Verse. 1432 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قَالُوا اتَّخَذَ اللہُ وَلَدًا سُبْحٰنَہٗ۝۰ۭ ھُوَالْغَنِيُّ۝۰ۭ لَہٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ اِنْ عِنْدَكُمْ مِّنْ سُلْطٰنٍؚبِہٰذَا۝۰ۭ اَتَقُوْلُوْنَ عَلَي اللہِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۶۸
Qaloo ittakhatha Allahu waladan subhanahu huwa alghaniyyu lahu ma fee alssamawati wama fee alardi in AAindakum min sultanin bihatha ataqooloona AAala Allahi ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا» أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الله ولدا» قال تعالى لهم «سبحانه» تنزيها له عن الولد «هو الغني» عن كل أحد وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه «له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «إن» ما «عندكم من سلطان» حجة «بهذا» الذي تقولونه «أتقولون على الله ما لا تعلمون» استفهام توبيخ.

68

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول: الملائكة بنات الله، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول: الأوثان أولاد الله، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. واعلم أن كونه تعالى غنياً مالكاً لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه سبحانه غني مطلقاً على ما في هذه الآية، والعقل أيضاً يدل عليه، لأنه لو كان محتاجاً لافتقر إلى صانع آخر، وهو محال وكل من كان غنياً فإنه لا بد أن يكون فرداً منزهاً عن الأجزاء والأبعاض، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالاً ثبت أن كونه تعالى غنياً يمنع ثبوت الولد له. الحجة الثانية: أنه تعالى غني وكل من كان غنياً كان قديماً أزلياً باقياً سرمدياً، وكل من كان كذلك، امتنع عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي، وينقرض، فيكون ولده قائماً مقامه، فثبت أن كونه تعالى غنياً، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد. الحجة الثالثة: أنه تعالى غني وكل من كان غنياً فإنه يمتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد. الحجة الرابعة: أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له ولد، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجاً حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة، فمن كان غنياً مطلقاً امتنع عليه اتخاذ الولد. الحجة الخامسة: ولد الحيوان إنما يكون ولداً له بشرطين: إذا كان مساوياً له في الطبيعة والحقيقة، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه، وهذا في حق الله تعالى محال، لأنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً كان واجب الوجود لذاته، فلو كان لواجب الوجود ولد، لكان ولده مساوياً له. فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضاً واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره، وإذا لم يكن متولداً من غيره لم يكن ولداً، فثبت أن كونه تعالى غنياً من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة. الحجة السادسة: أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له أب وأم، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدساً عن الأولاد. فإن قيل: يشكل هذا بالوالد الأول؟ قلنا: الوالد الأول لا يمتنع كونه ولداً لغيره، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع افتقاره إلى الأبوين، وإلا لما كان غنياً مطلقاً. الحجة السابعة: إنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره. إذا ثبت هذا فنقول: هذا الولد، إما أن يكون قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً فهو واجب الوجود لذاته، إذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولداً لغيره، بل كان موجوداً مستقلاً بنفسه، وأما إن كان هذا الولد حادثاً والحق سبحانه غني مطلقاً فكان قادراً على إحداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر، فكان هذا عبداً مطلقاً، ولم يكن ولداً، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله: {هُوَ ٱلْغَنِىُّ } الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد. أما قوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } فاعلم أنه نظير قوله: { أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ إِلاَّ اتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن، وكل ممكن محتاج، وكل محتاج محدث، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ فقال: {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } منبهاً بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك ألبتة. ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وقد ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول الديانات ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في إبطال هذين الأصلين وقد سبق الكلام فيه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} يعني الكفار. وقد تقدّم. {سُبْحَانَهُ} نَزَّه نفسه عن الصاحبة والأولاد وعن الشركاء والأنداد. {هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ثم أخبر بغناه المطلق، وأن له ما في السموات والأرض ملكاً وخلقاً وعبداً؛ {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93]. {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} أي ما عندكم من حجة بهذا. {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانِس شيئاً ولا يشابه شيئاً.

البيضاوي

تفسير : {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} أي تبناه. {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيه له عن التبني فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء. {هُوَ ٱلْغَنِىُّ} علة لتنزيهه فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تقرير لغناه. {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا} نفي لمعارض ما أقامه من البرهان مبالغة في تجهيلهم وتحقيقاً لبطلان قولهم، و {بِهَـٰذَا} متعلق بـ {سُلْطَـٰنٍ} أو نعت {لَهُ} أو بـ {عِندَكُمْ} كأنه قيل: إن عندكم في هذا من سلطان. {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم. وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على من ادعى أن له {وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي: تقدس عن ذلك، هو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: فكيف يكون له ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟ {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} أي: ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً ِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } تفسير : [مريم:88-90] ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين؛ ممن زعم أن له ولداً بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فأما في الدنيا، فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلاً، {أية : ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24] كما قال تعالى ههنا: {مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا} أي: مدة قريبة {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي: يوم القيامة {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ} أي: الموجع المؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي: بسبب كفرهم وافترائهم، وكذبهم على الله فيما ادعوا من الإفك والزور.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ } أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } قال تعالى لهم {سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له عن الولد {هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن كل أحد وإنما يَطلب الولد من يحتاج إليه {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {إِنْ } ما {عِندَكُمْ مِّن سُلْطَٰنٍ } حجة {بِهَٰذَا } الذي تقولونه {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } استفهام توبيخ.

البقاعي

تفسير : ولما لم يكن شبهة على ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه، ساق قوله: {قالوا اتخذ} أي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد {الله} أي المسمى بهذا الاسم الذي يقتضي تسميته به أن يكون له الكمال كله، فلا يكون محتاجاً إلى شيء بوجه {ولداً} مساق البيان لقوله {إن يتبعون إلاّ الظن} وهذا صالح لأن يكون تعجيباً ممن ادعى في الملائكة أو عزير أو المسيح وغيرهم. ولما عجب منهم في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى من الكمال كما مرّ، نزه نفسه الشريفة عنه فقال: {سبحانه} أي تنزه عن كل شائبة نقص التنزه كله؛ ثم علل تنزهه عنه وبينه بقوله: {هو} أي وحده {الغني} أي عن الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة؛ ثم بين غناه بقوله: {له ما في السماوات} ولما كان سياق الاستدلال يقتضي التأكيد، أعاد "ما" فقال: {وما في الأرض} من صامت وناطق، فهو غني بالملك ذلك عن أن يكون شيء منه ولداً له لأن الولد لا يملك، وعدم ملكه نقص مناف للغنى، ولعله عبر بـ "ما" لأن الغني محط نظره الصامت مع شمولها للناطق. ولما بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر الساطع امتناع أن يكون له ولد، بكتهم بنفي أن يكون لهم بذلك نوع حجة فقال: {إن} أي ما {عندكم} وأغرق في النفي فقال: {من سلطان} أي حجة {بهذا} أي الاتخاذ، وسميت الحجة سلطاناً لاعتلاء يد المتمسك بها؛ ثم زادهم بها تبكيتاً بالإنكار عليهم بقوله: {أتقولون} أي على سبيل التكرير {على الله} أي الملك الأعظم على سبيل الاستعلاء {ما لا تعلمون} لأن ما لا برهان عليه في الأصول فهو جهل، فكيف بما قام الدليل على خلافه؛ والسلطان: البرهان القاهر لأنه يتسلط به على صحة الأمر ويقهر به الخصم، وأصله القاهر للرعية بعقد الولاية. ولما قدم أن قولهم كذب، وبكتهم عليه مواجهة، أتبعه بما يشير إلى أنهم أهل للإعراض في سياق مهدد على الكذب، فقال معرضاً عن خطابهم مؤكداً لأن اجتراءهم على ذلك دال على التكذيب بالمؤاخذة عليه: {قل} أي للذين ادعوا الولد لله وحرموا ما رزقهم من السائبة ونحوها {إن الذين يفترون} أي يتعمدون {على الله} أي الملك الأعلى {الكذب لا يفلحون} ثم بين عدم الفلاح بقوله: {متاع} أي لهم، ونكره إشارة إلى قلته كما قال في الآية الأخرى {متاع قليل} وأكد ذلك بقوله: {في الدنيا} لأنها دار ارتحال، وما كان إلى زوال وتلاش واضمحلال كان قليلاً وإن تباعد مدّه وتطاولت مُدَده وجل مَدَده، وزاد على الحصر عَدده؛ وبين حالهم بعد النقلة بقوله: {ثم} أي بعد ذلك الإملاء لهم وإن طال {إلينا} أي على ما لنا من العظمة لا إلى غيرنا {مرجعهم} بالموت فنذيقهم عذاباً شديداً لكنه دون عذاب الآخرة {ثم نذيقهم} يوم القيامة {العذاب الشديد بما} أي بسبب ما {كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يكفرون} ووجب كسر "إن" بعد القول لأنه حكاية عما يستأنف الإخبار به كما فعل في لام الابتداء لذلك. ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات، ومضت الإشارة إلى أن تسييرهم في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا لإلفهم له قد نسوا ذلك، وتناسجت الآي كما سلف إلى أن بين هذا أن متاع المفترين الكذبَ قليل تخويفاً من شديد السطوة وعظيم الأخذ، عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم كانوا أطول الأمم الظالمة مدة وأكثرهم عدة، ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم وانطمست أعلامهم ومنارهم فصاروا كأنهم لم يكونوا أصلاً ولا أظهروا قولاً ولا فعلاً، فقال تعالى عاطفاً على قوله {قل إن الذين} مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لأن المصيبة إذا عمت خفت، وتخويفاً للكفار ليرجعوا أو يخفوا من أذاهم: {واتل} أي اقرأ قراءة متتابعة مستعلية {عليهم نبأ نوح} أي خبره العظيم مذكراً بأول كون الفلك وأنه كان إذ ذاك آية غريبة خارقة للعادة عجيبة، وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولا أغنى عنهم افتراءهم وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد، بل صار أمرهم إلى زوال، وأخذ عنيف ونكال {أية : كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم}تفسير : [يونس: 45] مع نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم، قد لبث فيهم ما لم يلبثه نبي في قولهم ولا رسول في أمته ألف سنة إلاّ خمسبن عاماً، وما آمن معه إلاّ قليل {إذ قال لقومه} أي بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في الدنيا كثيراً وأملى لهم طويلاً فما زادهم ذلك إلا نفوراً {يا قوم} أي يا من يعز عليّ خلافهم ويشق عليّ ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم على الطاعة {إن كان كبر} أي شق وعظم مشقة صارت جبلة {عليكم} ولما كانت عادة الوعاظ والخطباء أن يكونوا حال الخطبة واقفين، قال: {مقامي} أي قيامي، ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع القيام وزمانه فيكون الإخبار بكراهته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل على كراهة القيام {وتذكيري} أي بكم {بآيات الله} أي الذي له الجلال والإكرام، فإن ذلك لا يصدني عن مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفاً منكم لأن الله أمرني به وأنا أخاف عذابه إن تركت، ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة قصدكم لي بالأذى {فعلى} أي فإني على {الله} أي الذي له العزة كلها وحده {توكلت} فإقامة ذلك المقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على المسبب - الذي هو انتفاء الخوف - مجازاً مرسلاً، إعلاماً لهم بعظمة الله وحقارتهم بسبب أنهم أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها، بما دل عليه التعبير بالتذكير، فدل ذلك على عنادهم بالباطل، والمبطل لا يخشى أمره لأن الباطل لا ثبات له، ودل على ذلك بقوله: {فأجمعوا أمركم} أي في أذاي بالإهلاك وغيره، أعزموا عليه وانووه واجزموا به، والواو بمعنى "مع" في قوله: {وشركآءكم} ليدل على أنه لا يخافهم وإن كانوا شركاءهم أحياء كائنين من كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا فرقة فيها بوجه. ولما كان الذي يتستر بالأمور بما يفوته بعض المقاصد لاشتراط التستر، أخبرهم أنه لا يمانعهم سواء أبدوا أو أخفوا فقال: {ثم لا يكن} أي بعد التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة {أمركم} أي الذي تقصدونه بي {عليكم غمة} أي خفياً يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني لئلا أسعى في معارضتكم، فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به مجاهرة فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السر والعلانية؛ والتعبير بـ {ثم} إشارة إلى التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من حول منه أو قوة {ثم اقضوا} ما تريدون، أي بتوه بتة المقضي إليه واصلاً {إلي}. ولما كان ذلك ظاهراً في الإنجاز وليس صريحاً، صرح به في قوله: {ولا تنظرون*} أي ساعة ما، وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد على الله لأنه لا يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئاً؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم علمكم بأن الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعاً وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون {فما} أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب، ما {سألتكم} أي ساعة من الدهر، وأغرق في النفي فقال: {من أجر} أي على دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم. ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئاً لا لغرض، بين غرضه بقوله مستأنفاً: {إن} أي ما {أجري إلا على الله} أي الذي له صفات الكمال؛ ثم عطف عليه غرضاً آخر وهو اتباع الأمر خوفاً من حصول الضر فقال: {وأمرت} أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره، وبناه للمفعول للعلم بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال {أن أكون} أي كوناً أتخلق به فلا أنفك عنه؛ ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار، عبر بالإسلام الذي هو الأفعال الظاهرة فقال: {من المسلمين*} أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية الإخلاص، لي ما لهم وعليّ ما عليهم، أنا وهم في الإسلام سواء، لا مرية لي فيه أتهم بها، أن أستسلم لكل ما يصيبني في الله، لا يردني ذلك عن إنفاذ أمره، والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة، لا سألهم غرضاً دنيوياً يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا، ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكاً يظن به استعباده إياهم في اتباعه، بل أعلمهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما يصيبه في الله، ولما لم يردهم كلامه هذا عن غيهم، سبب عنه قوله مخبراً بتماديهم: {فكذبوه} أي ولم يزدهم شيء من هذه البراهين الساطعة والدلائل القاطعة إلا إدباراً، وكانوا في آخر المدة على مثل ما كانوا عليه من التكذيب {فنجيناه} أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة الباهرة بسبب امتثاله لأوامرنا وصدق اعتماده علينا {ومن معه} أي من العقلاء وغيرهم {في الفلكِ} كما وعدنا أولياءنا، وجعلنا ذلك آية للعالمين {وجعلناهم} أي على ضعفهم بما لنا من العظمة {خلائف} أي في الأرض بعد من أغرقناهم، فمن فعل في الطاعة فعلهم كان جديراً بأن نجازيه بما جازيناهم {وأغرقنا} أي بما لنا من كمال العزة {الذين كذبوا} أي مستخفين مستهينين {بآياتنا} كما توعدنا يفترون على الله الكذب. ولما كان هذا أمراً باهراً يتعظ به من له بصيرة، سبب عنه أمر أعلى الخلق فهما بنظره إشارة إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال: {فانظر} وأشار إلى أنه أهل لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام، وزاد الأمر عظمة بذكر الكون فقال: {كيف كان} أي كوناً كان كأنه جبلة {عاقبة} أي آخر أمر {المنذرين*} أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل، فلم يكونوا أهلاً للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك، لا ينفع من أردنا شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة؛ والتوكل: تعمد جعل الأمر إلى من يدبره للتقدير في تدبيره؛ والغمة: ضيق الأمر الذي يوجب الحزن؛ والتولي: الذهاب عن الشيء؛ والأجر: النفع المستحق بالعمل؛ والإسلام الاستسلام لأمر الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. الوَلَدُ بعض الوالد، والصمدية تَجِلُّ عن البغضية، فَنَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله {سُبْحَانَهُ}. ثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعبادة. ولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده، فلا قسيمَ له، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَرُّدِه وأنه لا شبيهَ له. قوله: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ}: الغِنَى نَفْيُ الحاجة، وشهوةُ المباشرةِ حاجة، ويتعالى عنها سبحانه. قوله جل ّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}. ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع، ولا نَدَمٌ ينفع.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} اى بنوا مدلج كما فى الكاشفى {اتخذ الله ولدا} اى تبناه. وفى التبيان قالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله وقالت قريش الملائكة بنات الله {سبحانه} تنزيه وتقديس له عما نسبوا اليه من الولد وتعجب لكلمتهم الحمقاء اما انه تنزيه فلان تقديره اسبحه تسبيحا اى انزه تنزيها واما انه تعجب فلانه يقال فى مقام التعجب سبحان الله واستعمال اللفظ فى الاول حقيقى وفى الثانى مجازى. فان قلت لفظ واحد فى معنيين حقيقى ومجازى ممنوع قلت لا يلزم ان يكون استفادة معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هى من المعانى الثوانى كما فى حواشى سعدى حلبى. ورد فى الاذكار لكل اعجوبة سبحان الله ووجه اطلاق هذه الكلمة عند تعجب هو ان الانسان عند مشاهدة الامر العجيب الخارج عن حد امثاله يستبعد وقوعه وتنفعل نفسه منه كأنه استقصر قدرة الله فلذلك خطر على قلبه ان يقول قدر عليه واوجده ثم تدارك انه فى هذا الزعم مخطئ فقال سبحان الله تنزيها لله تعالى عن العجز عن خبق امر عجيب يستبعد وقوعه لتيقنه بانه تعالى على كل شيء قدير كذا فى حواشى ابن الشيخ فى سورة النصر {هو الغنى} عن كل شيء وهو علة لتنزهه سبحانه فان اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة فيتخذه الضعيف ليتقوى به والفقير ليستعين به والذليل ليتعزز به والحقير ليشتهر به وكل ذلك علامة الاحتياج {له ما فى السماوات وما فى الارض} اى من العقلاء وغيرهم وهو تقرير لغناه وتحقيق لمالكيته تعالى لكل ما سواه {ان عندكم من سلطان بهذا} اى ما عندكم حجة وبرهان بهذا القول الباطل الذى صدر منكم فان نافية ومن زائدة لتأكيد النفى وسلطان مبتدأ والظرف المتقدم خبره متعلق بسلطان {اتقولون على الله ما لا تعلمون} توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم. وفيه تنبيه على ان كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وان العقائد لا بد لها من برهان قطعى وان التقليد فيها غير جائز

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (عندكم): متعلق بالاستقرار، و(من سلطان) فاعل به؛ لأن المجرور والظرف إذا نفى يرفع الفاعل بالاستقرار، و(متاع): خبر، أي: ذلك متاع... الخ. يقول الحق جل جلاله: {قالوا} أي: المشركون، ومن تبعهم: {اتخذ الله ولداً} أي: تبنّاه كالملائكة وغيرهم، {سبحانه} أي: تنزيهاً له عما يقول الظالمون، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور منه الولد، {هو الغني} عن كل شيء، مفتقر إليه كلُّ شيء، والولد مسبب عن الحاجة، والحق تعالى {له ما في السماوات وما في والأرض} ملكاً وعبيداً، فلا يفتقر إلى اتخاذ الولد، وهو الغني بالإطلاق، لا يحتاج إلى من يعينه، واجب الوجود لا يفتقر إلى من يخلفة في ملكه. {إن عندكم} أي: ما عندكم {من سلطان} أي: برهان {بهذا}، بل افتريتموه من عندكم، {أتقولون على الله ما لا تعلمون}، وهو توبيخ وتقريع على اختلاقهم وجهلهم، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد فيها من قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ. قاله البيضاوي. قلت: والتحقيق أن إيمان المقلّد صحيح، وأن تقليد الأنبياء والرسل والكتب السماوية صحيح مكتفٍ عن الدليل. ثم هدد أهل الشرك فقال: {قل إن الذين يفترون على الله الكذبَ} باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه، {لا يُفلحون}: لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، إنما ذلك الافتراء {متاع في الدنيا} يقيمون به رئاستهم في الكفر، فيتمتعون به قليلاً، أو لهم تمتع في الدنيا مدة أعمارهم، {ثم إلينا مرجعُهُم} بالموت، فيلقون الشقاء المؤبد، {ثم نُذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}. الإشارة: إظهار الكائنات من الغيب إلى الشهادة كلها على حد سواء في الاختراع والافتقار، ليس بعضها أقرب من بعض، وأما قوله: ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "الخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ وَأَحَبُّ الخَلْقِِِ إلى اللَّهِ أَنفَعُهُم لِعِيَالِهِ". فمعناه أنهم في حفظه وكفالته مفتقرون إليه في إيصال المادة، كافتقار الولد إلى أبيه. وأما قرب العبد من ربه بطاعته فمعناه قرب محبة ورضا، لا قرب مسافة أو نسب؛ إذ أوصاف العبودية غير مجانسة لأوصاف الربوبية، بل هي بعيدة منها مع شدة قربها، ولذلك قال في الحِكَم: "إلهي ما أقربَكَ مِنَّي وما أَبعَدَني عنك..." الخ، وقد تشرق على العبد أنوار الربوبية فتكسوه حتى يغيب عن حسه ورسمه فلا يرى إلا أنوار ربه، فربما تغلبه الأنوار، فيدَّعي الاتحاد أو الحلول، وهو معذور عند أهل الباطن لسكره، وقد رفع التكليف عن السكران، فإذا صحى وبقي على دعواه قُتل شرعاً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بعض قصص الأنبياء عليهم السلام، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ}.

الطوسي

تفسير : الذين أضافوا اتخاذ الولد طائفتان: احداهما - كفار قريش والعرب، فانهم قالوا: الملائكة بنات الله. والاخرى - النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فكذب الله الفريقين. ولا يجوز اتخاذ الولد على الله على وجه التبني، كما لا يجوز عليه اتخاذ إله على التعظيم، لانه لما استحال حقيقته عليه استحال مجازه المبني عليها. وحقيقة الولد من ولد على فراشه او خلق من مائه، ولذلك لا يقال: تبنى الشاب شيخاً، ولا تبنى الانسان بهيمة لماكان ذلك مستحيلا، وهذه الحقيقة مستحيلة فيه تعالى، فاستحال مجازها أيضاً. واتخاذ الخليل جائز، لان الخلة اصفاء المودة التي توجب الاطلاع على سره ثقة به. وان كان مشتقاً من الخلة - بفتح الخاء - فهو لافتقاره اليه، لان الخلة هي الحاجة. ويجوز ان يقال المسيح روح الله، لان الارواح كلها ملك لله. وانما خص المسيح بالذكر تشريفاً له بهذا الذكر كما خص الكعبة بأنها بيت الله، وان كانت الارض كلها لله تعالى. وقوله {سبحانه هو الغني} تنزيه من الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد لكونه غير محتاج إلى ذلك، لانه مالك ما في السموات والارض. وقوله {إن عندكم من سلطان بهذا} إخبار منه أنه ليس مع هؤلاء الذين يتخذون مع الله ولداً برهان ولا حجة، لأن السلطان هو البرهان الظاهر، ووبخهم على قولهم ذلك فقال {أتقولون على الله ما لا تعلمون} لأن من أقدم على الاخبار عما لا يعلم صحته ولا يأمن كونه كذباً مقبح عند العقلاء.

الجنابذي

تفسير : {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} بعد ما ذكر سعة ملكه وانّ الكلّ مملوكون له وانّ اللّيل والنّهار الّذين هما عمدة اسباب دوران العالم وتعيّش ما فيه مجعولان له غير قديمين، كما يقوله الدّهريّة والطّبيعيّة وغير مجعولين لغيره ذكر قولهم النّاشى من غاية حمقهم، من انّ الله اتّخذ لنفسه ولداً تسفيها لرأيه حيث انّ اتّخاذ الولد بنحو التّوالد كما زعموه لا يكون الاّ من المحتاج المحاط بالزّمان والمكان وهو تعالى فوقهما وجاعلهما {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} تعليل لنفى الولد ولانكار قولهم المستفاد من التّسبيح {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تعليل للغنى {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} ما عندكم حجّة مع هذه القول او ملصق بهذا القول بعد ما ردّ قولهم بعدم جواز الولد له سبحانه ردّه بعدم الحجّة لهم اشعاراً بلزوم امرين فى صحّة القول بشيءٍ احدهما امكان ذلك الشّيء فى نفسه والثّانى وجود حجّة للقائل على قوله وبانتفاء كلّ من الامرين يكون ذلك القول كذباً، ولذا وبّخهم على محض قولهم من غير علم وحجّة من دون التّعرّض لعدم جواز هذا القول على الله بقوله {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} قولاً مخالفاً للواقع او قولاً بلا حجّة سواء كان مخالفاً ام موافقاً {لاَ يُفْلِحُونَ} لانّ الافتراء لا يكون الاّ عن حكومة النّفس والشّيطان ومحكومهما من حيث انّه محكومهما لا سبيل للنّجاة له غاية ما يترتّب على محكوميّته وافترائه انّه يتمتّع فى الدّنيا بما زيّنه النّفس والشّيطان له ولذلك قال ذلك الافتراء.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} أى اليهود والنصارى، وطائفة من العرب قائلون: الملائكة بنات الله، وقيل: نزلت الآية فى هذه الطائفة، وتعم غيرها {اتَّخذ اللهُ وَلَداً} اتخاذ الولد ولادته، وقيل: المراد تبنيه وهو أنسب لقوله: {اتخذ}. {سُبْحانهُ} تنزيها وتبرئة له عن الولادة، لأنها من صفات الأجسام، ومستلزمة التخيير، أو عن التنبى، فإنه إنما يصح معنى يتصور له الولد، وذلك متضمن أيضا للتعجب مع ما أفاده من التنزيه والتبرئة. {هُو الغنيُّ} على الإطلاق، لا يحتاج إلى الصاحبة، ولا إلى ولد، ولا إلى تبنيه، فهذا تعليل للتبرئ عن الولد، أو عن تبنيه إذ ذلك للاحتياج، والله منزه عن الاحتياج. {لهُ ما فى السَّماواتِ وما فى الأرْض} فهو مستغن بهم عن الولد، وعن تبنيه، وما للعاقل وغيره، فكل ما فيهن ملك له وعبيد {إنْ} ما {عِنْدكُم مِنْ} صلة للتأكيد {سُلطانٍ} برهان {بهَذا} أى على الذى قلتم، أو فى هذا متعلق بمحذوف نعت لسلطان، أو متعلق به كأنه قيل: احتجاج صحيح على هذا، أو فى هذا بالخير المتعلق به عندى، إن جعل سلطان مبتدأ، وبفعل إن جعل فاعلا، أو بعند بنيابته عن ذلك، فما أجهلهم، وأبطل قولهم يتثبتوا بما لا حجة عليه. {أتقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تعْلَمونَ} توبيخ لهم على اعتقاد ما علم لهم بصحته، بل قامت دلائل بطلانهم، فإن التقليد فى العقائد لا يجوز، بل يجب الإدراك، ولو كانت البداءة فيها بالتقليد، وكل قول لا دليل له جهل كما تخبر بذلك الآية.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا} أَى اليهود والنصارى ومن زعم أَن الملائِكة بنات الله وهم قوم من العرب وطائِفة من النصارى {اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} من زوج تزوجها "أية : أَنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة"تفسير : [الأَنعام: 101] فليس كما زعم من زعم، إِن المراد أَنه اتخذ ابن غيره ابنا له كما يتبنى الإِنسان ابن غيره، وأَيضاً لو كان المراد هذا كما يسمى الولد ابنا لعظيم غير أَبيه تشريفاً له ومحبوباً لديه، وكما سمى إِبراهيم خليلا لم يكن التغليظ الوارد، ولو كان ينهى عنه أَيضاً للإِيهام بحقيقة الولد ولإِيهام الحاجة ولو كان الاتخاذ أَنسب بالتبنى لكن تفسير الآية بتحصيل الولد، وقد يكون ذلك كله واردا عن الكفرة، يقال ولد ويقال لم يلد ولكن اتخذ ولدا، وقد قيل إِن الله يدعى أَبا عيسى بمعنى مشرف عند الله وشاع حتى توهم الناس أَنه أَبوه حقيقة {سُبْحَانَهُ} نزهوا أَيها الناس الله عن الولد، فإِن الولادة من صفات الجسم ومن صفات المحتاج وتعجبوا أيها العقلاءُ المستعملون لعقولهم، والصحيح أَنه لا يلزم أَن يكون فى سبحان معنى التعجب أَو التعجيب بل يجوز استعماله لمجرد التنزيه {هُوَ الْغَنِىُّ} عما سواه وإِنما يتخذ الولد من يحتاج إِليه فكيف يتخذه {لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} وكل ما سواه فكيف يحتاج وكيف لا يكون غنياً بل ما خلق سواه للحاجة بل للدلالة، ولو كان للحاجة لم يزل محتاجاً إِلى غير ما وجد، فما زال يخلق للحاجة تعالى عن ذلك، والبنون تنافى الملك {إِنْ} ما {عِنْدَكمْ مِنْ سُلْطَانٍ} فاعل عند أَو فاعل لثابت مغن عن الخبر أَو مبتدأٌ لعند والسلطان الحجة{بِهَذَا} أَى على هذا متعلق بسلطان أَو نعت أَو حال من ضمير الاستقرار أَو بمعنى فى متعلق بعند أَو بالاستقرار أَو بسلطان، وزعم بعض أَنه متعلق بسلطان وأَن الباءَ على ظاهرها لأَن سلطان يتضمن معنى الاحتجاج والاستدلال وليس كذلك، فإِن قولهم بالولد ليس استدلالا بل يحتاج لدليل ولا دليل له، بل الدليل ناف له والإِشارة إِلى قولهم {أَتَقُولُون عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ما لا يثبت من اتخاذ الولد فضلا عن أَن تعلموه، وذلك توبيخ وكل ما لا دليل عليه لا يثبت وهو جهل والاعتقاد لا بد فيه من قاطع.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} شروع في ذكر ضرب آخر من أباطيل المشركين وبيان بطلانه، والمراد بهؤلاء المشركين على ما قيل: كفار قريش والعرب فإنهم قالوا: الملائكة بنات الله تعالى، واليهود والنصارى القائلون: عزير وعيسى عليهما السلام ابناه عز وجل والاتخاذ صريح في التبني، وظاهر الآية يدل على أن ذلك قول كل المشركين وإذا ثبت أن منهم من يقول بالولادة والتوليد حقيقة كان ما هنا قول البعض ولينظر هل يجري فيه احتمال إسناد ما للبعض للكل لتحقق شرطه أم لا يجري لفقد ذلك والولد يستعمل مفرداً وجمعاً. وفي «القاموس» ((الولد محركة وبالضم والكسر والفتح واحدٌ وجمعٌ وقد يجمع على أولاد ووِلْدَة وإلْدَة (بالكسر فيهما) ووُلْدٍ بالضم)) وهو يشمل الذكر والأنثى {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيه وتقديس له تعالى عما نسبوا إليه على ما هو الأصل في معنى سبحانه وقد يستعمل للتعجب مجازاً ويصح إرادته هنا، والمراد التعجب من كلمتهم الحمقى، وجمع بعضهم بين التنزيه والتعجب ولعله مبني على أن التعجب معنى كنائي وأنه يصح إرادة المعنى الحقيقي في الكناية وهو أحد قولين في المسألة، وقيل: إنه لا يلزم استفادة معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هو من المعاني الثواني، وقوله سبحانه: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي عن كل شيء في كل شيء [وهو] علة لتنزهه تعالى وتقدس عن ذلك وإيذان بأن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة وهي التقوى أو بقاء النوع مثلاً. وقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي من العقلاء وغيرهم تقرير لمعنى الغني لأن المالك لجميع الكائنات هو الغني وما عداه فقير، وقيل: هو علة أخرى للتنزه عن التبني لأنه ينافي المالكية، وقوله جل شأنه: {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ} أي حجة {بِهَـٰذَا} أي بما ذكر من القول الباطل توضيح لبطلانه بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع عن المعارض والمنافي ـ فإن ـ نافية و {مِنْ} زائدة لتأكيد النفي ومجرورها مبتدأ والظرف المقدم خبره أو مرتفع على أنه فاعل له لاعتماده على النفي و{بِهَـٰذَا} متعلق إما ـ بسلطان ـ لأنه بمعنى الحجة كما سمعت وإما بمحذوف وقع صفة له، وقيل: وقع حالاً من الضمير المستتر في الظرف الراجع إليه وإما بما في {عِندَكُمْ} من معنى الاستقرار، ويتعين على هذا كون {سُلْطَـٰنٍ} فاعلاً للظرف لئلا يلزم الفصل بين العامل المعنوي ومتعلقه بأجنبـي، والالتفات إلى الخطاب لمزيد المبالغة في الإلزام والإفحام وتأكيد ما في قوله تعالى: / {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من التوبيخ والتقريع على جهلهم واختلاقهم. وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد بمعزل من الاهتداء ولا تصلح متمسكاً لنفي القياس والعمل بخبر الآحاد لأن ذلك في الفروع وهي مخصوصة بالأصول لما قام من الأدلة على تخصيصها وإن عم ظاهرها.

ابن عاشور

تفسير : بيان لجملة {أية : ألا إن لله مَن في السماوات ومَن في الأرض}تفسير : [يونس: 66] إلى آخرها، وفي هذا البيان إدماج بحكاية فن من فنون كفرهم مغاير لادعاء شركاء لله، لأن هذا كفر خفي من دينهم، ولأن الاستدلال على إبطاله مغاير للاستدلال على إبطال الشركاء. فضمير {قالوا} عائد إلى {أية : الذين يدعون من دون الله شركاء}تفسير : [يونس: 66] أي قال المشركون {اتخذ الله ولداً}. وليس المراد من الضمير غيرَهم من النصارى لأن السورة مكية والقرآن المكي لم يتصد لإبطال زيغ عقائد أهل الكتاب، ذلك أن كثيراً منهم كانوا يزعمون أن لله بنات هم الملائكة، وهم بناته من سَروات نساء الجن، ولذلك عَبَدت فرق من العرب الجن قال تعالى: {أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وَليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون}تفسير : [سبأ: 40، 41]. والاتخاذ: جعل شيء لفائدة الجاعل، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ الشيء الذي يصطفيه. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : أتتخذ أصناماً آلهة}تفسير : في سورة [الأنعام: 74]، وقوله: {أية : وإن يَروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً}تفسير : في [الأعراف: 146]، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به، ويصدق على تكوين شيء للانتفاع به. وهو هنا صالح للمعنيين لأن منهم مَن يعتقد تولد الولد عن الله تعالى، ومنهم مَن يعتقد أن الله تبنَّى بعض مخلوقاته. والولد: اسم مصوغ على وزن فَعَل مثل عَمَد وعرب. وهو مأخوذ من الولادة، أي النتاج. يقال: ولدت المرأة والناقة، ولعل أصل الولد مصدر ممات على وزن فعل مثل الفَرح. ومن أجل ذلك أطلق على الواحد والجمع كما يوصف بالمصدر. يقال: هؤلاء ولد فلان. وفي الحديث أنا سيد ولَدِ آدمِ والمراد هنا الجمع لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله استولدها من سروات الجن قال تعالى:{أية : ويجعلون لله البنات سبحانه}تفسير : [النحل: 57]. وجملة: {سبحانه} إنشاء تنزيه للرد عليهم، فالجملة جواب لذلك المقال ولذلك فصلت عن التي قبلها. وهو اسم مصدر لـ(سَبَّح) إذا نزّه، نائب عن الفعل، أي نسبحه. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا}تفسير : في سورة [البقرة: 32]، أي تنزيهاً لله عن هذا لأن ما قالوه يستلزم تنقيص الله تعالى، ولذلك بُينت جملةُ التنزيه بجملة: {هو الغني} بياناً لوجه التنزيه، أي هو الغني عن اتخاذ الولد، لأن الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كل احتياج إلى مُكمِل نقص في الذات أو الأفعال، واتخاذ الولد إما أن ينشأ عن اندفاع طبيعي لقضاء الشهوة عن غير قصدِ التوليد وكونُها نقصاً غير خفي، وإما أن ينشأ عن القصد والتفكير في إيجاد الولد، وذلك لا يكون إلا لسد ثلمة نَقص من حاجة إلى معنى في الحياة أو خَلَف بعد الممات. وكل ذلك مناف للإلهية التي تقتضي الاتصاف بغاية الكمال في الذات والصفات والأفعال. والغَنِيُّ: الموصوف بالغِنى، فعيل للمبالغة في فعل (غَنِيَ) عن كذا إذا كان غير محتاج، وغنى الله هو الغنى المطلق، وفسر في أصول الدين الغنى المُطلق بأنه عدم الافتقار إلى المُخَصِّص وإلى المحل، فالمخصص هو الذي يُعين للممكن إحدى صفتي الوجود أو العدم عوضاً عن الأخرى، فبذلك ثبت للإله الوجودُ الواجب، أي الذي لا يتصور انتفاؤه ولذلك انتفى عنه التركيب من أجزاء وأبعاض ومن أجل ذلك امتنع أن ينفصل عنه شيء منه، والولد ينشأ من جزء منفصل عن الوالد، فلا جرم أنْ كان الغَنِيُّ منزّهاً عن الولد من جهة الانفصال، ثم هو أيضاً لا يجوز أن يتخذ بعض المخلوقات ولداً له بالتبني لأجل كونه غنياً عن الحاجات التي تبعث على اتخاذ الولد من طلب معونة أو إيناس أو خلَف، قال تعالى: {أية : وقالوا اتخذ الرحمان ولداً سبحانه بل عباد مكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26] وقال: {أية : بديع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد}تفسير : [الأنعام: 101]. وجملة: {له ما في السماوات وما في الأرض} مقررة لوصف الغنى بأن ما في السماوات وما في الأرض ملكه، فهنو يسخر كل موجود لما خلقه لأجله، فلا يحتاج إلى إعانة ولد، ولا إلى ترفيع رتبة أحد استصناعاً له كما يفعل الملوك لقواد جيوشهم وأمراء أقطارهم وممالكهم لاكتساب مودتهم وإخلاصهم. وهذا مساو للاستدلال على نفي الشريك في قوله آنفاً {أية : ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يَتبع الذين يَدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن}تفسير : [يونس: 66] ودل قوله: {له ما في السماوات وما في الأرض} على أن صفة العبودية تنافي صفة البُنُوة وذلك مثل قوله: {أية : وقالوا اتخذ الرحمان ولداً سبحانه بل عباد مُكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26]. ويؤخذ من هذا أن الولد لا يُسترقُّ لأبيه ولا لأمّه ولذلك يعتق الولد على من يملكه من أب أو أم وإن عَلَيَا. وجملة: {إنْ عندكم من سلطان بهذا} جواب ثان لقولهم: {اتَّخذ الله ولداً} فلذلك فُصلت كما فصلت جملة {سبحانه}، فبعد أن استدل على إبطال قولهم، سجل عليهم أنهم لا حجة لهم في قولهم ذلك. و{إن} حرف نفي. و{مِن} مزيدة لتأكيد النفي بالاستغراق، أي استغراق نفي جميع أنواع الحجة قويِّها وضعيفها، عقليِّها وشرعيِّها. و(عند) هنا مستعملة مجازاً. شُبِّه وجودُ الحجة للمحتج بالكون في مكانه، والمعنى: لا حجَّة لكم. و{سلطان} محله رفع بالابتداء، وخبره {عِندكم} واشتغل آخر المبتدأ عن الضمة بكسرة حرف الجر الزائدة. والسلطان: البرهان والحجة، لأنه يكسب المستدل به سلطة على مخالفه ومجادله. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ما نزل الله بها من سلطان}تفسير : في سورة [الأعراف: 71]. والباء للملابسة، وهي في موضع صفة لـ(سلطان)، أي سلطان ملابس لهذا. والإشارة إلى المقول. والمعنى: لا حجة لكم تصاحب مَقولكم بأن الله اتخذ ولداً. وجملة: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} جواب ثالث ناشيء عن الجوابين لأنهم لما أُبطل قولهم بالحجة. ونُفي أن تكون لهم على قولهم حجة كانوا أحرياء بالتوبيخ والتشنيع بأنهم يجترئون على جناب الله فيصفون الله بما لا يعلمون، أي بما لا يوقنون به، ولكونها جواباً فصلت. فالاستفهام مستعمل في التوبيخ، لأن المذكور بعده شيء ذميم، واجتراء عظيم وجهل كبير مركب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبحانه: أي تنزه عن النقص وتعالى أن يكون له ولد. الغَنِيُّ: أي الغِنَى المطلق بحيث لا يفتقر إلى شيء. إن عندكم من سلطان: أي ما عندكم من حجة ولا برهان. بهذا: أي الذي تقولونه وهو نسبة الولد إليه تعالى. متاع في الدنيا: أي ما هم فيه اليوم هو متاع لا غير وسوف يموتون ويخسرون كل شيء. يكفرون: أي بنسبة الولد إلى الله تعالى، وبعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى. معنى الآيات: ما زال السياق في تحقيق التوحيد وتقريره بإِبطال الشرك وشبهه فقال تعالى: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} أي قال المشركون أن الملائكة بنات الله وهو قول مؤسف محزن للرسول صلى الله عليه وسلم كقولهم له {أية : لَسْتَ مُرْسَلاً}تفسير : [الرعد: 43]، وقد نهي صلى الله عليه وسلم عن الحزن من جراء أقوال المشركين الفاسدة الباطلة. ونزه الله تعالى نفسه عن هذا الكذب فقال سبحانه، وأقام الحجة على بطلان قول المشركين بأنه هو الغَنيُّ الغِنَى الذاتي الذي لا يفتقر معه إلى غيره فكيف إذاً يحتاج إلى ولد أو بنت فيستغني به وهو الغني الحميد، وبرهان آخر على غناه أن له ما في السماوات وما في الأرض الجميع خلقه وملكه فهل يعقل أن يتخذ السيد المالك عبداً من عبيده ولداً له. وحجة أخرى هل لدى الزاعمين بأن لله ولداً حجة تثبت ذلك والجواب لا، لا. قال تعالى مكذباً إياهم: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} أي ما عندكم من حجة ولا برهان بهذا الذي تقولون ثم وبخهم وقرعهم بقوله: {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}؟ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلناً عن خيبة الكاذبين وخسرانهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} وإن قيل كيف لا يفلحون وهم يتمتعون بالأموال والأولاد والجاه والسلطة أحياناً فالجواب في قوله تعالى {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي لك متاع في الدنيا، يتمتعون به إلى نهاية أعمارهم، ثم إلى الله تعالى مرجعهم جميعاً، ثم يذيقهم العذاب الشديد الذي ينسون معه كل ما تمتعوا به في الحياة الدنيا، وعلل تعالى ذلك العذاب الشديد الذي أذاقهم بكفرهم فقال: {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي يجحدون كمال الله وغناه فنسبوا إليه الولد والشريك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كفر من ينسب إلى الله تعالى أي نقص كالولد والشريك أو العجز مطلقاً. 2- كل دعوى لا يقيم لها صاحبها برهاناً قاطعاً وحجة واضحة فلا قيمة لها ولا يحفل بها. 3- أهل الكذب على الله كالدجالين والسحرة وأهل البدع والخرافات لا يفلحون ونهايتهم الخسران. 4- لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بما يرى عليه أهل الباطل والشر من المتع وسعة الرزق وصحة البدن فإن ذلك متاع الحياة الدنيا، ثم يؤول أمرهم إلى خسران دائم.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَهُ} {ٱلسَّمَاوَات} {سُلْطَانٍ} (68) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُنْكِراً عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ للهِ وَلَداً: إِنَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ وَتَنَزَّهَ غَنِيٌّ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيءٍ فَقِيرٌ إليهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ مِمَّا خَلَقَ، وَكُلُّ شيءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ وَعَبْدٌ؟ ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: لَيْسَ لَدَيْكُمْ أَيُّها المُتَخَرِّصُونَ المُفْتَرُونَ مِنْ دَلِيلٍ (سُلْطَانٍ)، عَلَى مَا تَقُولُونَ مِنْ كَذِبٍ وَبُهْتَانٍ. ثُمَّ يَسْتَنْكِرُ تَعَالَى قَوْلَ مَنْ يَقُولُونَ بِلاَ عِلْمٍ، وَلا بَيِّنَةٍ يُؤَيِّدُونَ بِهَا صِحَّةَ قَوْلِهِمْ (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ)، فَكَيْفَ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ قَوْلاً لا تَعْلَمُونَ حِقِيقَتَهُ وَتَنْسُبُونَهُ إِليهِ؟ مِنْ سُلْطَانٍ - مِنْ حُجَّةٍ أَوْ بُرْهَانٍ أَوْ دَلِيلٍ. سُبْحَانَهُ - تَنَزَّهَ اسْمُهُ وَتَقَدَّسَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونفس نص الآية الكريمة يكذِّبهم فيما يدَّعونه. ومثال ذلك: أنك حين تقول: "اتخذ فلان بيتاً" أي: أن فلاناً له ذاتية سابقة على اتخاذه للبيت، وبها اتخذ البيت، فإذا قيل: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ..} [يونس: 68]. فهذا اعتراف منهم بكمال الله تعالى وذاتيته قبل أن يتخذ الولد. وهم قد اختلفوا في أمر هذا الولد، فمنهم من قال: إن الملائكة هن بنات الله وكذَّبهم الحق سبحانه في ذلك، ومنهم من قال: عزير ابن الله وهم اليهود وقد كذَّبهم الله سبحانه في ذلك، وطائفة من المسيحيين قالوا: إن المسيح ابن الله، وكذَّبهم الحق سبحانه في ذلك. ثم ما الداعي أن يتخذ الله الولد؟ هل استنفد قوته حتى يساعده الولد؟! وهل يمكن أن يضعف سبحانه - معاذ الله - فيمتد بقوة الولد أو يعتمد عليه؟! مثلما يقال حين يواجه شيخٌ شابّاً، ويعتدي الشاب على الشيخ، فيقال للشاب: احذر؛ إن لهذا الشيخ ولداً أقوى منك؛ فيرتدع الشاب، أو أن يقول الشيخ للشاب: إن أبنائي يفوقونك في القوة، وفي هذا اعتداد بالأولاد. ويريد الحق سبحانه أن يغفل كل هذه الدعاوي ولتكون حركة الحياة متماسكة متلازمة، لا متعارضة ولا متناقضة؛ لذلك ينبغي أن يكون المحرِّك إلهاً واحداً تصدر منه كل الأوامر، فلا تعارض في تلك الأوامر؛ لأن الأوامر إن صدرت عن متعدد فحركة الحياة تتصادم بما يبدد الطاقة ويفسد الصالح. ولذلك لا بد أن يكون الأمر صادراً من آمر واحد يُسْلَّم له كل أمر، وهذا الإله منزَّه عن كل ما تعرفه من الأغيار، فله تنزيه في ذاته؛ فلا ذات تشبه ذاته، ومنزَّه في صفاته؛ فلا صفة تشبه صفته، ومنزَّه في أفعاله؛ فلا فعل يشبه فعله. وحتى نضمن هذه المسألة لا بد أن يكون الإله واحداً، ولكن بعضاً من القوم جعلوا لله شركاء، ومن لم يجعل له شريكاً، توهَّم أن له ابناً وولداً. ونقول لهم: إن كلمتكم: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} [يونس: 68] ترد عليكم؛ لأن معنى اتخاذ الولد أن الألوهية وُجِدَتْ أولاً مستقلة، وبهذه الألوهية اتخذ الولد. ومن المشركين من قال: إن الملائكة بنات الله. فردَّ عليهم الحق سبحانه: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22]. والكمال كله لله سبحانه فهو كمال ذاتي؛ ولذلك يأتي في وسط الآية ويقول تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ..} [يونس: 68]. وسبحانه تعني: التنزيه، وهو الغني أي: المستغني عن مُعِين كما تستعينون أنتم بأبنائكم، وهو دائم الوجود؛ فلا يحتاج إلى ابن مثل البشر، وهم أحداث تبدأ وتنتهي؛ لذلك يحبون أن يكون لهم أبناء كما يقول الشاعر: شعر : ابني يا أنا بعد ما أقَْضَى تفسير : ويقال: "من لا ولد له لا ذِكْر له"، كأن الإنسان لما علم أنه يموت لا محالة أراد أن يستمر في الحياة في ولده. ولذلك حين يأتي الولد للإنسان يشعر الإنسان بالسرور والسعادة، والجاهل هو من يحزن حين تلد له زوجته بنتاً؛ لأن البنت لن تحمل الاسم لمن بعدها، أما الولد والحفيد فيحملان اسم الجد، فيشعر الجد أنه ضمن الذِّكْر في جيلين. إذن: فاتخاذ الولد إما استعانة وإما اعتداد، والحق سبحانه غنيٌّ عن الاستعانة، وغني عن الاعتداد؛ لأنك تعتد بمن هو أقوى منك، وليس هناك أقوى من الله تعالى، وهو سبحانه لا يحتاج لامتداد؛ لأنه هو الأول وهو الآخر، وعلى ذلك ففكرة اتخاذ الولد بالنسبة لله تعالى لا تصح على أي لون من ألوانها. ولذلك يقول الحق سبحانه مرادفاً لتلك الفكرة: {سُبْحَانَهُ} لأنها تقطع كل احتمالات ما سبقها، ويُتْبعِ ذلك بقوله: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} لأنه غني عن اتخذا الولد، وغني عن كل شيء، وقوله: {سُبْحَانَهُ} تنزيه له، والتنزيه: ارتفاع بالمُنَزَّه عن مشاركة شيءٍ له - في الذات أو الأفعال. وإذا ورد شيء هو لله وصفٌ ولخَلْقه وصفٌ، فإياك أن تأخذ هذه الصفة مثل تلك الصفة. فإن قابلت غنياً من البشر، فالغني في البشر عَرَضٌ، أما غنى الله تعالى ففي ذاته سبحانه. وأنت حي والله سبحانه حي، ولكن أحياتك كحياته؟ لا؛ لأن حياته سبحانه لم يسبقها عدم، وحياتك سبقها عدم، وحياته سبحانه لا يلحقها عدم، وأنت يلحق حياتك العدم. والله موجود وأنت موجود، لكن وجوده سبحانه وجود ذاتيٌّ، ووجودك وجود عَرَضِيٌّ. وإذا قال الحق سبحانه: إن له - سبحانه وتعالى - يداً {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..}تفسير : [الفتح: 10]. فلا يمكن أن تكون يد الله سبحانه مثل يدك؛ لأن ذاته سبحانه ليست كذاتك، وصفاته سبحانه ليست كصفاتك، وهو سبحانه القادر الأعلى، ولا يمكن أن يكون مقدوراً لأحد. ولذلك حين يتجلَّى الله سبحانه لخلقه، فسوف يتجلى بالصورة التي تختلف عن كل خيال العبد، وهذه الصورة تختلف من عبد إلى آخر، ولو كانت الصورة التي يتجلى بها الله سبحانه مقدوراً عليها لكان معنى ذلك أن هناك ذهناً بشرياً قد قدر على الإحاطة بها. وما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك؛ لأن ما خطر بالبال مقدور عليه لأنه خاطر، والله سبحانه لا ينقلب أبداً إلى مقدور عليه. وأنت حين تأتي بمسألة في الحساب أو الهندسة - مثلاً - وتعطيها لتلميذ ويقوم بحلها، فمعنى ذلك أن عقله قد قدر عليها، أما إن جئت لتلميذ في المرحلة الإعدادية - مثلاً - بمسألة هندسية مقررة على طلبة كلية الهندسة؛ فعقله لن يقدر عليها. إذن: لو أن الإنسان قد أدرك شيئاًً عن الله غير ما قاله الله لانقلب الإله إلى مقدور عليه، والحق سبحانه مُنَزَّه عن ذلك؛ لأنه القادر الأعلى الذي لا ينقلب أبداً إلى مقدور. لذلك يعلِّمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيهاً لله تعالى كلمة {سُبْحَانَهُ}، وهو التنزيه الواجب عن كل شيء يخطر ببال الإنسان عن الله تعالى، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في الله تعالى، قبل أن يوجد شيء، وبعد أن خَلَق الخَلْق، فعلى كل المخلوقات تنزيهه، وبدأ الخلق في التسبيح. والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضي؛ لذلك تجد استدلالات القرآن في السور التنزيهية تؤكد ذلك، فيقول الحق سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}تفسير : [الإسراء: 1]. وإياك أن تظن أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد سرى بقرار من نفسه، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه، فلا تظن أن المسافة يمكن أن تمنع مشيئة الحق المطلقة، ولا المكان، ولا الزمن؛ لأن الفعل منسوب لله تعالى، ولا يمكن أن نقيس فعلاً منسوباً لله تعالى بقياس الزمان أو المكان، أو حسب قانون الحركة النسبية، لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة، وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان. وأنت إذا سِرْت من هنا إلى الإسكندرية - مثلاً - على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع، وإن امتطيت دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياماً، وإن ركبت سيارة فسوف تقطع المسافة في ساعتين، وإن ركبت صاروخاً، فستصل خلال دقائق. أي: أنك كلما زادت قوة أداة الوصول قَلَّ زمن الوصول، وهذا موجز نظرية الحركة، وإذا كان الذي أسرى هو الله سبحانه، وهو قوة القوى، لذلك لا يمكن أن يقاس بالنسبة لمشيئة قوة أخرى، أو أن يقاس الأمر ببُعْد أو قُرْب المكان أو كيفية الزمان الذي تعرفه. وإياك أن تفهم أن إسراء الله تعالى مثل إسرائك؛ لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل، وما دام الفاعل هو الله سبحانه فلا أحد بقادر أن يَحُدَّ أفعاله بزمن. وقد استهل الحق سبحانه سورة الإسراء بالسبحانية وآياتها الأولى تتكلم في أدق شيء تكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذاته بأنه قد أسْرِيَ به، وبذلك أثبت بحادث الإسراء حقيقة المعراج، وأن الناموس قد خُرِق له، وحدَّثنا عما نعلم لنصدِّق حديثه عما لا نعلم، وحتى نقيس ما لا نعلم على ما نعلم، فيتأكد لنا صدقه صلى الله عليه وسلم في حديثه عما لا نعلم. كلمة "سبحانه" - إذن - هي للتنزيه، وهي لله تعالى أزلاً قبل أن يَخلق الخَلق، فقد شهد سبحانه لذاته أنه إله واحد، ثم شهدت الملائكة، ويتكرر التسبيح من كل المخلوقات التي أوجدها الله سبحانه. وأنت تجد سور القرآن الكريم التي جاء فيها التسبيح مؤكدة أنه سبحانه مُنزَّه، وله التسبيح من قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق؛ ليسبِّحوا، ففي سورة الحديد يقول سبحانه: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحديد: 1]. ويقول سبحانه في سورة الحشر: {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحشر: 1]. فهل سبَّح كل من في السماوات ومن في الأرض مرة واحدة وانتهى الأمر؟ لا؛ لأن الله سبحانه يقول: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ..}تفسير : [الجمعة: 1]. ويقول سبحانه في سورة التغابن: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [التغابن: 1]. إذن: فالسبحانية لله أزلاً، وسبَّح ويسبِّح الخَلْق وكل الوجود بعد أن خلقه الله سبحانه، سماوات وأرض وما فيهما ومن فيهما، وما بقي إلا أنت أيها الإنسان فسبِّحْ باسم ربك الأعلى. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ ..} [يونس: 68]. وعلة التسبيح والتنزيه عن أن يكون له ولد تأتي في قوله تعالى: {هُوَ ٱلْغَنِيُّ}؛ لأن اتخاذ الولد إنما يكون عن حاجة، إما استعانة، وإما اعتماداً، وإما اعتداداً، وإما امتداداً، وكل هذه أمور باطلة بالنسبة له سبحانه، وهو الحق الأعلى، وهو سبحانه القائل في آية أخرى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}تفسير : [البقرة: 116]. والقنوت معناه: الإقرار بالعبودية لله تعالى والخضوع له وإطاعته. ويقول سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68]. و"إنْ" قد تأتي للنفي في مثل قول الحق سبحانه: {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 2]. وفي قول الحق سبحانه هنا: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ ..} [يونس: 68]. أي: ليس عندكم حُجَّة تدل على أن الله تعالى اتخذ ولداً. ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] أي: أنكم لا تملكون إعلاماً من الله تعالى بذلك، فلا إعلام عن الله إلا من الله، وليس لأحد أن يُعْلِم عن ربه، فهو سبحانه من يُعْلِم عن نفسه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} معناهُ حُجةٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مخبرًا عن بهت المشركين لرب العالمين { قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } فنزه نفسه عن ذلك بقوله: { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوًا كبيرًا، ثم برهن على ذلك، بعدة براهين: أحدها: قوله: { هُوَ الْغَنِيُّ } أي: الغنى منحصر فيه، وأنواع الغنى مستغرقة فيه، فهو الغني الذي له الغنى التام بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه، فإذا كان غنيًا من كل وجه، فلأي شيء يتخذ الولد؟ ألحاجة منه إلى الولد، فهذا مناف لغناه فلا يتخذ أحد ولدًا إلا لنقص في غناه. البرهان الثاني، قوله: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض، الجميع مخلوقون عبيد مماليك. ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ينافي أن يكون له منهم ولد، فإن الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقًا ولا مملوكًا. فملكيته لما في السماوات والأرض عمومًا، تنافي الولادة. البرهان الثالث، قوله: { إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا } أي: هل عندكم من حجة وبرهان يدل على أن لله ولدًا، فلو كان لهم دليل لأبدوه، فلما تحداهم وعجزهم عن إقامة الدليل، علم بطلان ما قالوه. وأن ذلك قول بلا علم، ولهذا قال: { أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } فإن هذا من أعظم المحرمات. { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم، في الدنيا، قليلا ثم ينتقلون إلى الله، ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .