Verse. 1428 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

لَھُمُ الْبُشْرٰي فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا وَفِي الْاٰخِرَۃِ۝۰ۭ لَا تَبْدِيْلَ لِكَلِمٰتِ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكَ ھُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمُ۝۶۴ۭ
Lahumu albushra fee alhayati alddunya wafee alakhirati la tabdeela likalimati Allahi thalika huwa alfawzu alAAatheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لهم البشرى في الحياة الدنيا» فسرت في حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له «وفي الآخرة» الجنة والثواب «لا تبديل لكلمات الله» لا خلف لمواعيده «ذلك» المذكور «هو الفوز العظيم».

64

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} حديث : عن أبي الدّرداء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له»تفسير : خرّجه الترمذي في جامعه. وقال الزهريّ وعطاء وقتادة: هي البشارة التي تبشّر بها الملائكة المؤمنَ في الدنيا عند الموت. وعن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك ولِيَّ الله الله يقرئك السلام. ثم نزع بهذه الآية: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} ذكره ابن المبارك. وقال قتادة والضحاك: هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت. وقال الحسن: هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه؛ لقوله: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ}تفسير : [التوبة: 21]، وقوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}تفسير : [البقرة: 25]. وقوله: {أية : وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30] ولهذا قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا خلف لمواعيده، وذلك لأن مواعيده بكلماته. {وَفِي ٱلآخِرَةِ} قيل: بالجنة إذا خرجوا من قبورهم. وقيل: إذا خرجت الروح بُشِّرت برضوان الله. وذكر أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَقيّ يقول: رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكباً بِرْذَوْناً عليه طَيْلسان وعمامة، فسلّمت عليه وقلت له: أهلاً بك، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك؛ فقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} الثناء الحسن: وأشار بيده. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا خلف لوعده. وقيل: لا تبديل لأخباره، أي لا ينسخها بشيء، ولا تكون إلا كما قال: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } فسرت في حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة: يراها الرجل أو تُرَى له {وَفِي ٱلأَخِرَةِ } الجنة والثواب {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِٰمَاتِ ٱللَّهِ } لا خلف لمواعيده {ذٰلِكَ } المذكور {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.

ابن عطية

تفسير : أما بشرى الآخرة فهي بالجنة قولاً واحداً وتلك هي الفضل الكبير الذي في قوله {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47] وأما بشرى الدنيا فتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الدرداء وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم على أنه سئل عن ذلك ففسره بالرؤيا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: "حديث : لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة" تفسير : ، وروت عنه أم كرز الكعبية أنه قال: "حديث : ذهبت النبوءة وبقيت المبشرات" تفسير : ، وقال قتادة والضحاك: البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تكون بشرى الدنيا في القرآن من الآيات المبشرات، ويقوى ذلك بقوله في هذه الآية {لا تبديل لكلمات الله } وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هي الرؤيا" إلا إن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى مثالاً من البشرى وهي تعم جميع الناس، وقوله {لا تبديل لكلمات الله} يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره. قال القاضي أبو محمد: وقد أخذ ذلك عبد الله بن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في الألفاظ وذلك أنه روي: أن الحجّاج ابن يوسف خطب فأطال خطبته حتى قال: إن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله، فقال له عبد الله بن عمر: إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير {لا تبديل لكلمات الله } ، فقال له الحجاج: لقد أعطيت علماً فلما انصرف إليه في خاصته سكت عنه، وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجّاج، ذكره البخاري، وقوله {ذلك هو الفوز العظيم} إشارة إلى النعيم الذي به وقعت البشرى. وقوله: {ولا يحزنك } الآية، هذه آية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، المعنى ولا يحزنك يا محمد ويهمك قولهم، أي قول كفار قريش، ولفظة القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك، ثم ابتدأ بوجوب {إن العزة لله جميعاً }، أي فهم لا يقدرون على شيء ولا يؤذونه إلا بما شاء الله وهو القادر على عقابهم لا يعازه شيء، ففي الآية وعيد لهم، وكسر {إن } في الابتداء ولا ارتباط لها بالقول المتقدم لها، وقال ابن قتيبة لا يجوز فتح "إن" في هذا الموضع وهو كفر. قال القاضي أبو محمد: وقوله هو كفر غلو، وكأن ذلك يخرج على تقدير لأجل أن العزة لله، وقوله: {هو السميع } أي لجميع ما يقولونه {العليم } بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه الصفات تهديد، ثم استفتح بقوله {ألا إن لله من في السماوات ومن والأرض} أي بالملك والإحاطة، وغلب من يعقل في قوله {من } إذ له ملك الجميع ما فيها ومن فيها، وإذا جاءت العبارة بـ " ما " فذلك تغليب للكثرة إذ الأكثر عدداً من المخلوقات لا يعقل، فـ {من} تقع للصنفين بمجموعهما، "وما" كذلك "، ولا تقع لما يعقل إذا تجرد من أن تقول: ما قائل هذا القول؟ هذا ما يتقلده من يفهم كلام العرب، وقوله {وما يتبع } يصح أن تكون {ما } استفهاماً بمعنى التقرير وتوقيف نظر المخاطب، ويعمل {يدعون} في قوله {شركاء } ويصح أن تكون نافية ويعمل {يتبع } في {شركاء } على معنى أنهم لا يتبعون شركاء حقاً، ويكون مفعول {يدعون} محذوفاً، وفي هذا الوجه عندي تكلف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "تدعون" بالتاء وهي قراءة غير متجهة وقوله {إن } نافية و{يخرصون } معناه يحدسون ويخمنون لا يقولون بقياس ولا نظر، وقرأت فرقة" ولا يُحزنك" من أحزن، وقرأت فرقة "ولا يَحزنك" من حزن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبُشْرَى} في الدنيا عند الموت بتعريف مكانه وفي الآخرة الجنة، أو في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها، أو تُرى له وفي الآخرة الجنة، {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} لا خلف لوعده، أو لا نسخ لخبره.

الخازن

تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} اختلفوا في هذه البشرى، فروي حديث : عن عبادة بن الصامت قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له"تفسير : أخرجه الترمذي. وله حديث : عن رجل من أهل مصر قال "سألت أبا الدرداء عن هذه الآية لهم البشرى في الحياة الدنيا قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"تفسير : قال الترمذي حديث حسن (خ). عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"تفسير : لفظ البخاري ومسلم "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، قال بعض العلماء: ووجه هذا القول إنا إذا حملنا قوله تبارك وتعالى لهم البشرى على الرؤيا الصالحة الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحمل هذه الحالة إلا لهم، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله عز وجل ومن كان كذلك فإنه عند النوم لا يبقى في قلبه غير ذكر الله ومعرفته ومن المعلوم أن معرفة الله في القلب لا تفيد إلا الحق والصدق فإذا رأى الولي رؤيا أو رؤيت له كانت تلك الرؤيا بشرى من الله عز وجل لهذا الولي. قال الخطابي: في هذه الأحاديث توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها وإنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء عليهم السلام يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة، قال الخطابي: قال بعض العلماء معنى الحديث أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة لا أنها جزء من النبوة وقال الخطابي وغيره في معنى قوله - الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة: أقام النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثاً وعشرين سنة على الصحيح وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام الوحي فهي جزء من ستة وأربعين جزءاً وقيل إن المنام لعل أن يكون فيه إخبار بغيب وهو أحد مراتب النبوة وهو يسير في جانب النبوة لأنه لا يجوز أن يبعث الله بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبياً يشرع الشرائع ويبين الأحكام ولا يخبر بغيب أبداً. فإذا وقع لأحد في المنام الإخبار بغيب يكون هذا القدر جزءاً من النبوة لا أنه نبي، وإذا وقع ذلك لأحد في المنام يكون صدقاً والله أعلم. وقيل في تفسير الآية: إن المراد بالبشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن وفي الآخرة الجنة ويدل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال "حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن" تفسير : أخرجه مسلم قال الشيخ محيي الدين النووي قال العلماء معنى هذا البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل للبشرى المؤخرة له في الآخرة بقوله بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار وهذه البشرى المعجلة دليل على رضا الله عنه ومحبته له وتحبيبه إلى الخلق كما قال ثم يوضع له القبول في الأرض هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم وإلا فالتعرض مذموم قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله عز وجل استنار قلبه وامتلأ نوراً فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه فتظهر عليه آثار الخشوع والخضوع يحبه الناس ويثنون عليه فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه عليه وقال الزهري وقتادة في تفسير البشرى: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند الموت ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى:{أية : تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}تفسير : [فصلت: 30] وقال عطاء عن ابن عباس البشرى في الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة وفي الآخرة بعد خروج نفس المؤمن يعرج بها إلى الله تعالى ويبشر برضوان الله تعالى وقال الحسن هي ما بشر الله به المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه ويدل عليه قوله تعالى: {لا تبديل لكلمات الله} يعني لا خلف لوعد الله الذي وعد به أولياءه وأهل طاعته في كتابه وعلى ألسنة رسله ولا تغيير لذلك الوعد {ذلك هو الفوز العظيم} يعني ما وعدهم به في الآخرة {ولا يحزنك قولهم} يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين لك ولا يغمك تخويفهم إياك {إن العزة لله جميعاً} يعني أن القهر والغلبة والقدرة لله جميعاً هو المنفرد بها دون غيره وهو ناصرك عليم والمنتقم لك منهم. وقال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعاً فيعز من يشاء وهذا كما قال سبحانه وتعالى في آية أخرى {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] ولا منافاة بين الآيتين فإن عزة الرسول صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين بإعزاز الله إياهم فثبت بذلك أن العزة لله جميعاً وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. وقيل إن المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم فأخبر الله سبحانه وتعالى أن جميع ذلك لله وفي ملكه فهو قادر على أن يسلبهم جميع ذلك ويذلهم بعد العز {هو السميع} لأقوالكم ودعائكم {العليم} بجميع أحوالكم لا تخفى عليه خافية.

البقاعي

تفسير : ولما نفىعنهم الخوف والحزن، زادهم فقال مبيناً لتوليه لهم بعد أن شرح توليهم له: {لهم} أي خاصة {البشرى} أي الكاملة {في الحياة الدنيا} أي بأن دينهم يظهر وحالهم يشتهر وعدوهم يخذل وعمله لا يقبل وبالرؤية الصالحة {وفي الآخرة} بأنهم هم السعداء وأعداؤهم الأشقياء وتتلقاهم الملائكة {أية : هذا يومكم الذي كنتم توعدون} تفسير : [الأنبياء: 103]. وما كان الغالب على أحوال أهل الله في الدنيا الضيق ولا سيما في أول الإسلام، كان السامع لذلك بمعرض أن يقول: يا ليت شعري هل يتم هذا السرور! فقيل: نعم، وأكد بنفي الجنس لأن الجبابرة ينكرون ذلك لهم لما يرون من أن عزهم من وراء ذل ليس فيه سوء ما لباطل المتكبرين من السورة والإرجاف والصولة: {لا تبديل} أي بوجه من الوجوه {لكلمات الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة؛ وقوله -: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {هو} أي خاصة {الفوز العظيم} في موضع البيان والكشف لمضمون هذه البشرى؛ والخوف: انزعاج القلب بما يتوقع من المكروه، ونظيره الجزع والفزع، ونقيضه الأمن؛ والحزن: انزعاجه وغلظ همه مما وقع من المكروه، من الحزن للأرض الغليظة، ونقيضه السرور، وهما يتعاقبان على حال الحي الذاكر للمحبوب؛ والبشرى: الخبر الأول بما يظهر سروره في بشرة الوجه. ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معاً عن الأولياء، علم أن المعنى: هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف، فعطف عليه قوله: {ولا يحزنك قولهم} أي في نحو قولهم: إنهم يغلبون، وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك، فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير، وهيهات ذلك من الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي بقوله: {إن العزة} أي الغلبة والقهر وتمام العظمة {لله} أي الملك الأعلى حال كونها {جميعاً} أي فسيذلهم ويعز دينه، والمراد بذلك التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به. ولما بدئت الآية بقولهم، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال: {هو} أي وحده {السميع} أي البليغ السميع لأقوالهم {العليم} أي المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه، وهو تعليل لتفرده بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة! والعزة: قدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام، والمعنى أنه يعزك على من ناواك، والنهي في {ولا يحزنك} في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول، وكسرت "إن" هاهنا للاستئناف بالتذكر بما ينفي الحزن، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم، وقرىء بفتحها على معنى "لأن". ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه، كان كأنه قيل: إن العزة لا تتم إلاّ بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلاّ بها، فقال مؤكداً لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام: {ألآ إن لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض النجوم، جمع فقال معبراً بأداة العقلاء تصريحاً بما أفهمه التعبير سابقاً بأداة غيرهم: {من في السماوات} أي كلها، وابتدأ بها لأن ملكها يدل على ملك الأرض بطريق الأولى، ثم صرح بها في قوله مؤكداً لما تقدم: {ومن في الأرض} أي كلهم عبيده ملوكهم ومن دونهم، نافذ فيهم تصريفه، منقادون لما يريده، وهو أيضاً تعليل ثان لقوله {ولا يحزنك قولهم} أو للتفرد بالعزة، وعبر بـ "من" التي للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي العزة عن غيره، والعقلاء بها أجدر، فنفيها عنهم نفي عن غيرهم بطريق الأولى، ثم غلبوا لشرفهم على غيرهم، ولذا تطلق "ما" التي هي لغيرهم في سياق هو بها أحق ثم يراد بها العموم تغليباً للأكثر الذي لا يعقل على الأقل؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك شريك بقوله عاطفاً على ما تقديره: فما له شريك مما ادعاه المشركون منهما أو من إحداهما: {وما يتبع} أي بغاية الجهد {الذين يدعون} أي على سبيل العبادة {من دون الله} أي الذي له العظمة كلها {شركآء} على الحقيقة؛ ويجوز أن تكون "ما" موصولة تحقيراً للشركاء بالتعبير بأداة ما لا يعقل ومعطوفه على "من" {إن} أي ما {يتبعون} في ذلك الذي هو أصل أصول الدين يجب فيه القطع وهو دعاءهم له شركاء {إلاّ الظن} أي المخطىء على أنه لو كان صواباً كانوا مخطئين فيه حيث قنعوا في الأصل بالظن، ثم نبه على الخطأ بقوله: {وإن} أي وما {هم إلاّ يخرصون} أي يحزرون ذلك ويقولون ما لا حقيقة له أصلاً؛ والاتباع: طلب اللحاق بالأول على تصرف الحال، فهؤلاء اتبعوا الداعي إلى عبادة الوثن وتصرفوا معه فيما دعا إليه، وظنهم في عبادتها إنما هو بشبيهة ضعيفة كقصد زيادة التعظيم لله وتعظيم تقليد الأسلاف، ويجوز أن يكون {شركاء} مفعولاً تنازعه {يتبع} و {يدعون}؛ ثم أثبت سبحانه اختصاصه بشيء جامع للعلم والقدرة تأكيداً لاختصاصه بالعزة وتفرده بالوحدانية، وأن من أشرك به خارص لا علم له بوجه لكثرة الدلائل على وحدانيته ووضوحها فقال: {هو} أي وحده {الذي جعل} أي بسبب دوران الأفلاك الذي أتقنه {لكم} أي نعمة منه {الليل} أي مظلماً {لتسكنوا فيه} راحة لكم ودلالة على قدرته سبحانه على الإيجاد والإعدام وأُنساً للمحبين لربهم {والنهار} وأعار السبب وصف المسبب فقال: {مبصراً} أي لتنتشروا فيه، حذف وصف الليل وذكرت علته عكس ما فعل بالنهار ليدل ما ثبت على ما حذف، فالآية من الاحتباك. ولما كانت هذه الآيات من الظهور بحيث لا يحتاج إلى أكثر من سماعها، قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآيات لقوم} أي لهم قوة المحاولة على ما يريدونه {يسمعون} أي لهم سمع صحيح، وفي ذلك أدلة واضحات على أنه مختص بالعزة فلا شريك له، لأن الشريك لا بد وأن يقاسم شريكه شيئاً من الأفعال أو الأحوال أو الملك، وأما عند انتفاء جميع ذلك فانتفاء الشركة أوضح من أن يحتاج فيه إلى دليل، ويجوز أن يكون المعنى: لآيات لقوم يبصرون إبصار اعتبار ويسمعون سماع تأمل وإدكار، ولكنه حذف "يبصرون" لدلالة {مبصراً} عليه، ويزيد ذلك وضوحاً وحسناً كون السياق لنفي الشركاء، فهو إشارة إلى أنها لا تسمع ولا تبصر أصلاً فكيف بالاعتبار والافتكار؟ فالذين عبدوهم أكمل حالاً منهم.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان ‏‏حديث : عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر قال‏:‏ سألت أبا الدرداء رضي الله عنه عن قول الله تعالى ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ فقال‏:‏ ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت‏.‏ هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة" ‏‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه والهيثم بن كليب الشامي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي حديث : عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏}‏ قال ‏"‏حديث : الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحدا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ قال "هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد والبزار وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبدالله بن رباب وليس بالأنصاري ‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏} ‏ قال‏ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر من طريق أبي جعفر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أخبرني عن قول الله ‏{‏الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما قوله ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏}‏ فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قوله ‏{‏وفي الآخرة‏}‏ فإنها بشارة المؤمن عند الموت، إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق أبي سفيان حديث : عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ قال "ما سألني عنها أحد‏:‏ هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه‏حديث : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ قال ‏"هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ هي الرؤيا الحسنة يراها المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"‏حديث : كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال‏: إنه لم يبق من مبشرات النبوّة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن مردويه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا نبوّة بعدي إلا بالمبشرات‏.‏ قيل يا رسول الله‏:‏ وما المبشرات‏؟‏ قال‏: الرؤيا الصالحة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ذهبت النبوّة فلا نبوة بعدي وبقيت المبشرات، رؤيا المسلم الحسنة يراها المسلم أو ترى له ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الرسالة والنبوّة قد انقطعتا، فلا رسول بعدي ولا نبي ولكن المبشرات‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وما المبشرات‏؟‏ قال‏: رؤيا المسلم هي جزء من أجزاء النبوّة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الرؤيا الصالحة بشرى من الله، وهي جزء من أجزاء النبوّة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يبقى بعدي شيء من النبوّة إلا المبشرات‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وما المبشرات‏؟‏ قال‏: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجه وابن جرير ‏ حديث : عن أم كند الكعبية ‏"‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاث‏.‏ فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا مما تحزن الشيطان، والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس، وأحب القيد في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين‏.‏ ولفظ ابن ماجه‏:‏ فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري والترمذي والنسائي حديث : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏"‏أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه حديث : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏"‏أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا‏ً. ولفظ ابن أبي شيبة وابن ماجة‏:‏ جزء من سبعين جزءاً من النبوة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا‏:‏ وما المبشرات‏؟‏ قال‏:‏ الرؤيا الصالحة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ الرؤيا من المبشرات، وهي جزء من سبعين جزءاً من النبوة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له‏. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبدالله رضي الله عنه‏.‏ حديث : أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قوله ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ فقال عبادة رضي الله عنه‏:‏ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام‏" ‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏ أنه كان يقول‏:‏ إذا أصبح من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها، لأن يرى لي رجل مسلم أسبغ وضوءه رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي رزين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت‏ . تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الرؤيا على ثلاثة‏: تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنه الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنه جزء من ستة وأربعين جزءاً النبوّة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سمير بن أبي واصل رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال‏:‏ إذا أراد الله بعبده خيراً عاتبه في نومه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ هو قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً}‏ ‏تفسير : [‏الأحزاب: 47‏]‏‏. وأخرج ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ آيتان يبشر بهما المؤمن عند موته ‏ {‏أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏} ‏ وقوله {أية : ‏إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا‏}‏ ‏تفسير : [‏فصلت: 30‏]‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر عن الضحاك في قوله ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ يعلم أين هو قبل أن يموت‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري وقتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏}‏ قالا‏:‏ البشارة عند الموت‏. وأخرج ابن جرير والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن نافع رضي الله عنه قال‏:‏ خطب الحجاج فقال‏:‏ إن ابن الزبير بدل كتاب الله‏.‏ فقال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير ‏ {‏لا تبديل لكلمات الله‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلأَخِرَةِ} تفسيراً لتولّيه تعالى إياهم ولا ريب في أن اعتبارَ القيد الأخيرِ في مفهوم الولايةِ غيرُ مناسبٍ لمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيلها والثباتِ عليها وبشارتِهم بآثارها ونتائجها مخِلٌّ بذلك إذ التحصيلُ إنما يتعلق بالمقدور والاستبشارُ لا يحصل إلا بما عُلم بوجود سببِه والقيدُ المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصّلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصولِه حتى يعرفوا حصولَ الولايةِ لهم ويستبشروا بمحاسنِ آثارِها بل التولي بالكرامة عينُ نتيجةِ الولاية فاعتبارُه في عنوان الموضوعِ ثم الإخبارُ بعدم الخوفِ والحزنِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ، فالذي يقتضيه نظمُه الكريمُ أن الأولَ تفسيرٌ للأولياء حسبما شُرح والثاني بـيانٌ لما أولاهم من خيرات الدارين بعد بـيانِ إنجائِهم من شرورهما ومكارههما، والجملةُ مستأنفةٌ كما سبق كأنه قيل: هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامةٍ؟ فقيل لهم ما يسرّهم في الدارين، وتقديمُ الأول لما أن التخليةَ سابقةٌ على التحلية مع ما فيه من مراعاة حقِّ المقابلةِ بـين حسن حالِ المؤمنين وسوء حالِ المفترين، وتعجيلُ إدخالِ المسرّةِ بتبشير الخلاصِ عن الأهوال وتوسيطُ البـيانِ السابق بـين بشارةِ الخلاص عن المحذور وبشارةِ الفوز بالمطلوب لإظهار كمالِ العناية بتفسير الأولياءِ مع الإيذان بأن انتفاءَ الخوف والحزنِ لاتقائهم عما يؤدّي إليهما من الأسباب، والبُشرى مصدرٌ أريد به المبشَّرُ به من الخيرات العاجلةِ كالنصر والفتحِ والغنيمة وغيرُ ذلك والآجلةِ الغنيةِ عن البـيان، وإيثارُ الإبهام والإجمالِ للإيذان بكونه وراءَ البـيان والتفصيلِ، والظرفان في موقع الحالِ منه والعاملُ ما في الخبر من معنى الاستقرارِ أي لهم البشرى حالَ كونها في الحياة الدنيا وحالَ كونِها في الآخرة أي عاجلةً وآجلةً، أو من الضمير المجرور أي حالَ كونِهم في الحياة الخ، ومن البشرى العاجلةِ الثناءُ الحسنُ والذكرُ الجميلُ ومحبةُ الناس. «حديث : عن أبـي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسولَ الله الرجلُ يعمل العملَ لله ويحبه الناسُ فقال عليه السلام: "تلك عاجلُ بشرى المؤمنين"» تفسير : هذا وقيل: البشرى مصدرٌ والظرفان متعلقان به. أما البُشرى في الدنيا فهي البشاراتُ الواقعةُ للمؤمنين المتقين في غير موضع من الكتاب المبـين. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هي الرؤيا الصالحةُ يراها المؤمنُ أو تُرى له»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : ذهبت النبوةُ وبقيت المبشِّراتُ» تفسير : وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكةُ بالرحمة قال الله تعالى: {أية : تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ٱلْمَلَـئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } تفسير : [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلمين مبشَّرين بالفوز والكرامة وما يرون من بـياض وجوهِهم وإعطاء الصحائفِ بأيْمانهم وما يقرؤون منها وغيرُ ذلك من البشارات فتكون هذه بِشارةً بما سيقع من البشارات العاجلةِ والآجلةِ المطلوبة لغاياتها لا لذواتها، ولا يخفى أن صرفَ البشارة الناجزةِ عن المقاصد بالذات إلى وسائلها مما لا يساعده جلالةُ شأنِ التنزيل الكريم {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} لا تغيـيرَ لأقواله التي من جملتها مواعيدُه الواردةُ بشارةً للمؤمنين المتقين فتدخل فيها البشاراتُ الواردةُ هٰهنا دخولاً أولياً ويثبُت امتناعُ الإخلافِ فيها ثبوتاً قطعياً، وعلى تقدير كونِ المراد بالبشرى الرؤيا الصالحةَ فالمرادُ بعدم تبديل كلماتهِ تعالى ليس عدَم الخُلفِ بـينهما وبـين نتائجِها الدنيوية والأخرويةِ بل عدَم الخُلفِ بـينهما وبـين ما دل على ثبوتها ووقوعِها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} فتدبر. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ وراءَه وفيه تفسيرٌ فيما سبق، وهاتيك الجملة والتي قبلها اعتراضٌ لتحقيق المبشَّر وتعظيمٌ شأنه، وليس من شرطه أن يكون بعده كلامٌ متصل بما قبله، أو هذه تذيـيلٌ والسابقة اعتراضٌ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} [الآية: 64]. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية قال: هم به وله، موقوفون بين يديه، غير أن الحق ممتع لهم بماله، أراهم من عظم الفوائد وجزيل الزخائر، ومما لا يقع لهم به علم، ولا علم عليه قبل حين وروده حتى يكون الحق مطالعًا على ما تريد من ذلك على حسب ما قسمه لهم، فهم فى ذلك على الأحوال شتى، فذلك قوله {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}. قال بعضهم: البشرى فى الدنيا هو ما وعد من رؤيته، والبشرى فى الأخرة تصديق ذلك الوعد.

القشيري

تفسير : القيام بالأمر يدل على الصحة؛ فإذا قاموا بما أُمِروا به، واستقاموا بِتَرْكِ ما زُجروا عنه بَشَّرَتْهُم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشَّرتهم الحقيقة باستيجاب الإكرام، بما كوشِفوا به من الإعلام... وهذه هي البشرى في عاجلهم. وأما البُشرى في آجلِهم: فالحقُّ - سبحانه - يتولَّى ذلك التعريف، قال تعالى:{أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ}تفسير : [التوبة:21]. ويقال البشارة العُظْمَى ما يجدون في قلوبهم مِنْ ظَفَرِهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأيُّ مُلْكٍ أتمُّ من سقوط المآرب، والرضا بالكائن؟ هذه هي النعمة العظمى، ووجدانُ هذه الحالة هو البشرى الكبرى. ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي للخلْق أنَّ للخلْق عِدَةٌ بالجميل، والذي له نَقْدٌ ومحصول.

اسماعيل حقي

تفسير : {لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة} بيان لما اولاهم من خيرات الدارين بعد بيان انجائهم من شرورهما ومكارههما. ولجملة مستأنفة كأنه قيل هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامة فقيل لهم ما يسرهم فى الدارين وتقديم الاول لما ان التخلية سابقة عن التحلية. والبشرى مصدر اريد به من الخيرات العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك والآجلة الغنية عن البيان والظرفان فى موقع الحال منه والعامل ما فى الخبر من معنى الاستقرار اى لهم البشرى حال كونها فى الحياة الدنيا وحال كونها فى الآخرة اى عاجلة وآجلة او من الضمير المجرور اى حال كونهم فى الحياة لخ ومن البشرى العاجلة الثناء الحسن والذكر الجميل ومحبة الناس هذا ما اختاره المولى ابو السعود بناء على انها بشارة ناجزة مقصودة بالذات. وقيل البشرى مصدر والظرفان متعلقان به اما البشرى فى الدنيا فهى البشارات الواقعة للمؤمنين المتقين فى غير موضع من الكتاب المبين وعن النبي عليه السلام "حديث : هى الرؤيا الصالحة يراها المؤمن او ترى له" تفسير : اى يراها مسلم لاجل مسلم آخر ولا يخفى ان كون الرؤيا الصالحة مبشرة للمؤمنين يمنع ان تكون بنبوة فتكون بوجه آخر من صلاح وتنبيه غفلة وفرح وغيرها كما فى شرح المشارق لابن الملك وهذه البشارة لا تحصل الا لاولياء الله لانهم مستغرقوا القلب والروح فى ذكر الله ومعرفة الله فمنامهم كاليقظة لا يفيد الا الحق واليقين واما من يكون متوزع الخاطر على احوال هذا العالم الكدر المظلم فانه لا اعتماد على رؤياه. وفى التأويلات النجمية لهم المبشرات التى هى تلو النبوة من الوقائع التى يرون بين النوم واليقظة والالهامات والكشوف وما يرده عليهم من المواهب والمشاهدات كما قال عليه السلام "حديث : لم يبق من النبوة الا المبشرات" تفسير : انتهى وفى الحديث "حديث : الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزء من النبوة" تفسير : ومعناه ان النبي عليه السلام حين بعث اقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين فمدة الوحى اليه فى اليقظة ثلاث وعشرون سنة ومدة الوحى فى المنام ستة اشهر من ثلاث وعشرين سنة فهى جزء من ستة واربعين جزأ وانما ابتدئ رسول الله بالرؤيا لئلا يفجأه الملك بالرسالة فلا تتحملها القوى البشرية فكانت الرؤيا تأنيسا له. وقال بعضهم لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة. واما البشرى فى الآخرة فتلقى الملائكة اياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم واعطاء الصحف بايمانهم وما يقرأون منها وغير ذلك من البشارات فى كل موطن من المواطن الاخروية فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها [سلمى فرموده كه بشارات دنيا وعده لقاست ومرده آخرت تحقيق آن وعده. وشيخ الاسلام فرموده كه ولى را دوبشارتست دردنيا شناخت ودرعقبى نواخت. درين سراى سرور مجاهد ودران سراى نور مشاهده. اينجا صفا ووفا وآنجار ضاولقا]. وفى التأويلات النجمية بشراهم فى الآخرة بكشف القناع من جمال العزة عن سطوات نور القدم وزهق ظلمة الحدوث وبلقاء الحق رحمة منه كما قال تعالى {أية : يبشرهم ربهم برحمة} تفسير : وفى حديث "حديث : الرؤية فى النشأة الكثيبية يقول الله تعالى لهم بعد التجلى هل بقى لكم شيء بعد ها فيقولون يا ربنا وأى شيء بقى وقد نجيتنا من النار وادخلتنا دار رضوانك وانزلتنا بجوارك وخلعت علينا ملابس كرمك واريتنا وجهك فيقول الحق جل جلاله بقى لكم فيقولون يا ربنا وما ذاك الذى بقى فيقول دوام رضاى عليكم فلا اسخط عليكم ابدا" تفسير : فما احلاها من كلمة وما الذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كن فاول شيء كان لنا منه السماع فختم ما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى {لا تبديل لكلمات الله} اى لمواعيده الواردة فى حقهم اذ لا خلف لمواعيده اصلا وفى التأويلات النجمية لا يتغير احكامه الازلية حيث قال للولى كن وليا وللعدو وكن عدوا وكانوا كما اراد للحكمة البالغة فلا تغير لكلمة الولى وكلمة العدو {ذلك} التبشير {هو الفوز العظيم} الذى لا يصل الى كهنه العقول وكيف لا وفيه سعادة الدارين اعلم ان الولاية على قسمين عامة وهى مشتركة بين جميع المؤمنين كما قال الله تعالى {أية : الله ولى الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات الى النور} تفسير : وخاصة وهى مختصة بلواصلين الى الله من اهل السلوك والولاية عبارة عن فناء العبد فى الحق والبقاء به ولا يشترط فى الولاية الكرامات الكونية فانها توجد فى غير الملة الاسلامية لكن يشترط فيها الكرامات القلبية كالعلوم الالهية والمعارف الربانية فهاتان الكرامتان قد تجتمعان كما اجتمعتا فى الشيخ عبد القادر الكيلانى والشيخ ابن مدين المغربى قدس الله سرهما فانه لم يأت من اهل الشرق مثل عبد القادر فى الخوارق ومن اهل الغرب مثل ابن مدين مع مالهما من العلوم والمعارف الكلية وقد تفترقان فتوجد الثانية من دون الاولى كما فى اكثر الكمل من اهل الفناء. واما الكرامات الكونية كالمشى على الماء والطيران فى الهواء وقطع المسافة البعيدة فى المدة القليلة وغيرها فقد صدرت من الرهابنة والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون كما سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة او اشد قسوة} تفسير : الآية. والنبوة والرسالة كالسلطنة اختصاص الهى لا مدخل لكسب العبد فيها. واما الولاية كالوزارة فلكسب العبد مدخل فيها فكما يمكن الوزارة بالكسب كذلك يمكن الولاية بالكسب وفى الحقيقة كل منهما اختصاص عطائى غير كسبى حاصل للعين الثابتة من الفيض الا قدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل فاول الولاية انتهاء السفر الاول الذى هو السفر من الخلق الى الحق بازالة التعشق عن المظاهر والاغيار والخلاص من القيود والاستار والعبور على المنازل والمقامات والحصول على المراتب والدرجات وبمجرد العلم اليقينى للشخص لا يلحق باهل المقام لانه انما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه ولما كانت المراتب متميزة قسم ارباب هذه الطريقة المقامات الكلية الى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. فعلم اليقين متصور الامر على ما هو عليه وعين اليقين بشهوده كما هو وحق اليقين بالفناء فى الحق والبقاء علما وشهودا وحالا لا علما فقط ولا نهاية لكمال الولاية فمراتب الاولياء غير متناهية والطريق التوحيد وتزكية النفس عن الاخلاق الذميمة وتطهيرها من الاغراض الدنيئة فمن جاهد فى طريق الحق فقد سعى فى الحق نفسه بزمرة الاولياء ومن اتبع الهوى فقد اجتهد فى الالتحاق بفرقة الاعداء والسلوك الارادة لاجل الفناء فان المريد من يفن ارادته فى ارادة الشيخ فمن عمل برأيه امرا فهو ليس بمريد: وفى المثنوى شعر : مكسل از بيغمبر ايام خويش تكيه كم كن برفن وبركام خويش كرجه شيرى جون روى ره بيدليل همجور وبه ودر ضلالى وذليل هين مبرالا كه بابر هاى شيخ تابه بينى عون ولشكر هاى شيخ تفسير : وينبغى للمؤمن ان يجتهد فى تحصيل سير اولياء الله واقل الامر ان لا يقصر فى حبهم فان المرء مع من احب ان يحشر معه فلا بد من الجهة الجامعة من وجه خاص

الطوسي

تفسير : ذكر الله تعالى ان الذين وصفهم في الاية الاولى من انهم مؤمنون بالله ويتقون معاصيه {لهم البشرى} وهي الخبر بما يظهر سروره في بشرة الوجه. والبشرى والبشارة واحد. وقوله {في الحياة الدنيا} قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - قال قتادة والزهري والضحاك والجبائي: هو بشارة الملائكة عليهم السلام انها الرؤيا الصادقة الصالحة يراها الرجل او يرى له. وقال ابو جعفر عليه السلام البشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن او يرى له وفي الآخرة الجنة. والثالث - بشرى القرآن بشرف الايمان - ذكره الفراء والزجاج وغيرهما. وقوله {لا تبديل لكلمات الله} معناه لا خلف لما وعد الله تعالى به من الثواب بوضع كلمة اخرى مكانها بدلا منها، لانها حق والحق لا خلف له بوجه. وقوله {ذلك هو الفوز العظيم} اشارة إلى هذه البشرى المتقدمة بأنه الفوز الذي يصغر كل شيء في جنبه.

الجنابذي

تفسير : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} اعلم، انّ الولىّ يطلق على معانٍ منها المحبّ والصّديق والقريب بمعنى ذى القرابة والقريب ضدّ البعيد ومنها النّصير والولىّ فى التّصرّف بمعنى الاولى بالتّصرّف والسّلطان والمالك، وولىّ الله قد يطلق ويراد به من قبل الدّعوة الباطنة ودخل الايمان فى قلبه بالبيعة الخاصّة الولويّة باعتبار الصّنف الاوّل من معانيه، وقد يطلق ويراد به الولىّ من الله باعتبار الصّنف الثّانى من معانيه والاولياء بالاطلاق الثّانى هم الانبياء واوصياؤهم الكاملون المكمّلون، وبالاطلاق الاوّل شيعتهم واتباعهم الّذين قبلوا ولايتهم، ولهم مراتب من اوّل دخولهم فى الايمان وتدرّجهم فى مدارج التّقوى والايقان الى ان انتهوا فى التّقوى الى فنائهم من ذواتهم بحيث تحقّقوا فى المحبّة وكانوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم وكلّما ازداد مراتب تقواهم ومحبّتهم كان اطلاق الاولياء عليهم اولى، ولذلك اختلف الاخبار فى تفسير اولياء الله وكذا فى تفسير بشريهم فى الدّنيا بانّها الرّؤيا الحسنة الّتى يراها المؤمن او يراها غيره له وبأنّها تحديث الملائكة مطلقاً او تبشريهم عند الموت او تبشير محمّد (ص) وعلىّ (ع) لهم عند الموت {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} تأكيد لتحقّق البشرى لهم {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} اى كونهم مبشّرين مع عدم تبدّله.

الالوسي

تفسير : {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} استئناف جيء به في موضع التعليل لنفي حزنهم والخوف عليهم في قول، وفي آخر جيء به بياناً لما أولاهم سبحانه من خيرات الدارين بعد أن أخبر جل وعلا بانجائهم / من شرورهما ومكارههما وكأنه على هذا قيل: هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامة؟ فقيل: لهم البشرى الخ، وتقديم الأول لما أن التخلية سابقة على التحلية مع ما فيه من رعاية حق المقابلة بين حسن حال المؤمنين وسوء حال المفترين وتعجيل إدخال المسرة بتبشير الخلاص عن الأهوال، وتوسيط البيان السابق بين التخلية والتحلية لإظهار كمال العناية به مع الإيذان بأن انتفاء ما تقدم لإيمانهم واتقائهم عما يؤدي إليه من الأسباب، ومن الناس من فسر الأولياء بالذين يتولونه تعالى بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجعل {أية : ٱلَّذِينَ آمنوا}تفسير : [يونس: 63] الخ تفسيراً لتوليهم إياه تعالى، وهذه الجملة تفسيراً لتوليته تعالى إياهم. وتعقب بأنه لا ريب في أن اعتبار القيد الأخير في مفعوم الولاية غير مناسب لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها والثبات عليها وبشارتهم بآثارها ونتائجها بل مخل بذلك إذ التحصيل إنما يتعلق بالمقدور والاستبشار لا يحصل إلا بما علم وجود سببه والقيد المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصوله حتى يعرفوا حصول الولاية لهم ويستبشروا بمحاسن آثارها بل التولي بالكرامة عين نتيجة الولاية فاعتباره في عنوان الموضوع ثم الإخبار بعدم الخوف والحزن مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل انتهى، وأنت تعلم أن ما ارتكبه ذلك البعض تكلف وعدول عن الظاهر فلا ينبغي العدول إليه وإن كان ما ذكره المتعقب لا يخلو عن نظر. وجوز كون الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره، وفي بعض الأخبار ما يؤيده. و{ٱلْبُشْرَىٰ} في الأصل الخبر بما يظهر السرور في بشرة الوجه ومثلها البشارة وتطلق على المبشر به من ذلك وإلى إرادة كل ذهب بعض، والظرفان بعده على الأول متعلقان به وعلى الثاني في موضع الحال منه، والعامل ما في الخبر من معنى الاستقرار أي لهم البشرى حال كونها في الدنيا وحال كونها في الآخرة أي عاجلة وآجلة؛ أو من الضمير المجرور أي حال كونهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والثابت في أكثر الروايات أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة كما هو المشهور، أو جزء من سبعين جزأ منها كما أخرجه ابن أبـي شيبة عن ابن عمر وأبـي هريرة وهو وابن ماجه عن الأول فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قال: هي «حديث : الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجيب بما ذكر أيضاً، وأخرج من طريق أبـي سفيان عن جابر مثل ذلك، وأخر ابن أبـي الدنيا وأبو الشيخ وأبو القاسم بن منده من طريق أبـي جعفر عن جابر المذكور قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} الخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه وأما قوله سبحانه: {وَفِي ٱلآخِرَةِ} فإنها بشارة المؤمن عند الموت أن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك»تفسير : وجاء مرفوعاً وموقوفاً عن غير واحد تفسيرها بما ذكر، وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبـي طلحة عن ابن عباس أن البشرى في الحياة الدنيا هي قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً }تفسير : [الأحزاب: 47] وعن الزجاج والفراء أنها هذا وما يشاكله من قوله تعالى: {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ }تفسير : [يونس: 2] وقوله سبحانه: {أية : يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ}تفسير : [التوبة: 21]، وقوله جل وعلا: {أية : وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [البقرة: 155] إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن الضحاك أنه قال في ذلك: إنهم يعلمون أين هم قبل أن يموتوا. وجاء في تفسير البشرى في الآخرة ما سمعت في الخبر عن جابر الأخير. وأخرج ابن جرير وغيره عن أبـي هريرة مرفوعاً أنها الجنة، وعن عطاء أن البشرى في الدنيا أن تأتيهم الملائكة عند الموت بالرحمة قال الله تعالى: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ} تفسير : [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها وغير ذلك من البشارات، وقيل: المراد بالبشرى العاجلة نحو النصر والفتح والغنيمة والثناء الحسن والذكر الجميل ومحبة الناس وغير ذلك، وأما البشرى الآجلة فغنية عن البيان، وأنت تعلم أنه لا ينبغي العدول عما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير ذلك إذا صح وحيث عدل من عدل لعدم وقوفه على ذلك فيما أظن، فالأولى أن يحمل البشرى في الدارين على البشارة بما يحقق نفي الخوف والحزن كائناً ما كان، ويرشد إلى ذلك السباق، ومن أجل ذلك بشرى الملائكة لهم بذلك وقتاً فوقتاً حتى يدخلوا الجنة، وقد نطق الكتاب العزيز في غير موضع بهذه البشرى منَّ الله تعالى علينا بها برحمته وكرمه. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ} أي لا تغيير لأقواله التي من جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين المتقين فيدخل فيها البشارات الواردة هٰهنا دخولاً أولياً ويثبت امتناع الاخلاف فيها لطفاً وكرماً ثبوتاً قطعياً، وأريد من عدم تبديل كلماته سبحانه على تقدير أن يراد من البشرى الرؤيا الصالحة عدم الخلف بينها وبين ما دل على ثبوتها ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تبارك اسمه: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} لا عدم الخلف بينها وبين نتائجها الدنيوية والأخروية ولم يظهر لي وجهه بعد التدبر، والمشهور أن الرؤيا الصالحة لا يتخلف ما تدل عليه. وقد جاء من حديث الحكيم الترمذي وغيره عن عبادة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال له في الرؤيا الصالحة «حديث : كلام يكلم به ربك عبده في المنام» تفسير : {ذٰلِكَ} أي ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوز وراءه، وجوز أن تكون الإشارة إلى البشرى بمعنى التبشير وقيل: إن ذلك إشارة إلى النعيم الذي وقعت به البشرى وجعل غير واحد الجملة الأولى وهذه الجملة اعتراضاً جيء به لتحقيق المبشر به لتعظيم شأنه وهو مبني على جواز تعدد الاعتراض وعلى أنه يجوز أن يكون في آخر الكلام. ولذا قال العلامة الطيبـي: لو جعلت الأولى معترضة والثانية تذييلاً للمعترض والمعترض فيه ومؤكدة لهما كان أحسن بناء على أن ما في آخر الكلام يسمى تذييلاً لا اعتراضاً وهو مجرد اصطلاح.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَياةِ} {ٱلآخِرَةِ} {لِكَلِمَاتِ} (64) - وَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وَالعِزَّةِ، وَبِإِلْهَامِهِم الحَقَّ وَالخَيْرَ، وَبِالاسْتِخْلاَفِ فِي الأَرْضِ مَا أَقَامُوا شَرْعَ اللهِ، وَنَصَرُوا دِينَهُ الحَقَّ، وَأَعْلَوا كَلِمَتَهُ (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:حديث : إِنَّ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ، أَوْ تُرَى لَهُ، وَهِيَ فِي الآخِرَةِ الجَنَّةُتفسير : ) (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم). وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ لاَ يُبَدَّلُ (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ)، وَلاَ يُغَيَّرُ وَلاَ يُخْلَفُ، بَلْ مُقَرَّرٌ ثَابِتٌ كَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ. وَهذِهِ البُشْرَى بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ هِيَ الفَوْزُ العَظِيمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبُشرى: من البِِشْر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي الجلد؛ لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا جئت للإنسان بأمر سارٍّ تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان بخبر سيِّىء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث السارة أو المؤلمة. وحين يقال: "بشرى" فهذا يعني كلاماً إذا سمعه السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور؛ لأنه كلام مبشِّر بخير. وحين حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البشرى، قال: "إنها الرؤية الصالحة تُرى للمؤمن أو يراها""تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ". تفسير : وقد أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا ستة أشهر، وأوحي إليه في اليقظة ثلاثة وعشرين عاماً، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين عاماً، تجد أن الستة أشهر تمثل جزءاً من ستة وأربعين جزءاً. والرؤيا ليست هي الحُلْم؛ لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهاراً، وليس للشيطان فيه دخل. والمثل العامي يقول: "الجوعان يحلم بسوق العيش" فإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس للرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئاً يخالف منهج الله، فهذه قذفة من الشيطان. إذن: فهناك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث الأحلام. البشرى - إذن - هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تُشْعر خَلْق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحداً أَحبه الله تعالى في السماء، حديث : فيقول الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام: "إني أحب فلاناً فأحِبَّهُ. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله يَحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض" ". تفسير : وساعة تراه مكتوباً له القبول، فالكل يُجمعون على أن في رؤيتهم لهذا المحبوب من السماء سَمْتاً طيباً، وهذه هي البشرى. أو أن البشرى تأتي لحظة أن يأتي مَلَكُ الموت، فيُلْقي عليه السلام، ويشعر أن الموت مسألة طبيعية، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل: 32]. أو ساعة يبيضُّ الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة. والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..}تفسير : [فصلت: 30-31]. إذن: فهؤلاء الأولياء يتلقون من فيوضات الله عليهم بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم؛ لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه نوافل فوق الفروض؛ لأن الفروض هي أقل القليل من التكاليف. وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا يتناسب مع حبه لله تعالى؛ فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلِّي - بدلاً من خمسة فروض - عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهراً أو اثنين، أو يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الود مع الله تعالى، وهنا يفيض الله سبحانه وتعالى عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي: "حديث : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَهُ التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ". تفسير : وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها. ويُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [يونس: 64]. وما دام الحق سبحانه قد قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ..} فلن تجد أحداً قادراً على ذلك، كما أن الخلق مقهورون كلهم يوم القيامة؛ ومَنْ كان يبيح له الله تعالى أن يملك شيئاً في الدنيا لم يعد مالكاً لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبَّى على حكم الله تعالى، والوعد بالبُشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1163- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 64]، قال: البشارة عند الموت، قال معمر، وقال الزهري: البشارة عند الموت. 1164- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} قال: الرؤيا الصالحة يراهَا المؤمن، أو تُرى له.