١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: { أية : إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [يونس:65] احتج عليه بهذه الآية، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب. فإن قيل: إن قوله: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه، وقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل. قلنا: إن قوله تعالى: {لّتَسْكُنُواْ } لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة. أما قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} بيّن أن الواجب عبادةُ من يقدِر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر على شيء. «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي مع أزواجكم وأولادكم ليزول التعب والكَلال بكم. والسكون: الهدوء عن الاضطراب. قوله تعالى: {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي مضيئاً لِتهتدوا به في حوائجكم. والمبصِر: الذي يبصر، والنهار يُبْصَر فيه. وقال: «مُبْصِراً» تجوّزاً وتوسعاً على عادة العرب في قولهم: «ليل قائم، ونهار صائم». وقال جرير:شعر : لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلان في السُّرَى ونمتِ وما ليلُ المَطِيّ بنائم تفسير : وقال قُطْرُب: يقال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي علامات ودلالات. {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي سماع اعتبار.
البيضاوي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تنبيه على كمال قدرته وعظم نعمته المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة، وإنما قال {مُبْصِـراً} ولم يقل لتبصروا فيه تفرقة بين الظرف المجرد والظرف الذي هو سبب. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر واعتبار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } إسناد الإِبصار إليه مجاز لأنه يبصر فيه {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لأَيٰتٍ } دلالات على وحدانيته تعالى {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر واتعاظ.
ابن عطية
تفسير : لما نص عظمة الله تعالى في الآية المتقدمة عقب ذلك في هذه بالتنبيه على أفعاله لتبين العظمة المحكوم بها قبل، وقوله {لتسكنوا} دال على أن النهار للحركة والتصرف، وكذلك هو في الوجود، وذلك أن حركة الليل متعذرة بفقد الضوء، وقوله {والنهار مبصراً} مجاز لأن النهار لا يبصر ولكنه ظرف للإبصار، وهذا موجود في كلام العرب إذ المقصود من ذلك مفهوم، فمن ذلك قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : وليس هذا من باب النسب كعيشة راضية ونحوها. وإنما ذلك مثل قول الشاعر: [الكامل] شعر : أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في بيت منحوت من الساج تفسير : فجعل الليل والنهار بهاتين الحالتين وليس يريد إلا أنه هو فيهما كذلك، وهذا البيت لمسجون كان يبيت في خشبة السجن، وعلى أن هذا البيت قد ينشد "أما النهار" بالنصب، وفي هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع لأن العبرة هي في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه، فذكر طرف من هذا والطرف الآخر من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين، وهذا كما في قوله تعالى: {أية : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع} تفسير : [البقرة: 171]. وقوله {يسمعون} يريد ويعون، والضمير في {قالوا} للكفار العرب وذلك قول طائفة منهم: الملائكة بنات الله، والآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول كالنصارى ومن يمكن أن يعتقد ذلك من الكفرة، و {سبحانه}: مصدر معناه تنزيهاً له وبراءة من ذلك، فسره بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {هو الغني} صفة على الإطلاق أي لا يفتقر إلى شيء من الجهات، و "الولد" جزء مما هو غني عنه، والحق هو قول الله تعالى {أية : أنتم الفقراء إلى الله} تفسير : [فاطر: 15]، وقوله {ما في السماوات}، أي بالملك والإحاطة والخلق، و {إن} نافية، و "السلطان" الحجة، وكذلك معناه حيث تكرر من القرآن، ثم وقفهم موبخاً بقوله {أتقولون على الله ما لا تعلمون}، وقوله {قل إن الذين يفترون على الله} الآية، هذا توعد لهم بأنهم لا يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ هذه حال من يصير إلى العذاب وإن نعم في دنياه يسيراً، وقوله: {متاع} مرفوع على خبر ابتداء، أي ذلك متاع أو هو متاع أو على الابتداء بتقدير: لهم متاع، وقوله {ثم إلينا مرجعهم} إلى آخر الآية توعد بحق.
النسفي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } أي جعل لكم الليل مظلماً لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } مضيئاً لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع مذكر معتبر {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه له عن اتخاذ الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء {هُوَ ٱلْغَنِيُّ } علة لنفي الولد لأنه إنما يطلب الولد ضعيف ليتقوى به، أو فقير ليستعين به، أو ذليل ليتشرف به، والكل أمارة الحاجة فمن كان غنياً غير محتاج كان الولد عنه منفياً، ولأن الولد بعض الوالد فيستدعي أن يكون مركباً، وكل مركب ممكن، وكل ممكن يحتاج إلى الغير فكان حادثاً فاستحال القديم أن يكون له ولد {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً ولا تجتمع النبوة معه {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } ما عندكم من حجة بهذا القول، والباء حقها أن تتعلق بقوله {إن عندكم} على أن يجعل القول مكانا لـ {سلطان} كقولك «ما عندكم بأرضكم موز» كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان، ولما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين فقال: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بإضافة الولد إليه {لاَ يُفْلِحُونَ } لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ...} الآية: في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع؛ لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفاً من هذا وطرفاً من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين. وقوله: {يَسْمَعُونَ } يريد: يوعون، والضمير في {قَالُواْ } لكفَّارِ العرب، ثم الآية بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول؛ كالنَّصَارَى، و{سُبْحَـٰنَهُ } معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك»؛ فسَّره بهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ...} الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإِنْ نُعِّمَ في دنياه يسيراً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والنهار مبصراً} قال: منيراً. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {إن عندكم من سلطان بهذا} يقول ما عندكم من سلطان بهذا.
ابو السعود
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تنبـيهٌ على تفرّده تعالى بالقدرة الكاملةِ والنعمةِ الشاملة ليدلّهم على توحّده سبحانه باستحقاق العبادة، وتقريرٌ لما سلف من كون جميعِ الموجوداتِ الممكنةِ تحت قدرتِه وملكته المفصِحِ عن اختصاص العزةِ به سبحانه، والجعلُ إن كان بمعنى الإبداعِ والخلق فمبصِراً حالٌ وإلا (فلكم) مفعولُه الثاني، أو هو حالٌ كما في الوجه الأولِ والمفعولُ الثاني لتسكنوا فيه، أو هو محذوفٌ يدل عليه المفعولُ الثاني من الجملة الثانيةِ كما أن العلةَ الغائيّةَ منها محذوفةٌ اعتماداً على ما في الأولى، والتقديرُ هو الذي جعل لكم الليلَ مظلماً لتسكُنوا فيه والنهارَ مبصِراً لتتحركوا فيه لمصالحكم كما سيجيء نظيره في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس: 107] الآية، فحُذف في كل واحد من الجانبـين ما ذكر في الآخر اكتفاءً بالمذكور عن المتروك، وإسنادُ الإبصار إلى النهار مجازيٌّ كالذي في: نهارُه صائمٌ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في جعل كلَ منهما كما وُصف أو فيهما، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه وعلوِّ رتبته {لأَيَاتٍ} عجيبةً كثيرةً أو آياتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكر {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي هذه الآياتِ المتلوةَ ونظائرَها المنبّهةَ على تلك الآيات التكوينيةِ الآمرةِ بالتأمل فيها سماعَ تدبرٍ واعتبار فيعملون بمقتضاها، وتخصيصُ الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها {قَالُواْ} شروعٌ في ذكر ضربٍ آخرَ من أباطيلهم وبـيانُ بطلانه {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} أي تبنّاه {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيهٌ وتقديس له عما نسبوا إليه وتعجيبٌ من كلمتهم الحمقاء {هُوَ ٱلْغَنِىُّ} على الإطلاق عن كل شيءٍ في كل شيء وهو علةٌ لتنزيهه سبحانه وإيذانٌ بأن اتخاذَ الولدِ من أحكام الحاجةِ وقوله عز وجل: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ} أي من العقلاء وغيرِهم، تقريرٌ لغناه وتحقيقٌ لمالكيته تعالى لكل ما سواه وقوله تعالى: {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ} أي حجة {بِهَـٰذَا} أي بما ذكر من قولهم الباطلِ وتوضيحٌ لبطلانه بتحقيق سلامةِ ما أقيم من البرهان الساطِع عن المعارض، فِمنْ في قوله تعالى: {مّن سُلْطَـٰنٍ} زائدةٌ لتأكيد النفي وهو مبتدأٌ والظرفُ المقدم خبرُه أو مرتفعٌ على أنه فاعلٌ للظرف لاعتماده على النفي وبهذا متعلقٌ إما بسلطان لأنه بمعنى الحجةِ والبرهانِ وإما بمحذوف وقعَ صفةً له وإما بما في (عندكم) من معنى الاستقرارِ، كأنه قيل: إن عندكم في هذا القول من سلطان، والالتفاتُ إلى الخطاب لمزيد المبالغةِ في الإلزام والإفحام وتأكيدِ ما في قوله تعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من التوبـيخ والتقريعِ على جهلهم واختلاقِهم، وفيه تنبـيه على أن كل مقالةٍ لا دليلَ عليها فهي جهالةٌ وأن العقائدَ لا بد لها من برهان قطعي وأن التقليدَ بمعزل من الاعتداد به.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} [الآية: 67]. قال جعل سكون الليل إلى الخلوة والمناجاة، والنهار مبصرًا ليبصروا فيه عجائب القدرة والاعتبار بالكون. قوله {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 91]. قال بعضهم: من يسلم سرى من قلبى، وقلبى من نفسى، ونفسى من لسانى، ولسانى من الكذب والغيبة والبهتان. وقال بعضهم: المسلم المنقاد لأوامر الحق عليه طوعًا قوله: {وَيُحِقُّ}.
القشيري
تفسير : الليلُ لأهل الغفلة بُعْدٌ وغيبة، ولأهل الندم توبة وأوبة، وللمحبين زُلفَةٌ وقربة؛ فالليل بصورته غير مُؤْنِسٍ، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل: شعر : وكم لظلام الليل عندي من يَدٍ تُخَبِّر أن المانوية تكذب
البقلي
تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} جعل سكون العشاق والمشتاقين والمحبين فى الليل للمناجاة معه وينل الوصال منه وخفض جناح القهر تحت اقدام الهمة الجامعة ينظر عين الجمع اليها ما اطيب انس العارفين فى الليالى حين مطروا من عيونهم الباكية من شوق الله الدرر اللآلى وانشد شعر : اقضى بنارى بالحديث وبالمنى ويجمعنى بالليل والهم جامع تفسير : وجعل النهار سربان انوار القدرة تطلع من جيتها كل لحظة الشمس الصفات وانوار الذات فصار مرات نظر العارفين وتجلى الحق فيها لهم الا ترى الى قوله الله نور السموات والارض قال بعضهم جعل سكون الليل الى الخلوة والمناجاة والنهار مبصرا ليبصروا فيه عجائب القدرة والاعتبار بالكون.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو الذى جعل لكم الليل} مظلما {لتسكنوا فيه} وتستريحوا من تعب الطلب {والنهار مبصرا} لتتحركوا فيه لتحصيل اسباب معاشكم فحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه وحذف لتتحركوا لدلالة لتسكنوا عليه. واسناد الابصار الى النهار مجازى والمراد يبصر فيه كقوله نهاره صائم وليله قائم اى صام فى نهارهو قام فى ليله. وفيه اشارة الى ان الله تعالى جعل بعض الاوقات للاستراحة من نصب المجاهدات وتعب الطاعات لنزول ملالة النفوس وكلالة القلوب ويستجد الشوق الى جانب المطلوب ومن ثمة جعل اهل التدريس يوم التعطيل ليحصل النشاط الجديد للتحصيل كما قال ابن خيام شعر : زمانى بحث ودرس وقيل وقالى كه انسانرا بود كسب كمالى زمانى شعر وشطرنج وحكايات كه خاطررا شود دفع ملالى تفسير : ففى الانتقال من اسلوب الى اسلوب تجديد كتقلب اهل الكهف من اليمين الى اليسار من عهد يعيده: قال الحافظ شعر : از قال وقيل مدرسه حال دلم كرفت ايك جند نيز خدمت معشوق ومى كنم تفسير : {ان فى ذلك} اى جعل كل منهما كما وصفت {لآيات} عجيبة كثيرة {لقوم يسمعون} اى سماع تدبر واعتبار لمواعظ القرآن وتخصيص الآيات بهم مع انها منصوبة لمصلحة الكل لما انهم المنتفعون بها
الطوسي
تفسير : بين الله تعالى في هذه الآية ان الذي يملك من في السموات ومن في الارض {هو الذي جعل الليل} اي خلقه {لتسكنوا فيه} اي خلقه وعرّضه لتسكنوا فيه وانه لاجل ذلك خلقه ليزول التعب والكلال بالسكون فيه وجعل {النهار مبصراً} وانما يبصر فيه تشبيهاً ومجازاً واستعارة في صفة الشيء بسببه على وجه المبالغة ومثله قول جرير: شعر : لقد لمتنا يا أم عيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : وقال رؤبة: شعر : ونام ليلي وتجلى همي تفسير : والفرق بين الجعل والفعل ان جعل الشيء قد يكون باحداث غيره كجعل الطين خزفاً ولا يكون فعله إلا باحداثه. والفرق بين الجعل والتغيير أن تغيير الشيء لا يكون الا بتصييره على خلاف ما كان، وجعله يكون بتصييره على مثل ما كان كجعل الانسان نفسه ساكتاً على استدامة الحال. وقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} اخبار منه تعالى وتنبيه على ان هذا جعل لا يقدر عليه الا الله تعالى، وانه لا يصح الا من عالم قاصد، وانه نعمة على الخلق بما لهم في ذلك من النفع والصلاح، وانه من الامور اللازمة الدائرة، وانه منصوب للفكر لا يغيب عنه طرفة عين.
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} لانتفاعكم {ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ} عن متاعب النّهار وكدّ طلب المعاش {فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} لتطلبوا اسباب معيشتكم وحقّ العبارة ان يقول والنّهار لتطلبوا فيه معايشكم بذكر ما هو غاية له مطابقاً لذلك غاية اللّيل، لكنّه اكتفى عن ذكر الغاية بذكر سببها افادة لها مع سببها وغيّر الاسلوب اشعاراً بسببيّة النّهار للابصار، لانّه اسنده الى النّهار بطريق المجاز العقلىّ فأفاد الغاية وسببها وسبب سببها باوجز لفظ وهو مبصراً، وتقديم اللّيل مع كون النّهار اشرف من وجوه عديدة لكونه عدميّاً مقدّماً بالطّبع على الوجودىّ الحادث ولكونه بحسب التّأويل مقدّماً بالزّمان وبالطّبع فى سلسلة الصّعود الّتى هى من مراتب وجود الانسان، ولانّ المقام مقام تعداد النّعم والاهتمام باللّيل فى عدّة من النّعم اكثر لانّهم يعدّونه زوال النّعمة وبعد ما أسلفنا لك لا يعضل عليك تعميم اللّيل والنّهار {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} عظيمة حيث انّ مواليد عالم الطّبع موقوفة عليهما وعلى اختلافهما بالزّيادة والنّقيصة والبرودة والحرارة والظّلمة والاستنارة ففى خلقهما للمتدبّر آيات كثير دالّة على كمال قدرة الصّانع وعلمه وحكمته وفضله ورحمته {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ينقادون فانّه يكفى فى ادراك آياتهما الانقياد للنّبىّ (ص) او الامام (ع) وان لم يحصل بعد للمنقاد قلب او عقل، واستعمال السّماع والاستماع فى الانقياد كثير.
اطفيش
تفسير : {هُو الَّذِى جَعَل لكُم اللِّيلَ لتسْكُنوا فيهِ} أى خلقه لكم، فجعل متعد لواحد، أو جعله مظلما فهو متعد لاثنين، والظلمة جامعة للبصر، فلا تتعب العين، فيكون النوم، فيستريحون فى الليل من تعب النهار، ولا يمكن فيه التصرف. {والنَّهارَ مُبصراً} أى جعل النهار مبصرا، حال من النهار بمعنى خلق النهار مبصرا مفعول ثان، على أن الجعل على بابه، وإسناد الإبصار إلى النهار مجاز، لوقوع الإبصار فيه، أو لأنه سبب للإبصار، أو مبالغة كأنه فى نفسه مبصرا، وبمعنى ذا إبصار، أو هو من أبصر المتعدى، أى مبصر إياكم، أى جاعلا لكم باصرين، قال القاضى: ولم يقل لتبصروا فيه للفرق بين المجرور والظرف، الذى هو سبب وهو الليل، ونقول: ذكر من الليل السكون، وحذف الإظلام، ومن النهار الإبصار، وترك ذكر التصرف فيه، فحذف من كل ما ذكرها فى الآخر مقابلة، وذلك السكون مسبب عن الإظلام، فدل عليه، والإبصار سبب التصرف فدل عليه. {إنَّ فى ذَلكَ لآياتٍ} دلائل على وجود الله ووحدانيته، وتفرده بالربوبية والعبادة {لقومٍ يسْمعُون} سماع تفهم، وخصهم لأنهم المنتفعون بالآيات، وأراد بالآيات ما دلهم وأوصلهم، وهذا مختص بهم.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى جَعَلَ} خلق {لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} عن الحركة فتبقى قواكم ويرجع ما ذهب منها بالحركة لأَن الإِنسان مغرى بالعاجل فقد لا يبقى على نفسه ما دام يجد عملا فيبطل جسده ويجوز كون جعل بمعنى صير، أَى جعل لكم الليل سكناً لتسكنوا فيه وهو أَنسب بقوله {وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} بمفعولين فيكون مفعولان قبله ثانيهما سكناً كما رأَيت، أَى وقت سكون أَو وقتاً يمال إِليه وعلى معنى خلق يكون مبصراً حالا إِلى النهار وإِسناد الإِبصار إِلى النهار مجاز عقلى ووجهه أَنه زمان البصر، ويجوز أَن تكون الآية من باب شبه الاحتباك وهو أَن يحذف من كل الموضعين مقابل ما ثبت فى الآخر، والمعنى جعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتتحركوا فى مكاسبكم كما قال لتبتغوا فيه ثم إِن المناسب لقوله لتسكنوا فيه أَن يقال لتبصروا فيه بإِسناد النهار إِلى الإِبصار بمعنى تصييره غيره بصيراً أَو بمعنى ينظر وكلاهما مجاز عقلى، وعلة ذلك التفرقة بالنص على معنى ظرفية ما هو مجرد، فقال فيه، وعلى معنى ظرفية ما ليس ظرفيته مجردة بل بتوسط السبب وهو الضياءُ، ولا شك ولا خفاءَ أَن الرؤية بخلق الله، ولم يذكر مقابل الإِبصار لأَن الضياءَ نعمة بذاته مقصودة، ولا كذلك الظلمة {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الجعل أَو ما ذكر من الليل والنهار أَو ذلك كله {لآيَاتٍ} دلائِل للوحدة أَو آيات أُخر متلوة فى ذلك الشأْن غير ما ذكر {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يتدبرون ويعتبرون فيفهمون أن خالق هذه الأَشياءِ كلها مختص بالوحدانية والألوهية كالدليل لقوله: {إِن يتبعون إِلا الظن...}، فإِن ما قبل هذه الآية يدل على الوحدانية بأَن أَشرف معبوديهم هو عبد له تعالى فلا يصلح للربوبية فضلا عن غيره، وهذه بأَن له قدرة كاملة على تغييب الليل والنهار ولا يصلح للربوبية من لا يقدر على ذلك ولا على أَدنى شىءٍ ولو كانت تصح عبادة غير الله تعالى لكانت الأَصنام المنحوتة أَحق بأَن تعبد ناحتها لو عقلت لأَنه نحتها، والمراد يسمعون الآيات المتلوة ونظائِرها المنبهة على الآيات التكوينية، ويدل على إِرادة غير الأَصنام معها فيما تقدم قوله تعالى.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تنبيه على تفرده تعالى بالقدرة الكاملة والنعمة الشاملة ليدلهم على توحده سبحانه باستحقاق العبادة فتعريف الطرفين للقصر وهو قصر تعيين، وفي ذلك أيضاً تقرير لما سلف من كون جميع الموجودات الممكنة تحت قدرته وملكته المفصح عن اختصاص العزة به سبحانه. والجعل إن كان بمعنى الإبداع والخلق ـ فمبصراً ـ حال وإن كان بمعنى التصيير ـ فلكم ـ المفعول الثاني أو حال كما فيي الوجه الأول فالمفعول الثاني {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أو هو محذوف يدل عليه المفعول الثاني من الجملة الثانية كما أن العلة الغائية منها محذوفة اعتماداً على ما في الأولى، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه والنهار مبصراً لتتحركوا فيه لمصالحكم فحذف من كل ما ذكر في الآخر اكتفاءً بالمذكور عن المتروك؛ وفيه على هذا صنعة الاحتباك والآية شائعة في التمثيل بها لذلك وهو الظاهر فيها وإن كان أمراً غير ضروري، ومن هنا ذهب جمع إلى أنه لا احتباك فيها، والعدول عن لتبصروا فيه الذي يقتضيه ما قبل إلى ما في النظم الجليل / للتفرقة بين الظرف المجرور والظرف الذي هو سبب يتوقف عليه في الجملة وإسناد الإبصار إلى النهار مجازي كالذي في قول جرير: شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السُّرَى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : وقولهم: ـ نهاره صائم ـ وغير ذلك مما لا يحصى كثرة وإلى هذا ذهب ابن عطية وجماعة، وقيل: إن {مُبْصِـراً} للنسب كلابن وتامر أي ذا إبصار. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في الجعل المذكور أو في الليل والنهار، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه وعلو رتبته {لآيَـٰتٍ} أي حججاً ودلالات على توحيد الله تعالى كثيرة أو آيات أخر غير ما ذكر {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي الحجج مطلقاً سماع تدبر واعتبار أو يسمعون هذه الآيات المتلوة ونظائرها المنبهة على تلك الآيات التكوينية الآمرة بالتأمل فيها ذلك السماع فيعملون بمقتضاها، وتخصيص هؤلاء بالذكر مع أن الآيات منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين جملة: {أية : إن يتبعون إلا الظنّ}تفسير : [يونس: 66] وجملة: {أية : قالوا اتخذ الله ولداً}تفسير : [يونس: 68] جاءت مجيء الاستدلال على فساد ظنهم وخَرْصهم بشواهد خلق الليل والنهار المشاهَدِ في كل يوم من العمر مرّتين وهم في غفلة عن دلالته، وهو خلق نظام النهار والليل. وكيف كان النهار وقتاً ينتشر فيه النور فيناسب المشاهدة لاحتياج الناس في حركات أعمالهم إلى إحساس البصر الذي به تتبين ذوات الأشياء وأحوالها لتناول، الصالح منها في العمل ونبذ غير الصالح للعمل. وكيف كان الليل وقتاً تغشاه الظلمة فكان مناسباً للسكون لاحتياج الناس فيه إلى الراحة من تعب الأعمال التي كدحوا لها في النهار. فاكانت الظلمة باعثة الناس على الراحة ومحددة لهم إبانها بحيث يستوي في ذلك الفَطِن والغافل. ولما قابل السكون في جانب الليل بالإبصار في جانب النهار، والليل والنهار ضدّان دلّ ذلك على أنّ علة السكون عدم الإبصار، وأنّ الإبصار يقتضي الحركة فكان في الكلام احتباك. ووصف النهار بمبصر مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتَّى جعل النَّهار هو المبصر. والمراد: مبصِراً فيه الناسُ. ومن لطائف المناسبة أنّ النّور الذي هو كيفية زمن النَّهار، شيء وجودي، فكان زمانه حقيقاً بأن يوصف بأوصاف العقلاء، بخلاف الليل فإن ظلمته عدمية فاقتصر في العبرة به على ذكر الفائدة الحاصلة فيه وهي أن يسكنوا فيه. وفي قوله: {هو الذي جعل لكم الليل} طريق من طرق القصر وهو تعريف المسند والمسند إليه. وهو هنا قصر حقيقي وليس إضافياً كما توهَّمه بعض الكاتبين إذ جعله قصر تعيين، وهم معترفون به لا يستطيعون دفع هذا الاستدلال، فالمقصود الاستدلال على انفراده تعالى بخصائص الإلهية التي منها الخلق والتقدير، وأن آلهتهم انتفت عنها خصائص الإلهية، وقد حصل مع الاستدلال امتنان على الناس بجعل الليل والنهار على هذا النظام. وهذا الامتنان مستفاد من قوله: {جعل لكم} ومن تعليل خلق الليل بعلة سكون الناس فيه، وخلق النهار بعلة إبصار الناس، وكل الناس يعلمون ما في سكون الليل من نعمة وما في إبصارهم بالنهار من نعمة كذلك، فإن في العمل بالنهار نعماً جمّة من تحصيل رغبات، ومشاهدة محبوبات، وتحصيل أموال وأقوات، وأن في السكون باللّيل نعماً جمّة من استجمام القوى المنهوكة والإخلاد إلى محادثة الأهل والأولاد، على أن في اختلاف الأحوال، ما يدفع عن المرء الملال. وفي إدماج الاستدلال بالامتنان تعريض بأن الذين جعلوا لله شركاء جمعوا وصمتين هما: وصمة مخالفة الحق، ووصمة كفران النعمة. وجملة: {إن في ذلك لآيات} مستأنفة. والآيات: الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى بالإلهية، فإن النظام الذي نشأ عنه الليل والنهار مشتمل على دقائق كثيرة من العلم والحكمة والقدرة وإتقان الصنع. فمن تلك الآيات: خلق الشمس، وخلق الأرض، وخلق النور في الشمس، وخلق الظلمة في الأرض، ووصول شعاع الشمس إلى الأرض، ودوران الأرض كل يوم بحيث يكون نصف كرتها مواجهاً للشعاع ونصفها الآخر محجوباً عن الشعاع، وخلق الإنسان؛ وجَعْلِ نظام مزاجه العصبي متأثراً بالشعاع نشاطاً، وبالظلمة فُتُوراً، وخلق حاسة البصر، وجعلها مقترنة بتأثر الضوء؛ وجعل نظام العمل مرتبطاً بحاسة البصر؛ وخلق نظام المزاج الإنساني مشتملاً على قوى قابلة للقوة والضعف ثم مدفوعاً إلى استعمال قواه بقصد وبغير قصد بسبب نشاطه العصبي، ثم فاقداً بالعمل نصيباً من قواه محتاجاً إلى الاعتياض بقوى تخلفها بالسكون والفتور الذي يلجئه إلى تطلب الراحة. وأيَّة آيات أعظم من هذه، وأية منة على الإنسان أعظم من إيداع الله فيه دواعي تسوقه إلى صلاحه وصلاح نوعه بداع من نفسه. ووصف {قوم} بأنهم {يسمعون} إشارة إلى أن تلك الآيات والدلائل تنهض دلالتها للعقول بالتأمل فيها، وأن توجه التفكير إلى دلائلها غير محتاج إلا إلى التنبيه عليها ولفته إليها، فلما كان سماع تذكير الله بها هو الأصل الأصيل في استخراج دلالتها وتفريع مدلولاتها على تفاوت الأذهان في الفِطنة وترتيب الأدلة جعل آيات دلالتها حاصلة للذين يسمعون. ويجوز أن يكون المراد يسمعون تفاصيل تلك الدلائل في تضاعيف سور القرآن، وعلى كلا الاحتمالين فالوصف بالسمْع تعريض بأن الذين لم يهتدوا بها ولا تفطنوا لدلالتها بمنزلة الصم، كقوله تعالى: {أية : أفأنت تسمع الصم أو تهدي العميْ}تفسير : [الزخرف:40]
الواحدي
تفسير : {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً} مُضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم {إنًّ في ذلك لآيات لقومٍ يسمعون} سَمعَ اعتبار. {قالوا اتَّخذ الله ولداً} يعني: قولهم: الملائكة بنات الله {سبحانه} تنزيهاً له عمَّا قالوه {هو الغنيُّ} أن يكون له زوجةٌ أو ولدٌ {إنْ عندكم من سلطانٍ بهذا} ما عندكم من حجَّةٍ بهذا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} {لآيَاتٍ} (67) - وَاللهُ هُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَسْكُنَ فِيهِ النَّاسُ، وَيَسْتَرِيحُوا فِيهِ مِنْ نَصَبِهِمْ وَتَعَبِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ النَّهَارَ مُضِيئاً (مُبْصِراً) يَسْتَطِيعُونَ الإِبْصَارَ فِيهِ لِيَسْعَوْا فِي تَأْمِينِ رِزْقِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، وَقَضَاءِ مَصَالِحِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ الاخْتِلاَفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبَيْنَ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِمَا، لآياتٌ وَبَرَاهِينُ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، لِقَومٍ يَسْمَعُونَ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِن التَّذكِيرِ بِحِكْمَتِهِ، فَيعتبِرُونَ بِهَا، وَيَسْتدِلُّونَ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وشاء الحق سبحانه بعد أن بيَّن الإيمان والمؤمنين، وما يمكن أن يدَّعيه الكافرون في نبيِّ الرسالة، وبعد أن بيَّن المنهج، ها هو سبحانه يأتي بالكلام عن آياته سبحانه في الكون تأييداً للمطلوب بالموجود. فالمطلوب أن نؤمن برسول يبلِّغ منهجاً عن الله؛ ليكون هذا المنهج نافعاً لنا، وإنْ أراد أحد دليلاً على ذلك فلينظر إلى الآيات التي وجدت للإنسان من قبل أن يُكلِّف، أهي في مصلحته أم غير مصلحته؟ وما دامت الآيات الموجودة في الكون - والمسخَّرة للإنسان - تفيد الإنسان في حياته، فلماذا لا يشكر من أعطاه كل تلك النعم، وقد أعطى الحق - سبحانه وتعالى - الإنسان من قبل التكليف الكثير من النعم، وفور أن يصل إلى البلوغ يصير مكلَّفاً. إذن: فالله سبحانه لم يكلِّف أحداً إلا بعد أن غمره بالنعم النافعة له باعتقاد من العبد وصدق من الواقع. فإذا ما جاء لك التكليف، فَقِسْ ما طُلِب منك على ما وُجِد لك، فإذا كنت تعتقد أن الآيات الكونية التي سبقت التكليف نافعة لك قبل أن يطلب منك "افعل كذا" و"لا تفعل كذا"؛ فَخُذْ منها صدقاً واقعاً يؤيد صدق ما طُلِب منك تكليفاً، فكما نفعك في الأولى، فالحق سبحانه سينفعك باتباعك التكليف، واستقبلْ حركة الحياة على ضوء هذا التكليف؛ لتسعد. ونحن نعلم أن الأصل في الإنسان أن يرتاح أولاً ليتحرك، ثم يتعب، ثم يرتاح؛ ولذلك نجد التكاليف قد جاءت على نفس المنوال، فقد أراحك الحق سبحانه إلى سن البلوغ وأخذت نعم الله تعالى وتمتعت بها إلى سن البلوغ، ارتحت اختياراً، وارتحت في مراداتك، ثم تجيء "افعل" و"لا تفعل" لتلتزم بما يُصْلِح لك كل أحوالك. وإذا كان التكليف سيأخذ منك بعضاً من الجهد، فهناك فاصل زمني للراحة، وأنت في حياتك تجد وقتاً للراحة، ووقتاً للحركة، والراحة تجعلك تسعى بنشاط إلى الحركة، والحركة تأخذ منك الجهد الذي تحب أن ترتاح بعده. إذن: فالحركة تحتاج للراحة، والراحة تحتاج للحركة. وجاء الحق سبحانه إلى الفترة الزمنية المسماة "اليوم"، فبيَّن لنا أنه كما قسَّم الوجود الإنساني إلى مرحلتين: الأولى: هي ما قبل البلوغ ولا تكليف فيها. والثانية: هي ما بعد البلوغ وفيها التكليف. فقد قسَّم الله سبحانه أيضاً "اليوم" إلى وقت للراحة ووقت للحركة، فقال تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ..} [يونس: 67]. فكما خلق الحق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة، ووقت للحركة، كذلك شرع الحق سبحانه منهج الدين؛ لتستقيم حركة الحياة؛ لأن الإنسان - الخليفة في الأرض - لا بد أن يتحرك، ولا بد أن تكون حركته على مقتضى "افعل كذا" و"لا تفعل كذا"، وما لم يَرِدْ فيه "افعل" و"لا تفعل" فهو مباح؛ إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله. وكل فعل، وكل نهي يتطلب حركة، وإياك أن تتصور أن النهي لا يتطلب حركة؛ لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف، وقد تتوهم أن التوقف لا يحتاج إلى حركة؛ لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل، ولكنك تنسى أن هناك حركة داخلية، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا يواكب منهج الله، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها؛ لأن الله سبحانه قد أمرك بذلك. وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب؛ لذلك جعل الله تعالى لك حقّاً في الراحة. وكذلك عُمْر الإنسان، لم يكلِّف الله - تعالى - الإنسان إلا بعد البلوغ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه وحساب، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتاً، وإنما منع حسابه على ما "يفعل" أو "لا يفعل"، وترك مسئولية التدريب على التكليف للأب مثلاً، فالأب يقول لابنه: "لا تكذبْ" فإن كذب؛ فالأب يعاقبه، وهكذا يكون الأمر من الوالد، والنهي للولد والأمر والنهي يتطلب ثواباً أو عقاباً. ويبيِّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فيقول: "حديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين ". تفسير : والذي يأمر هنا الابن بالصلاة هو الأب، وهو أيضاً الذي يعاقب على ترك الصلاة، وهو الذي يثيب ابنه إن أراد أن يجعل الصلاة محبوبة للابن، وأن يجعل للابن أنساً بالعبادة. وحين يكلِّف الأب ابنه بالصلاة، فالابن يطيع؛ لأن الأب هو الذي يقضي حاجات الابن، ويحقق له مصالحه، والابن يعلم أن والده لن يكلفه إلا بما يحقق تلك المصالح، وهو يفعل ذلك؛ لأنه يحبه؛ لذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر والنهي من النافع للابن؛ لتوجد حيثية قبول في النفس. وما إن يأت البلوغ فيكون التكليف من الله والأمر من الله، والثواب والعقاب منه سبحانه. إذن: فالأمر والنهي قبل البلوغ يأتيان من الأب؛ ليتعود الإنسان استقبال الأمر والنهي من ربه ورب أبيه. وإذا كانت الحياة والسير فيها على ضوء منهج الله تعالى يقتضي حركة في "افعل" و "لا تفعل" فلا بد أن يحتاج الإنسان إلى راحة من الحركة، لذلك يبيِّن لنا الله سبحانه أنه جعل في "اليوم" ليلاً ونهاراً، ولكلٍّ مهمة، فإياك أن تضع مهمة شيء مكان شيء آخر؛ حتى لا ترتبك الأمور، ولكن الظروف قد تضطرك إلى ذلك، فهناك من يسهر للحراسة، وهناك من يسهر للعمل في المخابز، أو إعداد طعام الإفطار للناس؛ ولذلك فهناك احتياط قدري، فقال الحق سبحانه في آية ثانية: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الروم: 23]. لأن الحق سبحانه قد علم أزلاً أن هناك مصالح لا يمكن إلا أن تكون ليلاً، فالذي يعمل ليلاً يرتاح نهاراً، ولو أن الآية جاءت عمومية؛ لقلنا لمن ينام بالنهار: لا، ليس هذا وقت السكن والراحة. ولكن شاء الحق سبحانه أن يضع الاحتياطيَّ القدريَّ؛ ليرتاح من يتصل عمله بالليل. وهنا يقول الحق سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ..} [يونس: 67]. ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين "الخَلْق"، و"الجَعْل"، و"المِلْك"، والمثال على الخلق: أنه سبحانه خَلَق الزمن، ثم جاء لهذا الزمن ليجعل منه ليلاً ونهاراً. إذن: فالجعل هو توجيه شيء مخلوق لمهمة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - وهو منُزَّه عن أي تشبيه أو مثل: تجد صانع الفخَّار وهو يمسك بالطين؛ ليجعل منه إبريقاً، فهو يصنع الطين أولاً بأن يخلط الماء بالتراب ويعجنهما معاً، ثم يجعل من الطين إبريقاً أو أصُصَ زرع أو زهرية ورد، وهو بذلك إنما يحوِّل مخلوقاً إلى شيء له مهمة. والزمن كله لله سبحانه، جعل منه قسم الليل، وقسم النهار، مثلما خلق الإنسان، ووجَّه جزءاً منه؛ ليجعله سمعاً، وجزءاً آخر؛ ليجعله بصراً، وجزءاً آخر؛ ليصير مخاً، وجزءاً آخر؛ ليكون رئة، كل ذلك مأخوذ مما خلقه الحق سبحانه. أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلاً؛ لتؤدي مهمة للمخلوق. وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد من يغزل من القطن خيوطاً، وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشاً، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش؛ ليجعل منه جلباباً أو بنطلوناً أو قميصاً أو لحافاً. إذن: فالجعل هو أخذ من شيء مخلوق لمهمة. والخلق قد يترتب عليه مِلْك، والجعل أيضاً قد يترتب عليه مِلْك؛ فمن عمل قِدْراً من الطين هو مالكه، ومن جعل من الطين إبريقاً إنما يملكه. وهكذا نجد الخَلْق والجَعْل قد يترتب عليهما ملكية ما، لكن الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها؛ لذلك نجد قول الحق سحبانه: {أية : أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ ..}تفسير : [يونس: 31]. والحق سبحانه خلق لنا الأنعام، وذلَّلها لنا، وملَّكها لنا، وإذا قال الحق سبحانه: "مِلْك" فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبداً سواء من الخلق أو الجعل، بل يَظل مملوكاً؛ ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو تحكُّم فيما لا يملكه المخلوق، بل يملكه الخالق سبحانه وتعالى. يذكر الحق سبحانه الليل والنهار فيقول: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ..} [يونس: 67]. وكان مقتضى الكلام أن يقول: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتتحركوا. وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}. فهل النهار هو الذي يُبصر أم نحن؟ هل النهار مُبصِر أم مُبصَر فيه؟ وقديماً لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية التي وصلنا إليها الآن، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى المرئي فتراه، إلى أن جاء "الحسن بن الهيثم" العالم العربي المسلم، وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين، بدليل أن المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس فأنت لا تراه. إذن: فقد سبق القرآن كل النظريات، وبيَّن لنا أن النهار إنما يأتي بالضوء فينعكس الضوء من الكائنات والموجودات إلى العين فتراه. إذن: فالنهار هو المبصر؛ لأنه جاء بالضوء اللازم لانعكاس هذا الضوء من المرائي إلى العيون. ونحن نجد القرآن حين يتعرض لليل والنهار يقول: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ ..}تفسير : [فصلت: 37]. ويقول: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..}تفسير : [الإسراء: 12]. وهي مبصرة كما أثبت الحسن بن الهيثم العالم المسلم، وإن كانت في ظاهر الامر مُبْصَرٌ فيها. ويعطي لنا الحق سبحانه تجربة حية مع موسى عليه السلام، وذلك في قوله سبحانه لموسى - عليه السلام: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 17-20]. وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليتعرف موسى بالتجربة على ما سوف يحدث من عصاه أمام فرعون، ثم أمام السحرة، ثقة منه سبحانه أن موسى حين يراها تنقلب إلى حية أمام عينيه لأول وهلة سوف يفزع؛ فيطمئنه الحق سبحانه بقوله: {أية : .. خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ}تفسير : [طه: 21]. وكانت المرة الأولى لتحوُّلِ العصا إلى حية، هي تجربة للاستعداد؛ حتى لا يجزع موسى - عليه السلام - أو يخاف لحظة أن يمر بالتجربة العملية، وحتى يقبل على تقديم المعجزة وهو واثق تمام الثقة أمام فرعون. ثم قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ..}تفسير : [النمل: 12]. والجيب: هو المكان الذي تنفذ منه الرقبة في الجلباب ويسمى (القبة)، فلا يظن أحد أن الجيب المقصود هنا هو مكان وضع النقود؛ لأن مكان وضع النقود قديماً كان يوجد من داخل الجلباب، مثل جيب (الصديري) الذي يرتديه أهل الريف، وقد سُمِّي الجيب الذي نضع فيه النقود جيباً؛ لأن اليد لا تذهب إلى الجيب إلا إذا دخلت في الفتحة التي تخرج منها الرقبة. وقد قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..}تفسير : [النمل: 12]. ويخبره الحق سبحانه: {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ..}تفسير : [النمل: 12-13]. هكذا كانت الآيات مبصرة وكأنها تقول للعين: أبصريني. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يقول الحق سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ..} [يونس: 67]. ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة الحركة، فقال سبحانه: {مُبْصِراً} لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة. ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح أمام جهاز (التلفزيون) أو (الفيديو) أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن للضوء أثراً على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال: "أطفئوا المصابيح إذا رقدتم"؛ وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات كيماوية في الجسم. لذلك أقول دائماً: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها؛ لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه؛ لأن السهر ضار، وإذا ادَّعى الإنسان أنه هو الذي تحضَّر، فليحترم قيمة العمل الذي يصنع الحضارة؛ لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس يلتزمون بقواعد الحضارة؛ واحترام قيمة العمل في النهار، وقيمة الترفيه في الوقت المخصص. نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفَّرته الثلاجة للزوجة؛ حتى لا تقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت تطهو وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام (التلفزيون) ولا تلتفت إلى تربية الأبناء. وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر. وعلى سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية. وإياك أن تهمل صيانة سيارتك حتى لا يفسد الموتور؛ ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصيانة؛ فيصيب صدور الناس بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء. ويجب ألاَّ نأخذ الحضارة بتلصص، إنما علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها؛ لأن من لا يأخذ الحضارة بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدُّم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضُّراً منه. إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا. ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 1-2]. وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضاً بين غشيان الليل (أي: تغطيته للمرئيات) وتجلِّى النهار (أي: كشف المرئيات) فهذا ليس تعارضاً، بل هو التكامل؛ لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من النهار. ثم يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [الليل: 3]. وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء الحق سبحانه بنوعين: الأول: هو الزمن ليلاً ونهاراً. والثاني: هو الإنسان ذكراً وأنثى. ويقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 4]. أي: أن حركتكم هي الموصِّلة إلى غايتكم، والحركات شتى (أي: مختلفة)، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلى أن تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول. وقد نادينا أن تعمل المرأة نصف الوقت لتعطي البيت بعضاً من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحداً لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد مرارة التجارب. وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك البلاد المتحضِّرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد؛ لأن الليل يجب أن يكون سباتاً لتأتي الحركة المنتجة في النهار. إذن: فالآفة أن تنقل مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ جيداً قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 4]. فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي الآخرين. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يُنهي الحق سبحانه الآية فيقول: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67]. ولقائل أن يقول: لم يقل "إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون". ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبيِّن في هذا الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ..} [يونس: 67]. فالعلَّة في هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته. والحق سبحانه هو القائل: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ}تفسير : [القصص: 71]. أي: أن أحداً لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ولا أحد سيتبيَّن شيئاً. والحق سبحانه هو القائل: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص: 72]. إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب أن تَصْدُرَ عنه الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك بأمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول. وكما تتحرك في النهار، وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة. والله سبحانه يقول: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ..}تفسير : [المؤمنون: 91]. ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ ...}.
الجيلاني
تفسير : كيف تغفلون عن الله أيها الجاهلون، وكيف تشركون معه غيره أيها المحجوبون {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} بكمال قدرته وحكمته لباساً {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} وتستريحوا من المتاعب {وَ} جعل لكم {ٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} لتهتدوا إلى مطالبكم في أمور معاشكم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الجعل والتقدير {لآيَاتٍ} عظام ودلائل جسام على كمال قدرته ومتانة حكمه وحكمته وتوحده في ألوهيته، وتفرده في ربوبيته واستقلاله في التصرف بلا مظاهرة أحد ومشاركة ضد وند {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] سمع تدبر وتدرب واستكشاف تام بعزيمة صادقة صافية عن شوب الغفلة والذهول. ومن كثافة حجبهم وغشاوة قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ما قدروا الله حق قدره؛ لذلك نسبوا إليه ما هو منزه عنه سبحانه؛ حيث {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، كيف يكون له ولد {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} بذاته عن التعدد مطلقاً، ليس لغيره وجود أصلاً، بل {لَهُ} مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ظهر عليها سبحانه حسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا على مقتضى التجلي الحبي اللطفي بلا انصباغ لها بالكون والتحقق بالانعكاس؟ {إِنْ عِندَكُمْ} أي: ما عندكم أيها المجاهلون بمعرفة الله وحق قدره {مِّن سُلْطَانٍ} حجة وبرهان {بِهَـٰذَآ} الادعاء الكاذب والقول الباطل، بل تتكلمون به افتراء ومراء {أَتقُولُونَ} وتفترون أيها المفترون {عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] ولا تدركون لياقته لجنابه. {قُلْ} يا أكمل الرسل نيابة عنا للمكذبين المفترين كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} وينسبون {عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] ولا يفوزون في النشأة الأخرى بمرتبة التوحيد التي هي معراج أهل الكمال، بل يحصل لهم بافترائهم هذا {مَتَاعٌ} أي: تمتع قليل {فِي ٱلدُّنْيَا} من الرئاسة والجاه {ثُمَّ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} في النشأة الأخرى {ثُمَّ} بعد تيقنهم وكشفهم فيها {نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ} بدل ما يتلذذون في النشأة الأولى {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 70] أي: بسبب كفرهم وشركهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الحكمة في إهمال النفوس في بعض الأوقات لاتباع الهوى فقال: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} [يونس: 67] أي: ليل البشرية التي التمتع للنفوس في شهوات الدنيا ولذاتها، {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67] فتستريحوا من نصب المجاهدات، أو تعب الطاعات في بعض الأوقات، ويزول عنكم ملامة النفوس وكلالة القلوب، ويستجد شوقكم وشوق طلبكم فيه، ويجعل بعد ذلك لكم نهار الروحانية مبصراً. {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} [يونس: 67] أي: نهار الروحانية مبصر أي: راضياً وبصيرة بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ويتدارك بها ما فاته بالوقفات في ليل البشرية، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [يونس: 67] الإهمال، {لآيَاتٍ} [يونس: 67] دلالات، {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية. ثم أخبر عن الآفات والشبهات التي تقع في أثناء السلوك عند الظهور نهار الروحانية؛ ليحترز المسالك عنها فقال: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} [يونس: 68] أي: مشركو النفوس، {قَالُواْ} عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية مقترناً بتجلي صفة إبداع الحق وقع الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال حتى نسبت الأوبة والبنوة لنص المقامات بالوالد إذ تحققت الأبوة والبنوة، وهذا الكشف والإملاء هو مبدأ ضلالة اليهود والنصارى في قولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 30]، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. كما قال الله تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} [يونس: 68] عن اتخاذ الولد واحتياجه إلينا، {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت} [يونس: 68] سماوات الروحانية من الأحوال والكشوف والمشاهدات، {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 68] أرض النفوس من الوهم والخيلاء وما ينشئن من الشبهات والآفات. {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} [يونس: 68] أي: ما عند النفوس حجة تصلح لصنع هذه الشبهات، {بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] وحقيقته، {قُلْ} [يونس: 69] يا قلب النفوس، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [يونس: 69] من النفوس الأمارة بالسوء، {لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] لا يظفرون بكشف الحقائق ما داموا على هذه الصفة. {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} [يونس: 70] أي: حاصل أمرهم وقصارى أمنتيهم أن يتمتعوا في الدنيا من ملاذها وشهواتها أياماً قليلاً، {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس: 70] حبراً وقهراً، {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ} [يونس: 70] من ألم البعد عن الحضرة، {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 70] أي: بكفرهم إذا أثبتوا الأبوة والنبوة ووقعوا في عذاب البعد ولكن في الدنيا ما ذاقوا ألم العذاب؛ لأنهم كانوا نياماً، والنائم لا يجد ألم شيء من الجراحات حتى ينتبه "حديث : والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"،تفسير : ثم بعد الموت يذوقون ألم ما بهم من العذاب. ثم أخبر عن عاقبة المنذرين المكذبين بقوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} [يونس: 71] إلى قوله: {أية : ٱلْمُعْتَدِينَ}تفسير : [يونس: 74]، {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} يشير إلى نوح الروح، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [يونس: 71] وهم: القلب والبشر والنفس وصفاتهم، {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} [يونس: 71] أي: عظم عليكم مقامي في الأخلاق الحميدة الروحانية، {وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [يونس: 71] أي: أن أدعوكم بدلالات الله وبراهينه إليه وإلى التخلق بأخلاقي وأخلاق الله. {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71] فيما أدعوكم إليه أن توقفكم؛ لتحصيل ما أدلكم عليه من المقامات الكريمة والدرجات الرفيعة، فإن أبيتم إلا تلك الدركات النفسانية الحيوانية وعاديتموني على الدعوة للنجاة منها، {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} [يونس: 71] لا عليكم وكيدكم وادعوا شركاءكم من الهوى والشيطان والدنيا؛ ليجمعوا مكرهم مع مكركم. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71] أي: بحيث لا يكون من المكر والحيل شيء مخفي ولا على شركائكم، {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ} [يونس: 71] أي: امضوا ما جمعتم من المكر ومعاونة الشركاء إلي، {وَلاَ تُنظِرُونَ} [يونس: 71] أي: ولا تؤخرون في سوء تريدون بي، فإنكم إن سعيتم غاية السعي وبذلتم الجهود لتمكروا لي وتردوا قولي فلا تقدروا على ضري ونفعي إلا بإذن الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):