Verse. 1427 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَكَانُوْا يَتَّقُوْنَ۝۶۳ۭ
Allatheena amanoo wakanoo yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هم «الذين آمنوا وكانوا يتقون» الله بامتثال أمره ونهيه.

63

Tafseer

القرطبي

تفسير : هذه صفة أولياء الله تعالى؛ فيكون: {ٱلَّذِينَ} في موضع نصب على البدل من اسم «إنّ» وهو «أولياء». وإن شئت على أعني. وقيل: هو ابتداء، وخبره. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}؛ فيكون مقطوعاً مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي.

المحلي و السيوطي

تفسير : هم {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الله بامتثال أمره ونهيه.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ ءامنوا} أي بكل ما جاء من عند الله تعالى: {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي يقون أنفسَهم عما يحِقّ وقايتُها عنه من الأفعال والتروك وقايةً دائمةً حسبما يفيده الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ (وهو) بـيانٌ وتفسيرٌ لهم وإشارةٌ إلى ما به نالوا ما نالوا على طريقة الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال، ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: مَنْ أولئك وما سببُ فوزِهم بتلك الكرامةِ؟ فقيل: هم الذين جمعوا بـين الإيمانِ والتقوى المُفْضِيَـيْن إلى كل خير المُنْحِيَـيْن عن كل شر وقيل: محلُّه النصبُ أو الرفعُ على المدح أو على أنه وصفٌ مادحٌ للأولياء، ولا يقدح في ذلك توسطُ الخبرِ، والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثةُ منها الجامعةُ لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك التي يفيدها الإيمانُ أيضاً ومرتبةِ التجنبِ عن كل ما يُؤثم من فعل وترك، أعني تنزهَ الإنسانِ عن كل ما يشغل سرَّه عن الحق والتبتلِ إليه بالكلية وهي التقوىٰ الحقيقيُّ المأمورُ به في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }تفسير : [آل عمران: 102] وبه يحصُل الشهودُ والحضورُ والقُرب الذي عليه يدورُ إطلاقُ الاسمِ عليه، وهكذا كان حالُ كل من دخل معه عليه السلام تحت الخطاب بقوله عز وجل: {أية : وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } تفسير : [يونس: 61] خلا أن لهم في شأن التبتّلِ والتنزّهِ درجاتٍ متفاوتةً حسب تفاوتِ درجاتِ استعدادتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبـيةِ أقصاها ما انتهى إليه هممُ الأنبـياءِ عليهم السلام حتى جمعوا بذلك بـين رياستي النبوة والولايةِ يعُقْهم التعلقُ بعالم الأشباح عن الاستغراقِ في عالم الأرواح ولم تصُدَّهم الملابسةُ بمصالح الخلقِ عن التبتل إلى جناب الحقِّ لكمال استعدادِ نفوسِهم الزكيةِ المؤيدةِ بالقوة القدسيةِ، فمَلاكُ أمرِ الولاية هو التقوى المذكورُ فأولياءُ الله هم المؤمنون المتقون، ويقرُب منه ما قيل من أنهم الذين تولّى الله هدايتَهم بالبرهان وتولَّوُا القيامَ بحق عبوديةِ الله تعالى والدعوةِ إليه ولا يخالفه ما قيل من أنهم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم لما رُوي عن سعيد بن جبـير «حديث : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل مَنْ أولياءُ الله فقال: "هم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم أي بسَمْتهم وإخباتهم وسكينتهم"»تفسير : ، ولا ما قيل من أنهم المتحابّون في الله لما رُوي (عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : "إن من عبادِ الله عباداً ليسوا بأنبـياءَ ولا شهداءَ يغبِطُهم الأنبـياءُ والشهداءُ يوم القيامة لمكانهم من الله" قالوا: يا رسولَ الله خبِّرنا من هم وما أعمالُهم فلعلنا نحبّهم، قال: "هم قوم تحابُّوا في الله على غير أرحامٍ منهم ولا أموالٍ يتعاطَونها فوالله إن وجوهَهم لنورٌ وإنهم لعلى منابرَ من نور لا يخافون إذا خاف الناسُ ولا يحزنون إذا حزِن الناسُ"»تفسير : فإن ما ذكر من حسن السَّمْت والسكينةِ المذكِّرةِ لله تعالى والتحابِّ في الله سبحانه من الأحكام الدنيويةِ اللازمة للإيمان والتقوى والآثارِ الخاصّةِ بهما الحقيقةِ بالتخصيص بالذكر لظهورها وقُربها من أفهام الناسِ قد أورد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كلاًّ من ذلك حسبما يقتضيه مقامُ الإرشادِ والتذكيرِ ترغيباً للسائلين أو غيرِهم من الحاضرين فيما خصه بالذكر هناك من أحكامهم فلعلَّ الحاضرين أولاً كانوا محتاجين إلى إصلاح الحالِ من جهة الأقوالِ والأفعال والملابس ونحو ذلك، والحاضرين ثانياً مفتقرين إلى تأليف قلوبِهم وعطِفها نحوَ المؤمنين الذين لا علاقة بـينهم وبـينهم من جهة النسبِ والقرابةِ وتأكيدِ ما بـينهم من الأخوة الدينية ببـيان عِظَم شأنِها ورفعةِ مكانتها وحُسن عاقبتِها ليُراعوا حقوقَها ويهجُروا من لا يوافقهم في الدين من أرحامهم، وأما ما ذكر من أنه يغبِطُهم الأنبـياءُ فتصويرٌ لحسن حالِهم على طريقة التمثيلِ. قال الكواشي: وهذا مبالغةٌ، والمعنى لو فُرض قومٌ بهذه الصفة لكانوا هؤلاء وقيل: أولياءُ الله الذين يتولّونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجُعل قوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} تفسيرا لتولّيهم إياه تعالى.

القشيري

تفسير : هذه صفة الأولياء؛ آمنوا في الحال، واتقوا الشّرْكَ في المآل. ويقال {آمَنُواْ} أي قاموا بقلوبهم من حيث المعارف. {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف. ويقال "آمنوا" بتلقي التعريف. "واتقوا": بالتقوى عن المحرمات بالتكليف.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين آمنوا وكانوا يتقون} استئناف مبنى على السؤال ومحل الموصول لرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل من اولئك وما سبب فوزهم بتلك الكرامة فقيل هم الذين جمعوا بين الايمان بكل ما جاء من عند الله والتقوى المفضيين الى كل خير المنحيين عن كل شر. قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة وكانوا يتقون الله تعالى من صدور سيآت الاعمال والاخلاق فى مرتبة الشريعة والطريقة ومن ظهور الغفلات والتلوينات فى مرتبة المعرفة والحقيقة لانهم يصلحون طبائعهم بالشريعة وانفسهم بالطريقة وقلوبهم بالمعرفة وارواحهم واسرارهم بالحقيقة فلا جرم انهم يتقون من جميع ما سوى الله انتهى. يقول الفقير يشير رضى الله عنه بذلك الى ان المراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها وهو تنزه الانسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل اليه بالكلية وهذه المرتبة جامعة لما تحتها من مرتبة التوقى عن الشرك التى يفيدها الايمان ايضا ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك وللاولياء فى شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسب تفاوت درجات استعدادهم اقصاها ما انتهى اليه همم الانبياء عليهم السلام جمعوا بين رياستى النبوة والولاية وما عاقبهم التعلق بعلم الاشباح عن العروج الى عالم الارواح ولم يصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق فى شؤون الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة القدسية ومن هنا فضل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على عيسى عليه السلام اذ ليس عروجه الى الرابعة ببديع بالنسبة الى عروج رسولنا عليه السلام الى العرش وما فوقه اذ كان تعلقه بهذه النشأة من جهة الام فقط وتعلق رسول الله من جهة الابوين ومع ذلك ما عاقه التعلق حتى انتهى فى عروجه الى ما انتهى من نهايات العنصريات وغايات الطبيعيات ودوام الاتصال بالانوار العالية ممكن كما يحكى عن بعض المتألهين وان لم يكن فيجعل هذه الحالة ملكة له فيصير بدنه كقميص يلبسه تارة ويخلعه اخرى ألا ترى ان من قدر على النفقة فهو متى جاع فبيده الشبع يأكل ما شاء فقس عليه الرزق المعنوى والعروج الى مبدأه بل هو اولى من ذلك لانه مستغن عن آلة وسبب وليس الطالب والمطلوب مسافة: وفى المثنوى شعر : اين دراز وكوتهى مرجسم راست جه دراز وكوته آنجا كه خداست جون خدا مرجسم را تبديل كرد رفنتش بى فرسخ وبى ميل كرد تفسير : فاذا عرفت ان اولياء الله تعالى هم المؤمنون المتقون بالتقوى الحقيقية فاعرف ايضا انه جاء فى الاولياء اوصاف اخر بعضها متقارب وبعضها باعتبار البداية وبعضها باعتبار النهاية الى غير ذلك مما روى على كرم الله وجهه هم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الطوى يبس الشفاه من الذوى وعن سعيد بن جبير ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سأل من اولياء الله فقال (هم الذى يذكر الله برؤيتهم) اى بسمتهم واخباتهم وسكينتهم نحو سيماهم فى وجوههم وقال بعض علامة الاولياء أن همومهم مع الله وشغلهم بالله وفرارهم اليه فنوا فى احوالهم بقائهم فى مشاهدة مالكهم فتوالت عليهم انوار الولاية فلم يكن لهم عن نفوسهم اخبار ولا مع واحد غير الله قرار وهم المتحابون فى الله قال صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ان لله عبادا ليسوا بانبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله" قيل يا رسول الله من هم وما اعمالهم فلعلنا نحبهم قال "هم قوم تحابوا فى الله على غير ارحام منهم ولا اموال يتعاطونها فوالله ان وجوههم لنور وانهم لعلى منابر من نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس" تفسير : قوله يغبطهم الانبياء تصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل. قال الكواشى وهذا مبالغة والمعنى لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء والا فلا خلاف ان احدا من غير الانبياء لا يبلغ منزلة الانبياء. وفى تفسير الفاتحة للفنارى ان النبيين يفزعون على اممهم للشفقة التى جبلهم الله عليها للخلق فيقولون يوم القيامة اللهم سلم سلم ويخافون اشد الخوف على اممهم والامم يخافون على انفسهم واما الآمنون على انفسهم فيغبطهم النبيون فى الذى هم عليه من الامن لما هم اى النبيون عليه من الخوف على اممهم وان كانوا آمنين على انفسهم. يقول الفقير وحين الانتهاء فى التحرير الى هذا المحل ظهر لى وجه آخر وهو ان الحديث المذكور ناطق عن المحبة فى الله والمحبة مقام اختص به عليه السلام من بين الانبياء والرسل وهو لا ينافى تحقق الكمل من ورثته بحقائقه اذ كمال التابع تابع لكمال متبوعة فمن الجائز ان يحصل لهم من ذلك المقام وآثاره ما به يغبطهم بعض الانبياء وقد ورد "حديث : علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل" تفسير : ولا يلزم م ذلك بلوغهم منزلة الانبياء ورجحانهم عليهم مطلقا وقد تقرر ان الافضل قد يكون مفضولا من وجه وبالعكس ألا ترى قوله عليه السلام "حديث : انتم اعلم بامور دنياكم" تفسير : ودرجات المعرفة لا نهاية لها والى الله المنتهى. وقال ابو يزيد قدس سره اولياء الله تعالى عرائس ولا يرى العرائس الا من كان محرما لهم واما غيرهم فلا وهم مخدرون عنده فى حجاب الانس لا يراهم احد فى الدنيا ولا فى الآخرة. وقال سهل اولياء الله تعالى لا يعرفهم الا اشكالهم او من اراد ان ينفعه بهم ولو عرفهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم فمن خالف بعد علمه بهم كفر ومن قعد عنهم خرج . وقال الشيخ ابو العباس معرفة الولى اصعب من معرفة الله فان الله معروف بكماله وجماله ومتى يعرف مخلوق مخلوقا مثله يأكل كما يأكل ويشرب كما يشرب وهم ظاهرهم مزين باحكام الشرع وباطنهم مستغل بانوار الفقر: وفي المثنوى شعر : رهر وراه طريقت اين بود كاو باحكام شريعت ميرود تفسير : قال الكاشفى فى وصف الاولياء شعر : رخش زميدان ازل تاخته كوى بجو كان ابد باخته معتكفان حرم كبريا شسته دل از صورت كبرويا راه ثوردان شكست قدم راز كشايان فروبسته دم تفسير : وقال السعدى شعر : اسيرش نخواند رهايى زبند شكارش نجويد خلاص ازكمند دلارام در بر ل دلارى جوى لب ازتشنكى خشك بر طرف جوى

الطوسي

تفسير : يحتمل موضع {الذين} ثلاثة أوجه من الاعراب: احدها - ان يكون نصباً بأن يكون صفة للأولياء. والثاني - ان يكون رفعاً على المدح. والثالث - ان يكون رفعاً بالابتداء، وخبره {لهم البشرى}. اخبر الله تعالى ان الذين آمنوا هم الذين يصدقون بالله ويعترفون بوحدانيته وهم مع ذلك يتقون معاصيه. والفرق بين الايمان والتقوى ان التقوى مضمن باتقاء المعاصي مع منازعة النفس اليها. والايمان من الأمن بالعمل من عائد الضرر. والفرق بين الايمان بالله والطاعة له ان الطاعة من الانطياع بجاذب الأمر والاراده المرغبة في الفعل. والايمان هو الامن المنافي لانزعاج القلب. وقوله {يتقون} فالاتقاء اصله من (وقيت) فقلبت الواو، وادغمت في تاء الافتعال كما قلبت في اتجاه وتراث.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة والدّخول فى امر الائمّة ودخول الايمان فى قلوبهم لا من قبل الدّعوة الظّاهرة وبايع بالبيعة العامّة النّبويّة ودخل فى الاسلام من دون الدّخول فى الايمان {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} غيّر الاسلوب للاشارة الى انّ الايمان امر يحصل بمحض البيعة الولويّة وامّا التّقوى الخاصّة فهى لا بدّ منها الى تمام مراتب الفناء والحشر الى الرّحمن بحيث تصير للمؤمن كالسّجيّة والموصول امّا صفة بيانيّة لاولياء الله ولذا اخّره عن الخبر او خبر لمبتدءٍ محذوفٍ او منصوب بفعلٍ محذوفٍ او مبتدء خبره.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} عقاب الله بامتثال الأَوامر واجتناب النواهى، الاتقاءُ حذر المعاصى إِجلالا لله تعالى أَو خوفا من عقابه، ومن يعصى ويتوب من قلبه لم يخرج عن اسم الاتقاءِ والتقوى لأَن ذلك مراتب منها ترك المعاصى إِلا نادرا يعاجل بالتوبة ومنها ترك المعاصى أَلبتة كالأَنبياءِ والملائِكة، قيل: يا رسول الله من أَولياءُ الله؟ قال: حديث : الذين إِذا رُءُوا ذكر الله تعالىتفسير : ، أَى تدعو حالهم إِلى طاعة الله وتقواه، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لله قوم تحابوا في الله بلا قرابة هم على منابر من نور يوم القيامة، يغبطهم الأَنبياءُ والشهداءُ لا فزع عليهم وهم أَولياءُ الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"تفسير : ، ونقول الأَنبياءَ أَفضل إِنما يتمنون حالهم لشدة الجمع بينهم وبين أَممهم لشأْن التبليغ ثم رأَيته والحمد لله تعالى لغيرى، وقال عيسى عليه السلام: أَولياءُ الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين رفضوا الدنيا ولم يغرهم ظاهرها، وهدموها وبنوا بها الآخرة، مبتدأ وخبره. {لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ} أَو خبر ثان لأَن أَو خبر لمحذوف كأَنه قيل من هم؟ فقال: هم الذين قيل، أَو منصوب على المدح أَو نعت لأَولياءَ، وفيه الفصل بالخبر، وإِذا لم يجعل لهم البشرى خبرا فهو مستأْنف كأَنه قيل: ماذا لهم؟ فقيل: لهم البشرى إِلخ، وفى الحياة متعلق بالبشرى أَو بلهم أَو بمتعلقه أَو حال من ضمير الاستقرار، عن عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : البشرى فى الدنيا الرؤيا الصالحة يراها الرجل أَو ترى له"تفسير : ، رواه الحاكم. قال صلى الله عليه وسلم:" حديث : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا الصالحة التى يتبشر بها المؤمن جزءٌ من ستة وأَربعين جزءاً من النبوة"تفسير : كما هو المشهور، وعن ابن عمر وأَبى هريرة: جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة، ولا يختص التبشير بها بمن فى غاية درجات الولاية، بل السعيد مطلقا، ويجوز أَن يراها أَو ترى له، ولو فى حال المعصية لأَنه يختم له بالسعادة فلا تهم، ويجوز أَن تفسر بالرؤيا الصالحة وما يبشر به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يكون بالمكاشفة وما يبشره به الملائِكة عند النزع، ويكون حديث عبادة تمثيلا لا حصرا، ويدل على أَنه تمثيل ما روى مسلم أَن أَبا ذر رضى الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَرأَيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، قال: حديث : تلك عاجلة بشرى المؤمنتفسير : . فإِن هذا ليس حصراً أَيضاً، وذلك بلا قصد منه للثناءِ بل يشتغل قلبه بالله فيفيض النور على ظاهره، وينادى الملك للملائكة: إِن الله أَحب فلاناً فأَحبوه ويوضع له القبول فى الأَرض، والبشرى فى الآخرة بعد الموت ويوم القيامة وقوله تعالى: "أية : تتنزل عليهم الملائكة أَلاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأَبشروا بالجنة التى كنتم توعدون"تفسير : [فصلت: 30] قيل عند الموت، وقيل بعده، قال جل وعلا "أية : بشراكم اليوم"تفسير : [الحديد: 12] {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} لوعده ولا لوعيده ولا لشىءٍ مما قضى، وهذا لعمومه وكونه برهانا على عدم خلفه البشرى أَولى من التفسير بخصوص عدم خلفها {ذَلِكَ} إِشارة إِلى البشرى، وإِنما ذكر بتأْويل التبشير أَو إِشارة إِلى ثبوتها إِذ قال لهم البشرى {هُوَ الْفَوْزُ} أَى المفوز به {الْعَظِيمُ} فتسل بذلك عن إِيذائهم وأَيقن كما قال: {وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ} لست مرسلا ولا نبياً وإِنك مجنون أَو شاعر أَو ساحر أَو ما تأْتى به أَساطير الأَولين أَو يعلمك بشر. وفى هذا تهديد لهم {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} لا شىءَ منها لغيره فهو ينصرك عليهم ولا تنفعهم قوتهم بالمال والكثرة، وهو تعليل جملى لقوله لا يحزنك، كأَنه قيل لأَن العزة لله جميعاً كما قرأَ أَبو حيوة بفتح الهمزة، وهذا أَولى من أَن يكون استئنافاً بيانياً، كأَنه قيل لم لا يحزنه؟ فقال: إِن العزة لله جميعاً، لأَن الأَول هو المتبادر، ولأَن يحزنك نهى لا إِخبار، والاستئناف البيانى إِنما يحسن بعد الإِخبار وأَما بعد الطلب فيحتاج لتأْويل كأْنه قيل: لم نهى عن الحزن المتأَثر بأَحزانهم فقال إِن العزة إِلخ، وهى على ظاهر ما يعطيكها الله أَو بمعنى القوة. وقد يقال على بعد أَن الجملة محكية بالقول على فرض أَن المشركين يقولون: العزة لله بلسانهم واعتقادهم لأَنها أَمر واضح لا محيد عنه، والحزن يتصور منه صلى الله عليه وسلم لمخالفتهم مضمون ذلك، وكذلك يبعد أَن يكون بدلا من القول، كأَنه قيل لا يحزنك أَن العزة لله بفتح الهمزة على حد لا تكونن ظهيراً للكافرين، ولا تدع مع الله إِلهاً آخر، إِلهاماً وتهييجاً، والمراد النهى عن التأَثر به، وذلك أَنه السبب، وجميعاً حال من الضمير فى الخبر ولم يؤَنث لأَن فعيلا من صيغ المصدر، وهو يصلح بلفظ واحد لكل ما أُريد به، ولو كان هذا وصفاً أَو توكيداً، أَى إِن العزة جميعها لله، وما تقدم أَولى {هُوَ السَّمِيعُ} العليم بالأَصوات {الْعَلِيمُ} بالأَفعال والاعتقادات وكل شىءٍ، فهو يعاقبهم على أَفعالهم وأَقوالهم واعتقاداتهم كبيرها وصغيرها، ويجازيكم خيراً كذلك وينصركم، وصغائِرِهم كبائِر لأَنهم أَصروا عليها وبالإِشراك.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بكل ما جاء من عند الله تعالى {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} عما يحق الاتقاء منه من الأفعال والتروك اتقاء دائماً حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل والموصول في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استئناف بياني كأنه قيل: من أولئك وما سبب فوزهم بما أشار إليه الكلام السابق؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيين إلى كل خير المجنبين عن كل شر. ولك أن تقصر في السؤال على من أولئك؟ فيكون ذلك بياناً وتفسيراً للمراد من الأولياء فقط، وعلى الأول هذا مع الإشارة إلى ما به نالوا مالوا، وقيل: محله النصب أو الرفع على المدح أو على أنه وصف للأولياء. ورد بأن في ذلك الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر. وقد / أباه النحاة. نعم جوزه الحفيد، وجوز فيه البدلية أيضاً. والمراد من التقوى عند جمع المرتبة الثالثة منها وهي التقوى المأمور بها في قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102] وفسرت بتنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه بالكلية، وبذلك يحصل الشهود والحضور والقرب الذي يدور إطلاق الاسم عليه، وهكذا كان حال [كل] من دخل معه صلى الله عليه وسلم تحت الخطاب بقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ }تفسير : [يونس: 61] الخ خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسبما درجات تفاوت استعداداتهم، وأقصى الدرجات ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى جمعوا بذلك بين رياسة النبوة والولاية ولم يعقهم التعلق بعالم الأشباح عن الاستغراق في عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحق سبحانه عز وجل لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية كذا قيل. وفي كون حال كل من دخل معه صلى الله عليه وسلم تحت الخطاب مراداً به جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما أشار إليه من التقوى الحقيقية المأمور بها في الآية التي بها يحصل الشهود والحضور والقرب بحث، وقصارى ما تحقق بعد نزاع طويل ذكرناه في جوابنا لسؤال أهل ـ لاهور ـ أن الصحابة كلهم عدول من لابس منهم الفتنة ومن لم يلابسها ودعوى أن العدالة تستلزم الولاية بالمعنى السابق إن تمت تم المقصود وإلا فلا، والآية ظاهرة في أن الأولياء هم المؤمنون المتقون وأقل ما يكفي في إطلاق الولي التقرب إليه سبحانه بالفرائض من امتثال الأوامر واجتناب الزواجر، والأكمل التقرب إليه جل شأنه بكل ما يمكن من القرب، وفي «المبين المعين» الولي هو من يتولى الله تعالى بذاته أمره فلا تصرف له أصلاً إذ لا وجود له ولا ذات ولا فعل ولا وصف، والتركيب يدل على القرب فكأنه قريب منه عز وجل لاستدامة عباداته واستقامة طاعاته أو لاستغراقه في بحر معرفته ومشاهدة طلعة عظمته انتهى. وفيه القول بأن الولي فعيل بمعنى مفعول، وجوز أن يكون بمعنى فاعل، وفسر بأنه من يتولى عبادة الله تعالى وطاعته على التوالي من غير تخلل معصية، وعن القشيري أن كلا الوصفين تولي الله تعالى أمره وتولية عبادة الله تعالى وطاعته شرط في الولاية غير أن الوصف الأول غالب على المجذوب المراد والثاني على السالك المريد، ولا يخفى أن هذا الكلام وكذا ما قبله يدل على أن تخلل المعصية مناف للولاية وهو الذي يشير إليه كلام غير واحد من الفضلاء، وليس في ذلك قول بالعصمة التي لم يثبتها الجماعة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل قصارى ما فيه القول بالحفظ، وقد قيل: الأولياء محفوظون وفسر بعدم صدور الذنب مع إمكانه، والقيد لإخراج العصمة. نعم جاءت العصمة بمعنى الحفظ المفسر بما ذكر، وعلى ذلك خرج قول صاحب «حزب البحر» اللهم اعصمني في الحركات والسكنات لأن الدعاء بما هو من خواص الأنبياء عليهم السلام لا يجوز كالدعاء بسائر المستحيلات كما حقق في محله. وأطلق بعضهم القول بأن تخلل ذلك غير مناف احتجاجاً بما حكي عن الجنيد قدس سره أنه سئل هل يزني العارف؟ فقال: نعم {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]، وتعقب بأنه محمول على الإمكان سؤالاً وجواباً ولا كلام فيه وإنما الكلام في أن الوقوع مناف أو غير مناف، وقال بعضهم: لا شبهة في عدم بقاء وصف الولاية حال التلبس بالمعصية إذ لا تقوى حينئذ بالإجماع ومدار هذا الوصف عليها وكذا على الإيمان، وهو غير كامل إذ ذاك عند أهل الحق وغير متحقق أصلاً بل المتحقق الفسق المعنى بالواسطة أو الكفر عند آخرين، وكذا لا شبهة في عدم منافاة وقوع المعصية الاتصاف بالولاية بعده بأن يعود من ابتلي بذلك إلى تقوى الله تعالى ويتصف بما تتوقف الولاية عليه، وهو نظير من يتصف بالإيمان أو بالعدالة مثلاً بعد أن لم / يكن متصفاً بذلك. بقي الكلام في منافاة الوقوع الاتصاف قبل، فإن قيل: إنه مناف له بمعنى أنه لذلك لم يكن متصفاً قبل بما هو إيمان وتقوى عند الناس فلا شبهة أيضاً في عدم المنافاة بهذا المعنى وهو ظاهر وإن قيل: إنه مناف له بمعنى أنه لم يكن لذلك متصفاً بما ذكر عند الله تعالى بناء على أن المراد بالتقوى التي هي شرط الولي التقوى الكاملة التي يترتب عليها حب الله تعالى المترتب عليه الحفظ كما أشير إليه فيما رواه البخاري من حديث أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ الله تعالى قال من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» تفسير : الحديث. وقد قال غير واحد في معنى الشرطية فإذا أحببته كنت حافظاً حواسه وجوارحه فلا يسمع ولا يبصر ولا يأخذ ولا يمشي إلا فيما أرضى وأحب وينقلع عن الشهوات ويستغرق في الطاعات، وقريب منه قول الخطابـي: المراد من ذلك توفيقه في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، يعني ييسر عليه فيها سبيل ما يحبه ويعصمه عن مواقعة ما يكرهه من إصغاء إلى لهو بسمعه ونظر إلى ما نهى عنه ببصره وبطش بما لا يحل بيده وسعي في باطل برجله، وكذا قول بعضهم المعنى أجعل سلطان حبـي غالباً عليه حتى أسلب عنه الاهتمام بشيء غير ما يقربه إلي فيصير متخلياً عن اللذات متجنباً عن الشهوات متى ما يتقلب وأينما يتوجه لقي الله تعالى بمرأى فيه ومسمع منه ويأخذ حب الله تعالى مجامع قلبه فلا يسمع ولا يرى ولا يفعل إلا ما يحبه ويكون له في ذلك عوناً ومؤيداً ووكيلاً يحمي جوارحه وحواسه فله وجه لأنه إذا وقعت المعصية يعلم أنه لم يكن محفوظاً وبه يعلم أنه لم يكن محبوباً وبذلك يعلم أنه لم يكن متقرباً إليه تعالى شأنه ومتقياً إياه حق تقاته وان ظنه الناس كذلك فهو ليس من أوليائه سبحانه في نفس الأمر. نعم من اتصف بصفات الأولياء ظاهراً يجب تعظيمه واحترامه والتأدب معه والكف عن إيذائه بشيء من أنواع الإيذاء التي لا مسوغ لها شرعاً كالإنكار عليه عناداً أو حسداً دون المنازعة في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق أو كشف غامض ونحو ذلك لما دل عليه الحديث السابق المشتمل من تهديد المؤذي على الغاية القصوى والحكم على من ذكره لولاية إذا لم يكن هناك نص من معصوم على ما يدل على تحققها في نفس الأمر إنما هو بالنظر إلى الظاهر لا إلى ما عند الله تعالى لما أن من الذنوب ما لا يمكن أن يطلع عليه إلا علام الغيوب ومنها الذنوب القلبية التي هي أدواء قاتلة وسموم ناقعة من أن الأعمال بخواتيمها وهي مجهولة إلا للمبدىء المعيد جل جلاله هذا وهو تحقيق يلوح عليه مخايل القبول. ومن الناس من قسم الولاية إلى صغرى قد يقع فيها الذنب على الندرة لكن يبادر للتنصل منه فوراً وعد العلامة ابن حجر عليه الرحمة من وقع منه الذنب كذلك فبادر للتنصل منه محفوظاً فالوقوع عنده على الندرة مع المبادرة للتنصل لا ينافي الحفظ وإنما ينافيه تكرر الوقوع وكثرته وكذا ندرته مع عدم المبادرة للتنصل، وكبرى لا يقع فيها الذنب أصلاً مع إمكان الوقوع ولو قيل أو مع استحالته كما في ولاية الأنبياء عليهم السلام وادعى أن ذلك من خصوصيات ولايتهم فيكون الحفظ أعم من العصمة لم يبعد. وأنت تعلم أن قولهم الأنبياء معصومون ظاهر في كون العصمة من توابع النبوة ومعللة بها وهو مخالف لتلك الدعوى كما لا يخفى، وما ذكر من التقسيم حسن ويعلم منه أن الكثير ممن يدعي الولاية في زماننا أو تدعى له ليس له منها سوى الدعوى لإصراره والعياذ بالله تعالى على كبائر تقع منه في اليوم مراراً عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك. وقد جاء عن النبـي صلى الله عليه وسلم في تفسير / الأولياء ما يظن أنه مخالف لما دلت عليه الآية في ذلك. فقد أخرج ابن المبارك والترمذي في «نوادر الأصول» وأبو الشيخ وابن مردويه وآخرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قيل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: «حديث : والذين إذا رؤا ذكر الله تعالى»تفسير : أي لحسن سمتهم وأخباتهم. وأخرج أحمد وابن أبـي حاتم والبيهقي وجماعة عن أبـي مالك الأشعري قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله تعالى. قال أعرابـي: يا رسول الله انعتهم لنا قال: «هم أناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله يضع الله تعالى لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها يفزع الناس وهم لا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»تفسير : ولا مخالفة في الحقيقة فإن ما أشير إليه من حسن السمات والإخبات والتحاب في الله تعالى من الأحكام اللازمة للإيمان والتقوى والآثار الخاصة بهما الحقيقة بالتخصيص بالذكر لظهورها وقربها من أفهام الناس، وقد أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاً من ذلك حسبما يقتضيه مقام الإرشاد والتذكير ترغيباً لسائل أو حاضر فيما خصه بالذكر من أحكامهما، وأريد بوصفهم بأنهم يغبطهم النبيون على مجالسهم وقربهم الإشارة إلى راحتهم مما يعتري الأنبياء عليهم السلام من الاشتغال بأممهم، والمراد أنهم يغبطونهم على مجموع الأمرين، وعن الكواشي أن ذلك خارج مخرج المبالغة، والمعنى أنه لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء. وقال بعض المحققين: إن ذلك تصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل. وأيا ما كان فلا دليل فيه على أن الولاية أفضل من النبوة وقد كفر معتقد ذلك، وقد يؤول له بحمل ذلك على أن ولاية النبـي أفضل من نبوته كما حمل ما قاله العز بن عبد السلام المخالف للأصح من أن النبوة أفضل من الرسالة على نحو ذلك. وكذا لنظير ما ذكرنا لا يخالف ما دلت الآية عليه تفسير عيسى عليه السلام لذلك. فقد أخرج أحمد في «الزهد» وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال: قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالاً وذكرهم إياها فواتاً وفرحهم بما أصابوا منها حزناً وما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها هم الفرحين، باعوها فكانوا ببيعها هم الرابحين ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله سبحانه وتعالى ويستضيؤون بنوره ويضيؤون به لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليس يرون نائلاً مع ما نالوا ولا أماناً دون ما يرجون ولا خوفاً دون ما يحذرون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (63) - وَيَقُولُ تَعَالَى مُعَرِّفاً (أَوْلِيَاءَ اللهِ): بِأَنَّهُمُ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَيُرَاقِبُونَهُ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَتِهِمْ، فَلاَ يَقُومُونَ إِلاَّ بِمَا يُرْضِي اللهَ رَبَّهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يُبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة. والتقوى - كما علمنا - هي اتقاء صفات الجلال في الله تعالى، وأيضاً اتقاء النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، حديث : فقال صلى الله عليه وسلم يصف المتقين: "هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور ". تفسير : وقد سئُل عمر - رضي الله عنه - عن المتقين فقال: "الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله". وكأنه ـ رضي الله عنه ـ يشرح لنا قول الحق سبحانه: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..}تفسير : [الفتح: 29]. وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقَّة السَّمْت، وانبساط الأسارير. والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً، ولا يرى أي قُبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق. إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق. ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى عليه السلام، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين. وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر سيدنا موسى جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة. ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل. وأيضاً حين دخل سيدنا موسى - عليه السلام - مع العبد الصالح إلى قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما - وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال - فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسَّة واللؤم؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية. ولم يكن سيدنا موسى - عليه السلام - قد علم ما علمه العبدُ الصالح من أن رجلاً صالحاً قد مات وترك لأولاده كنزاً تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد؛ فيقع الجدار ليجد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه. إذن: هذه هباتٌ من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو سبحانه وتعالى يجعل مَثَل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة. ويقول الحق سبحانه: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ...}.