١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
73
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة، أما في حق نوح وأصحابه فأمران: أحدهما: أنه تعالى نجاهم من الكفار. الثاني: أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم. وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجراً للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان، ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام. وأما تفاصيل هذه القصة فهي مذكورة في سائر السور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} يعني نوحاً. {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ} أي من المؤمنين. {فِي ٱلْفُلْكِ} أي السفينة، وسيأتي ذكرها. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي سكان الأرض وخَلَفاً ممن غرِق. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا.
البيضاوي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} فأصروا على تكذيبه بعدما ألزمهم الحجة وبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب. {فَنَجَّيْنَـٰهُ } من الغرق. {وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ} وكانوا ثمانين. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} من الهالكين به. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بالطوفان. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ } السفينة {وَجَعَلْنَٰهُمْ } أي من معه {خَلَٰئِفَ } في الأَرض { وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايـَٰتِنَا } بالطوفان {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عـَٰقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذبك.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَن مَّعَهُ} ثمانون رجلاً أحدهم جُرْهم وكان عربي اللسان، وحمل من كل زوجين اثنين، وأول ما حمل الذرة وآخره الحمار فدخل إبليس متعلقاً بذنبه "ع". {خَلآئِفَ} لمن غرق. {وَأَغْرَقْنَا} قيل: عاشوا في الطوفان أربعين يوماً، قال ابن إسحاق: بقي الماء بعد الغرق مائة وخمسين يوماً، وكان بين إرسال الطوفان إلى غيض الماء ستة أشهر وعشرة أيام، وقال: استوت على الجودي لسبع عشرة ليلة من الشهر السابع.
النسفي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ } فداموا على تكذيبه {فَنَجَّيْنَـٰهُ } من الغرق {وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ } في السفينة {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } يخلفون الهالكين بالغرق {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } هو تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله وتسلية له. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ } من بعد نوح عليه السلام {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } أي هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعباً {فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } فأصروا على الكفر بعد المجيء {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } من قبل مجيئهم، يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كَذَلِكَ نَطْبَعُ } من ذلك الطبع نختم {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ } المجاوزين الحد في التكذيب {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل {مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بِـئَايَـٰتِنَا } بالآيات التسع {فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن قبولها وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ويتعظموا عن قبولها {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } كفاراً ذوي آثام عظام فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا على ردها {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا } فلما عرفوا أنه هو الحق وأنه من عند الله {قَالُواْ } لحبهم الشهوات {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ}: مضَى شرح هذه المعاني. وقوله سبحانه: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ }: مخاطبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يشاركُه في معناها جميعُ الخَلْق. وقوله سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ }: الضمير في {مِن بَعْدِهِ } عائدٌ عَلى نوحٍ عليه السلام. وقوله تعالى: {فَجَاءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ * بِآيَـٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ }: معنى هذه الآية ضَرْبُ المثلِ لحاضِرِي نبِيِّنا محمَّد عليه السلام؛ ليعتبروا بمَنْ سلف، و{ٱلْبَيِّنَـٰتِ } المعجزاتُ، والضمائر في {مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} وفي {كَذَّبُواْ} تعود الثلاثةُ على قوم الرسل، وقيل: الضمير في كذَّبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدَّم تفسير نظيرها «في الأعراف».
القشيري
تفسير : أغرق قومَه بأمواج القَطْرة، وفي الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، وحفظ نوحاً - عليه السلام - وقومه في السفينة، وفي الحقيقة نَجَّاهم في سفينة السلامة. وكان نوحٌ في سابق حكمه من المحروسين، وكان قومُه في قديم قضائه من جملة المُغْرِقين، فَجرَتْ الأحوال على ما جرَتْ به القسمةُ في الأزل.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكذبوه} عطف على قوله قال لقومه اى اتل عليهم نبأ نوح اذ قال لقومه كذا وكذا فاصروا على تكذيبه تمردا وعنادا فتولوا عن تذكيره فحقت عليهم كلمة العذاب فاغرقوا {فنجيناه} من الغرق والفاء فصيحة تفصح عن كون الكلام مشتملا على الحذف والتقدير كما قدرنا {ومن} استقر {معه فى الفلك} وكانوا ثمانين اربعين رجلا واربعين امرأة كما فى البستان. او فنجيناهم فى هذا المكان فان انجاءهم وقع فى الفلك فعلى هذا يتعلق فى الفلك بنجيناه وعلى الاول يتعلق باستقرار الذى تعلق به معه {وجعلناهم خلائف} اى سكان الارض وخلفا ممن غرق وهلك. قال فى البستان لما خرجوا من السفينة ما تواكلهم الا اولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم كما قال تعالى {أية : وجعلنا ذريته هم الباقين} تفسير : فتوالدوا حتى كثروا فالعرب والعجم والفرس والروم كلهم من ولد سام والحبش والسند والهند من اولاد حام ويأجوج ومأجوج والصقلاب والترك من اولاد يافث {واغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افتدى تأثير طوفان نوح يظهر فى كل ثلاثين سنة مرة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السبيل {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} وهم قوم نوح وفيه تحذير لمن كذب الرسول وتسلية له شعر : محالست جون دوست داردترا كه دردست دشمن كذارد ترا
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى ما قال نوح لقومه في الآيتين الأولتين، ذكر ما كان من قومه في مقابلة ذلك، وهو انهم كذبوه اي نسبوه إلى الكذب فيما ذكره من انه نبي الله وان الله بعثه اليهم ليدعوهم إلى طاعته، وانه تعالى عند ذلك نجا نوحاً اي خلصه، وخلص الذين معه في السفينة وجعلهم خلائف معه، انه جعل الذين نجوا مع نوح لمن هلك بالغرق عبرة. وقيل انهم كانوا ثمانين نفساً. وقال البلخي: يجوز أن يكون اراد به جعل منهم رؤساء في الارض واهلك باقي أهل الأرض أجمع لتكذيبهم لنوح. والغرق الاهلاك بالماء الغامر، وقد يغرق الحصاة بالماء على هذا المعنى. واما التغريق في رحمة الله. فانما هو تشبيه بما اكتنفه الماء الغامر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله "انظر كيف كان عاقبة الذين" خوفوا بالله وعذابه فلم يخافوه، كيف اهلكهم الله ليعلمهم بذلك ان حكم هؤلاء الذين كذبوه وجحدوا نبوته حكم اولئك في أن الله يهلكهم ويدمر عليهم. يسليه بذلك عن ترك انقيادهم له.
الجنابذي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} بعد اتمام الحجّة كما كّذبوه فى اوّل الدّعوة {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} من اذى قومه او من الغرق {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} فى الارض لنفسى اوللهالكين {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ} حتّى تتسلّى وتطمئنّ بنصرتنا {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ثُمَّ بَعَثْنَا} عطف باعتبار المعنى ومفاد المحكّى كأنّه قال: بعثنا نوحاً الى قومه ثمّ بعثنا {مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الدّالاّت على صدقهم او احكام النّبوّة المتعلّقة بالقالب دون القلب فانّها تسمّى بالبيّنات كما انّ احكام القلب تسمّى بالزّبر {فَمَا كَانُواْ} ثابتين {لِيُؤْمِنُواْ} يعنى ما كان فى سجيّتهم قوّة الايمان فكيف بفعليّته {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ} بالرّسالة الّتى كذّبوها {مِن قَبْلُ} اى من قبل ان يبلغوا اوان الرّشد وجواز وصول دعوة الرّسالة اليهم، او من قبل هذا العالم فى عالم الذّرّ، او من قبل زمانهم باعتبار تكذيب اسلافهم للرّسل {كَذَلِكَ} الطّبع الّذى طبعناه على قلوبهم {نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} تهديد لمكذّبى قومه (ص).
الهواري
تفسير : قوله: { فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ} أي: في السفينة: وكان مع نوح في السفينة أمرأته وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي: بعد الهالكين يخلفون في الأرض بعدهم. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ} أي: الذين أنذرهم نوح كان عاقبتهم أن عذبهم الله ثم صَيَّرَهم إلى النار. قال: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد نوح { رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالبَيِّنَاتِ} أي: من عند الله {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن يأتيهم العذاب. { كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ} أي: المشركين بشركهم. قوله: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} يعني: قومه {بِآيَاتِنَا} أي: التسع الآيات: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، قال تعالى: (أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ) تفسير : [الأعراف: 130]. قال: { فَاسْتَكْبَرُوا} أي: عن إجابة الرسل { وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين. قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا} [يعني اليد والعصا] { قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}. { قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا} قال الله: { وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}. قوله: { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي: لتأفكنا، أي: لتصدنا ولتحولنا { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} أي: إنا وجدناهم عبدة أوثان، فنحن على دينهم، وأنت تريد أن تحوّلنا عن ذلك { وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ} أي: وتريد أن يكون لك ولهارون الملك والطاعة { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي: بمصدّقين.
اطفيش
تفسير : {فكذَّبُوهُ} داموا على تكذيبه بعد إلزام هذه الحجة، وبعد تبيين أن توليهم محض عناد، وذلك مشعر بهلاكهم، فكأنه قال: فكذبوه فأهْلكناهُم بالغَرقَ {فَنَجيَّناه} من الغرق {ومَنْ مَعه فى الفُلْكِ} السفينة، وكانوا بثمانين أو ثمانية، نوحا وامرأة معه مؤمنة، وبوه سام وحام ويافث ونساؤهم. {وجَعَلْناهُم خلائفَ} يسكنون الأرض بعد هؤلاء المكذبين الذين أهلكناهم بالغرق {وأغْرقْنا الَّذين كذَّبُوا بآياتنا} بالماء الطائف بهم ذكر هذا، لأن ما مر مشعر به إشعارا لا مصرح به، فإن تكذيبهم وتنحية نوح ومن معه، وكون التنجية فى الفلك وجعلهم خلائف دلائل على ذلك لا تصريح بالإغراق أو للتأكيد، لأن ذلك فى قوة التصريح، أو لإرادة معنى قولك: حقت كلمة العذاب على هؤلاء لتكذيبهم، فنجينا نوحا ومن معه، وأغرقنا هؤلاء. {فانْظُر} يا محمد، أو أيها الإنسان مطلقا { كَيفَ كانَ عاقِبةُ المنْذرِينَ} إذا لم يتبعوا منذريهم، كانت عاقبة عظيمة فى الدنيا، يعقبها العذاب الدائم، فاحذروا أن يصيبكم مثلها.
اطفيش
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} أَى كذبه قومه الذين كانوا يخاطبهم والمراد التكذيب بعد هذا الخطاب المخصوص فلا تكرير وإِلا فالمراد الزيادة فى التكذيب أَو البقاءِ عليه {فَنَجَّيْنَاهُ} الفاءُ تعليل لكن محطه قوله فأَغرقنا أَو تعليل منظور إِلى المجموع أَو تعليل لقوله لقومه ما ذكر كله من قوله فعلى الله توكلت باعتبار التنجية ولقوله كذبوه باعتبار الإِغراق والمراد نجيناه من الغرق وهو أَولى من أَن يقال نجيناه من الكفرة لقوله وأَغرقنا ولقوله ومن معه، أَو يقدر فحقت عليهم كلمة العذاب فنجيناه أَو فعاملنا كلا بما يقتضيه فأَنجيناه {ومَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ} متعلق بنجيناه أَو بمع لأَنه عامل معنوى لأَنه فى معنى ثابت أَو ثبت أَو حال من هاءِ نجيناه ومن أَو من الضمير فى مع وهم أَربعون رجلا وأَربعون امرأَة وقيل تسعة وسبعون وقيل سبعة {وَجَعَلْنَاهُمْ} أَى نوحاً ومن معه فى السفينة ورده بعض إلى من معه وفى الهاءِ مع الميم مراعاة معنى من {خَلاَئِفَ} من الهالكين بالغرق. {وَأَغْرَقْنَا} بالطوفان {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} هى كل معجزة نوح أَو الآيات الطوفان، كان عليه السلام فى أواخر أَمره يعدهم به {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} هى إِهلاكهم، انظر كيف كان عاقبة قوم نوح لما أُنذروا ولم يصدقوا بالإِنذار فكذلك قومك قد أُنذروا بأَشد مما أُنذر به قوم نوح وأَظهر، فهم أَحقاءُ بالهلاك ولتعليق الأَمر بالإِنذار والتكذيب، لم يقل أَغرقناهم وكيف كانت عاقبتهم، وقدم التنجية على الاستخلاف والإِغراق بكمال بها ولتعجيل المسرة للنبى صلى الله عليه وسلم، إِذ له ما لنوح وعلى قومه ما على قوم نوح من مطلق الإِهلاك وللإِيذان بأَصالة الرحمة وكونها أَنسب بالربوبية وأَما الإِهلاك فهم استحقوه بذنوبهم، وإِنما علقت ذلك إِليه صلى الله عليه وسلم لا إِلى نوح لأَن الآية نزلت عليه، وأَما نوح عليه السلام فلا ندرى أُنزل عليه مضمون ذلك كله؟ وإِن نزل فلسنا ندرى أَكان على هذا الترتيب الذى فى الآيات أَو على ترتيب آخر، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم.
الالوسي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} أي فأصروا بعد أن لم يبق عليهم عليه السلام في قوس الإلزام منزعاً وفي كأس بيان أن لا سبب لتوليهم غير التمرد مكرعاً على ما هم عليه من التكذيب الدال عليه السباق واللحاق وهو عطف على جملة قوله تعالى: {أية : قَالَ لِقَوْمِهِ}تفسير : [يونس: 71] والفاء في قوله تعالى: {فَنَجَّيْنَـٰهُ} فصيحة في رأي أي فحقت عليهم كلمة العذاب فأنجيناه، وأنكر ذلك الشهاب وادعى أن ذكر ما يشير إليه في عبارة بعض المفسرين توطئة للتفريع لا إشارة إلى أن الفاء فصيحة، وأنا لا أرى فيه بأساً إلا أن تقدير فعاملنا كلاً بما تقتضيه الحكمة ونحوه عندي أولى، ومتعلق الإنجاء محذوف أي من الغرق كما يدل عليه المقام، وقيل: من أيدي الكفار أي فخلصناه من ذلك {وَمَن مَّعَهُ} من المؤمنين به وكانوا في المشهور أربعين رجلاً وأربعين امرأة وقيل دون ذلك {فِي ٱلْفُلْكِ} أي السفينة وهو مفرد هٰهنا، والجار كما قال الأجهوري وغيره متعلق بأنجيناه أي وقع الإنجاء في الفلك، ويجوز أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف قبله الواقع صلة أي والذين استقروا معه في الفلك {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلآئِفَ} عمن هلك بالإغراق بالطوفان وهو جمع خليفة {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} وهم الباقون من قومه، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية مضمون الصلة للإغراق وتأخير ذكره عن ذكر الإنجاء والاستخلاف لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} المخوفين بالله تعالى وعذابه والمراد بهم المكذبين، والتعبير عنهم بذلك للإشارة إلى إصرارهم على التكذيب حيث لم ينجع الإنذار فيهم ولم يفدهم شيئاً وقد جرت عادة الله تعالى أن لا يهلك قوماً بالاستئصال إلا بعد الإنذار لأن من أنذر فقد أعذر، والنظر كما قال الراغب يكون بالبصر والبصيرة والثاني أكثر عند الخاصة وسيق الكلام لتهويل ما جرى عليهم وتحذير من كذب بالرسول عليه الصلاة والسلام والتسلية له صلى الله عليه وسلم، والمراد اعتبر ما أخبر الله تعالى به لأنه لا يمكن أن ينظر إليه هو صلى الله عليه وسلم ولا من أنذره.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع الذكري، أي تفريع ذكر هذه الجمل على ذكر الجمل السابقة لأن الشأن أن تكون لما بعد الفاء مناسبة لِما قبلها تقتضي أن يذكر بعدها فيؤتى بالفاء للإشارة إلى تلك المناسبة، كقوله تعالى: {أية : ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين}تفسير : [الزمر: 72]، وإلا فإن تكذيب قوم نوح حصل قبل أن يقول لهم: {أية : إن كان كبُر عليكم مقامي}تفسير : [يونس: 71] الخ، لأنه ما قال لهم ذلك إلا وقد رأى منهم تجهم دعوته. ولك أن تجعل معنى فعل {كذبوه} الاستمرار على تكذيبه مثل فِعل {آمنوا} في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله}تفسير : [النساء: 136]، فتكون الفاء لتفريع حصول ما بعدها على حصول ما قبلها. وأما الفاء التي في جملة: {فنجيناه} فهي للترتيب والتعقيب، لأن تكذيب قومه قد استمر إلى وقت إغراقهم وإنجاء نوح ـ عليه السلام ـ ومَن اتبعه. وهذا نظم بديع وإيجاز معجز إذ رجع الكلام إلى التصريح بتكذيب قومه الذي لم يذكر قبل بل أشير له ضمناً بقوله: {أية : إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي}تفسير : [يونس: 71] الآية، فكان كرد العجز على الصدر. ثم أشير إلى استمراره في الأزمنة كلها حتى انتهى بإغراقهم، فذكر إنجاء نوح وإغراق المكذبين له، وبذلك عاد الكلام إلى ما عقب مجادلةَ نوح الأخيرة قومَه المنتهية بقوله: {أية : وأمرت أن أكون من المسلمين}تفسير : [يونس: 72] فكان تفنناً بديعاً في النظم مع إيجاز بهيج. وتقدم ذكر إنجائه قبل ذكر الإغراق الذي وقع الإنجاء منه للإشارة إلى أن إنجاءه أهم عند الله تعالى من إغراق مكذبيه، ولتعجيل المسرة للمسلمين السامعين لهذه القصة. والفلك: السفينة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : والفلك التي تجري في البحر}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. والخلائف: جمع خليفة وهو اسم للذي يخلف غيره. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : في سورة [البقرة: 30]. وصيغة الجمع هنا باعتبار الذين معه في الفلك تفرع على كل زوجين منهم أمة. وتعريف قوم نوح بطريق الموصولية في قوله: {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} للإيماء إلى سبب تعذيبهم بالغرق، وأنه التكذيب بآيات الله إنذاراً للمشركين من العرب ولذلك ذيل بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}، أي المنذرين بالعذاب المكذبين بالإنذار. والنظر: هنا نظر عين، نزل خبرهم لوضوحه واليقين به منزلة المشاهد. والخطاب بـ{انظر} يجوز أن يكون لكل من يسمع فلا يراد به مخاطب معين ويجوز أن يكون خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم فخصّ بالخطاب تعظيماً لشأنه بأن الذين كذبوه يوشك أن يصيبهم من العذاب نحو مما أصاب قوم نوح عليه السلام وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من أذاهم وإظهار لعناية الله به.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَنَجَّيْنَاهُ} {وَجَعَلْنَاهُمْ} {خَلاَئِفَ} {بِآيَاتِنَا} {عَاقِبَةُ} (73) - فَلَمَّا أَصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، بَعْدَ أَنْ قَامَتْ عَلَيهِمُ الحُجَّةُ، نَجَّى اللهُ نُوحاً وَالمُؤْمِنينَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، وَجَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ يَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَوَارَثُونَ الإِيمَانَ بِاللهِ، وَأَغْرَقَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَآيَاتِهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ هؤُلاءِ الذِينَ جَاءَهُمُ النَّذِيرُ مِنْ رَبِّهِمْ، فَاستَخَفُّوا بِهِ. جَعَلْنَاهُمْ خَلائَِف - خُلَفَاءَ يَخْلُفُونَ الأُمَمَ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن الأمر الذي وقع من الحق سبحانه نتيجة عدائهم للإيمان كان من الممكن أن يشمله؛ لأنه لا يقال: نجَّيتُك من كذا إلا إذا كان الأمر الذي نجيتك منه، توشك أن تقع فيه، وكان هذا بالفعل هو الحال مع الطوفان، فالحق سبحانه يقول: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ..}تفسير : [القمر: 11-12]. ومن المتوقع أن تشرب الأرض ماء المطر، لكن الذي حدث أن المطر انهمر من السماء والأرض أيضاً تفجَّرتْ بالماء؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}تفسير : [القمر: 12]. أي: أن ذلك الأمر كان مقدَّراً؛ حتى لا يقولن أحد: إن هذه المسألة ظاهرة طبيعية. لا إنه أمر مُقدَّر، وقد كانت السفينة موجودة بصناعة من نوح عليه السلام؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بذلك في قوله تعالى في سورة هود: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ..}تفسير : [هود: 37]. ويقول الحق سبحانه في الآية التي بعدها: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود: 38]. ويركب نوح - عليه السلام - السفينة، ويركب معه من آمن بالله تعالى، وما حملوا معهم من الطير والحيوان من كُلِّ نوع اثنين ذكراً وأنثى. وقول الحق سبحانه: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ ..} [يونس: 73]. يوحي أن الذي صعد إلى السفينة هم العقلاء من البشر، فكيف نفهم مسألة صعود الحيوانات والطيور إلى السفينة؟ نقول: إن الأصل في وجود هذه الحيوانات وتلك الطيور أنها مُسخَّرة لخدمة الإنسان، وكان لا بد أن توجد في السفينة؛ لأنها ككائنات مسخّرة تسبِّح الله، وتعبد الحق سبحانه، فكيف يكون علمها فوق علم العقلاء الذين كفر بعضهم، ثم أليس من الكائنات المسخَّرة ذلك الغراب الذي علَّم "قابيل" كيف يواري سوأة أخيه؟! إنه طائر، لكنه علم ما لم يعلمه الإنسان! والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}تفسير : [المائدة: 31]. ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصددها الآن: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73]. وكلمة "الفُلْك" من الألفاظ التي تطلق على المفرد، وتطلق على الجماعة. وقول الحق سبحانه: {فَنَجَّيْنَاهُ} نعلم منه أن الفعل من الله تعالى، وهو سبحانه حين يتحدث عن أي فعل له، فالكلام عن الفعل يأتي مثل قوله سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. ولكنه حين يتحدث عن ذاته، فهو يأتي بكلمة تؤكد الوحدانية وتكون بضمير الإفراد مثل: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ..}تفسير : [طه: 14]. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ..} [يونس: 73]. كلمة "أنجى" للتعددية، وكلمة "نَجَّى" تدل على أن هناك معالجة شديدة للإنجاء، وعلى أن الفعل يتكرر. وقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ..} [يونس: 73]. تعني: أن الخليفة هو من يجيء بعد سابق، وكلمة "الخليفة" تأتي مرة للأعلى، مثل الحال هنا حيث جعل الصالح خليفة للصالح، فبعد أن أنجى الله سبحانه العناصر المؤمنة في السفينة، أغرق الباقين. إذن: فالصالحون على ظهر السفينة أنجبوا الصالحين من بعدهم. ومرة تأتي كلمة "الخليفة" للأقل، مثل قول الحق سبحانه: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ ..}تفسير : [مريم: 59]. فهنا تكون كلمة الخليفة موحية بالمكانة الأقل، وهناك معيار وضعه الحق سبحانه لتقييم الخليفة، هو قول الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 14]. ولأن الإنسان مخيَّر بين الإيمان والكفر، فسوف يَلْقَى مكانته على ضوء ما يختار. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ..}تفسير : [النور: 55]. إذن: فالخليفة إما أن يكون خليفة لصالحٍ، وإما أن يكون صالحاً يَخْلُفُ فاسداً. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ..} [يونس: 73]. والآيات - كما قلنا من قبل - إما آيات الاعتبار التي تهدي إلى الإيمان بالقوة الخالقة، وهي آيات الكون كلها، فكل شيء في الكون يدلُّكَ على أن هذا الكون مخلوق على هيئة ولغاية، بدليل أن الأشياء في هذا الكون تنتظم انتظاماً حكيماً. وإذا أردت أن تعرف دقة هذا الخلق، فانظر إلى ما ليدك فيه دَخْلٌ، وما ليس ليدك فيه دخل؛ ستجد كل ما ليس ليدك فيه دخل على درجة هائلة من الاستقامة، والحق سبحانه يقول: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. أما ما ليدك فيه دخل، فاختيارنا حين يتدخل فهو قد يفسد الأشياء. وهكذا رأينا أن الآيات الكونية تلفت إلى وجود الخالق سبحانه وهي مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله، أو أن الآيات هي الأمور العجيبة التي جاءت على أيدي الرسل - عليهم السلام - لتقنع الناس بأنهم صادقون في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى. ثم هناك آيات القرآن الكريم التي يقول فيها الحق سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ..}تفسير : [آل عمران: 7]. وهي الآيات التي تحمل المنهج. وحين يقول الحق سبحانه: {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ..} [يونس: 73]. فهو يعلِّمنا أنه أغرق من كذَّبوا بالآيات الكونية ولم يلتفتوا إلى بديع صنعه سبحانه، وحكمة تكوين هذه الآيات، وترتيبها ورتابتها، وهم أيضاً كذَّبوا الآيات المعجزات، وكذلك كذَّبوا بآيات الأحكام التي جاءت بها رسلهم. وينهي الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73]. والخطاب هنا لكل من يتأتَّى منه النظر، وأوَّلُهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول مُخاطَب بالقرآن. وأنت حين تقول: "انظر"؛ فأنت تُلْفِت إلى أمر حسِّي، إن وجَّهت نظرك نحوه جاء الإشعاع من المنظور إليه، ليرسم أبعاد الشيء؛ فتراه. والكلام هنا عن أمور غائبة، فهي أحداث حسية وقعت مرة واحدة ثم صارت خبراً، فإن أخبرك بها مخبر فيكون تصديقك بها على مقدار الثقة فيه. فمن رأى عصا موسى - عليه السلام - وهي تلقف الحبال التي ألقاها السحرة؛ آمن بها، مثلما آمن من شاهد النار عاجزة عن إحراق إبراهيم عليه السلام، ومن رأى عيسى عليه السلام وهو يُشفي الأكْمَهَ والأبْرص ويُحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقد آمن بما رأى، أما من لم ير تلك المعجزات فإيمانه يتوقف على قدر توثيقه لمن أخبر، فإن كان المخبر بذلك هو الله سبحانه وفي القرآن الكريم فإيماننا بتلك المعجزات هو أمر حتمي؛ لأننا آمنا بصدق المبلِّغ عن الله تعالى. ونحن نفهم أن الرسالات السابقة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، كانت رسالات موقوتة زماناً ومكاناً، لكن الإسلام جاء لينتظم الناس الموجَّه إليهم منذ أن أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. لذلك جاء القرآن آيات باقيات إلى أن تقوم الساعة، وهذا هو السبب في أن القرآن قد جاء معجزة عقلية دائمة يستطيع كل من يدعو إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: محمد رسول من عند الله تعالى، وتلك هي معجزته. وساعة يقول الحق سبحانه: {فَٱنْظُرْ} فمثلها مثل قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. وحادثة الفيل قد حدثت في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير حادثة الفيل، ولكن الذين رأوها هم الذين كانوا يعيشون وقتها، وهذا ما يلفتنا إلى فارق الأداء، فعيونك قد ترى أمراً، وأنذك قد تسمع خبراً، ولكن من الجائز أن تخدعك حواسك، أما الخبر القادم من الله تعالى، وإن كان غائباً عنك الآن وغير مسموع لك فخذه على أنه أقوى من رؤية العين. ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الحق: "ألم تعلم" وجاء بالقول: {أية : أَلَمْ تَرَ ..}تفسير : [الفيل: 1]. وأقول: ليدلنا الله سبحانه على أن العلم المأخوذ من الله تعالى عن أمر غيبي عليك أن تتلقاه بالقبول أكثر من تلقيك لرأي العين. إذن: {فَٱنْظُرْ} تعني: اعلمْ الأمر وكأنه مُجسَّم أمامك؛ لأنك مؤمن بالله تعالى وكأنك تراه، ومُبلِّغك عن الله سبحانه هو رسول تؤمن برسالته، وكل خبر قادم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتسرب إليه الشك، ولكن الشك لا يمكن أن يتسرب إلى المخبر الصادق أبداً. ولقائل أن يقول: ولماذا لم يقل الحق: "فانظر كيف كان عاقبة الكافرين" بدلاً من قول الحق سبحانه: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73]. وهنا نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قد بيَّن أنه لم يعذِّب قبل أن يُنْذِر، فهو قد أنذر أولاً، ولم يأخذ القوم على جهلهم. "فانظر" - كما نعلم - هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشمل أمته أيضاً، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح - عليه السلام - فاعلمْ أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح. وفي هذا تحذير وتخويف للمناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):