Verse. 1430 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اَلَاۗ اِنَّ لِلہِ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَمَنْ فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَمَا يَتَّبِـــعُ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ شُرَكَاۗءَ۝۰ۭ اِنْ يَّتَّبِعُوْنَ اِلَّا الظَّنَّ وَاِنْ ھُمْ اِلَّا يَخْرُصُوْنَ۝۶۶
Ala inna lillahi man fee alssamawati waman fee alardi wama yattabiAAu allatheena yadAAoona min dooni Allahi shurakaa in yattabiAAoona illa alththanna wain hum illa yakhrusoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض» عبيدا وملكا وخلقا «وما يتبع الذين يدعون» يعبدون «من دون الله» أي غيره أصناما «شركاء» له على الحقيقة تعالى عن ذلك «إن» ما «يتبعون» في ذلك «إلا الظن» أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم «وإن» ما «هم إلا يخرصون» يكذبون في ذلك.

66

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} أي يحكم فيهم بما يريد، ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه! قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} «ما» للنفي، أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع. وقيل: «ما» استفهام، أي أيّ شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحاً لفعلهم، ثم أجاب فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يَحْدِسون ويكذبون، وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} من الملائكة والثقلين، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيداً لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له نداً أو شريكاً فهو كالدليل على قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء} أي شركاء على الحقيقة وإن كان يسمونها شركاء، ويجوز أن يكون {شُرَكَاء} مفعول {يَدَّعُونَ} ومفعول {يَتَّبِعُ} محذوف دل عليه. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعون يقيناً وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء، ويجوز أن تكون {مَا} استفهامية منصوبة بـ {يَتَّبِعُ} أو موصولة معطوفة على من وقرىء «تدعون» بالتاء الخطابية والمعنى: أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، أي أنهم لا يتبعون إلا الله ولا يعبدون غيره فما لكم لا تتبعونهم فيه كقوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} فيكون إلزاماً بعد برهان وما بعده مصروف عن خطابهم لبيان سندهم ومنشأ رأيهم. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون فيما ينسبون إلى الله أو يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديراً باطلاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } عبيداً وملكاً وخلقاً {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } يعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره أصناماً {شُرَكَآءَ } له على الحقيقة تعالى عن ذلك {إِن} ما {يَتَّبِعُونَ } في ذلك {إِلاَّ ٱلظَّنَّ } أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم {وَإِنْ } ما {هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يَكذبِون في ذلك.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} ألا كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد في السموات ولا في الأرض إلا لله عز وجل فهو يملك من في السموات ومن في الأرض. فإن قلت قال سبحانه وتعالى في الآية التي قبل هذه ألا إن لله ما في السموات بلفظة ما وقال سبحانه وتعالى في هذه الآية بلفظة من فمن فائدة ذلك؟ قلت إن لفظة ما تدل على ما لا يعقل ولفظة من تدل على من يعقل فمجموع الآيتين يدل على أن الله عز وجل يملك جميع من في السموات ومن في الأرض من العقلاء وغيرهم وهم عبيده وفي ملكه. وقيل: إن لفظة من لمن يعقل فيكون المراد بمن في السموات الملائكة والعقلاء ومن في الأرض الإنس والجن وهم العقلاء أيضاً وإنما خصهم بالذكر لشرفهم وإذا كان هؤلاء العقال المميزون في ملكه وتحت قدرته فالجمادات بطريق الأولى أن يكونوا في ملكه إذا ثبت هذا فتكون الأصنام التي يعبدها المشركون أيضاً في ملكه وتحت قبضته وقدرته ويكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله معبودة دونه {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} لفظة ما استفهاميه معناه وأي شيء يتبع الذي يدعون من دون الله شركاء والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء لأنهم يعبدونها على أنها شركاء لله تشفع لهم وليس الأمر على ما يظنون وهو قوله سبحانه وتعالى: {إن يتبعون إلا الظن} يعني أن فعلهم ذلك ظن منهم أنها تشفع لهم وأنها تقربهم إلى الله وذلك ظن منهم لا حقيقة له {وإن هم إلا يخرصون} يعني إن هم إلا يكذبون في دعواهم ذلك. قوله عز وجل: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً} يعني هو الله ربكم الذي خلق لكم الليل راحة لتسكنوا فيه وليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وأصل السكون الثبوت بعد الحركة والنهار مبصراً وجعل النهار مضيئاً لتهتدوا فيه لحوائجكم وأسباب معايشكم وأضاف الإبصار إلى النهار وإنما يبصر فيه وليس النهار مما يبصر ولكن لما كان مفهوماً من كلام العرب معناه خاطبهم بلغتهم وما يفهمونه قال جرير: شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به وإنما عنى نفسه وأنه لم يكن نائماً ولا بعيره وهذا من باب نقل الاسم من المسبب إلى السبب قال قطرب تقول العرب أظلم الليل وأبصر النهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء. قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} يعني يسمعون سمع اعتبار وتدبر فيعلمون بذلك أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الإله المعبود المنفرد بالوحدانية في الوجود {قالوا} يعني المشركين {اتخذ الله ولداً} يعني به قولهم الملائكة بنات الله {سبحانه} نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ الولد {هو الغني} يعني أنه سبحانه وتعالى هو الغني عن جميع خلقه فكيف يليق بجلاله اتخاذ الولد وإنما يتخذ الولد من هو محتاج إليه والله تعالى هو الغني المطلق وجميع الأشياء محتاجة إليه وهو غني عنها {له ما في السموات وما في الأرض} يعني أنه مالك ما في السموات وما في الأرض وكلهم عبيده وفي قبضته وتصرفه وهو محدثهم وخالقهم. ولما نزَّه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ الولد عطف على من قال ذلك بالإنكار والتوبيخ والتقريع فقال سبحانه وتعالى: {إن عندكم من سلطان بهذا} يعني أنه لا حجة عندكم على هذا القول البتة ثم بالغ في الإنكار عليهم بقوله تعالى: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} يعني أتقولون على الله قولاً لا تعلمون حقيقته وصحته وتضيفون إليه ما لا تجوز إضافته إليه جهلاً منكم بما تقولون بغير حجة ولا برهان {قل إن الذين يفترون على الله الكذب} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون على الله الباطل ويزعمون أن له ولداً {لا يفلحون} يعني لا يسعدون وإن اغتروا بطول السلامة والبقاء في النعمة. والمعنى أن قائل هذا القول لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر قال الزجاج هذا وقف قام يعني قوله لا يفلحون ثم ابتدأ فقال تعالى: {متاع في الدنيا} وفيه إضمار تقديره لهم متاع في الدنيا يتمتعون به مدة أعمارهم وانقضاء آجالهم في الدنيا وهي أيام يسيرة بالنسبة إلى طول مقامهم في العذاب وهو قوله سبحانه وتعالى: {ثم إلينا مرجعهم} يعني بعد الموت {ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} يعني ذلك العذاب بسبب ما كانوا يجحدون في الدنيا من نعمة الله عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. لمَّا ذكر في الآية المتقدمة:{أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا في ٱلأَرْضِ} [يونس:55] دل على أنَّ كلَّ ما لا يعقلُ، فهو مُلْكٌ لله - تعالى -، ومِلْكٌ لهُ، وههنا أتى بكلمة "مِنْ" وهي مختصَّة بالعقلاء؛ فدلَّ على أنَّ كلَّ العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه، فدلَّ مجموعُ الآيتين على أنَّ الكُلَّ مُلْكُه ومِلْكُه. وقيل: المراد بـ "من في السَّمواتِ": العقلاء المُمَيَّزُون، وهم الملائكة والثقلان، وخصَّهم بالذِّكر؛ ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، فالجمادات أولى بهذه العُبُوديَّة، فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شُركاء لله - تعالى -، فيكون ذلك من بابِ التنبيه بالأعلى على الأدنى، ويجوز أن يراد العموم، وغلب العاقل على غيره. قوله: "وَمَا يَتَّبِعُ" يجوز في "ما" هذه أن تكون نافية، وهو الظاهر، و "شُرَكَاء" مفعولُ "يتَّبعُ" ومفعول "يَدْعُون" محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: وما يتَّبعُ الذين يدعُون من دُون اللهِ آلهةً شُركَاءَ، فآلهة: مفعول "يَدْعُونَ" و "شركاء": مفعول "يتبع"، وهو قول الزَّمخشريِّ. قال: "ومعنى وما يتَّبعون شركاء: وما يتَّبعون حقيقة الشُّركاء، وإن كانُوا يُسَمُّونها شركاء؛ لأنَّ شركة الله في الربوبية محال، إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهم أنهم شركاءُ ثم قال: "ويجوز أن تكون "ما" استفهاماً، يعني: وأيَّ شيءٍ يتَّبعون، و "شركاء" على هذا نصب بـ "يَدْعُونَ"، وعلى الأوَّل بـ "يتَّبع" وكان حقُّه: "وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء" فاقتصر على أحدهما للدلالة". وهذا الذي ذكرهُ الزمخشريُّ قد ردَّه مكِّي وأبو البقاء. أما مكي، فقال: انتصب "شركاء" بـ "يَدْعُون" ومفعول "يتَّبع" قام مقامه {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} لأنَّهُ هو، ولا ينتصبُ الشُّركاء بـ "يتَّبع" لأنَّك تنفي عنهم ذلك، والله قد أخبر عنهم بذلك. وقال أبو البقاء: "وشركاء مفعولُ "يَدْعُونَ" ولا يجوزُ أن يكون مفعُول "يتَّبعون" لأنَّ المعنى يصير إلى أنَّهم لم يتَّبعوا شركاء، وليس كذلك". قال شهاب الدِّين: "معنى كلامهما: أنَّه يئول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاء، والواقع أنَّهُم قد اتَّبَعُوا الشركاء". وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى: أنهم وإن اتَّبعُوا شركاء، فليْسُوا بشركاءَ في الحقيقةِ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنَّهم لم يتَّخذوا شركاء، ولا اتبعوهم لسلب الصِّفة الحقيقيَّة عنهم، ومثله قولك: "ما رأيتُ رجلاً"، أي: مَنْ يستحقُّ أن يسمَّى رجلاً، وإن كنت قد رأيت الذَّكر من بني آدم، ويجوز أن تكون "ما" استفهاميَّة، وتكون حينئذٍ منصوبةً بما بعدها، وقد تقدَّم قولُ الزمخشري في ذلك. وقال مكِّي: لو جعلت "ما" استفهاماً بمعنى: الإنكار والتَّوبيخ، كانت اسماً في موضع نصبٍ بـ "يتَّبع". وقال أبو البقاء نحوه. ويجوز أن تكون "ما" موصولة بمعنى "الذي" نسقاً على "مَنْ" في قوله: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات}. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "مَنْ" كأنَّهُ قيل: ولله ما يتَّبعه الذين يدعُون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهُم. ويجوز أن تكون "ما" هذه الموصولة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: والذي يتَّبعه المشركون باطلٌ، فهذه أربعة أوجهٍ. وقرأ السلمي: "تَدعُون" بالخطاب، وعزاها الزمخشريُّ لعليّ بن أبي طالب. قال ابنُ عطيَّة: وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة. قال شهاب الدِّين: قد ذكر توجيهها الزمخشريُّ، فقال: ووجهه أن يحمل "وما يتَّبع" على الاستفهام، أي: وأيُّ شيء يتَّبع الذين تدعُونهُم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني: أنَّهم يتَّبعُون الله - تعالى - ويطيعُونه، فما لكم لا تفعلُون مثل فعلهم؛ كقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}تفسير : [الإسراء:57]. قوله: "إن يتَّبِعُون" "إنْ" نافية، و "الظَّن" مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ، ومفعولُ الظَّن محذوفٌ، تقديره: إن يتَّبعُون إلاَّ الظَّنَّ أنَّهُم شركاءُ، وعند الكوفيين: تكون "أل" عوضاً من الضمير، تقديره: إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهُم أنهم شركاءُ، والأحسنُ أن لا يقدر للظَّنِّ معمولٌ؛ إذ المعنى: إن يتبعون إلا الظن، لا اليقين. وقوله: "إن يتَّبعُون" من قرأ "يَدْعُون" بياء الغيبة، فقد جاء بـ "يتَّبِعُونَ" مطابقاً له، ومن قرأ "تَدْعُونَ" بالخطاب، فيكون "يتَّبِعُون": التفاتاً؛ إذ هو خروجٌ من خطابٍ إلى غيبة، والمعنى: إن يتَّبِعُون إلاَّ ظنونهم الباطلة، {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}: يكذبون، وقد تقدَّم في الأنعام. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ} الآية. لمَّا ذكر أنَّ العزة لله جميعاً، احتجَّ عليه بهذه الآية، وانظر إلى فصاحتها، حيث حذف من كل جملةٍ ما ثبت في الأخرى؛ وذلك أنَّه ذكر علَّة جعل الليل لنا، وهي قوله: "لِتَسْكُنُوا" وحذفها من جعل النهار، وذكر صفة النَّهار، وهي قوله: "مُبْصِراً" وحذفها من الليل، لدلالة المقابل عليه، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مُظْلماً لتسْكُنُوا فيه، والنهار مُبْصِراً لتتحرَّكُوا فيه لمعاشكم، فحذف "مُظْلماً" لدلالة "مُبْصِراً" عليه، وحذف " لتتحرَّكُوا" لدلالة "لتسكنوا" وهذا أفصحُ كلامٍ. وقوله: "مُبْصِراً" أسند الإبصارَ إلى الظَّرف مجازاً كقولهم: "نهارُهُ صائم، وليله قائم ونائم". قال: [الطويل] شعر : 2911-............................ ونِمْتِ وما لَيْلُ المطِيِّ بِنَائِمِ تفسير : وقال قطرب: يقال: أظلم اللَّيْلُ: صار ذا ظلمة، وأضاء النَّهار: صار ذا ضياء؛ فيكون هذا من باب النسب؛ كقولهم: لابنُ وتامرٌ، وقوله - تعالى -: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:21]، إلاَّ أنَّ ذلك إنما جاء في الثلاثيِّ، وفي "فعَّال" بالتضعيف عند بعضهم في قوله - تعالى -: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [فصلت:46] في أحد الأوجه. ثم قال: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يتدبَّرُون ما يسمعُون، ويعتَبِرُون. فإن قيل: قوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} يدل على أنَّه - تعالى - ما جعلهُ إلا لهذا الوجه، وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} يدلُّ على أنَّه - تعالى - أراد بتخليقِ الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل. فالجواب: أن قوله - تعالى -: "لِتسكُنوا" لا يدلُّ على أنَّه لا حكمة فيه إلاَّ ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة. قوله تعالى: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} الآية. هذا نوع آخر من أباطيلهم التي حكاها الله عنهم، "قالوا" يعني المشركين: الملائكة بنات الله، وقيل: قولهم: الأوثان أولاد الله، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قومٌ من النصارى قالوا ذلك، ثم استنكر هذا القول، فقال بعده: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فكونه - تعالى - غنيّاً مالكاً لكلِّ ما في السموات والأرض، يدلُّ على أنه سبحانه يستحيل أن يكون لهُ ولد، وبيانه من وجوه: الأول: أنَّه لو كان محتاجاً، لافتقر إلى صانعٍ آخر، وهو محال، وكل من كان غنيّاً فلا بد أن يكون فرداً منزَّهاً عن الأعضاء والأبعاض، ومن كان كذلك يمتنع أن ينفصل عنه جزءٌ من أجزائه، والولد عبارةٌ عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان، ثم يتولَّد من ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالاً، ثبت أنَّ كونه - تعالى - غنيّاً يمنع من ثُبُوت الولد لهُ. الثاني: أن من كان غنيّاً، كان قديماً أزليّاً باقياً سرمديّاً، وكل من كان كذلك امتنع عليه الانقراض، والولدُ إنما يحصل للشَّيءِ الذي ينقضي وينقرض، فيكون ولده قائماً مقامه؛ فثبت أنَّ كونه - تعالى - غنيّاً، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد. الثالث: أنَّ كلَّ من كان غنيّاً يمتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة، وإذا امتنع ذلك، امتنع أن يكون له صاحبةٌ وولد. وباقي الوجوه يطول ذكرها. ثم قال: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وهذا نظيرُ قوله: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم:93] ولمَّا بيَّن بالدليل الواضح امتناع ما أضافُوا إليه، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ، فقال: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}: "إنْ" نافية و "عندكُم" يجوز أن يكون خبراً مقدَّماً، و "مِنْ سلطانٍ" مبتدأ مُؤخَّراً، ويجوز أن يكون "من سلطان" مرفوعاً بالفاعليَّة بالظرف قبله؛ لاعتماده على النفي، و "مِنْ" مزيدةٌ على كلا التقديرين، وبهذا يجوز أن يتعلق بـ "سُلْطان" لأنَّه بمعنى الحُجَّة والبرهان، وأن يتعلَّق بمحذوف صفة له؛ فيحكم على موضعه بالجرِّ على اللفظ، وبالرفع على المحلِّ؛ لأنَّ موصوفه مجرور بحرفِ جرٍّ زائدٍ، وأن يتعلَّق بالاستقرار. قال الزمخشريُّ: الباءُ حقُّها أن تتعلَّق بقوله: "إنْ عندكُم" على أن يجعل القولُ مكاناً للسُّلطان؛ كقوله "ما عندكم بأرضكم موزٌ" كأنه قيل: إن عندكم بما تقولون سلطانٌ وقال الحوفيُّ: بهذا متعلقٌ بمعنى الاستقرار. يعنى: الذي تعلَّق به الظرف. ثم قال: {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقد تقدَّم أنَّ الآية يحتجُّ بها نُفاة القياس في إبطال التقليد. قوله - تعالى -: {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} الآية. لمَّا بيَّن بالدليل القاطع أنَّ إثبات الولد لله قول باطلٌ، ثم بيَّن أنه ليس لهذا القائل دليلٌ على صحة قوله، ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله - تعالى -، فبيَّن أنَّ من هذا حاله، فإنَّه لا يفلحُ ألبتَّة، أي: لا ينجح في سعيه، ولا يفوز بمطلُوبه، بل خاب وخسر. قوله: {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} يجوز رفع "متاع" من وجهين: أحدهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، فهي استئنافيةٌ، كأنَّ قائلاً قال: كيف لا يفلحُون، وهم في الدنيا مفلحون بأنواع ممَّا يتلذّذون به؟ فقيل: ذلك متاع. والثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوفٌ تقديره: لهُم متاعٌ، و "فِي الدُّنيا" يجوز أن يتعلق بنفس "متاع" أي: تمتُّعٌ في الدنيا، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه نعت لـ "متاع" فهو في محلِّ رفعٍ، ولم يقرأ بنصبه هنا، بخلاف قوله: {أية : مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ}تفسير : [يونس:23] في أول السُّورة. وقوله: {بِمَا كَانُواْ} الباءُ للسببية، و "ما" مصدريةٌ، أي: بسبب كونهم كافرين.

القشيري

تفسير : لله مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض مِلْكاً، ويبدي عليهم ما يريد، حكما جَزْماً؛ فلا لقبوله عِلَّة، ولا موجِبَ لردِّه زَلَّة، كلا... إنها أحكامٌ سابقة، لم تُوجِبْها أجرامٌ لاحقة، ولا طاعاتً وعباداتٌ صادقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا ان لله من فى السموات ومن فى الارض} اى العقلاء من الملائكة والثقلين واذا كان هؤلاء الذين هم اشرف الممكنات عبيد الله سبحانه مقهورين تحت قدرته وملكيته فما عداهم من الموجودات اولى بذلك فهو قادر على نصرك عليهم ونقل اموالهم وديارهم اليك {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} ما نافية وشركاء مفعول يتبع ومفعول يدعون محذوف لظهوره والتقدير وما يتبع الذين يدعون آلهة من دون الله شركاء فى الحقيقة وان سموها شركاء لان شركة الله تعالى فى الربوبية محال {ان يتبعون الا الظن} اى ما يتبعون الا ظنهم انها شركاء {وان هم} اى ما هم {الا يخرصون} يكذبون فيما ينسبونه الى الله سبحانه يقال خرص يخرص خرصا اى كذب وهو من باب نصر والخراص الكذاب. ثم نبه على تفرده بالقدرة الكاملة والنعمة الشاملة ليدلهم على توحده باستحقاق العبادة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وما يتبع): يحتمل الاستفهام، فتكون منصوبة بيتبع، أي، أيُّ شيء يتبعون ما يتبعون؟ إلا الظن، ويحتمل النفي، أي: ما يتبع الذين يدعون الشركاء يقيناً؛ إن يتبعون إلا الظن، أو تكون "إن" تأكيداً لها، و"إلا الظن" إبطال لنفي "ما". يقول الحق جل جلاله: {ألا إن لله مَن في السماوات ومن في والأرض} من الملائكة والثقلين ملكاً وعبيداً، فلا يصلح أحد منهم للألوهية، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات لا تصلح للربوبية، فأحرى الجامدات التي يدعونها آلهة، {وما يتبعُ الذين يدعُون من دون الله شركاءَ} أي: أيُّ شيء يتبعون، تحقيراً لهم، أو ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء يقيناً، {إن يتبعون إلا الظنَّ} وما سولت لهم أنفسهم، {وإن هم إلا يخرصُون}: يكذبون فيما ينسبون إلى الله، أو يحزرُون ويقدرون أنها شركاء تقديراً باطلاً، بل الواجب أن يعبدوا من عمت قدرته ونعمُه على خلقه، ولذلك قال: {هو الذي جعل لكم الليلَ لتسكنوا فيه} راحة لأبدانكم، {والنهارَ مبصراً} طلباً لمعاشكم، وفيه تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته، ليدُلهم على تفرده باستحقاق العبادة {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تدبر واعتبار. الإشارة: كل من ركن إلى شيء دون الله، محبة أو خوفاً أو طمعاً فيه، فقد أشرك مع الله، ولم يتبع إلا الظن والوهم، وفي الحِكَم: "ما قادك شيءٌ مثلُ الوهم، أنت حرٌ مما أنت آيس، وعبد لما أنت فيه طامع، فكيف يترك العبد سيده الذي بيده ملك السماوات والأرض، ويتعلق بعبد مثله حقير؟. يترك الملك الكبير ويتعلق بالعبد الصغير". هو الذي جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عن التعلق بالغير، ونهار البسط لتبصروا في انتشاركم الحقائق العرفانية والأسرار الربانية، إن كنتم تسمعون به ومنه، فتنزهونه عما لا يليق به، كما قال تعالى: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}.

الطوسي

تفسير : قد بينا مضى أن أصل {ألا} (لا) وانما دخلت عليها حرف الاستفهام تنبيهاً. والفرق بين {ألا} و (أما) أن {ألا} للاستقبال ولا تقع بعدها {إن} الا مكسورة. و (اما) تكون بمعنى حقاً كقولهم اما انه منطلق، لأنها للحال ويجوز بعد (اما) كسر {إن} وفتحها. لما سلى الله النبي صلى الله عليه وآله فقال {لا يحزنك} قول هؤلاء الكفار فـ {إن العزة لله} يعني القدرة والقهر فانهم لا يفوتونه، بين بعد ذلك ما يدل عليه وينبه على صحته وهو أن له تعالى {من في السماوات ومن في الأرض} يعني العقلاء. واذا كان له ملك العقلاء فما عداهم تابع لهم، ووجب ان يكون ملكاً له وانما خص العقلاء تعظيماً للامر. وقوله {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} تحتمل (ما) في قوله {وما يتبع} وجهين: احدهما - ان تكون بمعنى (اي) كأنه قال واي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، تقبيحاً لفعلهم. الثاني - ان تكون نافية، وتقديره وما يتبعون شركاء في الحقيقة والمعرفة. وقوله {إن يتبعون إلا الظن} معناه ليس يتبعون في اتخاذهم مع الله شركاء الا الظن لتقليدهم اسلافهم في ذلك او لشبهة دخلت عليهم بأنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى وبين بعد ذلك انهم ليسوا الا كاذبين بهذا القول والاعتقاد - في قوله {إن هم إلا يخرصون}. وفائدة الاية الابانة عن انه يجب اخلاص العبادة لمن يملك السموات والارض وان لا يشرك معه في العبادة غيره.

الجنابذي

تفسير : {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} تأكيد لعزّته ولذا لم يأت بالعاطف واكّده وتمهيد بمنزلة التّعليل لقوله {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ} تأكيد للاوّل على ان يكون ما نافية وقوله {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} استثناء من ما يتّبع او قوله ان يتّبعون مستأنف والاستثناء منه وما فى ما يتّبع استفهاميّة او موصولة معطوفة على من فى السّماوات او نافية والمفعول محذوف اى ما يتّبعون حجّة وبرهاناً {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون او يقولون بالظّنّ وعليه فالاوّل لبيان انّ فعلهم عن الظّنّ والثّانى لبيان انّ قولهم عن الظّنّ وقد مضى انّ ادراك النّفس للاشياء يسمّى ظنّاً سواء كان شهوداً او يقيناً او ظنّاً لكون معلومها مغاير لادراكها كالظّنّ، فانّه مغاير للمظنون على انّها لكونها سفليّة ادراكها للاشياء يكون على غير وجهها وعلى غير ما هى عليه، فادراكها لها امّا مخالف لما هو واقعها عند النّفوس فهو خرص وكذب او موافق لما هو واقعها عندها لكن لا على وجهها وعلى ما هى عليه فهو ظنّ لانّ شأنه ان لا يكون ادراكاً محاطاً للمدرك على ما هو عليه.

اطفيش

تفسير : {ألاَ إنَّ لله مَنْ فى السماوات ومن فى الأرْض} من الملائكة والإنس والجن، مملوكين ومربوبون له، ليس فيهم رب، فكيف تكون الجمادات أربابا شركاء لله، فلا شريك له على الحقيقة كما قال. {وما} نافية {يتَّبعُ الذِينَ يدْعُون مِنْ دُون اللهِ} الذين فاعل، ومفعول يدعون محذوف، أى آلهة من دون الله فى زعمهم {شُركاءَ} مفعول يتبع، أى لم يتبعوا شركاء حقيقة، وإن سموهم شركاء، ويجوز أن يكون شركاء مفعول يدعون، ومفعول يتبع محذوف، أى ما يتبعون يقينا، وإنما يتبعون ظنهم أنهم شركاء، ويدل لذلك قوله: {إنْ يتَّبعُون إلاَّ الظَّنَّ} ظنوهم شركاء فعبدوهم، وظنوها تشفع لهم، ويجوز كون ما استفهامية مفعولا ليتبع استفهام إنكار وتوبيخ، وشركاء مفعول يدعون، وكونها موصولة على من الأولى أو الثانية، والرابط محذوف، وتقديره وما يتبعه، وشركاء مفعول يدعون، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: تدعون بالفوقية على استفهامية مفعول يتبع، والذين واقع على آلهتهم، وواو تدعون للمشركين، والرابط محذوف مفعول به أول، وشركاء مفعول ثانٍ، على أن تدعون بمعنى تسمون، أو الرابط مفعول، وشركاء حال منه، على أن تدعون بمعنى تعبدون، أو تطلبون. والمعنى أى شئ يتبع آلهتكم الذين تدعونهم شركاء، وهذا إنكار لأن تكون آلهة تابعة بغير الله، إذ هى فى نفسها تابعة لله لا لغيره، موحدة له، فكيف تدعونها شركاء، فهذا إلزام بعد احتجاج بأن له من فى السماوات ومن فى الأرض، والغيبة على هذا فى قوله: {إن يتبعون إلا الظن}. {وإنْ هُم إلاَّ يخْرصُونَ} ملتفت عن الخطاب إليها، لبيان أن المستند الظن، والخرص على الله أى الكذب عليه، أو التقدير والتحرير أنها شركاء تقديرا وتحريرا باطلا، ونبه على كمال قدرته، وعظيم نعمته، والمنفرد هو بهما، ليدل على تفرده فى العبادة بقوله: {أية : هُو الَّذِى جَعَل لكُم اللَّيلَ لتسْكُنوا فيهِ}.

اطفيش

تفسير : {أَلاَ إِنَّ لله مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ} من العقلاءِ الملائكة والإِنس والجن بعبوديتهم له وملكه لهم وخلقه لهم، أَو أَراد بمن العقلاءَ وغيرهم، فإِذا كان العقلاءُ خدماً له وملكاً للأَهلية لهم لأُلوهية فكيف تتأَهل الجمادات لها كما قال {وَمَا يَتَّبِعُ} بالعبادة {الَّذِينَ يَدْعُونَ} يعبدون أَصناماً {مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ} إِنما اتبعوا أَشياءَ غير شريكة لله وتوهموا أَنها شركاءُ له سبحانه، وشركاءَ مفعول به ليتبع ومن دون الله نعت للمفعول به المقدر ليدعون كما رأَيت، أَو شركاءَ مفعول يدعون ومفعول يتبع محذوف أَى يتبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ بالحقيقة ولو سموها شركاءَ لجهلهم ما يتبع يقينا كما يدل له قوله {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} وعليه فمن دون الله حال من شركاءَ وما نافية فى ذلك كله، ويجوز أَن تكون استفهامية مفعول له ليتبع إِنكار للياقة، وشركاءَ مفعول يدعون، ومن دون الله حال من شركاءَ أَو موصولا اسمياً معطوف على من والرابط محذوف أَى يتبعه والذين على كل حال على واقع المشركين ولا حاجة إِلى جعل ما موصولا مبتدأُ خبره محذوف تقديره باطل، والمراد بقوله إِلا الظن ظنهم أَن الأَصنام آلهة تشفع لهم، ويجوز أَن يفسر شركاءَ بالأَصنام والملائِكة وعيسى وعزير والنجوم والقمران والضوءِ والنار والبقر وكل ما عبد من دون الله، فالظن هو ظنهم أَنها آلهة تشفع، ويجوز أَن لا يقدر الظن مفعولا على أَن يكون مما لم يتعلق الغرض فى كلامهم بمفعوله كأَنه قيل إِن يتبعون إِلا خلاف اليقين ولا سيما أَن عمل المصدر المقرون بأَل ضعيف قليل فى غير الظروف بل هذا أَولى بتخريج الآية {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون وأَصله الكذب بتحزير ويجوز إِبقاؤه على هذا الأَصل والخرص أَيضاً التحزير بلا تلفظ كخرص النخل فيكون المعنى يقدرون فى أَنفسهم أَنها آلهة ولو تلفظوا بعد كما يطلق الكذب على الفعل أَيضاً بلا تلفظ، ويقال الخرص مشترك بين الكذب والحزر.

الالوسي

تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي من الملائكة والثقلين كما يدل عليه التعبير ـ بمن ـ الشائع في العقلاء، والتغليب غير مناسب هنا، ووجه تخصيصهم بالذكر الإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيداً لله مملوكين له سبحانه فما عداهم من الموجودات أولى بذلك، والجملة مع ما فيها من التأكيد لما سبق من اختصاص العزة به جل شأنه الموجب لسلوته عليه الصلاة والسلام وعدم مبالاته بمقالات المشركين تمهيد لما لحق من قوله سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} ودليل على بطلان ظنونهم وأعمالهم المبنية عليها والاقتصار على أحد الأمرين قصور فلا تكن من القاصرين، و {مَا} نافية و {شُرَكَآءَ} مفعول {يَتَّبِعُ} ومفعول {يَدْعُونَ} محذوف لظهوره، أي ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء في / الحقيقة وإن سموها شركاء لجهلهم فالمراد سلب الصفة في الحقيقة ونفس الأمر فما ذكره أبو البقاء من عدم جواز هذا الوجه من الإعراب لأنه يدل على نفي اتباعهم الشركاء مع أنهم اتبعوهم ناشىء من الغفلة عما ذكرنا، وجوز أن يكون {شُرَكَآءَ} المذكور مفعول {يَدْعُونَ} ويكون مفعول {يَتَّبِعُ} محذوفاً لانفهامه من قوله سبحانه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعون يقيناً وإنما يتبعون ظنهم الباطل أو ظنهم أنها شركاء بتقدير معمول الظن أو تنزيله منزلة اللازم، وقدر بعضهم مفعول {يَتَّبِعُونَ} شركاء ميلاً إلى إعمال الثاني في التنازع، وتعقب بأنه لا يصح أن يكون من ذلك الباب لأن مفعول الفعل الأول مقيد دون الثاني فلا يتحد المعمول والاتحاد شرط في ذلك، وكون التقييد عارضاً بعد الإعمال بقرينة عاملة فلا ينافي ما شرط في الباب بالباب كما لا يخفى، وجوز أيضاً أن تكون {مَا} استفهامية منصوبة ـ بيتبع ـ و {شُرَكَآءَ} مفعول {يَدْعُونَ} أي أي شيء يتبع المشركون أي ما يتبعونه ليس بشيء، وأن تكون موصولة معطوفة على {مِنْ} أي وله تعالى ما يتبعه المشركون خلقاً وملكاً فكيف يكون شريكاً له سبحانه، وتخصيص ذلك بالذكر مع دخوله فيما سبق عبارة أو دلالة للمبالغة في بيان بطلان الاتباع وفساد ما بنوه عليه من الظن الذي هو من الفساد بمكان، وجوز على احتمال الموصولية أن تكون مبتدأ خبره محذوف أي باطل ونحوه أو الخبر قوله سبحانه: {إِن يَتَّبِعُونَ} والعائد محذوف أي في عبادته أو اتباعه. وقرأ السلمي {تدعون} بالتاء الخطابية، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه وهي قراءة متجهة خلافاً لزاعم خلافه فإن {مَا} فيها استفهامية للتبكيت والتوبيخ والعائد على {ٱلَّذِينَ} محذوف و {شُرَكَاء} حال منه، والمراد من {ٱلَّذِينَ} الملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام فكأنه قيل: أي شيء يتبع الذين تدعونهم حال كونهم شركاء في زعمكم من الملائكة والنبيين تقريراً لكونهم متبعين لله تعالى مطيعين له وتوبيخاً لهم على عدم اقتدائهم بهم في ذلك كقوله سبحانه: {أية : أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }تفسير : [الإسراء: 57] وحاصله أن الذين تعبدونهم يعبدون الله تعالى ولا يعبدون غيره فما لكم لا تقتدون بهم ولا تتبعونهم في ذلك ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقيل: إن يتبع هؤلاء إلا الظن ولا يتبعون ما يتبعه الملائكة والنبيون عليهم السلام من الحق {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يحزرون ويقدرون أنهم شركاء تقديراً باطلاً أو يكذبون فيما ينسبونه إليه سبحانه وتعالى على أن الخرص إما بمعنى الحزر والتخمين كما هو الأصل الشائع فيه وإما بمعنى الكذب فإنه جاء استعماله في ذلك لغلبته في مثله.

ابن عاشور

تفسير : المقصود بتوجيه هذا الكلام هم المشركون لتأييسهم من كل احتمال لانتصارهم على النَّبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمسلمين، فإن كثيراً منهم حين يفهم ما في الآيات الخمس السَّابقة من قوله: {أية : وما تكون في شأن}تفسير : [يونس: 61] إلى هنا من التصريح بهوان، شأنهم عند الله وعند رسوله ومن التعريض باقتراب حلول الغلبة عليهم يخامرهم بعض الشك في صدق الرسول وأنّ ما توعَّدهم به حق، ثمّ يغالطون أنفسهم ويسلون قلوبهم بأنَّه إن تحقَّق ذلك سيجدون من آلهتهم وساطة في دفع الضر عنهم ويقولون في أنفسهم: لمثل هذا عبدناهم، وللشَّفاعة عند الله أعددناهم، فسيق هذا الكلام لقطع رجائهم منهم بالاستدلال على أنَّهم دون ما يظن بهم. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ومناسبة وقوعها عقب جملة {أية : ولا يحزنك قولهم}تفسير : [يونس: 65] أن أقوالهم دحضت بمضمون هذه الجملة. وأما وقوعها عقب جملة {أية : إن العزة لله جميعاً}تفسير : [يونس: 65] فلأنها حجَّة على أنّ العزّة لله لأنّ الذي له من في السماوات ومن في الأرض تكون له العزّة الحق. وافتتاح الجملة بحرف التنبيه مقصود منه إظهار أهميَّة العلم بمضمونها وتحقيقه ولذلك عقب بحرف التأكيد، وزيد ذلك تأكيداً بتقديم الخبر في قوله: {لله من في السماوات ومن في الأرض} وباجتلاب لام الملك. و{مَنْ} الموصولة شأنها أن تطلق على العقلاء وجيء بها هنا مع أن المقصد الأوّل إثبات أنّ آلهتهم ملك لله تعالى، وهي جمادات غير عاقلة، تغليباً ولاعتقادهم تلك الآلهة عقلاء وهذا من مجاراة الخصم في المناظرة لإلزامه بنهوض الحجَّة عليه حتَّى على لازم اعتقاده. والحكم بكون الموجودات العاقلة في السماوات والأرض ملكاً لله تعالى يفيد بالأحرى أن تلك الحجارة ملك الله لأن من يملك الأقوى أقدر على أن يملك الأضعف فإن من العرب من عَبَد الملائكة، ومنهم من عبدوا المسيح، وهم نصارى العرب. وذكر السماوات والأرض لاستيعاب أمكنة الموجودات فكأنه قيل: ألا إنّ لله جميع الموجودات. وجملة: {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} الخ معطوفة على جملة: {لله من في السماوات ومن في الأرض}. وهي كالنتيجة للجملة الأولى إذ المعنى أن جميع الموجودات ملك لله، واتّباع المشركين أصنامهم اتباع خاطىء باطل. و(ما) نافية لا محالة، بقرينة تأكيدها بـ(إنْ) النَّافية، وإيراد الاستثناء بعدهما. و{شركاء} مفعول {يدْعون} الذي هو صلة {الذين}. وجملة: {إن يتبعون} تَوكيدٌ لَفظي لجملة {ما يتبع الذين يدعون} وأعيد مضمونها قضاء لحق الفصاحة حيث حصل من البعد بين المستثنى والمستثنى منه بسبب الصلة الطويلة ما يشبه التعقيد اللفظي وذلك لا يليق بأفصح كلام مع إفادة تلك الإعادة مفاد التأكيد لأن المقام يقتضي الإمعان في إثبات الغرض. و{الظن} مفعول لِكلا فعلي (يتَّبعُ، ويتْبعون) فإنهما كفعل واحد. وليس هذا من التنازع لأن فعل التوكيد اللفظي لا يطلب عملاً لأن المقصود منه تكرير اللفظ دون العمل فالتقدير: وما يتبع المشركون إلا الظنّ وإن هم إلا يخرصون. والظنُّ: هنا اسم منزل منزلة اللازم لم يقصد تعليقه بمظنون معين، أي شأنهم اتباع الظنون. والمراد بالظن هنا العلم المخطىء. وقد بينت الجملة التي بعدها أنّ ظنهم لا دليل عليه بقوله: {وإن هم إلا يخرصون}. والخرْص: القول بالحزر والتخمين. وتقدّم نظير هذه الآية في سورة الأنعام (116) وهو قوله: {أية : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلاّ الظنّ وإن هم إلا يخرصون}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 66- لتعلموا - أيها الناس - أن لله - وحده - كل مَن فى السموات والأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، وإن الذين أشركوا بالله لا يتبعون شركاء لله في الحقيقة وهم لا يتبعون إلا أوهاماً باطلة لا حقيقة لها، وليسوا إلا واهمين يظنون القوة فيما لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. 67- إن الذى يملك مَن فى السموات والأرض، هو الذى خلق لكم الليل لتستريحوا فيه من عناء السعى فى النهار، وخلق لكم النهار مضيئاً لتسعوا فيه وتجلبوا مصالحكم. إن فى خلق الليل والنهار لدلائل بينة لمن يسمعون ويتدبرون. 68- وإذا كان عبدة الأوثان قد أشركوا فى العبادة حجارة، ولم ينزهوا الله حق التنزيه، وقالوا: إن لله ولداً. فالله منزه عن ذلك. إنه غنى عن أن يتخذ ولداً، لأن الولد مظهر الحاجة إلى البقاء، والله باق خالد، وكل ما فى السموات وما فى الأرض مخلوق ومملوك له، وليس عندكم - أيها المفترون - حُجة ولا دليل على ما زعمتم، فلا تختلقوا على الله أمراً لا أساس له من الحقيقة. 69- قل لهم - أيها الرسول -: إن الذين يختلقون على الله الكذب ويزعمون أن له ولداً، لن يفلحوا أبداً. 70- لهم متاع فى الدنيا يغترون به، وهو قليل، طال أو قصر، بجوار ما يستقبلهم. ثم إلينا مرجعهم، فنحاسبهم ونذيقهم العذاب المؤلم بسبب كفرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَات} (66) -يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّ مَنْ فِيهِمَا عَبيدٌ لَهُ، وَهُوَ مَالِكٌ كُلَّ شَيءٍ، وَلاَ مَالِكَ لِشَيءٍ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلهاً مَعْبُوداً مَا يَعْبُدُهُ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأَوْثَانِ وَالأَصْنَامِ؟ وَهؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، وَيَدْعُونَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِمْ بِالقَرَابِينِ، لاَ يَتَّبِعُونَ شُرَكَاءَ للهِ، لأَنَّهُ تَعَالَى لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَهُمْ لاَ يَتَّبِعُونَ فِي الحَقِيقَةِ فِيمَا يَقُولُونَهُ إَِلا الظَّنَّ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ هؤُلاءِ أَوْلِيَاءُ اللهِ، وَشُفَعَاءُ عِنْدَهُ، وَوُسَطَاءُ لَدَيْهِ، وَهُمْ فِي اتِّبَاعِ الظَّنِّ لَيْسُوا إلا مُتَخَرِّصِينَ يَقُولُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. التَّخَرُّصُ - التَّقْدِيرُ لِلشَّيءِ الذِي لاَ يَجْرِي عَلَى قِيَاسٍ، كَتَقْدِيرِ مَا عَلَى الشَّجَرَةِ مِنْ ثِمَارٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالحق سبحانه - إذن - لن يَخرج كائنٌ مَنْ كان عن ملكه. وساعة تجد الحق سبحانه يبيِّن الشيء وضده، فهو يأتي بالقانون والإطار {أية : للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [البقرة: 284]. ومثال ذلك: حين تبع قوم فرعون موسى - عليه السلام - وقومه، قال أصحاب موسى: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [ الشعراء: 61]. قالوا ذلك؛ لأنهم رأوا البحر أمامهم، فشاء الحق سبحانه أن يبيِّن لهم أن البحر لن يعوق مشيئته سبحانه، ولم ينفلت البحر من قوة الله تعالى؛ لأن لله ما في السماوات وما في الأرض، والبحر منها؛ لذلك انفلق البحر، فكان فِرْقٍ كالطود العظيم. فلا شيء يخرج عن مُلكه سبحانه تعالى؛ ولذلك يأتي الحق سبحانه بالنقيض، فبعد أن جعل الحق سبحانه لهم مسلكاً في البحر، وكل فرْق كالطود العظيم، ويظل البحر مفلوقاً فيدخل قوم فرعون فيه. والحق سبحانه يقول لموسى عليه السلام: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24]. فيأمر الحق سبحانه البحر أن يعود كما كان؛ فيغرق قوم فرعون بعد أن أنجى الله - سبحانه وتعالى - موسى - عليه السلام - ومن معه، فأهلك وأنجى بالشيء الواحد؛ لأنه سبحانه له ما في السماوات وما في الأرض، وليبيِّن الحق سبحانه لنا أنه لا شيء في كون الله تعالى يقوم مقام عزته سبحانه أبداً. وهناك مثال آخر: حين يقول نوح - عليه السلام - لابنه: {أية : يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا ..}تفسير : [هود: 42]. فيردّ الابن قائلاً: {أية : سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ..}تفسير : [هود: 43]. وهذا كلام صحيح من ناحية أن الجبل يعلو مستواه عن مستوى المياه، ولكن ابن نوح نسي أن لله تعالى جندياً آخر هو الموج؛ فكان من المغرَقين. صحيح أن ابن نوح فطن إلى أن السفينة سوف تستوي على "الجودي"، وأن من يركبها لن يغرق، وكذلك من يأوي إلى الجبل العالي، لكنه لم يفطن إلى الموج الذي حال بينه وبين الجبل؛ فكان من المغرقين. إذن: فكل كائن هو مؤتمر بأمر من الله تعالى، وما دامت العزة لله جميعاً فمصداقها أن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض، وليس هناك كائن في الوجود يتأبَّى على أن يكون جندياً من جنود الحق سبحانه، فيكون جندياً للإهلاك، وجندياً للنجاة في نفس الوقت. وقول الحق سبحانه هنا: (ألا) نعلم منه أن (ألا) أداة تنبيه للسامع فلا يؤخذ على غرَّة ولا تفوته حكمة من حكم الكلام، وينتبه إلى أن هناك خطاباً عليه أن يجمع عقله كله ليحسن استقبال ما في هذا الخطاب. ويقول الحق سبحانه: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [يونس: 66]. ولقائل أن يقول: هناك كثير من الكائنات غير العاقلة، وقوله هنا {مَن} مقصود به الكائنات العاقلة؟ ولنا أن نتساءل للرَّدِّ على هذا القائل: وهل هناك أي شيء في الوجود لا يفهم عن الله؟ طبعاً لا، والله سبحانه وتعالى هو القائل عن الأرض: {أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 4-5]. إذن: فكل الكائنات في عُرف الاستقبال عن الله سبحانه سواء بـ"مَنْ" أو بـ"ما"، وكل من في الوجود يفهم عن الله. ونلحظ أن الحق سبحانه يأتي مرة بالقول: {أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ..}تفسير : [آل عمران: 83]. ومرة يقول الحق سبحانه: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [يونس: 66]. كما جاء في هذه الآية التي نحن بصددها الآن. شاء الحق سبحانه ذلك، لأن هناك جنساً في الوجود يوجد في السماء ويوجد في الأرض، وهم الملائكة المُدَبِّرَات أمْراً، هؤلاء هم المقصودون بأن لله ما في السماوات والأرض. ولله سبحانه وتعالى أيضاً جنس في السماوات لا يوجد في الأرض وهم الملائكة المهيمون العالين، وليس لهم وجود على الأرض، كما أن لله تعالى جنوداً في الأرض ليس لهم وجود في السماء، فإن لاحظنا الملائكة المدبرات أمراً، نجد أن قول الحق سبحانه: {أية : للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [البقرة: 284]. مناسب لها. وإن لاحظنا أن لله ملائكة مهيمين في السماء، وجنوداً في الأرض لا علاقة لهم بالسماء يكون مناسباً لذلك قول الحق سبحانه: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [يونس: 66]. وما دام كل شيء في الكون مملوكاً لله تعالى فلا شيء يخرج عن مراده سبحانه، فلا يوجد مثلاً غار يدخله كائن فراراً من الله؛ لأنه سبحانه قادر على أن يسد الغار، وإن شاء الله سبحانه أن يساعد من دخل الغار فهو تعالى يعمي بصر من يرقب الغار. إذن: فلن يجير شيء على الله تعالى، وستظل له صفة العزة لا يخدشها خادش من وجود الله في الكون. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ..} [يونس: 66]. ومعنى اتباعهم شركاء كأن هناك شركاء، رغم أن الأصل والحقيقة ألاَّ شركاء له سبحانه. إذن: فهم يتبعون غير شيء؛ والدليل على ذلك موجود في طي القضية، فهم يبعدونهم من دون الله تعالى، ومعنى العبادة أن يطاع أمر وينهى نهي، وما يعبدونه من أشياء لا أوامر لها ولا نواهي؛ فليس هناك منهج جاءوا به. إذن: فلا ألوهية لهم. إذن: فالأصل ألا شركاء لله تعالى، ولو كان له شركاء لأنزلوا منهجاً ولأوجدوا أوامر، وكان لهم نواهٍ؛ لأن الذي يقول: "اعبدني" إنما يحدد طريقة وأسلوب العبادة. وهاتوا واحداً من الذين تتبعونهم وتدعون لهم يكون له منهج، ولن يستطعيوا ذلك، ولاحق سبحانه هو القائل: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 42]. أي: أننا لو افترضنا أن هناك آلهة ولها مظهر قوة كالشمس التي تضيء والقمر الذي ينير، والمطر الذي ينزل من السماء، والملائكة التي تدبِّر الأمر، لو صدَّقنا أن كل هؤلاء آلهة، فهم سيبحثون عن الإله الواحد الأحد؛ ليأخذوا منه القوة التي ظننتم أنها لهم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [المؤمنون: 91]. إذ لو كان هذا الأمر صحيحاً لكانت هناك ولايات إلهية. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ..}تفسير : [الإسراء: 57]. وهم قالوا إنهم يعبدون الملائكة، وعليهم أن يعلموا أن الملائكة نفسها تعبد الله سبحانه وتعالى، وما دام لا يوجد شركاء لله لتتبعوهم؛ إذن: فأنتم تتبعون الظن. لذلك جاء قول الحق سبحانه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66]. ونحن نجد الذين أولعوا بأن يُوجِدوا في القرآن ظاهر تعارض ليشكِّكوا فيه، قالوا: إن هذه الآية مثال على ذلك؛ فيقولون: في بداية الآية يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ..} [يونس: 66]. فينفي أن المشركين يتبعون شركاء لله، ثم يأتي في آخر الآية فيقول إنهم يتَّبعون الظن والخرص، ففي أولها ينفي الاتباع، وفي آخرها يثبته. وهذا جهل ممن قال بهذا وادعى أن هناك تناقضاً في الآية، فالله سبحانه ينفي أن يكون ما يدعوه هؤلاء المشركون شركاء لله في ملكه، فللَّه من في السماوات ومن في الأرض، ولكنه يثبت أنهم يتَّبعون الظن والخرص والتخمين. ونقول: ما هو الظن؟ وما هو الخرص؟ إن الظن حكم بالراجح كما أوضحنا من قبل في النسب من أن هناك نسبة إنْ لم تكن موجودة فهي مشكوك فيها، أو نسبة راجحة، أو أن نسبة يتساوى فيها الشك مع الإثبات، فإنْ كان الشك مساوياً للإثبات فهذا هو الشك. وإن رجحت، فهذا هو الظن. أما المرجوح فنسميه وهماً. الظن - إذن - حكم بالراجح. والخَرْص: هو التخمين، والقول بلا قاعدة أو دليل. والحق سبحانه يقول هنا: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66]. والقرآن حين يوجه خطاباً فهو يأتي بالخطاب المستوعب لكل ممكن، وهو سبحانه حكم عليهم هنا أنهم يتَّبعون الظن والخرص. ونحن نعلم أن الكافرين قسمان: قسم يُعْلم حقيقة الشيء، ولكنه يغيّر الحقيقة إلى إفك وإلى خَرْص، وقسم آخر لا يعرف حقيقة الشيء، بل يستمع إلى من يعتقد أنه يعرف. إذن: فهناك مُتَّبِع - بكسر الباء - وهناك مُتَّبَع - بفتح الباء - المُتَّبَع - بفتح الباء - يعلم أن ما يقوله هو كلام ملتوٍ، يشوّه الحقيقة ويزينها، أما المتّبع - بكسر الباء - فيظن أنه يتبع أناساً عاقلين أمناء فأخذ كلامهم بتصديق. إذن: فالمتبع (بكسر الباء) يكون الظن من ناحيته، أما المتبع (بفتح الباء) فيكون الخَرْص والكذب والافتراء من ناحيته؛ ولذلك يقول لنا الحق سبحانه: {أية : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}تفسير : [البقرة: 78]. هؤلاء - إذن - يصدِّقون ما يقال لهم؛ لأنهم أميُّون، والكلام الذي يقال لهم راجح، وهم لو فكروا بعقولهم لما انتهوا إلى أنه كلام راجح. أما الآخرون فيقول فيهم الحق سبحانه: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..}تفسير : [البقرة: 79]. وهؤلاء هم الذين يأتي منهم الخَرْص والإفك وقول الزور والبهتان. إذن: فالكفار إن كانوا من الأميين فهم من أهل الظن، وينطبق عليهم قول الحق سبحانه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ..} [يونس: 66]. وإن كانوا من القادة والرؤساء فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى: أن له ما في السماوات والأرض، خلقًا وملكًا وعبيدًا، يتصرف فيهم بما شاء من أحكامه، فالجميع مماليك لله، مسخرون، مدبرون، لا يستحقون شيئًا من العبادة، وليسوا شركاء لله بوجه الوجوه، ولهذا قال: { وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } الذي لا يغني من الحق شيئًا { وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } في ذلك، خرص كذب وإفك وبهتان. فإن كانوا صادقين في أنها شركاء لله، فليظهروا من أوصافها ما تستحق به مثقال ذرة من العبادة، فلن يستطيعوا، فهل منهم أحد يخلق شيئًا أو يرزق، أو يملك شيئًا من المخلوقات، أو يدبر الليل والنهار، الذي جعله الله قياما للناس؟. و { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } في النوم والراحة بسبب الظلمة، التي تغشى وجه الأرض، فلو استمر الضياء، لما قروا، ولما سكنوا. { وَ } جعل الله { النَّهَارَ مُبْصِرًا } أي: مضيئًا، يبصر به الخلق، فيتصرفون في معايشهم، ومصالح دينهم ودنياهم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } عن الله، سمع فهم، وقبول، واسترشاد، لا سمع تعنت وعناد، فإن في ذلك لآيات، لقوم يسمعون، يستدلون بها على أنه وحده المعبود وأنه الإله الحق، وأن إلهية ما سواه باطلة، وأنه الرءوف الرحيم العليم الحكيم.