فانه أخف مثقالا اي اخف وزناً. وقوله {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} معناه لا يخفى عليه ما وزنه مثقال ذرة ولا ما هو اصغر منها ولا ما هو اكبر الا وقد بينه في الكتاب المحفوظ وكتبته ملائكته وحفظوه.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الشّأن عبارة عن مراتب الانسان ومقاماته الحاصلة فى الكامل والمكمونة فى النّاقص والاحوال الطّارية له بحسب مقاماته {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} من الكتاب او من الشّأن او من الله {مِن قُرْآنٍ} تخصيص الخطاب فى هاتين الفقرتين به (ص) لاختصاص تلاوة القرآن من الله او من الشّأن واختصاص ابتداء التّلاوة من الكتاب واختصاص الاستشعار بالشّؤن والمراتب به بخلاف العمل {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} تشريك للخطاب او صرف للخطاب عنه (ص) اليهم لانّ شهود اعماله الجليّة مستفاد من شهود شؤنه الخفيّة {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ} تخوضون {فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ} وما يفقد {عَن رَّبِّكَ} عن تصرّفه او عن علمه او عن ذاته {مِن} ذات {مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} على الاوّلين او من علم مثقال ذرّة على الاخير، والذّرّة النّملة الصّغيرة ومائة منها زنة حبّة من الشّعير {فِي ٱلأَرْضِ} تقديم الارض لكونها اهمّ فى مقام بيان سعة علمه لانّ الارض ابعد الاشياء منه وما فيها اخفى الاشياء لانّ كلاًّ منها فى الغيبة بالنّسبة الى غيره بخلاف السّماء والسّماويّات سواء اريد بها سماء عالم الطّبع او سماوات الارواح {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} لمّا كان المقام للمبالغة فى سعة علمه كان التّأكيد والتّكرير مطلوباً ولذا اكّد مثقال ذرّة فانّه صار كالمثل اذا وقع بعد النّفى فى المبالغة فى الشّمول ولا اصغر مع ما بعده جملة معطوفة على جملة ما يعزب ولا لنفى الجنس مركّبة مع اسمها و {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} خبرها ومن قرأ بالرّفع فلا عاملة عمل ليس او ملغاة عن العمل بالتّكرير، ويحتمل العطف على لفظ مثقال على قراءة الفتح وعلى محلّه على قراءة الرّفع وحينئذٍ يكون الاستثناء منقطعاً.
اطفيش
تفسير : {ومَا} نافية {تَكُونُ} يا محمد {فى شأنٍ} بهمز ساكنة، وقرأ بألف أى لا تكون فى أمر من الأمور عظيم أو غير عظيم، وقيل: لا يطلق إلا على الأمر العظيم، وقيل: المراد هنا من الآخرة، وعليه ابن العباس، وقال الحسن: أمر الدنيا، وأصله شأنت شأن زيد أى قصدت قصده، وقد قال بعض: إنه فى الآية مصدر على هذا الأصل. {ومَا} نافية {تَتْلوا منْهُ} أى من شأن متعلق بمحذوف وحال من قرآن لتقدمه ولتقدم النفى {مِنْ} صلة للتأكيد {قُرآنٍ} مفعول تتلو، ومن الأولى للتبعيض، وذلك أن من جملة الشأن القرآن، بل هو معظمه، فيكون ذكره بعد تعميم الشأن تشريفا له بتخصيصه بالذكر، والمراد بقرآن، بعض القرآن، فإن لفظ القرآن يطلق على كله وبعضه. ويجوز كون من الأولى تعليلية أى وما تتلوا قرآنا لشأن، ويجوز كون من الأولى أيضا ابتدائية متعلقة بتتلوا، فإن التلاوة من الشئ جلب منه، ومن زعم أن من التبعيضية اسم مضاف، أو أنها وما بعدها نائبان عن اسم، أجاز أن يكون من الثانية تبعيضية مفعولا وحدها، أو مع ما بعدها لتتلوا، وقيل: الهاء للقرآن أضمر له، قيل: ذكره تفخيما له، أو أضمر له لتقدمه فى قوله سبحانه وتعالى: {أية : قل بفضل الله وبرحمته} تفسير : وقد مر أن القرآن يطلق على البعض أيضا، فمن الأولى تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من قرآن، أو ابتدائية متعلقة بتتلوا، والثانية صلة للتأكيد، وقيل: الضمير لله سبحانه وتعالى، فمن الأولى أيضا تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من قرآن، أو ابتدائية متعلقة بتتلوا، والثانية صلة. {ولا تعْملُونَ مِنْ عَملٍ} خطاب للأمة بما يتناول الأمر العظيم وغير العظيم، بعد تخصيص رئيسها صلى الله عليه وسلم بالخطاب المتناول لذلك، أو للأمر فقط على ما مر، ويجوز أن يكون الخطابان الأولان شاملين معنى للأمة، ولو كان اللفظ لرئيسها، كما تخاطب الرعية بخطاب رئيسها، ويدل لذلك هذا الخطاب الثالث، وعمل مصدر على معنى الحدث، أو مفعول به على معنى المعمول أو على تضمين تعملون معنى توقعون. {إلاَّ كنَّا عليْكُم شُهوداً} رقباء، والمراد الله أو هو وملائكته {إذْ تفيضُونَ فيه} تشوعون، وأصل الإفاضة الاندفاع، وأجاز بعضهم كون همزة أفاض للتعدية، فالمفعول محذوف، أى تفيضون أنفسكم وهو غير محتاج إليه، وتكلف وضعيف. {وما يعْزُبُ} وقرأ الكسائى هنا وفى سبأ، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف بكسر الزاى، قال أبو حاتم هو لغة أى وما يبعد وما يغيب {عَنْ ربِّكَ مِنْ} صلة للتأكيد {مِثْقالِ} فاعل أى وزن {ذَرَّةٍ} النملة الصغيرة جداً، أو حبة هباء، مثل بذلك لأنه مما ظهر صغره. {فى الأرْضِ} قدمها هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، وأنه لا يخفى من عملهم شئ، فهو مجازيهم على أعمالهم، وذلك بالنظر للذكر، وإلا قالوا ولا تفيد الترتيب، بل هى عند عدم القرينة كالآتيان بالتثنية. {ولا فى السَّماءِ} خصهما لأن العامة لا تعرف يومئذ سواهما، ولو عرفت العامة اليوم سواهما، والمراد بذلك البرهان على إحاطة علمه تعالى بكل ما عملوا. {ولا أصْغَر مِنْ ذَلكَ} مثقال أو المذكور من الذرة، وقدم المصغر والأصغر، لأنه إذا علمهما فأحرى أن يعلم غيرهما {ولا أكبرَ} أى كبير، لأن مثقالها غير كبير، فضلا عن أن يقال: ولا أكبر منه، فأكبر خارج عن معنى التفضيل، ويجوز بقاؤه عليه، فتقدر من التفضيلية، أى ولا أكبر منه، فإن مثقالها كبير بالنسبة إلى ما دونه كذا ظهر لى، والفتحة فى أصغر وأكبر نائبة عن الكسر للعطف على لفظ مثقال، وقرأ حمزة برفعهما عطفا على التقدير. {إلاَّ فى كِتابٍ مُبينٍ} اللوح المحفوظ، أو فى علم الله، والمبين الظاهر أو المظهر لما فيه، والاستثناء منقطع أى لكن جميع الأشياء فى الكتاب المبين، ويجوز أن يكون أصغر بالفتح اسما للا، وأكبر اسما للا الثانية، وما بعد الأخير لإحداهما ويقدر مثله للأخرى، أو أكبر معطوف على أصغر، ففتحته إعراب على هذا، لأن أصغر على جعله اسما للا معرب لعمله فى المجرور، فالخبر للا الأولى، وأن يكون أصغر بالرفع مبتدأ وأكبر بالرفع معطوف عليه، والخبر ما بعد إلا، وعلى هذه الأوجه يكون الكلام مستأنفا يوصف على ما قبله مقرر لمقابله، والاستثناء متصلا، ولو جعلناه متصلا على الوجه الأول الذى هو العطف على مثقال لكان المعنى: إنما فى الكتاب يعرف عنه وهو فاسد، وكذا إن جعلنا متصلا، وجعلنا العطف على ذرة. ويجوز أن يكون متصلا على معنى إنما أيخرج عن ربك إلى الوجود من مثقال ذرة الخ، إلا وهو فى كتاب مبين، ويقوى العطف على مثقال أنه لم يقرأ أحد فى سبأ إلا بالرفع، إذ لم يكن حافظا، وأجيز أن يكون لا عاملة عمل ليس فى قراءة الرفع، وخبرها محذوف، أى يعزب ذكر بعض ذلك ابن هشام.
اطفيش
تفسير : {وَمَا تَكُونُ} يا محمد وتلتحق به أُمته {فِى شَأْنٍ} فى أَمر، من شأَنته أَى قصدته مصدر بمعنى مفعول أَى مقصود وتغلبت عليه الاسمية، ويجوز إِبقاؤه على أَصله من المعنى المصدرى، أَى فى قصد، أَو على ما تفرع عليه من معنى مقصود ومعنى تغلب الاسمية إِنه بمعنى أَمر مطلق عن ملاحظة قصد أَو مقصود {وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ} من الشأْن أَو من الله أَو من القرآن، وعليه فالإِضمار له قبل ذكره تفخيم لمرتبة شهرته، وإِذا رد الضمير للشأْن فوجهه أَن تلاوة القرآن معظم شأْنه صلى الله عليه وسلم، وأَن القراءَة تكون لشأْن ومن للتعليل فى هذا الوجه، وإِذا رد إِلى القرآن فتبعيضية أَو إِلى الله فابتدائية. {مِنْ قُرْآنٍ} منزل عليك ومن صلة فى مفعول تتلو وبعض القرآن قرآن {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} يا محمد وأُمته والمضارع للاستمرار الماضى، حكاية له كأَنه حاضر {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} رقباءَ مطلعين، خص الخطاب به صلى الله عليه وسلم أَولا لأَن التلاوة هو الأَصل فيها، ولأَنها منه أَولا، وإِنما يقرأُ غيره تبليغا وتبعا له، ولأَن رئِيس القوم إِذا خوطب دخل قومه كقوله تعالى: "أية : يا أَيها النبى إِذا طلقتم"تفسير : [الطلاق: 1] كما أَن الأَمير يخاطب رئيس الكفار ويجرى حكم قومه على جوابه وكأَنه أَجاب عن قومه، وكذا خطاب الأَمير لهم يجرى قوم عليه، ولو جعلنا الخطاب فى تكون وتتلو للعموم البدلى لهم كما عم تعملون وعليكم إِلا أَنه يلزم أَن يكون قوله ولا تعملون إِلخ كالتكرير له، والمراد ما يكون ذلك كله فى حال من الأَحوال إِلا حال شهادتنا، وقدم عليكم لطريق الانتقام بما يكون انتقاما منهم مراعاة لجانب الكفار، ولو كان الكلام على العموم، ويجوز أَن يكون الخطاب فى تعملون وعليكم للكفار فالمراد ظاهر {إِذْ} متعلق بشهود أَو بكنا {تُفِيضُونَ فِيهِ} فيما ذكر من الكون فى شأْن والتلاوة والعمل والإِفاضة الدخول فى العمل {وَمَا يَعْزُبُ} ما يغيب، وعزب غاب وخفى ولو كان قريبا، ويفسر بالبعد لأَنه ملزم للخفاءِ والغيبة وسبب له {عَن رَّبِّكَ} عن علمه على حذف مضاف أَو عن ربك كناية عن علمه تعالى {مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ} من صلة فى الفاعل ومثقال وزن وهو فاعل وإِنما يعبر عن الوزن بالمثقال لاعتبار الثقل، فالمراد ما يوازن النملة الصغيرة جدا ويساويها فى الثقل الذى هو ضعيف لا يعلمه إِلا الله، أَو من اجتهد أَو الذرة الهباءَة والله مختص بعلم ثقلها ولا سيما إِن قلنا هى جزءٌ من أَلف جزءٍ من النملة أَو الخردلة ومثقال الشىءِ ميزانه، وذلك مثل فى القلة لا حصر، ولذلك قال {وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ} كما ذكر الأَرض والسماءَ مثلا لأَن العامة لا تعرف سواهما إِلا بتعليم، والمراد الأَرض والسماءُ والعرش والكرسى وكل موجود مخلوق لا خصوص الأَرض والسماءِ والله جل وعلا لا يوصف بكل ولا بجزءٍ، والمثقال فى الجاهلية والإِسلام لا يختلف هو أَربعة وعشرون قيراطا والدرهم ستة دوانق وعشرة دوانق سبعة مثاقيل، وقدم الأَرض لأَنها أَقرب إِلى المخاطبين وهم بها أَعرف منهم بالسماءِ ولأَن الكلام فى حال أَهلها والبرهان عليهم، وفى الأَرض حال من ذرة لتقدم النفى والنعت أَولى، ولا يجوز تعليقه بيعزب لأَنه يؤدى إِلى أَن الله تعالى فى السماءِ والأَرض حلولا، وقوله ولا أَصغر من ذلك إِلخ كلام مستأْنف مقرر وما قبله، ولا عاملة عمل إِن وما اسمها معرب لشبهه بالمضاف، أَو عاملة عمل ليس لا عاطفة على ذرة لأَنه يبقى قوله {إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} متعطل إِلا أَن يجعل استثناءً منقطعا أَى لكن كل شىءٍ فى كتاب مبين، إِلا أَن الحمل على الاستثناءِ المنقطع خلاف الأَصل لا يحمل عليه الكلام إِلا لداع صحيح راجح أَو متعين، فالوقف على السماءِ، ولو جعل لا عاطفة على مثقال وجعل الاستثناءُ متصلا لكان المعنى لا يغيب عن ربك شىءٌ فى حال من الأَحوال إِلا حال كونه فى كتاب مبين. وهو فاسد لأَنه أَثبت الخفاءَ عن الله اللهم إِلا أَن يحمل على تأْكيد المدح بما يشبه الذم كأَنه قال إِن خفى عنه شىءٌ فهو فى اللوح المحفوظ ومعلوم أَنه لم يكتب فيه خفاءُ شىءٍ عنه، لكن لا يحسن التخريج على هذا لأَن الكلام على الكفار الغلف ولا يفهمون هذا ولو فهموا مثله فى غيره من الكلام فلا يحملون كلامه عليه وإِنما يحمله عليه من تحقق إِيمانه، وجاز العطف بلا والاتصال على أَن معنى يعزب يصدر أَى لا يصدر عن الله شىءٌ إِلا وهو فى كتاب مبين، والاستثناءُ إِذا جعلنا ولا أَصغر كلاما مستقلا عما قبله يكون مفرغا والمفرغ لا يقال متصلا ولا منفصلا، والحق أَنه متصل لأَن المقدر فيه أَبدا عام لما بعد إِلا ولا تعين العطف آية رفع أَصغر وأَكبر بدون من لأَن لا فيها غير عاملة، وما بعدها مبتدأٌ لا معطوف على المرفوع قبله، أَو عملت عمل ليس وقدر بعض لا شىءَ إِلا فى كتاب مبين، وبعض جعل إِلا فى كتاب مبين استثناءً مما قبل قوله ولا يعزب وهو تكلف، وقيل لا عاطفة على مثقال وإِلا عاطفة كقوله تعالى إِلا من ظلم فى أَحد الأَوجه ويقدر المبتدأُ هكذا، وهو فى كتاب مبين. وهو تعسف والكتاب المبين اللوح المحفوظ لا علم الله لئَلا يلزم التأكيد والتأْسيس أَولى منه.
الالوسي
تفسير : {وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} أي في أمر معتنى به، من شأنه بالهمز كسأله إذا قصده وقد تبدل همزته ألفاً، وهو في الأصل مصدر وقد أريد المفعول {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} الضمير المجرور للشأن؛ والتلاوة أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم ولذا خصت بالذكر أو للتنزيل، والإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه أو لله عز وجل، و {مِنْ} قيل تبعيضية على الاحتمالين الأولين وابتدائية على الثالث والتي في قوله سبحانه: {مِن قُرْآنٍ} زائدة لتأكيد النفي على جميع التقادير وإلى ذلك ذهب القطب. وقال الطيبـي: إن {مِنْ} الأولى على الاحتمال الأخير ابتدائية والثانية مزيدة، وعلى الاحتمال الأول الأولى للتبعيض والثانية للبيان، وعلى الثاني الأولى ابتدائية والثانية للبيان. وفي «إرشاد العقل السليم» ((أن الضمير الأول للشأن والظرف صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة من الشأن أو للتنزيل و {مِنْ} ابتدائية أو تبعيضية أو لله تعالى شأنه و {مِنْ} ابتدائية و {مِنْ} الثانية مزيدة وابتدائية على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضية على الوجه الثاني والثالث)). وأنت تعلم أنه قد يكون الظرف متعلقاً بما عنده، والتزام تعلقه بمحذوف وقع صفة لمصدر كذلك في جميع الاحتمالات مما لا حاجة إليه. نعم اللازم بناءً على المشهور أن لا يتعلق حرفان بمعنى بمتعلق / واحد، وذهب أبو البقاء إلى أن الضمير الأول للشأن و {مِنْ} الأولى للأجل كما في قوله سبحانه: {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ } تفسير : [نوح: 25] و {مِنْ} الثانية مزيدة وما بعدها مفعول به ـ لتتلو ـ وله وجه، ومما يقضي منه العجب ما قاله بعضهم إنه يحتمل أن يكون ضمير {مِنْهُ} للشأن إما على تقدير ما تتلو حال كون القراءة بعض شؤونك وإما أن يحمل الكلام على حذف المضاف أي وما تتلو من أجل الشأن بأن يحدث لك شأن فتتلو القرآن من أجله فإن الحالية مما لا تكاد تخطر ببال من له أدنى ذوق في العربية ولم نر القول بتقدير مضاف في الكلام إذا كان فيه {مِنْ} الأجلية أو نحوها، وما في كلام غير واحد من الأفاضل في أمثال ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، ويبعد حمل هذا البعض على ذلك كما لا يخفى. هذا ثم إن القرآن عام للمقروء كلاً وبعضاً وهو حقيقة في كل كما حقق في موضعه، والقول بأنه مجاز في البعض بإطلاق الكل وإرادة الجزء مما لا يلتفت إليه. {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} أي أي عمل كان، والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنساني وسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وهذا عام ويشمل سائر العباد برهم وفاجرهم لا الأخيرين فقط، وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به فعبر في مقام الخصوص في الأول بالشأن لأن عمل العظيم عظيم وفي الثاني بالعمل العام للجليل والحقير، وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَآءَ } تفسير : [الطلاق: 1] {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي وما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له كذا قالوا، ويفهم منه أن الجار والمجرور متعلق بما بعده، ولعل تقديمه للاهتمام بتخويف من أريد تخويفه من المخاطبين، وكأنه للمبالغة فيه جىء بضمير العظمة، وأن المقصود من الاطلاع عليهم الاطلاع على عملهم {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تشرعون فيه وتتلبسون به، وأصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أو بقوة، وحيث أريد بالأفعال السابقة الحالة المستمرة الدائمة المقارنة للزمان الماضي أيضاً أوثر في الاستثناء صيغة الماضي، وفي الظرف كلمة {إِذْ} التي تفيد المضارع معنى الماضي كذا قيل، ولم أر من تعرض لبيان وجه اختيار النفي ـ بما ـ التي تخلص المضارع للحال عند الجمهور عند انتفاء قرينة خلافه في الجملتين الأوليين والنفي ـ بلا ـ التي تخلص المضارع للاستقبال عند الأكثرين خلافاً لابن مالك في الجملة الثالثة، ولعل ذلك من آثار اختلاف الخطاب خصوصاً وعموماً فتأمله فإنه دقيق جداً. {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ} أي ما يبعد وما يغيب، ومنه يقال: الروض العازب وروض عزيب إذا كان بعيداً من الناس، والكلام على حذف مضاف أي وما يعزب عن علم ربك عز وجل أو هو كناية عن ذلك. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الإشعار باللطف ما لا يخفى. وقرأ الكسائي والأعمش ويحيـى بن وثاب بكسر الزاي {من مثقال ذرة} {من} مزيدة لتأكيد النفي، والمثقال اسم لما يوازن الشيء ويكون في ثقله وهو في الشرع أربعة وعشرون قيراطاً. وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم في «تفسيره» عن أبـي جعفر، والصحيح أنه لم يختلف جاهلية وإسلاماً فقد نقل الجلال السيوطي عن الرافعي أنه قال: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا في الإسلام. والذرة واحدة الذر وهو النمل الأحمر الصغير، وسئل / ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وقيل: الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآء} أي في جهتي السفل والعلو أو في دائرة الوجود والإمكان لأن العامة لا تعرف سواهما ممكناً ليس فيهما ولا متعلقاً بهما، والكلام شامل لهما أنفسهما أيضاً كما لا يخفى. وتقديم الأرض على السماء مع أنها قدمت عليها في كثير من المواضع ووقعت أيضاً في سبأ [3] في نظير هذه الآية مقدمة لأن الكلام في حال أهلها والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه سبحانه بتفاصيلها، وذكر السماء لئلا يتوهم اختصاص إحاطة علمه جل وعلا بشيء دون شيء، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء ومن يكون هذا شأنه كيف لا يعلم حال أهل الأرض وما هم عليه مع نبيه صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَلآ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلآ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} جملة مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها، و {لا} نافية للجنس و {أَصْغَرَ} اسمها منصوب لشبهه بالمضاف وكذا {أَكْبَرَ} لتقدير عمله، وقول السمين: إنهما مبنيان على الفتح ضعيف وهو مذهب البغداديين، وزعم أنه سبق قلم متأخر عن حيز القبول، و {فِي كِتَـٰبِ} متعلق بمحذوف وقع خبراً. وقرأ حمزة ويعقوب وخلف وسهل بالرفع على الابتداء والخبر، و {لا} يجوز إلغاؤها إذا تكررت، وأما قولهم: إن الشبيه بالمضاف يجب نصبه فالمراد منه المنع من البناء لا المنع من الرفع والإلغاء كما توهمه بعضهم، وجوز أن يكون ذلك على جعل {لا} عاملة عمل ليس، وقيل: إن {أَصْغَرَ} على القراءة الأولى عطف على {مِثْقَالَ} أو {ذَرَّةٍ} باعتبار اللفظ، وجيء بالفتح بدلا عن الكسر لأنه لا ينصرف للوصف ووزن الفعل، وعلى القراءة الأخرى معطوف على {مِثْقَالَ} باعتبار محله لأنه فاعل. و {مِنْ} كما عرفت مزيد. واستشكل بأنه يصير التقدير ولا يعزب عنه أصغر من ذلك ولا أكبر منه إلا في كتاب فيعزب عنه ومعناه غير صحيح. وأجيب بأن هذا على تقدير اتصال الاستثناء وأما على تقدير انقطاعه فيصير التقدير لكن لا أصغر ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين، وهو مؤكد لقوله سبحانه: {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ} تفسير : [سبأ: 3] الخ، وأجاب بعضهم على تقدير الاتصال بأنه على حد {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 23] في رأي، فالمعنى لا يبعد عن علمه شيء إلا ما في اللوح الذي هو محل صور معلوماته تعالى شأنه بناء على تفسير الكتاب المبين به أو إلا ما في علمه بناء على ما قيل: إن الكتاب العلم، فإن عد ذلك من العزوب فهو عازب عن علمه وظاهر أنه ليس من العزوب قطعاً فلا يعزب عن علمه شيء قطعاً. ونقل عن بعض المحققين في دفع الإشكال أن العزوب عبارة عن مطلق البعد، والمخلوقات قسمان قسم أوجده الله تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء والملائكة عليهم السلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود سبحانه، فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده تعالى ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه سبحانه تلك المعلومات، فهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وإثبات العزوب بمعنى البعد عنه تعالى في سلسلة الإيجاد لا محذور فيه وهو وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء وإن خالف ما هم عليه في الجملة. وقال الكواشي: معنى يعزب يبين وينفصل، أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه إلا وهو في اللوح وتلخيصه / أن كل شيء مكتوب فيه. واعترض بأن تفسيره بيبين وينفصل غير معروف، وقيل: المراد بالبعد عن الرب سبحانه البعد والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوح فيعزب عن الغيب ويبعد إذ لا يبقى ذلك غيباً حينئذ لاطلاع الملائكة عليهم السلام وغيرهم عليه فيفيد إحاطة علمه سبحانه بالغيب والشهادة. ومن هنا يظهر وجه آخر لتقديم الأرض على السماء، وقيل: إن {إِلا} عاطفة بمنزلة الواو كما قال بذلك الفراء في قوله تعالى: {أية : لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ}تفسير : [النحل: 10ـ11] والأخفش في قوله سبحانه: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 150] وقوم في قوله جل شأنه: {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} تفسير : [النجم: 32] وهو مقدر بعدها، والكلام قد تم عند قوله سبحانه: {وَلا أَكْبَرَ} ثم ابتدأ بقوله تعالى: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} أي وهو في كتاب ونقل ذلك مكي عن أبـي علي الحسن بن يحيـى الجرجاني ثم قال: وهو قول حسن لولا أن جميع البصريين لا يعرفون {إِلا} بمعنى الواو، والانصاف أنه لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى العزيز على ذلك ولو اجتمع الخلق إنسهم وجنهم على مجيء إلا بمعنى الواو، وقيل: إن الاستثناء من محذوف دل عليه الكلام السابق أي ولا شيء إلا في كتاب؛ ونظيره {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ }تفسير : [الأنعام: 38] ويكون من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى في كل معلوم وإن كل شيء مكتوب في الكتاب، ويشهد لهذا على ما قيل كثير من أساليب كلام العرب. ونقل عن صاحب كتاب «تبصرة المتذكر» أنه يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً بما قبل قوله تعالى: {وَلاَ يَعْزُبُ} ويكون في الآية تقديم وتأخير، وترتيبها وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه إليَّ ولا أكبر، وتلخيصه وما من شيء إلا وهو في اللوح المحفوظ ونحن نشاهده في كل آن. ونظر فيه البلقيني في رسالته المسماة «بالاستغناء بالفتح المبين في الاستثناء» في {وَلآ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} بأنه على ما فيه من التكلف يلزم عليه القول بتركيب في الكلام المجيد لم يوجد في كلام العرب مثله أعني إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً وليس ذلك نظير. أمرر بهم الا الفتى إلا العلا. كما لا يخفى. وأنت تعلم أن أقل الأقوال تكلفا القول بالانقطاع، وأجلها قدراً وأدقها سراً القول بالاتصال وإخراج الكلام مخرج {أية : إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 23] ونظائره الكثيرة نثراً ونظماً، ولا عيب فيه إلا أن الآية عليه أبلغ فليفهم، ثم إنه تعالى لما عمم وعده ووعيده في حق كافة من أطاع وعصى أتبعه سبحانه بشرح أحوال أوليائه تعالى المخلصين فقال عز من قائل: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَآء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ...}.
ابن عاشور
تفسير : معطوفة على جملة {أية : وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة}تفسير : [يونس: 60] عطفَ غرض على غرض، لأن فصل الغرض الأول بالتذييل دليل على أن الكلام قد نقل إلى غرض آخر، وذلك الوعدُ بالثواب للرسول على ما هو قائم به من تبليغ أمر الله وتدبير شؤون المسلمين وتأييد دين الإسلام، وبالثواب للمسلمين على اتباعهم الرسول فيما دعاهم إليه. وجاء هذا الوعد بطريقة التعريض بحصول رضى الله تعالى عنهم في قوله: {إلا كنا عليكم شهوداً} لأنهم يعلمون أن عملهم وعمل النبي ما كان إلا في مرضاة الله، فهو كقوله تعالى: {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}. ويتضمن ذلك تنويهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في جليل أعماله وتسلية على ما يُلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى، لأن اطلاع الله على ذلك وعلمه بأنه في مرضاته كاف في التسلية، كقوله: {أية : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]، ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم توجه إليه وإلى من معه من المسلمين. و{ما} الأولى و{ما} الثانية نافيتان. والشأن: العمل المهم والحال المهم. و(في) للظرفية المجازية التي بمعنى شدة التلبس. وضمير (منه) إما عائد إلى (شأن)، أي وما تتلو من الشَّأن قرآناً فتكون (مِن) مبينة لـ(ما) الموصولة أو تكون بمعنى لام التعليل، أي تتلو من أجل الشأن قرآناً. وعَطْف {وما تتلو} من عطف الخاص على العام للاهتمام به، فإن التلاوة أهم شؤون الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وإما عائد إلى {قرآن}، أي وما تتلو من القرآن قرآناً، فتكون {منه} للتبعيض، والضمير عائد إلى مؤخر لتحصيل التشويق إليه حتى يتمكن في نفس السامع. وواو (تتلو) لام الكلمة، والفعل محتمل لضمير مفرد لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. فيكون الكلام قد ابتدىء بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو من خواصّه كقيام الليل، وثُنِّي بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة القرآن على الناس، وثُلِّث بما هو من شؤون الأمة في قوله: {ولا تعمَلون من عمل} فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملاً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تقديم ذكر شأن في أول الآية يخصص عموم الخطاب في قوله: {تَعملون} فلا يبقى مراداً منه إلا ما يعمله بقية المسلمين. ووقع النفي مرتين بحرف (ما) ومرة أخرى بحرف (لا) لأن حرف (ما) أصله أن يخلص المضارع للحال، فقصد أولاً استحضار الحال العظيم من شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن قراءته القرآن، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك في الأزمنة كلها. ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواءٌ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز. وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة (تكونُ - وتتلو - وتعملون) وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها {إلاَّ كنا} للتنبيه على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم الله تعالى على طريقة الاحتباك كأنه قيل: وما كنتم وتكون وهكذا، إلاَّ كنا ونكون عليكم شهودا. و{من عمل} مفعول {تعملون} فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه (من) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر. والاستثناء في قوله: {إلاَّ كنا عليكم شهوداً} استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العَمل، أي إلا في حالة علمْنا بذلك، فجملة {كنا عليكم} في موضع الحال. ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف (قد) لأن الربط ظاهر بالاستثناء. والشهود: جمع شاهد. وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو الله تعالى تبعاً لضمير الجمع المستعمل للتعظيم، ومثله قوله تعالى: {أية : إنا كنا فاعلين}تفسير : [الأنبياء: 104]. ونظيره في ضمير جماعة المخاطبين في خطاب الواحد في قول جعفر بن عُلبة الحارثِي : شعر : فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من الموت أفرق تفسير : وذلك استعارة بتشبيه الواحد بالجماعة في القوة لأن الجماعة لا تخلو من مزايا كثيرة موزعة في أفرادها. والشاهد: الحاضر، وأطلق على العالم بطريقة المجاز المرسل ولذلك عدي بحرف (على). و{إذْ} ظرف، أي حين تفيضون. والإفاضة في العمل: الاندفاع فيه، أي الشروع في العمل بقوة واهتمام، وهذه المادة مؤذنة بأن المراد أعمالهم في مرضاة الله ومصابرتهم على أذى المشركين. وخصت هذه الحالة وهذا الزمان بالذكر بعد تعميم الأعمال اهتماماً بهذا النوع فهو كذكر الخاص بعد العام، كأنه قيل: ولا تعملون من عملٍ مَّا وعملٍ عظيمٍ تفيضون فيه إلا كنا عليكم شهوداً حين تعملونه وحين تفيضون فيه. وجملة: {وما يعزب عن ربك} الخ عطف على جملة: {وما تكون في شأن}، وهي بمنزلة التذييل لما فيها من زيادة التعميم في تعلق علم الله تعالى بجميع الموجودات بعد الكلام على تعلقه بعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين. والعزوب: البعد، وهو مجاز هنا للخفاء وفواتِ العلم، لأن الخفاء لازم للشيء البعيد، ولذلك علق باسم الذات دون صفة العلم فقال: {عن ربك}. وقرأ الجمهور {يعزب} ـ بضم الزاي ـ، وقرأه الكسائي ـ بكسر الزاي ـ وهما وجهان في مضارع (عزب). و(من) في قوله: {من مثقال ذرة} مزيدة لتأكيد عموم النفي الذي في {ما يعزب}. والمِثقال: اسم آلة لما يعرف به مقدار ثِقَل الشيء فهو وزن مِفعال من ثَقُل، وهو اسم لصنج مقدر بقدر معين يوزن به الثقل. والذرة: النملة الصغيرة، ويطلق على الهباءة التي ترى في ضوء الشمس كغبارٍ دقيق جداً، والظاهر أن المراد في الآية الأولُ. وذُكرت الذرة مبالغة في الصغر والدقة للكناية بذلك عن إحاطة العلم بكل شيء فإن مَا هو أعظم من الذرة يكون أولى بالحكم. والمراد بالأرض والسماء هنا العالم السفلي والعالم العلوي. والمقصود تعميم الجهات والأبعاد بأخصر عبارة. وتقديم الأرض هنا لأن ما فيها أعلق بالغرض الذي فيه الكلام وهو أعمال الناس فإنهم من أهل الأرض بخلاف ما في سورة [سبأ: 3] {أية : عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}تفسير : فإنه لما كان المقام لذكر علم الغيب والغيب ما غاب عن الناس ومعظمه في السماء لاءم ذلك أن قدمت السماء على الأرض. وعطف {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} على {ذرة} تصريحاً بما كني عنه بمثقال ذرة من جميع الأجرام. و{أصغر} بالفتح في قراءة الجمهور ممنوعاً من الصرف لأنه معطوف على {ذرة} المجرور على أنَّ {لا} مقحمة لتأكيد النفي. وجوز أن يكون العطف عطف جملة وتكون {لا} نافية للجنس {وأصغر} اسمها مبنياً على الفتح فيكون ابتداء كلام. وقرأ حمزة وخلف ويعقوب {ولا أصغرُ - ولا أكبرُ} برفعهما باعتبار عطف {أصغر} على محل {مثقال} لأنه فاعل {يعزب} في المعنى، وكسرته كسرة جر الحرف الزائد وهو وجه من فصيح الاستعمال، أو باعتبار عطف الجملة على الجملة وتكون {لا} نافية عاملة عمل ليس و{أصغر} اسمها. والاستثناء على الوجهين الأوَّلين من قراءتي نصب {أصغرَ} ورفعه استثناء منقطع بمعنى (لكن)، أي لا يعزب ذلك ولكنه حاضر في كتاب، وجوز أن يكون استثناء متصلاً من عموم أحوال عزوب مثقال الذرة وأصغرَ منها وأكبر. وتأويله أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. والمعنى لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في حال كونه في كتاب مُبين، أي إلا معلوماً مكتوباً ويعلم السامع أن المكتوب في كتاب مبين لا يمكن أن يعزب، فيكون انتفاء عزوبه حاصلاً بطريق برهاني. والمجرور على هذا كله في محل الحال، وعلى الوجهين الأخيرين من القراءتين يكون الاستثناء متصلاً والمجرور ظرفاً مستقلاً في محل خبر (لا) النافية فهو في محل رفع أو في محل نصب، أي لا يوجد أصغر من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله تعالى: {أية : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}تفسير : [الأنعام: 59]. والكتاب: علم الله، استعير له الكتاب لأنه ثابت لا يخالف الحق بزيادة ولا نقصان. ومبين: اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي واضح بيّن لا احتمال فيه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 61- وإنك - أيها الرسول - قد بلغت وهو معلوم لله، وما تكون فى أمر من أمورك، وما تقرأ من قرآن ولا تعمل أنت وأمتك من عمل، إلا ونحن شهود رقباء عليه حين تدخلون فيه مجاهدين، ولا يغيب عن علم ربك شئ فى وزن الذرة فى الأرض ولا فى السماء، ولا أصغر من هذا ولا أكبر منه. إن ذلك كله يسجل فى كتاب عند الله بيِّن واضح. 62- تنبهوا - أيها الناس - واعلموا أن الموالين لله بالإيمان والطاعة يحبهم ويحبونه، لا خوف عليهم من الخزى فى الدنيا، ولا من العذاب فى الآخرة، وهم لا يحزنون على ما فاتهم من عرض الدنيا؛ لأن لهم عند الله ما هو أعظم من ذلك وأكثر. 63- وهم الذين صدَّقوا بكل ما جاء من عند الله، وأذعنوا للحق، واجتنبوا المعاصى، وخافوا الله فى كل أعمالهم. 64- لهؤلاء الأولياء البشرى بالخير فى الدنيا، وما وعدهم الله به من نصر وعزة، وفى الآخرة يتحقق وعد الله، ولا خلف لما وعد الله به، وهذا الذى بشروا به فى الدنيا، وظفروا به فى الآخرة هو الفوز العظيم. 65- ولا تحزن - أيها الرسول - لما يقوله المشركون من سخرية وطعن وتكذيب، ولا تظن أن حالهم ستدوم، بل إن النتيجة لك وسيعتز الإسلام، فإن العزة كلها لله تعالى، والنصر بيده، وسينصرك عليهم، وهو سبحانه السميع لما يفترون عليك، العليم بما يضمرونه، وسيجازيهم على ذلك.
القطان
تفسير : الشأن: الأمر، والحال، والمنزل. تفيضون فيه: تتوسعون في الحديث. وما يعزب: ما يغيب. مثقال ذرة: قدر نملة صغيرة او ما يرى في الغبار. الكتاب: اللوح المحفوظ. البشرى: الخبر السار، البشارة. {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}. وما تكونُ أيّها الرسولُ في أمرٍ من أمورِك، وما تقرأُ عليهِم من قرآنٍ أو تعمَلُ أنتَ وأمّتك من عملٍ الا ونحنُ شهودٌ عليه حين تخوضُون فيه. {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. ولا يغيبُ عن علمِ ربك شيءٌ ولو كانَ في وزْنِ الذرَّة في الأرضِ ولا في السماء، ولا أصغُر من ذلك ولا أكبر منه، إلاّ وهو معلومٌ في كتابٍ عظيم الشأن. قراءات: قرأ الكسائي: "يعزِب" بكسر الزاي. والباقون "يعزُب" بضم الزاي. وقرأ حمزة وخلف ويعقوب "ولا أصغُر من ذلك ولا اكبر" بالرفع، والباقون بفتح الراء. بعد ان بيّن اللهُ تعالى لعبادِه سعةَ عِلمه وقدرتَهُ ومراقبته لعباده، ذكر هنا حال الشاكرين المتقين الذين لهم حُسْنُ الجزاءِ يومَ القيامة. {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. إن أولياءَ الله الّذين يُخِلصون له بالعباة ويتوكّلون عليه لا خوفٌ عليهم في الدُّنيا والآخرة، وهم لا يحزَنون على ما فاتَهم من عَرَض الدنيا لأن لهم عندَ الله ما هو أعظمُ من ذلك. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. وأولياءُ الله هؤلاء هم الذين صدَّقوا بكل ما جاءَ من عند الله، واتقوا الله حق تقاته. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}. كذلك فان البشرى لهؤلاء الاولياء بالخير في الدنيا بما وعدَهم اللهُ من نصرٍ وعز، وفي الآخرة بتحقيق وعده بعظيم الجزاء. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. لا تغييرَ ولا خُلف في مواعيد ربِّهم، وهذا هو الفوز العظيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَتْلُواْ} {قُرْآنٍ} {كِتَابٍ} (61) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمٌ بَجِمِيعِ أَحْوَالِ رَسُولِهِ وَأُمُورِهِ، سَوَاءٌ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌ بِهِ، أَوْ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِشُؤُونِ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّهُ لاَ يَتْلُو مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مِنْ قُرْآنٍ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ اللهُ تَعَبُّداً وَتَهَجُّداً بِهِ، أَوْ تَبْلِيغاً لَهُ لِلنَّاسِ، وَلاَ يَقُومُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، مِنَ المُؤْمِنينَ وَغَيْرِهِمْ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ غَيْرِ صَالِحٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، إِلاَّ كَانَ اللهُ تَعَالَى رَقِيباً عَلَيْهِمْ فَيَحْفَظُهُ لَهُمْ، وَيَجْزِيهِمْ بِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَىلاَ يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ صَغُرَ أَوْ كَبُرَ حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ شَيءٍ مُحْصًى عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. تَكُونُ فِي شَأْنٍ - فِي أَمْرٍ هَامٍ مُعْتَنًى بِهِ. تَُفِيضُونَ فِيهِ - تَشْرَعُونَ وَتَخُوضُونَ فِيهِ. مَا يَعْزُبُ - مَا يَبْعُدُ - وَمَا يَغِيبُ. مِثْقَالِ ذَرَّةٍ - وَزْنِ ذَرَّةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ما تكون يا محمد في شأن. والشأن: هو الحال العظيم المتميز الذي يطرأ على الأمر. ونحن في حياتنا اليومية نقول: ما شأنك اليوم أو ما حالك؟ وهنا يجيب السامع بالشيء الهام الذي حدث له أو فعله، ويتناسى التافه من الأمور. ولذلك يصف الله تعالى نفسه فيقول: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29]. أي: لا تظنوا أن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق النواميس والقوانين، وقال لها: اعملي أنتِ، لا فهو سبحانه كل يوم في شأن. ولذلك حين سئل أحد العلماء: ما شأن ربك الآن؛ وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ فقال: "أمور يبديها ولا يبتديها". أي: أنه سبحانه قد رسم كل شيء، وجعل له زماناً ليظهر، فهو سبحانه قيُّوم، أي: مُبَالغ في القيام على مصالحكم؛ ولذلك يطمئننا سبحانه - وقد جعل الليل لنومنا وراحتنا - بأنه سبحانه قيوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وهو يراعينا. فالحديث في الآية التي نحن بصددها موجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ..} [يونس: 61]. وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يهتم به ليس المأكل ولا المشرب، إنما المهم بالنسبة له هو بلاغ الرسالة بالمنهج بـ "افعل" و"لا تفعل". {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ..} [يونس: 61]. و"منه" هنا بمعنى اللام، أي: ما تتلو له، وتعني تأبيداً لآيات القرآن. وهناك في موضع آخر من القرآن يقول الحق سبحانه: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ ..}تفسير : [نوح: 25]. أي: أغرقوا لأجْل خطيئاتهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نفهم ما تكون في شأن وما تتلو لأجل هذا الشأن من قرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم في شأن هام هو الرسالة، ويتلو من القرآن تأبيداً لهذا الشأن وهو البلاغ بالمنهج. ويدخل في هذا الشأن ما فوِّض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حسب قول الحق سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. ومثال ذلك: تحديد كيفية الصلاة وعدد ركعات كل صلاة، وكذلك نِصَاب الزكاة، وهذه أمور لم يأت بها القرآن تفصيلاً، ولكن جاءت بها الأحاديث النبوية. إذن: فهناك تفويض من الحق للرسول صلى الله عليه وسلم ليكتمل البلاغ بمنهج الله، بنصوص القرآن، وبتفويض الله تعالى له أن يشرِّع. إذن: فكل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلاغ عن الله بالنص القرآني، وإما تطبيق فعليّ للنص القرآني بالحديث النبوي، وبالأسوة التي تركها لنا صلى الله عليه وسلم في سُنَّته. والحُجَّة على الحُكم - أي حُكم - يأتي بها القرآن، فإن كانت الأحكام غير صادرة من الله مباشرة، فيكفي فيها أنها صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفويض من الله تعالى ليشرِّع. وبذلك نردُّ على المنافقين الذين إذا حُدِّثوا بشيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: "بيننا وبينكم كتاب الله" وهدفهم أن يردُّوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فِعْلاً، أو قولاً أو إقراراً. ثم ينقل الحق سبحانه الخطاب من المفرد إلى الجماعة فيقول جَلَّ شأنه: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ..} [يونس: 61]. وفي هذا انتقال للسامعين للقرآن، المبلَّغ إليهم هذا المنهج، فكل عمل إنما يشهده الحق سبحانه. والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان، فكل حدث يصدر من الإنسان - ولو بِنيَّة القلب - يسمَّى عملاً؛ لأن عمل القلوب هو النية. ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً. وهكذا ينقسم العمل إلى قسمين: قول، وفعل. وقد اختُصَّ حدث اللسان باسم القول؛ لأن أصل مستندات التكليف كلها قولية. ثم يقول الحق سبحانه: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلِّغه الرسول صلى الله عليه وسلم. والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق، وتلك اللهفة، وحسن الاستقبال، وإخلاص الأداء، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل. أي: أن تقبلوا على أعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب. وقد قال الحق سبحانه: {أية : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ ..}تفسير : [البقرة: 198]. أي: شَرَعْتُم في الذهاب مسرعين؛ لأنكم أدَّيتم نُسُكاً أخذتم منه طاقة، وتقبلون بها على نُسُك ثانٍ. إذن: فالحق سبحانه يشهد كل عمل منكم، لكن ماذا عن النيَّات وما يُبيَّت فيها من خواطر. ها هو الحق سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب. يقول الحق سبحانه: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61]. أي: أن كل أمورك، وأمور الخلق، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى، ومكتوبة في كتاب مبين واضح، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب، أو يختلس حركة ضمير، وكلمة "يعزب" تعني: يغيب ويختفي. والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القِلَّة. ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذَّرَّة، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جِدّاً، ثم أطلقت الذرة على الهَبَاء الشائع في الجو، ويمكنك أن ترى هذا الهَبَاء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة، ثم دخلها شعاع من ضوء، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم، وترى مكوِّنات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يُبرزها. وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر، وإما لتناهيه في الكبر؛ فلا تحيط به، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المَجَاهر التي تُكبِّر الشيء المتناهي في الصغر آلاف، أو ملايين المرات. وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل؛ لأنها بلغت من الدقة والصِّغر بحيث لا تستطيع عيناك أن تدركها، فإن رأيتها بالمجهر كَبُرَت فترى فجوات وتعاريج وعُلُوّاً وانخفاظاً - مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعماً. وكذلك أنت لا تقدر على إدراك الشيء الضخم، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة؛ فتراه أصغر من حجمه، وكلما ابتعد صَغُرَ، فأنت إذا رأيت - مثلاً - رجلاً طويلاً على مسافة كبيرة، فأنت تراه وكأنه طفل صغير، وكلما اقترتب منه زاد طوله في عينيك. إذن: لا الضخامة ولا البُعد ولا القِلَّة تمنع من علم الحق سبحانه لأي شيء. وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه، وهو الذرة، أي: النملة الصغيرة. وأنت إذا وطأتَ نملة في أرض رملية فهي لا تموت، بل تدخل في فجوات الرمل، وتجد لنفسها طريقاً إلى سطح الأرض مرة أخرى. قد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدَّث عن سليمان - عليه السلام - في وادي النمل، فقال تعالى: {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [النمل: 18]. لأنهم لا يرونهم؛ لحجمهم المتناهي في الصغر. وهكذا يعطينا الحق سبحانه بياناً عن كل أمة في الحياة، وأن من بينهم جنوداً يحرسون بيقظة، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده، لأنهم لن يروا النمل الصغير. إذن: الذَّرُّ إما أن يكون النمل الصغير، وإما أن يكون الذرَّات الهبائية. وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلاً بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة. ويعزب، أي: يغيب، ويقال: "هذا البئر ماؤه عازب"، أي قادم من عمق بعيد، ويحتاج استخراجه إلى دَلْوٍ وحبال طويلة. ونسمِّي الرجل الذي يبعد عن أهله "عَزَب". وقول الحق سبحانه: {وَمَا يَعْزُبُ}. أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء. يقول سبحانه ذلك؛ ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله، ويَعْلَمُها، وهو المُجَازِي عليها. وإن استطاع إنسان أن يُعمِّي على قضاء الأرض، فلن يستطيع أن يُعمِّي على قضاء السماء. ومسألة الذرَّة والصغر يقول عنها الحق سبحانه: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]. هذا للمتساوِي في الثقل والوزن، أما إن كان أصغر من الذرة، فقد ذكره الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فقال: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ ..} [يونس: 61]. وعلى زمن نزول القرآن الكريم لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وكنا جميعاً حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى لا نعلم أن هناك شيئاً أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّأ؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر، فضرب الله مثلاً بالأقل في زمن نزول القرآن. ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد. أي: الشيء الذي لا ينقسم، وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه "الجوهر الفرد" تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتَّتت الذرّة. وقد جعل الحق سبحانه المقياس في الصغر هو الذرة. وحين اخترعت ألمانيا تلك الآلة توجَسّ المتصلون بالدين وخافوا أن يقال: إن الحق سبحانه لم يذكر ما هو أقل من الذرة، ولكنهم التفتوا إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقرأوا قول الحق سبحانه: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61]. و{وَمَا يَعْزُبُ} أي: لا يبعد أو يغيب {عَن رَّبِّكَ} أي: عن عِلْمه {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}. أي: وزن ذَرَّة. وقديماً قلنا: إن البعض يقول: إن "من" قد تكون حرفاً زائداً في اللغة، كقولنا: "ما جاءني مِنْ رجل" وتعرب كلمة "من": حرف جر زائد، و"رجل": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة التي منع من ظهورها اشتعال المحلِّ وهو "اللام" بحركة حرف الجر الزائد. ولكن في كلام الله لا يوجد حرف زائد، فـ"مِنْ" في قوله: {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}. أي: من بداية ما يقال له "مثقال". ويقول الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [سبأ: 3]. وكلمة {وَرَبِّي} مُقْسَمٌ به، وحرف "الواو" هو حرف الجر، ولم يأت هنا بالشهادة، وجاء بالغيب، ولم يأت بعلم الغيب في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. وعالم الشهادة، تعني: أنه عَالِمٌ بكل ما يشهد، ويظن البشر أنها غير مُحَاطٍ بها لعظمتها؛ أو لأن الله غيب فلا يرى إلا الغيب، لكن الحق سبحانه يرى ويعلم الغيب والشهادة. لقد قال الحق كلمة "مقال ذرة" ثلاث مرات: مرة حين قال سبحانه: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..}تفسير : [الزلزلة: 7]. ومرة حين قال هنا: {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ..} [يونس: 61]. وجاء بـ "من" هنا ليبين أنه لا يغيب عن الله تعالى من بداية ما يقال له "مثقال". وقال الحق سبحانه في موضع آخر: {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [سبأ: 3]. وجاء بالسماوات أولاً، وجاء في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - بالأرض أولاً، وهو في الآيتين يتكلم عن علمه للغيب، فيأتي بمثقال الذرة ويقدِّم السماء ويأتي بها مفردة، ثم يأتي بما هو أقل من الذرة ويقدِّم الأرض. وهذا كله من إعجاز أساليب القرآن التي أراد البعض من المستشرقين أن يعترضوا عليها، وكانت جميع اعتراضاتهم نتيجة لعجزهم عن امتلاك مَلَكة الأداء البياني. وإنْ عرضنا الرد على تساؤلاتهم نجد أن الحق سبحانه قَدَّم الأرض في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لأنه سبحانه يتكلم عن أهل الأرض: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ..} [يونس: 61]. وجاء أيضاً بالسماء، وهي السماء الدنيا التي يراها أهل الأرض. أما الآية الأخرى فهو سبحانه يقول: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [سبأ: 3]. والكلام هنا عن الساعة، وعلمها عند الله تعالى، ولم تنزل من السماوات إلى السماء الدنيا حتى نقول للمكلَّفين في الأرض: قوموا ها هي الساعة. ولذلك جاء الحديث هنا عن السماوات أولاً؛ لأن علم الساعة عند ربِّي، ولن ينزل إلا بمشيئته سبحانه. وهكذا جاء كل أسلوب لا بإجمال المعنى، ولكن بدقة جزئياته، فتكلم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وآية سبأ عن العلم والذرَّة، والسماء والأرض، وكل آية جاءت الكلمات فيها بتقديم أو تأخير يناسب مجالها. ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61]. ولنا أن نلتفت إلى أن الاستثناء هنا لا يُخْرِج ما قبله، بل كل شيْ مكتوب في الكتاب المبين، ونحن في الدنيا نجد الإنسان إن كان له دَين عند آخر فهو يحتفظ بالوثائق المكتوبة التي تُسجِّل ما له وما عليه. ولكن، أيحتفظ الحق سبحانه بأعمالنا ونيَّاتنا مكتوبة كحجة له، أم حجة لنا؟ إنه سبحانه يعلم أزلاً كل أعمالنا، ولكنه يُسجِّل لنا بالواقع تلك الأعمال والنيات؛ لنعلم عن أنفسنا ماذا فعلنا؛ لتنقطع حجة من أساء إذا وقع به العقاب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} معناهُ تُكْثرون فِيهِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} معناه يَغِيبُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا، الدعوة لمراقبته على الدوام فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ } أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية. { وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ } أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك. { وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } صغير أو كبير { إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به. فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم، وما يكره الله تعالى، فإنه مطلع عليكم، عالم بظواهركم وبواطنكم. { وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } أي: ما يغيب عن علمه، وسمعه، وبصره ومشاهدته { مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه. وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر، كثيرًا ما يقرن الله بينهما، وهما: العلم المحيط بجميع الأشياء، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث، كقوله تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):