١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا بينا أن قوله تعالى: { أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } تفسير : [يونس: 61] مما يقوي قلوب المطيعين، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية. وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه. فنقول: أما إن الوحي من هو؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول. أما القرآن، فهو قوله في هذه الآية: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } فقوله: {ءامَنُواْ } إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله: {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } إشارة إلى كمال حال القوة العملية. وفيه قيام آخر، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل، ثم نصف الولي بأنه كان متقياً في الكل. أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصراً على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبداً يكون في مقام الخوف والتقوى. وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس » تفسير : ثم قرأ هذه الآية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم » تفسير : قال أهل التحقيق: السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله: { أية : سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الفتح: 29] وأما الأثر، فقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه، وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريباً منه، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقاً في نور معرفة الله تعالى سبحانه، فإن رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، فهذا الشخص يكون ولياً لله تعالى، وإذا كان كذلك كان الله تعالى ولياً له أيضاً كما قال الله تعالى: { أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] ويجب أن يكون الأمر كذلك، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين. وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي. وأما قوله تعالى في صفتهم: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ففيه بحثان: البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه. البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصاً لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: « حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » تفسير : وعلى ما قال: « حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » تفسير : وثانيها: أن المؤمن، وإن صفا عيشه في الدنيا، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على أمر الآخرة، فهذا كلام محقق، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب، فوليُّ الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئاً، ولا يحزن بسبب شيء، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟ وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها لم يعرفها، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية، كما يحصل لغيره، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ ما كان فازعاً من تلك السباع، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة، فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟ فقال الشيخ: إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى. المسألة الثانية: قال أكثر المحققين: إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وبقوله تعالى: { أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الأنبياء: 103] وأيضاً فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال: بل يحصل فيه أنواع من الخوف، وذكروا فيه أخباراً تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد. وأما قوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ففيه ثلاثة أوجه: الأول: النصب بكونه صفة للأولياء. والثاني: النصب على المدح. والثالث: الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى. وأما قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ } ففيه أقوال: الأول: المراد منه الرؤيا الصالحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: « حديث : البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره » تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة » تفسير : وعن ابن مسعود، الرؤيا ثلاثة: الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل، وحضور الشيطان، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة. وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءاً من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي. واعلم أنا إذا حملنا قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم، فإنه إذا نام يبقى كذلك، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه، فلهذا السبب قال: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } على سبيل الحصر والتخصيص. القول الثاني: في تفسير البشرى، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر. قال؟ قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس. فقال: « حديث : تلك عاجل بشرى المؤمن » تفسير : . واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال، صار محبوباً لكل أحد، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله، مستغرق اللسان بذكر الله، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب، صارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر، كانت هذه المحبة أقوى، وأيضاً فنور معرفة الله مخدوم بالذات، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوماً بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة. والقول الثالث: في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى: { أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ألاتَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } تفسير : [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23-24] وسلام الله عليهم كما قال: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات. والقول الرابع: إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه. ودليله قوله: { أية : يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ } تفسير : [التوبة: 21]. واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة، فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله: {وَفِي ٱلأَخِرَةِ } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } والمراد أنه لا خلف فيها، والكلمة والقول سواء. ونظيره قوله: { أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } تفسير : [ق: 29] وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله: {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ } ثم بين تعالى أن: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } وهو كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } تفسير : [الإنسان: 20] ثم قال القاضي: قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً. ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي في الآخرة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لفقد الدنيا. وقيل: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحِياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن؛ قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا} ـ أي عن جهنم ـ {مُبْعَدُونَ} ـ إلى قوله ـ {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء: 103]. وروى سعيد بن جبير:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: مَن أولياء الله؟ فقال: «الذين يُذكَر الله برؤيتهم»تفسير : . وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداءَ تغبِطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». قيل: يا رسول الله، خبّرنا مَن هم وما أعمالهم فلعلّنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموالٍ يتعاطَون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزِن الناس ـ ثم قرأ ـ {أَلاَ إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}»تفسير : . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أولياء الله قوم صفر الوجوه من السّهر، عُمْش العيون من العِبَر، خُمْص البطون من الجوع، يُبْس الشفاه من الذَّوِيّ. وقيل: «لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في ذريتهم، لأن الله يتولاهم. «وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأُخراهم لأنه وليّهم ومولاهم.
البيضاوي
تفسير : {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ} الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحوق مكروه. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لفوات مأمول. والآية كمجمل فسره قوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} وقيل الذين آمنوا وكانوا يتقون بيان لتوليهم إياه. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} وهو ما بشر به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وما يريهم من الرؤيا الصالحة وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع. {وَفِي ٱلأَخِرَةِ} بتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة بيان لتوليه لهم، ومحل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} النصب أو الرفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء وخبره {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ}. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده. {ذٰلِكَ} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين. {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله. {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم. وقرأ نافع {يَحْزُنكَ} من أحزنه وكلاهما بمعنى. {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} استئناف بمعنى التعليل ويدل عليه القراءة بالفتح كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم لأن الغلبة لله جميعاً لا يملك غيره شيئاً منها فهو يقهرهم وينصرك عليهم. {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم. {ٱلْعَلِيمُ} بعزماتهم فيكافئهم عليها.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون؛ كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقياً، كان لله ولياً، {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: فيمايستقبلونه من أهوال الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما وراءهم في الدنيا، وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وقد ورد هذا في حديث مرفوع؛ كما قال البزار: حدثنا علي بن حرب الرازي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري - وهو القمي - عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: «حديث : الذين إِذا رؤوا ذكر الله» تفسير : ثم قال البزار: وقد روي عن سعيد مرسلاً، وقال ابن جرير: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير البجلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء» تفسير : قيل: من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال: «حديث : هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»تفسير : ثم قرأ: { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ثم رواه أيضاً أبو داود من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وهذا أيضاً إسناد جيد، إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، والله أعلم، وفي حديث الإمام أحمد: عن أبي النضر عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله، وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولايفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» تفسير : والحديث مطول. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان أبي صالح عن رجل عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} قال: «حديث : الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء في قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم، أو ترى، له بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة»تفسير : ثم رواه ابن جرير عن سفيان عن ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر: أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية، فذكر نحو ما تقدم، ثم قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية: { ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} فذكر نحوه سواء. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} فقال: «حديث : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال: أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل، أو ترى له» تفسير : وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به، ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، فذكره. ورواه علي بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة قال: نبئنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فذكره. وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت، فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها؛ قول الله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك، سألت عنها نبي الله، فقال مثل ذلك: «حديث : ما سألني عنها أحد قبلك، الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام، أو ترى له» تفسير : ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن عبادة بن الصامت: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة، فما بشرى الدنيا؟ قال: «حديث : الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءاً أو سبعين جزءاً من النبوة» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا بهز، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر: أنه قال: يا رسول الله الرجل يعمل العمل، ويحمده الناس عليه، ويثنون عليه به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلك عاجل بشرى المؤمن»تفسير : رواه مسلم، وقال أحمد أيضاً: حدثنا حسن، يعني: الأشيب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} - قال: - الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، جزء من تسعة وأربعين جزءاً من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك، فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليكبر، ولا يخبر بها أحداً» تفسير : لم يخرجوه. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث: أن دراجاً أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لهم البشرى في الحياة الدنيا: الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» تفسير : وقال أيضاً ابن جرير: حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب، حدثنا عمار بن محمد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} - قال: - في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة» تفسير : ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي من المبشرات، هكذا رواه من هذا الطريق موقوفاً، وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم، أو ترى له»تفسير : وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كريز الكعبية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات» تفسير : وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم: أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة. وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } تفسير : [فصلت:30-32] وفي حديث البراء رضي الله عنه: أن المؤمن إذا حضره الموت، جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء، وأما بشراهم في الآخرة، فكما قال تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 103] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [الحديد: 12] وقوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي: هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف، ولا يغير، بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلاَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} في {أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} ها هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنهم أهل ولايته والمستحقون لكرامته، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثاني: هم {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. الثالث: هم الراضون بالقضاء، والصابرون على البلاء، والشاكرون على النعماء. الرابع: هم من توالت أفعالهم على موافقة الحق. الخامس: هم المتحابون في الله تعالى. روى جرير عن عمارة بن غزية عن أبي زرعة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إِنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ أُنَاسَاً مَّا هُم بِأَنْبِيْآءٍ وَلاَ شُهَدَآءٍ يَغْبِطُهُم الأنبِياءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَمَكَانِهِم مِّن اللَّهِ"، تفسير : قالوا: يا رسول الله خبّرنا من هم وما أعمالهم فإنا نحبهم لذلك، قال: "حديث : هُمْ قَوْمٌ تَحآبُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُم وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَونَهَا. فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُم لَعَلَى مَنَابَرَ مِن نُّورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حِزَنَ النَّاسُ"، تفسير : وقرأ {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيهمِ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وفيه وجهان: أحدهما: لا يخافون على ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على دنياهم لأن الله تعالى يعوضهم عنها، وهو محتمل. الثاني: لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون عند الموت. قوله عز وجل: {لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} فيه تأويلان: أحدهما: أن البشرى في الحياة الدنيا هي البشارة عند الموت بأن يعلم أين هو من قبل أن يموت، وفي الآخرة الجنة، قاله قتادة والضحاك، وروى علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إِنّ لِخَدِيجَةَ بِنتِ خُوَيِلدِ بَيْتاً مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَب ". تفسير : الثاني: أن البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة، روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الدرداء وأبو هريرة وعبادة بن الصامت. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن البشرى في الحياة الدنيا الثناء الصالح، وفي الآخرة إعطاؤه كتابه بيمينه. {لاَ تَبْديلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: لا خلف لوعده. الثاني: لا نسخ لخيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوْلِيَآءَ اللَّهِ} أهل ولايته المستحقون لكرامته "ع"، أو الذين آمنوا وكانوا يتقون، أو الراضون بالقضاء والصابرون على البلاء والشاكرون على النعماء، أو من توالت أفعالهم على متابعة الحق، أو المتحابون في الله ـ تعالى ـ.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَلآ إِنَّ أَوْلِيَاءَ ٱللَّهِ...} الآيةُ: «أَلا» استفتاحٌ وتنبيهٌ، و{أَوْلِيَاءَ ٱللَّهِ }: هم المؤمنون الذينَ وَالوهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وهذه الآية يُعْطِي ظاهرُها أَنَّ مَنْ آمَنَ واتقَى اللَّه، فَهُوَ داخلٌ في أولياء اللَّه، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعةُ في الوَلِيِّ، « حديث : وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ سُئِلَ، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «الَّذِينَ إِذَا رَأَيْتُهُمْ ذَكَرْتَ اللَّه» ». تفسير : قال: * ع *: وهذا وصفٌ لازِمٌ للمتَّقِين؛ لأنهم يَخْشَعُونَ ويُخَشِّعُونَ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أَنَّهُ قَالَ: « حديث : أَوْلِيَاءُ اللَّه قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وَاجْتَمَعُوا في ذَاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهُمْ قَرَابَةٌ وَلاَ مَالٌ يَتَعَاطَوْنَهُ » تفسير : . وروى الدارقطنيُّ في «سننه» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: « حديث : خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عِبَادِ اللَّهِ المَشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ العَيْبَ » تفسير : . انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ». وقوله: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني: في الآخرةِ، ويحتملُ في الدنيا لا يخافُونَ أَحداً من أَهل الدنيا، ولا من أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأولُ أظهر، والعمومُ في ذلك صحيحٌ: لاَ يَخَافُونَ في الآخرة جملةً، ولا في الدنيا الخَوْفَ الدُّنْيَوِيَّ. وذكر الطبريُّ عن جماعة من العلماء مثْلَ ما في الحديثِ في الأولياء؛ أنهم هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَآهُمُ أَحَدٌ، ذَكَرَ اللَّهَ، وروي فيهم حديث؛ « حديث : أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمْ قَوْمٌ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ وَيُجْعَلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهُمْ في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ لاَ يَخَافُونَ وَلاَ يَحْزَنُون » تفسير : وروى عمر بن الخطاب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَاداً مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغبُطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ؛ لَمَكَانَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، قَالُوا: وَمَنْ هُمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ، وَلا أَمْوَالٍ... » تفسير : الحديثَ، ثم قرأَ: {أَلآ إِنَّ أَوْلِيَاءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }. * ت * وقد خرَّج هذا الحديثَ أبو داود والنسائيُّ، قال أبو داود في هذا الحديث: فَوَاللَّهِ، إِنَّ وجوههم لَنُورٌ، وإِنهم لَعَلَى نُورٍ، ذكره بإِسنادٍ آخر. انتهى. ورواه أيضاً ٱبْنُ المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعريِّ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: « حديث : يَأَيُّهَا النَّاسُ ٱسْمَعُوا وَٱعْقِلُوا، وَٱعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً لَيْسُوا بَأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبُطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ »، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: انْعَتْهُمْ لَنَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ:«هُمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وتَصَافَوْا فيهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ لاَ يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ». تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ...} الآية: أَمَّا بشرَى الآخرة، فهي بالجنَّةِ؛ بلا خلاف قولاً واحداً، وذلك هو الفَضْل الكبير، وأَمَّا بُشْرَى الدنيا، فَتَظاهَرَت الأَحاديث من طرق، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهَا «حديث : الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ »تفسير : ، وقال قتادة والضَّحَّاك: البُشْرَى في الدنيا: هِيَ ما يُبَشَّرُ به المؤمنُ عِنْد موته، وهو حَيٌّ عند المعاينة، ويصح أنْ تكون بُشْرَى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشِّرات؛ ويقوَّى ذلك بقوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ }، ويؤوَّل قوله صلى الله عليه وسلم:« هِيَ الرُّؤْيَا » أنه أعطَى مثالاً يعمُّ جميع الناس. وقوله سبحانه: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ }: يريد: لا خُلْفَ لمواعيده، ولا رَدَّ في أمره، وقد أخذ ذلك ابنُ عُمَرَ علَى نحو غَيْرِ هذا، وجَعَلَ التبديلَ المنفيَّ في الألفاظ، وذلك أنَّه روي أَنَّ الحجاج خَطَبَ، فَقَالَ: أَلاَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر قَدْ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ٱبْنُ الزُّبَيْرِ؛ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريُّ.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال: قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالاً وذكرهم إياها فواتاً، وفرحهم بما أصابوا منها حزناً، وما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليس يجددونها، وخربت بينهم فليس يعمرونها، وماتت في صدورهم فليس يحبونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، ويرفضونها فكانوا برفضها هم الفرحين، وباعوها فكانوا ببيعها هم المربحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المثلات فاحبوا ذكر الموت وتركوا ذكر الحياة، يحبون الله تعالى ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أماني دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً وموقوفاً {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال "هم الذين إذا رُؤُوا يذكر الله لرؤيتهم". وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال "يذكر الله لرؤيتهم" . تفسير : وأخرج ابن المبارك والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله من أولياء الله؟ قال "الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ من طريق مسعر عن سهل بن الأسد رضي الله عنه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟ قال "الذين إذا رُؤُوا ذكر الله" . تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق مسعر بن بكر بن الأخنس عن سعد رضي الله عنه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟ قال "الذين إذا رُؤُوا ذكر الله" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى رضي الله عنه في قوله {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: هم "الذين إذا رؤُوا ذكر الله". وأخرج أحمد وابن ماجه والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى. قال: خياركم الذين إذا رُؤُوا ذكر الله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً "ان لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه، فجثا أعرابي على ركبيته فقال: يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا. قال: قوم من إفناء الناس من نزاع القبائل تصادقوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح رضي الله عنه "حديث : إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحق العبد حق صريح الإِيمان حتى يحب لله ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري واذكر بذكرهم ". تفسير : وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : خيار عباد الله الذين إذا رُؤُوا ذكر الله، وشر عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون البرآء العنت ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في أعمالكم منطقه، وذكركم الآخرة عمله ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قالوا: "حديث : يا رسول الله أينا أفضل كي نتخذه جليساً معلماً؟ قال: الذي إذا رُئي ذكر الله برؤيته ". تفسير : وأخرج أبو داود وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من عباد الله ناساً يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع الناس ولا يحزنون إذا حزنوا، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله. قال أعرابي، يا رسول الله أنعتهم لنا. قال: هم أناس من أبناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها، يفزع الناس ولا هم يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه حديث : عن أبي الدرداء رضي الله عنه "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتجالسين فيّ، الذين يعمرون مساجدي بذكري، ويعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى طاعتي، أولئك أوليائي الذين أظلهم في ظل عرشي، وأسكنهم في جواري، وآمنهم من عذابي، وأدخلهم الجنة قبل الناس بخمسمائة عام، يتنعمون فيها وهم فيها خالدون، ثم قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم {أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال "الذين يتحابون في الله" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال "هم الذين يتحابون في الله" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي مسلم رضي الله عنه قال: لقيت معاذ بن جبل رضي الله عنه بحمص فقلت: والله إني لأحبك لله. قال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء، ثم خرجت فلقيت عبادة بن الصامت رضي الله عنه فحدثته بالذي قال معاذ، فقال عبادة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل أنه قال: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن للمتحابين في الله تعالى عموداً من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة، يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله، فإذا أشرفوا عليها أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس، مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه انبئت أن عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - قوماً على منابر من نور وجوههم نور، عليهم ثياب خضر تغشي أبصار الناظرين رؤيتهم، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قوم تحابوا في جلال الله حين عصيَ الله في الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة عن العلاء بن زياد رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : عباد من عباد الله ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة يقربهم من الله على منابر من نور، يقول الأنبياء والشهداء: من هؤلاء؟ فيقول: هؤلاء كانوا يتحابون في الله على غير أموال يتعاطونها ولا أرحام كانت بينهم ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن المتحابين لنرى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: المتحابون في الله تعالى ".
ابو السعود
تفسير : {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ} بـيانٌ على وجه التبشير والوعدِ نتيجةٌ لأعمال المؤمنين وغايةٌ لما ذكر قبله من كونه تعالى مهيمناً على نبـيه عليه السلام وأمتِه في كل ما يأتون وما يذرون وإحاطةِ علمه سبحانه بجميع ما في السماء والأرض وكونِ الكلِّ مثبتاً في الكتاب المبـين بعد ما أشير إلى فظاعة حالِ المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم من الهول إشارةٌ إجماليةٌ على طريق التهديدِ والوعيد، وصُدّرت الجملةُ بحرفي التنبـيه والتحقيق لزيادة تقريرِ مضمونِها، والوليُّ لغة القريبُ والمرادُ بأولياء الله خُلّصُ المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه وتعالى كما سيفصح عنه تفسيرهم {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لُحوق مكروه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فواتِ مطلوبِ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزنٌ أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرورِ، كيف لا واستشعارُ الخوفِ والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوقِ العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرَّبـين، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفائِهما لا بـيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارِعاً لما مر مراراً من أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارِع يفيد الاستمرارَ والدوامَ بحسب المقام، وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصِدَهم ليس إلا طاعةَ الله تعالى ونيلَ رضوانِه المستتبِعِ للكرامة والزُّلفى، وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمالَ لفواته بموجب الوعدِ بالنسبة إليه تعالى، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيويةِ المترددةِ بـين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصِدهم وجوداً وعدماً حتى يخافوا من حصول ضارِّها أو يحزنوا بفوات نافعِها.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[62] قال سهل: هم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رؤوا ذكر الله" وهم المجاهدون في الله السابقون إليه الذين توالت أفعالهم على الموافقة {أية : أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} تفسير : [الأنفال:4] وقال: اجتمع الخير كله في هذه الأربعة وبها صاروا أبدالاً: إخماص البطون، والاعتزال عن الخلق، وسهر الليل، والصمت. قيل له: لِمَ سمي الأبدال أبدالاً؟ فقال: لأنهم يبدلون الأحوال، أخرجوا أبدانهم عن الحيل في سرهم، ثم لا يزالون ينقلبون من حال إلى حال، ومن علم إلى علم، فهم أبداً في المزيد من العلم فيما بينهم وبين ربهم. قيل: الأوتاد أفضل أم الأبدال؟ قال: الأوتاد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الأوتاد قد بلغوا وثبتت أركانهم، والأبدال ينقلبون من حال إلى حال. وقال سهل: لقيت ألفاً وخمسمائة صدّيق، فمنهم أربعون بديلاً وسبعة أوتاد، وطريقهم ومذهبهم ما أنا عليه. وكان يقول: أنا حجة الله عليكم خاصة، وعلى الناس عامة. وكان من طريقه وسيرته أنه كان كثير الشكر والذكر، دائم الصمت والفكر، قليل الخلاف، سخي النفس، قد ساد الناس بحسن الخلق والرحمة والشفقة عليهم والنصيحة لهم، متمسكاً بالأصل، عاملاً بالفرع، قد حشى الله قلبه نوراً، وأنطق لسانه بالحكمة، وكان من خير الأبدال، وإن قلنا من الأوتاد فقد كان القطب الذي يدور عليه الرحى، ولولا أن الصحابة لا يقاس بهم أحد لصحبتهم ورؤيتهم لكان كأحدهم، عاش حميداً ومات غريباً بالبصرة رحمه الله عليه. وقد كان رجل يصحب سهلاً يقال له عبد الرحمن بن أحمد، فقال يوماً لسهل: يا أبا محمد، إني ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يدي فيصير قضبان ذهب وفضة. فقال سهل: يا حبيبي، أما علمت أن الصبي إذا بكى يناول خشخاشة حتى يشتغل بها، فانظر أي شيء هو هذا يعمل. وقال: كان في منزله بيت يقال له بيت السباع، وكانت السباع تجيء سهلاً، فكان يدخلها ذلك البيت، ويضيفها فيطعمها اللحم، ثم يخليها.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: عرض الأولياء بإزالة الخوف والحزن عنهم ولم يبلغهم إلى مقام أهل الاصطفاء والاختيار، لأن ذلك أقدارهم حتى يجئ قدر الذى لا يوصف بوصف فيظهر عليهم من الكرامات ما يزيل بها الخوف والحزن على أهل الأكوان ببركاتهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء، وقيام كل فريق باسم منها: هو الأول والآخر والظاهر والباطن فمن فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام، فمن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته، ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى فى السرائر من أنواره ومن كان حظه من اسمه الآخر كان شغله ما سبق، ومن لاحظ اسمه الآخر كان مرتبطًا بما يستقبله، وكلٌّ كوشف على قدر طبعه وطاقته إلا من تولاه الحق ببره وقام عنه بنفسه. وقال يحيى بن معاذ: الولى الذى لا يرائى ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه. قال بعضهم: قلوب أهل الولاية مصانة عن كل معنى لأنها موارد الحق. قال الواسطى رحمة الله عليه: علامة الولى أربعة: الأولى يحفظ سرائره التى بينه وبين ربه مما يرد على قلبه من المصائب فلا يشكو. والثانية: أن يصون كرامته فلا يتخذها رياء ولا سمعة ولا يعقل عنها هوانًا. والثالثة: أن يحتمل أذى خلقه فلا يكافؤهم. والرابعة: أن يدارى عباده على تفاوت أخلاقهم، لأنه رأى الخلق لله وفى أسر القدرة فعاشرهم على رؤية ما منه إليهم. وسُئل بعضهم ما علامة الأولياء؟ قال: همومهم مع الله وشغلهم بالله وفرارهم إلى الله. قال بعضهم: حال الأولياء فى الدنيا أشرف منها فى الآخرة لأنه جذب سرهم إلى سره وغيبهم عن كل ما سواه، وهم فى الآخرة كما قال: {أية : فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} تفسير : [يس: 55]. قال سهل: الولى هو الذى توالت أفعاله على الموافقة. سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت محمد بن معاذ النهرجورى يقول: صفة الأولياء أن يكون الفقر كرامتهم وطاعة الله جلاوتهم، وحب الله حيلتهم، وإلى الله حاجتهم والله حافظهم، ومع الله تجارتهم وبه افتخارهم وعليه توكلهم وبه أنسهم، والجوع طعامهم والزهد ثمارهم، وحسن الخلق لباسهم، وطلاقة الوجه حليتهم وسخاوة النفس حرمتهم، وحسن المعاشرة صحبتهم، والشكر زينتهم، والذكر همتهم والرضا راحتهم، والخوف سجيتهم، والليل فكرتهم، والنهار غيرتهم، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قال أبو سعيد الخراز: الأولياء فى الدنيا يطيرون بقلوبهم فى الملكوت، يرتادون ألوان الفوائد والحكمة، ويشربون من عين المعرفة، فهم يفرون من فضول الدنيا، ويأنسون بالمولى ويستوحشون من نفوسهم إلى وقت موافاة رَسولِ الرَّحيلِ. وقال أيضًا: نفوس الأولياء تذوب كما يذوب الملح فى الماء، للحفظ على أمور المولى فى مواقيتها وأداء الأمانة فى كل ساعة. وقال أيضًا: إن نفوس الأولياء حملت قلوبهم، وقلوب الأعداء حملت نفوسهم، لأن نفوس الأولياء تحمل الأعباء فى دار الدنيا؛ طمعًا فى فراغ قلوبهم، وقلوب الأعداء تحمل أثقال نفوسهم من الشرك طمعًا فى راحة نفوسهم. وقال بعضهم: الولى من يصبر على البلاء ويرضى بالقضاء ويشكر على النعماء. وقال أبو يزيد: أولياء الله هم عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا من يكون مَحْرمًا لهم، وهم مخدرون عند الله فى مجال الأنس لا يراهم أحد. قال بعضهم: إن حال الأولياء فى الدنيا أرفع من حالهم فى الآخرة، لأن الله جذب بينهم فى الدنيا وقطعهم عن الكون وفى الآخرة يشغلهم بنعيم الجنة. قال أبو على الجوزجانى: الولى هو الفانى فى حاله، الباقى فى مشاهدة الحق وذاته، تولى الله أسبابه فتوالت عليه أنوار التولى، لم يكن له عن نفسه أخبار ولا مع أحد غير الله قرار. وسُئل أبو حفص عن الولى، فقال: الولى من أُيد بالكرامات وغيب عنها.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}. الوليُّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو مَنْ تَوَالَت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان. ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول؛ فيكون الوليُّ مَنْ يتوالى عليه إحسانُ الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظاً في عامة أحواله من المحن. وأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي فيعصمه الحقُّ - سبحانه - على دوام أوقاته من الزلاَّت. وكما أن النبيَّ لا يكون إلا معصوماً فالوليُّ لا يكون إلا محفوظاً. والفَرْقُ بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يُلِمُّ بِذَنْبٍ ألْبَتَّةَ، والمحفوظُ قد تحصُل منه هَنَات، وقد يكون له - في الندرة - زَلاَّتٌ، ولكن لا يكون له إصرار: {أية : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [النساء:17]. قوله جلّ ذكره: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. حسنٌ ما قيل إنه {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: في الدنيا، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: في العاقبة. ولكن الأوْلى أَنْ يقال إن الخواص منهم لا خوفٌ عليهم في الحال - لأنَّ حقيقةَ الخوفِ توقُّع محذورٍ في المستقبل، أو ترقُّب محبوب يزول في المستأنف.. وهم بِحُكْمِ الوقت؛ ليس لهم تطلّعُ إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حُزُونة في الحال، وهم في رَوْحِ الرضا بكلِّ ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالوليُّ لا خوفٌ عليه في الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت. ولا يكون وليَّاً إلا إذا كان موفَّقاً لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوماً بكل وجه عن جميع الزلات. وكلُّ خصْلَةٍ حميدة يمكن أن يُعْتَبَرَ بها فيقال هي صفة الأولياء. ويقال الوليُّ مَنْ فيه هذه الخصلة. ويقال الوليُّ من يُقَصِّر في حقِّ الحق، ولا يؤخِّر القيام بحق الخَلق؛ يطيع لا لخوف عقاب، ولا على ملاحظةِ حسن مآب، أو تطلع لعاجلِ اقتراب، ويقضي لكلِّ أحدٍ حقاً يراه واجباً، ولا يقتضي من أحدٍ حقاً له، ولا ينتقم، ولا ينتصف ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحداً مِنّةً، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قَدْرَاً ولا قيمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا} تنبهوا واعلموا {ان اولياء الله} اى احباء الله واعداء نفوسهم فان الولاية هى معرفة الله ومعرفة نفوسهم فمعرفة الله رؤيته بنظر المحبة ومعرفة النفس رؤيتها بنظر العداوة وعند كشف العداوة عند كشف غطاء احوالها واوصافها فاذا عرفتها حق المعرفة وعلمت انها عدوة الله لك وعالجتها بالمعاندة والمكابدة أمنت مكرها وكيدها وما نظرت اليها بنظر الشفقة والرحمة كما فى التأويلات النجمية. قال المولى ابو السعود رحمه الله الولى لغة القريب والمراد باولياء الله خلص المؤمنين لقربهم الروحانى منه سبحانه انتهى لانهم يتولونه تعالى بالطاعة اى يتقربون اليه بطاعته والاستغراق فى معرفته بحيث رأوا دلائل قدرته وان سمعوا سمعوا آياته وان نطقوا بالثناء عليه وان تحركوا تحركوا فى خدمته وان اجتهدوا واجتهدوا فى طاعته {لا خوف عليهم} فى الدارين من لحوق مكروه والخوف انما يكون من حدوث شيء من المكاره فى المستقبل {ولا هم يحزنون} من فوات مطلوب والحزن انما يكون من تحقق شيء مما كرهه فى الماضى او من فوات شيء احبه فيه اى لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا انه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا انه لا يعتريهم خوف وحزن بل يستمرون على النشاط والسرور كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعى فى اقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين. ولذا قال فى الكواشى {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فى الآخرة والا فهم اشد خوفا وحزنا فى الدنيا من غيرهم انتهى. وانما يعتريهم ذلك لان مقصدهم ليس الا طاعة الله ونيل رضوانه انه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب فى حصوله ولا احتماله لفواته بموجب الوعد بالنسبة اليه تعالى واما ما عدا ذلك من الامور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهى بمعزل من الانتظام فى سلك مقصدهم وجودا وعدما حتى يخافوا من حصول ضارها او يحزنوا بفوات نافعها كما فى الارشاد. والتحقيق انهم لفنائهم فى عين الهوية الاحدية لم يبق فيهم بقية ولا غاية ما وراء ما بلغوا حتى يخافوا ويحزنوا كما فى نفائس المجالس لحضرة الهدائى قدس سره
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "الذين آمنوا": صفة للأولياء، أو منصوب على المدح، أو مرفوع به على تقدير: "هم" أو مبتدأ، و"لهم البشرى": خبر، يقول الحق جل جلاله: {ألا إن أولياءَ الله} الذين يتولونه بالطاعة، وهو يتولاهم بالكرامة {لا خوفٌ عليهم} من لحوق مكروه، {ولا هم يحزنون} بفوات مأمول. ثم فسرهم بقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون}، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو ولي ـ أعني الولاية العامة ـ وسيأتي بقية الكلام في الإشارة إن شاء الله، {لهم البُشْرَى في الحياةِ الدنيا} وهو ما بشّر به المتقين في كتابه، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من الحفظ والعز والكفاية، والنصر في الدنيا وما يثيبهم به في الآخرة، أو ما يريهم من الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له. رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو محبة الناس للرجل الصالح، أو ما يتحفهم به من المكاشفات، أو التوفيق لأنواع الطاعات، أو بشرى الملائكة عند النزع، أو رؤية المقعد قبل خروج الروح، {وفي الآخرة} هي الجنة أو تلقي الملائكة إياهم عند الحشر بالبشرى والكرامة. {لا تبديل لكلماتِ الله} أي: لا تغيير لأقواله، ولا اختلاف لمواعيده، واستدل ابن عمر بالآية على أن القرآن لا يقدر أحد أن يُغيره، {ذلك هو الفوز العظيم} الإشارة إلى كونهم مبشَّرين في الدارين، أو لانتفاء الخوف والحزن عنهم مع ما بُشروا به، والله تعالى أعلم. الإشارة: الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصة، فالولاية العامة، هي التي ذكرها الحق تعالى: فكل من حقق الإيمان والتقوى؛ فله من الولاية على قدر ما حصًّل منها، والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء، الجامعين بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك مع الزهد التام والمحبة الكاملة، وصحبة من تحققت ولايته. فقد سئل ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال: "حديث : الذينَ نَظَرُوا إلى بَاطِنِ الدنْيَا، حينَ نَظََرَ النَّاسُ إلى ظََاهِرهَا، واهْتَمُّوا بآجِلِ الدُّنيا حِين اهتَمَّ النَّاسُ بعَاجِلِها؛ فأمَاتُوا منها ما خَشوا أن يُمِيتهم، وتركوا منها ما عملوا أن سيتركُهُم، فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه، ولا خادعهم من رفعتها خادعٍ إلا وضعوه، خلقتِ الدنيا في قلوبهم فما يجددونها وخربت بينهم فما يعمرونها، وماتت في صدروهم فما يُحْيونها بل يهدمُونها، فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، نظروا إلى أهلها صرْعى قد حلَّت بهم المَثُلات، فما يرون أماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يجدون ". تفسير : وفي حديث آخر: قيل: يا رسول الله مَنْ أولياء الله؟ قال: "حديث : المتحابَّون في الله"تفسير : . وقال القشيري رضي الله عنه: علامة الولي ثلاث: شغله بالله، وفراره إلى الله، وهمه الله. هـ. وقال أبو سعيد الخراز رضي الله عنه: إذا أراد الله أن يوالي عبداً من عباده فتح عليه باب ذكره، فإذا اشتد ذكره فتح عليه باب القرب، ثم رُفع إلى مجلس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا عاين ذلك بقي بلا هو، فحينئذٍ يفني نفسه ويبرأ من دعاويها. هـ. فأنت ترى كيف جعل الفناء هو نهاية السير والوصول إلى الولاية، فَمن لا فناء له لا محبة له، ومن لا محبة له لا ولاية له. وإلى ذلك أشار ابن الفارض رضي الله عنه، في تائيته بقوله: شعر : فلمْ تهْوَني ما لم تكنْ فيّ فانِيّا ولم تَفنَ ما لَمْ تَجتَل فيكَ صُورتي تفسير : وقوله تعالى: {الذين أمنوا} أي: إيمان الخصوص، {وكانوا يتقون} ما سوى الله؛ فلا يطمئنون إلى شيء سواه، {لهم البشرى في الحياة الدنيا}، حلاوة الذوق والوجدان، مع مقام الشهود والعيان، {وفي الآخرة} بإدراك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ببال من المعارف والأسرار، فمن أدرك هذا فليوطن نفسه على الإنكار. ولذلك سلَّى نبيه، وينسحب على ورثته مما يلقونه من أهل الإنكار، فقال: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}.
الطوسي
تفسير : بين الله تعالى في هذه الاية أن أولياءه لا خوف عليهم يوم القيامة من العقاب {ولا هم يحزنون} اي ولا يخافون. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير والاخبات وقال ابن زيد: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. وقد بينهم في الاية بعدها. وقال قوم: هم المتحابون في الله ذكر ذلك في خبر مرفوع. والاولياء جمع ولي وهو الذي يستحق من الله ان يوليه ثوابه وكرامته، وهو المطيع لله الذي يتولى اجلاله واعظامه. وقيل: الولي النصير ولا يسمى المتولي الانعام على غيره انه وليه، لانه قد يتولى الانعام عليه للمظاهرة بالجميل في امره واستصلاحه الذي يصرف عن القبيح، وان كان عدوه. ولا يجتمع الولاية والعداوة. والخوف انزعاج القلب لما يتوقع من المكروه. والخوف والفزع والجزع نظائر، وضده الأمن، والحزن غلظ الهم مأخوذ من الحزن، وهي الارض الغليظة، وضده السرور. قال الجبائي: هذه الآية تدل على ان المؤمنين المستحقين للثواب لا يخافون يوم القيامة اصلا بخلاف ما يقول قوم انهم يخافون إلى ان يجوزوا الصراط. وقال البلخي: ليس يمتنع ان يخافوا من اهوال يوم القيامة وان علموا ان مصيرهم إلى الجنة والثواب. وعلى ما نذهب اليه من انه يجوز ان يعاقب الله بعض الفساق ثم يردهم إلى الثواب ينبغي ان تكون الآية مخصوصة بمن لا يستحق العقاب اصلا. او نقول المراد بذلك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لذلك. وروي عن الحسين عليه السلام انهم الذين ادوا فرائض الله واخذوا بسنن رسول الله وتورعوا عن محارم الله وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله واكتسبوا الطيب من رزق الله لمعايشهم لا يريدون به التفاخر والتكاثر. ثم انفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فاولئك الذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدموا منه لآخرتهم.
الجنابذي
تفسير : {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ} جواب لما ينبغى ان يسأل عنه من انّه هل يبقى احد بلا خطر {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى بيان الخوف والحزن ووجه انتفائهما عن الاولياء ووجه اختلاف المتعاطفين فى طريق التّأدية.
الهواري
تفسير : قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: في الآخرة. { الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا}. ذكروا عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا فقيه من أهل مصر فسألته عن هذه الآية فقال: سألت عنها أبا الدرداء فقال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرى له . تفسير : قال: { وَفِي الأَخِرَةِ} يعني الجنة. وتفسير الحسن: يبشّرهم الله في القرآن بالجنة، كقوله: (أية : وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) تفسير : [البقرة:25]. وقال: (أية : وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) تفسير : [يونس:2] وقال: (أية : وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً ) تفسير : [الأحزاب:47] أي الجنة، قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} أي الجنة، على الكلام الأول، على قوله: { لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ}. وقال بعضهم: فازوا من الجنة إلى النار. وقال الحسن: الفوز العظيم: النجاة العظيمة من النار. قال الله: (أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) تفسير : [آل عمران: 185].
اطفيش
تفسير : {ألاَ إنَّ أولياءَ اللهِ} وهم الذين تولوا الله بالطاعة، واشتغلوا بها، والدعاء إليها، وتولاهم الله بالكرامة والهداية، وفى الحديث: "حديث : إنهم الذين يُذكَر اللهَ برؤيتهم وبذكرهم" تفسير : وذلك أن هيئتهم فى أعمالهم تدل على الله ويخشعون، وزيد فى رواية: ويذكرون بذكر الله وفى حديث: "حديث : إنهم المتحابون فى الله، لا فى مال ولا نسب ولا دنيا، يكونون تحت ظل العرش، على منابر من نور، وعلى وجوههم نور، يتمنى حالهم الأنبياء والشهداء" تفسير : وقيل: من استغرق فى الله إذا رأى دلائل قدرة الله، وإذا سمع سمع آيات الله، وإذا نطق نطق بالثناء على الله سبحانه وتعالى، وإذا تحرك أو اجتهد أو فكر ففيما يقربه إلى الله، وقال ابن زيد: أو المتكلمون من صح اعتقاده، وأدى الفرض واجتنب المعصية كما أشار إليه بقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون}. {لا خَوفٌ عَليْهم} من لحوق مكروه {ولا هُم يحْزَنُون} بفوات مأمول، لأنهم لا يفوتهم، ولا بما فاتهم من الدنيا، لأنهم لم يضيعوها، بل اشتروا بها الجنة، ولا بعذاب يلحقهم، إذ لا عذاب عليهم، وذلك فى الآخرة. وقيل: لا يخافون فى الدنيا أحدا، ولا يحزنون على فوات شئ منها، لأن الولاية والمعرفة منعهم من ذلك، فهم لقربهم من الله، ونصر الله لهم على النفس والشيطان، لا يخافون ولا يحزنون بذلك، وهذا إنما يصح فى خواص المؤمنين، وأما إذا فسرنا الأولياء بالمؤمنين المؤدين للفرائض، المجتنبين للمعاصى، فذلك فى الآخرة، لأنهم لا يخافون فى الدنيا من خوف وحزن، لأنها مخلوقة على نكد وهم وغم، قال بعضهم: الآية مجملة فسرت بقوله: {الذِينَ آمنُوا وكانُوا يتَّقونَ} فيكون منصوبا، أو مرفوعا على المدح، أعنى الذين، أو هم الذين، أو نعت لأولياء، وعلى أنهم غير الأولياء المذكورين يكون مبتدأ خبره {لَهم البُشْرى} وقيل: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} بيان لتوليهم الله، وقوله: {لهم البشرى} {فى الحَياةِ الدُّنيا وفى الآخرةِ} بيان لتوليه إياهم، أما البشرى فى الدنيا فهى تبشيرهم فى القرآن، وأمره الله بتبشيرهم، مثل: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم} تفسير : الخ و: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} تفسير : الخ {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار} {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيراً }. تفسير : وعلى لسان نبيه عموما وخصوصا وتبشير الملائكة لهم بالجنة عند الموت، وفى الرؤيا الصالحة، وفيما بمنح لهم من المكاشفة، وفى الثناء عليهم من غير تعرضهم له، بل يخلصون لله ويخافون، فيضع الله لهم المحبة فى قلوب الخلق، ويفيض نور قلوبهم على وجوههم، وفى حديث عن أبى ذر: "حديث : إن ذلك عاجل بشرى المؤمن ". تفسير : وروى أبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعمران بن حصين، وابن عباس، وأبو هريرة، وابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنها الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ". تفسير : قال عمرو بن دينار: "حديث : قدم علينا فقيه من أهل مصر، فسألته فقال: سألت أبا الدرداء؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "رؤيا المؤمن الصالحة يراها أو يرى له"تفسير : وما سألنى عنها أحد غيرك منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروت عنه أم كرز: ذهبت النبوة، وبقت المبشرات يعنى الرؤيات، وورد أنه إذا قرب الزمان لم تكدر رؤيا المؤمن كذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، وأن رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، خصت بالمسلم لأنه الذى تفرغ قلبه لله، فما رآه أو رئى له فمن الله، والمعنى أنها تأتى على موافقة النبوة، أو أن فيها إخبارا بغيب لا جزء من النبوة حقيقة. ووجه العدد أنه صلى الله عليه وسلم رأى الوحى فى المنام ستة أشهر، وفى اليقظة عقب ذلك ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح، وستة الأشهر جزء من الستة والأربعين جزءا المنقسم إليها الثلاث والعشرون، وعلى كل حال فأمر الرؤيا متأكد. وقد تكون الرؤيا تخزينا من الشيطان، وقد تكون مما يحدث المرء نفسه، وتفسير البشرى فى الحديث بالرؤيا الصالحة يحتمل أن يكون تمثيلا، ولذا جعل الثناء من البشرى العاجلة، فنص على أن البشرى العاجلة على أقسام منها هذا. وأما رواية أبى هريرة: لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة، فمعناها من المبشرات الغيبية كالنبوة، وقول بعض: إن الرؤيا جزء من النبوة فى حق الأنبياء دون غيرهم صحيح، على أنه أراد أنها جزء منها حقيقة، والأنبياء يوحى إليها فى المنام، كما يوحى إليهم فى اليقظة، بل وحى بعضهم رؤيا فقط. والبشرى فى الآخرة، والبشرى فى الجنة بعد الموت زيادة على البشرى قبلها، زيادة فى الفرح، ولأنه ينسى للهول، وبياض الوجوه، وإعطاء الصحائف بأيمانهم ونحو ذلك. {لا تبْدِيلَ لكَلمات اللهِ} لا خلف لمواعيده مما أنزله على رسله، وما لم ينزله، وهذه تهنئة للمؤمنين تتضمن تهديدا للكافرين، إذ يلقون وعيدهم لا محالة، وعن ابن عباس، وابن عمر: المراد كلمات القرآن، أطال الحجاج الخطبة وقال: إن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله، فقال له ابن عمر: إنك تطيق ذلك أنت لابن الزبير، لا تبديل لكلمات الله، فقال له الحجاج: لقد أعطيت علما. {ذَلِكَ} المذكور من البشرى فى الدنيا والآخرة، أو ما يقع به التبشير {هو الفوز العظيم} ومعنى تسمية جار الله هاتين الجملتين المعترضتين مع أنهما لم تقعا بين متلازمين، كالفعل والفاعل، والفعل والمفعول، لأنهما ليستا من جنس ما قبلهما، لكن جئ بهما تتميما له وتقوية، وهذا ما ظهر لى، فليس من الاعتراض النحوى.
اطفيش
تفسير : ولى فعيل بمعنى فاعل يتولى الله بالطاعة والمحبة وهى الميل إِلى رضاه وفعل الطاعة ويتولاه بالدعاءِ إِليه وأَداءِ كل فرض عليه مع الاعتقاد الصحيح المبنى على الدليل، وأَعلى درجاته أَن يستغرق قلبه فى نور معرفة جلال الله، فإِن رأَى دلائِل قدرة الله عز وجل وإِن سمع سمع آيات الله وإِن نطق نطق بالثناءِ على الله وإِن تحرك تحرك فى طاعة الله وإِن اجتهد اجتهد فيما يقربه إِلى الله لا يفتر عن ذكر الله ولا يرى بقلبه غير الله، أَو بمعنى مفعول يتولاه الله بالتوفيق والإِكرام، وإِذا لم تكن العلماءُ أَولياءَ الله فليس لله ولى، أَعنى العلماءَ العاملين بالعلم، ومن العمل به الإِخلاص فشرطهم أَن يكونوا محفوظين، كما أَن شرط الأَنبياءِ أَن يكونوا معصومين، وكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع، والولى هو الذى توالت أَفعاله على الموافقة، أَو بمعنى فاعل ومفعول معا كباب المفاعلة لا استعمال للمشترك فى معنييه وحاصله أَنهم يتولونه بالخدمة ويتولاهم بكل ما يليق بهم، ومعنى لا خوف إِلخ لا يلحقهم فى الآخرة خوف من مكروه ولا حزن بفوت مأَمول، وفى الحديث "حديث : لا يخافون إِذا خاف الناس ولا يحزنون إِذا حزن الناس"تفسير : ، وأَقول ذلك فى الجنة ظاهر، وأَما فى الموقف فكل أَحد يصيبه الخوف والحزن فما معنى الحديث، ولعل ذلك مواطن فقد قال الله عز وجل لا يحزنهم الفزع الأَكبر، أَو أَنهم لا يخافون من كفر لأَنهم نجوا منه ولا يحزنون على فوت الإِيمان كما يحزن من فاته لأَنهم حصلوه، وقيل: لا يخاف عليهم غيرهم وقيل لا يلحقهم ما يوجب خوفا ولا حزنا.
الالوسي
تفسير : {أَلا إِنَّ أَوْلِيَآء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وفي «إرشاد العقل السليم» أنه بيان على وجه التبشير والوعد لما هو نتيجة لأعمال المؤمنين وغاية لما ذكر قبله من كونه سبحانه مهيمناً على نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته في كل ما يأتون ويذرون وإحاطة علمه جل وعلا بعد ما أشير إلى فظاعة حال المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم من الهول إشارة إجمالية على طريق التهديد والوعيد، وصدرت الجملة بحرفي التنبيه والتحقيق لزيادة تقرير مضمونها. والأولياء جمع ولي من الوَلْي بمعنى القرب والدنو يقال: تباعد بعد ولي أي قرب، والمراد بهم خلص المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه كما يفصح عنه تفسيرهم الآتي، ويفسر الولي بالمحب وبين المعنيين تلازم، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى، وجاء بمعنى النصير ويشير كلام البعض إلى صحة اعتبار هذا المعنى هنا، والمراد من الجملتين المنفيتين المتعاطفتين دوام انتفاء مدلولهما كما مر تحقيقه غير مرة، قيل: والمعنى لا خوف عليه من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوب في جميع الأوقات أي لا يعتريهم / ما يوجب ذلك أصلاً لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوف وحزن أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعار الخوف استعظاماً لجلال الله تعالى واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين بل كلما ازداد العبد قرباً من ربه سبحانه ازداد خوفاً وخشية منه سبحانه، ويرشد إلى ذلك غير ما خبر وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَآءُ} تفسير : [فاطر: 28] وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصدهم ليس إلا الله تعالى ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد الإلهي، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهي عندهم أحقر من تبالة عن الحجاج بل الدنيا بأسرها في أعينهم أقذر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم فهيهات أن تنتظم في سلك مقصدهم وجوداً وعدماً حتى يخافوا من حصول ضارها أو يحزنوا من فوات نافعها. وقيل: المراد بانتفاء الخوف والحزن أمنهم من ذلك يوم القيامة بعد تحقق مالهم من القرب والسعادة وإلا فالخوف والحزن يعرضان لهم قبل ذلك سواء كان سببهما دنيوياً أو أخروياً، ولا يجوز أن يراد أمنهم مما ذكر في الدنيا أو فيما يعمها والآخرة لأن في ذلك أمناً من مكر الله تعالى ولا يأمن مكرَ الله إلا القوم الخاسرون وهذا مبني على أن الخوف المنفي مسند إليهم وليس بالمتعين، فقد ذهب بعض الجلة إلى أنه مسند إلى غيرهم أي غيرهم لا يخاف عليهم ولا يلزم من ذلك أنهم لا يخافون ليجيء حديث لزوم الأمن، وجعل ذلك نكتة اختلاف أسلوب الجملتين، والعدول عن لا هم يخافون الأنسب ـ بلا هم يحزنون ـ إلى ما في النظم الجليل، وقد يقال: إذا كان المراد أنهم لا يعتريهم ما يوجب الخوف والحزن لا يبقى لحديث لزوم الأمن من مكر الله تعالى مجال على ما لا يخفى على المتدبر لكن لا يظهر عليه نكتة اختلاف أسلوب الجملتين وكونها اختلاف شأن الخوف والحزن بشيوع وصف الأخير بعدم الثبات كما قيل: شعر : فلا حزن يدوم ولا سرور تفسير : دون الأول ولذا ناسب أن يعبر بالاسم في الأول وبالفعل المفيد للحدوث والتجدد في الثاني كما ترى. وقيل: إن المراد نفي استيلاء الخوف عليهم ونفي الحزن أصلاً ومفاد ذلك اتصافهم بالخوف في الجملة، ففيه إشارة إلى أنهم بين الرجاء والخوف غير آيسين ولا آمنين، ولهذا لم يؤت بالجملتين على طرز واحد، وكذا لم يقل لا خوف لهم مثلاً، والأوجه عندي ما نقل عن بعض الجلة من أن معنى {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} لا يخاف عليهم غيرهم ويجعل الجملة الأولى عليه كناية عن حسن حالهم، وأنت في الجملة الثانية بالخيار، والخوف على ما قال الراغب توقع المكروه وضده الأمن، والحزن من الحزن بالفتح وهو خشونة في النفس لما يحصل من الغم ويضاده الفرح، وعلى هذا قالوا في بيان المعنى لا خوف عليهم من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مأمول.
ابن عاشور
تفسير : استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرَّض به في قوله: {أية : إلاَّ كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك}تفسير : [يونس: 61] الآية، وبتسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد، إذ أعلن الله للنبي والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم، ومن الحزن من جراء ذلك، ولمح لهم بعاقبة النصر، ووعدهم البشرى في الآخرة وعداً لا يقبل التغيير ولا التخلف تطميناً لنفوسهم، كما أشعر به قوله عقبه {لا تَبديل لكلمات الله}. وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه، كما تقدم في قوله: {أية : ألا إنهم هم المفسدون}تفسير : في سورة [البقرة: 12]، ولذلك أكدت الجملة بـ{إنَّ} بعد أداة التنبيه. وفي التعبير بـ {أولياء الله} دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى وقوعه عقب قوله: {أية : ولا تعملون من عمل}تفسير : [يونس: 61] يؤذن بأن المخاطبين قد حق لهم أنهم من أولياء الله مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على طريقتهم. وجملة: {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} خبر {إن}. والخوف: توقع حصول المكروه للمتوقِّع، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقَّع حصوله. فيقال: خاف الشيْء، قال تعالى: {أية : فلا تخافوهم وخَافون}تفسير : [آل عمران: 175]. وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقَّع: خاف عليه، كقوله تعالى: {أية : إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}تفسير : [الشعراء: 135]. وقد اقتضى نظم الكلام نفي جنس الخوف لأن (لا) إذا دخلت على النكرة دلت على نفي الجنس، وأنها إذا بني الاسم بعدها على الفتح كان نفي الجنس نصاً وإذا لم يُبنَ الاسم على الفتح كان نفي الجنس ظاهراً مع احتمال أن يراد نفي واحد من ذلك الجنس إذا كان المقام صالحاً لهذا الاحتمال، وذلك في الأجناس التي لها أفراد من الذوات مثل رجل، فأما أجناس المعاني فلا يتطرق إليها ذلك الاحتمال فيستوي فيها رفع اسم (لا) وبناؤه على الفتح، كما في قول إحدى نساء حديثِ أم زرع «زوجي كلَيْلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» فقد رويت هذه الأسماء بالرفع وبالبناء على الفتح. فمعنى {لا خوف عليهم} أنهم بحيث لا يخاف عليهم خائف، أي هم بمأمنٍ من أن يُصيبهم مكروه يُخاف من إصابة مِثلِه، فهم وإن كانوا قد يهجس في نفوسهم الخوف من الأعداء هجساً من جبلة تأثر النفوس عند مشاهدة بوادر المخافة، فغيرهم ممن يَعلم حالهم لا يَخَاف عليهم لأنه ينظر إلى الأحوال بنظر اليقين سَليماً من التأثر بالمظاهر، فحالهم حال من لا ينبغي أن يخاف، ولذلك لا يَخاف عليهم أولياؤهم لأنهم يأمنون عليهم من عاقبة ما يتوجَّسون منه خيفة، فالخوف الذي هو مصدر في الآية يقدر مضافاً إلى فاعله وهو غيرهم لا محالة، أي لا خوف يخافه خائف عليهم، وهم أنفسهم إذا اعتراهم الخوف لا يلبث أن ينقشع عنهم وتحل السكينة محله، كما قال تعالى: {أية : وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}تفسير : [التوبة: 25، 26]، وقال لموسى: {أية : لا تَخاف دَرَكا ولا تخشى}تفسير : [طه: 77]، وقال: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يدعو الله بالنصر ويكثر من الدعاء ويقول: «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض»تفسير : . ثم خرج وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}[القمر: 45]. ولهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية تغير الأسلوب في قوله: {ولا هم يحزنون} فأسند فيه الحزن المنفي إلى ضمير {أولياء الله} مع الابتداء به، وإيراد الفعل بَعده مسنداً مفيداً تقوي الحكم، لأن الحزن هو انكسار النفس من أثر حصول المكروه عندها فهو لا توجد حقيقته إلا بعد حصوله، والخوف يكون قبل حصوله، ثم هم وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون»تفسير : فذلك حزن وجداني لا يستقر بل يزول بالصبر، ولكنهم لا يلحقهم الحزن الدائم وهو حزن المذلة وغلبة العدو عليهم وزوال دينهم وسلطانهم، ولذلك جيء في جانب نفي الحزن عنهم بإدخال حرف النفي على تركيب مفيد لتقوي الحكم بقوله: {ولا هم يحزنون} لأن جملة: {هم يحزنون} يفيد تقديم المسند إليه فيها تقوي الحكم الحاصل بالخبر الفعلي، فالمعنى لا يحصل لهم خوف متمكن ثابت يبقى فيهم ولا يجدون تخلصاً منه. فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحل بهم ما يحزنهم. ولما كان ما يُخاف منه من شأنه أن يُحزن من يصيبه كان نفي الحزن عنهم مؤكِّداً لمعنى نفي خوف خائف عليهم. وجمهور المفسرين حملوا الخوف والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف والحزن يحصلان في الدنيا، كقوله: {أية : فأوجس في نفسه خيفة موسى}تفسير : [طه: 67]. وقد علمت ما يُغني عن هذا التأويل، وهو يبعد عن مفاد قوله: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. والولي: الموالي، أي المحالف والناصر. وكلها ترجع إلى معنى الوَلْي (بسكون اللام)، وهو القرب وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي. وتقدم في قوله تعالى: {أية : قل أغير الله أتخذ ولياً}تفسير : في سورة [الأنعام: 14]. وهو قرب من الجانبين، ولذلك فسروه هنا بأنه الذي يتولى الله بالطاعة ويتولاه الله بالكرامة. وقد بين أولياء الله في هذه الآية بأنهم الذين آمنوا واتقوا، فاسم الموصول وصلته خبر وما بينهما اعتراض، أو يجعل جملة: {لا خوف عليهم} خبر {إنّ} ويجعل اسم الموصول خبرَ مبتدأ محذوف حذفاً جارياً على الاستعمال، كما سماه السكاكي في حذف المسند إليه. وأياً ما كان فهذا الخبر يفيد أن يعرف السامع كنه معنى أولياء الله اعتناء بهم على نحو ما قيل في قول أوس بن حجر:شعر : الألْمعِي الذي يظن بك الظَّنَّ كأنْ قد رأى وقد سَمعا تفسير : ودل قوله: {وكانوا يتقون} على أن التقوى ملازمة لهم أخذاً من صيغة {كانوا} وأنها متجددة منهم أخذاً من صيغة المضارع في قوله: {يتقون}. وقد كنت أقول في المذاكرات منذ سنين خَلَتْ في أيام الطلب أن هذه الآية هي أقوى ما يُعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعاً وأن على حقيقتها يحمل معنى قوله في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى: من عادَى لي ولياً فقد آذنته بحرب»تفسير : . وإشارة الآية إلى تولي الله إياهم بالكرامة بقوله: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. وتعريف {البشرى} تعريف الجنس فهو صادق ببشارات كثيرة. و{في الحياة الدنيا وفي الآخرة} حال من {البشرى}. والمعنى: أنهم يبشرون بخيرات قبل حصولها: في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بما يتلقونه من الملائكة وما يسمعونه من أمر الله بهم إلى النعيم المقيم، كقوله: {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات}تفسير : [البقرة: 25]. وروى الترمذي حديث : عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا} فقال: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أوْ ترى له»تفسير : قال الترمذي: وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند. وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مِصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء. ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة، أو كأن السائل سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله: {أية : يبشرهم ربهم برحمة منه}تفسير : [التوبة: 21] الآية ونحوها من الآيات. وفي «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية {لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} قال: هي الرؤيا الصالحة يَراها الرجل أوْ تُرى له. ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء، وتمكينُهم من السلطان في الدنيا، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة. ومقابلة الحَزَن بالبشرى من محسنات الطباق. وجملة: {لا تبديل لكلمات الله} مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه قوله: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، تذكيراً لهم بأن ما وعدهم الله به من البشائر مثل النصر وحسن العاقبة أمر ثابت لا يتخلف لأنه من كلمات الله، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على انتفاء جنس التبديل. والتبديل: التغيير والإبطال، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه. و{كلمات الله} الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه، ويؤخذ من عموم {كلمات الله} وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي من أصله. رُوي أن الحجاج خطب فذكر عبد الله بن الزبير فقال: إنه قد بَدَّل كتاب الله. وكان ابن عمر حاضراً فقال له ابن عمر: لا تطيق ذلك أنت ولا ابنُ الزبير: {لا تبديل لكلمات الله}. وجملة {ذلك هو الفَوْز العظيم} مؤكدة لجملة {لهم البشرى} ومقررة لمضمونها فلذلك فُصلت. والإشارة بذلك إلى المذكور من مضمون الجمل الثلاث المتقدمة، واختيار اسم الإشارة لأنه أجمع لما ذُكر، وفيه كمال تمييز له لزيادة تقرير معناه. وذكرُ ضمير الفصل بعد اسم الإشارة لزيادة التأكيد ولإفادة القصر، أي هو الفوز العظيم لا غيرُه مما يتقلب فيه المشركون في الحياة الدنيا من رزق ومنَعَة وقوة، لأن ذلك لا يعد فوزاً إذا عاقبته المذلة والإهانة في الدنيا وبعدَه العذاب الخالد في الآخرة، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : لا يغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 196 - 197].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. إن أولياء الله: جمع وليّ وهو المؤمن التقي بشرط أن يكون إيمانه وتقواه على نور من الله. لا خوف عليهم: أي لا يخافون عند الموت ولا بعده، ولا هم يحزنون على ما تركوا بعد موتهم. آمنوا: أي صدقوا بالله وبما جاء عن الله وبرسول الله وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يتقون: أي ما يسخط الله تعالى من ترك واجب أو فعل حرام. لهم البشرى: أي بالجنة في القرآن الكريم وعند الموت وبالرؤيا الصالحة يراها أو ترى له. لا تبديل لكلمات الله: أي لوعده الذي يعده عباده الصالحين، لأن الوعد بالكلمة وكلمة الله لا تبدل. الفوز: النجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: يخبر تعالى مؤكداً الخبر بأداة التنبيه {أَلاۤ} وأداة التوكيد {إِنَّ} فيقول: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لا يخافون عند الموت ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما يتركون وراءهم بعد موتهم ولا في الدار الآخرة وبين تعالى أولياءه وعرف بهم فقال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي آمنوا به وبرسوله وبكل ما جاء به رسوله عن ربه، وكانوا يتقون طوال حياتهم وسائر ساعاتهم سخط الله تعالى فلا يتركون واجباً هم قادرون على القيام به، ولا يغشوْن محرماً لم يُكرهوا عليه. وقوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} في الحياة الدنيا وفي الآخرة: أي لهم بشرى ربهم في كتابه برضوانه ودخول الجنة ولهم البشرى بذلك عند الاحتضار تبشرهم الملائكة برضوان الله وجنته وفي الآخرة عند قيامهم من قبورهم تتلقاهم الملائكة بالبشرى. وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} وهو تأكيد لما بشرهم، إذ تلك البشرى كانت بكلمات الله وكلمات الله لا تتبدل فوعد الله إذاً لا يتخلف. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ولاية الله تعالى بطاعته وموافقته في محابه ومكارهه فمن آمن إيماناً يرضاه الله، واتقى الله في أداء الفرائض واجتناب المناهي فقد صار ولي الله والله وليه. 2- البشرى هي ما يكرم الله به برؤيا صالحة يراها الولي أو تُرى له. 3- الأولياء هم أهل الإِيمان والتقوى فالكافر والفاجر لا يكون ولياً أبداً، إلا إذا آمن الكافر، وبَرَّ الفاجر بفعل الصالحات وترك المنهيات. 4- صدْق إخبار الله تعالى وعدالة أحكامه، وسر ولايته إذ هي تدور على موافقة الرب تعالى فيما يجب من الاعتقادات والأعمال والأقوال والذوات والصفات وفيما يكره من ذلك فمن وافق ربه فقد والاه ومن خالفه فقد عاداه.
د. أسعد حومد
تفسير : (62) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوا وَأَخْلَصُوا العِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، وَالتَّوكُلَ عَلَيهِ، لاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَهْوَالِ الآخِرَةِ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
الثعلبي
تفسير : {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ثم وصفهم فقال {اٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} قال ابن زيد: فلن يقبل الإيمان إلاّ بالتقوى، واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم. فروى سعيد بن جبير "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه سئل عن أولياء الله تعالى فقال: هم الذين يذكر الله لرؤيتهم ". تفسير : وقال عمر (رضي الله عنه) في هذه الآية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بإيمانهم عند الله تعالى، قالوا: يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام منهم ولا أموال يتعاطونها، والله ان وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} . تفسير : قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر (عُمش) العيون من العبر خمص البطون من الخواء يبس الشفاه من الذوي. وقال ابن كيسان: [هم الذين] تولى الله هداهم بالبرهان الذي أتاهم وتولّوا القيام بحقّه والدعاء إليه. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}. "حديث : عن عبادة بن الصامت قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}. قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ". تفسير : وعن عطاء بن يسار "حديث : عن أبي الدرداء أنه سئل عن هذه الآية {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} قال: لقد سألت عن [شيء] ما سمعت أحداً سأل عنه بعد أن سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سألني عنها أحد قبلك منذ نزل الوحي، هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وفي الآخرة الجنة ". تفسير : وعن يمان بن عبيد الراسبي قال: حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نبوة بعدي إلاّ المبشرات". قيل: يا رسول الله وما المبشرات؟. قال: "الرؤيا الصالحة" . تفسير : محمد بن سيرين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً قال: والرؤيا ثلاثة: فرؤيا بشرى من الله ورؤيا من الشيء يحدث الرجل به نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يقصّه فليقم وليصل، قال: وأحبّ القيد في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين ". حديث : وقال عبادة بن الصامت: قلت: يا رسول الله الرجل يحبّه القوم لعمله ولا يعمل مثل عمله. قال صلى الله عليه وسلم: "تلك عاجل بشرى المؤمن ". تفسير : وقال الزهري وقتادة: هي البشارة التي يبشر بها المؤمن بالدنيا عند الموت، وقال الضحاك: هي أن المؤمن يعلم أين هو قبل أن يموت، وقال الحسن: هي ما بشرهم الله به في كتابه، جنته وكرم ثوابه لقوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}تفسير : [يونس: 2] {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 223] {أية : وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}تفسير : [فصلت: 30]. وقال عطاء: لهم البشرى في الحياة الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة والبشارة من الله وتأتي أعداء الله بالغلظة والفظاظة في الآخرة ساعة خروج نفس المؤمن تعرج بها إلى الله كما تزف العروس تبشر برضوان من الله، قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ}تفسير : [النحل: 32] الآية قال ابن كيسان: هي ما بشرهم الله في الدنيا بالكتاب والرسول بأنّهم أولياء الله وتبشرهم في قبورهم وفي كتابهم الذي فيه أعمالهم بالجنة. وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول: رأيت أبا أحمد الحافظ في المنام راكباً برذوناً وعليه طيلسان وعمامة فسلمت عليه وسلم عليَّ فقلت له: أيها الحاكم نحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، فعطف عليَّ وقال لي: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} الثناء الحسن، وأشار بيده {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} لا تغيير لقوله ولا خلف لوعده. روى ابن عليَّة عن أيوب عن نافع. قال: أطال الحجاج الخطبة فوضع ابن عمر رأسه في حجري. فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذلك ولا ابن الزبير. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ}. فقال الحجاج: لقد رأيت حلماً وسكت [لقد أُوتيت علماً أن تفعل، قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت]. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} يعني قول المشركين، تمّ الكلام ها هنا. ثم قال مبتدئاً: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ} القدرة {للَّهِ جَمِيعاً} وهو المنتقم منهم. قال سعيد بن المسيب: أنَّ العزة لله جميعاً يعني أن الله يعز من يشاء كما قال في آية أخرى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8]، وعزة الرسول والمؤمنين منّاً لله فهي كلها لله قال الله: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [الصافات: 180] {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} هو ما الاستفهام يقول وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء يعني أنهم ليسوا على شيء، وقراءة السلمي: يدعون بالتاء أي ما تصنع شركاؤكم في الآخرة {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} يعني ظنوا أنها تشفع لهم يوم القيامة، ويقربهم إلى الله زلفى {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ} لتهدأوا وتقروا وتستريحوا {فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} مضيئاً يبصر فيه كقولهم: ليل نائم وسرّ كاتم وماء دافق وعيشة راضية، وقال جرير: شعر : لقد لمتنا يا أُمّ غيلان في السرى ونمت وما ليل المطيّ بنائم تفسير : وقال قطرب: يقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار فأبصر،أي صار ذا ظلّة وضياء وبصر. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} المواعظ فيعتبرون {قَالُواْ} يعني المشركين {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} هو قولهم: الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} عن خلقهما {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} [ما عندكم من حجة] وبرهان بهذا، إنما سميتموها جهلاً بها سلطاناً [ولا يمكن] التمسك بها {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}. قال الكلبي: لا يؤمنون، وقيل: لا ينجون، وقيل: لا يفوزون، وقيل: لا يبقون في الدنيا ولكن {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} يتمتعون به متاعاً وينتفعون به إلى وقت انقضاء أجلهم، ومتاع رفع بإضمار أي لهم متاع، قاله الأخفش، وقال الكسائي: متاع في الدنيا. {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلّمنا أنه قد يفيض على بعض خلقه فيوضات الإمداد على قَدْر رياضات المرتاضين، فَهَبْ أن الله قد امتن عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وعلى ذلك فلا يقال: إن فلاناً قد عَلِم غيباً لأنه وليٌّ لله، بل لنقل: "إن فلانا مُعَلَّمُ غَيْبٍ"؛ لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ليس غيباً مطلقاً. ومثال ذلك: الرجل الذي سُرق منه شيء، هو لا يعرف أين يوجد الشيء الذي سُرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضاً الجن الذين كانوا في نفس مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيباً مطلقاً. وأيضاً أسرار الكون التي كانت غيباً موقوتاً، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيباً في زمن ما، ثم شاء الحق سبحانه فحدَّد لكل أمرٍ منها ميعادَ كشفٍ، فصارت أموراً مشهورة. وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون. ومن العجيب أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفاً آخر؛ لأن الله تعالى قد أذن لذلك الكشف الذي كان غيباً أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض. ومن اكتشف "البنسلين" رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن أسرار ذلك، واكتشف "البنسلين". و"أرشميدس" الذي اكتشف قانون الطفو، واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد تم اكتشاف قانون الطفو صدفة. إذن: ففي الكون غيب قد يصير مَشْهَداً، إما بمقدِّمات يتابعها خَلْقُ الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر. ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مُغَطّى يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليُخرج بعضاً من البخار، وانتبه الرجل إلى أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجرّ العربات التي تسير على عَجَل، وهكذا جاء عصر البخار. إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيهاً من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل؛ ليكتشف سِرّاً من تلك الأسرار. وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله بميلادها - دون مقدمات من الخَلْق - أكثر مما وُصِِل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق. ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لونَي الغيب، تعبيراً دقيقاً لنفهم أن هناك غيباً عن الخلق جميعاً وليست له مقدمات، ولا يشاء الله سبحانه له ميلاداً، واستأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه إلا هو سبحانه. يقول الحق سبحانه: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..}تفسير : [البقرة: 255]. هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، وهذا هو غيب الابتكارات. أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يُجَليِّه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق عنه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..}تفسير : [الجن: 26-27]. إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خَلْقه، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن. والحق سبحانه يهب بعضاً من خلقه بعضاً من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بعضاً من الهِبَات وحدَّد من يعطيه بعضاً من الغيب: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..}تفسير : [الجن: 27]. وهي ليست للحصر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة، وقال فيه الحق سبحانه: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً}تفسير : [الأحزاب: 21]. ومن يعمل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدي به؛ يهبه الله تعالى هِبةً يراها الناس فيعرفون أن مَنْ يتّبع الرسول صلى الله عليه وسلم كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهِبَة ليست وظيفة، وليست (دُكَاناً) للغيب، بل هي مِنْ عطاءات الله تعالى. وانظر إلى دقة القرآن حين يقول: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [الأنعام: 59]. أي: أنه سبحانه لم يُعْطِ مفتاح الغيب لأحد، والوليّ من أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله وحده. وعندما نتأمل قول الحق سبحانه: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]. نجد أن كلمة "وليّ" من وَلِيَهُ، يليه، أي: قريبٌ منه، وهو أول مَفزَع يفزع إليه إن جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، وخيره يفيض على مَنْ والاه. ومَنْ يقْرُب عالماً يأخذ بعضاً من العلم، ومَنْ يقرب قويّاً يأخذ بعضاً من القوة، ومَنْ يقرب غنيّاً، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قَرْضاَ. إذن: فالوَليّ هو القريب الناصر المُعِين المُوالِي. وتطلق "الولي" مرةً لله سبحانه، وقد قال القرآن: {أية : فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ ..}تفسير : [الشورى: 9]. لأنه سبحانه القريب من كل خَلْقه، عكس الخَلْق الذين يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو الوليّ المُطلَق، فقُربه مِنْ خَلْقٍ لا يبعده عن خَلقٍ، ولا يشغله شيء عن شيء، فهو الوليّ الحقُّ، وهو سبحانه يقول: {أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ..}تفسير : [الكهف: 44]. فمن يحتاج إلى الولاية الحقَّة فَليلجأ إلى الله، وهو سبحانه يُفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية. ونجد التعبير القرآني الدقيق: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [البقرة: 257]. فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من الله تعالى في قول الحق سبحانه: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ..} [يونس: 62]. إذن: فالولاية المطلقة لله، وإنْ قُيِّدت بشيء مضافٍ ومضافٍ إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين. والحق سبحانه لا تحكمه قوانين؛ فبطَلاقة قُدرته سبحانه إذا رأى في إنسانٍ ما خَصْلة من خير، فيكرمه أولاً، فيصير هذا العبد طائعاً من بعد ذلك. وتسمع من يقول: إن فلاناً قد خُطف من المعصية أي: أنه كان عاصياً، ثم أحب الله تعالى خَصْلة خيرٍ فيه، فهداه. ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلباً، بل احتال ليسقيه بأن ملأ خُفَّه بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب؛ فغفر الله - سبحانه وتعالى - له سيئاته. هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقاً للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة. إذن: فليست المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قُدرته سبحانه تقدّر كل موقف كما قدَّرتْ اختلاف الخَلْق، ولذلك قال سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..}تفسير : [الروم: 22]. فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعضٌ من طلاقة قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خَلْقه الذين آمنوا أولاً، وقربه سبحانه منهم: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..}تفسير : [البقرة: 257]. فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله بمنهجه فهو سبحانه يُقرّبه قُرْباً أكثر فيعطيه هبةً اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به. والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خَلْق الله، فإذا علم سيئةً عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب السَّتْر ويحب من يَستر. وأنت قد تكره إنساناً تعلم عنه سيئةً ما، وقد تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألاّ يحرمك من حسنات مَنْ له سيئة فيسترها عنك لتأخذ بعضاً من حسناته، ويأمرك الحق ألاّ تحتقر هذا المسيء؛ لأنه قد يتمتع بخَصْلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولاً، ثم يطيعه هذا العبد ثانياً. والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم أنا لك محبٌّ فبحقّي عليك كن لي مُحِبّاً ". تفسير : ويقول الله سبحانه في حديث قدسي: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ". تفسير : وفي هذا القول يضع مسئولية القُرب من الله في يد الخَلْق، ويضيف الحق سبحانه: "حديث : وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشياً. إذن: فالإيمان بالله يسلِّم المؤمن مفتاح القرب من الله. ومن يكن من أصحاب الخُلُق الملتزمين بالمنهج يُقرِّبْه الله منه أكثر وأكثر. إذن: فمن الناس مَنْ يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله أولاً إلى طاعة الله ثانياً. ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسانٌ يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟ إذن: فمنهم مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيراً. وقد قال أبو العلاء المعري لمحبوبته: شعر : أنت الحبيبُ ولكني أعوذ بِهِ من أن أكون حبيباً غير محبوبِ تفسير : أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محباً لمن يرفض حبّه، ولكن محبة الله تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله يقرّبك أكثر وأكثر، ويسمَّى ذلك "المصافاة"، فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خَلْقه هِباتٍ من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يُحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجَّح واحد منهم متفاخراً بعطاء الله سبحانه له. فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من الذي يتبجَّح بها ويتفاخر ويتباهى، فمن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائماً في معيّته، وهو سبحانه الذي بدأ وبيَّن بالآية الواضحة أنه سبحانه وليّ المؤمنين؛ ولذلك سيخرجهم من الظلمات إلى النور. فقال: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..}تفسير : [البقرة: 257]. ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسَّات ليبيِّن المعنويات؛ لأن إلْفَ الإنسان أولاً بالمحسَّات، وهي أقرب إلى تقريب المراد، فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحاً موصولاً بمفهومك. وإذا كنا نتجنَّب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بنا - أيضاً - أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيءٍ فنحطِّمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا. إذن: فَحَجْب المرائي يسبِّب الكوارث، أما حين يأتي النور؛ فهو يبيِّن ملامح الأشياء فتسير على هُدىً وأنت مطمئن. وهَبْ أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى مَنْ يوجد في النور، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئيِّ، حتى جاء "الحسن بن الهيثم" العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات، وحدَّد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان المرئي في ظُلمةٍ فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي؛ لرأى الإنسان في الظلام. إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسّي، فعالَمُ القيم قد يكون أقوى من عالم الحس؛ لأن الجبر في عالم الحسّ يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر شاق؛ ولذلك قال الشاعر: شعر : جراحاتُ السنانِ لها التئامُ ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ تفسير : ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]. و"ألا" كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلَم للمخاطب حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب. وقوله سبحانه: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ..} [يونس: 62]. أي: لا خوف عليهم من غيرهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد يحدث في المستقبل. وفي حياتنا اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفاً عليه، وقد ترى وليّاً من أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الوليّ في ثبات لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه. إذن: فالخوف يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات. والحق سبحانه يقول: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ..}تفسير : [الحديد: 23]. والحزن على ما فات عبث؛ لأن ما فات لا يعود. وأولياء الله تعالى لا خوف عليهم؛ لأنهم دائماً بصدد معرفة حكمة الله، ومَنْ لا يعرف حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول: "إن فلاناً هذا مسكين"؛ لأنك لا تعرف ماذا جرى له. وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن تمر على باله. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين افتقد ابنه: "حديث : وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" تفسير : ولكنه حزن الوَرَع الذي يتجلَّى في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ". تفسير : وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} الآية، أولياء الله هم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. وعن سعيد بن جبير حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: سئل عن أولياء الله فقال: هم الذين يذكرون الله برؤيتهمتفسير : ، يعني السمْت والهيئة. وهذه الآية يدل ظاهرها على أن من آمن واتقى فهو داخل في أولياء الله هذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي، وإنما نبّهنا هذا التنبيه حذراً من مذهب الصوفية وبعض الملحدين في الولي وبشراهم في الحياة الدنيا تظاهرت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له، وبشراهم في الآخرة تلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحف بإِِيمانهم، وما يقرؤون منها وغير ذلك من البشارات. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا تغيير لأقواله ولا خلف في مواعيده كقوله تعالى: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 29]. {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} اما أن يكون قولهم أريد به بعض افراده وهو التكذيب والتهديد وما يتشاورون به في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون من إطلاق العام وإرادة الخاص، وإما أن يكون مما حذفت منه الصفحة المخصصة، ان قولهم الدال على تكذيبك ومعاندتك. ثم استأنف بقوله: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي لا عزة لهم ولا منفعة فهم لا يقدرون لك على شىء ولا يؤذونك، ان الغلبة والقهر لله تعالى وهو القادر على الانتقام منهم فلا يعازّه شىء ولا يغالبه. {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية المناسبة ظاهرة في هذه الآية لما ذكر أن العزة له تعالى وهو القهر والغلبة، ذكر ما يناسب القهر وهو كون المخلوقات له تعالى. ومن الأصل فيها ان تكون للعقلاء وهي هنا شاملة لهم ولغيرهم على حكم التغليب وحيث جيء بما كان تغليباً للكثرة إذ أكثر المخلوقات لا يعقل. والظاهر أن ما: نافية. وشركاء: مفعول يتبع، ومفعول يدعون محذوف لفهم المعنى تقديره آلهة أو شركاء، أي أن الذين جعلوهم آلهة وأشركوهم مع الله في الربوبية ليسوا شركاء حقيقة إذ الشركة في الألوهية مستحيلة وإن كانوا قد أطلقوا عليهم اسم الشركاء، وجوزوا أن تكون ما استفهامية في موضع نصب بيتبع وشركاء منصوب بيدعون، أي وأيّ شىء يتبع على تحقير المتبع، كأنه قيل: من يدعو شريكاً لله لا يتبع شيئاً، ومعنى يخرصون أي يحزرون ويقدرون. {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} هذا تنبيه منه تعالى على عظم قدرته وشمول نعمته لعباده فهو المستحق بأن يفرد بالعبادة. {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي مما تقاسون من الحركة والتردد في طلب المعاش وغيره بالنهار، وأضاف الابصار إلى النهار مجازاً لأن الابصار يقع فيه كما قال: وتمت وما ليل المطى بنائم، أي يبصرون فيه مطالب معايشهم وقال: قطرب، يقال: أظلم الليل صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر. "انتهى". وذكر علة خلق الليل وهي لتسكنوا فيه وحذفها من النهار، وذكر وصف النهار وحذفه من الليل، وكل من المحذوف يدل على مقابلة والتقدير جعل الليل مظلماً لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتتحركوا فيه في مكاسبكم وما تحتاجون إليه بالحركة. ومعنى يسمعون سماع معتبر. {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} الآية، الضمير في قالوا عائد على من نسب إلى الله تعالى الولد ممن قال الملائكة بنات الله وغير ذلك، وسبحانه تنزيهه عن اتخاذ الولد وتعجيب ممن يقول ذلك. {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} علة لنفي الولد لأن اتخاذ الولد إنما يكون للحاجة إليه، والله تعالى غير محتاج إلى شىء فالولد منتف عنه وكل ما في السماوات والأرض ملكه تعالى فهو غني عن اتخاذ الولد. وان: نافية، والسلطان الحجة أي ما عندكم من حجة بهذا القول.
الجيلاني
تفسير : {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ} المنخلعين عن لوازم البشرية بالكلية المنسلخين عن مقتضيات أهوية نفوسهم رأساً {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] إذ الخوف والحزن إنما هي من لوازم الطبيعة ومن ارتكاب مقتضياتها. وبعدما انسلخوا عنها وتجردوا عن لوازمها وفانوا في هوية الحق وصاروا ما صاروا، لم يبقَ فيهم مبدأ الخوف والحزن والأمن والسرور؛ إلا لا يتصف الفاني بأمثال هذه الأضداد، وهم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله في بداية سلوكهم؛ أي: تحققوا بمقام اليقين العلمي {وَ} بعد تمكنهم وتقررهم فيه {كَانُواْ يَتَّقُونَ} [يونس: 63] ويحذرون من سطوة سلطنة صفاته الجلالية لانغماسهم بشواغل أهوية الهويات وانهماكهم بعلائق التعينات. ثمَّ لما استخلصوا منها بالإخلاص والإخبات الصاق {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} عند الله بالفوز العظيم {فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} إذ هم تحققوا بمقام العبودية وتقرروا في مقر التوحيد، ووصلوا إلى ما أظهر الحق لأجله وهو المعرفة والشهود {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} التامات الناطقة بالكرامة والبشرى {ذٰلِكَ} التبشير الشامل للنشائين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [يونس: 64] واللطف الجسيم لأهل العناية من أرباب القبول. {وَ} بعدما تحققت يا أكمل الرسل بولاية الله واتصفت بولائه وفزت بما فزت {لاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} الباطل بالكفر والإشراك بالله وتكذيب كتابه، ومنه أنزل إليه، ولا تغتم بتهديدهم إياك ولا تبالِ مفاخرتهم وخيلاءهم بالمال والجاه عليك {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ} المعتبرة العظيمة {لِلَّهِ} المتعزز برداء العظمة والجلال، المتوحد بنعوت الكمال والجمال {جَمِيعاً} لا يعتد بعزة هؤلاء الغواة والعصاة، وسيخذلهم الله عن قريب بالقهر والانتقام، وبنصرك عليهم بالغلبة والاستيلاء؛ إذ {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم الكاذبة الباطلة {ٱلْعَلِيمُ} [يونس: 65] بنياتهم الفاسدة يجازيهم على مقتضى علمه، وينتقم عنهم وفق خبرته. قل يا أيها النبي الهادي لمن يدعي ربوبية الأظلال الهالكة وألوهية التماثيل الباطلة تنبيهاً لهم وإيقاضاً عن غفلتهم: كيف تدعون أيها الحمقى شركة المصنوع المفضول مع الصانع القديم الحكيم؟! {أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ} أي: تنبهوا أيها المسرفون الجاهلون بقدر الله المتوحد المتفرد بذاته، المتجلي في الآفاق بأسمائه وصفاته، مظاهر {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت} من الملائكة {وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} من الثقلين، وهم من فضلهم وشرفهم وعلو شأنهم لا يستحقون الألوهية والربوبية {وَ} كيف يستحق أولئك الجمادات الساقطة عن درجة الاعتبار لذلك {مَا يَتَّبِعُ} المشركون {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} في ألوهيته مستحقين للعبادة كعبادته إلا الزور الباطل والزائع الزائل بل {إِن يَتَّبِعُونَ} أي: ما يتعبون هؤلاء الضالون المشركون {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} والتخمين الناشئ من جهلهم وغفلتهم عن سر هوية الحق في المظاهر كلها؛ لذلك حقروها في مظهر دون مظهر {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] أي: ما هم في ادعائهم وحصرهم هذا إلا كاذبون آفكون إفكاً عظيماً، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال أوليائه بعد كشف حال أعدائه بقوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [يونس: 62] إلى قوله: {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [يونس: 64]، {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ} [يونس: 62] أي: أحباء الله وأعداء نفوسهم، فإن الولاية هي معرفة الله ومعرفة نفوسهم، فمعرفة الله رؤيته بنظر المحبة، ومعرفة النفس رؤيتها بنظر العداوة عند كشف غطاء أحوالها وأوصافها، فإذا عرفتها حق المعرفة علمت أنها عدوة الله ولك معالجتها بالمعاندة والمكابدة وما آمنت مكرها وكيدها وما نظرت إليها بنظر الشفقة والرحمة. فهذا حال أولياء الله أنه {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [يونس: 62] من تمني الضرر بنفوسهم، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة فيما بينهم، ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يونس: 63] بالله عما سواه ويفرون إليه مما عداه فيخرجهم الله من ظلمات التعلق بالكونين إلى نور الوصال والوصول. ثم أخبر عن مجازاتهم فقال: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} [يونس: 64] أي: المبشرات التي هي تلي النبوة من الوقائع التي ترى بين النوم واليقظة والإلهامات والكشوف وما يرد عليهم من المواهب والمشاهدات، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم يبق من النبوة إلا المبشرات"،تفسير : {وَفِي ٱلآخِرَةِ} [يونس: 64] وبشراهم بكشف القناع عن جمال العزة عن سطوات تجلي نور القدم وزهوق ظلمة الحدث وليبقوا بإبقاء الحق رحمة منه كما قال الله تعالى: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ}تفسير : [التوبة: 21]. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} [يونس: 64] أي: لا تتغير أحكامه الأزلية حيث قال للولي: كن وليّاً، وللعدو، كن عدوّاً، وكانوا كانوا كما أراد بالحكمة البالغة فلا تتغير لكلمة الولي وكلمة العدو، {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [يونس: 64] أي: ذلك الثبات لكلمة الولي وعدم تغييرها وتبدلها في حق الولي {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} للولي، فإنه فاز بالوصول إلى الله العظيم. ثم أخبر عن العزة تسلية لأهل العزة بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] إلى قوله: {أية : يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 70]، {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} الخطاب مع رسول القلب أي: يا رسول القلب لا يحزنك قول مشركي النفوس وهواجسهم فيما يحدثونك من استمتاعك لشهوات الدنيا ولذاتها ويزينون زخارفها في نظرك؛ ليقطعوا عليك طريق الحق تعالى، ويدلوك على متابعة الهوى. {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] في الدنيا والآخرة يعز من يشاء في الدنيا دون الآخرة، ويعز من يشاء في الآخرة دون الدنيا، ويعز في الدنيا والآخرة جميعاً، فلا تضره هواجس النفس ووساوس الشيطان في احتظاظه بشهوات الدنيا ونعيمها والتزين بزينتها، ولا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة، كما قال الله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}تفسير : [الأعراف: 32] فيكون من خواص عباده الذين أتاهم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ بل يكون لبعضهم نعيم الدنيا معيناً على تحصيل نعيم الآخرة كما جاء في الحديث الرباني: "حديث : وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك ". تفسير : {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [يونس: 65] لحديث النفوس، {ٱلْعَلِيمُ} [يونس: 65] بأمزجة عباده يدفع ما يضر بهم ويحيطهم ما لا ينفعهم منه، {أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت} [يونس: 66] من القلوب السماوية، {وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 66] من النفوس الأرضية أي: القلوب والنفوس ملك له وعبيد يفعل بهم وفيهم ما يشاء وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ} [يونس: 66] أي: النفوس، {يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} [يونس: 66] من الدنيا والهوى والمعنى، وما يتبع النفوس الهوى والدنيا ويتخذونها شركاء الله {مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: بغير الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} [يونس: 66] أي: يظنون أنهم يتبعون الهوى باختيار نفوسهم لا باختيار الله، ولا يعلمون أنه ما كان لهم الخيرة، {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] أي: بأن لهم الخيرة دون الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وثوابهم فقال: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والأهوال. { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم ذكر وصفهم فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم، باستعمال التقوى، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله [تعالى] وليًا، و { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ }. أما البشارة في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق. وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم. وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم. { لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } بل ما وعد الله فهو حق، لا يمكن تغييره ولا تبديله، لأنه الصادق في قيله، الذي لا يقدر أحد أن يخالفه فيما قدره وقضاه. { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب، وحصر الفوز فيه، لأنه لا فوز لغير أهل الإيمان والتقوى. والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير وثواب، رتبه الله في الدنيا والآخرة، على الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك، فلم يقيده.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [62] 255- أنا حفص بن عمر، نا محمد بن سعيد بن سابق، عن يعقوب، وأخبرنا إبراهيم بن يعقوب، نا عثمان بن زُفَر، نا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل. وقال إبراهيم: حديث : سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم - مَن أولياء الله؟ قال: "الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله ". تفسير : 256- أنا واصل بن عبد الأعلى بن واصل، أنا محمد بن فُضيل، عن أبيه، وعُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم/ : "حديث : إنَّ من العباد عباداً يَغْبطُهم الأنبياء والشُّهداء" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أموال ولا أنساب، وجُوههم نور - يعني على منابر من نور، لا يخافون إن خاف الناس، ولا يحزنون إن حزن الناس، ثم تلا هذه الآية {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):