١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه: أحدها: أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلاً قوياً. وثانيها: ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت. وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن الجهال، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة. ورابعها: أنا قد دللنا على أن محمداً عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت، ومن غير زيادة ومن غير نقصان، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل. واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة. فالقصة الأولى: قصة نوح عليه السلام، وهي المذكورة في هذه الآية، وفيها وجهان من الفائدة: الأول: أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة. والثاني: أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت، فإنه ما جاءنا هذا العذاب، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا. المسألة الثانية: أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } وهذا جملة من الشرط والجزاء، أما الشرط فهو مركب من قيدين: القيد الأول: قوله: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } قال الواحدي في «البسيط»: يقال كبر يكبر كبراً في السن، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبراً وكبارة. قال ابن عباس: ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة. يقال: أقام بين أظهرهم مقاماً وإقامة، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله: {كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } جار مجرى قولهم: فلان ثقيل الظل. واعلم أن سبب هذا الثقل أمران: أحدهما: أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. والثاني: أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها، ويذكر له ركاكتها، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل. والقيد الثاني: هو قوله: {وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللَّهِ }. واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللَّهِ } معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهراً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود. واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية، أما الجزاء ففيه قولان: القول الأول: أن الجزاء هو قوله: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله. واعلم أنه عليه السلام كان أبداً متوكلاً على الله تعالى، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } وقوله: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب. القيد الأول: قوله: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } وفيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد: شعر : يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل اغدون يوماً وأمري مجمع تفسير : فإذا أردت جمع التفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره، أي جعله جميعاً بعد ما كان متفرقاً، قال: وتفرقه، أي جعل يتدبره فيقول: مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه، أي جعله جميعاً فهذا هو الأصل في الإجماع، ومنه قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } تفسير : [يوسف: 102] ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل: أجمعت على الأمر، أي عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر. البحث الثاني: روى الأصمعي عن نافع {فَاجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان: الأول: قال أبو علي الفارسي: فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. الثاني: قال ابن الأنباري: المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم، فالتقدير: ولا تدعوا من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه. والقيد الثاني: قوله: {وَشُرَكَاءكُمْ } وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو ههنا بمعنى مع، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك. البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر. البحث الثالث: قرأ الحسن وجماعة من القراء {وَشُرَكَاؤُكُمْ } بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع، والتقدير: فأجمعوا أنتم وشركاؤكم. قال الواحدي: وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله: { أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [البقرة: 35] لأن قوله: {أَمَرَكُمُ } فصل بين الضمير وبين المنسوق، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف. القيد الثالث: قوله: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة: شعر : لعمري ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد تفسير : وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له. قال الزجاج: أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً. القيد الرابع: قوله: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَيَّ } وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، تقول العرب: قضى فلان، يريدون مات ومضى، وقال بعضهم: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ } أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم، ومنه قوله تعالى: { أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرٰءيلَ فِي ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الإسراء: 4] أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، قال تعالى: { أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاْمْرَ } تفسير : [الحجر: 66] قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة {إِلَىٰ } في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال: ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه. البحث الثاني: قرىء {ثم أفضوا إلي} بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم، وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي. القيد الخامس: قوله: {وَلاَ تُنظِرُونَ } معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال: « حديث : في أول الأمر فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى » تفسير : ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال: « حديث : فأجمعوا أمركم » تفسير : فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليها: رابعاً فقال: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَيَّ } والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلي، ثم ضم إلى ذلك خامساً. وهو قوله: {وَلاَ تُنظِرُونَ } أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غيرإنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه. وأما قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } فقال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالاً على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان الإنسان فارغاً من الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب. وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيراً، لأنه ما أخذ منهم شيئاً فكان يخاف أن يقطعوا منه خيراً. ثم قال: {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } وفيه قولان: الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام. والثاني: أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة. وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لأنه لما قال: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ } بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أمره عليه السلام أن يذكّرهم أقاصيص المتقدّمين، ويخوّفهم العذاب الأليم على كفرهم. وحذفت الواو من «ٱتل» لأنه أمر؛ أي ٱقرأ عليهم خبر نوح. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} «إذ» في موضع نصب. {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} أي عظم وثقل عليكم. {مَّقَامِي} المقام (بفتح الميم): الموضع الذي يقوم فيه. والمُقام (بالضم) الإقامة. ولم يُقرأ به فيما علمت؛ أي إن طال عليكم لُبْثي فيكم. {وَتَذْكِيرِي} إياكم، وتخْويفي لكم. {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} وعزمتم على قتلي وطردي. {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} أي اعتمدت. وهذا هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلاً على الله في كل حال، ولكن بيّن أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم؛ أي إن لم تنصروني فإني أتوكّل على من ينصرني. قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} قراءة العامة «فَأَجْمِعُوا» بقطع الألف «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ «فٱجْمعُوا» بوصل الألف وفتح الميم؛ من جَمع يجمع. «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ويعقوب «فأجمِعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع. فأما القراءة الأُولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعدّه. وقال المؤرّج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد:شعر : يا ليت شعري والمُنَى لا تنفع هل أَغْدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ تفسير : قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وٱدعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى؛ كما قال:شعر : يا ليت زوجَك في الوَغَى متقلّدا سَيْفاً ورُمْحاً تفسير : والرمح لا يُتقلّد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال: التقى الماء والخشبةَ. والقراءة الثانية من الجمع، اعتباراً بقوله تعالى: {أية : فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ} تفسير : [طۤه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنًى واحد، «وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم»، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمراً. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعاً لوجب أن تكتب بالواو، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم»، وأيضاً فإن شركاءهم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئاً ولا فعل لها حتى تُجْمِع. قال المهدويّ: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها. قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} اسم يكن وخبرها. وغُمّة وغَمّ سواء، ومعناه التغطية؛ من قولهم: غُمّ الهلال إذا استتر؛ أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً تتمكنون فيه ممّا شئتم؛ لا كمن يخفَى أمرُه فلا يقدر على ما يريد. قال طرفَة:شعر : لعمرك ما أمري عليّ بغُمّة نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَد تفسير : الزجاج: غمّة ذا غم، والغم والغُمّة كالكَرْب والكُرْبة. وقيل: إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبيّن صاحبه لأمره مصدراً لينفرج عنه ما يغُمّه. وفي الصحاح: والغمة الكربة. قال العجاج:شعر : بل لو شهدت الناس إذ تُكُمُّوا بغُمّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا تفسير : يقال: أمْرٌ غُمّة، أي مُبْهَم ملتبس؛ قال تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}. قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق. والغمة أيضاً: قعر النِّحْي وغيره. قال غيره: وأصل هذا كله مشتق من الغمامة. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} ألف «ٱقضوا» ألف وصل، من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي: وهو مثل. {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ}تفسير : [الحجر: 66]، أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. ورُوي عن ابن عباس «ثُمَّ ٱقْضُوا إلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ» قال: ٱمضوا إليّ ولا تؤخرون. قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة؛ ومنه: قَضَى الميت أي مضى. وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوّات. وحكى الفراء عن بعض القراء «ثم أفضوا إليّ» بالفاء وقطع الألف، أي توجهوا؛ يقال: أفضت الخلافة إلى فلان، وأفضى إليّ الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقاً، ومن كيدهم غير خائف؛ علماً منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزيةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقويةٌ لقلبه.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} خبره مع قومه. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إَِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} عظم عليكم وشق. {مَّقَامِى} نفسي كقولك فعلت كذا لمكان فلان، أو كوني وإقامتي بينكم مدة مديدة أو قيامي على الدعوة. {وَتَذْكِيرِى} إياكم. {بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} وثقت به. {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ} فأعزموا عليه. {وَشُرَكَاءكُمْ} أي مع شركائكم ويؤيده القراءة بالرفع عطفاً على الضمير المتصل، وجاز من غير أن يؤكد للفصل وقيل إنه معطوف على {أَمَرَكُمُ} بحذف المضاف أي وأمر شركائكم. وقيل إنه منصوب بفعل محذوف تقديره وادعوا شركاءكم وقد قرىء به، وعن نافع {فَأَجْمِعُواْ} من الجمع، والمعنى أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم ثقة بالله وقلة مبالاة بهم. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ} في قصدي. {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} مستوراً واجعلوه ظاهراً مكشوفاً، من غمه إذا ستره أو ثم لا يكن حالكم عليكم غماً إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري. {ثُمَّ ٱقْضُواْ} أدوا. {إِلَىَّ} ذلك الأمر الذي تريدون بي، وقرىء «ثم أفضوا إليَّ» بالفاء أي انتهوا إلي بشركم أو ابرزوا إلي، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء. {وَلاَ تُنظِرُونَ} ولا تمهلوني.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي: أخبرهم واقصص عليهم، أي: على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك {نَبَأَ نُوحٍ} أي: خبره مع قومه الذين كذبوه؛ كيف أهلكهم الله، ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم؛ ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} أي: عظم عليكم {مَّقَامِى} أي: فيكم بين أظهركم {وَتَذْكِيرِى} إياكم {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي: بحججه وبراهينه {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} أي: فإني لا أبالي ولا أكف عنكم، سواء عظم عليكم أو لا {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي: لا تجعلوا أمركم عليكم ملتبساً، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون، فاقضوا إلي {وَلاَ تُنظِرُونَ} أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي: مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم، ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء؛ كما قال هود لقومه: {أية : إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ} تفسير : [هود: 54-56] الآية. وقوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ} أي: لم أطلب على نصحي إياكم شيئاً {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي: وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم؛ كما قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} تفسير : [المائدة: 48] قال ابن عباس: سبيلاً وسنة؛ فهذا نوح يقول: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } تفسير : [البقرة:131-132] وقال يوسف: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلاَْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاَْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101] وقال موسى: {أية : يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 84] وقال السحرة: {أية : رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 126] وقالت بلقيس: {أية : قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44]. وقال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} تفسير : [المائدة: 44] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} تفسير : [المائدة: 111] وقال خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأنعام:161-162] أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: «حديث : نحن معشر الأنبياء أولاد علات، وديننا واحد» تفسير : أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: أولاد علات، وهم الإخوة من أمهات شتى، والأب واحد. وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ} أي: على دينه {فِي ٱلْفُلْكِ} وهي السفينة {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي: في الأرض {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المكذبين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتْلُ } يا محمد {عَلَيْهِمْ } أي كفار مكة {نَبَأَ } خبر {نُوحٍ } ويبدل منه {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ } شق {عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } لبثي فيكم {وَتَذْكِيرِى } وعظي إياكم {بئَايـَٱتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } اعزموا على أمر تفعلونه بي {وَشُرَكَآءَكُمْ } الواو بمعنى (مع) {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } مستوراً بل أظهروه وجاهروني به {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ } امضوا في ما أردتموه {وَلاَ تُنظِرُونِ } تمهلون، فإني لست مبالياً بكم.
الشوكاني
تفسير : لما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبهة المنهارة؛ شرع في ذكر قصص الأنبياء، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } أي: على الكفار المعاصرين لك، المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة {نَبَأَ نُوحٍ } أي: خبره، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن، والمراد: ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به، كما فعله كفار قريش وأمثالهم: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } أي: وقت قال لقومه، والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، واللام في {لِقَوْمِهِ } لام التبليغ {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } أي: عظم وثقل، والمقام بفتح الميم: الموضع الذي يقام فيه، وبالضم الإقامة. وقد اتفق القراء على الفتح، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان: أي لأجله. ومنه: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] أي: خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام: المكث: أي: شقّ عليكم مكثي بين أظهركم، ويجوز أن يراد بالمقام: القيام؛ لأن الواعظ يقوم حال وعظه؛ والمعنى: إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، وكبر عليكم تذكيري لكم {بِآيَاتِ ٱللَّه} التكوينية والتنزيلية، {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } هذه الجملة جواب الشرط، والمعنى: إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديماً وحديثاً. ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل، ويجوز أن يكون جواب الشرط {فَأَجْمِعُواْ } وجملة {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } اعتراض، كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي. ومعنى: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } اعتزموا عليه، من أجمع الأمر: إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء: وروي عن الفراء أنه قال: أجمع الشيء: أعدّه، وقال مؤرّج السدوسي: أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه، وأنشد:شعر : يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوماً وأمري مجمع تفسير : وقال أبو الهيثم: أجمع أمره: جعله جميعاً بعدما كان متفرّقاً، وتفرّقه أن تقول مرّة أفعل كذا، ومرّة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه: أي جعله جميعاً، فهذا هو الأصل في الإجماع، ثم صار بمعنى العزم، وقد اتفق جمهور القراء على نصب «شركاءكم» وقطع الهمزة من أجمعوا. وقرأ يعقوب، وعاصم الجحدري بهمزة وصل في {أجمعوا}، على أنه من جمع يجمع جمعاً. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، ويعقوب «وشركاؤكم» بالرفع. قال النحاس: وفي نصب الشركاء على قراءة الجمهور ثلاثة أوجه: الأوّل: بمعنى: وادعوا شركاءكم، قاله: الكسائي والفراء، أي ادعوهم لنصرتكم، فهو على هذا منصوب بفعل مضمر. وقال محمد بن يزيد المبرد: هو معطوف على المعنى، كما قال الشاعر:شعر : يا ليت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : والرمح لا يتقلد به، لكنه محمول كالسيف. وقال الزجاج: المعنى مع شركائكم، فالواو على هذا واو مع. وأما على قراءة "اجمعوا" بهمزة وصل فالعطف ظاهر: أي اجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم. وأما توجيه قراءة الرفع، فعلى عطف الشركاء على الضمير المرفوع في {أجمعوا}، وحسن هذا العطف مع عدم التأكيد بمنفصل كما هو المعتبر في ذلك أن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة بعيدة؛ لأنه لو كان {شركاءكم} مرفوعاً لرسم في المصحف بالواو، وليس ذلك موجوداً فيه، قال المهدوي: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء، والخبر محذوف: أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل، لقصد التوبيخ، والتقريع لمن عبدها. وروي عن أبيّ أنه قرأ: «وادعوا شركاءكم» بإظهار الفعل. قوله: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } الغمة: التغطية من قولهم، غمّ الهلال: إذا استتر، أي: ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً، قال طرفة:شعر : لعمرك ما أمري عليّ بغمة نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد تفسير : هكذا قال الزجاج، وقال الهيثم: معناه لا يكن أمركم عليكم مبهماً. وقيل: إن الغمة: ضيق الأمر، كذا روي عن أبي عبيدة. والمعنى: لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقاً شديداً، بل ادفعوا هذا الضيق والشدّة بما شئتم، وقدرتم عليه، وعلى الوجهين الأوّلين: يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول، وعلى الثالث: يكون المراد به غيره. قوله: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } أي ذلك الأمر الذي تريدونه بي، وأصل اقضوا: من القضاء، وهو الإحكام، والمعنى: أحكموا ذلك الأمر. قال الأخفش والكسائي: هو مثل: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } تفسير : [الحجر: 66] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه، ثم {لا تنظرون}: أي لا تمهلون، بل عجلوا أمركم واصنعوا ما بدا لكم، وقيل معناه: ثم امضوا إليّ ولا تؤخرون، قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة، ومنه قضى الميت: مضى، وحكى الفراء عن بعض القراء أنه قرأ «ثم أفضوا» بالفاء وقطع الهمزة، أي توجهوا، وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدلّ على وثوقه بنصر ربه، وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه. ثم بيّن لهم أن كل ما أتى به إليهم من الإعذار والإنذار، وتبليغ الشريعة عن الله، ليس هو لطمع دنيويّ، ولا لغرض خسيس، فقال: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } أي: إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم، وتذكيري إياكم، فما سألتكم في مقابلة ذلك من أجر تؤدّونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به، والفاء في {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والفاء في {فَمَا سَأَلْتُكُمْ } جزائية {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } أي: ما ثوابي في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه، فهو يثيبني آمنتم أو توليتم. قرأ أهل المدينة، وأبو عمر، وابن عامر، وحفص، بتحريك الياء من {أجري}، وقرأ الباقون بالسكون {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه، لا يأخذون عليها أجراً ولا يطمعون في عاجل. قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ } أي: استمروا على تكذيبه أصرّوا على ذلك، وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن، والمراد بمن معه: من قد أجابه وصار على دينه، والخلائف جمع خليفة، والمعنى: أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق، ويخلفونهم فيها {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} من الكفار المعاندين لنوح، الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله بالطوفان {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديد للمشركين، وتهويل عليهم. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ } أي: من بعد نوح {رُسُلاً } كهود وصالح، وإبراهيم ولوط، وشعيب {فَجَاءوهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } أي: بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبيّ {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } أي: فما أحدثوا الإيمان بل استمرّوا على الكفر وأصرّوا عليه، والمعنى: أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } أي: من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم، والمعنى: أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين، بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا مبنيّ على أن الضمير في {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } وفي: {بِمَا كَذَّبُواْ } راجع إلى القوم المذكورين في قوله: {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } وقيل: ضمير {كذبوا} راجع إلى قوم نوح: أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من بعدهم {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } وقيل: إن الباء في {بما كذبوا به من قبل} للسببية، أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب الحق من قبل مجيئهم، وفيه نظر. وقيل المعنى: بما كذبوا به من قبل: أي في عالم الذرّ فإن فيهم من كذب بقلبه، وإن آمنوا ظاهراً. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل: إنه لقوم بأعيانهم {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ } أي: مثل ذلك الطبع العظيم نطبع على قلوب المتجاوزين للحدّ المعهود في الكفر، وقد تقدّم تفسير هذا في غير موضع. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الأعرج، في قوله: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } يقول: فأحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. وأخرج أيضاً عن الحسن في الآية أي: فليجمعوا أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } قال: لا يكبر عليكم أمركم {ثُمَّ ٱقْضُواْ } ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {ثُمَّ ٱقْضُواْ } قال: انهضوا {إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } يقول: ولا تؤخرون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكآءَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم لنصرتكم، قاله الفراء. الثاني: فاجمعوا أمركم مع شركائكم على تناصركم، قاله الزجاج. وفي هذا الإجماع وجهان: أحدهما: أنه الإعداد. الثاني: أنه العزم. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} فيه تأويلان: أحدهما: أن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم. الثاني: أنه المغطى، من قولهم: قد غم الهلال إذا استتر. وفي المراد بالأمر ها هنا وجهان: أحدهما: من يدعونه من دون الله تعالى. الثاني: ما هم عليه من عزم. {ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثم انهضوا،قاله ابن عباس. الثاني: ثم اقضوا إليّ ما أنتم قاضون، قاله قتادة. الثالث: اقضوا إليّ ما في أنفسكم، قاله مجاهد. {وَلاَ تُنظِرُونَ} قال ابن عباس: ولا تؤخروني. قوله عز وجل: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} يعني عن الإيمان. {فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: فما سألتكم من أجر تستثقلونه فتمتنعون من الإجابة لأجله، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ}. والثاني: فما سألتكم من أجر إن انقطع عني ثقُل علي. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} وقد حصل بالدعاء لكم إن أجبتم أو أبيتم. {أمِرتُ أن أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ} أي من المستسلمين لأمر الله بطاعته. قوله عز وجل: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ في الْفُلْكِ} قال ابن عباس: كان في سفينة نوح عليه السلام ثمانون رجلاً أحدهم جرهم وكان لسانه عربياً، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، قال ابن عباس فكان أول ما حمل الذرة وآخر ما حمل الحمال ودخل معه إبليس يتعلق بذنبه. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ} أي خلفاً لمن هلك بالغرق. {وَأَغْرَقُنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِنَا} حكى أبو زهير أن قوم نوح عاشوا في الطوفان أربعين يوماً. وذكر محمد بن إسحاق أن الماء بقي بعد الغرق مائة وخمسين يوماً، فكان بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن غاض الماء ستة أشهر وعشرة أيام وذلك مائة وتسعون يوماً. قال محمد بن إسحاق لما مضت على نوح أربعون ليلة فتح كوة السفينة ثم أرسل منها الغراب لينظر ما فعل الماء فلم يعد، فأرسل الحمامة فرجعت إليه ولم تجد لرجلها موضعاً، ثم أرسلها بعد سبعة أيام فرجعت حيث أمست وفي فيها ورقة زيتونة فعلم أن الماء قد قل على الأرض، ثم أرسلها بعد سبعة أيام فلم تعد فعلم أن الأرض قد برزت، وكان استواء السفينة على الجودي لسبع عشرة ليلة من الشهر السابع فيما ذكر،والله أعلم.
ابن عطية
تفسير : تقدم في الأعراف الكلام على لفظة {نوح } و" المقام " وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه، و"المُقام" بضم الميم إقامته ساكناً في موضع أو بلد، ولم يقرأ هنا بضم الميم و " تذكيره ": وعظه وزجره، والمعنى: يا قوم إن كنتم تستضعفون حالي ودعائي لكم إلى الله فإني لا أبالي عنكم لتوكلي على الله تعالى فافعلوا ما قدرتم عليه، وقرأ السبعة وجهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: " فأجمعوا " من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل ] شعر : هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع تفسير : ومنه قول الآخر: [الخفيف ] شعر : أجمعوا أمرهم بليلِ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء تفسير : ومنه الحديث ما لم يجمع مكثاً ومنه قول أبي ذؤيب: [ الكامل ] شعر : ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ شوقاً وأقبلَ حينه يتتبع تفسير : وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش " فاجمَعوا " بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و {أمركم } يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: {أية : فتولى فرعون فجمع كيده} تفسير : [طه: 60] وكل هؤلاء نصب "الشركاء"، ونصب قوله: {شركاءكم }، يحتمل أن يعطف على قوله {أمركم }، وهذا على قراءة " فاجمعوا " بالوصل، وأما من قرأ: "فأجمعوا" بقطع الألف فنصب "الشركاء" بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر: [ المتقارب ] شعر : شراب اللبان وتمر وأقط تفسير : ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل] شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : ومن قول الآخر: [ الرجز ] شعر : علفتها تبناً وماء بارداً حتى شَأت همالة عيناها تفسير : وفي مصحف أبي بن كعب: "فأجمعوا وادعوا شركاءكم"، قال أبو علي: وقد ينتصب "الشركاء" بواو " مع "، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه " وشركاؤكم " بالرفع عطفاً على الضمير في {أجمعوا}، وعطف على الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في {أمركم } ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة " وشركائكم " بالخفض على العطف على الضمير في قوله: {أمركم }، التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجّاج ]: شعر : أكل امرىء تحسبين أمرأً ونار توقد بالليل نارا تفسير : أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم، وقوله {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة }، أي ملتبساً مشكلاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال، " حديث : فإن غم عليكم "تفسير : ومنه قول الراجز: شعر : ولو شهدت الناس إذا تكمّوا بغمة لو لم تفرجْ غمّوا تفسير : وقوله {ثم اقضوا إلي } ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: " ثم أفضوا " بالفاء وقطع الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة وجلية، وقوله {ولا تنظرون } أي لا تؤخرون والنظرة التأخير.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَجْمِعُواْ} أعزموا، أو أعدوا أمركم مع شركائكم على التناصر، أو ادعوا شركاءكم لتنصركم. {غُمَّةً} مغطى مستوراً، غُم الهلال استتر، أو ضيق الأمر الموجب للغم {لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ} آلهتكم، أو ما عزمتم عليه. {اقْضُواْ} ما أنتم قاضون، أو انهضوا "ع"، أو أفضوا إليَّ ما في أنفسكم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {واتل عليهم نبأ نوح} لما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من الكفر والعناد شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم ليكون في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة بمن سلف من الأنبياء وتسلية له ليخف عليه ما يلقى من أذى قومه وأن الكفار من قومه إذا سمعوا هذه القصص وما جرى لكفار الأمم الماضية من العذاب والهلاك في الدنيا كان ذلك سبباً لخوف قلوبهم وداعياً لهم إلى الإيمان. ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكاً وأعظمهم كفراً وجحوداً ذكر الله قصتهم وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة لكفار قريش، فقال سبحانه وتعالى واتل عليهم نبأ نوح يعني واقرأ على قومك يا محمد خبر قوم نوح {إذ قال لقومه يا قوم} وهو بنو قابيل {إن كان كبر} يعني ثقل {عليكم مقامي} يعني فيكم {وتذكيري بآيات الله} يعني: ووعظي إياكم بآيات الله: وقيل: معناه إن كان ثقل وشق عليكم طول مقامي فيكم وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى ويذكرهم بآيات الله وهو قوله وتذكيري بآيات الله يعني ووعظي بآيات الله وحججه وبيناته فعزمتم على قتلي وطردي {فعلى الله توكلت} يعني فهو حسبي وثقتي {فأجمعوا أمركم} يعني فأحكموا أمركم واعزموا عليه، قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم وكرهم فالتقدير لا تدعوا من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه {وشركاءكم} يعني وادعوا شركاءكم يعني آلهتكم فاستعينوا بها لتجمع معكم وتعينكم على مطلوبكم وإنما حثهم على الاستعانة بالأصنام بناء على مذهبهم واعتقادهم أنها تضر وتنقع مع اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع فهو كالتبكيت والتوبيخ لهم {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} يعني لا يكن أمركم عليكم خفياً مبهماً ولكن ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً من قولهم غم الهلال فهو مغموم إذا خفي والتبس على الناس {ثم اقضوا} ثم امضوا {إليّ} بما في أنفسكم من مكروه وما توعدوني به من قتل وطرد وافرغوا منه تقول العرب قضى فلان إذا مات ومضى وقيل معناه ثم اقضوا ما أنتم قاضون {ولا تنظرون} أي: ولا تؤخروني ولا تمهلوني بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه وهذا الكلام من نوح عليه السلام على طريق التعجيز لهم أخبر الله عز وجل عن نوح عليه السلام أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله وأنه كان واثقاً بنصره غير خائف من كيدهم علماً منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر وإن مكرهم لا يصل إليه {فإن توليتم} يعني فإن أعرضتم عن قولي وقبول نصحي {فما سألتكم من أجر} يعني من جعل وعوض على تبليغ الرسالة فإذا لم يأخذ على تبليغ الدعوة إلى الله شيئاً كان أقوى تأثيراً في النفس {إن أجري إلا على الله} أي: ما ثوابي وجزائي على تبليغ الرسالة إلا على الله {وأمرت أن أكون من المسلمين} يعني أني أمرت بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تارك له سواء قبلتموه أم لم تقبلوه وقيل معناه وأمرت أن أكون من المستسلمين لأمر الله ولكل مكروه يصل إلي منكم لأجل هذه الدعوة {فكذبوه} يعني فكذبوا نوحاً عليه السلام {فنجيناه ومن معه في الفلك} يعني في السفينة {وجعلناهم خلائف} يعني وجعلنا الذين نجيناهم معه في الفلك سكان الأرض بعد الهالكين {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي فانظر يا محمد أو يا أيها الإنسان كيف كان آخر أمر من أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا ولم يقبلوا ذلك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وشركاؤكم} بالرفع: يعقوب {إن أجري} بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص {ويكون لكما} بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد. الباقون بتاء التأنيث {آلسحر} بالمد: يزيد وأبو عمرو {أن تبويا} بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة. الآخرون بالهمز. {ليضلوا} بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل {ولا تتبعان} بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام. {تتبعان} خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة. الباقون والحلواني عن هشام {تتبعان} بتشديدها في الحالين {منت أنه} بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من {آمنت}: حمزة وعلي وخلف. الآخرون بالفتح. {ننجيك} من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة. والآخرون بالتشديد. الوقوف: {نبأ نوح} م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: {اتل} بل التقدير: واذكر إذ قال. {ولا تنظرون} ه {من أجر} ط {على الله} ج لأن التقدير وقد أمرت {من المسلمين} ه {بآياتنا} ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر {المنذرين} ه {من قبل} ط {المعتدين} ه {مجرمين} ه {مبين} ه {لما جاءكم} ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: {أسحر} يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان {هذا} ط للفصل بين الأخبار والاستخبار {الساحرون} ه {في الأرض} ط {بمؤمنين} ه {عليم} ه {ملقون} ه {ما جئتم به} ط لمن قرأ {آلسحر} مستفهماً {السحر} ط {سيبطله} ط {المفسدين} ه {المجرمون} ه {أن يفتنهم} ط {في الأرض} ج لاتصال الكلام {المسرفين} ه {مسلمين} ه {توكلنا} ج للعدول مع اتحاد القائل {الظالمين} ه لا للعطف. {الكافرين} ه ج {وأقيموا الصلاة} ط لأن قوله {وبشر} خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وإن أريد به موسى فلا بد من العدول {المؤمنين} ه {الدنيا} لا لتعلق قوله: {ليضلوا} بقوله: {آتيت} و {وربنا} تكرار للأول لأجل التضرع. {عن سبيلك} ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل {الأليم} ه {لا يعلمون} ه {وعدواً} ط {الغرق} لا لأن قال جواب "إذا" {المسلمين} ه {المفسدين} ه {آية} ط {لغافلون} ه. التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف". ومعنى كبر ثقل وشق كقوله:{أية : وإنها لكبيرة}تفسير : [البقرة: 45] وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى:{أية : ولمن خاف مقام ربه}تفسير : [الرحمن: 46] أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل. ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة. ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود. وجواب الشرط إما قوله: {فعلى الله توكلت} أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: {فأجمعوا} وقوله: {فعلى الله توكلت} اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد. ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى {فأجمعوا أمركم} اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء. وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً. فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم. وانتصب {شركاءكم} على المفعول معه أي مع شركائكم. ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل. والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام. وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله:{أية : قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون}تفسير : [الأعراف: 195] واعلم أنه عليه السلام قال في أول الأمر {فعلى الله توكلت} ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: {فأجمعوا أمركم} كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم. ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس. وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له. وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك. ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة. ثم زاد قيداً آخر فقال: {ثم اقضوا إليّ} ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه. وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه. ثم ختم الكلام بقوله: {ولا تنظرون} أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى. ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: {فإن توليتم} أعرضتم عن نصحي وتذكيري {فما سألتكم من أجر} فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل {إن أجري} ليس أجري {إلا على الله} أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو. وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: {فعلى الله توكلت} إلى آخره. ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: {فإن توليتم} الآية. {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة. {فكذبوه} بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة. {فنجيناه ومن معه في الفلك} قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك {وجعلناهم خلائف} يخلفون الهالكين بالطوفان {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {ثم بعثنا من بعده} من بعد نوح {رسلاً} كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب {فجاؤوهم بالبينات} بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو {كذبوا بآياتنا} وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله{أية : ولكن كذبوا}تفسير : [الآية: 96] بغير الباء {ثم بعثنا من بعدهم} بعد الرسل أو الأمم {بآياتنا} يعني الآيات التسع {فاستكبروا} عن قبولها {وكانوا قوماً مجرمين} كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات. أما قوله: {أسحر هذا} فليس بمقول لقوله: {أتقولون} لأنهم قطعوا في قوله: {إن هذا لسحر مبين} بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله:{أية : سمعنا فتى يذكرهم}تفسير : [الأنبياء: 60] ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟ ثم أنكر عليهم قولهم فقال: {أسحر هذا} أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم {إن هذا لسحر مبين} أو يقال: جملة قوله {أسحر هذا} {ولا يفلح الساحرون} حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه {قالوا أجئتنا لتلفتنا} التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} أي الملك والعز في أرض مصر. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا. وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم. وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة. ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا. ثم صرحوا بالتكذيب قائلين {وما نحن لكما بمؤمنين} ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف". أما قوله: {ما جئتم به} فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله. قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر. فقال موسى: بل ما جئتم به السحر. فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة. يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً. فيقول له: من الرجل؟ ولو قال: من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره. ومن قرأ {آلسحر} بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و {جئتم به} خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به. ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به {إن الله سيبطله} بإظهار المعجزة عليه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} لا يؤيده بجميل الخاتمة {ويحق الله الحق} يثبته {بكلماته} بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره {فما آمن لموسى} أي في أول أمره {إلا ذريّة من قومه} قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد. وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم. وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل. وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في {قومه} على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في {ملئهم} إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: {أن يفتنهم} أي يعذبهم فرعون. ثم أكد أسباب الخوف بقوله: {وإن فرعون لعال} لغالب {في الأرض} أرض مصر {وإنه لمن المسرفين} في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا {وقال موسى} تثبيتاً لقومه {إن كنتم آمنتم بالله} صدقتم به وبآياته {فعليه توكلوا} خصوه بتفويض أموركم إليه {إن كنتم مسلمين} قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة. والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده. {فقالوا} مؤتمرين لموسى {على الله توكلنا} ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين {ربنا لا تجعلنا فتنة} أي موضع فتنة لهم. والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق. ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: {ونجنا} الآية. وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق. {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً} تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً. واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: {أية : في بيوت أذن الله أن ترفع} تفسير : [النور: 36] فالمراد من قوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله تعالى في أيام نبينا صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة. ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت. ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم. وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلام بمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض. وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم. وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور. ثم خص موسى عليه السلام بالتبشير في قوله: {وبشر المؤمنين} لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: {وبشر المؤمنين} لنبينا صلى الله عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض. ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده. ثم إن موسى عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا {قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً} فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق. عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة. قالت الأشاعرة: اللام في قوله: {ليضلوا} لام التعليل كأن موسى عليه السلام قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه تعالى تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه. ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم. والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله سبحانه:{أية : من قبل أن نطمس وجوهاً}تفسير : [النساء: 47] وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم. وقالت المعتزلة: قوله {ليضلوا} دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد. كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه. سلمنا أن قوله: {ليضلوا} ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت". سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا. ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله:{أية : يبين الله لكم أن تضلوا}تفسير : [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب. أما قوله تعالى: {فلا يؤمنوا} فإما أن يكون معطوفاً على قوله: {ليضلوا} على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله {واشدد} ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على {اشدد}. {قال قد أجيبت دعوتكما} أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته {فاستقيما} فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا. قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله {ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون} أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: {أية : وإذ فرقنا بكم البحر} تفسير : [البقرة: 50] الآية، ومعنى قوله: {فأتبعهم} لحقهم. يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: {آمنت} وثانيتها {أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} وثالثتها {وأنا من المسلمين} فلم تقبل توبته. والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف. الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة. الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية. الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر. الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول. السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة. السابع يروى أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه. أما قوله {آلآن} فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل. وقيل: إنه قول الله سبحانه والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك. وقوله: {وكنت من المفسدين} في مقابلة قوله: {وأنا من المسلمين} يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: {آمنت} لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله تعالى:{أية : وتعاونوا}تفسير : [المائدة: 2] ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر. وكيف يليق به سبحانه أن يقول لموسى وهارون{أية : فقولا له قولاً ليناً}تفسير : [طه: 44] ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان. ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله:{أية : وما نتنزل إلا بأمر ربك}تفسير : [مريم: 64]{أية : لا يسبقونه بالقول}تفسير : [الأنبياء: 27] وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر. قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق. وقوله: {ببدنك} في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن. قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت. وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع. وقيل: ببدنك أي بدرعك. قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين. عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى عليه السلام. وأما قوله: {لتكون لمن خلفك آية} فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه. وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: {لمن خلفك} وقيل: إنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله:{أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات: 24] ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه. وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال { وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}. التأويل: {واتل عليهم نبأ نوح} الروح {إذ قال لقومه} وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها {يا قوم إن كان} عظم {عليكم مقامي} في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة {فما سألتكم من أجر} من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله. و{جعلناهم خلائف} خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف". وهكذا في قصة موسى {ولا يفلح الساحرون} لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي. {ويحق الله الحق} أي الذكر {بكلماته} وهي لا إله إلا الله {ولو كره} أهل الهوى والنفوس الأمارة {فما آمن لموسى} القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية {على خوف من فرعون} النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها. {وأوحينا إلى موسى} القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي. واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق. {وأقيموا الصلاة} أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية {ليضلوا عن سبيلك} ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك {ربنا اطمس على أموالهم} بمحقها وتحقيرها في نظرهم {واشدد} طريق النظر إلى الدنيا وما فيها {على قلوبهم} واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط {حتى يروا العذاب الأليم} فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها. {سبيل الذين لا يعلمون} طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره {وجاوزنا ببنى إسرائيل} هم القلب والسر وصفاتها. والبحر بحر الروحانية الملكوتية {فأتبعهم فرعون} النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: {آمنت} ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} {ننجيك ببدنك} أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا. وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} الآية. لمَّا بالغ في تقرير الدَّلائل، والجواب عن الشُّبه، شرع في بيان قصص الأنبياء؛ لوجوه: الأول: أنَّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العُلُوم؛ فربَّما حصل نوع من الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفنِّ إلى فنٍّ آخر، انشرح، ووجد في نفسه رغبةً شديدةً. الثاني: ليتأسَّى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء؛ فإنَّ الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكُفَّار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه، خفَّ ذلك على قلبه، كما يقال: إن المصيبة إذا عمَّتْ خفَّتْ. الثالث: أنَّ الكُفَّار إذا سمعُوا هذه القصص، وعلموا أنَّ الجُهَّال وإن بالغُوا في إيذاء الأنبياء المتقدِّمين، إلاَّ أنَّ الله - تعالى - أعانهم بالآخرة، ونصرهم، وأيَّدهُم، وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكُفَّار لهذه القصص، سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوعِ الخوف في صدورهم؛ فحينئذٍ يُقَلِّلُون من الأذى والسَّفاهة. الرابع: أنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - لمَّا لمْ يتعلَّم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوُتٍ، ومن غير زيادة ولا نقصان، دلَّ ذلك على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إنَّما عرفها بالوحْي والتنزيل، وحذفت الواو من "اتْلُ" لأنه أمر. قوله: "إذْ قال" يجوز أن تكون "إذْ" معمولةً لـ "نَبَأ" ويجوز أن تكون بدلاً من "نَبَأ" بدل اشتمال، وجوَّز أبو البقاء: أن تكون حالاً من "نَبَأ" وليس بظاهر، ولا يجوزُ أن يكون منصوباً بـ "اتلُ" لفساده؛ إذ "اتْلُ" مستقبلٌ، و "إذ" ماضٍ، و "لِقوْمِهِ" اللام: إمَّا للتبليغ، وهو الظاهرُ، وإمَّا للعِلَّة، وليس بظاهرٍ. قال المفسرون: "قوم نُوح هم: ولد قابيل". قوله: {كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} من باب الإسناد المجازيِّ؛ كقولهم: "ثَقُلَ عليَّ ظلُّه". وقرأ أبو رجاء، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء: "مُقَامِي" بضمِّ الميم، و "المقام" بالفتح: مكان القيام، وبالضم: مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها. وقال ابن عطيَّة: "ولم يُقْرَأ هنا بضمِّ الميم". كأنَّه لم يطَّلع على قراءة هؤلاء. قال الواحدي: يقال: كَبُرَ يَكبُرُ كِبراً في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمرُ والشيء، إذا عظم، يَكْبُرُ كِبَراً وكُبَّارة، قال ابن عبَّاس: "ثقُل عليكم، وشقَّ عليكم" وأراد بالمقام ههنا: مُكْثَهُ. وسبب هذا الثِّقل أمران: الأول: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - مكث فيهم ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً. والثاني: أنَّ أولئك الكُفَّار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة، ومن ألف طريقة في الدِّين؛ فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها؛ فإن اقترن بذلك طول مُدَّة الدُّعاءِ، كان أثقل، وأشدّ كراهية، وقوله {وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ}: بحُجَجِه وبيناته. قوله: {فَعَلَى ٱللَّهِ} جواب الشَّرط، وقوله {فَأَجْمِعُوۤاْ} عطف على الجواب، ولم يذكر أبُو البقاء غيره، واستُشْكِل عليه أنَّه متوكلٌ على الله دائماً، كبُر عليهم مقامُه أوْ لمْ يَكْبُرْ. وقيل: جوابُ الشَّرط قوله: "فأجْمِعُوا" وقوله: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ}: جملةٌ اعتراضية بين الشَّرطِ وجوابه؛ وهو كقول الشاعر: [الكامل] شعر : 2912- إمَّا تَرَيْنِي قَد نَحَلْتُ ومَنْ يكُنْ غَرضاً لأطْرَافِ الأسنَّةِ يَنْحَلِ فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ ثِقْلِكِ بَادِنٍ ضَخْمٍ على ظَهْرِ الجَوَادِ مُهَيَّلِ تفسير : وقيل: الجوابُ محذوفٌ، أي: فافْعَلُوا ما شِئْتُم. وقرأ العامَّة: "فأجْمِعُوا" أمْراً من "أجْمَع" بهمزة القطع، يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال: أجْمَعْتُ أمري، وجمعتُ الجيشَ، هذا هو الأكثر. قال الحارثُ بن حلِّزة: [الخفيف] شعر : 2913- أجْمَعُوا أمْرَهُمْ بِليْلٍ فلمَّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 2914- يَا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْماً وأمْرِي مُجْمَعُ؟ تفسير : وهل أجمع متعدٍّ بنفسه، أو بحرف جر ثم حذف اتساعاً؟ فقال أبو البقاء: من قولك أجمعتُ على الأمْرِ: إذا عزمتَ عليه؛ إلاَّ أنَّه حُذفَ حرفُ الجر فوصل الفعل إليه، وقيل: هو متعدٍّ بنفسه، وأنشد قول الحارث. وقال أبو فيد السَّدُوسي: أجمعت الأمر، أفصحُ من أجمعت عليه. وقال أبو الهيثم: أجمع أمرهُ جعلهُ مجموعاً بعد ما كان متفرقاً، قال: وتفرقته أن يقول مرَّة افعل كذا، ومرَّة افعل كذا، وإذا عزم على أمرٍ واحدٍ، فقد جمعه أي: جعله جميعاً، فهذا هو الأصلُ في الإجماع، ثم صار بمعنى: العزْم، حتى وصل بـ "عَلَى" فقيل: أجمعتُ على الأمر؛ أي: عَزَمْتُ عليه، والأصلُ: أجمعتُ الأمرَ. وقرأ العامَّةُ: "وشُركَاءَكُم" نصباً وفيه أوجه: أحدها: أنَّه معطوفٌ على "أمركُم" بتقدير حذف مضافٍ، أي: وأمر شركائكم؛ كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82]، ودلَّ على ذلك ما تقدَّم من أنَّ "أجمع" للمعاني. الثاني: أنَّه عطفٌ عليه من غير تقدير حذف مضافٍ، قيل: لأنَّه يقال أيضاً: أجمعت شركائي. الثالث: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ لائق، واجمعُوا شركاءكم بوصل الهمزة، وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أبيِّ "وادعوا" فأضمر فعلاً لائقاً؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحشر:9]، أي: واعتقدوا الإيمان. ومثله قول الآخر: [الرجز] شعر : 2915- عَلفتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً حتَّى شَتَتْ همَّالةً عَيْنَاهَا تفسير : أي: وسقيتها ماءً؛ وكقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 2916- يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 2917- إذَا مَا الغَانِيَاتُ يَرَزْنَ يَوْماً وزجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا تفسير : يريد: ومُعْتَقِلاً رمحاً، وكحَّلنَ العُيُونا، وقد تقدَّم أنَّ في هذه الأماكن غير هذا التخريج. الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي: "مع شُركائكم". قال الفارسيُّ: وقد يُنْصَب الشُّرَكاء بواو "مع"، كما قالوا: جاء البرد والطَّيالسة، ولم يذكر الزَّمخشريُّ غير قول أبي علي. قال الزَّجَّاج: "معناه: فأجمعُوا أمركم مع شُركائِكُم، فلما ترك انتصب". قال أبو حيَّان: "وينبغي أن يكون هذا التخريجُ على أنَّه مفعولٌ معه من الفاعل، وهو الضمير في "فأجْمِعُوا" لا من المفعول الذي هو "أمْرَكُمْ" وذلك على أشهر الاستعمالين؛ لأنَّه يقال: "أجمع الشركاءُ أمرهم" ولا يقال: "جمع الشركاء أمرهم" إلا قليلاً". قال شهاب الدين: يعني: أنَّهُ إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل، كان جائزاً بلا خلافٍ، وذلك لأنَّ من النَّحويين من اشترط في صحَّة نصب المفعول معه: أن يصلح عطفُه على ما قبله، فإنْ لَمْ يصلح عطفه، لم يصحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يجز على المشهور، إذ لا يصلح عطفه على ما قبله؛ إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جمعت. وقرأ الزهري، والأعمش، والأعرج، والجحدري، وأبو رجاء، ويعقوب، والأصمعي عن نافع: "فاجْمَعُوا" بوصل الألف، وفتح الميم من جمع يجْمَعُ، و "شُرَكاءكُمْ" على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدَّم في القراءة الأولى من الأوجه. قال صاحبُ اللوامح: أجمعت الأمر: أي: جعلته جميعاً، وجمعتُ الأموال جمعاً، فكان الإجماع في الأحداث، والجمعُ في الأعيان، وقد يستعمل كلُّ واحدٍ مكان الآخر، وفي التنزيل: {أية : فَجَمَعَ كَيْدَهُ}تفسير : [طه:60] وقد اختلف القراء في قوله: {أية : فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ}تفسير : [طه:64]. فقرأ الستَّة: بقطع الهمزة، جعلوه من "أجْمع" وهو موافق لما قيل: إنَّ "أجْمَع" في المعاني. وقرأ أبو عمرو وحدهُ "فاجْمَعُوا" بوصل الألف، وقد اتفقوا على قوله {أية : فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ}تفسير : [طه:60]، فإنَّه من الثلاثي، مع أنَّه متسلِّطٌ على معنًى، لا عينٍ. ومنهم من جعل للثلاثي معنى غير معنى الرُّباعي؛ فقال في قراءة أبي عمرو: من جمع يَجْمع ضد فرَّق يفرق، وجعل قراءة الباقين من: أجمع أمرهُ إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : 2918- يَا ليتَتْ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْذُونْ يوماً وأمْرِي مُجْمَع؟ تفسير : وقيل: المعنى: فاجمعوا على كيدكم؛ فحذف حرف الجرِّ. وقرأ الحسن، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وسلام، ويعقوب: "وشُرَكاؤكُمْ" رفعاً، وفيه تخريجان: أحدهما: أنَّه نسقٌ على الضَّمير المرفوع بـ "أجْمِعُوا" قبله، وجاز ذلك؛ إذ الفصل بالمفعول سوَّغ العطف. والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: وشُركاؤكُم فليُجْمِعُوا أمرهم، وشذَّتْ فرقةٌ فقرأت: "وشُرَكائِكُمْ" بالخفضِ، ووُجِّهَتْ على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرُوراً على حاله؛ كقول الشاعر: شعر : 2919- أكُلَّ امرِىءٍ تَحْسِبينَ امْرَءًا ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْل نَارَا تفسير : أي: وكُلَّ نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم؛ فحذف الأمر، وأبقى ما بعده على حاله، ومن رأى برأي الكوفيين جوَّزَ عطفه على الضَّمير في "أمركم" من غير تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب، أعني: العطف على الضَّمير المجرور من غير إعادة الجارِّ في سُورة البقرة. قوله: "غُمَّةً" يقال: غمٌّ وغُمَّةٌ، نحو كَرْبٌ وكُربَةٌ. قال أبو الهيثم: هو من قولهم: غمَّ علينا الهلالُ، فهو مغمومٌ إذا التمسَ، فلم يُرَ؛ قال طرفةُ بن العبد: [الطويل] شعر : 2920- لعَمْرُكَ ما أمْرِي عليَّ بغُمَّةٍ نَهَاري ولا لَيْلِي عليَّ بِسرمَدِ تفسير : وقال اللَّيث: يقال: هُو في غُمَّةٍ من أمره، إذا لَمْ يتبيَّنْ لهُ. قوله: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ} مفعول "اقضوا" محذوف، أي: اقضُوا إليَّ ذلك الأمر الذي تريدون إيقاعه بي؛ كقوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ}تفسير : [الحجر:66] فعدَّاه لمفعول صريح. وقرأ السَّري: "ثُمَّ أفْضُوا" بقطع الهمزة والفاء، من أفْضى يُفضِي إذا انتهى، يقال: أفضَيْتُ إليك، قال تعالى: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء:21]، فالمعنى: ثُمَّ أفضُوا إليَّ سرَّكم، أي: انتهوا به إليَّ، وقيل: معناه: أسْرِعُوا به إليَّ، وقيل: هو مِنْ أفْضَى، أي: خَرَجَ إلى الفضاءِ، أي: فأصْحِرُوا به إليَّ، وأبرزُوه لي؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2921- أبَى الضَّيْمَ والنُّعْمَانُ يَحْرِقُ نابهُ عليه فأفْضَى والسُّيُوفُ معاقِلُه تفسير : ولامُ الفضاءِ واوٌ؛ لأنَّه من فضا يَفْضُو، أي: اتَّسعَ، والمعنى: فأحكمُوا أمركُم، واعزِمُوا وادعُوا شُركَاءَكُم، أي: آلهتكُم، فاستعينوا بها لتجتمع. وروى الأصمعي، عن نافع: "فأجمعُوا ذوي الأمر منكم" فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. قال ابن الأنباري: المرادُ من الأمر هنا: وجوه كيدهم، ومكرهم، والتقدير: لا تتركوا مِن أمركُم شيئاً إلا أحضرتُمُوه. والمراد من الشركاء: إما الأوثان؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّها تَضُرُّ وتنفعُ، وإمَّا أن يكون المرادُ: من كان على مثل دينهم. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي: خفيًّا مبهماً، من قولهم: غَمَّ الهلالُ على النَّاسِ، أي: أشْكل عليهم، فهو مغمومٌ إذا خفي. "ثُمَّ اقضُوا" أي: امضُوا، "إليَّ": بما في أنفسكم من مكروه وافرغوا منه، يقال: قضى فلان: إذا مات، وقضى دينه: إذا فرغ منه، وقيل معناه: توجَّهُوا إليَّ بالقتل والمكروه، وقيل: "فاقْضُوا ما أنتم قاضُون" كقول السَّحرة لفرعون" {أية : فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ}تفسير : [طه:72]. قال القفال: ومجاز دُخُول كلمة "إلى" في هذا الموضع من قولهم: برئت إليك، وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار؛ فكأنَّه - تعالى - قال: ثم اقضُوا إليَّ ما يستقرُّ رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه، ثم لا تنظرون أي: لا تمهلون ولا تُؤخِّرُون. وقد نظَّم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه، فقال: إنه - عليه الصلاة والسلام - قال في أول الأمر: فعلى الله توكلت؛ فإنِّي واثقٌ بوعد الله، جازم بأنَّه لا يخلفُ الميعاد، فلا تظُنُّوا أنَّ تهديدكم إيَّاي بالقتلِ والإيذاء يمنعني من الدُّعاء إلى الله ثم إنَّه - عليه الصلاة والسلام - أورد عليهم ما يدل على صحة دعواهُ، فقال: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ} كأنَّهُ يقول: اجمعوا ما تقدرُون عليه من الأشياء التي توجبُ حُصُول مطلوبكم، ثم لم يقتصر على ذلك، بل أمرهم أن يضُمُّوا إلى أنفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أنَّ حالهم يقوى بمكانتهم وبالتَّقَرُّب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين، بل ضمَّ إليهما ثالثاً، وهو قوله: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أراد أن يبلغوا فيه كل غايةٍ في المكاشفةِ والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك، بل ضمَّ إليها رابعاً، فقال: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ} والمراد: أن وجهوا كلَّ تلك الشُّرُور إليَّ، ثم ضمَّ إلى ذلك خامساً، وهو قوله: "لاَ تُنظِرُون" أي: عجِّلُوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير انتظار، ومعلومٌ أنَّ مثل هذا الكلام يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنَّه كان قاطعاً بأنَّ كيدهم لا يضرُّه، ولا يصل إليه، ومكرهم لا ينفذُ فيه. قوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن قولي، وقُبُول نُصْحِي، {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} على تبليغ الرِّسالة والدَّعوة "مِّنْ أَجْرٍ" جعل وعوض، {إِنْ أَجْرِيَ}: ما أجري وثوابي، {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}. قال المفسِّرُون: وهذا إشارةٌ إلى أنَّه ما أخذ منهم مالاً على دعواهُم إلى دين الله، وكُلَّما كان الإنسانُ فارغاً من الطَّمع، كان قوله أقوى تأثيراً في القلب. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر: وهو أنَّه - عليه الصلاة والسلام - بيَّن أنه لا يخافُ منهم بوجهٍ من الوجوه، وذلك لأنَّ الخوف إنَّما يحصل بأحد شيئين: إمَّا بإيصال الشَّر، أو بقطع المنافع، فبيَّن فيما تقدَّم أنه لا يخافُ شرَّهُم، وبيَّن في هذه الآية أنَّه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعُوا عنه خيراً؛ لأنَّه ما أخذ منهم شيئاً، فكان يخافُ أن يقطعوا منه خيراً، ثم قال: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} وفيه قولان: الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام، أو لم تقبلوا، فأنا مأمورٌ بأن أكون على دين الإسلام. الثاني: أنِّي مأمورٌ بالاستسلام لكلِّ ما يصل إليَّ لأجل هذه الدَّعوة، وهذا الوجهُ أليق بهذا الموضع؛ لأنَّه لمَّا قال اقضُوا إليَّ بيَّن أنَّه مأمورٌ بالاستسلام لكلِّ ما يصل إليه. قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ}. لمَّا حكى كلام نُوحٍ مع الكُفَّار، ذكر - تعالى - ما آل أمرهم إليه: أمَّا في حقِّ نُوح وأصحابه، فنجَّاهم وجعلهم خلائف، أي: يخلفون من هلك بالغرق، وأمَّا في حق الكفار فإنَّه - تعالى - أهلكهم وأغرقهم، وهذه القصَّة إذا سمعها من صدَّق الرسول ومن كذب به، كانت زجراً للمكذِّبين فإنهم يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نُوح، وتكون داعيةً للمؤمنين إلى الثَّبات على الإيمان؛ ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نُوح. قوله {فِي ٱلْفُلْكِ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ "نجَّيناه"، أي: وقع الإنجاء في هذا المكان. والثاني: أن يتعلَّق بالاستقرار الذي تعلَّق به الظرفُ، وهو "معهُ" لوقوعه صلة، أي: والذين استقرُّوا معه في الفلك، وقوله: "وجَعلْنَاهُم" أي: صيَّرناهُم، وجمع الضميرُ في "جَعلْنَاهُمْ" حملاً على معنى "مَنْ"، و "خَلائِفَ" جمع خليفة، أي: يخلفُون الغارقين. قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد نوحٍ، {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} ولمْ يسمِّ الرسل، وقد كان منهم هودٌ، وصالحٌ، وإبراهيمُ، ولوطٌ، وشعيبٌ، {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ}، وهي المعجزات الباهرة، و "بالبيِّنَاتِ" متعلقٌ بـ "فَجاءوهُمْ" أو بمحذوف على أنه حال أي: ملتبسين بالبينات، {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي: أنَّ حالهم بعد بعثةِ الرسل، كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية. قال القرطبيُّ: التقدير: بما كذَّب به قوم نُوحٍ من قبل، وقيل "بِمَا كذَّبُوا بهِ" أيْ: من قبل يوم الذرِّ فإنه كان فيهم من كذَّب بقلبه، وإن قال الجميعُ: بلى. وقال النحاس: أحسن ما قيل في هذا: أنَّه لقوم بأعيانهم، مثل: {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة:6]. و "بالبيِّنَاتِ" متعلق بـ "جَاءوهُم"، أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ، أي: مُلتبسين بالبيِّناتِ. وقوله: "لِيُؤْمِنُواْ" أتى بلام الجحود توكيداً، والضَّمير في "كَذَّبُواْ" عائدٌ على من عاد عليه الضَّمير في كانُوا، وهم قومُ الرُّسُل. وقال أبُو البقاء ومكِّي: إنَّ الضمير في كانوا يعُود على قوم الرُّسُل، وفي "كَذَّبُوا" يعود على قوم نوح، والمعنى: فما كان قوم الرُّسُل ليؤمنوا بما كذَّب به قوم نُوح، أي: بمثله، ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على نوح نفسه، من غير حذف مضافٍ، والتقدير: فما كان قومُ الرُّسُل بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ؛ إذ لو آمنوا به، لآمنوا بأنبيائهم. و "مِنْ قَبْلُ" متعلقٌ بـ "كَذَّبُوا" أي: من قبل بعثةِ الرُّسُل. وقيل: الضَّمائرُ كُلُّها تعودُ على قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنَّهم بادرُوا رسلهم بالتكذيب، كُلما جاء رسولٌ، لجُّوا في الكفر، وتمادوا عليه، فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجِّهم في الكفر، وتماديهم. وقال ابن عطية: ويحتمل اللَّفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكون "ما" مصدرية، والمعنى: فكذَّبُوا رسلهم، فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليُؤمِنُوا بتكذيبهم من قبل، أي: من سببه ومن جرَّائه، ويُؤيِّد هذا التأويل: "كذلِكَ نَطْبَعُ" وهو كلام يحتاجُ إلى تأمُّل. قال أبو حيان: والظَّاهر أنَّ "ما" موصولةٌ؛ ولذلك عاد الضميرُ عليها في قوله: {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} ولو كانت مصدرية، بقي الضمير غير عائدٍ على مذكور؛ فتحتاج أن يُتكلَّفَ ما يعود عليه الضمير. قال شهاب الدِّين - رحمه الله -: "الشيخ بناه على قول جمهور النُّحاة: في عدم كونِ "ما" المصدريَّة اسماً؛ فيعُود عليها ضميرٌ، وقد تقدَّم مراراً، أنَّ مذهب الأخفش، وابن السراج: أنَّها اسمٌ فيعود عليها الضمير". قرأ العامَّةُ: "نَطْبَع" بالنُّون الدَّالة على تعظيم المتكلِّم. وقرأ العبَّاس بن الفضل: بياء الغيبة، وهو الله - تعالى -؛ ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخر: {أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف:101]. والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ذلك المصدر على حسب ما عرفته من الخلاف، أي: مثل ذلك الطَّبع المحكم الممتنع زواله، نطبع على قلوب المعتدين على خلق الله. فصل احتجَّ أهل السُّنَّة على أنَّه - تعالى - قد يمنع المكلَّف عن الإيمان بهذه الآية. قالت المعتزلة: فقد قال - تعالى -: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء:155] ولو كان هذا الطَّبع مانِعاً، لما صحَّ هذا الاستثناء، وقد تقدَّم البحث في ذلك عند قوله - تعالى -: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}تفسير : [البقرة:7].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي فلتجمعوا أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ثم اقضوا إليَّ} قال: انهضوا إليَّ {ولا تنظرون} يقول: ولا تؤخرون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد {ثم اقضوا إليَّ} قال: ما في أنفسكم.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي على المشركين من أهل مكةَ وغيرِهم لتحقيق ما سبق من أنهم لا يفلحون وأن ما يتمعون به على جناح الفواتِ وأنهم مشرِفون على العذاب الخالد {نَبَأَ نُوحٍ} أي خبرَه الذي له شأنٌ وخطر مع قومه الذين هم أضرابُ قومِك في الكفر والعنادِ ليتدبروا ما فيه من زوال ما تمتعوا به من النعيم وحلولِ عذابِ الغرق الموصولِ بالعذاب المقيمِ لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر أو تنكسر شدةُ شكيمتهم أو يعترف بعضُهم بصحة نبوءتِك بأن عرفوا أن ما تتلوه موافقٌ لما ثبت عندهم من غير مخالفةٍ بـينهما أصلاً مع علمهم بأنك لم تسمَعْ ذلك من أحد ليس إلا بطريق الوحي، وفيه من تقرير ما سبق من كون الكلِّ لله سبحانه واختصاصِ العزةِ به تعالى وانتفاءِ الخوفِ والحزن عن أوليائه عز وعلا قاطبةً وتشجيعِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وحملِه على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ـ ما لا يخفى. {إِذْ قَالَ} معمولٌ لنبأَ أو بدلٌ منه بدلَ اشتمالٍ، وأياً ما كان فالمرادُ بعضُ نَبئِه عليه السلام لا كلُّ ما جرى بـينه وبـين قومه واللامُ في قوله تعالى: {لِقَوْمِهِ} للتبليغ {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ} أي عظمُ وشقّ {عَلَيْكُمْ مَّقَامِى} أي نفسي كما يقال: فعلتُه لمكان فلان، أي لفلان ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ }تفسير : [الرحمن: 46] أي خاف ربَّه أو قيامي ومُكثي بـين ظَهْرانيكم مدةً طويلة أو قيامي {وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللَّهِ} فإنهم كانوا إذا وعَظوا الجماعةَ يقومون على أرجلهم والجماعةُ قعودٌ ليظهر حالُهم ويُسمع مقالُهم {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} جوابٌ للشرط أي دمت على تخصيص التوكلِ به تعالى، ويجوز أن يراد به إحداثُ مرتبةٍ مخصوصة من مراتب التوكل {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ} عطفٌ على الجواب، والفاءُ لترتيب الأمرِ بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفسِ الإجماعِ عليه أو هو الجوابُ وما سبق جملةٌ معترضةٌ، والإجماعُ العزم قيل: هو متعدَ بنفسه وقيل: فيه حذفٌ وإيصال. قال السدوسي: أجمعتُ الأمرَ أفصحُ من أجمعت عليه وقال أبو الهيثم: أجمع أمرَه جعله مجموعاً بعد ما كان متفرقاً، وتفرُّقُه أنه يقول: مرة أفعلُ كذا وأخرى أفعل كذا وإذا عزم على أمر واحدٍ فقد جمعه أي جعله جميعاً {وَشُرَكَاءكُمْ} بالنصب على أن الواو بمعنى مع كما تدل عليه القراءةُ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل تنزيلاً للفصل منزلةَ التأكيدِ، وإسنادُ الإجماعِ إلى الشركاء على طريقة التهكم، وقيل: إنه عطفٌ على أمرَكم بحذف المضافِ أي أمرَ شركائِكم وقيل: منصوبٌ بفعل محذوفٍ أي وادعوا شركاءَكم وقد قرىء كذلك وقرىء فاجْمعوا من الجمع، أي فاعزِموا على أمركم الذين تريدون بـي من السعي في إهلاكي واحتشِدوا فيه على أي وجه يمكنكم {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ} ذلك {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي مستوراً من غمّه إذا ستره، بل مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به فإن السرَّ إنما يُصار إليه لسد باب تدارُك الخلاصِ بالهرب أو نحوه، فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للسر وجهٌ وإنما خاطبهم عليه السلام بذلك إظهاراً لعدم المبالاةِ بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبـيلاً وثقةً بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وكَلاءتِه، فكلمةُ ثمّ للتراخي في الرتبة، وإظهارُ الأمر في موقع الإضمارِ لزيادة تقريرٍ يقتضيها مقامُ الأمرِ بالإظهار الذي يستلزمه النهيُ عن التستر والإسرار، قيل: المرادُ بأمرهم ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدةِ عليهم المكروهةِ لديهم، والغُمة والغمّ كالكُربة والكرب وثم للتراخي الزماني، والمعنى لا يكن حالُكم عليكم غمةً وتخلّصوا بإهلاكي من ثِقَل مقامي وتذكيري، ولا يخفى أنه لا يساعده قولُه عز وجل {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} أي أدّوا إليّ أي أحكِمُوا ذلك الأمرَ الذي تريدون بـي ولا تمهلوني كقوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ }تفسير : [الحجر: 66] أو أدوا إلي ما هو حقٌّ عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضي الرجلُ غريمَه، فإن توسيطَ ما يحصل بعد الإهلاك بـين الأمر بالعزم على مباديه وبـين الأمر بقضائه من قبـيل الفصلِ بـين الشجرِ ولِحائِه، وقرىء أفضوا بالفاء أي انتهوا إليّ بشرّكم أو ابرُزوا إليّ، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء.
القشيري
تفسير : أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - لِمَا كان يمسُّه من مقاساة الشِّدَّة من قومه، فإنَّ أيامَ نوحٍ - وأنْ طالَت - فما لَبِثَتْ كثيراً إلا وقد زالت، كما قيل: شعر : وأحْسَن شيءٍ في النوائب أنها إذا هي نابت لم تكن خلدا تفسير : ثم بيَّنَ أنه كان يتوكل على ربِّه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبدٌ - ما وَثِقَ بربِّه - منْ كلِّ ما نَزَلَ به. ثم إن نوحاً - عليه السلام - قال: "إني توكلت على الله" وهذا عين التفرقة، وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنفال: 64] وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتل عليهم} اى على المشركين من اهل مكة {نبأ نوح} خبره مع قومه لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر والعناد. وقال فى البستان كان اسم نوح شاكرا وانما يسمى نوحا لكثرة نوحه وبكائه من خوف الله وهو اول من امر بنسخ الاحكام وامر بالشرائع وكان قبله نكاح الاخت حلالا فحرم ذلك على عهده وبعثه الله نبيا وهو يومئذ ابن اربعمائة وثمانين سنة {اذ قال} معمول لنبأ لا لقوله اتل لانه مستقبل واذا ماض والمراد بعض نبأه عليه السلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه {لقومه} اللام للتبليغ {يا قوم} [اى كروه من] {ان كان كبر عليكم} اى اعظم وشق {مقامى} اى نفسى كما يقال فعلته لمكان فلان اى لفلان ومنه قوله تعالى {أية : ولمن خاف مقام ربه} تفسير : اى خاف ربه او قيامى ومكثى بين ظهرانيكم مدة طويلة وهو الف سنة الا خمسين عاما او قيامى {وتذكيرى} [بند دادن من شمارا] {بآيات الله} [بعلامتهاى روشن بروحدانيت خدا] فانهم كانوا اذا وعظوا الجماعة يقومون على ارجلهم لكون ذلك ادخل فى الاسماع كما يحكى عن عيسى عليه السلام انه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود. فيحتمل ان يستثقلوا ذلك وكان سحبان وهو رجل بليغ من العرب يقوم ويتكئ على عصاه ويسرد الالفاظ وكراسى الوعاظ اليوم بدل من القيام وكان عليه السلام يخطب على منبر من طين قبل ان يتخذ المنبر الذى هو من الشجر وكان له ثلاث درجات ولم يزل على حاله حتى زاد مروان فى خلافة معاوية ست درجات من اسفله {فعلى الله توكلت} جواب للشرط اى دمت على تخصيص التوكل به وتفويض الامور اليه فانه معينى وناصرى فيما اردتم بى من القتل والاذى وانما حمل على دوام التوكل واستمراره لئلا يرد انه عليه السلام متوكل على الله دائما كبر عليهم مقامه او لم يكبر. وقال ابن الشيخ الاظهر ان يقال الجواب محذوف اى فافعلوا ما شئتم والمذكور تعليل لعدم مبالاته بهم {فاجمعوا امركم} بقطع الهمزة من الاجماع وهو العزم يقال اجمعت على الامر اذا عزمت عليه فهو يتعدى بعلى الا ان حرف الجر حذف فى الآية واوصل الفعل الى المجرور بنفسه. وقال ابن الهيثم اجمع امره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا وتفرقه انه يقول مرة افعل كذا واخرى كذا واخرى كذا واذا عزم على امر واحد فقد اجمعه اى جعله جميعا. والمعنى فاعزموا على امركم الذى تريدون بى من السعى فى اهلاكى {وشركائكم} بالنصب على ان الواو بمعنى مع اى مع آلهتكم التى تزعمون ان حالكم تقوى بالتقرب اليها واجتمعوا فيه على اى وجه يمكنكم قال الكاشفى [ملخص آيت آنكه شما همه بقصد من اتفاق كنيد] {ثم} للتراخى فى الرتبة {لا يكن امركم} ذلك {عليكم غمة} اى مستورا من غمه ستره واجعلوه ظاهرا مكشوفا تجاهروننى به فان الستر انما يصار اليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب او نحوه فحيث استحال ذلك فى حقى لم يكن للستر وجه {ثم اقضوا الىّ} اى ادوا الى واوصلوا ذلك الامر الذى تريدون بى وامضوا ما فى انفسكم او ادوا الى ما هو حق عليكم عندكم من اهلاكى كما يقضى الرجل غريمه {ولا تنظرون} ولا تمهلونى بل عجلوا ذلك باشد ما تقدرون عليه من غير انتظار وانما خاطبهم بذلك اظهارا لعدم المبالاة بهم وانهم لن يجدوا اليه سبيلا وثقة بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وحفظه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (وشركاءكم): مفعول معه، أو بفعل محذوف، أي: اعزموا أمركم وأجمعُوا شركاءكم ومن قرأ: "اجمَعُوا" بهمزة وصل فشركاءكم: معطوف، و"غمة": خفيّا، وفي الحديث: "فَإنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقدَروا لَهُ". يقول الحق جل جلاله: {واتل عليهم نبأ نوحٍٍ} أي: خبره مع قومه، قيل: اسمه عبد الغفار، وسمي نوحاً لكثرة نَوحه من هيبة ربه، {إذ قال لقومه يا قوم إن كان كَبُرَ} أي: عَظُمَ وشقَّ {عليكم مقامي} أي: كوني بين أظهركم، وإقامتي بينكم مدة مديدة أذكركم بالله، أو قيامي علّيكم لوعظكم، أو نفسي ووجودي بينكم، {وتذكيري} لكم {بآيات الله} أدعوكم بها إلى الله، {فعلى الله توكلتُ}: وثقت به، فلا أبالي ببعدكم عني وتخويفكم إياي، {فأجمعُوا أمرَكم} أي: اعزموا عليه، {وشركاءَكم} مع شركائكم، أو وأمر شركائكم، أو أجْمِعُوا أمركم واتَّفَِقُوا عليه وأجمِعُوا شركاءكم. والمعنى: أنه أمرهم بالعزم والإجماع على قصده، والسعي في إهلاكه، على أي وجه يمكنهم؛ لشدة ثقته بالله وعدم مبالاته بهم. {ثم لا يكن أمرُكم} في قصد إهلاكي {عليكم غُمَّة}: مستوراً خفيَّاً، بل اجعلوه ظاهراً مكشوفاً تتمكنون فيه، لأن من يكتم أمراً ويخفيه لا يقدر أن يفعل ما يريد، أو ثم لا يكن حالكم عليكم غمَّاً، أي: لا يلحقكم غم إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري. {ثم اقْضُوا} أي: انفذوا قضاءكم {إليَّ} فيما تريدون. وقرأ السري بن يَنْعَم: "أفضوا" بالفاء وقطع الهمزة، أي: انتهوا إليَّ بشرِّكم، {ولا تُنظرون}: ولا تمهلون. {فإن توليتم}: أعرضتم عن تذكيري، {فما سألتُكم من أجرٍ} يوجب توليكم وإعراضكم لثقله عليكم. واتهامكم إياي لأجله، أو يفوتني إذا توليتم عني، {إنْ أجْرِيَ}: ما ثوابي على الدعوة والتذكير {إلا على اللهِ} لا تعلق لي بشيء دونه، آمنتم أو توليتم، {وأُمرتُ أن أكون من المسلمين} المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره. ولا أرجو غيره. {فكذّبوه}: فأصروا على تكذيبه بعد إلزامهم الحجة، وتبين ان توليهم ليس إلا لعنادهم وتمرُّدهم فلا جرَم حقت عليهم كلمة العذاب، فهلكوا بالغرق، {فنجيناه ومن} آمن {معه في الفلك}، وكانوا ثمانين، {وجعلناهم خلائفَ} عمروا الأرض بعد الهالكين وخلفوهم فيها، ولم يُعقب منهم إلا أولاد نوح عليه السلام، {وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا} بالطوفان، {فانظرْ كيف كان عاقبةُ المنذَرين}، تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن كذب الرسول، وتسلية له. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يكون الرجل كامل اليقين حتى يسقط من قلبه خوف المخلوقين، فلا يبالي بهم ولو أجمعوا على كيده، إذ ليس بيدهم شيء، وإنما أمْرهم بيد الله، ويقول لهم كما قال نوح عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم}. وكما قال هود عليه السلام {أية : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}تفسير : [هود: 55ـ 56]. وفي الحديث: "حديث : لو اجْتَمَعَ الخَلْقُ كَلُهمْ عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيءٍ قَدَّرَهُ الله عَلَيكَ، جَفْتِ الأقلامُ وطُويت الصُّحُفُ".تفسير : وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَكمُلُ إيمَانُ العَبدِ حتَّى يَكُون الناسُ عندَه كالأباعد".تفسير : يعني لا يهابهم ولا يراقبهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما بين نوح وموسى عليهم السلام ـ من الأنبياء، على سبيل الإجمال، فقال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع في رواية الأصمعي عنه {فاجمعوا} من جمع. الباقون بقطع الهمزة وقرأ يعقوب {وشركاؤكم} بالرفع. الباقون بالنصب. قال أبو علي: ما رواه الأصمي عن نافع من وصل الهمزة من جمعت، والاكثر في الامر يقال أجمعت. كقوله {أية : وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} تفسير : وكما قال الشاعر: شعر : [يا ليت شعري والمنى لا تنفع] هل أغدون يوماً وأمري مجمع تفسير : اي معد ويمكن أن يكون المراد، واجمعوا ذوي الأمر منكم أي رؤساءكم ووجوهكم، كما قال {أية : وأولي الأمر منهم} تفسير : فحذف المضاف وأجرى على المضاف اليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. ويجوز ان يكون جعل الامر ما كانوا يجمعونه من كيدهم ثم الذين يكيدونه به، فيكون بمنزلة قوله {فاجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً} على أن أبا الحسن يزعم أن وصل الألف في {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أكثر في كلام العرب. قال: وانما يقطعون الهمزة إذا قالوا أجمعوا على كذا وكذا، قال: والقراءة بالقطع غريبة. ومن وصل الهمزة حمل الشركاء على هذا الفعل الظاهر لانك جمعت الشركاء وجمعت القوم، وعلى هذا قال {أية : ذلك يوم مجموع له الناس } تفسير : ومن قطع الهمزة أضمر للشركاء فعلا آخر كأنه قال فاجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم أو ادعوا شركاءكم، قال الشاعر: شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : وقال آخر: شعر : شراب البان وتمر واقط تفسير : وفي قراءة أبي {وادعوا شركاءكم} ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على انه مفعول معه، وهو قول الزجاج، كما قالوا: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، وقالوا: لو ترك الفصيل وامه لرضع من لبنها. ومن رفع {وشركاؤكم} كيعقوب والحسن حمله على الضمير، وتقديره فاجمعوا أنتم وشركاؤكم. قال الزجاج: وحسن ذلك لدخول المنصوب بينهما. ولو لم يدخل لما حسن. ولا يجوز أن تقول اجمعوا وشركاؤكم. وانما يجوز العطف على الضمير اذا اكد. وزعم ابو الحسن أن قوماً يقيسون هذا الباب. وقوماً يقصرونه على ما سمع. قال ابو علي الفارسي: والاول عندي أقيس. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقرأ على هؤلاء الكفار أخبار نوح عليه السلام حين {قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي} بين أظهركم {وتذكيري} اياكم {بآيات الله} وحججه وهممتم بقتلي واذاي فافعلوا ما بدا لكم فاني على الله توكلت وإنما جعل جواب الشرط {فعلى الله توكلت} مع انه متوكل عليه في جميع احواله ليبين لهم أنه متوكل في هذا على التفصيل لما في إعلامه ذلك من زجرهم عنه لان الله تعالى يكفيه أمرهم. والتوكل والتفويض جعل الامر إلى من يدبره للثقة به في تدبيره فمن فوض أمره إلى لله فقد توكل عليه. وقوله {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} معناه ليكن امركم ظاهراً مكشوفاً ولا يكوننَّ مغطى مستوراً من غممت الشيء اذا سترته، فالغمة ضيق الامر الذي يوجب الحزن، والغمة والضغطة والكربة والشدة نظائر، ونقيضه الفرجة. وقيل {غمة} معناه مغطى تغطية حيرة مأخوذة من غم الهلاك. وقوله {فاجمعوا أمركم وشركاءكم} فيه تهديد. وقوله {ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} معناه افعلوا ما تريدون، على وجه التهديد لهم، وانه اذا كان الله ناصره وعليه وتوكله فلا يبالي بمن عاداه واراد به السوء فان الله يكفيه امره. وقرئ بالفاء ومعناهما متقاربان، ولان معنى اقضوا توجهوا الي. وقال ابن الانباري معنى {اقضوا} امضوا، يقال قضى فلان إذا مات ومضى. ومعنى {ولا تنظرون} ولا تؤخرون.
اطفيش
تفسير : {واتْلُ} اقْرأ {عَليْهم} أى على كفار مكة وغيرهم {نَبَأ} خبر {نوحٍ} مع قومه لتهددهم به، وتعظهم للتسلى به {إذْ} بدل من نبأ بدل اشتمال، باعتبار الجملة المضاف هو إليها بعد {قالَ لقَومِه يا قَوْم} هم بنو قابيل فيما قيل، والواضح أن فيهم سواهم، لكن الكل كفار. {إنْ كانَ} أى هو، أى الشأن ومقامى فاعل كبر، ويجوز كون مقامى اسم كان، وفى كبُر ضميره، لأنه فى نية التقديم، ولا بأس بتأخيره الاسم عن الخبر الفعلى، إذ لم يكن ليس أو كان زائدة {كَبُر عَليْكم} ثقل عليكم وشق {مَقامِى} لبثى فيكم مدة طويلة بألف سنة إلا خمسين عاما، وكان كلامه عليه السلام هذا فى آخر المدة فيما قيل، وقيل: إنه لم يتعرض لهم بعد الأمر باتخاذ السفينة، أو مقامى نفسى كما يقال: إلى حضرة فلان، وإلى جناب فلان، وفعلت كذا لمقام فلان، أى لفلان وإلى فلان، ومنه: {أية : ولمن خاف مقام ربه} تفسير : أى خاف ربه، أو قيامى على الدعوة وعلى رجلى كعادة الخطباء. {وتَذْكِيرِى} إياكم أى وعظى {بآياتِ اللهِ} حججه وبيناته {فَعَلى اللهِ} لا على غيره {توكَّلتُ} وهذا نائب عن جواب محذوف، أى فافعلوا أى ما شئتم من ضر، أو فلن أبالى بضركم، ودل على ذلك أن من شق عليه من إنسان أمر يعاقبه. {فأجْمِعُوا} بقطع الهمزة وكسر الميم عند نافع وغيره {أمْركُم} أى فأحكموا أمركم، واعزموا عليه، يقال: أجمع أمره أى أحكمه وعزم عليه {وشُركاءكُم} مفعول معه لا معطوف على أمركم، لأن أجمع بالهمزة لا يتعلق بالذوات كالشركاء، بل بالمعاني كالأمور، تقول: أجمعت رأيى، ولا تقول: أجمعت شركائى لنقسم ما اشتركنا، ويجوز العطف بتقدير مضاف، أى وأمر شركائكم، وأن يكون مفعولا لمحذوف، أى وأجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع الثلاثى، فإنه يتسلط على الذوات والمعانى، أو ادعوا شركاءكم، كقوله: علفتها تبنا وماء. وفى مصحف أبىّ فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم، وهو دليل على تقدير ادعوا، وقرأت فرقة وشركائكم بالخفض، وأمر شركائكم كقوله: شعر : أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا تفسير : أى وكل نار، وهو دليل على عطف شركاء بالنصب على أمركم بتقدير مضاف كما مر، وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن، وعيسى، وسلام، ويعقوب، وأبو عمرو، وفى رواية ضعيفة عنه بالرفع عطفا على الواو، لوجود الفاعل، وهو دليل النصب على المعية فى قراءة النصب، وقرأ الأعرج، وأبو رجاء، وعاصم فى رواية، والجحدرى، والزهرى، والأعمش، ونافع فيما روى عنهم الأصمعى: فاجمعوا أمركم وشركاءكم بوصل الهمزة، وفتح الميم، ونصب الشركاء عطفا على أمركم بلا تقدير من جمع كذا إلى كذا، أمرهم أن لا يألوا جهدا فى إهلاكه، فإنه واثق بالله، غير ميال بهم، وإنما أمرهم أن يستعينوا بالأصنام تعجيزا لها، وتهكما عليهم، إذ اعتقدوا أنها تضر وتنفع. {ثمَّ لا يَكُن أمْركُم عَليْكم غُمةً} ظاهرة أنه نهى الأمر أن يكون غمة عليهم، والمراد نهيهم عن أن يحولوا أمرهم مستورا عليهم، أى على بعضهم، يعنى اعملوا كلكم فى أمركم الذى تكيدوننى به، واعملوا به كلكم، وأشهروه أو نهيهم عن أن يجعلوا أمرهم غمة عنه عليهم، أى سراً مقصورا عليه، مستورا عنه، ويجوز أن يكون المراد بالأمر حالهم فى حياتهم، والغمة الغم والهم، أى أهلكونى فلا تكون معيشتكم منغصة عليكم بتذكيرى ووعظى، وعليكم حال من غُمة أو متعلق به. {ثم اقْضُوا إلىَّ} أى امضوا فى الأمر الذى تريدونه من إهلاكى، وأوصلوه إلىَّ، ويجوز أن يشبه هلاكه بدين يرونه حقا عليهم، كما يرى الرجل قضاء الدين واجبا عليه، ورمز لذلك بلفظ القضاء، فيكون ذلك من الاستعارة بالكناية، كذا ظهر لى، وقرئ ثم افضوا إلىَّ بالفاء أى انتهوا إلىَّ بشركم، أو اخرجوا به إلى الفضاء، كقولك أصحر الرجل أى خرج إلى الصحراء، والمراد أظهروه إلىَّ، ومن ذلك قولى فى عدو: شعر : فإن كان مصحراً إلىَّ بسيفه فإنى لمصحر إليه ومسحر تفسير : أى خارج إلى الصحراء فى شأنه، وخارج لذلك سحراً مبكراً. {ولا تُنْظرونِ} لا تمهلونى ولا تأخرونى، فلست مياليا بكم.
اطفيش
تفسير : {وَاتْلُ} يا محمد {عَلَيْهِمْ} على قومك أَهل مكة أَو المشركين مطلقاً {نَبَأَ نُوحٍ} خبره{إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} قيل هم من بنى قابيل وإِذ بدل اشتمال من نبأ ولا يتعلق نبأ لأَن وقت القول لم يكن حال الإِخبار ويجوز تعليقه بنعت مقدر هكذا نبأَ نوح الواقع إِذ قال وفى الآية حذف مضاف أَى بعض نبئِه أَو الإِضافة للجنس الصادق بالبعض لأَنه لم يذكره كله بل بعضه وهو قوله {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى} أَى قيامى أَى لبثى فيكم بالدعوة كقولك قام بكذا أَو اسم مصدر أَى إِقامتى بالدعوة فيكم مدة طويلة إِن قال ذلك بعد طول ما فكيف إِن قاله فى وسط عمره أَو آخره، أَو كناية عن نفسى أَو عن ذاتى، كما يقال سلام على مقام فلان، وعظم الله حضرة فلان، يراد فلان على أَنه اسم مكان أَو مصدر تصرف فيه، أَو من القيام ضد القعود على أَنه يعمهم قائِماً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظ على المنبر قائِماً وعيسى عليه السلام يعظ الحواريين قائِماً وذلك ليعم الاستماع، أَو مقام هو من زيادة الأَسماءِ، أَى إِن كان كبرت عليكم، واسم كان ضمير الشأْن أَو تنازع كان وكبر فى مقامى {وَتَذْكِيرِى} لكم {بِآيَاتِ اللهِ} الجواب محذوف تقديره لم أَبال باستثقالكم أو فافعلوا ما شئْتم وناب عنه علته وهو قوله {فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} والمعنى لأَنى على الله توكلت، أَو الجملة هى الجواب عبارة عن عدم مبالاته أَو عبارة عن استمرار توكله على الله تعالى، أَو إِحداث مرتبة مخصوصة فى التوكل أَو الجواب، فأَجمعوا أَمركم وقدم الظرف للحصر وللاهتمام، وكانت الفاءُ مع أَن الجواب يصلح شرطاً للفصل بمتعلقه وكأَنه جملة اسمية، وقيل لا يجوز الفصل بين أَداة الشرط وفعله إِلا قليلا خلاف القياس نحو إِن زيداً أَكرمت وإِن بزيد مررت فحينئذ يقال قرن بالفاءِ لأَنه لا يصلح أَن يكون شرطاً {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} أَتقنوا كيدكم عطف إِنشاءٍ على إِخبار {وَشُرَكَاءَكُمْ} مفعول لمحذوف تقديره واجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم لأَن أَجمعوا بالهمزة فى المعانى وجمع فى الأَجسام، أَو يقدر وادعوا شركاءَكم أَو منصوب على المعية أَو يقدر مضاف أَى وأَمر شركائكم فيكون المعمول من المعانى فيصح عمل أَجمع بالهمزة فيه بواسطة العطف، وقيل أَجمع وجمع بمعنى فيكون أَمركم مفعولا به له، وقيل المراد بشركاءَ من على دينهم والمشهور أَنهم الأَصنام {ثُمَّ} لتراخى الرتبة {لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ} أَظهر فى مقام الإِضمار لزيادة التقرير، وقيل المراد به أَمر آخر وهو ما يعتريهم منه من الشدة فيكون الغمة بمعنى الكرب {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} نهى الأَمر أَن يكون غمة عليهم، والمراد نهيهم عن أَن يغتموا به، ولك وجه النهى إلى الأَمر مبالغة، فإِنه كنية عن نهيهم عن جعل أَمرهم غمة عليهم، أَو المعنى لا تجعلوا أَمركم فى قصد غمة أَى مستورا بل أَظهروه ولا تجعلوه حزناً وهما وإِن قتلتمونى استرحت {ثُمَّ اقْضُوا إِلىَّ} والمفعول محذوف أَى أَنفذوا فى ما أَردتم، استعارة مكنية إِذ شبه الهلاك بالدين والقضاءُ تخييل وعدى بإِلى لتضمينه معنى أدوا أَو أَبلغوا أَو أَقضوا بمعنى احكموا فهو تضمين واستعارة مكنية {وَلاَ تُنْظِرُونِ} لا تمهلونى فإِنى لا أُبالى بكم ولو تقتلوننى فإِنى متوكل على الله عز وجل ولا أَترك دينى.
الالوسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي على المشركين من أهل مكة وغيرهم لتحقيق ما سبق من عدم إفلاح المفترين وكون ما يتمتعون به على جناح الفوات وأنهم مشرفون على الشقاء المؤبد والعذاب الشديد {نَبَأَ نُوحٍ} أي خبره الذي له شأن وخطر مع قومه الذين هم أضراب قومك في الكفر والعناد / ليتدبروا ما فيه مما فيه مزدجر فلعلهم ينزجرون عما هم عليه أو تنكسر شدة شكيمتهم ولعل بعض من يسمع ذلك منك ممن أنكر صحة نبوتك أن يعترف بصحتها فيؤمن بك بأن يكون قد ثبت عنده ما يوافق ما تضمنه المتلو من غير مخالفة له أصلاً فيستحضر أنك لم تسمع ذلك من أحد ولم تستفده من كتاب فلا طريق لعلمك به إلا من جهة الوحي وهو مدار النبوة. وفي ذلك من تقرير ما سبق من كون الكل لله سبحانه، واختصاص العزة به تعالى، وانتفاء الخوف على أوليائه وحزنهم، وتشجيع النبـي صلى الله عليه وسلم وحمله على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ما لا يخفى، والاقتصار على بعض ذلك قصور؛ وقد تقدم الكلام في نوح عليه السلام {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} اللام للتبليغ أو التعليل و {إِذْ} بدل من {نَبَأَ} بدل اشتمال أو معمولة له لا ـ لأتل ـ لفساد المعنى، وجوز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من {نَبَأَ} وأياً ما كان فالمراد بعض نبئه عليه الصلاة والسلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه وكانوا على ما قال الأجهوري من بني قابيل {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ} أي عظم وشق {عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} أي نفسي على أنه في الأصل اسم مكان وأريد منه النفس بطريق الكناية الإيمائية كما يقال المجلس السامي، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الإقامة يقال: قمت بالمكان وأقمت بمعنى أي إقامتي بين ظهرانيكم مدة مديدة، وكونها ما ذكر الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً يقتضي أن يكون القول في آخر عمره ومنتهى أمره ويحتاج ذلك إلى نقل، أو المراد قيامه بدعوتهم وقريب منه قيامه لتذكيرهم ووعظهم لأن الواعظ كان يقوم بين من يعظهم لأنه أظهر وأعون على الاستماع كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود، وكثيراً ما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقوم على المنبر فيعظ الجماعة وهم قعود فيجعل القيام كناية أو مجازاً عن ذلك أو هو عبارة عن ثبات ذلك وتقرره {وَتَذْكِيرِي} إياكم {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على وحدانيته المبطلة لما أنتم عليه من الشرك {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} لا على غيره، والجملة جواب الشرط وهو عبارة عن عدم مبالاته والتفاته إلى استثقالهم، ويجوز أن تكون قائمة مقامه، وقيل: الجواب محذوف وهذا عطف عليه أي فافعلوا ما شئتم، وقيل: المراد الاستمرار على تخصيص التوكل به تعالى، ويجوز أن يكون المراد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل وإلا فهو عليه السلام متوكل عليه سبحانه لا على غيره دائماً. وقوله سبحانه: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ} عطف على الجواب المذكور عند الجمهور والفاء لترتيب الأمر بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفس الإجماع عليه، وقيل: إنه الجواب وما سبق اعتراض وهو يكون بالفاء. شعر : فاعلم فعلم المرء ينفعه تفسير : ولعله أقل غائلة مما تقدم لما سمعته مع ما فيه من ارتكاب عطف الإنشاء على الخبر وفيه كلام. و {أَجْمِعُوۤاْ} بقطع الهمزة وهو كما قال أبو البقاء من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه إلا أنه حذف حرف الجر فوصل الفعل، وقيل: إن أجمع متعد بنفسه واستشهد له بقول الحرث بن حلزة: شعر : أجمعوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء تفسير : ونص السدوسي على أن عدم الإتيان بعلى كأجمعت الأمر أفصح من الإتيان بها كأجمعت على الأمر، وقال أبو الهيثم: معنى أجمع أمره جعله مجموعاً بعد ما كان متفرقاً وتفرقته أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل / كذا فإذا عزم فقد جمع ما تفرق من عزمه ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى وأصله التعدية بنفسه، ولا فرق بين أجمع وجمع عند بعض، وفرق آخرون بينهما بأن الأول يستعمل في المعاني والثاني في الأعيان فيقال: أجمعت أمري وجمعت الجيش ولعله أكثري لا دائمي، والمراد بالأمر هنا نحو المكر والكيد. {وَشُرَكَآءَكُمْ} أي التي زعمتم أنها شركاء لله سبحانه وتعالى، وهو نصب على أنه مفعول معه من الفاعل لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم، ويؤيد ذلك قراءة الحسن وابن أبـي إسحاق وأبـي عبد الرحمن السلمي وعيسى الثقفي بالرفع فإن الظاهر أنه حينئذٍ معطوف على الضمير المرفوع المتصل ووجود الفاصل قائم مقام التأكيد بالضمير المنفصل. وقيل: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي وشركاؤكم يجمعون ونحوه. وقيل: إن النصب بالعطف على {أَمَرَكُمُ} بحذف المضاف أي وأمر شركائكم بناءً على أن أجمع تتعلق بالمعاني والكلام خارج مخرج التهكم بناءً على أن المراد بالشركاء الأصنام، وقيل: إنه على ظاهره والمراد بهم من على دينهم. وجوز أن لا يكون هناك حذف والكلام من الإسناد إلى المفعول المجازي على حد ما قيل في {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82]، وقيل: إن ذاك على المفعولية به لمقدر كما قيل في قوله:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : أي (وادعوا شركاءكم) كما قرأ به أبـي رضي الله تعالى عنه، وقرأ نافع {فَأَجْمَعُواْ} بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع، وعطف الشركاء على الأمر في هذه القراءة ظاهر بناءً على أنه يقال: جمعت شركائي كما يقال: جمعت أمري، وزعم بعضهم أن المعنى ذوي أمركم وهو كما ترى، والمعنى أمرهم بالعزم والإجماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم من المكر ونحوه ثقة بالله تعالى وقلة مبالاة بهم، وليس المراد حقيقة الأمر. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ} ذلك {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي مستوراً من غمه إذا ستره، ومنه حديث وائل ابن حجر «لا غمة في فرائض الله تعالى» أي لا تستر ولا تخفى وإنما تظهر وتعلن، والجار والمجرور متعلق ـ بغمة ـ والمراد نهيهم عن تعاطي ما يجعل ذلك غمة عليهم فإن الأمر لا ينهى ويستلزم ذلك الأمر بالإظهار، فالمعنى أظهروا ذلك وجاهروني به فإن الستر إنما يصار إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للستر وجه، وكلمة {ثُمَّ} للتراخي في الرتبة، وإظهار الأمر في مقام الإضمار لزيادة التقرير، وقيل: أظهر لأن المراد به ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدة عليهم المكروهة لديهم لا الأمر الأول، والمراد بالغمة الغم كالكربة والكرب، والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع حالاً منها، و{ثُمَّ} للتراخي في الزمان، والمعنى ثم لا يكن حالكم غماً كائناً عليكم وتخلصوا بهلاكي من ثقل مقامي وتذكيري بآيات الله تعالى. واعترض عليه بأنه لا يساعده قوله تعالى شأنه: {ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} أي أدوا إليَّ ذلك الأمر الذي تريدون ولا تمهلوني على أن القضاء من قضى دينه إذا أداه، ومفعوله محذوف كما أشرنا إليه وفيه استعارة مكنية والقضاء تخييل وقد يفسر القضاء بالحكم أي احكموا بما تؤدوه إليَّ ففيه تضمين واستعارة مكنية أيضاً لأن توسيط ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، والوجه الأول سالم عن ذلك وهو ظاهر، وقيل: المراد بالغمة المعنى الأول وبالأمر ما تقدم وبالنهي الأمر بالمشاورة أي أجمعوا أمركم ثم تشاوروا فيه وفيه بعد لعدم ظهور كلا الترتيبين الدالة عليهما (ثم) سواء اعتبرت قراءة الجماعة أو قراءة نافع في {أَجْمِعُواْ} وقرىء {أفضوا إليَّ} بالفاء أي انتهوا إلى بشركم أو ابرزوا إلي من أفضى إذا خرج إلى الفضاء كأبرز إذا خرج إلى البراز وهو المكان الواسع.
سيد قطب
تفسير : سبقت الإشارة في هذه السورة إلى القرون الخالية، وما كان من عاقبة تكذيبهم لرسلهم، واستخلاف من بعدهم لاختبارهم: {أية : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون }.. تفسير : كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولاً فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط: {ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}. فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين، فيسوق طرفاً من قصة نوح مع قومه، وطرفاً من قصة موسى مع فرعون وملئه، تتحقق فيهما عاقبة التكذيب، والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها، وإبلاغها رسالته، وتحذيرها عاقبة المخالفة. كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب، فرفع عنها ونجت منه بالإيمان.. وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين، لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون. ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين. وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على الله الكذب وينسبون إليه شركاء: {أية : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا، ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} تفسير : وذلك بعد تطمين الرسول: {أية : ولا يحزنك قولهم. إن العزة لله جميعاً} تفسير : وبأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. واستمر السياق بتكليف جديد: أن يقص عليهم - صلى الله عليه وسلم - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً. والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها. والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة. وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان. كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه. {واتل عليهم نبأ نوح، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون. فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك، وجعلناهم خلائف، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}.. إن الحلقة التي تعرض هنا من قصة نوح، هي الحلقة الأخيرة: حلقة التحدي الأخير، بعد الإنذار الطويل والتذكير الطويل والتكذيب الطويل. ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان، ولا التفصيلات في تلك الحلقة، لأن الهدف هو إبراز التحدي والاستعانة بالله وحده، ونجاة الرسول ومن معه وهم قلة، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة. لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة إلى حلقة واحدة. ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة، لأن هذا هو مقتضى السياق في هذا الموضع. {واتل عليهم نبأ نوح، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون}.. إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم؛ وتذكيري لكم بآيات الله. فأنتم وما تريدون. وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على الله: {فعلى الله توكلت}.. عليه وحده فهو حسبي دون النصراء والأولياء. {فأجمعوا أمركم وشركاءكم}.. وتدبروا مصادر أمركم وموارده، وخذوا أهبتكم متضامنين: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة}.. بل ليكن الموقف واضحاً في نفوسكم، وما تعتزمونه مقرراً لا لبس فيه ولا غموض، ولا تردد فيه ولا رجعة. {ثم اقضوا إلي}.. فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم، بعد الروية ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه.. {ولا تنظرون}.. ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد، فكل استعدادي، هو اعتمادي على الله وحده دون سواه. إنه التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعاً؟ كان معه الإيمان.. القوة التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير. وكان وراءه الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان! إنه الإيمان بالله وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه. فليس هذا التحدي غروراً، وليس كذلك تهوراً، وليس انتحاراً. إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان. وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله.. وإنه لينبغي لهم أن تمتلئ قلوبهم بالثقة حتى تفيض. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أياً كان! ولن يضرهم الطاغوت إلاَّ أذى - ابتلاء من الله لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه. ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف. ثم تعود الكرة للمؤمنين. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين. والله سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح. فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب. {فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على الله. وأمرت أن أكون من المسلمين}.. فإن أعرضتم عني وابتعدتم، فأنتم وشأنكم، فما كنت أسألكم أجراً على الهداية، فينقص أجري بتوليكم: {إن أجري إلا على الله}.. ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها لله: {وأمرت أن أكون من المسلمين}.. وأنا عندما أمرت به.. من المسلمين.. فماذا كان؟ {فكذبوه. فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف. وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا}.. هكذا باختصار. نجاته هو ومن معه في الفلك - وهم المؤمنون. واستخلافهم في الأرض على قلتهم. وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}.. لينظر من ينظر {عاقبة المنذرين} المكذبين وليتعظ من يتعظ بعاقبة المؤمنين الناجين. ويعجل السياق بإعلان نجاة نوح ومن معه، لأن نوحاً والقلة المؤمنة كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة. فلم تكن النتيجة مجرد هلاك هذه الكثرة، بل كان قبلها نجاة القلة من جميع الأخطار؛ واستخلافها في الأرض، تعيد تعميرها وتجديد الحياة فيها، وتأدية الدور الرئيسي فترة من الزمان. هذه سنة الله في الأرض. وهذا وعده لأوليائه فيها.. فإذا طال الطريق على العصبة المؤمنة مرة، فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق، وأن تستيقن أن العاقبة والاستخلاف للمؤمنين، وألا تستعجل وعد الله حتى يجيء وهي ماضية في الطريق.. والله لا يخدع أولياءه - سبحانه - ولا يعجز عن نصرهم بقوته، ولا يسلمهم كذلك لأعدائه.. ولكنه يعلمهم ويدربهم ويزودهم - في الابتلاء - بزاد الطريق.. وفي اختصار وإجمال يشير السياق إلى الرسل بعد نوح، وما جاءوا به من البينات والخوارق وكيف تلقاها المكذبون الضالون: {ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، كذلك نطبع على قلوب المعتدين}.. فهؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات. والنص يقول: إنهم ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.. وهذا يحتمل أنهم بعد مجيء الآيات ظلوا يكذبون كما كانوا قبلها يكذبون. فلم تحولهم الآيات عن عنادهم. كما يحتمل أن المكذبين جماعة واحدة على اختلاف أجيالهم، لأنهم ذوو طبيعة واحدة. فهؤلاء ما كان يمكن أن يؤمنوا بما كذب به أسلاف لهم، أو بما كذبوا هم به في أشخاص هؤلاء الأسلاف! فهم منهم، طبيعتهم واحدة، وموقفهم تجاه البينات واحد. لا يفتحون لها قلوبهم، ولا يتدبرونها بعقولهم. وهم معتدون متجاوزون حد الاعتدال والاستقامة على طريق الهدى، ذلك أنهم يعطلون مداركهم التي أعطاها الله لهم ليتدبروا بها ويتبينوا. وبمثل هذا التعطيل، تغلق قلوبهم وتوصد منافذها: {كذلك نطبع على قلوب المعتدين}.. حسب سنة الله القديمة في أن القلب الذي يغلقه صاحبه ينطبع على هذا ويجمد ويتحجر، فلا يعود صالحاً للتلقي والاستقبال.. لا أن الله يغلق هذه القلوب ليمنعها ابتداء من الاهتداء. فإنما هي السنة تتحقق مقتضياتها في جميع الأحوال. فأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي، وينهيها عند غرق فرعون وجنوده، على نطاق أوسع مما في قصة نوح، ملماً بالمواقف ذات الشبة بموقف المشركين في مكة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف القلة المؤمنة التي معه. وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى، مقسمة إلى خمسة مواقف، يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به.. وهذه المواقف الخمسة تتتابع في السياق على هذا النحو: {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا، فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: إن هذا لسحر مبين. قال موسى: أتقولون للحق لما جاءكم، أسحر هذا؟ ولا يفلح الساحرون. قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض؟ وما نحن لكما بمؤمنين}.. والآيات التي بعث بها موسى إلى فرعون وملئه هي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف. ولكنها لا تذكر هنا ولا تفصل لأن السياق لا يقتضيها، والإجمال في هذا الموضع يغني. والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله: {فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين}.. {فلما جاءهم الحق من عندنا}.. بهذا التحديد.. {من عندنا}.. ليصور شناعة الجريمة فيما قالوه عن هذا الحق الصادر من عند الله: {قالوا: إن هذا لسحر مبين}.. بهذا التوكيد المتبجح الذي لا يستند مع هذا إلى دليل.. {إن هذا لسحر مبين}.. كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المكذبون في جميع العصور! فهكذا قال مشركو قريش، كما حكي عنهم في مطلع السورة، على تباعد الزمان والمكان، وعلى بعد ما بين معجزات موسى ومعجزة القرآن! {قال موسى: أتقولون للحق لما جاءكم. أسحر هذا؟ ولا يفلح الساحرون}.. وقد حذف من استنكار موسى الأول ما دل عليه الثاني. فكأنه قال لهم: أتقولون للحق لما جاءكم: هذا سحر؟ أسحر هذا؟ وفي السؤال الأول استنكار لوصف الحق بالسحر، وفي السؤال الثاني تعجيب من أن يقول أحد عن هذا إنه سحر. فالسحر لا يستهدف هداية الناس، ولا يتضمن عقيدة، وليس له فكرة معينة عن الألوهية وعلاقة الخلق بالخالق؛ ولا يتضمن منهاجاً تنظيمياً للحياة. فما يختلط السحر بهذا ولا يلتبس. وما كان الساحرون ليؤدوا عملاً يستهدف مثل هذه الأغراض، ويحقق مثل هذا الاتجاه؛ وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف. وهنا يكشف الملأ عن حقيقة الدوافع التي تصدهم عن التسليم بآيات الله: {قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض؟ وما نحن لكما بمؤمنين}.. وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة، التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي. وهو الخوف على السلطان في الأرض، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة. إنها العلة القديمة الجديدة، التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات، وانتحال شتى المعاذير، ورمي الدعاة بأشنع التهم، والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة.. إنها هي {الكبرياء في الأرض} وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير، بكل ما فيها من زيف، وبكل ما فيها من فساد، وبكل ما فيها من أوهام وخرافات. لأن تفتح القلوب للعقيدة الصحيحة، واستنارة العقول بالنور الجديد، خطر على القيم الموروثة، وخطر على مكانة الطغاة ورهبتهم في قلوب الجماهير، وخطر على القواعد التي تقوم عليها هذه الرهبة وتستند. إنها الخوف على السلطان القائم على الأوهام والأصنام! وعلى تعبيد الناس لأرباب من دون الله.. ودعوة الإسلام - على أيدي الرسل جميعاً - إنما تستهدف تقرير ربوبية الله وحده للعالمين؛ وتنحية الأرباب الزائفة التي تغتصب حقوق الألوهية وخصائصها، وتزاولها في حياة الناس. وما كانت هذه الأرباب المستخفة للجماهير لتدع كلمة الحق والهدى تصل إلى هذه الجماهير. ما كانت لتدع الإعلان العام الذي يحمله الإسلام بروبية الله وحده للعالمين وتحرير رقاب البشر من العبودية للعباد.. ما كانت لتدع هذا الإعلان العام يصل إلى الجماهير؛ وهي تعلم أنه إعلان بالثورة على ربوبيتهم، والانقلاب على سلطانهم، والانقضاض على ملكهم، والانطلاق إلى فضاء الحرية الكريمة اللائقة بالإنسان! إنها هي هي العلة القديمة الجديدة كلما قام من يدعو إلى الله رب العالمين! وما كان رجال من أذكياء قريش مثلاً ليخطئوا إدراك في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من صدق وسمو، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد. ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة، القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد. كما خشي الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض، فقالوا متبجحين: {وما نحن لك بمؤمنين}! وتعلق فرعون وملؤه بحكاية السحر، وأرادوا - في أغلب الظن - أن يغرقوا الجماهير بها، بأن يعقدوا حلقة للسحرة يتحدون بها موسى وما معه من آيات تشبه السحر في ظاهرها، ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحراً ماهراً. وبذلك ينتهي الخطر الذي يخشونه على معقتداتهم الموروثة، وعلى سلطانهم في الأرض، وهو الأساس.. ونرجح أن هذه كانت الدوافع الحقيقية لمهرجان السحرة، بعدما أفصح القوم عن شعورهم بالخطر الحقيقي الذي يتوقعونه: {وقال فرعون: ائتوني بكل ساحر عليم. فلما جاء السحرة قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون. فلما ألقوا قال موسى: ما جئتم به السحر، إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون}.. ونلاحظ هنا اختصاراً في موقف المباراة، لأن نهايته هي المقصودة. وفي قولة موسى: {ما جئتم به السحر}.. رد على تهمة السحر التي وجهت إليه. فالسحر هو هذا الذي يصنعه هؤلاء، لأنه ليس أكثر من تخييل وسحر للأنظار لا هدف له إلا اللعب بالعقول، لا تصحبه دعوة، ولا تقوم عليه حركة. فهذا هو السحر لا آيات الله التي جاءهم بها حقاً من عند الله.. وفي قوله: {إن الله سيبطله}.. تتجلى ثقة المؤمن الواثق بربه، المطمئن إلى أن ربه لا يرضى أن ينجح السحر وهو عمل غير صالح: {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}.. الذين يضللون الناس بالسحر، أو الملأ الذين جاءوا بالسحرة بنية الفساد والإبقاء على الضلال: {ويحق الله الحق بكلماته}.. كلماته التكوينية {كن فيكون}.. وهي تعبير عن توجه المشيئة. أو كلماته التي هي آياته وبيناته: {ولو كره المجرمون}.. فإن كراهتهم لا تعطل مشيئة الله، ولا تقف دون آياته. وقد كان.. وبطل السحر وعلا الحق.. ولكن السياق يختصر المشاهد هنا؛ لأنها ليست مقصودة في هذا المجال. ويسدل الستار هنا ليرفع على موسى ومن آمن معه وهم قليل من شباب القوم لا من شيوخهم!. وهذا إحدى عبر القصة المقصودة. {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم. وإن فرعون لعال في الأرض. وإنه لمن المسرفين. وقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا: على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين}. ويفيد هذا النص أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم لموسى بن بني إسرائيل كانوا هم الفتيان الصغار، لا مجموعة الشعب الإسرائيلي. وأن هؤلاء الفتيان كان يخشى من فتنتهم وردهم عن اتباع موسى، خوفاً من فرعون وتأثير كبار قومهم ذوي المصالح عند أصحاب السلطان، والأذلاء الذين يلوذون بكل صاحب سلطة وبخاصة من إسرائيل. وقد كان فرعون ذا سلطة ضخمة وجبروت، كما كان مسرفاً في الطغيان، لا يقف عند حد، ولا يتحرج من إجراء قاس. وهنا لا بد من إيمان يرجح المخاوف، ويطمئن القلوب، ويثبتها على الحق الذي تنحاز إليه: {وقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}.. فالتوكل على الله دلالة الإيمان ومقتضاه. وعنصر القوة الذي يضاف إلى رصيد القلة الضعيفة أمام الجبروت الطاغي فإذا هي أقوى وأثبت. وقد ذكر لهم موسى الإيمان والإسلام. وجعل التوكل على الله مقتضى هذا وذاك.. مقتضى الاعتقاد في الله، ومقتضى إسلام النفس له خالصة والعمل بما يريد. واستجاب المؤمنون لهتاف الإيمان على لسان نبيهم: {فقالوا: على الله توكلنا}.. ومن ثم توجهوا إلى الله بالدعاء: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين}.. والدعاء بألا يجعلهم الله فتنة للقوم الظالمين مقصود به ألا يمكن القوم الظالمين منهم، فيظن القوم أن تمكنهم من المؤمنين بالله دليل على أن عقيدتهم هم أصح ولذلك انتصروا وهزم المؤمنون! ويكون هذا استدراجاً لهم من الله وفتنة ليلجوا في ضلالهم. فالمؤمنون يدعون الله أن يعصمهم من تسلط الظالمين عليهم ولو لاستدراج الظالمين. والآية الثانية أصرح في النتيجة المطلوبة: {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}.. ودعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، وأن ينجيهم برحمته من القوم الكافرين، لا ينافي الاتكال على الله والتقوِّي به. بل هو أدل على التوجه بالاتكال والاعتماد إلى الله. والمؤمن لا يتمنى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء. وعقب هذا التميز، وفي فترة الانتظار بعد الجولة الأولى، وإيمان من آمن بموسى، أوحى الله إليه وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتاً خاصة بهم، وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعداداً للرحيل من مصر في الوقت المختار؛ وكلفهم تطهير بيوتهم، وتزكية نفوسهم، والاستبشار بنصر الله: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين}.. وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة. وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور: * اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. * اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي؛ وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح؛ وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور. واتجه موسى - عليه السلام - إلى ربه، وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير، وأن تكون قد بقيت فيهم بقية، وأن يرجى لهم صلاح. اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه، الذين يملكون المال والزينة، تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين، فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال، وإلى الضلال.. اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال، وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان. فاستجاب الله الدعاء: {وقال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا. ربنا ليضلوا عن سبيلك. ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال: قد أجيبت دعوتكما، فاستقيما، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}.. {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا}.. ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين. وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيراً من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة. وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس. ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها. أما دعاؤه بأن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة. دعاء بأن يزيدها الله قسوة واستغلاقاً حتى يأتيهم العذاب، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان؛ لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان. {قال: قد أجيبت دعوتكما}.. كتبت لها الإجابة وقضي الأمر. {فاستقيما}.. في طريقكما وعلى هداكما حتى يأتي الأجل: {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}.. فيخبطوا على غير علم، ويترددوا في الخطط والتدبيرات، ويقلقوا على المصير، ولا يعرفوا إن كانوا يسيرون في الطريق الهادي أم هم ضلوا السبيل. والمشهد التالي هو مشهد التنفيذ. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً، حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}.. إنه الموقف الحاسم والمشهد الأخير في قصة التحدي والتكذيب. والسياق يعرضه مختصراً مجملاً، لأن الغرض من سياقة هذه الحلقة من القصة في هذه السورة هو بيان هذه الخاتمة. بيان رعاية الله وحمايته لأوليائه، وإنزال العذاب والهلاك بأعدائه، الذين يغفلون عن آياته الكونية وآياته مع رسله حتى تأخذهم الآية التي لا ينفع بعدها ندم ولا توبة. وهو مصداق ما سبق في السورة من وعيد للمكذبين في قوله تعالى:{أية : ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً، ماذا يستعجل منه المجرمون؟ أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟! }.. تفسير : فهنا يأتي القصص لصدق ذلك الوعيد: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}.. بقيادتنا وهدايتنا ورعايتنا. ولهذا الإسناد في هذا الموضع دلالته.. {فأتبعهم فرعون وجنوده}.. لا اهتداء وإيماناً، ولا دفاعاً مشروعاً. ولكن: {بغياً وعدواً}.. وتجاوزاً للحد وطغياناً.. ومن مشهد البغي والعدو مباشرة إلى مشهد الغرق في ومضة: {حتى إذا أدركه الغرق}.. وعاين الموت، ولم يعد يملك نجاة.. {قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}.. لقد سقطت عن فرعون الباغي العادي المتجبر الطاغي.. كل أرديته التي تنفخ فيه فتظهره لقومه ولنفسه قوة هائلة مخيفة، ولقد تضاءل وتصاغر واستخذى. فهو لا يكتفي بأن يعلن إيمانه بأن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فيزيد في استسلام.. {وأنا من المسلمين}.. المسلِّمينّ! {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟!}.. آلآن حيث لا اختيار ولا فرار؟ آلآن وقد سبق العصيان والاستكبار؟ آلآن؟! {فاليوم ننجيك ببدنك}.. لا تأكله الأسماك، ولا يذهب منكراً مع التيار لا يعرف للناس. ذلك ليدرك من وراءك من الجماهير كيف كان مصيرك: {لتكون لمن خلفك آية}.. يتعظون بها ويعتبرون، ويرون عاقبة التصدي لقوة الله ووعيده بالتكذيب: {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}.. لا يوجهون إليها قلوبهم وعقولهم، ولا يتدبرونها في الآفاق وفي أنفسهم. ويسدل الستار على المشهد النهائي في المأساة. مأساة البغي والفساد والتحدي والعصيان.. ويعقب السياق بلمحة سريعة عن مآل بني إسرائيل بعدها، تستغرق ما حدث في أجيال: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق، ورزقناهم من الطيبات، فما اختلفوا حتى جاءهم العلم. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. والمبوأ: مكان الإقامة الأمين. وإضافته إلى الصدق تزيده أماناً وثباتاً واستقراراً كثبات الصدق الذي لا يضطرب ولا يتزعزع اضطراب الكذب وتزعزع الافتراء. ولقد طاب المقام فترة لبني إسرائيل بعد تجارب طويلة، لا يذكرها السياق هنا لأنها ليست من مقاصده، وتمتعوا بطيبات من الرزق حلال، حتى فسقوا عن أمر الله فحرمت عليهم. والسياق لا يذكر هنا إلا اختلافهم بعد وفاق. اختلافهم في دينهم ودنياهم، لا على جهل ولكن بعد أن جاءهم العلم، وبسبب هذا العلم، واستخدامه في التأويلات الباطلة. ولما كان المقام هنا مقام نصرة الإيمان وخذلان الطغيان، فإن السياق لا يطيل في عرض ما وقع بعد ذلك من بني إسرائيل، ولا يفصل خلافهم بعدما جاءهم العلم. ولكن يطوي هذه الصفحة، ويكلها بما فيها لله في يوم القيامة: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. فيبقى للقصة جلالها، ويظل للمشهد الأخير تأثيره.. وهكذا ندرك لماذا يساق القصص القرآني، وكيف يساق في كل موضع من مواضعه. فليس هو مجرد حكايات تروى، ولكنه لمسات وإيحاءات مقدرة تقديراً. بعد ذلك يجيء التعقيب على هذه الخاتمة لقصة موسى وقصة نوح من قبلها، يبدأ خطاباً إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - تثبيتاً بما حدث للرسل قبله، وبياناً لعلة تكذيب قومه له، أن ليس ما ينقصهم هو الآيات والبينات، إنما هي سنة الله في المكذبين من قبلهم، وسنة الله في خلق الإنسان باستعداداته للخير والشر والهدى والضلال.. وفي الطريق يلم إلمامة سريعة بقصة يونس وإيمان قومه به بعد أن كاد العذاب ينزل بهم، فرد عنهم. لعل فيها حافزاً للمكذبين قبل فوات الأوان.. وينتهي بالخلاصة المستفادة من ذلك القصص كله. أن سنة الله التي مضت في الأولين ماضيه في الآخرين: عذاب وهلاك للمكذبين. ونجاة وخلاص للرسل ومن معهم من المؤمنين. حقاً كتبه الله على نفسه. وجعله سنة ماضية لا تتخلف ولا تحيد: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين. ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين. إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم، فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى حين. ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين! وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون. قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون، فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟ قل: فانتظروا إني معكم من المنتظرين. ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين}.. لقد كان آخر الحديث عن بني إسرائيل، وهم من أهل الكتاب، وهم يعرفون قصة نوح مع قومه وقصة موسى مع فرعون، يقرأونها في كتابهم. فهنا يتوجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إن كان في شك مما أنزل إليه، من هذا القصص أو غيره، فليسأل الذين يقرأون الكتاب من قبله. فلديهم عنه علم، مما يقرأون: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}. ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في شك مما أنزل الله إليه. أو كما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - "حديث : لا أشك ولا أسأل"تفسير : . ففيم إذن هذا القول له أن يسأل إن كان في شك. والتعقيب عليه: {لقد جاءك الحق من ربك} وفي هذا ما يكفيه لليقين؟ ولكن هذا التوجيه يشي بما كان وراءه من شدة الموقف وتأزمه في مكة بعد حادث الإسراء، وقد ارتد بعض من أسلموا لعدم تصديقه. وبعد موت خديجة وأبي طالب، واشتداد الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه؛ وبعد تجمد الدعوة تقريباً في مكة بسبب موقف قريش العنيد.. وكل هذه ملابسات تلقي ظلالها على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسري عنه ربه بهذا التوكيد، بعد ذلك القصص الموحى.. ثم إنه تعريض بالشاكين الممترين المكذبين: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين}. وهذا التعريض يترك الفرصة لمن يريد منهم أن يرجع ليرجع؛ لأنه إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مأذوناً في أن يسأل إن كان في شك، ثم هو لا يسأل ولا يشك، فهو إذن على يقين مما جاء به أنه الحق. وفي هذا إيحاء للآخرين ألا يترددوا، وألا يكونوا {من الممترين}.. ثم إنه المنهج الذي يضعه الله لهذه الأمة فيما لا تستوثق منه.. أن تسأل أهل الذكر.. ولو كان من أخص خصائص العقيدة؛ لأن المسلم مكلف أن يستيقن من عقيدته وشريعته، وألا يعتمد على التقليد دون تثبت ويقين. ثم أيكون هناك تعارض بين إباحة هذا السؤال عند الشك وبين قوله: {فلا تكونن من الممترين}؟.. ليس هنالك تعارض، لأن المنهي عنه هو الشك والبقاء على الشك؛ بحيث يصبح صفة دائمة.. {من الممترين}.. ولا يتحرك صاحبها للوصول إلى يقين. وهي حالة رديئة لا تنتهي إلى معرفة، ولا تحفز إلى استفادة، ولا تئول إلى يقين. وبعد فإذا كان ما جاء إلى الرسول هو الحق الذي لا مرية فيه، فما تعليل إصرار قوم على التكذيب ولجاجهم فيه؟ تعليله أن كلمة الله وسنته قد اقتضت أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدي، ومن لا يفتح بصيرته على النور لا يراه، ومن يعطل مداركه لا ينتفع بوظيفتها، فتكون نهايته إلى الضلال، مهما تكن الآيات والبينات، لأنه لا يفيد شيئاً من الآيات والبينات. وعندئذ تكون كلمة الله وسنته قد حقت عليهم وتحققت فيهم: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.. فلا ينفعهم الإيمان حينئذ لأنه لم يجئ عن اختيار. ولم تعد هنالك فرصة لتحقيق مدلوله في الحياة. ومنذ هنيهة كان أمامنا مشهد يصدق هذا. مشهد فرعون حين أدركه الغرق يقول: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}.. فيقال له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟!}. وعند هذا الموقف الذي تظهر فيه حتمية سنن الله العامة، وانتهاؤها إلى نهايتها المرسومة، متى تعرض الإنسان لها باختياره، تفتح نافذة مضيئة بآخر شعاع من أشعة الأمل في النجاة. ذلك أن يعود المكذبون عن تكذيبهم قبيل وقوع العذاب: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها! إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}.. وهو تحضيض ينسحب على الماضي، فيفيد أن مدلوله لم يقع.. {فلولا كانت قرية آمنت} من هذه القرى التي مر ذكرها. ولكن القرى لم تؤمن. إنما آمنت منهم قلة، فكانت الصفة الغالبة هي صفة عدم الإيمان.. ذلك فيما عدا قرية واحدة - والقرية: القوم، والتسمية هكذا إيذان بأن الرسالات كانت في قرى الحضر ولم تكن في محلات البدو - ولا يفصل السياق هنا قصة يونس وقومه، إنما يشير إلى خاتمتها هذه الإشارة؛ لأن الخاتمة وحدها هي المقصودة هنا. فلا نزيدها نحن تفصيلاً. وحسبنا أن ندرك أن قوم يونس كان عذاب مخز يتهددهم، فلما آمنوا في اللحظة الأخيرة قبل وقوعه كشف عنهم العذاب، وتركوا يتمتعون بالحياة إلى أجل. ولو لم يؤمنوا لحل العذاب بهم وفاقاً لسنة الله المترتبة آثارها على تصرفات خلقه.. حسبنا هذا لندرك أمرين هامين: أولهما: الإهابة بالمكذبين أن يتعلقوا بخيوط النجاة الأخيرة، فلعلهم ناجون كما نجا قوم يونس من عذاب الخزي في الحياة الدنيا. وهو الغرض المباشر من سياقة القصة هذا المساق.. وثانيهما: أن سنة الله لم تتعطل ولم تقف بكشف هذا العذاب، وترك قوم يونس يتمتعون فترة أخرى. بل مضت ونفذت. لأن مقتضى سنة الله كان أن يحل العذاب بهم لو أصروا على تكذيبهم حتى يجيء. فلما عدلوا قبل مجيئه جرت السنة بإنجائهم نتيجة لهذا العدول. فلا جبرية إذن في تصرفات الناس، ولكن الجبرية في ترتيب آثارها عليها. ومن ثم ترد القاعدة الكلية في الكفر والإيمان: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}.. ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً. أو لجعل له استعداداً واحداً يقود جميع أفراده إلى الإيمان. ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعاً وقهرهم عليه، حتى لا تكون لهم إرادة في اختياره. ولكن حكمة الخالق التي قد ندرك بعض مراميها وقد لا ندرك، دون أن ينفي عدم إدراكنا لها وجودها. هذه الحكمة اقتضت خلقة هذا الكائن البشري باستعداد للخير وللشر وللهدى والضلال. ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك. وقدرت أنه إذا أحسن استخدام مواهبه اللدنية من حواس ومشاعر ومدارك، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس وما يجيء به الرسل من آيات وبينات، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص. وعلى العكس حين يعطل مواهبه ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الإيمان يقسو قلبه، ويستغلق عقله، وينتهي بذلك إلى التكذيب أو الجحود، فإلى ما قدره الله للمكذبين الجاحدين من جزاء.. فالإيمان إذن متروك للاختيار. لا يكره الرسول عليه أحداً. لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟}.. وهو سؤال للأنكار، فإن هذا الإكراه لا يكون: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله}: وفق سنته الماضية التي بيناها. فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه. لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه، فهذا ليس المقصود بالنص. بل المقصود أنها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذان الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة. وعندئذ يهديها الله ويقع لها الإيمان بإذنه. فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به. إنما الناس يسيرون في الطريق. فيقدر الله لهم عاقبة الطريق، ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في الله ليهتدوا.. ويدل على هذا عقب الآية: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}.. فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر، يجعل الرجس عليهم. والرجس أبشع الدنس الروحي، فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران. ويزيد الأمر إيضاحاً بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون؛ لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض: {قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}.. وسواء كان عقب الآية استفهاماً أو تقريراً. فمؤداه واحد. فإن ما في السماوات والأرض حافل بالآيات؛ ولكن الآيات والنذر لا تفيد الذين لا يؤمنون، لأنهم من قبل لم يلقوا بالا إليها، ولم يتدبروها.. وقبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى: {قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}.. إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل. ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مراراً، هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير! والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض، ويستلهم هذا الكون؛ ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل.. وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه؛ ودون أن يجعل من هذا الكون إلهاً يؤثر في الإنسان أثر الله! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون، ويسمون ذلك التجديف مذهباً "علمياً" يقيمون عليه نظاماً اجتماعياً يسمونه: "الاشتراكية العلمية" والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء! والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات؛ وزاد من الاستجابات والتأثرات؛ وزاد من سعة الشعور بالوجود؛ وزاد من التعاطف مع هذا الوجود.. وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود الله، وبجلال الله، وبتدبير الله، وبسلطان الله، وبحكمة الله، وعلم الله... ويمضي الزمن، وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون، فإن كان هذا الإنسان مهتدياً بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية، زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون، والأنس به، والتعرف عليه، والتجاوب معه، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله:{أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه بالله.. وأَما إن كانت هذه المعارف العلمية غير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره، فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة، حين تقودهم إلى مزيد من البعد عن الله؛ والحرمان من بشاشة الإيمان ونوره ورفرفته وريّاه! {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}! وماذا تجدي الآيات والنذر إذا استغلقت القلوب، وتجمدت العقول، وتعطلت أجهزة الاستقبال والتلقي في الفطرة؛ واحتجب الكائن الإنساني بجملته عن هذا الوجود، فلم يسمع إيقاعات حمده وتسبيحه؟! "إن المنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية يجعل الكون والحياة معرضاً رائعاً تتجلى فيه هذه الحقيقة.. تتجلى فيه بآثارها الفاعلة، وتملأ بوجودها وحضورها جوانب الكينونة الإنسانية المدركة.. إن هذا المنهج لا يجعل "وجود الله" سبحانه قضية يجادل عنها. فالوجود الإلهي يفعم القلب البشري - من خلال الرؤية القرآنية والمشاهدة الواقعية على السواء - بحيث لا يبقى هنالك مجال للجدل حوله. إنما يتجه المنهج القرآني مباشرة إلى الحديث عن آثار هذا الوجود في الكون كله؛ وإلى الحديث عن مقتضياته كذلك في الضمير البشري والحياة البشرية. "والمنهج القرآني في اتباعه لهذه الخطة إنما يعتمد على حقيقة أساسية في التكوين البشري. فالله هو الذي خلق وهو أعلم بمن خلق:{أية : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه}تفسير : والفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله. بل إنها حين تصح وتستقيم تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد. ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست هي إنشاء هذا الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فهذا مركوز في الفطرة. ولكن وظيفتها هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه، وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره. تعريفه بحقيقته وصفاته، لا تعريفه بوجوده وإثباته. ثم تعريفه بمقتضيات الألوهية في حياته - وهي الربوبية والقوامة والحاكمية - والشك في حقيقة الوجود الإلهي أو إنكاره هو بذاته دليل قاطع على اختلال بين في الكينونة البشرية، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيها. وهذا التعطل لا يعالج - إذن - بالجدل. وليس هذا هو طريق العلاج! "إن هذا الكون، كون مؤمن مسلم، يعرف بارئه ويخضع له، ويسبح بحمده كل شيء فيه وكل حي - عدا بعض الأناسي! - و"الإنسان" يعيش في هذا الكون الذي تتجاوب جنباته بأصداء الإيمان والإسلام، وأصداء التسبيح والسجود. وذرات كيانه ذاته وخلاياه تشارك في هذه الأصداء؛ وتخضع في حركتها الطبيعية الفطرية للنواميس التي قدرها الله. فالكائن الذي لا تستشعر فطرته هذه الأصداء كلها؛ ولا تحس إيقاع النواميس الإلهية فيها هي ذاتها، ولا تلتقط أجهزته الفطرية تلك الموجات الكونية، كائن معطلة فيه أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. ومن ثم لا يكون هنالك سبيل إلى قلبه وعقله بالجدل، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك، وتأخذ في العمل من جديد". ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السماوات والأرض، وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء القلب الإنساني؛ لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب. ولكن أولئك المكذبين من الجاهليين العرب - وأمثالهم - لا يتدبرون ولا يستجيبون.. فماذا ينتظرون؟ إن سنة الله لا تتخلف، وعاقبة المكذبين معروفة، وليس لهم أن يتوقعوا من سنة الله أن تتخلف. وقد يُنظرهم الله فلا يأخذهم بعذاب الاستئصال، ولكن الذين يصرون على التكذيب لا بد لهم من النكال: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟}.. {قل: فانتظروا إني معكم من المنتظرين}.. وهو التهديد الذي ينهي الجدل، ولكنه يخلع القلوب. ويختم هذا المقطع من السياق بالنتيجة الأخيرة لكل رسالة ولكل تكذيب، وبالعبرة الأخيرة من ذلك القصص وذلك التعقيب: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا. كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين}.. إنها الكلمة التي كتبها الله على نفسه: أن تبقى البذرة المؤمنة وتنبت وتنجو بعد كل إيذاء وكل خطر، وبعد كل تكذيب وكل تعذيب.. هكذا كان - والقصص المروي في السورة شاهد - وهكذا يكون.. فليطمئن المؤمنون...
ابن عاشور
تفسير : انتقال من مقارعة المشركين بالحجج الساطعة على بطلان دينهم، وبالدلائل الواضحة على تفنيد أكاذيبهم وتكذيبهم وما تخلل ذلك من الموعظة والوعيد بالعذاب العاجل والآجل والإرهاب، إلى التعريض لهم بذكر ما حل بالأمم المماثلة أحوالها لأحوالهم، استقصاء لطرائق الحجاج على أصحاب اللجاج؛ فإن نوحاً ـ عليه السلام ـ مع قومه مَثَل لحال محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قومه في ابتداء الأمر وتطوره، ففي ذكر عاقبة قوم نوح ـ عليه السلام ـ تعريض للمشركين بأن عاقبتهم كعاقبة أولئك أو أنهم إنما يمتعون قليلاً ثم يؤخذون أخذة رابية، كما متع قوم نوح زمناً طويلاً ثم لم يفلتوا من العذاب في الدنيا، فذكر قصة نوح مع قومه عِظة للمشركين وملقياً بالوجل والذعر في قلوبهم، وفي ذلك تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بأنهم إسوة بالأنبياء، والصالحين من أقوامهم، وكذلك قصة موسى ـ عليه السلام ـ عقبها كما ينبيء عن ذلك قولهُ في نهاية هذه القصص {أية : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}تفسير : [يونس: 99] الآيات. وقوله: {أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك}تفسير : [يونس: 94] الآيات. وبهذا يظهر حسن موقع (إذْ) من قوله: {إذ قال لقومه يا قوم} إلى آخره، فإن تقييد النبأ بزمن قوله: {لقومه} إيماء إلى أن محاورته قومه وإصرارهم على الإعراض هو محل العبرة، لأنه وجه الشبه بين المشركين وبين قوم نوح ـ عليه السلام ـ في صم آذانهم عن دعوة رسولهم، وقوله ذلك لهم إنما كان بعد أن كرر دعاءَهم زمناً طويلاً فكان ذلك آخر جدل بينه وبينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد دعا أهل مكة سنين وقت نزول هذه السورة ثم حاورهم وجادلهم ولأن ذلك الزمن هو أعظم موقف وقفه نوح ـ عليه السلام ـ مع قومه، وكان هو الموقف الفاصل الذي أعقبه العذاب بالغرق. و{إذا} اسم للزمن الماضي. وهو هنا بدل اشتمال من {نبأ} أو من {نوح}. وفي ذكر قصة نوح ـ عليه السلام ـ وما بعدها تفصيل لما تقدم إجماله من قوله تعالى: {أية : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لمَّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات}تفسير : [يونس: 13]. وضمير {عليهم} عائد إلى {أية : الذين يفترون على الله الكذب}تفسير : [يونس: 69]. والتلاوة: القراءة. وتقدمت في سورة الأنفال. والنبأ: الخبر. وتقدم في قوله: {أية : ولقد جاءك من نبأ المرسلين}تفسير : في سورة [الأنعام: 34]. والتعريف بنوح عليه السلام وتاريخه مضى في أول آل عمران. وتعريف قوم نوح بطريق الإضافة إلى ضمير نوح في قوله: {إذ قَال لقومه} إذ ليس ثمة طريق لتعريفهم غير ذلك إذ لم يكن لتلك الأمة اسم تعرف به، فإنهم كانوا أمة واحدة في الأرض فلم يحصل داع إلى تسميتهم باسم جَد أو أرض إذ لم يكن ما يدعو إلى تمييزهم إذ ليس ثمة غيرهم، ألا ترى إلى حكاية الله عن هود في قوله لقومه {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69]، ولما حكى عن صالح إذ قال لقومه: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد}تفسير : [الأعراف: 74] وظرف {إذ} وما أضيف إليه في موضع الحال من {نبأ نوح}. وافتتاح خطاب نوح قومَه بـ{يا قوم} إيذان بأهيمة ما سيلقيه إليهم، لأن النداء طلب الإقبال. ولما كان هنا ليس لطلب إقبال قومه إليه لأنه ما ابتدأ خطابهم إلا في مجمعهم تعين أن النداء مستعمل مجازاً في طلب الإقبال المجازي، وهو توجيه أذهانهم إلى فهم ما سيقوله. واختيار التعبير عنهم بوصف كونهم قومه تحبيب لهم في نفسه ليأخذوا قوله مأخذ قول الناصح المتطلب الخيرَ لهم، لأن المرء لا يريد لقومه إلا خيراً. وحذفت ياء المتكلم من المنادى المضاف إليها على الاستعمال المشهور في نداء المضاف إلى ياء المتكلم. ومعنى: {إن كان كبُر عليكم مقامي} شق عليكم وأحرجكم. والكبَر: وفرة حجم الجسم بالنسبة لأمثاله من أجسام نوعه، ويستعار الكبَر لكون وصف من أوصاف الذوات أو المعاني أقوى فيه منه في أمثاله من نوعه، فقد يكون مدحاً كقوله تعالى: {أية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}تفسير : [البقرة: 45]، ويكون ذماً كقوله: {أية : كَبُرَتْ كلمة تخرج من أفواههم}تفسير : [الكهف: 5]، ويستعار الكبَر للمشقة والحرج، كقوله تعالى: {أية : كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه}تفسير : [الشورى: 13] وقوله: {أية : وإن كان كَبُر عليك إعراضهم}تفسير : [الأنعام: 35] وكذلك هنا. والمقام مصدر ميمي مرادف للقيام. وقد استعمل هنا في معنى شأن المرء وحاله كما في قوله تعالى: {أية : ولمَن خاف مقام ربه جنتان}تفسير : [الرحمٰن: 46]، وقوله: {أية : قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مَقاماً}تفسير : [مريم: 73] أي خير حالة وشأناً. وهو استعمال من قبيل الكناية، لأن مكان المرء ومقامه من لوازم ذاته، وفيهما مظاهر أحواله. وخَص بالذكر من أحواله فيهم تذكيره إياهم بآيات الله، لأن ذلك من أهم شؤونه مع قومه، فعطفه من عطف الخاص على العام. فمعنى: {كَبُر عليكم مقامي وتذكيري} سئمتم أحوالي معكم وخاصة بتذكيري بآيات الله. وتجهم الحق على أمثالهم شنشنة المتوغلين في الفساد المأسورين للهوى إذ تقع لديهم الدعوة إلى الإقلاع عنه والتثويب بهم إلى الرشاد موقعاً مُرّ المَذاق من نفوسهم، شديد الإيلام لقلوبهم، لما في منازعة الحق نفوسهم من صَولة عليها لا يستطيعون الاستخفاف بها ولا يطاوعهم هواهم على الإذعان إليها، فيتورطون في حيرة ومنازعة نفسانية تثقل عليهم، وتشمئز منها نفوسهم، وتكدر عليهم صفو انسياقهم مع هواهم. وإضافة التذكير إلى ضميره من إضافة المصدر إلى فاعله. والباء في {بآيات الله} لتأكيد تعدية المصدر إلى مفعوله الثاني، والمفعولُ الأول محذوف، والتقدير: تذكيري إياكم. و{آيات الله} مفعول ثان للتذكير. يقال: ذكرته أمراً نسيه، فتعديته بالباء لتأكيد التعدية كقوله تعالى: {أية : وذكرهم بأيام الله}تفسير : [إبراهيم: 5]، وقول مسور بن زيادةَ الحارثي: شعر : أذَكَّر بالبقيا على من أصابني وبقياي أني جاهد غير مؤتلي تفسير : ولذلك قالوا في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6] أن الباء لتأكيد اللصوق أي لصوق الفعل بمفعوله. وآيات الله: دلائل فضله عليهم، ودلائل وحدانيته، لأنهم لما أشركوا بالله فقد نسوا تلك الدلائل، فكان يذكرهم بها، وذلك يُبرمهم ويحرجهم. وجملة: {فعلى الله توكلت} جواب شرط {إن كان كبُر عليكم مقامي} باعتبار أن ذلك الشرط تضمن أن إنكاره عليهم قد بلغ من نفوسهم ما لا طاقة لهم بحمله، وأنهم متهيئون لمدافعته فأنبأهم أن احتمال صدور الدفاع منهم، وهم في كثرة ومنعَة وهو في قلة وضعف، لا يصُده عن استمرار الدعوة، وأنه وإن كان بينهم وحيداً فذلك يوهنه لأنه متوكل على الله. ولأجل هذا قدم المجرور على عامله في قوله: {فعلى الله توكلت} أي لا على غيره. والتوكل: التعويل على من يدبر أمره. وقد مر عند قوله: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله}تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. والفاء في {فأجمعوا أمركم} للتفريع على جملة {على الله توكلت} فللجملة المفرعة حكم جواب الشرط لأنها مفرعة على جملة الجواب، ألا ترى أنه لولا قصده المبادرة بإعلامهم أنه غير مكترث بمناواتهم لكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: إن كان كبُر عليكم مقامي الخ، فأجمعوا أمركم فإني على الله توكلت، كما قال هود لقومه {أية : فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم}تفسير : [هود: 55، 56]. وإجماع الأمر: العزم على الفعل بعد التردد بين فِعله وفعل ضده. وهوَ مأخوذ من الجمع الذي هو ضد التفريق، لأن المتردد في ماذا يعمله تكون عنده أشياء متفرقة فهو يتدبر ويتأمل فإذا استقر رأيه على شيء منها فقد جَمَع ما كان متفرقاً. فالهمزة فيه للجعل، أي جعلَ أمره جمعاً بعد أن كان متفرقاً. ويقولون: جاؤوا وأمرهم جميع، أي مجموع غير متفرق بوجوه الاختلاف. والأمر: هو شأنهم من قصد دفعه وأذاه وترددهم في وجوه ذلك ووسائله. و{شركاءكم} منصوب في قراءة الجمهور على أنه مفعول معه. والواو بمعنى (مع) أي أجمعوا أمركم ومعكم شركاؤكم الذين تستنصرون بهم. وقرأ يعقوب {وشركاؤكم} مرفوعاً عطفاً على ضمير {فأجمعوا}، وسوغه الفصل بين الضمير وما عطف عليه بالمفعول. والمعنى: وليجْمَع شركاؤكم أمرَهم. وصيغة الأمر في قوله: {فأجمعوا} مستعملة في التسوية، أي أن عزمهم لا يضيره بحيث هو يغريهم بأخذ الأهبة التامة لمقاومته. وزاد ذكر شركائهم للدلالة على أنه لا يخشاها لأنها في اعتقادهم أشد بطشاً من القوم، وذلك تهكم بهم، كما في قوله تعالى: {أية : قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون}تفسير : [الأعراف: 195]. وعطْف جملة: {ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة} بـ{ثم} الدالة على التراخي في الرتبة لما تتضمنه الجملة الثانية من الترقي في قلة مبالاته بما يُهيئونه له من الضر بحيث يتصدى لهم تصدي المشير بما يسهل لهم البلوغ إلى الإضرار به الذي ينوونه وإزالة العوائق الحائلة دون مقصدهم. وجاء بما ظاهره نهي أمرهم عن أن يكون غمة عليهم مبالغة في نهيهم عن التردد في تبين الوصول إلى قصدهم حتى كأنّ شأنهم هو المنهي عن أن يكون التباساً عليهم، أي اجتهدوا في أن لا يكون ذلك. والغمة: اسم مصدر للغم. وهو الستر. والمراد بها في مثل هذا التركيب الستر المجازي، وهو انبهام الحال، وعدم تبين السداد فيه، ولعل هذا التركيب جرى مجرى المثل فقد قال طرفة من قبل: شعر : لعمرك ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد تفسير : وإظهار لفظ الأمر في قوله: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} مع أنه عين الذي في قوله: {فأجمعوا أمركم} لكون هذا التركيب مما جرى مجرى المثل فيقتضي أن لا تغير ألفاظه. و(ثم) في قوله: {ثم اقضوا إلي} للتراخي في الرتبة، فإن رتبة إنفاذ الرأي بما يزمعون عليه من أذاهُ أقوى من تدبير ذلك، ومن رتبة إجماع الرأي عليه فهو ارتقاء من الشيء إلى أعلى منه، فعطف بـ(ثم) التي تفيد التراخي في الرتبة في عطفها الجمل. و{اقضُوا} أمر من القضاء، فيجوز أن يكون من القضاء بمعنى الإتمام والفصل، أي انفذوا ما ترونه من الإضرار بي. ويجوز أن يكون من القضاء بمعنى الحكم، وهو قريب من الوجه الأول، أي أنفذوا حكمكم. وعدي بـ(إلى) دون (على) لأنه ضمن معنى الإبلاغ والإيصال تنصيصاً على معنى التنفيذ بالفعل، لأن القضاء يكون بالقول فيعقبه التنفيذ أو الإرجاء أو العفو، ويكون بالفعل، فهو قضاء بتنفيذ. ويسمى عند الفقهاء بالقضاء الفعلي. وقوله: {ولا تُنظرون} تأكيد المدلول التضمين المشار إليه بحرف (إلى). والإنظار التأخير، وحذفت ياء المتكلم من {تنظرون} للتخفيف، وهو حذف كثير في فصيح الكلام، وبقاء نون الوقاية مشعر بها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 71- وإن ما ينزل بك من قومك قد نزل بمن سبقك من الأنبياء، واقرأ - أيها الرسول - على الناس، فيما ينزله عليك ربك من القرآن قصة نوح رسول الله لمَّا أحس كراهية قومه وعداءهم لرسالته، فقال لهم: يا قوم إن كان وجودى فيكم لتبليغ الرسالة قد أصبح شديداً عليكم، فإنى مستمر مثابر على دعوتى متوكل على الله فى أمرى، فاحزموا أمركم ومعكم شركاؤكم فى التدبير، ولا يكن فى عدائكم لى أى خفاء، ولا تمهلونى بما تريدون لى من سوء، إن كنتم تقدرون على إيذائى، فإن ربى يرعانى. 72- وإن بقيتم على الإعراض عن دعوتى، فإن ذلك لن يضيرنى، لأنى لم أقم بها لأتقاضاكم عليها أجراً أخشى عليه الضياع بسبب إعراضكم، إنما أطلب أجرى عليها من الله - وحده - وقد أمرنى أن أكون مُسَلِّماً إليه جميع أمرى. 73- ومع هذا المجهود وتلك المثابرة التى بذلها من أجل هدايتهم، أصروا على أن يستمروا فى تكذيبه وعدائه، فنجَّاه الله ومَن معه من المؤمنين به، الراكبين معه فى الفلك، وجعلهم عُمَّاراً للأرض بعد هلاك الكافرين الذين أغرقهم الطوفان، فانظر - يا محمد - كيف لقى المستخفون بالنذر مصيرهم السيئ. 74- ثم أرسلنا من بعد نوح رُسُلاً آخرين، داعين إلى التوحيد، ومبشرين ومنذرين، ومؤيدين بالمعجزات الدالة على صدقهم، فكذبت أقوامهم كما كذب قوم نوح، فما كان من شأن الجاحدين منهم أن يذعنوا، لأن التكذيب سبق التبصر والاعتبار، وبذلك طبع الله الباطل على قلوب الذين من شأنهم الاعتداء على الحقائق وعلى البينات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واتل عليهم نبأ نوح: أي اقرأ على المشركين نبأ نوح أي خبره العظيم الخطير. كبر عليكم مقامي: أي عظم عليكم مقامي بينكم ادعوا إلى ربي. فأجمعوا أمركم: أي اعزموا عزماً أكيداً. غمّة: أي خفاء ولبساً لا تهتدون منه إلى ما تريدون. ثم اقضوا إِلي: أي انفذا أمركم. ولا تنظرون: أي ولا تمهلون رحمة بي أوشفقة علي. فإن توليتم: أي أعرضتم عما أدعوكم إليه من التوحيد. في الفلك: أي في السفينة. خلائف: أي يخلف الآخر الأول جيلاً بعد جيل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية المشركين بالرد على دعواهم وبيان الحق لهم وفي هذه الآيات يأمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم طرفاً من قصة نوح مع قومه المشركين الذين كانت حالهم كحال مشركي العرب سواء بسواء وفي قراءة هذا القصص فائدتان الأولى تسلية الرسول وحمله على الصبر، والثانية تنبيه المشركين إلى خطإهم، وتحذيرهم من الاستمرار على الشرك والعصيان فيحل بهم من العذاب ما حل بغيرهم قال تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أي خبره العظيم الشأن وهو قوله لهم {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} أي عظم وشق عليكم وجودي بينكم أدعوكم إلى الله، وتذكيري إياكم بآيات الله، فإني توكلت على الله فأجمعوا أمركم أي اعزموا عزماً أكيداً وادعوا أيضاً شركاءكم للاستعانة بهم، ثم أحذركم أن يكون أمركم عليكم غمة أي خفياً ملتبساً عليكم فيجعلكم تترددون في إنفاذ ما عزمتم عليه، ثم اقضوا إليَّ ما تريدون من قتلي أو نفيي ولا تنظرون أي لا تؤخروني أي تأخير. وقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن دعوتي وتذكيري ولم تقبلوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله تعالى وحده، فما سألتكم عليه من أجر أي ثواب، حتى تتولوا. إن أجري إلا على ربي الذي أرسلني وكلفني. وقد أمرني أن أكون من المسلمين له قلوبهم ووجوههم وكل أعمالهم فأنا كذلك كل عملي له فلا أطلب أجراً من غيره قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} أي دعاهم واستمر في دعائهم إلى الله زمناً غير قصير وكانت النهاية: أن كذبوه، ودعانا لنصرته فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة وجعلناهم خلائف لبعضهم بعضاً أي يخلف الآخر الأول، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا التي أرسلنا بها عبدنا نوحاً فانظر يا رسولنا كيف كان عاقبة المنذرين الذين لم يقبلوا النصح ولم يستجيبوا للحق إنها عاقبة وخيمة إذ كانت إغراقاً في طوفان وناراً في جهنم وخسراناً قال تعالى في سورة نوح: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} تفسير : [الآية: 25]. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تسلية الدعاة بمثل موقف نوح العظيم إذ قال لقومه: أجمعوا أمركم ونفذوا ما تريدون إني توكلت على الله. 2- ثمرة التوكل شجاعة واطمئنان نفس وصبر وتحمل مع مضاء عزيمة. 3- دعوة الله لا ينبغي أن يأخذ الداعي عليها أجراً إلا للضرورة. 4- بيان سوء عاقبة المكذبين بعد إنذارهم وتحذيرهم.
القطان
تفسير : النبأ: الخبر له خطر وشأن. فاجمعوا امركم: اعزموا عليه من غير تردد. الغمة: ضيق الأمر الذي يوجب الحزن. خلائف: يخلفون من مضى. يذكر الله تعالى هنا الأممَ السالفةَ وأخبارَهم مع رسُولهم، وكيف كذّبوهم وعاندوهم، وفي ذلك تسليةٌ للرسول الكريم، وبيانٌ له بأن قومه لم يكونوا بِدْعا في عنادهم، بل سبقهم في مثلِ فعلهم كثيرٌ من الأمم قبلهم. لكن العاقبة كانت على الدوام ان يفوز الرسلُ والمؤمنون. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ}. اقرأ يا محمد على المشركين، قصةَ نوحٍ لمّا أحسّ كراهيةَ قومه وعداءَهم لرسالته، فقال لهم: يا قومي، إن كان وجودي فيكم لتبليغ الرسالةِ أصبحَ ثقيلاً عليكم، فإنّي مثابرٌ على دعوتي، متوكلٌ على الله في أمري. {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ}. فأعِدُّوا أمرَكم واعزموا على ما تُقْدِمون عليه في أمري انتم وشركاءكم الذي تبعدونهم. لا تدعوا في عِدائكم لي أَيّ خفاء، ولا تُمهلوني فيما تُريدون لي من سوء ان كنتم تقدرون على ذلك. قراءات: قرأ نافع: "فاجمعوا" بوصل الهمزة وفتح الميم. والباقون: "فأجمعوا" بالهمزة وكسر الميم. وقرأ يعقوب: "وشركاؤكم" بالرفع، والباقون "وشركاءكم" بالنصب. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. فإن اعرضتُم عن دَعوتي، لم يضرّني ذلك، لأني ما سألتُكم أن تدفعوا لي أجراً على ما دعوتكم اليه، بل إن ثوابي على الله وحدَه، وهو يؤتيني إياه، وقد أمرني أن أُسْلِمَ اليه جميع أمري. {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ}. ومع كل هذه الجهود التي بذلها من اجل هدايتهم، فقد أصرّوا على تكذيبه، فنجاه الله ومن معه من المؤمنين في السفينة، وجعلهم خلفاء في الأرض، وأغرق الكافرين بالطوفان. فانظر أيها الرسول كيف كانت عاقبةُ هؤلاء المكذبين لرسولهم: نجّى الله نوحا والذين آمنوا معه واستخلفهم في الارض على قلّتهم، واغرق المكذبين وهزمهم على كثرتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰقَوْمِ} {بِآيَاتِ} (71) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ إِيذَاءِ قَوْمِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا يَقُصُّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ. وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِقِصَّةِ نُوحٍ عليهِ السَّلاَمُ، فَيَقُولُ تَعَالَى: أَخْبِرْ يَا مُحَمَّدُ كُفَّارَ مَكَّةَ الذِينَ يُكَذِّبُونَكَ خَبَرَ نُوحٍ مَعْ قَوْمِهِ الذِينَ كَذَّبُوهُ، كَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَدَمَّرَهُمْ بِالغَرَقِ أَجْمَعِينَ، وَلَيْحَذَرْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ البَلاَءِ وَالهَلاَكِ وَالدَّمَارِ مَا أَصَابَ أُوْلَئِكَ. لَقَدْ قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ ثَقُلَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَكُمْ (كَبُرَ)، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرِي إِيَّاكًُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، فَإِنِّي قَدْ وَكَّلْتُ أَمْري إِلى اللهِ الذِي أَرْسَلَنِي، وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَإِنِّي لاَ أُبَالِي بِكُمْ، وَلاَ أَكُفُّ عَنْكُمْ، سَواءٌ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي أَوْ لاَ، فَاجْتَمِعُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ، مِنَ الأَصْنَامِ الذِينَ تَدْعُونَهُمْ، وَلاَ تَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ مُلْتَبِساً عَلَيْكُمْ (غُمَّةً)، بَلْ كُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، لِكَيْلا تَتَحَوَّلُوا عَنْهُ، وَافْصِلُوا أَمْرَكُمْ مَعِي، فَإِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فَاقْضُوا إِلَيَّ، وَافْعَلُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ، وَلاَ تُؤَخِّرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً (وَلاَ تُنْظِرُونَ). كَبُرَ عَلَيْكُمْ - عَظُمَ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ. مَقَامِي - إِقَامَتِي بَيْنَكُمْ دَهْراً طَوْيلاً. فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ - اعْزِمُوا وَصَمِّمُوا عَلَى كَيْدِكُمْ. وَشُرَكَاءَكُمْ - مَعَ شُرَكَائِكُمْ. غَمَّةً - ضِيقاً شَدِيداً، أَوء مُلْتَبِساً مُبْهَماً.
الثعلبي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} اقرأ يا محمد على أهل مكة {نَبَأَ} خبر {نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} ولد وأهل {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ} عظُم وثقل وشق {عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} فلو شق مكثي بين أظهركم {وَتَذْكِيرِي} ووعظي إياكم {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بحججه وبيناته فعزمتم على قتلي أو طردي {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} فبالله وثقت {فَأَجْمِعُوۤاْ} قرأه العامة بقطع الألف وكسر الميم أي فأعدوا وأبرموا وأحكموا {أَمْرَكُمْ} فاعزموا عليه. قال المؤرخ: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه، وأنشد: شعر : يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوماً وأمري مجمع تفسير : وقرأ الأعرج والجحدري موصولة مفتوحة الميم من الجمع اعتباراً بقوله فجمع كيده، وقال أبو معاذ: ويجوز أن يكون بمعنى وأجمعوا أي فأجمعوا واحد يقال: جمعت وأجمعت بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: [عزم عليه كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع] {وَشُرَكَآءَكُمْ} فيه إضمار أي: وادعوا شركاءكم أي آلهتكم فاستعينوا، وكذلك في مصحف أُبي؛ وادعوا شركاءكم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب: وشركاؤكم رفعاً على معنى: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم، أي وليجمع معكم شركاؤكم، واختار أبو عبيد وأبو حاتم النصب لموافقة الكتاب وذلك أنه ليس فيه واو. {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي خفياً مظلماً ملتبساً مبهماً من قولهم: غمّ الهلال على الناس إذا أشكل عليهم فلم يتبيّنوه، قال طرفة: شعر : لعمرك ما أمري عليّ بغمّة نهاري وما ليلي عليَّ بسرمد تفسير : وقيل: هو من الغمّ لأن الصدر يضيق فلا يتبين صاحبه لأمره مصدراً ينفرج عنه ما بقلبه، قالت الخنساء: شعر : وذي كربة راخى ابن عمرو خناقه وغمته عن وجهه فتجلت تفسير : {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ} أي آمنوا إلى ما في أنفسكم أو افرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى منه إذا فرغ منه. وقال الضحاك: يعني انهضوا إليَّ، وحكى الفراء عن بعض القرّاء: افضوا إليَّ بالفاء، أي توجهوا حتى تصلوا إليَّ، كما يقال أنصت [الخلائق] إلى فلان وأفضى إلى الوجه {وَلاَ تُنظِرُونَ} ولا تؤمرون، وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح (عليه السلام) أنه كان من نصر الله واثقاً ومن كيد قومه وبوائقهم غير خائف علماً منه بأنهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر شيئاً إلاّ أن يشاء الله، وتعزية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن قولي وأبيتم أن تقبلوا نصحي {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} على الدعوة وتبليغ الرسالة من أجل جعل وعوض {مِّنْ أَجْرٍ} ما جزائي وثوابي {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ} يعني نوحاً {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} سكان الأرض خلفاً عن الهالكين {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} يعني [أخزى] من الذين أنذرتهم الرسل ولم يؤمنوا {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوح {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالآيات والأمر والنهي {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} ليصدقوا {بِمَا كَذَّبُواْ} بما كذبت {بِهِ} وأنّهم {مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ} نختم {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} المجاوزين الحلال إلى الحرام {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد نوح {وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يعني أفراد قومه {بِآيَاتِنَا فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ} يعني فرعون وقومه {ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا} تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سحراً سحر هذا الحذف السحر الأول، فدلالة الكلام عليه كقوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: 7] المعنى: يغشاكم ليسوؤا وجوهكم. وقال ذو الرمّة: شعر : فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح تفسير : أي: أو حين أقبل {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ * قَالُوۤاْ} يعني فرعون وقومه {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} لتلوينا وتصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من الدين {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ} الملك والسلطان {فِي ٱلأَرْضِ} أرض (مصر) {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} أي الذي جئتم به السحر. وقراءة مجاهد وأبو عمر وأبو جعفر: السحر بالمد على الإستفهام، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود: ما جئتم به السحر وقراءة أُبيّ: ما أتيتم به سحر {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} لم يصدق موسى مهما آتاهم من الحجج {إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} فقال قوم: هي راجعة إلى موسى وأراد بهم مؤمني بني سرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف وذلك أن يعقوب (عليه السلام) دخل مصر في اثني وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى إلى بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء، وقال آخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. روى عطية عن ابن عباس: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته. وروي عن ابن عباس من وجه آخر: أنهم سبعون أهل بيت من القبط من آل فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله. قال الفراء: وإنما سموا ذرية لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين انتقلوا إلى اليمن الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم والذرية العقب من الصغار والكبار {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} يريد الكناية في قومه إلى فرعون، ردّ الكناية في قوله: وملائهم، إلى الذرية، ومن رد الكناية إلى موسى يكون: إلى ملأ فرعون. قال الفراء: وإنما قال: {وَمَلَئِهِمْ} بالجمع وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى أصحابه. [فيكون من باب حذف المضاف] وذكر وهب بن منبه، [أنه] إليه وإلى عصابته كما يقال: قدم الخليفة تريد والذين معه، ويجوز أن يكون أراد بفرعون آل فرعون [كقوله تعالى]: {أية : وسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] و {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ}تفسير : [الطلاق: 1] {أَن يَفْتِنَهُمْ} بصرفهم عن دينهم، ولم يقل: يفتنوهم؛ لأنّه أخبر أنّ فرعون وقومه كانوا على [الضلال]. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [من المجاوزين الحدّ في العصيان والكفر] لأنّه كان قد ادّعى الربوبية {وَقَالَ مُوسَىٰ} لمؤمني قومه: {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا}. ثم دعوا فقالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} قال أبو مجلز: [ربّنا لا تظهر فرعون وقومه] علينا فيروا أنّهم خير منا فيزدادوا طغياناً. وقال عطية: لا تسلّطهم علينا فيسيئون ويقتلون. وقال مجاهد: لا تعذّبنا بأيدي قوم [ظالمين ولا تعذّبنا] بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق لما عُذّبوا، ولا تسلّطنا عليهم فيفتتنوا {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ} [أمرناهما] {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} يقال: تبوّأ فلان لنفسه بيتاً [والمبوأ المنزل ومنه بوّأه الله منزلا] إذا اتخذه له. {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال أكثر المفسّرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلّون إلاّ في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أَمرَ فرعون بمساجد بني إسرائيل فخرّبت، ومنعهم من الصلاة، فأُمروا أن يتّخذوا مساجد لهم يصلّون فيها خوفاً من فرعون، وهذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وهي كذلك، ورواية عكرمة عن ابن عباس. قال مجاهد وخلف: [قال موسى] لمن معه من قوم فرعون أن صلّوا إلى الكنائس الجامعة، فأُمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة للكعبة فيصلّون فيها سرّاً. ومعنى البيوت هنا [يكون] المساجد. وتقدير الآية: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة. وهذا رواية ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه. قال سعيد بن جبير: معناه: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً، والقبلة الوجهة. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يا محمد.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولقائل أن يقول: ولماذا جاء الله سبحانه هنا بخبر نوح - عليه السلام - ولم يأت بخبر آدم - عليه السلام - أو إدريس - عليه السلام - وهُمَا من الرسل السابقين على نوح عليه السلام؟ ومن هنا جاءت الشبهة في أن آدم لم يكن رسولاً؛ لأن البعض قد ظن أن الرسول يجب أن يحمل رسالته إلى جماعة موجودة من البشر، ولم يفطن هؤلاء البعض إلى أن الرسول إنما يُرْسَل لنفسه أولاً. وإذا كان آدم - عليه السلام - أول الخلق فهو مُرسَل لنفسه، ثم يبلِّغ من سوف يأتي بعده من أبنائه. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى التجربة لآدم - عليه السلام - في الجنة، فكان هناك أمر، وكان هناك نهي هو {أية : وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..}تفسير : [البقرة: 35]. وحَذَّره من الشيطان، ثم وقع آدم عليه السلام في إغواء الشيطان، وأنزله الله تعالى إلى الأرض واجتباه، وتاب عليه، ومعه تجربته، فإن خالف أمر ربه فسوف يقع عليه العقاب، وحذره من اتباع الشيطان حتى لا يخرج عن طاعة الله تعالى. إذن: فقد أعطاه الحق سبحانه المنهج، وأمره أن يباشر مهمته في الأرض؛ في نفسه أولاً، ثم يبلغه لمن بعده. وكما علَّمه الحق سبحانه الأسماء كلها، علَّم آدم الأسماء لأبنائه فتكلموا: وكما نقل إليهم آدم الأسماء نقل لهم المنهج، وقد علمه الحق سبحانه الأسماء؛ ليعمر الدنيا، وعلَّمه المنهج؛ ليحسن العمل في الدنيا؛ ليصل إلى حسن جزاء الآخرة. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]. ويتبعها الحق سبحانه بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ..}تفسير : [طه: 122]. ومعنى الاجتباء: هو الاصطفاء بالرسالة لنفسه أولاً، ثم لمن بعده بعد ذلك، والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ..}تفسير : [البقرة: 38]. والهدى: هو المنهج المنزَّل على آدم عليه السلام، والرسالة ليست إلا بلاغ منهج وهدى من الله سبحانه للخلق. وإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]. فالسابقون لنوح - عليه السلام - هم من أبلغهم آدم عليه السلام، والدليل هو ما جاء من خبر ابني آدم في قول الحق سبحانه: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ..}تفسير : [المائدة: 27]. وهما قد قدَّما القربان إلى الله تعالى. إذن: فخبر الألوهية موجود عند ابني آدم بدليل قول الحق سبحانه: {أية : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة: 27]. إذن: فهم قد أقروا بوجود الله تعالى، وأيضا عرفوا النهي؛ لأنه في إحدى الآيتين قال: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المائدة: 28]. إذن: فالذين جاءوا بعد آدم - عليه السلام - عرفوا الإله الواحد، وعلموا المنهج. إذن: فالذين يقولون: إن آدم - عليه السلام - لم يكن رسولاً، نقول لهم: افهموا عن الله جيداً، كان يجب أن تقولوا: هذه مسألة لا نفهم فيها، وكان عليهم أن يسألوا أهل الذِّكْر ليفهموا عنهم أن آدم - عليه السلام - رسول، وأن من أولاده قابيل وهابيل، وقد تكلما في التقوى. أما لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالحديث عن نوح، عليه السلام، فلنا أن نعلم أن آدم عليه السلام هو الإنسان الأول، وأنه قد نقل لأولاده المنهج المُبلَّغ له، ودلَّهم على ما ينفعهم، ثم طال الزمن ونشأت الغفلة، فجاء إدريس عليه السلام، ثم تبعته الغفلة، إلى أن جاء نوح عليه السلام. وهنا يأتي لنا الحق سبحانه بخبر نوح - عليه السلام - في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ..} [يونس: 71]. والنبأ: هو الخبر الهام الذي يلفت الذهن، وهو الأمر الظاهر الواضح. والحق سبحانه يقول: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}تفسير : [النبأ: 1-3]. إذن: فالنبأ هو الخبر الهام المُلْفِت، وقد جاء هنا خبر نوح - عليه السلام - الذي يُبلِّغ قومه أي: يخاطبهم، وهو قد شهد لنفسه أنه رسول يبلِّغ منهجاً. وكلمة "قَوْمِ" لا تطلق في اللغة إلا على الرجال، يوضح القرآن ذلك في قوله الحق سبحانه: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..}تفسير : [الحجرات: 11]. إذن: فالقوم هم الرجال، والمرأة إنما يُبنى أمرها على السر، والحركة في الدنيا للرجل، وقد شرحنا ذلك في حديث الحق سبحانه لآدم - عليه السلام - عن إبليس، فقال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه: {أية : فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. ولم يقل: فتشقيا؛ مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقرُّ في البيت؛ لتحتضن الأبناء، وتُهيِّىء السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. أما القيام والحركة فللرجل. والحق سبحانه يقول: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود. ثم يقول الحق سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ..} [يونس: 71]. وهنا يُحنِّن نوح قومه بإضافات التحنن، أي: جاء بالإضافة التي تُشْعِر المخاطبين بأنه منهم وهم منه، وأنه لا يمكن أن يغشهم فهم أهله، مثل قول النائب الذي يخطب في أهل دائرته الانتخابية: "أهلي وعشيرتي وناخبيّ" وكلها اسمها إضافة تحنن. وكذلك مثل قول لقمان لابنه: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. وقوله: {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}تفسير : [لقمان: 16]. وقوله: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..}تفسير : [لقمان: 17]. وهذا إضافات التحنن وفيها إيناس للسامع أن يقرب ويستجيب للحق. {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ..} [يونس: 71]. و"الكاف والياء والراء" تأتي لمعنيين: الأول: كبر السن، وهي: كبر يكبر. والثاني: العظمة والتعظيم، إلا أن التعظيم يأتي ليبيِّن أنه أمر صعب على النفس، مثل قول الحق سبحانه: {أية : .. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 5]. أي: أن هذه الكلمة التي خرجت من أقوالهم أمر صعب وشاق، وهي قولهم: {أية : .. قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}تفسير : [الكهف: 4]. وهذه الكلمة إنما تعظم على المؤمن، وهي مسألة صعبة لا يمكن قبولها فلا يوجد مؤمن قادر على أن يقبل ادعاء خلق من خلق الله تعالى أن له سبحانه ولداً. ومرة تكون العظمة من جهة أخرى، مثل قول الحق سبحانه: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ..}تفسير : [الشورى: 13]. أي: عَظُم على المشركين، وصَعُب على أنفسهم، وشَقَّ عليهم ما تدعوهم إليه من أن الإله هو واحد أحد، ولا سلطان إلا له سبحانه. وهكذا، إن كانت الكلمة مناقضة للإيمان فهي تكبر عند المؤمنين، وإن كانت الكلمة تدعو الكافرين إلى الإيمان فهي تشق عليهم. وهنا يأتي على لسان سيدنا نوح عليه السلام: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ..} [يونس: 71]. ونحن نعلم أن سيدنا نوحاً - عليه السلام - مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً. أي: أن حياته طالت كثيراً بين قومه، كما أن تقريعه للكافرين جعله ثقيلاً عليهم. أو أن: {كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ..} [يونس: 71]. تعني: أنه حمَّلهم ما لا يطيقون؛ لأن نوحاً - عليه السلام - أراد أن يُخرجهم عما ألفوا من عبادة الأصنام، فشقَّ عليهم ذلك. إذن: فمبدأ عبادة الإله الواحد يصعب عليهم. أو أن الأصل في الواعظ أو المبلِّغ أن يكون على مستوى القيام وهم قعود، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يتكلم مع الحواريين وهو واقف، والوقوف إشعار بأن مجهود الهدى يقع على سيدنا عيسى - عليه السلام - بينما يقعد الحواريون ليستمعوا له في راحة. إذن: فقول الحق سبحانه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ..} [يونس: 71]. أي: إن صعب عليكم ما أدعوكم إليه. ويصح أن نأخذها من ناحية طول الوعظ والتكرار في ألف سنة إلا خمسين عاماً، أو أن مقامي كبر عليكم، بمعنى: أننا انقسمنا إلى قسمين؛ لأن المنهج الذي أدعو إليه لا يعجبكم، وكنت أحب أن نكون قسماً واحداً. وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، وأرضاه - حين أحس أن الخلافة تقتضي أن يسمِّي من يَخْلُفُهُ من بعده، قال له بعض الناس: لماذا لا تولي علينا عبد الله بن عمر، فقالَ ابن الخطاب: بحسب آل خطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجل واحد. ثم أضاف: أعلم أنكم مَلَلْتُم حُكْمي؛ لأني شديد عليكم. إذن: فقد أحس نوح - عليه السلام - أنه انقسم هو وقومه إلى قسمين: هو قد أخذ جانب الله سبحانه الذي يدعو إلى عبادته، وهم أخذوا جانب الأصنام التي ألفوا عبادتها. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ ..} [يونس: 71]. أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي، ونلحظ أنك إن قلت: "توكَّلتُ على الله" فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان، وفلان، وفلان، لكنك إن قلت: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ ..} [يونس: 71]. فأنت قد قصرت توكُّلك على الله فقط. وهكذا واجه نوح - عليه السلام - قومه، ورصيده في ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه، ويحاول أن يهديهم، لكنهم لم يستجيبوا، وقال لهم: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ..} [يونس: 71]. ومعنى جمع الأمر: (أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد)، أي: اتفقوا يا قوم على رأي واحد، وأنتم لن تضروني. وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح - عليه السلام - يحاول هدايتها تحتاج إلى جهد؛ لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين سنة. وقد ظل سيدنا نوح - عليه السلام - يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم، أي: ألف سنة إلى خمسين، فكم جيل - إذن - ظل نوح يعالجه؟ إنها أجيال متعددة، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحِمْل سفينة واحدة، ومعهم الحيوانات أيضاً، فضلاً عن أن ابنه خرج - أيضاً - مع القوم الكافرين، وناداه نوح - عليه السلام - ليركب معه وأن يؤمن، فرفض، وآثر أن يظل في جانب الكفر، بما فيه من فناء للقوم الكافرين، وظن أنه قادر على أن يأوي إلى جبل يعصمه من الطوفان، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل، وهو الموج. إذن: فقول نوح عليه السلام: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ ..} [يونس: 71]. له رصيد إيماني ضمني، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله؛ لأن الخلق كله - جماده ونباته وحيوانه - إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح - عليه السلام - ولن يتخلف شيء. هكذا كان توكُّل نوح - عليه السلام - على الله تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيماني المتمثل في: {أية : للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [المائدة: 120]. و {أية : للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [البقرة: 284]. ولن يخرج شيء عن ملكه سبحانه. ومن العجيب أنه لم يخرج عن مراد الله في "كن" إلا الإنسان المختار، لم يخرج بطبيعة تكوينه، ولكن الحق سبحانه وهبه من عنده أن يكون مختاراً، ولو لم يهبه الله تعالى أن يكون مختاراً لما استطاع أن يقف، ولكان كل البشر من جنود الحق. وقد قال نوح - عليه السلام: {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ..} [يونس: 71]. والإنسان حين يهمه أمر من الأمور يظل متردداً بين خواطر شتى، ويحاول أن يرى ميزات كل خاطر، ويختار أفضلها، وإذا ما جمع الإنسان خواطره كلها من خاطر واحد، فهذا يعني استقراره على رأي واحد، وجمع أمره عليه. أما إذا كان الأمر متعدد الناس، فكل واحد منهم له رأي، فإن اجتمعوا وقرروا الاتفاق على رأي واحد، فهذا جمعٌ للأمر. والاتفاق على رأي واحد إنما يختلف باختلاف هويّة المجتمعين، فإن كانوا أهل خير فهم ينزلون بالشر، وإن كانوا أهل شر فهم يصعدون بالشر. ومثال ذلك: أبناء يعقوب - عليه السلام - حينما حدث بينهم وبين أخيهم من الحسد لمكانة يوسف - عليه السلام - فقالوا: {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ..}تفسير : [يوسف: 9]. أي: أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه إلى أحد سواهم، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة، فقالوا لبعضهم البعض: {أية : وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}تفسير : [يوسف: 9]. وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفَّذوا القتل ستصبح مقبولة. وهذا الشر البادي في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر؛ لأنهم أبناء نبوّة، وما يزالون هم الأسباط، لا يصعد فيهم الشر، بل ينزل، فقال واحدٌ منهم: لا تقتلوه بل {أية : ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً ..}تفسير : [يوسف: 9]. أي: أنه خفَّف المسألة من القتل إلى الطرح أرضاً، وهذه أول درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول، وأيضاً تنازلوا عن الشر الثاني، وهو طرحه أرضاً؛ حتى لا يأكله حيوان مفترس، وجاء اقتراح: {أية : وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}تفسير : [يوسف: 10]. ثم أجمعوا أمرهم أخيراً حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود النجاة. إذن: فالأخيار حين يجتمعون على شر لا بد أن ينزل. ومثال ذلك: رجل طيب رأى ابنه وهو يُضرَب من آخر، فيفكر للحظة في أن يضرب غريم ابنه بطلقة من (مسدس)، ثم يستبدل هذه الفكرة بفكرة الاكتفاء بضربه ضرباً مبرحاً بالعصا، ثم يتنازل عن ذلك بأن يفكر في صفعه صفعتين، ثم يتنازل عن فكرة الصفع ويفكر في توبيخه، ثم يتنازل عن فكرة التوبيخ ويكتفي بالشكوى لوالده، وهكذا ينزل الشر عند أهل الخير. أما إن كان الرجل من أهل الشر، فهو يبدأ بفكرة الشكوى لوالد من ضرب ابنه، ثم يرفضها ليصعد شره إلى فكرة أن يصفعه هو، ثم لا ترضيه فكرة الصفع، فيفكر في أن يضربه ضرباً شديداً، ولا ترضيه هذه الفكرة، يقول لنفسه: "سأطلق عليه الرصاص". وهكذا يتصاعد الشر من أهل الشر. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا نوح عليه السلام: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ..} [يونس: 71]. أي: اجتمعوا والزموا رأياً واحداً تحرصون على تنفيذه أنتم وشركاؤكم، وهو ينصحهم رغم أنهم أعداؤه، وكان عليه أن يحرص على اختلافهم، ولكن لأنه واثق من توكله على ربه؛ فهو يعلم أنهم مهما فعلوا فلن يقدروا عليه، ولن ينتصروا على دعوته إلا بالإقدام على إهلاك أنفسهم. أو أنه مثلما يقول العامة: "أعلى ما في خيولكم اركبوه" أي: أنه يهددهم، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان له رصيد من قوة التوكل على الله تعالى. ولا يكتفي بذلك بل يضيف: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ..} [يونس: 71]. والغمة: منها الغمام، ومنها الإغماء، أي: فقد الوعي وسَتْر العقل، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون. إن عليكم أن تجتمعوا على رأي واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم، وتعبدونهم، أو شركاؤكم في الكفر، ولم يأبَهْ نوح - عليه السلام - بتقوية العصبية المضادة له؛ لأنه متوكل على الله فقط. لذلك يقول: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} [يونس: 71]. أي: أنه يُحفِّزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم - سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر - وأن يصمموا على المضيّ في تنفيذ ما اتفقوا عليه. و"قضى" أي: حكم حكماً، ولكن الحكم على شيء لا يعني الاستمرار بحيث ينفذ، فقد يُقضيَ على إنسان بحكم؛ ويوقف التنفيذ. لكن قوله: {ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ} يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به. ثم يقول: {وَلاَ تُنظِرُونَ} أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما حكمتم به عليَّ. والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحدياً كبيراً، فهو أولاً يطلب أن يجتمعوا على أمر واحد، هم وشركاؤهم، ثم لا يكون على هذا الأمر غُمَّة، ثم اقضوا إليَّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفِّذوه ولا تؤجلوه، فهل هناك تحدًّ للخصم أكثر من ذلك؟ لقد كانوا خصوماً معاندين، ظل نوح - عليه السلام - يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وصبر عليهم كل هذا الوقت، ولا بد - إذن - من حدوث فاصل قوي، ولهذا كان الترقِّي في التحدي، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم. والنفسية العربية - على سبيل المثال - حين سامحت، وصبرت، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج الله، بل بأمر يخص خلافاً على الأرض، تجد الشاعر العربي يقول عن "بني ذُهْل" الذين أتعبوا قوم الشاعر كثيراً، ولكن قومه صفحوا عنهم؛ يقول الشاعر: شعر : صَفَحْنا عن بني ذُهْلٍ وقلنا: القومُ إخوانُ عسى الأيامُ أنْ يرجعـ ـنَ قوماً كالذي كانوا فلما صَرَّحَ الشرُّ فأمْسَى وهو عريانُ ولم يبقَ سوى العدوا ن دِنَّاهم كما دانوا مَشَيْنا مِشْيةَ الليثِ غَدَا والليثُ غضبانُ بِضرب فيه توهينٌ وتخضيعٌ وإقرانُ وطعْن كَفَمِ الزقِّ غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ وفي الشرِّ نجاةٌ حيـ ـن لا يُنجيكَ إحسانُ وبعضُ الحِلْمِ عند الجهْـ ـلِ للذِّلَّةِ إذعانُ تفسير : إذن: فالمناجزة بين نوح - عليه السلام - وقومه اقتضت التشديد، لعل بشريتهم تلين، ولعل جبروتهم يلين، ولعلهم يعلنون الإيمان بالله تعالى، ولكنهم لم يرتدعوا. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح بعد ذلك: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} [الآية: 71]. يقول: اقضوا إِليَّ ما فِي أَنفسكم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 78] : يعني الملك. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} [الآية: 83]. يعني: أَولاد الذين أُرسل إِليهم موسى، من طول الزمان ومات آباؤهم. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الآية: 85]. يعني: لا تعذبنا بأَيدي قوم فرعون. فيقولون: لو كانوا على حق ما عذبوا بأيدينا ولا سلطنا عليهم، فيفتتنون بنا. ولا بعذاب من عندك.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الدلائل الدالة على وحدانيته، وذكر ما جرى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وكفار مكة، ذكر هنا بعض قصص الأنبياء، تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم فيهون عليه ما يلقاه من الشدائد والمكاره، وقد ذكر تعالى هنا ثلاث قصص: 1- قصة نوح عليه السلام مع قومه 2- قصة موسى وهارون مع الطاغية فرعون 3- قصة يونس مع قومه، وفي كل قصة عبرةٌ لمن اعتبر، وذكرى لمن تدبر. اللغَة: {كَبُرَ} قال الواحدي: كَبِرَ يكْبَرُ كِبَراً في السنِّ، وكبُر الأمرُ والشيءُ يكبُرُ كُبْراً وكُبَارةً إِذا عَظُم {فَأَجْمِعُوۤاْ} الإِجماع: الإِعداد والعزيمة على الأمر وأنشد الفراء: شعر : يا ليتَ شعري والمُنَى لا ينفعُ هلْ أغْدونْ يوماً وأمري مُجْمعُ تفسير : {غُمَّةً} مبهماً من قولهم غُمَّ علينا الهلال فهو مغموم إِذا التبس واستتر قال طَرفة: شعر : لعمرك ما أمري عليَّ بِغُمَّةٍ نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَد تفسير : {نَطْبَعُ} نختم {تَلْفِتَنَا} تصرفنا وتلوينا واللفت: الصرف عن أمرٍ وأصله الليُّ يقال لفت عنقه إِذا لواها {ٱلْكِبْرِيَآءُ} العظمة والملك والسلطان {عَالٍ} عاتٍ متكبر {ٱلْمُسْرِفِينَ} المجاوزين الحد في الضلال والطغيان {ٱطْمِسْ} الطمسُ: المسخ قال الزجاج: طمسُ الشيء إِذهابه عن صورته ومنه عينٌ مطموسة. التفسِير: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أي اقرأ يا محمد على المشركين من أهل مكة خبر أخيك نوحٍ مع قومه المكذبين {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} أي حين قال لقومه الجاحدين المعاندين يا قوم إِن كان عظُم وشقَّ عليكم {مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي طولُ مقامي ولبثي فيكم، وتخويفي إِياكم بآيات ربكم، وعزمتم على قتلي وطردي {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} أي على الله وحده اعتمدت، وبه وثقت فلا أبالي بكم {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} أي فاعزموا أمركم وادعوا شركاءكم، ودبّروا ما تريدون لمكيدتي {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي لا يكن أمركم في شأني مستوراً بل مكشوفاً مشهوراً، {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} أي أَنْفذوا ما تريدونه في أمري ولا تؤخروني ساعة واحدة، قال أبو السعود: وإِنما خاطبهم بذلك إِظهاراً لعدم المبالاة، وثقةً بالله وبوعده من عصمته وكلاءته {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ} أي فإِن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري فليس لأني طلبت منكم أجراً حتى تمتنعوا، بل لشقاوتكم وضلالكم {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ما أطلب ثواباً أو جزاءً على تبليغ الرسالة إِلا من الله، وما نصحتكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ من أغراض الدنيا {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي من الموحدين لله تعالى {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} أي فأصروا واستمروا على تكذيب نوح فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي جعلنا من معه من المؤمنين سكان الأرض وخلفاً ممن غرق {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي أغرقنا المكذبين بالطوفان {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي انظر يا محمد كيف كان نهاية المكذبين لرسلهم؟ والغرض: تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير لكفار مكة أن يحل بهم ما حلَّ بالسابقين {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} أي أرسلنا من بعد نوح رسلاً إِلى قومهم يعني هوداً وصالحاً ولوطاً وإِبراهيم وشعيباً {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات الواضحات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي ما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به الرسل، ولم يزجرهم عقاب السابقين {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي كذلك نختم على قلوب المجاوزين الحدَّ في الكفر والتكذيب والعناد {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي بعثنا من بعد أولئك الرسل والأمم موسى وهارون إِلى فرعون وأشراف قومه {بِآيَاتِنَا} أي بالبراهين والمعجزات الباهرة، وهي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف {أية : فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 133] أي تكبروا عن الإِيمان بها وكانوا مفسدين، تعوّدوا الإِجرام وارتكاب الذنوب العظام {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} أي فلما وضح لهم الحق الذي جاءهم به موسى من اليد والعصا قالوا لفرط عتوهم وعنادهم: هذا سحرٌ ظاهرٌ بيِّن أراد به موسى أن يسحرنا {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أتقولون عن هذا الحق إِنه سحرٌ؟ ثم أنكر عليهم أيضاً باستفهام آخر {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} أي أسحرٌ هذا الذي جئتكم به؟ {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} أي والحال أنه لا يفوز ولا ينجح الساحرون {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} أي أجئتنا لتصرفنا وتلوينا عن دين الآباء والأجداد؟ {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} أي يكون لك ولأخيك هارون العظمة والملك والسلطان في أرض مصر {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي ولسنا بمصدقين لكما فيما جئتما به {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي ائتوني بكل ساحر ماهر، عليمٍ بفنون السحر {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} في الكلام محذوف تقديره فأتوه بالسحرة فلما جاءوا قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون من حبالكم وعصيكم {فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} أي ما جئتم به الآن هو السحرُ لا ما اتهمتموني به {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} أي سيمحقه وسيذهب به ويظهر بطلانه للناس {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لا يصلح عمل من سعى بالفساد {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي يثبت الله الحق ويقوّيه بحججه وبراهينه {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي ولو كره ذلك الفجرة الكافرون {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} أي فما آمن مع موسى ولا دخل في دينه، مع مشاهدة تلك الآيات الباهرة إِلا نفرٌ قليلٌ من أولاد بني إِسرائيل قال مجاهد: هم أولاد الذين أُرسل إِليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} أي على تخوف وحذر من فرعون وملأه أن يعذبهم ويصرفهم عن دينهم {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي عاتٍ متكبر مفسد في الأرض {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي المتجاوزين الحدَّ بادعاء الربوبية {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ} أي قال لقومه لما رأى تخوف المؤمنين من فرعون يا قوم إِن كنتم صدقتم بالله وبآياته {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} أي على الله وحده اعتمدوا فإِنه يكفيكم كل شرٍّ وضُرّ {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} أي إِن كنتم مستسلمين لحكم الله منقادين لشرعه {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي أجابوا قائلين: على ربنا اعتمدنا وبه وثقنا {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تسلّطهم علينا حتى يعذبونا ويفتتنوا بنا فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي خلِّصنا وأنقذنا بفضلك وإِنعامك من كيد فرعون وأنصاره الجاحدين {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} أي اتخذا لهم بيوتاً للصلاة والعبادة {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي اجعلوها مصلّى تصلون فيها عند الخوف قال ابن عباس: كانوا خائفين فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أدوا الصلاة المفروضة في أوقاتها، بشروطها وأركانها على الوجه الأكمل {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بشّر يا موسى أتباعك المؤمنين بالنصر والغلبة على عدوهم {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي قال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم، زينةً من متاع الدنيا وأثاثها، وأنواعاً كثيرة من المال {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} اللام لامُ العاقبة أي آتيتهم تلك الأموال الكثيرة لتكون عاقبة أمرهم إِضلال الناس عن دينك، ومنعهم عن طاعتك وتوحيدك {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} دعاءٌ عليهم أي أهلكْ أموالهم يا ألله وبدِّدْها {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي قسِّ قلوبهم واطبع عليها حتى لا تنشرح للإِيمان قال ابن عباس: أي امنعهم الإِيمان {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} دعاءٌ عليهم بلفظ النفي أي اللهمَّ فلا يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب المؤلم ويوقنوا به حيث لا ينفعهم ذلك، وإِنما دعا عليهم موسى لطغيانهم وشدة ضلالهم، وقد علم بطريق الوحي أنهم لن يؤمنوا فدعا عليهم قال ابن عباس: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن فنسبت الدعوة إِليهما {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} أي قال تعالى قد استجبتُ دعوتكما على فرعون وأشراف قومه {فَٱسْتَقِيمَا} أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إِلى الله وإِلزام الحجة {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا تسلكا سبيل الجهلة في الاستعجال أو عدم الاطمئنان بوعد الله تعالى، قال الطبري: رُوي أنه مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة ثم أغرق الله فرعون. البَلاَغَة: 1- {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} تقديم ما حقه التأخير لإِفاده الحصر أي على الله لا على غيره. 2- {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} بينهما جناس الاشتقاق. 3- {لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} عبَّر عن الالتباس والستر بالغُمة بطريق الاستعارة أي لا يكن أمركم مغطّى تغطية حيرة ومبهما فيكون كالغمة العمياء. 4- {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} الشدُّ استعارةٌ عن تغليظ العقاب، ومضاعفة العذاب. تنبيه: قال ابن كثير: دعوة موسى على فرعون كانت غضباً لله ولدينه كما دعا نوح على قومه فقال {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ} تفسير : [نوح: 26 - 27] ولهذا استجاب الله لموسى دعوته التي شاركه فيها أخوه هارون، كما استجاب دعوة نوح عليه السلام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} معناهُ ظُلمةٌ وضِيقٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} لما ذكر الدلائل على وحدانيته وذكر ما جرى بين الرسول عليه السلام وبين الكفار، ذكر قصصاً من قصص الأنبياء وما جرى لهم مع قومهم من الخلاف، وذلك تسلية له عليه السلام وليتأسى بمن قبله من الأنبياء عليهم السلام. والضمير في عليهم عائد على أهل مكة الذين تقدم ذكرهم وكبر معناه عظم مقامي أي طول مقامي فيكم أو قيامي للوعظ. قال ابن عطية: ولم يقرأ هنا بضم الميم. "انتهى". وليس كما قال بل قرأ بضم الميم أبو مجلز وأبو رجاء وأبو الجوزاء. والمقام: الإِقامة بالمكان. والمقام: مكان القيام. وجواب الشرط. {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} فلا أبالي منكم. وقرىء: فاجمعوا من أجمع الرجل الشىء عزم عليه ونواه. قال الشاعر: شعر : أجمعوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء تفسير : وقرىء: فأجمعوا أمر من جمع وشركاؤكم معطوف على أمركم، وهو على حذف مضاف تقديره وأمر شركائكم. ومعنى اقضوا إلى أنفذوا قضاءكم نحوي، ومفعول اقضوا محذوف، أي اقضوا إلى ذلك الأمر وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم. {وَلاَ تُنظِرُونَ} أي لا تؤخرون، والنظرة: التأخير. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي فإِن دام توليكم عما جئت به إليكم من توحيد الله ورفض آلهتكم فلست أبالي بكم إذ ما دعوتكم إليه وذكرتكم به ووعظتكم لم أسألكم عليه أجراً، إنما يثيبني عليه الله تعالى. {فَكَذَّبُوهُ} أي فنموا على تكذيبه، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان. وفي الفلك متعلق بالاستقرار الذي تعلق به معه، أو بنجيناه وجعلناهم جمع ضمير المفعول على معنى من. و{خَلاَئِفَ} يخلفون الفارقين المهلكين ثم أمر بالنظر في عاقبة المنذرين بالعذاب، وإلى ما صار إليه حالهم، وفي هذا الاخبار توعد الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وضرب مثال لهم في أنهم بحال هؤلاء من التكذيب فسيكون حالكم كحالهم في التعذيب. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً} أي من بعد نوح. {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} يعني هوداً وصالحاً ولوطاً وإبراهيم وشعيباً. والبينات: المعجزات والبراهين الواضحة المثبتة لما جاؤا به. وجاء النفي مصحوباً بلام الجحود، ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع. قال ابن عطية: ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون ما مصدرية. والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله تعالى ان لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل، أي من قبل سببه ومن جرائه، ويؤيد هذا التأويل قوله كذلك نطبع. "انتهى". الظاهر ان ما موصولة ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: بما كذبوا به ولو كانت مصدرية بقي الضمير غير عائد على مذكور فيحتاج أن يتكلف ما يعود عليه الضمير. والضمير في كذبوا عائد على ما عاد عليه ضمير كانوا، وهم قوم الرسل، والمعنى أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية وتكذيب للحق فتساوت حالاتهم قبل البعثة وبعدها كان لم يبعث إليهم أحد، ومن قبل متعلق بكذبوا أي من قبل بعثة الرسل.
الجيلاني
تفسير : {وَٱتْلُ} يا أكمل الرسل {عَلَيْهِمْ} تذكيراً وتعريضاً {نَبَأَ نُوحٍ} أي: قصته مع قومه وقت {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} حين استعظموا أمره وقصدوا إهلاكه عناداً ومكابرة: {يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه على مقتضى شفقة النبوة {إِن كَانَ كَبُرَ} أي: شق وعظم {عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} فيكم، وحياتي بينكم {وَتَذْكِيرِي} إياكم {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته {فَعَلَى ٱللَّهِ} لا على غيره؛ إذ لا غير معه لا شيء سواه {تَوَكَّلْتُ} أي: وثقت به وفوضت أمري إليه {فَأَجْمِعُوۤاْ} أي: فعليكم أن تجمعوا {أَمْرَكُمْ} وتدابيركم في قتلي وإهلاكي {وَ} مع ذلك اجعوا {شُرَكَآءَكُمْ} مستظهرين لهم في دفعي {ثُمَّ} بعد تدبيركم واستظهاركم بهم أظهورا عليَّ بحيث {لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ} أي: لم يبقَ فيه {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} سترة تغتمو بها وتحزنون بسببها، بل رتبوا أمركم على ما تقتضيه نفوسكم وترتضيه عقولكم {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ} واصرفوا نحوي ما هيأتم ودبرتم من الأسباب الموجبة لإهلاكي {وَلاَ تُنظِرُونَ} [يونس: 71] أي: لا تمهلوني طرفة بل امضوا على ما أنتم عليه من قتلي وإهلاكي، فإني لا أبالي بكم وبتدابيركم وظهرائكم؛ إذ الله حسبي وعليه توكلي وبه اعتمادي واعتصامي، أذكر لكم بإذنه وأعظكم بوحيه. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} وانصرفتم عن تذكيري {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ} أي: ليس بسبب توليكم وإعراضكم سؤالي منكم الجعل حتى يشق عليك إعطاؤه فانصرفتم وأعرضتم، بل {إِنْ أَجْرِيَ} أي: ما أجري وجعلي {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} الذي أمرني به {وَأُمِرْتُ} من عنده {أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72] المسلمين الأمور كلها إليه، المنقادين لحكمه وقضائه؛ إذ الكل منه بدأ وإليه يعود. ومع ذلك النصح والشفقة والتليين التام المنبعث عن محض الحكمة، والحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه {فَكَذَّبُوهُ} عناداً ومكابرة، وأصروا على تكذيبه عتواً واستكباراص، فأخناهم بالطوفان؛ لانهماكهم في الغي والطغيان {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن} آمن {مَّعَهُ} من الغرق محفوظين {فِي ٱلْفُلْكِ} التي نحتها بيده بوحي الله إياه وتعليمه، وهم قد استهزؤوا معه حين اشتغل بتربيتها {وَجَعَلْنَاهُمْ} أي: أصحاب الفلك {خَلاَئِفَ} من الهالكين، وهم ثمانون مؤمنون بالله مصدقون لرسوله {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ} أيها المعتبر الرائي {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73] المكذبين لنذيرهم؟ وإلى أين أدى إنكارهم واستكبارهم؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نَبَأَ نُوحٍ } في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانًا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ } أي: إن كان مقامي عندكم، وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بِآيَاتِ اللَّهِ } الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. { فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت على الله، في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي، وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العَدَدَ والعُددَ. { فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ } كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئًا. { وَ } أحضروا { شُرَكَاءَكُمْ } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. { ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي: مشتبهًا خفيًا، بل ليكن ذلك ظاهرًا علانية. { ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ } أي: اقضوا علي بالعقوبة والسوء، الذي في إمكانكم، { وَلا تُنْظِرُونِ } أي: لا تمهلوني ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم، وفساد دينهم، وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه، وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقًا، وهم الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا { فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } على دعوتي، وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا، فتمتنعون لأجل ذلك. { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ } أي: لا أريد الثواب والجزاء إلا منه، { وَ } أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده، بل { أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فأنا أول داخل، وأول فاعل لما أمرتكم به. { فَكَذَّبُوهُ } بعد ما دعاهم ليلا ونهارًا، سرًا وجهارًا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا، وقلنا له إذا فار التنور: فـ {أية : احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ } تفسير : ففعل ذلك. فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } تفسير : تجري بأعيننا، { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ } في الأرض بعد إهلاك المكذبين. ثم بارك الله في ذريته، وجعل ذريته، هم الباقين، ونشرهم في أقطار الأرض، { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بعد ذلك البيان، وإقامة البرهان، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } وهو: الهلاك المخزي، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم، لا تسمع فيهم إلا لوما، ولا ترى إلا قدحًا وذمًا. فليحذر هؤلاء المكذبون، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين من الهلاك، والخزي، والنكال.
همام الصنعاني
تفسير : 1165- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}: [الآية: 71]، قال: لا يكبر عليكم أمركم ثم اقضوا ما أنتم قَاضُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):