Verse. 1429 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُھُمْ۝۰ۘ اِنَّ الْعِزَّۃَ لِلہِ جَمِيْعًا۝۰ۭ ھُوَالسَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ۝۶۵
Wala yahzunka qawluhum inna alAAizzata lillahi jameeAAan huwa alssameeAAu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا يحزنك قولهم» لك لست مرسلا وغيره «إن» استئناف «العزة» القوة «لله جميعا هو السميع» للقول «العليم» بالفعل فيجازيهم وينصرك.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها، عدلوا إلى طريق آخر، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }. واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده، لو جوز كونه مؤثراً في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر، خرج من أن يكون سبباً لحزنه. ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله: { أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له، فقد حصل الأمن وزال الخوف. فإن قيل: فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفاً حتى احتاج إلى الهجرة والهرب، ثم من بعد ذلك يخاف حالاً بعد حال؟ قلنا: إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقاً والوقت ما كان معيناً، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت. وأما قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } ففيه أبحاث: البحث الأول: قال القاضي: إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك. أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافاً، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ أبو حيوة {أنَّ ٱلْعِزَّةَ } بالفتح على حذف لام العلة يعني: لأن العزة على صريح التعليل. البحث الثاني: فائدة {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ } في هذا المقام أمور: الأول: المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء، ومثله قوله تعالى: { أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } تفسير : [غافر: 51] الثاني:قال الأصم: المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك. فإن قيل: قوله: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } كالمضادة لقوله تعالى: { أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8]. قلنا: لا مضادة، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله. أما قوله: {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك. وأما قوله: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } ففيه وجهان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة { أية : أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [يونس:55] وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له، وأما ههنا فكلمة {مِنْ } مختصة بمن يعقل، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالاً على أن الكل ملكه وملكه. والثاني: أن المراد {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان. وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله تعالى. ثم قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } وفي كلمة {مَا } قولان: الأول: أنه نفي وجحد، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئاً ظنوه شريكاً لله تعالى. ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيداً في الدار وما كان فيها، فخاطب إنساناً في الدار ظنه زيداً فإنه لا يقال: إنه خاطب زيداً بل يقال خاطب من ظنه زيداً. الثاني: أن {مَا } استفهام، كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء. ثم قال تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: { أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } تفسير : [الأنعام:116].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تمّ الكلام، أي لا يحزنك ٱفتراؤهم وتكذيبهم لك، ثم ٱبتدأ فقال: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ} أي القوّة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده؛ فهو ناصرك ومعينك ومانعك. {جَمِيعاً} نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8] فإن كل عزة بالله فهي كلها لله؛ قال الله سبحانه: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الصافات: 180]. {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} السميع لأقوالهم وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَحْزُنكَ} قول هؤلاء المشركين، واستعن بالله عليهم، وتوكل عليه، فإن العزة لله جميعاً، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم، ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام، وهي لا تملك شيئاً، لا ضراً ولا نفعاً، ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم، ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي: يستريحون من نصبهم وكلالهم وحركاتهم {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: مضيئاً؛ لمعاشهم وسعيهم، وأسفارهم ومصالحهم {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } لك: «لست مرسلاً» وغيره {إِن} استئناف {ٱلْعِزَّةَ} القوّة {للَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ } للقول {ٱلْعَلِيمُ } بالفعل فيجازيهم وينصرك.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}: نهى للنبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن: للطعن عليه وتكذيبه، والقدح في دينه. والمقصود: التسلية له والتبشير. ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معللاً لما ذكره من النهي لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } أي: الغلبة والقهر له في مملكته وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له، فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة، وهم لا يملكون من الغلبة شيئاً. وقرىء «يحزنك» من أحزنه. وقرىء «أن العزة» بفتح الهمزة على معنى، لأن العزّة لله، ولا ينافي ما في هذه الآية من جعل العزّة جميعها لله تعالى قوله سبحانه: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [المنافقون: 8] لأن كل عزّة بالله، فهي: كلها لله. ومنه قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } تفسير : [غافر: 51]. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرّف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لكونهم أشرف. وفي الآية نعي على عباد البشر، والملائكة والجمادات؛ لأنهم عبدوا المملوك، وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء } والمعنى: أنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء لله، فليست شركاء له على الحقيقة، لأن ذلك محال: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] و"ما" في و{ما يتبع} نافية وشركاء مفعول يتبع، وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفاً، والأصل: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء في الحقيقة: إنما هي: أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول {يدعون}، وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى: أيّ شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، ويكون على هذا الوجه {شركاء} منصوباً بـ {يدعون}، والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم، والإزراء عليهم. ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على {من في السموات}: أي لله من في السموات، ومن في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؛ والمعنى: أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السموات ومن في الأرض. ثم زاد سبحانه في تأكيد الردّ عليهم، والدفع لأقوالهم، فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } أي: ما يتبعون يقيناً إنما يتبعون ظناً، والظنّ لا يغني من الحق شيئاً {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي: يقدرون أنهم شركاء تقديراً باطلاً، وكذباً بحتاً، وقد تقدّمت هذه الآية في الأنعام. ثم ذكر سبحانه طرفاً من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } أي: جعل لعباده الزمان منقسماً إلى قسمين: أحدهما: مظلم وهو: الليل؛ لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب، ويريحون أنفسهم عن الكدّ والكسب. والآخر: مبصر، لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم، وتوفير معايشهم، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير، لا يخفى عليهم فيه كبير ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصراً مجاز. والمعنى: أنه مبصر صاحبه كقولهم: نهاره صائم، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إلى الجعل المذكور {لآيَاتٍ } عجيبة كثيرة {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي: يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها، ومن غيرها مما لم يذكره، فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون، فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان. قوله: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولداً، فردّ ذلك عليهم بقوله: {سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } فتنزّه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غنيّ عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة. والغنيّ المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض، ليقوم الولد مقامه، والأزليّ القديم لا يفتقر إلى ذلك. وقد تقدّم تفسير الآية في البقرة. ثم بالغ في الردّ عليهم بما هو كالبرهان، فقال: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، وإذا كان الكل له، وفي ملكه، فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولداً له للمنافاة بين الملك والبنوّة والأبوّة. ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا دليل فقال: {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } أي: ماعندكم من حجة وبرهان بهذا القول الذي تم لونه، و«من» في: {مّن سُلْطَـٰنٍ } زائدة للتأكيد، والجار والمجرور في {بِهَـٰذَا } متعلق إما بسلطان، لأنه بمعنى الحجة والبرهان، أو متعلق بما عندكم لما فيه من معنى الاستقرار. ثم وبخهم على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء فقال: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْمَلُونَ }، ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه، ليس هو من العلم في شيء، بل من الجهل المحض. ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم قولاً يدلّ على أن ما قالوه كذب، وأن من كذب على الله لا يفلح، فقال: {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } أي: كل مفتر هذا شأنه، ويدخل فيه هؤلاء دخولاً أوّلياً. وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز. والمعنى: أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب. ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة، فهو متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذاباً مؤبّداً. فيكون {متاع} خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة لبيان أن ما يحصل للمفترى بافترائه ليس بفائدة يعتدّ بها، بل هو متاع يسير في الدنيا، يتعقبه العذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على الله. وقال الأخفش: إن التقدير: لهم متاع في الدنيا، فيكون المحذوف على هذا هو الخبر. وقال الكسائي: التقدير ذلك متاع أو هو متاع، فيكون المحذوف على هذا هو المبتدأ. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: في قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ }: لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه من الله فيما يعاتبه: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزّته لانتصر منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } قال: منيراً. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } يقول: ما عندكم سلطان بهذا.

النسفي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ } استئناف بمعنى التعليل كأنه قيل: مالي لا أحزن؟ فقيل: إن العزة {لِلَّهِ} إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً لا يملك أحد شيئاً منهما، لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة:21] {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } تفسير : [غافر:51] أو به يتعزز كل عزيز فهو يعزك ودينك وأهلك، والوقف لازم على {قولهم} لئلا يصير {إن العزة} مقول الكفار {جَمِيعاً } حال {هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما يقولون {ٱلْعَلِيمُ } بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰت وَمَنْ فِى ٱلأَرْضِ } يعني العقلاء وهم الملائكة والثقلان، وخصهم ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي مَلكَته ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا أن يكون شريكاً له فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له نداً وشريكاً {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء } «ما» نافية أي وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء لأن شركة الله في الربوبية محال {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } إلا ظنهم أنهم شركاء الله {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يحزرون ويقدّرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً، أو استفهامية أي وأي شيء يتبعون و{شركاء} على هذا نصب بـ {يدعون} وعلى الأول بـ {يتبع} وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة والمحذوف مفعول {يدعون} أو موصولة معطوفة على {من} كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم. ثم نبه على عظيم قدرته وشمول نعمته على عباده بقوله

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ }: أي: قولُ قُرَيشٍ، فهذه الآية تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولفظةُ القولِ تعمُّ جحودَهُمْ واستزاءَهُمْ وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً } أي: لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم ٱستفتح بقوله: {أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي: بالمُلْك والإِحاطة. وقوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ}: يصح أنْ تكونَ «ما» ٱستفهاماً، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً. * ت *: ورجح هذا الثاني. وقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } «إِنْ»: نافيةٌ، و{يَخْرُصُونَ }: معناه: يَحْدِسُونَ وَيُخَمِّنون.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء من الله فيما يعاتبه ‏ {‏ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم‏} ‏ يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزته لانتصر منهم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئةِ عن مقالاتهم الموحشةِ وتبشيرٌ له عليه الصلاة والسلام بأنه عز وجل ينصُره ويُعزّه عليهم، إثرَ بـيانِ أن له ولأتباعه أمْناً من كل محذورٍ وفوزاً بكل مطلوبٍ، وقرىء ولا يُحْزِنك من أحزنه وهو في الحقيقة نهيٌ له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل: لا تحزنْ بقولهم ولا تُبالِ بتكذيبهم وتشاورِهم في تدبـير هلاكِك وإبطالِ أمرِك وسائرِ ما يتفوهون به في شأنك مما لا خيرَ فيه، وإنما وُجِّه النهيُ إلى قولهم للمبالغة في نهيه عليه السلام عن الحزن لما أن النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة وقد يوجّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم كما في قولك: لا أُرَيَّنك هٰهنا، وتخصيصُ النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابقِ للحزن أيضاً لما أنه لم يكن فيه عليه السلام شائبةُ خوفٍ حتى ينهىٰ عنه وربما كان يُعنىٰ به عليه السلام في بعض الأوقاتِ نوعُ حزنٍ فسُلِّيَ عن ذلك، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ} تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئنافِ أي الغلبةَ والقهرَ {للَّهِ جَمِيعاً} أي في ملكته وسلطانِه لا يملك أحدٌ شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرُهم فهو يقهرُهم ويعصِمُك منهم وينصُرك عليهم وقد كان كذلك فهي من جملة المبشرات العاجلة، وقرىء بفتح (أن) على صريح التعليلِ أي لأن العزة لله {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافِئُهم بذلك. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي العقلاءَ من الملائكة والثقلين، وتخصيصُهم بالذكر للإيذان بعدم الحاجةِ إلى التصريح بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبـيداً له سبحانه مقهورين تحت قهرِه وملكته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك ـ وهو مع ما فيه من التأكيد لما سبق من اختصاص العزة بالله تعالى الموجبِ لسلوته عليه السلام وعدمِ مبالاتِه بالمشركين وبمقالاتهم ـ تمهيدٌ لما لحِق من قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء} وبرهانٌ على بطلان ظنونِهم وأعمالِهم المبنيةِ عليها، وما إما نافيةٌ وشركاءَ مفعولُ يتّبع ومفعولُ يدْعون محذوفٌ لظهوره أي ما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ شركاءَ في الحقيقة وإن سمَّوْها شركاءَ فاقتُصر على أحدهما لظهور دلالتِه على الآخر، ويجوز أن يكون المذكورُ مفعولَ يدعون ويكون مفعولُ يتّبع محذوفاً لانفهامه من قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعونه يقيناً إنما يتبعون ظنَّهم الباطلَ، وإما موصولةٌ معطوفةٌ على مَنْ كأنه قيل: والله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاءَ أي وله شركاؤهم، وتخصيصُهم بالذكر مع دخولهم فيما سبق عبارةٌ أو دلالةٌ للمبالغة في بـيان بطلانِ اتباعِهم وفسادِ ما بنَوْه عليه من ظنهم شركاءَهم معبودين مع كونهم عبـيداً له سبحانه، وإما استفهاميةٌ أي وأيُّ شيءٍ يتّبعون أي لا يتبعون إلا الظنَّ والخيالَ الباطلَ كقوله تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا}تفسير : [يوسف: 40] الخ، وقرىء تدعون بالتاء فالاستفهامُ للتبكيت والتوبـيخ كأنه قيل: وأي شيءٍ يتّبع الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكة والنبـيـين تقريراً لكونهم متّبعين لله تعالى مطيعين له وتوبـيخاً لهم على اقتدائهم بهم في ذلك كقوله تعالى: {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }تفسير : [الإسراء: 57] ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل: إنْ يتبعُ هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبـيون من الحق {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون فيما ينسُبونه إليه سبحانه ويحزَرون ويقدّرون أنهم شركاءُ تقديراً باطلاً.

القشيري

تفسير : العبدُ ما دام متفرقاً يضيقُ صدرُه ويستوحش قلبُه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفارِ ما تَتَقدَّسُ عنه صفةُ الحقّ، فإِنْ صار عارفاً زالَتْ عنه تلك الصفة لتحققه بأنَّ الحقَّ سبحانه وراء كلّ طاعةٍ وزَلَّةٍ، فلا له - سبحانه - من هذا استيحاش، ولا بذلك استئناس. ثم يتحقق العارفُ بأنَّ المُجَرِيَ لطاعةِ أربابِ الوفاق- اللَّهُ، والمُنشِئُ لأحوال أهل الشِّقاقِ - اللَّهُ. لا يبالي الحقُّ بما يجري ولا يبالي العبدُ بشهود ما يجري، كما قيل: شعر : بنو حقٍّ قضوا بالحقِّ صِرْفا فَنَعْتُ الخَلْقِ فيهم مستعار

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا يحزنك قولهم} هو فى الحقيقة نهى له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم فى تدبير هلاكك وابطال امرك وسائر ما يتفوهون به فى شأنك مما لا خير فيه وانما وجه النبى الى قولهم للمبالغة فى نهيه عليه السلام عن الحزن لما ان النهى عن التأثير نهى عن التأثر باصله. قال الكواشى يتم الوقف هنا ويختار الاستئناف بان العزة كأنه قيل فمالى لا احزن فقيل {ان العزة} اى الغلبة والقهر {لله جميعا} اى فى مملكته وسلطانه لا يملك احد شيئا منهما اصلا لا هم ولا غيرهم ويعصمك منهم وينصرك عليهم {هو السميع العليم} يسمع ما يقولون فى حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك. وفى التأويلات النجمية {ان العزة لله جميعا} فى الدنيا والآخرة يعز من يشاء فى الدنيا دون الآخرة ويعز من يشاء فى الآخرة دون الدنيا ويعز فى الدنيا والآخرة جميعا فلا يضره هواجس النفس ووساوس الشيطان فى احتظاظه بشهوات الدنيا ونعيمها والتزين بزينتها ولا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة كما قال تعالى {أية : قل من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق} تفسير : فيكون من خواص عباده الذين آتاهم الله فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة بل يكون لبعضهم نعيم الدنيا معينا على تحصيل نعيم الآخرة كما جاء فى الحديث الربانى "حديث : وان من عبادى من لا يصلحه الا الغنى فان افقرته يفسده ذلك"

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إن): استئناف، ومن قرأ بالفتح فعلى إسقاط لام العلة. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {ولا يحزنُكَ قولُهم} في جانب الربوبية، أو جانبك بالطعن والشتم والتهديد، فالعاقبة لك بالنصر والعز؛ فإن الله يُعز أولياءه، {إِنَّ العزَّة لله جميعاً} أي: إن الغلبة لله جميعاً، لا يملك غيرُه منها شيئاً، فهو يقهرهم وينصرك عليهم، {هو السميع} لأقوالهم، {العليم} بمكائدهم فيجازيهم عليها. الإشارة: الداخل على الله منكور، فكل من رام الخصوصية فليعوِّلْ على الطعن والإنكار، وليتسلَّ بما تسلى به النبي المختار، ولينتظر العز والنصر من الواحد القهار، فإن الأمر كله بيده، كما قال: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : ظاهر قوله {ولا يحزنك قولهم} ظاهره النهي والمراد به التسلية للنبي صلى الله عليه وآله عن قولهم الذي يؤذونه به. والنهي في اللفظ القول. وانما هو عن السبيل المؤدي إلى التأذي بالقول. ومثله لا اراك هاهنا والمعنى لا تكن هاهنا فمن كان ها هنا رأيته، فكذلك المراد بالآية لا تعبأ بالاذى فيمن عني به اذاه. وقوله {إن العزة لله جميعاً} كسرت {إن} بالاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن لا انها مفعول القول لانها ليست حكاية عنهم، لانهم لم يقولوا ان العزة لله. ولا يجوز نصبها على ان تكون معمول القول لانهم لو قالوه لما احزن ذلك النبي صلى الله عليه وآله ولو فتحت {ان} على معنى (لان) جاز. والعزة القدرة على كل جبار بالقهر بأن لا يرام ولا يضام عز يعز عزاً فهو عزيز. والمعنى انه الذي يعزك وينصرك حتى تصير اعز ممن ناواك وقوله {هو السميع العليم} معناه انه يسمع قولهم ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضية حالهم ويدفع عنك شرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} فيك وفى اتباعك وهو عطف على مقدّرٍ تقديره اذا كان الاولياء (ع) يعنى انت واتباعك حالهم هكذا فلا تبال بالمكّذبين ولا يحزنك قولهم {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تعليل للنّهى {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} جواب سؤال كأنّه قيل: هل يسمع اقوالهم ويعلم احوالهم؟ - فأجاب بالحصر.

الأعقم

تفسير : {ولا يحزنك قولهم} يعني المشركين في تكذيبهم، وقيل: فيما يتوعدونك من القتل والأذى فإن الله يعصمك {ان العزة لله جميعاً} أي القهر والغلبة فينتقم منهم {وهو السميع العليم} {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} يعني ما يتبعون في ذلك علماً ومعرفة ولكن قلدوا الآباء {إن يتبعون إلا الظن} يعني يتبعون الظن فيما يدينون دون الحقيقة، وهو قولهم: الأوثان آلهة فاتبعوا هذا الظن الكاذب، وقيل: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة ثم بيّن تعالى أنه لا حكم لهذا الظن بقوله: {وإن هم إلا يخرصون} أي يكذبون {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} يعني خلق الليل لسكونكم وراحتكم وليزول عنكم التعب {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تفهم وتدبّر {قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني} الآية نزلت في مشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله، وفي النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله {أتقولون على الله ما لا تعلمون} يعني أنهم قالوا ذلك بغير علم، ثم بيَّن لهم تعالى ما أوعدهم به فقال: {قل} يا محمد {إن الذين يفترون على الله الكذب} بإضافة الولد إليه {متاع في الدنيا} أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا إلى قريب انقضاء أجلهم {ثم} بعد ذلك {إلينا مرجعهم} مصيرهم {ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} قوله تعالى: {واتل عليهم} يا محمد، أي على مشركي قريش وأهل مكة {نبأ نوح} أي خبره {إذ قال لقومه} الذين بعث إليهم {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي} أي شق وعظم عليكم مكثي بين أظهركم {وتذكيري} أي وعظي إياكم {فأجمعوا أمركم} أي اعزموا عليه وهو تهديدٌ {وشركاءكم} قيل: وادعوا شركاؤكم، وقيل: إجمعوا أمركم مع شركائكم {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة}، قيل: خفياً ملتبساً، وقيل: لا يكن أمركم عليكم غماً وحزناً في صدروكم بأن ترددوا فيه فيكون ذلك غماً في صدوركم {ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} أي افرغوا في جميع حيلكم ثم اقصدوني، وقيل: أفيضوا ما في أنفسكم وهذا ليس بأمرٍ وإنما هو تعجيز، وقيل: هو تهديدٌ ووعيد {فإن توليتم فما سألتكم من أجرٍ} على أداء الرسالة {فنجيناه ومن معه في الفلك} أي السفينة، وقيل: كانوا ثمانين نفساً وهلك أهل الأرض جميعاً {وجعلناهم خلائف} أي مكان الأرض خلفاً عن الهالكين {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} يعني قوم نوح كذبوا بالحجج {فانظر} يا محمد أو أيها السامع فتفكر {كيف كان عاقبة المنذرين} {ثم بعثنا من بعده} يعني من بعد نوح {رسلاً إلى قومهم} يعني هوداً وصالحاً وإبراهيم وشعيباً {فجاؤوهم بالبينات} يعني بالحجج الواضحة {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} قيل: المجاوزين للحدّ في العصيان، وقيل: المجاوزين في الحلال والحرام.

الهواري

تفسير : قوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} يقوله للنبي عليه السلام، لقول المشركين له: إنك مجنون وإنك شاعر، وإنك ساحر، وإنك كاذب. {إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي: فسينصرك عليهم ويذلهم لك. {هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه. قوله: { أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} أي: جميع من في السماوات ومن في الأرض وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله وأنفسهم [يفعل فيهم وبهم ما يشاء] قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ} يقول: إن الذين يعبدون من دون الله ليسوا بشركاء الله. { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} يقول: ما يعبدون أوثانهم ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفَى، وما يقولون ذلك بعلم، إن هو منهم إلا ظن. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: إلا يكذبون. قوله: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} يعني لتستقروا فيه من النصب { وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: منيراً لتبتغوا فيه معايشكم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} وهم المؤمنون سمعوا عن الله ما أنزل إليهم فقبلوه. قوله: {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} يعني مشركي العرب. وذلك أنهم قالوا: إن الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عن ذلك {هُوَ الغَنِيُّ} أي: عن الولد { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ}. ثم قال: {إِنَّ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي: ما عندكم من حجة بهذا الذي قلتم { أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: نعم قد قلتم على الله ما لا تعلمون. قوله: { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} ثم انقطع الكلام.

اطفيش

تفسير : {ولا يحزُنك} وقرأ غير نافع يفتح الياء، يقال: أحزنه وحزنه بالتخفيف بمعنى واحد {قَوْلهم} محكية محذوفة، أى أنك مجنون، أو شاعر، أو ساحر، أو كاذب، ولست مرسلا، وإن الأوثان آلهة ونحو ذلك، أو القول بمعنى المقول، وهو أيضا ما ذكر أو تهديدهم وتشاورهم، أو الحديث فى تدبير هلاكك، وإبطال أمرك، وينبغى الوقف عليه بأن قوله: {إنَّ العزَّةَ لله جَميعاً} ليس محكيا به، بل مستأنفا للتعليل، فهو استئناف بيأتى كأنه قيل: مالى لا أحزن؟ فأجيب بذلك، وعلى طريقة كلام العرب والعادة، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول بعد النهى عن الحزن: مالى لا أحزن، ويدل لذلك قراءة أبى حيوة بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل، أى لأن العزة وهى الغلبة لله كلها، لا يملك غيره شيئا منها، فهو ينصرك ويعزك. وقول ابن قتيبة: لا يجوز فتح إن فى هذا الموضع، وإن فتحها كفر غلو باطل عندى، بل فتحها عندى أولى، لأنه لا يوهم الحكاية بخلاف الكسر، ولعله أراد الفتح على اعتقاد البدلية من القول، وإن ثبوت العزة لله لا يحزنه، وجميعا حال من الضمير المستتر فى قوله: {لله}. {هو السَّميعُ} لأقوالهم {العَليمُ} بما فى قلوبهم وأفعالهم فيجازيهم على ذلك، فلا تكترث بقولهم، فذلك تتميم للنهى عن الحزن، وقيل: يفتخر المشركون بكثرة الأموال والأولاد والعبيد، فنزل: {إن العزَّة لله جميعا} فالعزة به لا بكثرة ذلك، وهو قادر على سلب ذلك، وعلى الإذلال، وسامع لافتخارهم، وعالم بما يصلح.

الالوسي

تفسير : ومن جعل قوله سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} معطوفاً على الجملة قبل أي: إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحزنك قول أعداء الله تعالى فالاعتراض عنده بين متصلين لا في آخر الكلام لكنه ليس بشيء، والذي عليه الجمهور أنه استئناف سيق تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهة الأعداء من الأذية الناشئة من مقالاتهم الرديئة الوحشية وتبشيراً له عليه الصلاة والسلام بالنصر والعز إثر بيان أن له ولأتباعه أمناً من كل محذور وفوزاً بكل مطلوب فهو متصل بقوله سبحانه: {أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 62] الخ معنى. وقيل: إنه / متصل بقوله سبحانه: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ}تفسير : [يونس: 41] الآية واختاره على ما فيه من البعد الطبرسي. وقرأ نافع {وَلاَ يَحْزُنكَ} من أحزن وهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وسلم عن الحزن كأنه قيل: لا تحزن بقولهم ولا تبال بكل ما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه، وإنما عدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في النهي عن الحزن لما أن النهي عن التأثير نهي عن التأثر بأصله ونفي له بالمرة، ونظير ذلك كما مر غير مرة قولهم ـ لا أرينك هٰهنا ـ ولا يأكلك السبع ـ ونحوه، وقد وجه فيه النهي إلى اللازم والمراد هو النهي عن الملزوم، قيل: وتخصيص النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابق للخوف أيضاً لما أنه لم يكن فيه صلى الله عليه وسلم شائبة خوف حتى ينهى عنه وربما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات حزن فسلي عنه، ولا يخفى أنه إذا قلنا أن الخوف والحزن متقاربان فإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما علمت آنفاً كان النهي عن الحزن نهياً عن الخوف أيضاً إلا أن الأولى عدم اعتبار ما فيه توهم نسبة الخوف إلى ساحته عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن في ذلك نقص فقد جاء نهي الأنبياء عليهم السلام عن الخوف كنهيهم عن الحزن بل قد ثبت صريحاً نسبة ذلك إليهم وهو مما لا يخل بمرتبة النبوة إذ ليس كل خوف نقصاً لينزهوا عنه كيف كان. {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} كلام مستأنف سيق لتعليل النهي، وقيل: جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا يحزنه؟ فقيل: لأن الغلبة والقهر لله سبحانه لا يملك أحد شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرهم فلا يقهر ولا يغلب أولياءه بل يقهرهم ويغلبهم ويعصمك منهم. وقرأ أبو حيوة {أن} بالفتح على صريح التعليل أي لأن، وحمل قتيبة بن مسلم ذلك على البدل ثم أنكر القراءة لذلك لأنه يؤدي إلى أن يقال: فلا يحزنك أن العزة لله جميعاً وهو فاسد. وذكر الزمخشري أنه لو حمل على البدل لكان له وجه أيضاً على أسلوب {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [القصص: 86] {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ }تفسير : [القصص: 88] فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير وفيه بعد. {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يسمع أقوالهم في حقك ويعلم ما يضمرونه عليك فيكافؤهم على ذلك وما ذكرناه في الآية هو الظاهر المتبادر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله تعالى وأقاموا على كفرهم كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه من الله سبحانه فيما يعاتبه {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يسمع ما يقولون ويعلمه فلو شاء بعزته لانتصر منهم ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً مع ما فيه من تعليق العلم بما علق بالسمع، ولعل روايته عن الحبر غير معول عليها.

ابن عاشور

تفسير : الجملة معطوفة على جملة {أية : ألا إن أولياء الله لا خَوف عليهم ولا هم يحزنون}تفسير : [يونس: 62] عطف الجزئي على الكلي لأن الحزن المذكور هنا نوع من أنواع الحزن المنفي في قوله: {أية : ولا هُم يحزنون}تفسير : [يونس: 62]، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن يتفرع على ذلك النفي ولكن عُدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة استقلالاً بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره من السياق. والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشىء عن أذى المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم. ووجه الاقتصار على دحضه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يلقى من المشركين محزناً إلا أذى القول البذئي. وصيغة {لا يحزنك قولهم} خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وظاهر صيغته أنه نهي عن أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم كلام المشركين، مع أن شأن النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه، ولكن المقصود من مثل هذا التركيب نهي النبي - عليه الصلاة والسلام - عن أن يتأثر بما شأنه أن يُحزن الناس من أقوالهم، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تُحزنك، وهذا كما يقولون: لا أريَنَّك تفعل كذا، ولا أعرفنَّك تفعل كذا، فالمتكلم ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلاً كذا. والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. والمعنى: لا تفعلن كذا فأراك تفعله. ومعنى {لا يحزنك قولهم} لا تحزن لقولهم فيحزنك. ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم. وجملة: {إن العزة لله جميعاً} تعليل لدفع الحزن عنه، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأنَّ النبي يقول: كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعَة، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك. وهي أيضاً في محل استئناف بياني. وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضاً استئنافاً بيانياً، فالاستئناف البياني أعم من التعليل. وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بها، ولأنَّه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد فيه دفع إنكار من المخاطب. ويحسن الوقف على كلمة {قولهم} لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة {إنّ العزة لله جميعاً} فيحسبه مقولاً لقولهم فيتطلب لماذا يكونُ هذا القول سبباً لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولهم: {إنّ العزّة لله} وإن كان في المقام ما يهدي السَّامع سريعاً إلى المقصود. ونظير هذا الإيهام ما حكي أنّ ابن قتيْبة (وهو عبد الله بن مسلم بن قُتيبة) ذكر قراءة أبي حيْوة {أنّ العزّة لله} ـ بفتح همزة (أن) ـ وأعرب بدلاً من (قولُهم) فحكم أنّ هذه القراءة كُفر. حكى ذلك عنه ابن عطيَّة. وأشار إلى ذلك في «الكشاف» فقال: «ومن جعله بدلاً من (قولُهم) ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه». ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملاً لأن تكون الجملة بعدها معمولة لــ{قولهم} لأن شأن (إن) بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة لكن ذلك احتمال غير متعيَّن لأنَّه يحتمل أيضاً أن تكون الجملة استئنافاً، والسياق يعيّن الاحتمال الصحيح. فأمَّا إذا فتحت الهمزة كما قرأ أبو حَيْوَة فقد تعيَّنت أن تكون معمولة لما ذكر قبلها وهو لفظ {قولُهم} ولا محمل لها عنده إلا أنها أي المصدر المنسبك. منها بدل من كلمة {قولهم}، فيصير المعنى: أنّ الله نهى نبيئه عن أن يحزن من قول المشركين {العزةُ لله جميعاً} وكيف وهو إنَّما يدعوهم لذلك. وإذ كان النهي عن شيء يقتضي تجويز تلبس المنهي بالشيء المنهى عنه اقتضى ذلك تجويز تلبس النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالحَزن لمن يقول هذا القول وهذا التجويز يؤول إلى كفر من يجوزه على طريقة التكفير باللازم، ومقصده التَّشنيع على صاحب هذه القراءة. وإنَّما بنى ابن قتيبة كلامه على ظاهر لفظ القرآن دون تقدير حرف قبل (أنّ) لعلَّه راعى أنّ التقدير خلاف الأصل أو أنَّه غير كاف في دفع الإيهام. فالوجه أنّ ابن قتيبة هوّل ما له تأويل، ورد العلماء عليه رد أصيل. والتَّعريف في {العزّة} تعريف الجنس المفيد للاستغراق بقرينة السِّياق. واللام في قوله: {لله} للملك. وقد أفاد جعل جنس العزة ملكاً لله أنّ جميع أنواعها ثابت لله، فيفيد أنّ له أقوى أنواعها وأقصاها. وبذلك يفيد أنّ غير الله لا يملك منها إلاّ أنواعاً قليلة، فما من نوع من أنواع العزة يوجد في مِلك غيره فإن أعظم منه من نوعه ملك لله تعالى. فلذلك لا يكون لما يملكه غير الله من العزة تأثير إذا صادم عزة الله تعالى، وأنه لا يكون له تأثير إلا إذا أمهله الله، فكل عزّة يستخدمها صاحبها في مناواة من أراد الله نصره فهي مدحوضة مغلوبة، كما قال تعالى: {أية : كتب الله لأغلبنّ أنا ورُسلي إنّ الله قوي عزيز}تفسير : [المجادلة: 21] وإذ قد كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعلم أنّ الله أرسله وأمره بزجر المشركين عمَّا هم فيه كان بحيث يؤمن بالنصر إذا أعلمه الله بأنه مراده، ويعلم أنّ ما للمشركين من عزة هو في جانب عزة الله تعالى كالعدم. و{جميعاً} حال من {العزّة} موكّدة مضمونَ الجملة قبلها المفيدَ لاختصاصه تعالى بجميع جنس العزّة لدفع احتمال إرادة المبالغة في ملك ذلك الجنس. وجملة: {هو السَّميع العليم} مستأنفة وإجراء هذا الخبر على اسم الجلالة الواقع ركناً في الجملة التعليلية يجر معنى التعليل إلى هذه الجملة فتفيد الجملة تعليلاً آخر أو تكملة للتعليل الأوّل، لأنه إذا تذكر المخاطب أنّ صاحب العزة يعلم أقوالهم وأحوالهم زاد ذلك قوة في دفع الحُزن مِن أقوالهم عن نفسه لأنّ الذي نهاه عن الحزن من أقوالهم وتطوالهم أشد منهم قوة ومحيط علمه بما يقولونه وبأحوالهم. فهو إذا نهاك عن الحزن من أقوالهم ما نهاك إلا وقد ضمن لك السَّلامة منهم مع ضعفك وقوتهم لأنه يمدُّك بقوته وهو أعلم بتكوين أسباب نصرك عليهم. والمراد بـ{السميع} العالم بأقوالهم التي من شأنها أن تسمع، وبـ{العليم} ما هو أعم من أحوالهم التي ليست بمسموعات فلا يطلق على العلم بها اسم (السَّميع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يحزنك: أي لا يجعلك قولهم تحزن. إن العزة لله: العزة الغلبة والقهر. شركاء: أي شركاء بحق يملكون مع الله لعابديهم خيراً أو يدفعون عنهم ضراً. إلا الظن: الظن أضعف الشك. يخرصون: أي يحزرون ويكذبون. لتسكنوا فيه: أي تخلدوا فيه إلى الراحة والسكون عن الحركة. مبصراً: أي مضيئاً ترى فيه الأشياء كلها. في ذلك: أي من جَعْلِهِ تعالى الليل سكناً والنهار مبصراً لآيات. يسمعون: أي سماع إجابة وقبول. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير قضايا التوحيد الثلاث التوحيد والنبوة والبعث قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا يجعلك قول المشركين المفترين {أية : لَسْتَ مُرْسَلاً}تفسير : [الرعد: 43] وأنك {أية : لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}تفسير : [الصافات: 36] تحزن فإن قولهم هذا لا ينتج لهم إلا سوء العاقبة والهزيمة المحتمة، {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} فربك القوي القادر سيهزمهم وينصرك عليهم. إذاً فاصبر على ما يقولون ولا تأس ولا تحزن. إنه تعالى هو السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. {أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتصرفاً، كل شيء في قبضته وتحت سلطانه وقهره فكيف تبالي بهم يا رسولنا فتحزن لأقوالهم {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} أي آلهة حقاً بحيث تستحق العبادة لكونها تملك نفعاً أو ضراً، موتاً أو حياة لا بل ما هم في عبادتها متبعين إلا الظن {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يتقولون ويكذبون، وقوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي الإِله الحق الذي يجب أن يدعى ويعبد الله الذي جعل لكم أيها الناس ليلاً مظلماً لتسكنوا فيه فتستريحوا من عناء العمل في النهار. وجعل لكم النهار مبصراً أي مضيئاً لتتمكنوا من العمل فيه فتوفروا لأنفسكم ما تحتاجون إليه في حياتكم من غذاء وكساء. وليست تلك الآلهة من أصنام وأوثان بالتي تستحق الألوهية فتُدْعى وتُعبد. وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي إن فيما ذكر تعالى من كماله وعزته وقدرته وتدبيره لأمور خلقه آيات علامات واضحة على أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، ولكن يرى تلك الآيات من يسمع سماع قبول واستجابة لا من يسمع الصوت ولا يفكر فيه ولا يتدبر معانيه فإن مثله أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- على المؤمن الداعي إلى الله تعالى أن لا يحزنه أقوال أهل الباطل وأكاذيبهم حتى لا ينقطع عن دعوته، وليعلم أن العزة لله جميعاً وسوف يعزه بها، ويذل أعداءه. 2- ما يُعبد من دون الله لم يقم عليه عابدوه أي دليل ولا يملكون له حجة وإنما هم مقلدون يتبعون الظنون والأوهام. 3- مظاهر قدرة الله تعالى في الخلق والتدبير كافية في إثبات العبادة له ونفيها عما سواه.

القطان

تفسير : العزة: الغلبة والقوة. يخرصون: يحزرون ويقولون بلا علم. والنهار مبصرا: يعني تبصرون فيه. من سلطان: من حجة او برهان. {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}. لا تحزنْ أيها الرسول لما يقوله المشركون من سُخرية وطعنٍ وتكذيب. {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. ولا تظنَّ يا محمد أن حالَهم ستدوم، بل ان العزَّة كلَّها لله، والنصرُ بيدِه، وسينصُرك عليهم، وهو السميعُ لما يقولون من تكذيب الحق، كما يعلم بما يفعلون وما يُضمرون، وسيجازيهم على ذلك. {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ}. اعلموا أيها الناس أن لله وحدَه يخضع كلُّ من في السماوات والأرض، فهو الخالِق وهو المالِك وهو المدبّر. ثم بين الله انه لا شريك له ابدا فقال: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}. إن هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله، لا يتّبعون شركاءَ له في الحقيقة، بل أوهاماً باطِلة. وليسوا في ذلك إلا واهمين، يخمِّنُون ويحْدِسون بلا عِلم ولا يقين. بعدما نبَّه الله تعالى على انفرادِه بالقدرة الكاملة، ووجَّه الأنظارَ الى بعض مجالي تلك القدرة في المشاهدة الكونية، قال: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. إن الله تعالى هو الذي خلَق لكم الليلَ لتستَريحوا فيه من عناءِ العملِ والسعي في النهار، كما خلَق لكم النهارَ مضيئاً لستعَوا فيه الى مصالِحكم، وفي تعاقب الليل والنهار دلائل بينة لقومٍ يسمعون ويتدبرون. ثم شرع في تفنيد نوع آخر من أباطيلهم فقال: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. وقال المشركون: لقد اتخذَ الله ولداً، إن الله منزّه عن ذلك، فهو غني عن اتخاذ الولد، لأن الولد مظهرُ الحاجة الى البقاء، والله باقٍ خالد. {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ}. ليس لديكم من البراهين ما يؤيّد صحةَ ما تقولون وتفترون. {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. لماذا تختلقون على اللهِ أمراً لا اساسَ له من الحقيقة. {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}. قل لهم ايها الرسول: إن الذين يكذِبون على الله، ويزعمون ان له ولداً لن يُفلحوا ابدا. {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}. سيكون لهم متاع قليل في الدنيا ثم إلَينا مرجعُهم فنحاسبُهم نُذيقهم العذابَ الشديد بسبب كفرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (65) - يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ يَحْزُنْكَ مَا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ بِحَقِّكَ، وَلاَ تَهْتَمَّ بِهِ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَيْهِمْ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ العِزَّةَ وَالقَهْرَ وَالغَلَبَةَ للهِ وَحْدَهُ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ دُونِهِ شَيْئاً مِنْهَا، وَهُوَ يَهَبُهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ وَعَدَ بِهَا رُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَعِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، وَهُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُونَهُ مِنْ تَكْذِيبِ الحَقِّ، وَهُوَ العَلِيمُ بِمَا يَفْعَلُونَ مِنْ إِيذَاءٍ وَكَيْدٍ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ أَوْفَى الجَزَاءِ. إِنَّ العِزَّةَ لله ِ- إِنَّ القَهْرَ وَالغَلَبَةَ للهِ تَعَالَى فِي مُلْكِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تجيء هذه الآية بعد أن بيَّن لنا الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم؛ لذلك طلب منه الحق سبحانه ألاَّ ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ومُفْتَرٍ، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى عليه وسلم ساحراً فلماذا لم يسحرهم هم أيضاً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟! إذن: كَذَّبَ قولَهم في أنه صلى الله عليه وسلم سحر عبيدَهم وأولادَهم. وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم أدنى أثر من جنون، وفنَّد أقوالهم هذه بقوله سبحانه: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 1-4]. فالمجنون لا يكون على خُلُق عظيم أبداً. وحين قالوا: إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان. وقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ..} [يونس: 65] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة؛ لأن {.. ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ..} [يونس: 65] والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المُطْلَق؛ لأنه لا إله إلا هو لا يُغلَب ولا يُقهَر. وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف "الميم" فوق كلمة {قَوْلُهُمْ} وتعني: ضرورة الوقف هنا. ولسائل أن يقول: كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم مبنيٌّ على الوصل؛ وآخر حرف في كل سورة تجده مُنوَّناً، وليس في القرآن ما يُلزِم الوقف للقارىء؟ وأقول رَدّاً على هذا التساؤل: إن العلماء حين لاحظوا ضعف مَلَكة اللغة؛ جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارىء - الذي لا علم له بالبيان العربي - كيف يقرأ هذه الآية، فهَبْ أن واحداً لا يملك فطنة الأداء، فينسب {.. إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ..} [يونس: 65] إلى {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ..} [يونس: 65]. ويخطىء الفهم، ويظن - معاذ الله - أن العزة لله هي أمر يُحزِن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقِّق القراءة ونُحْسِن الفهم. ولذلك علينا أن نقرأ {.. وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ..} [يونس: 65] ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ..} [يونس: 65]؛ وبهذا نفهم المعنى: يجب ألاَّ تحزن يا محمد؛ لأن أقوالهم لن تغيّر في مجرى حتمية انتصارك عليهم. ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يُلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه. وبيّن له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدُّوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون؛ فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حُجَّة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ..}تفسير : [النمل:14]. وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيُتمُّ الله نوره، ولا يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على الله أحداً، فهو سبحانه يُجير ولا يُجار عليه. وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حُجّة، وقد تكون عزة حلْف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجالٍ ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيطٍ وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء. ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القَصْر في هذه الآية؟ أي: أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه؛ كأن نقول: "لزيدٍ مالٌ ليس لغيره". وإذا قدمنا الجار والمجرور - وهو المتعلّق - فنقول: "لفلانٍ كذا"، وهذا يعني أن غير فلانٍ ليس له كذا. وإنْ قلنا: "فلان له كذا" فيصح أن نقول: "ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا". أما إذا قلت: "لفلان كذا" فمعناها: امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت. وهنا يقول الحق سبحانه: {.. إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ..} [يونس: 65] وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره؛ لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبراً كونياً بأن العزة لله جميعاً. وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك - وهو خالق الخلق - فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت - معاذ الله - قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبداً مع آيات الحق سبحانه؛ لأنه هو خالق الكون، وهو مُنزل الآيات؛ فلا يمكن أن يحدث تناقض أبداً بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى. وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة لنفسه وقالوا: {أية : .. لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ..}تفسير : [المنافقون: 8]. وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين. إذن فالعزة قد ادُّعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر؟ نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول: {أية : .. وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ..}تفسير : [المنافقون: 8]. فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى. وقول الحق سبحانه هنا: {.. إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ..} أي: في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمة فهو الحكيم، وإنْ كانت عزة القبض على الأمور فهو العزيز، وإن كانت عزة الحلْم فهو الحليم، وإنْ كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبّار، وكلُّ ألوان العزة لله تعالى: {.. هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [يونس: 65]. وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يُقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإنْ كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يُقال والعليم بما يُفعل. ونحن نعلم أن المنهيَّ عنه هنا هو: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ..} [يونس: 65]. لذلك كان المناسب أن يقال: {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ..} أولاً. ويريد الحق سبحانه أن يدلِّل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون مَنْ يقف أمامه سبحانه؛ لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون "العزة لله جميعاً" محكوم بأن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولا يحزنك قول المكذبين فيك من الأقوال التي يتوصلون بها إلى القدح فيك، وفي دينك فإن أقوالهم لا تعزهم، ولا تضرك شيئًا. { إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } يؤتيها من يشاء، ويمنعها ممن يشاء. قال تعالى: {أية : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } تفسير : أي: فليطلبها بطاعته، بدليل قوله بعده: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }. تفسير : ومن المعلوم، أنك على طاعة الله، وأن العزة لك ولأتباعك من الله {أية : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }. تفسير : وقوله: { هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } أي: سمعه قد أحاط بجميع الأصوات، فلا يخفى عليه شيء منها. وعلمه قد أحاط بجميع الظواهر والبواطن، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. وهو تعالى يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلا فاكتف بعلم الله وكفايته، فمن يتق الله، فهو حسبه.