Verse. 1433 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ اِنَّ الَّذِيْنَ يَفْتَرُوْنَ عَلَي اللہِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُوْنَ۝۶۹ۭ
Qul inna allatheena yaftaroona AAala Allahi alkathiba la yuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن الذين يفترون على الله الكذب» بنسبه الولد إليه «لا يفلحون» لا يسعدون.

69

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن إثبات الولد لله تعالى قول باطل ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله ونسبه لما لا يليق به إليه، فبين أن من هذا حاله فإنه لا يفلح ألبتة ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون: { أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1] وقال في آخر هذه السورة: { أية : إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 117]. واعلم أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } يدخل فيه هذه الصورة ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي صفاته قولاً بغير علم وبغير حجة بينة كان داخلاً في هذا الوعيد، ومعنى قوله: {لاَ يُفْلِحُ } قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة:5] وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى المقصود والمطلوب، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال: إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا، ثم لا بد من الموت، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجزالة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} أي يختلقون. {عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي لا يفوزون ولا يأمنون؛ وتم الكلام. {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ذلك متاع، أو هو متاع في الدنيا؛ قاله الكسائي. وقال الأخفش: لهم متاع في الدنيا. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعاً. {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي رجوعهم. {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ} أي الغليظ. {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي بكفرهم.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه. {لاَ يُفْلِحُونَ} لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بنسبة الولد إليه {لاَ يُفْلِحُونَ } لا يسعدون.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبـين لهم سوءَ مغبّتِهم ووخامةَ عاقبتِهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي في كل أمر فيدخل ما نحن بصدده من الافتراء بنسبة الولدِ والشريكِ إليه سبحانه دخولاً أولياً {لاَ يُفْلِحُونَ} أي لا ينجُون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلاً وتخصيصُ عدم النجاةِ والفوز بما يندرج في ذلك من عدم النجاةِ من النار وعدمِ الفوز بالجنة لا يناسب مقامَ المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه {مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان أن ما يتراءى فيهم بحسب الظاهرِ من نيل المطالبِ والفوزِ بالحظوظ الدنيويةِ على الإطلاق أو في ضمن افترائِهم بمعزل من أن يكون من جنس الفلاحِ كأنه قيل: كيف لا يُفلحون وهم في غِبطة ونعيم؟ فقيل: هو متاعٌ يسير في الدنيا وليس بفوز بالمطلوب، ثم أشير إلى انتفاء النجاةِ عن المكروه أيضاً بقوله عز وعلا: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي بالموت. {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} فيبقَوْن في الشقاء المؤبدِ بسبب كفرِهم المستمرِّ أو بكفرهم في الدنيا فأين هم من الفلاح، وقيل: المبتدأُ المحذوف حياتُهم أو تقلُّبهم، وقد قيل: إنه افتراؤُهم، ولا يخفى أن المتاعَ إنما يطلق على ما يكون مطبوعاً عند النفسِ مرغوباً فيه في نفسه يُتمتع ويُنتفع به، وإنما عدمُ الاعتدادِ به لسرعة زوالهِ، ونفسُ الافتراء عليه سبحانه أقبحُ القبائح عند النفس فضلاً عن أن يكون مطبوعاً عندها وعده كذلك باعتبار إجراءِ حكمِ ما يؤدي إليه من رياستهم عليه مما لا وجهَ له، فالوجهُ ما ذكر أولاً، وليس ببعيد ما قيل: أن المحذوفَ هو الخبرُ أي لهم متاعُ والآية إما مسوقةٌ من جهة الله تعالى لتحقيق عدم إفلاحِهم غيرُ داخلةٍ في الكلام المأمورِ به كما يقتضيه ظاهرُ قولِه تعالى: {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ} وإما داخلةٌ فيه على أن النبـي عليه الصلاة والسلام مأمورٌ بنقله وحكايتِه عنه عز وجل.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان الذين يفترون على الله الكذب} باتخاذ الولد واضافة الشريك اليه {لا يفلحون} لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب اصلا

الطوسي

تفسير : قوله {لا يفلحون} وقف تام. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للمكلفين {إن الذين} يكذبون على الله باتخاذ الولد وغير ذلك {لا يفلحون} اي لا يفوزون بشيء من الثواب. وكسرت {إنّ} بعد القول، لانه حكاية لما يستأنف الاخبار به ولذلك دخلت لام الابتداء في الخبر، لأنها تؤذن بأنه موضع ابتداء. والكذب يتعاظم الاثم عليه بحسب تعاظم الضرر به وكثرة الزواجر عنه، فالكذب على الله أعظم لكثرة الزواجر عنه لما فيه من تضييع حق المنعم بأجل النعم. وقوله {متاع في الدنيا} رفع بأنه خبر الابتداء. وتقديره ذاك متاع أو هو متاع. ويجوز أن يكون على تقدير لهم متاع. وإنما خص بالدنيا لئلا يغتر به. والمتاع ما يقع به الانتفاع من أثاث أو غيره. والانتفاع حصول الالتذاذ. وانما جاز أن يمتعوا في الدنيا دون الاخرة، لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، ولذلك كان التكليف في الدنيا دون الآخرة. وقوله {ثم إلينا مرجعهم} فالمرجع المصير إلى الشيء بعد الذهاب عنه، فهؤلاء ابتدأهم الله ثم يصيرون إلى الهلاك بالموت. ثم يرجعون بالانشاء ثانية. وقوله {ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} معناه انا لا نقتصر بعثهم بعد موتهم بل نوصل اليهم العذاب الشديد وننزله بهم جزاء بما كانوا يكفرون في دار الدنيا.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إنَّ الذِينَ يفْتَرونَ عَلى اللهِ الكَذبَ} بنسبة الولد، أو تبنيه إليه، وإضافة الشريك إليه {لا يُفْلحُون} لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، ولا يظفرون ببغيتهم، وهنا وقف تام.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} باتخاذ الولد وثبوت الشركة {لاَ يُفْلِحُونَ} لا يفوزون بالجنة ولا ينجون من النار والمكروه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} تلوين للخطاب وتوجيه له إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ليبين سوء مغبتهم ووخامة عاقبتهم وفي ذلك إنذار لهم عن الاستمرار على ما هم فيه ولغيرهم عن الوقوع في مثله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} في كل أمر ويدخل الافتراء بنسبة الولد والشريك إليه تعالى دخولاً أولياً وهو أولى من الاقتصار على ما الكلام فيه، وحينئذٍ فالمراد بالموصول ما يعم أولئك المخاطبين وغيرهم، أي إن من تكون هذه صفتهم كائناً ما كانوا {لاَ يُفْلِحُونَ} لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلاً ويندرج في ذلك عدم النجارة من النار وعدم الفوز بالجنة والاقتصار عليه في مقام المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه دون التعميم في المناسبة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف افتتح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لتنبيه السامعين إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب تبليغه، وذلك أن المَقُول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا: اتخذ الله ولداً، على مقالتهم تلك، وعلى أمثالها كقولهم: {أية : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرَّم على أزواجنا}تفسير : [الأنعام: 139] وقولهم: ما كان لآلهتهم من الحَرث والأنعام لا يصل إلى الله وما كان لله من ذلك يصل إلى آلهتهم، وقولهم: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] وأمثال ذلك. فذلك كله افتراء على الله، لأنهم يقولونه على أنه دين، وماهية الدين أنه وضع إلهي فهو منسوب إليه، ويحصل من تلك القضية وعيد لأمثال المشركين من كل من يفتري على الله ما لم يقله، فالمقول لهم ابتداءاً هم المشركون. والفلاح: حصول ما قصده العامل من عمله بدون انتقاض ولا عاقبة سوء. وتقدم في طالع سورة البقرة (5). فنفي الفلاح هنا نفي لحصول مقصودهم من الكذب وتكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - وجملة: {متاعٌ في الدنيا} استئناف بياني، لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه عليه أن يسأل سائل كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجاب السائل بأن ذلك تمتيع في الدنيا لا يَعبأ به، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة، فـــ{متاع} خبر مبتدأ محذوف يعلم من الجملة السابقة، أي أمرهم متاع. والمتاع: المنفعة القليلة في الدنيا إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم بين قومهم ثم يزول ذلك. ومادة (متاع) مؤذنة بأنه غير دائم كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : في أوائل سورة الأعراف (24). وتنكيره مؤذن بتقليله، وتقييده بأنه في الدنيا مؤكد للزوال وللتقليل، و(ثم) من قوله: {ثم إلينا مرجعهم} للتراخي الرتبي لأن مضمونه هو محقة أنهم لا يفلحون فهو أهم مرتبة من مضمون لا يفلحون. والمرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى وقت نفاذ حكمه المباشر فيهم. وتقديم {إلينا} على متعلَّقه وهو المرجع للاهتمام بالتذكير به واستحضاره كقوله: {أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة}تفسير : [النور: 39] إلى قوله {أية : ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه}تفسير : [النور: 39] ويجوز أن يكون المرجع كناية عن الموت. وجملة: {ثم نذيقهم العذاب الشديد} بيان لجملة: {ثم إلينا مرجعهم}. وحرف (ثم) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع الحصول في نفاذ حكم الله. والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى. وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان. والباء في {بما كانوا يكفرون} للتعليل. وقوله: {كانوا يكفرون} يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر.

د. أسعد حومد

تفسير : (69) - وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ، مِمَّنْ زَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ شُرَكَاءَ، بِأَنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُونَ فِي الدُّيْنا، لأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا مَتَّعَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلاً فِإِنَّهُ يَسْتَدْرِجُهُمْ بِذلِكَ، ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ، كَمَا أَنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُونَ فِي الآخِرَةِ لأَِنَّهُمْ سَيَكُونُونَ وَقُودَ جَهَنَّمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن الإيمان وثمرته ونهايته يأتي بالفَلاَح كنتيجة لذلك الإيمان، فهو سبحانه القائل: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9]. وهو سبحانه القائل: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1]. ويقول أيضاً: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الأعراف: 157]. وكلها من مادة "الفلاح" وهي مأخوذة من الأمر الحسي المتصل بحياة الكائن الحي، فمقومات وجود الكائن الحي: نَفَس، وماء، وطعام، والتنفس يأتي من الهواء الذي يحيط بالأرض، والماء ينزل من السماء أو يُستنبط مما تسرب في باطن الأرض. والطعام يأتي من الأرض، وكل ما أصله من الأرض يُستخرج بالفلاحة. لذلك نقول: إن الفِلاَحة هي السبب الاستبقائي للحياة، فكما يُفْلِح الإنسان الأرض، ويشقها ويبذر فيها البذور، ثم يرويها، ثم تنضج وتخرج الثمرة، ويقال: أفلح، أي: أنتجت زراعته نتاجاً طيباً. وشاء الحق سبحانه أن يسمِّي الحصيلة الإيمانية الطيبة بالفلاح. وبيَّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، فإن كنت تريد ثمرة فابذل الجهد. وإياك والظن أن الدين حينما يأخذ منك شيئاً في الدنيا أنه يُنْقِص ما عندك، لا، بل هو يُنمِّي لك ما عندك. والمثل الذي أضربه دائماً - ولله المثل الأعلى - نجد الفَلاَّح حين يزرع فداناً بالقمح، فهو يأخذ من مخزنه إردباً؛ ليستخدمه كبذور في الأرض، ولو كانت امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له: "أنت أخذت من القمح، وكيف تترك عيالك وأنت تنقصهم من قوتهم؟" هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ إردبَّ القمح المُخَزَّن؛ ليعود به بعد الحصاد عشرة أو خمسة عشر إردّباً من القمح. كذلك مطلوب الله سبحانه في الدنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء، لكنه يعطيك ثمار الآخرة ويزيدها. إذن: فالفلاح مادة مأخوذة من فلح الأرض وشقها وزرعها لتأخذ الثمرة. وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من التعب ومن العمل، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا. ومثال ذلك: الفلاح الذي يحرث الأرض، ويحمل للأرض السماد على المطية، ثم يستيقظ مبكراً في مواعد الري، تجد هذا الفلاح في حالة من الانشراح والفرح في يوم الحصاد، وأمره يختلف عمن يهمل الأرض ويقضي الوقت على المقهى، ويسهر الليل أمام التلفزيون، ويأتي يوم الحصاد ليحزن على محصوله الذي لم يحسن زراعته. وقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس: 69]. أي: هؤلاء الذين يقولون عن الله تعالى أو في الله تعالى بغير علم من الله، هم الذين لا يفلحون. وأوضحت من قبل أن كل ما يتعلق بالله تعالى لا يُعْلَم عنه إلا عن طريق الله. لكن ما الذي يحملهم على الافتراء؟ نعم، إن كل حركة في الحياة لا بد أن يكون الدافع إليها نفعاً، وتختلف النظرة إلى النفع وما يترتب عليه، فالطالب الكسول المتسكع في الشوارع، الرافض للتعلم، نجده راسباً غير موفق في مستقبله، أما التلميذ الحريص على علومه، فهو من يحصل على المكانة اللائقة به في المجتمع، والتلميذ الأول كان محدود الأفق ولم ير امتداد النفع وضخامته، بل قصر النفع على لذة عاجلة مُضحِّياً بخيرٍ آجِلٍ. والذي جعل هؤلاء يفترون على الله الكذب هو انهيار الذات، فكل ذات لها وجود ولها مكانة، فإذا انهارت المكانة، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في مجتمعه. والمثل الذي ضربته من قبل بحَلاَّق الصحة في القرية، وكان يعالج الجميع، ثم تَخرَّجَ أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة، فإن كان حلاق الصحة عاقلاً، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضاً، أو (تمرجياً)، أما إن أخذته العزة بالإثم، فهو يعاند ويكابر، ولكنه لن يقدر على دفع عِلْم الطبيب. وكذلك عصابة الكفر ورؤساء الضلال حينما يُفاجَأون بمَقْدِم رسول من الله، فهم يظنون أنه سوف يأخذ السيادة لنفسه، رغم أن أي رسول من رسل الله تعالى - عليه السلام - إنما يعطي السيادة لصاحبها، ألا وهو الحق الأعلى سبحانه. وحين يأخذ منهم السيادة التي كانت تضمن لهم المكانة والوجاهة والشأن والعظمة، فهم يصابون بالانهيار العصبي، ويحاولون مقاومة الرسول دفاعاً عن السلطة الزمنية. ومثال ذلك: هو مَقْدِمُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان البعض يعمل على تنصيب عبد الله بن أبيّ ليكون مَلكاً؛ ولذلك قاوم الرجل الإسلام، وحين لم يستطع آمن نفاقاً، وظل على عدائه للإسلام، رغم أنه لو أحسن الإسلام واقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنال أضعاف ما كان سيأخذه لو صار ملكاً. وهكذا قادة الضلال وأئمة الكفر، هم مشفقون على أنفسهم وخائفون على السلطة الزمنية؛ لأن الرسول حينما يجيء إنما يُسوِّي بين الناس؛ لذلك يقفون ضد الدعوة حفاظاً على السلطة الزمنية. ولذلك يقول الحق سبحانه عن سبب افترائهم الكذب: {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ...}.