Verse. 1436 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

فَاِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَاَلْتُكُمْ مِّنْ اَجْرٍ۝۰ۭ اِنْ اَجْرِيَ اِلَّا عَلَي اؘ۝۰ۙ وَاُمِرْتُ اَنْ اَكُوْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ۝۷۲
Fain tawallaytum fama saaltukum min ajrin in ajriya illa AAala Allahi waomirtu an akoona mina almuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن تولَّيتم» عن تذكيري «فما سألتكم من أجر» ثواب عليه فتولوا «إن» ما «أجري» ثوابي «إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين».

72

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ} أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجراً فيثقل عليكم مكافأتي. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} في تبليغ رسالته. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي الموحدين لله تعالى. فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء «أجرِيَ» حيث وقع، وأسكن الباقون.

البيضاوي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن تذكيري. {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} يوجب توليكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله، أو يفوتني لتوليكم. {إِنْ أَجْرِىَ} ما ثوابي على الدعوة والتذكير. {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} لا تعلق له بكم يثيبني به آمنتم أو توليتم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن تذكيري {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } ثواب عليه فتولوا {إِنْ } ما {أَجْرِىَ } ثوابي {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }.

ابن عطية

تفسير : المعنى فإن لم تقبلوا على دعوتي وكفرتم بها وتوليتم عنها، و" التولي " أصله في البدن ويستعمل في الإعراض عن المعاني، يقول: فأنا لم أسألكم أجراً على ذلك ولا مالاً، فيقع منكم قطع بي وتقصير بإرادتي، وإنما أجري على الذي بعثني، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه: "أجري" بسكون الياء، وقرأ "أجريَ" بفتح الياء الأعرج وطلحة بن مصرف وعيسى وأبو عمرو،، وقال أبو حاتم: هما لغتان، والقراءة بالإسكان في كل القرآن، ثم أخبرهم بأن الله أمره بالإسلام والدين الحنيفي الذي هو توحيد الله والعمل بطاعته والإعداد للقائه، وقوله {فكذبوه } الآية، إخبار من الله عز وجل عن حال قوم نوح المكذبين له، وفي ضمن ذلك الإخبار توعد للكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وضرب المثال لهم، أي أنتم بحال هؤلاء من التكذيب فسيكونون بحالهم من النقمة والتعذيب، و {الفلك }: السفينة، والمفسرون وأهل الآثار مجمعون على أن سفينة نوح كانت واحدة، و {الفلك } لفظ الواحد منه ولفظ الجمع مستو وليس به وقد مضى شرح هذا في الأعراف، و {خلائف } جمع خليفة، وقوله {فانظر } مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق، وفي هذه الآية أنه أغرق جميع من كذب بآيات الله التي جاء بها نوح، وهي مقتضية أيضاً أنه أنذرهم فكانوا منذرين، فلو كانوا جميع أهل الأرض كما قال بعض الناس لاستوى: نوح ومحمد صلى الله عليه وسلم في البعث إلى أهل الأرض، ويرد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي "تفسير : الحديث. ويترجح بهذا النظر أن بعثة نوح والغرق إنما كان في أهل صقع لا في أهل جميع الأرض.

ابو السعود

تفسير : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} الفاءُ لترتيب التولِّي على ما سبق فالمرادُ به إما الاستمرارُ عليه وإما إحداثُ التولّي المخصوصِ، أي إن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري إثرَ ما شاهدتم مني من مخايل صحةِ ما أقول ودلائلِها التي من جملتها دعوتي إياكم جميعاً إلى تحقيق ما تريدون بـي من السوء غيرَ مبالٍ بكم وبما يأتي منكم وإحجامُكم من الإجابة علماً منكم بأني على الحق المبـين مؤيدٌ من عند الله العزيز {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} بمقابلة وعظي وتذكيري {مِنْ أَجْرٍ} تؤدّونه إلي حتى يؤدي ذلك إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع والسؤالِ وإما لثقلِ دفع المسؤولِ عليكم أو حتى يضرّني توليكم المؤدِّي إلى الحرمان، فالأولُ لإظهار بطلان التولي ببـيان عدمِ ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاتِه عليه السلام بوجوده وعدمه، وعلى التقديرين فالفاء الجزائيةُ لسببـية الشرطِ لإعلام مضمونِ الجزاءِ لا لنفسه، والمعنى إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحِّح له ولا تأثّرٍ منه وقوله عز وجل: {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} ينتظم المعنيـين جميعاً خلا أنه على الأول تأكيدٌ وعلى الثاني تعليلٌ لاستغنائه عليه السلام عنه أي ما ثوابـي على العِظة والتذكير إلا عليه تعالى يُثيبني به آمنتم أو توليتم {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المنقادين لحكمه لا أخالف أمرَه ولا أرجو غيرَه أو المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى {فَكَذَّبُوهُ} فأصروا على ما هم عليه من التكذيب بعدما ألزمهم الحجةَ وبـيّن لهم المَحَجّةَ وحقق أن تولّيَهم ليس له سببٌ غيرُ التمردِ والعناد فلا جرم حقت عليهم كلمةُ العذاب {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ} من المسلمين وكانوا ثمانين {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} من الهالكين {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي بالطوفان، وتأخيرُ ذكره عن ذكر الإنجاءِ والاستخفاف حسبما وقع في قوله عز وعلا: {أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ }تفسير : [هود: 94] وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لإظهار كمالِ العناية بشأنِ المقدّمِ ولتعجيل المسرةِ للسامعين وللإيذان بسبق الرحمةِ التي هي من مقتضيات الربوبـية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائمِ المجرمين {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} تهويلٌ لما جرى عليهم وتحذيرٌ لمن كذب الرسولَ عليه الصلاة والسلام وتسليةٌ له صلى الله عليه وسلم.

القشيري

تفسير : إذا كان عملِه لله لم يَطْلُبْ الأجْرَ عليه من غير الله، وهكذا سنَّته في جميع أولياء الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} يعنى المسلمين فى اسلام نبيه نوح صلى الله عليه وسلم انقياد نفسه المتصفة بصفات الله عند قدم جلاله وجبروت ملكوته وعظم كبريائه حيث نازعت نفوس المتصفين بصفاته بنعت الانائية من حدة سكرهم فى بحار التوحيد وقفار التجريد ومهمة التفريد لانه من اولى العزم وصار صاحبها بعد السكر وليس لاهل الصحو الا هدو الاسرار تحت اذيال الانوار وايضا ان اكون من القائلين بالقلوب الربانية سهام امتحان قهر غيرة الازل قال بعضهم ممن تسلم سرى من قلبى وقلبى من نفسى ونفسى من لسانى ولسانى الكذب والغيبة والبهتان.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان توليتم} اى ان اعرضتم عن نصيحتى وتذكيري ودمتم عليه وجواب الشرط محذوف اى فلا باعث لكم على التولى ولا موجب وقوله تعالى {فما سألتكم} بمقابلة وعظى وتذكيرى علة له {من اجر} اى شيء من حطام الدنيا تؤدونه الى حتى يؤدى ذلك الى توليكم اما لثقله عليكم او لكونه سببا لاتهامكم اياى بان تقولوا انما يعظنا ويذكرنا طمعا لنيل الاجر والمال قبلنا {ان اجرى الا على الله} اى ما ثوابى على العظة والتذكير الا عليه يثيبنى به آمنتم او توليتم {وامرت ان اكون من المسليمن} ممن اسلم وجهه لله فلا يأخذ على تعليم الدين شيئا. وايضا ان المتعين لخدمة لا يجوز له ان يأخذ عليها اجرة والانبياء والاولياء متعينون لخدمة الارشاد ومن علم بالحسبة ولم يأخذ له عوضا فقد عمل عمل الانبياء عليهم السلام. وقد جوز المتأخرون اخذ الاجرة على التعليم والتأذين والامامة والخطابة وغير ذلك لكن ينبغى للآخذ اخلاص النية فى عمله والا فقد جاء الوعيد: قال السعدى شعر : زيان ميكند مرد تفسير دان كه علم وادب ميفروشدبنان بدين اى فرومايه دينى مخر جوخر بانجيل عيسى مخر تفسير : واعلم ان المعلم الناصح اذا رغب فى اصلاحك واصلاح غيرك حتى يودّ لو ان الناس كلهم صلحوا على يديه فانما يرغب فى ذلك ليكثر اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لما سمعه يقول "حديث : انى مكاثر بكم الامم" تفسير : وهذا مقام رفيع لغناه عن عظة فى ارشاده وانما غرضه اقامة جاه محمد وتعظيمه كما يحكى ان رابعة العدوية كانت تصلى فى اليوم والليلة الف ركعة وتقول ما اريد بها ثوابا ولكن ليسر بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويقول للانبياء انظروا الى امرأة من امتى هذا عملها فى اليوم والليلة فاذا تعلقت نية المعلم والعامل بهذا يجازيهما الله على ذلك من حيث المقام

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله تمام ما حكاه عن نوح انه قال لقومه إن {توليتم} اي هربتم عن الحق واتباعه ولم تقبلوه ولم تنظروا فيه. والتولي والاعراض والانصراف نظائر. وقوله {فما سألتكم من أجر} اي لا اطلب منكم اجراً على ما أؤديه اليكم من الله، فيثقل ذلك عليكم. والاجر النفع المستحق بالعمل والاجرة مضمنة بشريطة او مجرى عادة. وقوله {إن أجري إلا على الله} اي ليس اجري في القيام باداء الرسالة الا على الله. وقوله {وأمرت أن أكون من المسلمين} معناه قل لهم: امرني الله بأن اكون من المسلمين لأمر الله بطاعته ثقة بأنها خير ما يكسبه العباد.

اطفيش

تفسير : {فإنْ تولَّيتُم} أعرضتم عن تذكيرى {فما سألتكُم مِنْ} صلة مؤكدة فى المفعول {أجْرٍ} على تذكيرى، وهذا تعليل نائب عن جواب الشرط الأصلى، فإن توليتم لم أبال، ولم يشق علىَّ، لأنى ما سألتكم أجرا على ذلك يفوتنى بتوليكم. {إنْ أجْرِىَ} بفتح الياء عند نافع، وابن عامر، وأبى عمرو، وحفص، وإسكانها عند غيرهم، وكذا حيث وقع {إلاَّ عَلى اللهِ} لأنى ما ذكرتكم إلا له {وأمِرْتُ أنْ أكُونَ} بأن أكون {مِنَ المسْلمِينَ} المؤمنين بالله، آمنتم أو كفرتم، أو المنقادين لحكم الله، لا أخالف أمره، ولا أرجو غيره، ولا آخذ أجرة على دينه، ولا يستفزنى ما قضاه علىَّ من مكروه يصلنى منكم فى ذاته.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أَعرضتم عن تذكيرى، وهذا الإِعراض حادث بعد التذكير، وهو غير السابق فلا تكرار، ولو فرضنا اتحادهما لقيل المراد بقوا على الإِعراض، والجواب محذوف تقديره فلا ضير أَو فلا باعث يدعوكم إِلى التوالى ونابت عنه علته وهو قوله {فَمَا سأَلْتُكُمْ} عليه {مِنْ أَجْرٍ} لأَنى ما سأَلتكم عليه أَجرا يفوتنى لتوليتكم أَو يوجب توليتكم لأَحد أَمرين لثقله عليكم أَو لكونه سبباً لاتهامكم بأَن تقولوا إِنما يعظنا طمعاً فى الأَجر من أَموالنا {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللهِ} دنيا وأُخرى على تبليغى إِياكم لا تعلق له بقبولكم ولا إِعراضكم، أَو الجواب ما سأَلتكم بمعنى عدم المبالاة {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ} بأَن أَكون {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} من الموحدين المطيعين فى عدم أَخذ الأَجرة على الدين أَو المستسلمين لأَمره ونهيه لا أَخاف ولا أَرجو غيره، أَو المستسلمين لما يصيبنى من البلاءِ عن دينى منكم أَو من غيركم.

الالوسي

تفسير : {وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي بقيتم على إعراضكم عن تذكيري أو أحدثتم إعراضاً / مخصوصاً عن ذلك بعد وقوفكم على أمري ومشاهدتكم مني ما يدل على صحة قولي {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} بمقابلة تذكيري ووعظي {مِنْ أَجْرٍ} تؤدونه إلي حتى يؤدي ذلك إليكم إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع أو لثقل دفع المسؤول عليكم أو حتى يضرني توليكم المؤدي إلى الحرمان فالأول لإظهار بطلان التولي ببيان عدم ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاته عليه السلام بوجوده وعدمه، وعلى التقديرين فالفاء الأولى لترتب هذا الشرط على الجزاء قبله والفاء الثانية لسببية الشرط للإعلام بمضمون الجزاء بعده كما ذكره بعض المحققين، أي إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحح له أو لا تأثر منه على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدُيرٌ} تفسير : [الأنعام: 17]. وذهب بعضهم إلى أن جواب الشرط محذوف أقيم ما ذكر وهو علته مقامه أي فلا باعث لكم على التولي ولا موجب له أو فلا ضير علي بذلك، وكلام البعض مشعر بأنه مع اعتبار الحذف والإقامة المذكورين يجىء حديث اعتبار سببية الشرط للإعلام وهو الذي يميل إليه الذوق و {مِنْ} زائدة للتأكيد أي فما سألتكم أجراً. وقوله تعالى: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تأكيد لما قبله على المعنى الأول وتعليل لاستغنائه عليه السلام على المعنى الثاني أي ما ثوابـي على العظة والتذكير إلا عليه تعالى يثبني بذلك آمنتم أو توليتم، وقوله سبحانه: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تذييل على ما قيل لمضمون ما قبله مقرر له، والمعنى وأمرت بأن أكون منتظماً في عداد المسلمين الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا، وفيه حمل الإسلام على ما يسارق الإيمان واعتبار التقييد، وعدل عنه بعضهم لما فيه من نوع تكلف فحمل الإسلام على الاستسلام والانقياد ولم يقيد، أي وأمرت بأن أكون من جملة المنقادين لحكمه تعالى لا أخالف أمره ولا أرجو غيره، وفيه على هذا المعنى أيضاً من تأكيد ما تقدم وتقرير مضمونه ما لا يخفى، ولا يظهر أمر التأكيد على تقدير أن يكون المعنى من المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى ظهوره على التقديرين السابقين، وبالجملة أنه عليه السلام لم يقصر في إرشادهم بهذا الكلام وبلغ الغاية القصوى فيه. وذكر بعضهم وجه نظمه على هذا الأسلوب على بعض الأوجه المحتملة فقال: إنه عليه الصلاة والسلام قال في أول الأمر: {أية : فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ}تفسير : [يونس: 71] فبين وثوقه بربه سبحانه أي إني وثقت به فلا تظنوا بـي أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: {أية : فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } تفسير : [يونس: 71] كأنه يقول: أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأشياء التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضيفوا إلى أنفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانهم وبالتقرب إليهم ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}تفسير : [يونس: 71] فأراد أن يسعوا في أمره غاية السعي ويبالغوا فيه غاية المبالغة حتى يطيب عيشهم، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليه رابعاً فقال: {أية : ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَيَّ }تفسير : [يونس: 71] آمراً لهم بأداء ذلك كله إليه، ثم ضم إلى ذلك خامساً {أية : وَلاَ تُنظِرُونَ }تفسير : [يونس: 71] فنهاهم عن الإمهال وفي ذلك من الدلالة على أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الغاية في التوكل على الله سبحانه وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يضره ولا يصل إليه وأن مكرهم لا ينفذ فيه ما هو أظهر من الشمس وأبين من أمس، ثم إنه عليه السلام أراد أن يجعل الحجة لازمة عليهم ويبرىء ساحته فنفى سؤاله إياهم شيئاً من الأجر وأكد ذلك بأن أجره على الله سبحانه لا على غيره مشيراً إلى مزيد / كرمه جل جلاله وأنه يثيبه على فعله سأله أو لم يسأله ولذا لم يقل إن سؤالي الأجر إلا من الله تعالى، ثم لم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه مأمور بما يندرج فيه عدم سؤالهم والالتفات إلى ما عندهم وأن يتصف به على أتم وجه لأن {مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أبلغ من مسلماً كما تحقق في محله وفي ذلك قطع ما عسى أن يحول بينهم وبين إجابة دعوته والاتعاظ بعظته إلا أن القوم قد بلغوا الغاية في العناد والتمرد.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الكلام على الكلام فجملة الشرط وجوابه مفرعتان على الجملتين السابقتين، ولما كان توليهم عن دعوته قد وقع واستمر تعين أن جعل التولي في جملة الشرط مرادٌ به ما كان حصل ليرتب عليه جواب الشرط الذي هو شيء قد وقع أيضاً. وإنما قُصد إقرارهم به قطعاً لتعللاتهم واستقصاء لقطع معاذيرهم. والمعنى: فإن كنتم قد توليتم فقد علمتُم أني ما سألتكم أجراً فتتهموني برغبة في نفع ينجر لي من دعوتكم حتى تعرضوا عنها شُحَّا بأموالكم أو اتهاماً بتكذيبي، وهذا إلزام لهم بأن توليهم لم يكن فيه احتمال تهمتهم إياه بتطلب نفع لنفسه. وبذلك برّأ نفسه من أن يكون سبباً لتولّيهم، وبهذا تعين أن المعلق بهذا الشرط هو التحقق بين مضمون جملة الشرط وجملة الجزاء لا وقوعُ جملة الجزاء عند وقوع جملة الشرط. وذلك مثل قوله تعالى: {أية : إن كنت قلته فقد علِمتَه}تفسير : في آخر سورة [العقود: 116].وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا}تفسير : في سورة [الأعراف: 87]. وجملة: {إن أجري إلا على الله} تعميم لنفي تطلبه أجراً على دعوتهم سواء منهم أم من غيرهم، فالقصر حقيقي وبه يحصل تأكيد جملة: {فما سألتكم من أجر} مع زيادة التعميم. وطريقُ جزمه بأن الله يؤجره على ذلك هو وعد الله إياه به بما أوحى إليه. وأتى بحرف (على) المفيد لكونه حقاً له عند الله بناء على وعد الله إيَّاه وأعلمه بأن الله لا يخلف وعده، فصار بالوعد حقاً على الله التزم الله به. والأجر: العوض الذي يعطى لأجل عمل يعمله آخذ العوض. وجملة: {وأمرت أن أكون من المسلمين} معطوفة على جملة الجواب، والتقدير فإن توليتم فأمرت أن أكون من المسلمين، أي أمرني الله أن أتبع الدين الحق ولو كنت وحدي. وهذا تأييس لهم بأن إجماعهم على التولي عنه لا يفل حده ولا يصده عن مخالفة دينهم الضلال. وبُني فعل {أمرت} للمجهول في اللفظ للعلم به، إذ من المعلوم من سياق الكلام أنّ الذي أمره هو الله تعالى. وقوله: {أن أكون من المسلمين} أي من الفئة التي يصدق عليها هذا الوصف وهو الإسلام، أي توحيد الله دون عبادة شريك، لأنه مشتق من إسلام العبادة وتخليصها لله تعالى دون غيره. كما في قوله تعالى: {أية : فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعنِ}تفسير : [آل عمران: 20]. وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاماً في مختلف العصور وسمَّى الله به سُنن الرسل فحكاه عن نوح ـ عليه السلام ـ هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى: {أية : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}تفسير : [البقرة: 131]، وعن إسماعيل {أية : ربنا واجعلنا مُسْلِمَين لك}تفسير : [البقرة: 128]، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم {أية : ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 133]، وعن يوسف {أية : توفني مسلماً}تفسير : [يوسف: 101]، وعن موسى {أية : وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}تفسير : [يونس: 8]، وعن سليمان {أية : أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين}تفسير : [النمل: 31]، وعن عيسى والحواريين {أية : قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون}تفسير : [المائدة: 111]. وقد تقدم بيان ذلك مفصلاً عند قوله تعالى: {أية : ربنا واجعلنا مسلمين لك}تفسير : في سورة [البقرة: 128]. وقوله: {أن أكون من المسلمين} أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من: أن أكون مسلماً، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : في سورة [البقرة: 43]، وعند قوله:{أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}تفسير : في سورة [براءة: 119].

الواحدي

تفسير : {فإن توليتم} أعرضتم عن الإِيمان {فما سألتكم من أجر} مالٍ تعطونيه، وهذا من قول نوح عليه السَّلام لقومه.

د. أسعد حومد

تفسير : (72) - فَإِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي، وَأَدْبَرْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ (تَوَلَّيْتُمْ)، فَلاَ يَضُرُّنِي ذَلِكَ لأَنَّنِي لَمْ أَطْلُبْ مِنْكُمْ أَجْراً عَلَى نُصْحِي لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ الأَجْرَ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ الذِي أَمَرَنِي بِأَن أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، المُؤْمِنينَ العَابِدِينَ القَائِمِينَ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: إن توليتم عن دعوتي لعبادة الإله الحق، فأنا لا أدعوكم إلى مثيل لكم هو أنا، بل أدعوكم إلى من هو فوقي وفوقكم، فأنا لا أريد أن أستولي على السلطة الزمنية منكم، ولا أبحث عن جاهٍ، فالجاه كله لله تعالى. والله لا يحتاج إلى جاهٍ منكم لأن جاهه سبحانه ذاتي فيه، ولكن لنمنع جبروتكم وتجبُّركم؛ لتعيشوا على ضوء المنهج الحق؛ لتكون حياتكم صالحة، وكل ذلك لمصلحتكم. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ..} [يونس: 72] فهل يُمَالىء نوح - عليه السلام - أعداءه. إن الإنسان يُمَالىء العدو؛ لأن يخاف أن يوقع به شرّاً، ونوح عليه السلام لا يخافهم؛ لأنه يعتمد على الله تعالى وحده، بل هو يدلُّهم على مواطن القوة فيهم، وهو يعلم أن قوتهم محدودة، وأن شرهم مهما بلغ فهو غير نافذ، وقد لا يكون منهم شر على الإطلاق، فهل هناك نفعٌ سيعود على نوح - عليه السلام - ويُمنَع عنه؟ لا؛ لأنه يعلن أنه لا يأخذ أجراً على دعوته. هم - إذن - لا يقدرون على ضُرِّه، ولا يقدرون على نفعه، وهو لا يريد منهم نفعاً؛ لأن مركزه بإيمانه بالله الذي أرسله مركزٌ قويٌّ. وهو لا يسألهم أجراً، وكلمة "أجر" تعني: ثمن المنفعة، والأثمان تكون عادة في المعاوضات، إما أن تكون ثمناً للأعيان والذوات، وإما أن تكون ثمناً للمنفعة. ومثال ذلك: أن إنساناً يرغب في شراء "شقة" في بيت فيذهب إلى رجل يملك بيتاً، ويطلب منه أن يبيع له عدداً من الأسهم بقيمة الشقة. وهناك آخر يريد أن يستأجر شقة فيذهب إلى صاحب البيت؛ ليدفع له قيمة إيجار شقة في البيت، اي: يدفع له قيمة الانتفاع بالشقة، والأجر لا يُدفع إلا لطلب منفعة مُلِحَّة. وكان على نوح - عليه السلام - أن يطلب منهم أجراً؛ لأنه يهديهم إلى الحق، هذا في أصول التقييم للأشياء؛ لأنه يقدِّم لهم نفعاً أساسياً، لكنه يعلن أنه لا يطلب أجراً وكأنه يقول: إن عملي كان يجب أن يكون له أجر؛ لأن منفعته تعود عليكم، وكان من الواجب أن آخذ أجراً عليه. ولكن نوحاً - عليه السلام - تنازل عن الأجر منهم؛ لأنه أراد الأجر الأعلى، فلو أخذ منهم؛ فلسوف يأخذ على قدر إمكاناتهم، ولكن الأجر من الله تعالى هو على قدر إمكانيات الله سبحانه وتعالى، وفارق بين إمكانات المحدود العطاء وهو البشر، ومن له قدرة عطاء لا نهاية لها وهو الله سبحانه وتعالى. وهنا يقول: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ..} [يونس: 72]. فهذا التولِّي والإِعراض لا يضرُّني ولا ينفعني؛ لأنكم لا تملكون لي ضُرّاً ولا تملكون لي نفعاً؛ لأني لن آخذ منكم أجراً. ومن العجيب أن كل مواكب الرسل - عليهم السلام - حين يخاطبون أقوامهم يخاطبونهم بهذه العبارة: {أية : مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ..}تفسير : [ص: 86]. إلا في قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وقصة موسى عليه السلام، فعن قصة سيدنا إبراهيم يأتي قول الحق سبحانه: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }تفسير : [الشعراء: 69-74]. ولم يأت الحق سبحانه فيها بشيء عن عدم السؤال عن الأجر. وأيضاً في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - قال الحق سبحانه: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الشعراء: 12-17]. وهنا أيضاً لا نجد قولاً لموسى - عليه السلام - في عدم السؤال عن الأجر. أما هنا في قصة نوح - عليه السلام - فنجد قول الحق سبحانه: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]. وكذلك جاء نفس المعنى في قصة هود عليه السلام، حيث يقول الحق سبحانه: {أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 123-127]. وجاء نفس المعنى أيضاً في قوم ثمود، إذ قال الحق سبحانه: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 141-145]. وكذلك جاء نفس القول على لسان لوط عليه السلام، فيقول الحق سبحانه: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 160-164]. ونفس القول جاء على لسان شعيب عليه السلام في قول الحق سبحانه: {أية : كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 176-180]. إذن: فغالبية الموكب الرسالي يأتي على ألسنتهم الكلام عن الأجر: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}تفسير : [الشعراء: 164]. فكأن الرسل عليهم السلام يقولون للبشر الذين أرسلوا إليهم: لو أنكم فطنتم إلى حقيقة الأمر لكان من الواجب أن يكون لنا أجر على ما نقدمه لكم من منفعة، لكنَّا لا نريد منكم أنتم أجراً، إنما سنأخذ أجرنا من ربِّ العالمين؛ لأن المنفعة التي نقدمها لكم لا يستطيع بشر أن يقوِّمها، وإنما القادر على تقييمها هو واضع المنهج - سبحانه - ومُنزِله على رسله. وها هو القرآن الكريم يأتي على لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..}تفسير : [الشورى: 23]. أما لماذا لم تأت مسألة الأجر على لسان سيدنا إبراهيم - عليه السلام - فنحن نعلم أن إبراهيم عليه السلام أول ما دعا؛ دعا عمه، وكان للعم حظ تربية إبراهيم، وله على سيدنا إبراهيم حق الأبوة. وكذلك سيدنا موسى عليه السلام، فقد دعا فرعون، وفرعون هو الذي قام بتربية موسى، وكانت زوجة فرعون تريده قرة عين لها ولزوجها، حتى إن فرعون فيما بعد قد ذكَّره بذلك، وقال: {أية : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 18]. أما هنا في دعوة سيدنا نوح - عليه السلام - فيأتي قول القرآن على لسان نوح بما يوضِّح الأمر لقوم نوح: فإن توليتم فلا حزن لي، ولا جزع؛ لأنكم لن تصيبوني بضُرٍّ، ولن تمنعوا عني منفعة؛ لأنكم لم تسألوني أن آتي لكم بالهدى لآخذ أجري منكم، ولكن الحق سبحانه هو الذي بعثني، وهو الذي سيعطيني أجري، وقد أمرني سبحانه أن أكون من المسلمين له حَقّاً وصدقاً. وفي حياتنا نجد أن صديقاً يرسل إلى صديقه عاملاً من عنده ليصلح شيئاً، فهو يأخذ الأجر من المرسل، لا من المرسل إليه، وهذا أمر منطقي وطبيعي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} [يونس: 72] أي: أعرضتم عن نصحي، {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} [يونس: 72] على النصح في دعواتكم إلى الله، {مِّنْ أَجْرٍ} [يونس: 72] من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} [يونس: 72] أي: ما حظي من مواهب الله وشهود جماله. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72] أي: ممن أسلم وجهه لله في طلب الله، {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ} [يونس: 73] أي: خلصناه نوح الروح من الغرق في بحر الدنيا، {وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} [يونس: 73] أي: الذين ركبوا معه في سفينة الشريعة من القلب والبشر والنفس والهوى، {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} [يونس: 73] أي: خلفاء الله في أرضه وهم مقر صفاته ومظهر آياته، {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [يونس: 73] بدلائلنا وبراهيننا من الشيطان وبعض النفوس المتمردة في بحر الدنيا وشهواتها. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73] أي: الذين أنذرهم نوح الروح بإلهامات الله، {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} [يونس: 74] أي: بعد نوح الروح، {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} [الروح: 74] من الأنبياء، {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ} [يونس: 74] بالمعجزات الظاهرة. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} [يونس: 74] أي: لم يصدقوا الأنبياء بمعجزاتهم بشؤم ما كذبوا نوح الروح، وما قبلوا دعوته في السير إلى الله، فيه إاشارة إلى أن من لم يؤمن قبله بدعوة الروح وإلهام الحق إراءة آياته لا يؤمن بدعوة الأنبياء ومعجزاتهم، {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] الذين جاوزوا الحق إذ لم يستمعوا دعوة الروح إلى الباطل وهو تكذيب نوح الروح لئلا يقبلوا دعوة الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبر عن بعث الأنبياء وتكذيب الأشقياء بقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} [يونس: 75] إلى قوله: {أية : مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [يونس: 86]، {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} أي: أوحينا وألهمنا من بعد نوح الروح وصفاته إلى موسى القلب، وهارون السر، {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} [يونس: 75] أي: فرعون النفس وصفاته، {بِآيَـٰتِنَا} [يونس: 75] يعني: عصا ذكر لا إلى إله إلا الله كانت معجزة القلب وله يد بيضاء في استعمالها. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} [يونس: 75] عن قبول لا إله إلا الله وذلك أن فرعون النفس يدعي الربوبية ولا يثبت إلهاً غيره، كما قال الله تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43]، {وَكَانُواْ} [يونس: 75] يعني: النفس وصفاتها، {قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [يونس: 75] آمرين بالسوء.