Verse. 1438 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْۢ بَعْدِہٖ رُسُلًا اِلٰى قَوْمِہِمْ فَجَاۗءُوْھُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَمَا كَانُوْا لِيُؤْمِنُوْا بِمَا كَذَّبُوْا بِہٖ مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ كَذٰلِكَ نَطْبَعُ عَلٰي قُلُوْبِ الْمُعْتَدِيْنَ۝۷۴
Thumma baAAathna min baAAdihi rusulan ila qawmihim fajaoohum bialbayyinati fama kanoo liyuminoo bima kaththaboo bihi min qablu kathalika natbaAAu AAala quloobi almuAAtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم بعثنا من بعده» أي نوح «رسلا إلى قومهم» كإبراهيم وهود وصالح «فجاءُوهم بالبينات» المعجزات «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» أي بعث الرسل إليهم «كذلك نطبع» نختم «على قلوب المعتدين» فلا تقبل الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك.

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المراد: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً ولم يسمهم، وكان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات، وهي المعجزات القاهرة، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ذلك، فلهذا قال: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } وليس المراد عين ما كذبوا به، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ } واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر. قال القاضي: الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى: { أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [النساء: 155] ولو كان هذا الطبع مانعاً لما صح هذا الاستثناء. والجواب: أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] فلا فائدة في الإعادة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوح. {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم. {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل. وقيل: «بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» أي من قبل يوم الذَّر، فإنه كان فيهم من كذّب بقلبه وإن قال الجميع: بلى. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم؛ مثل: {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 6]. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} أي نختم. {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي المجاوزين الحدّ في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا. وهذا يردّ على القدرية قولهم كما تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} أرسلنا. {مِن بَعْدِهِ} من بعد نوح. {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} كل رسول إلى قومه. {فَجَاءوهُم بِٱلْبَيّنَاتِ} بالمعجزات الواضحة المثبتة لدعواهم. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله إياهم. {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد وقد مر تحقيق ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم، فجاؤوهم بالبينات، أي: بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاؤوهم به {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي: فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم؛ بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 110] الآية، وقوله: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل، وأنجى من آمن بهم، وذلك من بعد نوح عليه السلام؛ فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام، إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام، فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام، ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. وقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال الله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17] الآية، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال، فماذا ظن هؤلاء، وقد ارتكبوا أكبر من أولئك؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ } أي نوح {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } كإبراهيم وهود وصالح {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ } المعجزات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } أي قبل بعث الرسل إليهم {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ } نختم {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ } فلا تقبل الإِيمان، كما طبعنا على قلوب أولئك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لتلوينا، قاله قتادة. الثاني: لتصدنا، قاله السدي. الثالث: لتصرفنا، من قولهم لفته لفتاً إذا صرفه ومنه لفت عنقه أي لواها، قاله عليّ بن عيسى. {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الأَرْضِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: الملك، قاله مجاهد. الثاني: العظمة، حكاه الأعمش. الثالث: العلو، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. الرابع: الطاعة، قاله الضحاك.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {من بعده } عائد على نوح عليه السلام والضمير في {قومهم} عائد على الرسل، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم، و {البينات } المعجزات والبراهين الواضحة، والضمير في قوله {كانوا} وفي {ليؤمنوا } عائد على قوم الرسل، والضمير في {كانوا } عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم: بل تعود الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن سلام {من قبل }، معناه من قبل العذاب. قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون " ما" مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جراه، ويؤيد هذا التأوليل قوله {كذلك نطبع }، وقال بعض العلماء: عقوبة التكذيب الطبع على القلوب، وقرأ جمهور الناس: " نطبع " بالنون، وقرأ العباس بن الفضل: " يطبع " بالياء، وقوله {كذلك } أي هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ {كذلك نطبع } أي كفعلنا هذا و {المعتدين } هم الذين تجاوزوا طورهم واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي ها هنا في الكفر، والضمير في {بعدهم} عائد على الرسل، والضمير في {ملئه} عائد على {فرعون }، والملأ: الجماعة من قبيلة وأهل مدينة، ثم يقال للأشراف والأعيان من القبيلة أو البلد ملأ، أي هم يقومون مقام الملأ، وعلى هذا الحد هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريش بدر: "أولئك الملأ "، وكذلك هي في قوله تعالى: {أية : إن الملأ يأتمرون بك } تفسير : [القصص: 20]. وأما في هذه الآية فهي عامة لأن بعثة موسى وهارون كانت إلى فرعون وجميع قومه من شريف ومشروف وقد مضى في {أية : المص} تفسير : [الأعراف: 1]، ذكر ما بعث إليهم فيه، و " الآيات " البراهين والمعجزات وما في معناها، وقوله {فاستكبروا } أي تعظموا وكفروا بها، و {مجرمين } معناه: يرتكبون ما لم يبح الله ويجسرون من ذلك على الخطر الصعب.

الخازن

تفسير : {ثم بعثنا من بعده} يعني من بعد نوح {رسلاً إلى قومهم} لم يسم هنا من كان بعد نوح من الرسل وقد كان بعد نوح هود وصالح وغيرهما من الرسل {فجاؤوهم بالبينات} يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي تدل على صدقهم {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} يعني أن أولئك الأقوام والأمم التي جاءتهم الرسل جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب ولم يزجرهم ما جاءتهم به الرسل ولم يرجعوا عما هم فيه من الكفر والتكذيب {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} يعني مثل إغراقنا قوم نوح بسبب تكذيبهم نوحاً كذلك نختم على قلوب من اعتدى وسلك سبيلهم في التكذيب. قوله عز وجل: {ثم بعثنا من بعدهم} يعني من بعد الرسل {موسى وهارون إلى فرعون وملئه} يعني أشراف قومه {بآياتنا فاستكبروا} يعني عن الإيمان بما جاء به موسى وهارون {وكانوا قوماً مجرمين} يعني مستكسبين للإثم {فلما جاءهم الحق من عندنا} يعني فلما جاء فرعون وقومه الحق الذي جاء به موسى من عند الله {قالوا إن هذا لسحر مبين} يعني أن هذا الذي جاء به موسى سحر مبين يعرفه كل أحد {قال موسى أتقولون للحق لمَّا جاءكم أسحر هذا} فيه حذف تقديره أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه ثم قال أسحر هذا وهو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنه ليس بسحر ثم احتج على صحة قوله فقال {ولا يفلح الساحرون} يعني حاصل السحر تمويه وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبداً {قالوا} يعني قال قوم فرعون لموسى {أجئتنا لتلفتنا} يعني لتصرفنا وتلوينا {عما وجدنا عليه آباءنا} يعني من الدين {وتكون لكما الكبرياء} يعني الملك والسلطان {في الأرض} يعني في أرض مصر والخطاب لموسى وهارون. قال الزجاج: سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا {وما نحن لكما بمؤمنين} يعني بمصدقين {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} يعني أن فرعون أراد أن يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس أن ما أتى به موسى سحر {فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} إنما أمرهم موسى بإلقاء ما معهم من الحبال والعصي التي فيها سحرهم ليظهر الحق ويبطل الباطل ويتبين أن ما أتوا به فاسد.

البقاعي

تفسير : ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاوياً لما عداه فقال تعالى: {ثم} أي بعد مدة طويلة {بعثنا} أي على عظمتنا؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، أدخل الجار فقال: {من بعده} أي قوم نوح {رسلاً} كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام. ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال: {إلى قومهم} أي ففاجأهم قومهم بالتكذيب {فجاءوهم} أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم {بالبينات} ليزول تكذيبهم فيؤمنوا {فما} أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما {كانوا} أي بوجه من وجوه الكون {ليؤمنوا} أي مقرين {بما كذبوا} أي مستهينين {به} أول ما جاؤوهم. ولما كان تكذيبهم في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم؛ قال أبو حيان: وجاء النفي مصحوباً بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: من قبل مجيء الرسل إليهم، ويكون التكذيب أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح الذي أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آباؤهم استحساناً له، أو لأنه كان بين أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى الأول أولى - والله أعلم. ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول: هل استمر الخلق فيمن بعدهم؟ فكأنه قيل: نعم! {كذلك} أي مثل ما طبعنا على قلوبهم هذا الطبع العظيم {نطبع} أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من العظمة {على قلوب المعتدين*} في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له، وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له: إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من الصادقين، فلما أتاه بها استمرعلى تكذيبه وكان كلما رأى آية ازداد تكذيباً، وكان فرعون قد قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في كبريائه وطال تجبره على الضعفاء، فطمست أمواله وآثاره، وبقيت أحاديثه وأخباره، ولهذا أفصح سبحانه بقصته فقال: دالاً على الطبع: {ثم بعثنا} أي وبعد زمن طويل من إهلاكنا إياهم بعثنا، ولعدم استغراق زمن البعد أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي من بعد أولئك الرسل {موسى و} كذا بعثنا {هاورن} تأييداً له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه وأوكد لما يذكرانه؛ ولما استقر في الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب من هو منهم حداً له ونفاسة عليه. كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر على غير ذلك، فبين أن الحال واحد في القريب والغريب، فقال مقدماً لقوله: {إلى فرعون وملئه} أي الأشراف من قومه، فإن الأطراف تبع لهم {بآياتنا} أي التي لا تكتنه عظمتها لنسبتها إلينا، فطبعنا على قلوبهم {فاستكبروا} أي طلبوا الكبر على قبول الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعاثه إليهم عقب ذلك {وكانوا} أي جبلة وطبعاً {قوماً مجرمين*} أي طبعهم قطع ما ينبغي وصله ووصل ما ينبغي قطعه، فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها أيضاً من شديد المناسبة لما تقدم من قول الكافرين {هذا سحر مبين} في نسبة موسى عليه السلام إليه وبيان حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار، هذا إلى ما ينظم إليه من مناسبة ما بين إهلاك القبط وقوم نوح بآية الغرق، وأنه لم ينفع أحداً من الفريقين معاينة الآيات ومشاهدة الدلالات البينات، بل ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه بعد تلك المعجزات الباهرة والبراهين الظاهرة، ثم اتبعهم فرعون بعد أن كانت انحلت عن حبسهم عراه، وتلاشت من تجبره قواه، وشاهد من الضربات ما يهد الجبال، ودخل في طلبهم البحر بحزات لا يقرب ساحتها الأبطال، لما قدره عليه ذو الجلال، ولم يؤمن حتى أتاه البأس حيث يفوت الإيمان بالغيب الذي هو شرط الإيمان، فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه وتكريره لفوات شرطه إجابة لدعوة موسى عليه السلام، ثم إن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام على منهاج واحد. فما اختلفوا إلا بعد مجيء العلم إليهم وبيان الطريق واضحة لديهم، ولهذا المراد ذكر هنا هارون عليه السلام لأن من أعظم مقاصد السورة المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان عند الإتيان بها، إشارة إلى أن القول من الاثنين أوكد، ومع ذلك فلم يصدق من حكم القدير بشقاوته، كل ذلك حثاً على الرضا والتسليم، ووكل الأمر إلى الرب الحكيم، فمهما أمر به قبل، وما أعرض عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره بأحسن التدبير وتقديره ألطف المقادير؛ ولما أخبر سبحانه باستكبارهم، بين أنه تسبب عنه طعنهم في معجزاته من غير تأمل، بل بغاية المبادرة والإسراع بما أشعرت به الفاء والسياق، فقال تعالى: {فلما جاءهم} أي فرعون وملؤه {الحق} أي البالغ في الحقية، ثم زاد في عظمته بقوله: {من عندنا} أي على ما لنا من العظمة التي عرفوا بها أنه منا، لا من الرسولين {قالوا} أي غير متأملين له ولا ناظرين في أمره بل عناداً ودلالة على استكبارهم مؤكدين لما علموا من تصديق الناس به {إن هذا لسحر مبين*} كما قال الناس الذين أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا القرآن وما إبانه من البعث. فلما قالوا كان كأنه قيل: فماذا أجابهم؟ فأخبر أنه أنكر عليهم، بقوله: {قال موسى} ولما كان تكريرهم لذلك القول أجدر بالإنكار، عبر بالمضارع الدال على أنهم كرروه لينسخوا ما ثبت في قلوب الناس من عظمته {أتقولون للحق} ونبه على أنهم بادروا إلى التكذيب من غير نظر ولا توقف بقوله: {لما جاءكم} أي هذا القول الذي قلتموه وهو أنه سحر، فإن القول يطلق على المكروه، تقول: فلان قال في فلان، أي ذمه، وفلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول؛ ثم كرر الإنكار بقوله: {أسحر هذا} أي الذي هو في غاية الثبات والمخالفة للسحر في جميع الصفات حتى تقولون فيه ذلك. فالآية من الاحتباك: ذكر القول في الأول دال على حذف مثله في الثاني، وذكر السحر الثاني دال على حذف مثله في الأول. ولما كان التقدير: أتقولون هذا والحال أنكم قد رأيتم فلاحه، بني عليه قوله: {ولا يفلح} أي يظفر بما يريد في وقت من الأوقات {الساحرون*} أي العريقون فيه لأن حاصل أمرهم تخييل وتمويه في الأباطيل، فالظفر بعيد عنهم، ويجوز أن تجعل هذه الجملة معطوفه على قوله: {أسحر هذا} لأنه إنكاري بمعنى النفي، فلما أنكر عليهم عليه السلام ما ظهر به الفرق الجلي بين ما أتى به في كونه أثبت الأشياء وبين السحر، لأنه لا ثبات له أصلاً، عدلوا عن جوابه إلى الإخبار بما يتضمن أنهم لا يقرون بحقيته لأنه يلزم عن ذلك ترك ما هم عليه من العلو وهم لا يتركونه، وأوهموا الضعفاء أن مراده عليه السلام الاستكبار معللين لاستكبارهم عن اتباعه بما دل على أنهم لا مانع أنهم منه إلا الكبر، فقال تعالى حكاية عنهم: {قالوا} أي منكرين عليه معللين بأمرين: التقليد، والحرص على الرئاسة. ولما كان هو الأصل في الرسالة. وكان أخوه له تبعاً، وحدوا الضمير فقالوا: {أجئتنا} أي أنت يا موسى {لتلفتنا} أي لتقتلنا وتصرفنا {عما وجدنا عليه} وقالوا مستندين إلى التقليد غير مستحيين من ترك الدليل {آباءنا} من عبادة الأصنام والقول بالطبيعة لنقل نحن بذلك {وتكون لكما} أي لك أنت ولأخيك دوننا {الكبرياء} أي بالملك {في الأرض} أي أرض مصر التي هي - لما فيها من المنافع - كأنها الأرض كلها {وما} أي وقالوا أيضاً: ما {نحن لكما} وبالغوا في النفي وغلب عليهم الدهش فعبروا بما دل على أنهم غلبهم الأمر فعرفوا أنه صدق ولم يذعنوا فقالوا: {بمؤمنين*} أي عريقين في الإيمان، فهو عطف على {أجئتنا} أي قالوا ذاك وقالوا هذا، أو يكون عطفاً على نحو: فما نحن بموصليك إلى هذا الغرض، أفردوه أولاً بالإنكار عليه في المجيء ليضعف ويكف أخوه عن مساعدته، وأشركوه معه ثانياً تأكيداً لذلك الغرض وقطعاً لطمعه؛ والبعث: الإطلاق في أمر يمضي فيه، وهو خلاف الإطلاق من عقال؛ والملأ: الجماعة الذين هم وجوه القبيلة، لأن هيبتهم تملأ الصدور عند منظرهم؛ والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق؛ والمجرم من اكتسب سيئة كبيرة، من جرم التمر - إذا قطعه، فالجرم يوجب قطع الخير عن صاحبه؛ والسحر: إيهام المعجزة على طريق الجيلة، ويشبه به البيان في خفاء السبب؛ والحق: ما يجب الحمد عليه ويشتد دعاء الحكمة إليه ويعظم النفع به والضرر بتركه؛ والكبرياء: استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، وهي صفة مدح لله وذم للعباد لأنها منافية لصفة العبودية.

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} أي أرسلنا {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوحٍ عليه السلام {رُسُلاً} التنكير للتفخيم ذاتاً ووصفاً أي رسلاً كراماً ذوي عددٍ كثير {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} أي إلى أقوامهم لكن لا بأن أرسلنا كلَّ رسولٍ منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم ما، أيَّ قومٍ كانوا بل كلُّ رسولٍ إلى قومه خاصة مثلُ هودٍ إلى عاد وصالحٍ إلى ثمودَ وغير ذلك ممن قُصَّ منهم ومن لم يُقَصّ {فَجَاءوهُم} أي جاء كلُّ رسولٍ قومَه المخصوصين به {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي المعجزات الواضحةِ الدالةِ على صدق ما قالوا والباءُ إما متعلقةٌ بالفعل المذكورِ على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير جاءوا أي ملتبسين بالبـينات، لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببـينة واحدة بل ببـينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ له حسب اقتضاءِ الحِكمة فإنَّ مراعاةَ انقسامِ الآحاد إلى الآحاد إنما هي فيما بـين ضميري جاءوهم كما أشير إليه {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بـيانٌ لاستمرار عدمِ إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم كما مر مثلُه في هذه السورة الكريمة غيرَ مرة أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقت من الأوقات أن يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم لشدة شكيمتِهم في الكفر والعناد، ثم إن كان المحكيُّ آخرَ حال كلِّ قومٍ حسبما يدل عليه حكايةُ قوم نوحٍ فالمراد بعدم إيمانِهم المذكورِ هٰهنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه في قوله عز وجل: {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} تكذيبُهم من حيث مجيءِ الرسلِ إلى زمان الإصرارِ والعناد وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول حيث جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بـيِّنٌ بنفسه غنيٌّ عن البـيان، وإنما المحتاجُ إلى ذلك عدمُ إيمانِهم بعد تواترِ البـيناتِ الظاهرةِ وتظاهُرِ المعجزاتِ الباهرةِ التي كانت تَضْطَرُّهم إلى القَبول لو كانوا من أصحاب العقول، والموصولُ الذي تعلق به الإيمانُ والتكذيب سلباً وإيماناً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها. وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوالِ كل قومٍ منهم فالمرادُ بما ذُكر أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءِ الرسلِ إلى آخره، وبما أشير إليه آخراً تكذيبُهم قبل مجيئِهم فلا بد من كون الموصولِ المذكور عبارةً عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسلُ قاطبةً ودعَوا أممَهم إليها آثرَ ذي أثيرٍ لاستحالة تبدلِها وتغيرها مثلُ ملة التوحيد ولوازمِها، ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوحيد قط بل كان كلُّ قومٍ من أولئك الأقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمودَ من بقايا عادٍ وعادٍ من بقايا قوم نوحٍ عليه السلام فيكذبونها ثم كانت حالتُهم بعد مجيء الرسلِ كحالتهم قبل ذلك كأن لم يُبعث إليهم أحدٌ، وتخصيصُ التكذيبِ وعدمِ الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدِلالة النص، فإنهم حيث لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافةُ الرسلِ فلأَن لا يؤمنوا بما تفرَّد به بعضُهم أولى، وعدمُ جعل هذا التكذيبِ مقصوداً بالذات لِما أن عليه يدورُ أمرُ العذابِ والعقابِ عند اجتماعِ المكذِّبـين هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوةِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }تفسير : [الإسراء: 15] وإنما ذُكر ما وقع قبلها بـياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيبِ، وعلى التقديرين فالضمائرُ الثلاثةُ متوافقةٌ في المرجع، وقيل: ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى قوم نوحٍ عليه السلام، والمعنى فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذب بمثله قومُ نوح، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقيل: الباءُ للسببـية أي بسبب تعوُّدِهم تكذيبَ الحقِّ وتمرُّنِهم عليه قبل بعثة الرسلِ، ولا يخفى أن ذلك يؤدّي إلى مخالفة الجمهورِ من جعل ما المصدريةِ من قبـيل الأسماءِ كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِع إليها الضميرُ وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونِه مركوزاً في الأذهان ما لا يخفى من التعسف {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الطبعِ المُحكَم {نَطْبَعُ} بنون العظمةِ وقرىء بالياء على أن الضميرَ لله سبحانه {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين عن الحدود المعهودةِ في الكفر والعناد المتجافين عن قَبول الحق وسلوكِ طريقِ الرشادِ، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنَهم لانهماكهم في الغيّ والضلالِ وفي أمثال هذا دلالةٌ على أن الأفعالَ واقعةٌ بقدرة الله تعالى وكسب العبد.

القشيري

تفسير : قصَّ عليه - صلوات الله عليه وسلامه - أنباءَ الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فضَّلَه على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوماً وهو البدر، وكانوا أنهاراً وهو البحر، ثم به انتظم عِقْدُهم، وبنورِه أَشْرَقَ نهارُهم، وبظهوره خُتِم عددُهم، كما قيل: شعر : يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه حيَّا غدٌ والتفت الأمسُ

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم بعثنا} اى ارسلنا {من بعده} اى بعد نوح {رسلا} التكثير للتفخيم ذاتا ووصفا اى رسلا كراما ذوى عدد كثير {الى قومهم} كل رسول الى قومه خاصة كما ستفاد من اضافة القوم الايكة واهل مدين وغير ذلك ممن قص منهم ومن لم يقص {فجاؤهم} اى جاء كل رسول قومه المخصوصين به {بالبينات} بالمعجزات الواضحة مثبتة لدعواهم والباء اما متعلقة بالفعل المذكور على انها للتعدية او بمحذوف وقع حالا من ضمير جاؤا اى ملتبسين بالبينات. والمراد جاء كل رسول بالبينات الكثيرة فان مراعاة انقسام الآحاد الى الآحاد انما هى فيما بين ضميرى جاؤهم {فما كانوا ليؤمنوا} اى فما صح وما استقام لقوم من اولئك الاقوام فى وقت من الاوقات ان يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعا منهم لشدة شكيمتهم فى الكفر والعناد {بما كذبوا به من قبل} ما موصولة عبارة عن جميع الشرائع التى جاء بها كل رسول اصولها وفروعها والمراد بيان استمرار تكذيبهم من حين مجيء الرسل الى زمان الاصرار والعناد فان المحكى آخر حال كل قوم او عبارة عن اصول الشرائع التى اجمعت عليها الرسل قاطبة. والمراد بيان استمرار تكذيبهم بيان استمرار تكذيبهم من قبل مجيء الرسل الى زمان مجيئهم الى آخره فالمحكى جميع احوال كل قوم ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء انهم ما كانوا فى زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوحيد قط بل كان كل قوم من اولئك الاقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمود من بقايا عاد وعاد من بقايا قوم نوح فيكذبونها ثم كاتنت حالتهم بعد مجيئهم الرسل كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث اليهم احد. وفيه اشارة الى ان اهل الفترة مؤاخذون من جهة الاصول {كذلك} الكاف نعت مصدر محذوف اى مثل ذلك الطبع والختم المحكم الممتنع زواله {نطبع} [مهرمى نهيم] {على قلوب المعتدين} المتجاوزين باختيار الاصرار على الكفر. اعلم ان الله تعالى قد دعا الكل الى التوحيد يوم الميثاق ثم لما وقع التنزل الى هذه النشأة الجسمانية لم يزل الروح الانسانى داعيا الى قبول تلك الدعوة الالهية والعمل بمقتضاها لكن من كان شقيا بالشقاوة الاصلية الازلية لما لم يقبلها فى ذلك اليوم استمر على ذلك فلم يؤمن بدعوة الانبياء ومعجزاتهم فتكذيب الانبياء مسبب عن تكذيب الروح وتكذيبه مسبب عن تكذيب الله تعالى يوم الميثاق وهم وان كانوا ممن قال بلى لكن كان ذلك من وراء الحجب حيث سمعوا نداء الست بربكم من ورائها فلم يفهموا حقيقته واجابوا بما اجاب به غيرهم لكن تقليدا لا تحقيقا وكما ان الله تعالى طبع على قلوب المكذبين للرسل بسوء اختيارهم وانهماكهم فى الغى والضلال كذلك طبع على قلوب المنكرين للاولياء بسوء معاملاتهم وتهالكهم على التقليد فما دخل فى قلوبهم الاعتقاد وما جرى على السنتهم الاقرار كما لم يدخل فى قلوب الاولين التصديق ولم يصدر من ألسنتهم ما يستدل به على التوفيق ثم هم مع كثرتهم قد جاءوا وذهبوا ولم يبق منهم اثر ولا اسم وسيلحق بهم الموجودون ومن يليهم الى آخر الزمان: وفى المنثوى شعر : منبرى كوكه بر ىنجا مخبرى ياد آرد روزكار منكرى سكه شاهان همى كردد دكر سكه احمد ببين تا مستقر برزخ نقره وياروى زرى وانما برسكه نام منكرى تفسير : نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل التوحيد ويخلصنا واياكم من ورطة التقليد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (بما كذبوا به) ذكر هنا الرابط، وحذفه في سورة الأعراف، إشارة إلى جواز الأمرين، وإليه أشار في الألفية، بقوله: شعر : كذَا الذي جُرَّ بما الموصُولُ جَر كـ "مُرَّ بالّذي مررْتُ فَهْو بَر" تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ثم بعثنا من بعده}: من بعد نوح عليه السلام {رسلاً}؛ كهود وصالح وإبراهيم وغيرهم {إلى قومهم}، كل رسول إلى قومه، {فجاؤوهم بالبينات}: بالمعجزات الواضحات المثبتة لدعواهم، {فما كانوا ليؤمنوا}؛ فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر،ولسبق شقاوتهم، فما آمنوا {بما كذَّبوا به من قبل} مجيئهم المعجزات، يعني أنهم طلبوا المعجزات ليؤمنوا، فلما جاءتهم استمروا على تكذيبهم، {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} فلا تنفع فيهم معجزة ولا تذكير، وفيه دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله، مع إثبات كسب العبد لقيام عالم الحكمة ـ الذي هو رداء لتصرف القدرة ـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما بعث الله في كل أمة رسولاً يذكرهم ويدعوهم إلى الله، بعث الله في كل عصر وليَّاً عارفاً، يدعو الخلق إلى معرفة الله وتوحيده الخاص، فمن سبقت له العناية آمن به من غير طلب آية، ومن سبق له الخذلان لا يصدق به ولو راى ألف برهان. وبالله التوفيق. ثم ذكر بعثة موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ؛ مفصلة لما قبلها من التأسي والتسلية، فقال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه بعث رسلا - بعد نوح وإهلاك قومه - إلى قومهم الذين كانوا فيهم بعد ان تناسلوا وكثروا فأتوهم بالحجج والمعجزات الدالة على صدقهم وانهم مع ذلك {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} ويحتمل ذلك امرين: احدهما - انهم لم يكونوا ليؤمنوا بما كذبوا به قوم نوح من قبل: من توحيد الله وتصديق انبيائه والثاني - قال البلخي ما كانوا ليؤمنوا بالحجج والبينات بعد اتيان الأنبياء بها بما كذبوا به من قبل يخبر عن عنادهم وعتوهم. وقال {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} معناه إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الكفار سمة وعلامة على كفرهم يلزمهم الذم بها، وتعرفهم بها الملائكة وإنا مثل ذلك نفعل بقلوب المعتدين. وليس المراد بالطبع في الآية المنع من الايمان، لان مع المنع من الايمان لا يحسن تكليف الايمان. والطبع جعل الشيء على صفة غيره بمعنى فيه. والمعتدون هم الظالمون لنفوسهم الذين تعدوا حدود الله.

اطفيش

تفسير : {ثمَّ بعثْنَا مِنْ بَعْدِه} بعد نوح {رُسُلا إلى قَوْمهم} إضافة القوم للهاء جنسية، فالمراد الأقوام، أى أرسلنا كل رسول إلى قومه، كإبراهيم، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب {فَجاءُوهُم بالبيِّناتِ} الدلائل الواضحات. {فما كانُوا ليؤمِنُوا} انتفى عنهم لإيمان انتفاء بليغا لتمردهم فى الكفر، وخذلان الله لهم {بمَا كذَّبُوا بهِ مِنْ قَبلُ} قبل بعث الرسل، وذلك أنهم كانوا أهل جاهلية مكذبين بجنس ما جاءت به الرسل، ويجوز أن تكون الباء سببية، أى بسبب الحق الذى كذبوا به من قبل، فإن ذلك الحق من حيث إنه كذبوا به، مسبب للتكذيب بما جاءت الرسل به، أو المعنى من قبل التفكر، أى فما كانوا ليؤمنوا بذلك المذكور من الآيات بعد تكذيبهم به عقب مجيئه بلا تفكر، أو فما كان تلك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبلهم. {كذَلكَ نطْبعُ} أى مثل ذلك الطبع المحكم نطبع، وقرئ بالمثناة التحتية {عَلى قُلوبِ المعْتَدينَ} المنهمكين فى الضلال طبعا تابعا، ومقتضى لكسبهم الذى هو فعل لهم، وخلق لله لا جبرا وظلما والمعتدون كفارة هذه الأمة، أو هؤلاء الأقوام، أو على العموم، فالمعنى نطبع عليكم كما طبعنا على هؤلاء الأقوام، وعلى هؤلاء الأقوام، كما طبعنا على قوم نوح، أو على كل معتد، كما طبعنا على من ذكر.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} أَرسلنا {مِنْ بَعْدِهِ} بعد نوح {رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ} كل رسول إِلى قومه، والمراد الذين قبل موسى لقوله تعالى ثم بعثنا إِلخ وإِضافة القوم للحقيقة، فيصدق بأَقوام كقوم هود وقوم صالح وقوم إِبراهيم وقوم لوط، والمراد بالرسل ما يشمل الأَنبياءَ بلا رسالة من إِطلاق الخاص وإِرادة العام{فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحة فى نفسها وفى دلالتها على وضوح الرسالة والنبوة، والمشهور فى نوح رسالته إِلى أَهل الأَرض كله وقيل لبعضها وهم أَهل دعوته ورجحه بعض واختار أَهل الصين، إِن الصين لم يغرق وإِن الغرق لم يعم الأَرض وقيل عم من لم يرسل إِليه، لأَنه تعالى له أَن يفعل ما شاءَ، والصحيح الأَول إِلا أَنه روى أَنه بعد نزوله من السفينة سار فى الأرض فوجد قوماً لم يغرقوا، فقال لهم: ما شأْنكم، فقالوا: إِنا مسلمون. وما قلت فى دعائِك؟ قال قلت: رب لا تذر على الأَرض من الكافرين دياراً. فقالوا: نحن لسنا كافرين. ولا يخفى أَنه نبى الكل بعد الغرق ضرورة فقيل إِجماعاً. قلت: لا ضرورة ولا إِجماع لذلك القوم الذين لم يغرقوا، فإِن الظاهر أَنهم على الحق بدون نوح، وعند قومنا المشهور اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بالبعث إِلى الخلق كلهم على الإِطلاق بلا قيد وقد يقال أَنه بلغت إِلى الأَنبياءِ قبله، الباءُ للمصاحبة أَو للتعدية، وكأَنه قيل أَجاءَهم البينات الهاءُ لمفعول ثان مقدم أَى صير البينات جائِيتهم {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا} اسم موصول، والرابط هاءُ بعد أَو حرف موصول والهاءُ للحق {كَذَّبوا بِهِ مِن قَبْلُ} قبل بعث الرسل إِليهم لشدة شكيمتهم شدة تختص بالشقى، والباءُ الأُولى للسببية، والمعنى بسبب تعودهم تكذيب الحق، وهى متعلقة بما النافية لأَن المعنى انتفى الإِيمان بسبب تكذيبهم الحق من قبل بعثة الرسل إِليهم، وقيل واو كذبوا لقوم نوح {كَذَلِكَ نَطْبَعُ علَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِين} مثل ما ذكر من انتفاءِ إِيمانهم نطبع على قلوب المعتدين، أَى نختم عليها، وإِن شئْت فقل مثل ذلك الطبع على قلوبهم فلا تقبل الإِيمان لأَن القضاءَ بعدم الإِيمان طبع، ويجوز أَن يراد بالمعتدين من ذكر قبل فشأْنه الإِضمار، وأَظهر ليصفهم بالاعتداءِ المشعر بالانهماك فى الضلال واتباع المأْلوف، وفى الآية أَن الأَفعال بقدرة الله وكسب العبد، وهى مخلوقة لله عز وجل وليس تفسيرنا الطبع بالخذلان منافياً لقولنا إِن الأَفعال مخلوقة لله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} أي أرسلنا {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوح عليه الصلاة والسلام {رُسُلاً} أي كراماً ذوي عدد كثير فالتنكير للتفخيم والتكثير {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} قيل أي إلى أقوامهم على معنى أرسلنا كل رسول [إلى قومه] خاصة مثل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود وغير ذلك ممن قص منهم ومن لم يقص لا على معنى أرسلنا كل رسول منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم أي قوم كانوا، وفيه إشارة إلى أن عموم الرسالة إلى البشر لم يثبت لأحد من أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام، وظاهر كلامهم الإجماع على أن ذلك مخصوص بنبينا صلى الله عليه وسلم ولم يثبت لأحد ممن أرسل بعد نوح، واختلف فيه عليه السلام هل بعث إلى أهل الأرض كافة أو إلى أهل / صقع منها؟ وعليه يبنى النظر في الغرق هل عم جميع أهل الأرض أو كان لبعضهم وهم أهل دعوته المكذبيين به كما هو ظاهر كثير من الآيات والأحاديث، قال ابن عطية: الراجح عند المحققين هو الثاني، وكثير من أهل الأرض كأهل الصين وغيرهم ينكرون عموم الغرق، والأول لا ينافي القول باختصاص عموم الرسالة على العموم المشهور بين الخصوص والعموم بنبينا صلى الله عليه وسلم لأنها لمن بعده إلى يوم القيامة. وزعم بعضهم أن الغرق كان عاماً مع خصوص البعثة ولا مانع من أن يهلك الله تعالى من لا جناية له مع من له جناية ولا اعتراض عليه سبحانه فيما ذكر إذ هو تصرف في خالص ملكه ولا يسئل عما يفعل. وفي قوله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً }تفسير : [الأنفال: 25] نوع إشارة إلى ذلك. نعم قد ثبت لنون عليه السلام عموم الرسالة انتهاء حيث لم يبق على وجه الأرض بعد الطوفان سوى من كان معهم وهم جميع أهل الأرض إذ ذاك فالفرق بين رسالته عليه السلام ورسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ظاهر فإن رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام عامة ابتداء وانتهاء ورسالته عليه السلام عامة انتهاء لا ابتداء ولا يخلو عن نظر، والأولى أن يعتبر في اختصاص عموم رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام كونها لمن بعده إلى يوم القيامة فإن عدم ثبوت ذلك لأحد من الرسل عليهم السلام قبل نوح وبعده مما لا يتنازع فيه، وهذا كله إذا لم يلاحظ في العموم الجن وكذا الملائكة إذا لوحظ كما يفيده قوله سبحانه: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1] فأمر الاختصاص أظهر وأظهر. {فَجَآءوهُم} أي فأتى كل رسول قومه المخصوصين به {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي بالمعجزات الواضحة الدالة على صدق ما يقولون، والباء إما متعلقة بما عندها على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من الضمير المرفوع أي متلبسين بالبينات لكن لا بأن يأتي كل رسول ببينة فقط بل بأن يأتي ببينة أو ببينات كثيرة خاصة به معينة له حسب اقتضاء الحكمة، وإلى نفي إرادة الإتيان ببينة وإرادة الإتيان ببينات كثيرة ذهب شيخ الإسلام، ثم قال: فإن مراعاة انقسام الآحاد على الآحاد إنما هي في ضميري {جَآءُوهُمْ} كما أشير إليه، ولعل صنيعنا أحسن من صنيعه، ويفهم من كلام بعض المحققين أن انفهام إرسال كل رسول إلى قومه من إشافة القوم إلى ضمير {رُسُلاً} وليس ذلك من مقابلة الجمع بالجمع المقتضي لانقسام الآحاد على الآحاد، ولا شك أن انفهام مجيء كل رسول قومه المخصوصين به تابع لذلك. وبعد هذا كله إذا اعتبر مقابلة الجمع بالجمع في جاؤوهم بالبينات، وقيل بانقسام الآحاد على الآحاد لا يلزم أن يكون لكل رسول بينة جاء بها كما أن ـ باع القوم دوابهم ـ لا يقتضي أن يكون لكل واحد من القوم دابة واحدة باعها فإن معناه باع كل من القوم ما له من الدواب وهو يعم الدابة الواحدة وغيرها، وهذا بخلاف ركب القوم دوابهم فإنه يتعين فيه إرادة كل واحدة من الدواب لاستحالة ركوب الشخص دابتين مثلا. وقد نص العلامة أبو القاسم السمرقندي في «حواشيه على المطول» أنه لا يشترط في مقابلة الجمع بالجمع انقسام الآحاد على الآحاد بمعنى أن يكون لكل واحد من أحد الجمعين واحد من الجمع الآخر وهو ظاهر فيما قلنا، والمعول عليه في كون الآية من قبيل المثال الأول أمر خارج، فإن من المعلوم أن الرسول الواحد من الرسل عليهم السلام قد جاء قومه ببينات فوق الواحدة. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بيان / لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي أي فما صح ولا استقام لهم في وقت من الأوقات أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم ومزيد عنادهم، وضمير الجمع هنا للقوم المبعوث إليهم وكذا في قوله تعالى: {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} والباء فيه صلة ـ يؤمنوا ـ و (ما) موصولة والمراد بها جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها، والمراد بعدم إيمانهم بها إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبتكذيبهم من قبل تكذيبهم من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان الإصرار والعناد، وهذا بناء على أن المحكي آخر أحوالهم حسبما يشير إليه حكاية قوم نوح عليه السلام، ولم يجعل التكذيب مقصوداً بالذات كما جعل عدم إيمانهم كذلك إيذاناً بأنه بين في نفسه غني عن البيان، وإنما المحتاج إليه عدم إيمانهم بعد تواتر البينات وتظاهر المعجزات التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أهل العقول، وإذا كان المحكي جميع أحوال أولئك الأقوام فالمراد بعدم إيمانهم المفاد بالنفي السابق كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان إصرارهم وبعدم إيمانهم المفهوم من جملة الصلة كفرهم قبل مجيء الرسل عليهم السلام، ويراد حينئذ من الموصول أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها كالتوحيد ولوازمه مما يستحيل تبدله وتغيره ومعنى تكذيبهم بذلك قبل مجيء رسلهم أنهم ما كانوا أهل جاهلية بحيث لم يسمعوا بذلك قط بل كان كل قوم يتسامعون به من بقايا من قبلهم فيكذبونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد، وقيل: المراد أنهم لم ينتفعوا بالبعثة وكانت حالهم بعد البعثة كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية والأول أولى، وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص، فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه الكافة فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به البعض أولى، وعدم جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات لأن ما عليه يدور أمر العذاب عند اجتماع التكذيبين هو التكذيب الواقع بعد البعثة والدعوة حسبما يعرب عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }تفسير : [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبل بيانا لعراقتهم في الكفر والتكذيب، وفكك بعضهم بين الضمائر فقيل: ضمير {كَانُواْ} و {يُؤْمِنُواْ} لقوم الرسل وضمير {كَذَّبُواْ} لقوم نوح عليه السلام أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح أي بمثله، والمراد به ما بعث الرسل عليهم السلام لإبلاغه. وجوز على هذا القول أن يراد بالموصول نوح نفسه أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بنوح عليه السلام إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم عليهم السلام ولا يخفى ما في ذلك، ومن الناس من جعل الباء سببية و(ما) مصدرية والمعنى كذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله تعالى أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بسبب تكذيبهم من قبل وأيده بالآية الآتية، وفيه مخالفة الجمهور من جعل {مَا} المصدرية إسماً كما هو رأي الأخفش وابن السراج ليرجع الضمير إليها، وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونه مركوزاً في الأذهان ما لا يخفى من التعسف، وقيل: (ما) موصوفة والباء للسببية أيضاً أو للملابسة أي بشيء كذبوا به وهو العناد والتمرد وهو كما ترى. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الطبع المحكم {نَطْبَعُ} فالإشارة على حد ما قرر في قوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] ونظائره مما مر، وجعل الإشارة إلى الإغراق كما فعل الخازن ليس بشيء، والطبع يطلق على تأثير الشيء بنقش الطابع وعلى الأثر الحاصل عن النقش والختم مثله في ذلك على ما ذكره الراغب أيضاً، وذكر أنه تصور الشيء بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم وأنه أعم من الختم وأخص من النقش، والأكثرون على تفسيره بالختم مراداً به المنع أي نختم / {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد ونمنعها لذلك عن قبول الحق وسلوك سبيل الرشاد، وقد جاء الطبع بمعنى الدنس ومنه طبع السيف لصدئه ودنسه، وبعضهم حمل ما في الآية على ذلك، وفسره المعتزلة حيث وقع منسوباً إليه تعالى بالخذلان تطبيقاً له على مذهبهم، ومن هنا قال الزمخشري: إنه جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم)) لأن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف فلا يزال كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه، ومراده كما قيل أن {نَطْبَعُ} بمعنى نخذل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية لكن لما كان الطبع الذي هو الخذلان تابعاً لعنادهم ولجاجهم لازماً لهما أجري مجرى الكناية عنهما. وقرىء {يطبع} بالياء على أن الضمير لله سبحانه وتعالى.

ابن عاشور

تفسير : {ثم} للتراخي الرتبي، لأن بعثة رسل كثيرين إلى أمم تَلقوهم بمثل ما تلقَّى به نوحاً قومه أعجب من شأن قوم نوح حيث تمالأت تلك الأمم على طريقة واحدة من الكفر. وليست (ثم) لإفادة التراخي في الزمن للاستغناء عن ذلك بقوله: {من بعده}. وقد أُبهم الرسل في هذه الآية. ووقع في آيات أخرى التصريح بأنهم: هود وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب. وقد يكون هنالك رسل آخرون كما قال تعالى: {أية : ورسلاً لم نقصصهم عليك}تفسير : [النساء: 164]، ويتعين أن يكون المقصود هنا من كانوا قبل موسى لقوله: {أية : ثم بعثنا من بعدهم موسى}تفسير : [يونس: 75]. وفي الآية إشارة إلى أن نوحاً أول الرسل. والبينات: هي الحجج الواضحة الدلالة على الصدق. والفاءُ للتعقيب، أي أظهروا لهم المعجزات بإثر إرسالهم. والباء للملابسة، أي جاءوا قومهم مبلغين الرسالة ملابسين البينات. وقد قوبل جمع الرسل بجمع (البينات) فكان صادقاً ببينات كثيرة موزعة على رسل كثيرين، فقد يكون لكل نبيء من الأنبياء آيات كثيرة، وقد يكون لبعض الأنبياء آية واحدة مثل آية صالح وهي الناقة. والفاء في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا} للتفريع، أي فترتب على ذلك أنهم لم يؤمنوا. وصيغ النفي بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفاء الإيمان عنهم بأقصى أحوال الانتفاء. حتى كأنهم لم يوجدوا لأن يؤمنوا بما كذبوا به، أي لم يتزحزحوا عنه. ودلت صيغة الجحود على أن الرسل حاولوا إيمانهم محاولة متكررة. ودل قوله: {بما كذبوا به من قبل} أن هنالك تكذيباً بادروا به لرسلهم، وأنهم لم يقلعوا عن تكذيبهم الذي قابلوا به الرسل، لأن التكذيب إنما يكون لخبرِ مخبر فقوله: {فجاءهم بالبينات} مؤذن بحصول التكذيب فلما كذبوهم جاؤوهم بالبينات على صدقهم فاستمروا على التكذيب فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل. وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة. وهذا يقتضي تكرر الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما من شأنه أن يقلعه كان تكذيباً واحداً منسياً. وهذا من بلاغة معاني القرآن. وبذلك يظهر وقع قوله عقبه {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} فان الطبع مؤذن بأن قلوبهم قد ورد عليها ما لو خلت عند وروده عن الطبع عليها لكان شأنه أن يصل بهم إلى الإيمان، ولكن الطبع على قلوبهم حال دون تأثير البينات في قلوبهم. وقد جُعل الطبع الذي وقع على قلوب هؤلاء مثلاً لكيفيات الطبع على قلوب المعتدين فقوله: {كذلك نطبع على قلوب المعتدين}، أي مثل هذا الطبع العجيب نطبع على قلوب المعتدين فتأملوه واعتبروا به. والطبع: الختم. وهو استعارة لعدم دخول الإيمان قلوبهم. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : في سورة البقرة (7). والاعتداء: افتعال من عدا عليه، إذا ظلمه، فالمعتدين مرادف الظالمين، والمراد به المشركون لأن الشرك اعتداء، فإنهم كذبوا الرسل فاعتدوا على الصادقين بلمزهم بالكذب وقد جاء في نظير هذه الآية من سورة [الأعراف: 101] {أية : كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}تفسير : فهذا التَّحالف للتفنّن في حكاية هذه العبرة في الموضعين.

الواحدي

تفسير : {فما كانوا ليؤمنوا} يعني: أمم الأنبياء والرُّسل {بما} كذَّب به قوم نوح. أَيْ: هؤلاء الآخرون لم يؤمنوا بما كذَّب به أوَّلُوهم، وقد علموا أنَّ الله سبحانه أغرقهم بتكذيبهم، ثم قال: {كذلك} كما طبعنا على قلوبهم {نطبع على قلوب المعتدين} المُجاوزين الحقّ إلى الباطل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بالبينات: أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما يدعون إليه من توحيد الله تعالى. نطبع: الطبع على القلب عبارة عن تراكم الذنوب على القلب حتى لا يجد الإِيمان إليه طريقاً. المعتدين: الذين تجاوزوا الحد في الظلم والاعتداء على حدود الشرع. الحق: الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام وهي تسع. لتلفتنا: لتصرفنا وتحول وجوهنا عما وجدنا عليه آباءنا. الكبرياء: أي العلو والسيادة والملك على الناس. معنى الآيات: لما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح عليه السلام وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليُقتَدَى به، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته أعدائه ذكر هنا سنة من سننه في خلقه وهي أنه بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين إلى أممهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من نوح. قال تعالى: {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} هذا بيان سنة الله تعالى في البشر وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع فمن اعتدى واعتدى وواصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب فيصبح لا يقبل الإِيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر. وقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} أي من بعد الأمم الهالكة بعثنا رسولينا موسى وهارون ابني عمران إلى فرعون وملئه بآياتنا المتضمنة الدليل على صحة مطلب رسولينا وهو توحيد الله وإرسال بني إسرائيل معهما، {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي فرعون وملؤه {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} حيث أفسدوا القلوب والعقول وسفكوا الدماء وعذبوا الضعفاء يقول تعالى عنهم {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} أي لما بهرتهم المعجزات وهي آيات موسى وأبطلت إفكهم قالوا إن هذا لسحر مبين تخلصاً من الهزيمة التي لحقتهم، فرد موسى عليهم بقوله {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ} هذا سحر ثم بعد توبيخهم استدل على بطلان قولهم بكونه انتصر عليهم فأفلح بينهم وفاز عليهم فقال: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} فلو كان ما جئت به سحراً فكيف أفلحت في إبطال سحركم وهزيمة سحرتكم. فلما أفحمهم بالحجة قالوا مراوغين: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي تصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} أي وتكون لكما السيادة والملك في أرض مصر فسلكوا مسلك الاتهام السياسي. وقالوا {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين ولا متبعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في البشر وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على القلوب فيحرم العبد الإِيمان والهداية. 2- ذم الاستكبار وأنه سبب كثير من الإِجرام. 3- تقرير أن السحر صاحبه لا يفلح أبداً ولا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مرهوب. 4- الاتهامات الكاذبة من شأن أهل الباطل والظلم والفساد.

القطان

تفسير : نطبع على قلوب المعتدين: نختمها ونغلقها. الملأ: أشراف القوم. لتلفتنا: لتصرفنا. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ}. ثم أرسلنا من بعدِ نوحٍ رسُلا آخرين، مبشِّرين ومنذِرين، ومعهم الدلائلُ والمعجِزات لكن أقوامهم رفضوا أن يصدّقوا ويذعنوا، واصّروا على موقفهم، فلم ينتفعوا بتعاليم الرسل الكرام. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ}. وعلى مثل هذه الصورة اغلق الله قلوب الكافرين المعتدين عن الإيمان وطبع الباطل عليها، فتحجّرت ولم تعدْ صالحة للهداية ابدا. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}. ثم أرسلْنا من بعد اولئك الرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعونِ مصر وخاصّتِه وأشراف قومه، فاستكبروا عن متابعة الرسولين في دعوتِهما، ورفضوا إلا ان يكونوا مجرمين. {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}. وحين ظهر لهم الحقُّ من عند الله على يدِ موسى، قالوا عن معجزته إنّها مجرد سحر مؤكد. {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ}. قال لهم موسى مستنكرا: أتصِفُون الحقَّ الّذي جئتكم به من عندِ الله أنه سِحْر؟ كذبتُم. وثِقوا أنه لن يفوز الساحرون أبدا. وبعد أن أفحمهم موسى بحجّته كشفوا عن حقيقة الدوافع التي تصدّهم عن الايمان بالله، ألا وهي الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة، وضَياع مصالحهم. {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}. قال فرعون وقومه لموسى: لقد جئتَ إلينا لتصرِفنا عن دينِ آبائنا وتقاليد قومنا، لكم نصيرَ لكما أتباعاً ويكون لك ولأخيك المُلك والعظَمة والرياسة‍‍‍!؟ ولقد كان زعماء قريشٍ يدركون ما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من صدق وسموّ، وما في عقيدة الشِرك من فساد وخرافات، لكنهم كانوا يخافون على مكانتهم الموروثة ومصالحهم الذاتية، كما خشيَ الملأُ من قومِ فرعونَ مثل ذلك، فقالوا: "وما نحن لكما بمؤمنين". {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}. وظن فرعونُ أن موسى وأخاه ساحران، والسَحَرةُ عنده كثيرون، فأمر رجاله ان يُحضروا له كل ساحر عظيم في مملكته. {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ}. ولما حضرَ السَحَرة ووقفوا أمام القوم لمنازلة موسى قال لهم: هاتُوا ما عندَكم من فنُون السِحْر. {فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. فلما ألقَوا حِبالهم وعصيَّهم وجعلتْ تسعى كأنها الأفاعي، قال لهم موسى: إن الذي فعلتموه هو السِحر حقا، وهو خيالٌ لا حقيقة فيه، واللهُ تعالى سبُطلِهِ على يدي، فهو لن يجعلَ عملَ المفسدين صالحاً للبقاء، بل يزيلُه ويمحقه. {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}. ويثّبت الله الحقّ الذي فيه صلاح الخلْق وينصرُه، ولو كره ذلك كل مجرم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "بكُلِّ سحار" على صيغة المبالغة، والباقون "بُكّلِ ساحر" وقرأ ابو عمرو: "ما جئتم به آلسحر" بالاستفهام والباقون: "السحرُ".

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (74) - ثُمَّ ضَلَّ النَّاسُ الذِينَ أَتَوْا بَعْدَ نُوحٍ، وَعَبَدُوا الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيهِمْ رُسُلاً بِالحُجَجِ وَالآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ، وَعَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، فَمَا اسْتَقَامَ لِقَوْمٍ مِنْ أُوْلَئِكَ الأَقْوَامِ أنْ يُؤْمِنَ المُتَأَخِّرُ مِنْهُمْ بِمَا كَذَّبَ بِهِ المُتَقَدِّمُ، لأَِنَّ التَّكْذِيبَ سَبَقَ التَّبَصُّرَ وَالاعْتِبَارَ. وَكَمَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِ مَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذَابِ، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ مِمَّنْ خَلَفُوا قَوْمَ نُوحٍ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً. نَطْبَعُ - نَخْتِمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "بعث" هنا تستحق التأمل، فالبعث إنما يكون لشيء كان موجوداً ثم انتهى، فيبعثه الله تعالى. وكلمة {بَعَثْنَا} هذه تلفتنا إلى الحق سبحانه أول ما خلق الخلق أعطى المنهج لآدم عليه السلام، وأبلغه آدم لأبنائه، وكل طمس أو تغيير من البشر للمنهج هو إماتة للمنهج. وحين يرسل الحق سبحانه رسولاً، فهو لا ينشىء منهجاً، بل يبعث ما كان موجوداً، ليذكِّر الفطرة السليمة. وهذا هو الفرق بين أثر كلمة "البعث" عن كلمة "الإرسال"، فكلمة البعث تشعرك بوجود شيء، ثم انتهاء الشيء، ثم بعث ذلك الشيء من جديد، ومثله مثل البعث في يوم القيامة، فالبشر كانوا يعيشون وسيظلون في تناسل وحياة وموت إلى يوم البعث، ثم يموت كل الخلق ليبعثوا للحساب. ولم يكن من المعقول أن يخلق الله سبحانه البشر، ويجعل لهم الخلافة في الأرض، ثم يتركهم دون منهج؛ وما دامت الغفلة قد طرأت عليهم من بعد آدم - عليه السلام - جاء البعث للمنهج على ألسنة الرسل المبلِّغين عن الله تعالى. وبعد نوح - عليه السلام - بعث الحق سبحانه رسلاً، وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ ..} [يونس: 74]. أي: من بعد نوح، فمسألة نوح - عليه السلام - هنا تعني مقدمة الرَّكْب الرسالي؛ لأن نوحاً عليه السلام قد قالوا عنه إنه رسول عامٌّ للناس جميعاً أيضاً، مثله مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو لم يُبعث رسولاً عامّاً للناس جميعاً، بل كان صعوده إلى السفينة هو الذي جعله رسولاً لكل الناس؛ لأن سكان الأرض أيامها كانوا قِلّة. والحق سبحانه قد أخذ الكافرين بذنبهم وأنجى المؤمنين من الطوفان، وكان الناس قسمين: مؤمنين، وكافرين، وقد صعد المؤمنون إلى السفينة، وأغرق الحق سبحانه الكافرين. وهكذا صار نوح - عليه السلام - رسولاً عامّاً بخصوصية من بقوا وهم المرسَل إليهم بخصوصية الزمان والمكان. وهنا يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ ..} [يونس: 74]. فهل قَصَّ الله تعالى كل أخبار الرسل عليهم السلام؟ لا؛ لأنه سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ..}تفسير : [غافر: 78]. وجاء الحق عز وجل بقصص أولي العزم منهم، مثلما قال سبحانه: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 147]. فمن أرسله الله تعالى إلى من هم أقل من مائة ألف، فقد لا يأتي ذكره، ونحن نعلم أن الرسول إنما كان يأتي للأمة المنعزلة؛ لأن العالم كان على طريقة الانعزال، فنحن مثلاً منذ ألف عام لم نكن نعلم بوجود قارة أمريكا، بل ولم نعلم كل القارات والبلاد إلا بعد المسح الجوي في العصر الحديث، وقد توجد مناطق في العالم نعرفها كصورة ولا نعرفها كواقع. ونحن نعلم أن ذرية آدم - عليه السلام - كانت تعيش على الأرض، ثم انساحت في الأرض؛ لأن الأقوات التي كانت تكفي ذرية آدم على عهده، لم تعد تكفي بعدما اتسعت الذرية، فضاق الرزق في رقعة الأرض التي كانوا عليها، وانساح بعضهم إلى بقية الأرض. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ..}تفسير : [النساء: 100]. وهكذا انتقل بعض من ذرية آدم - عليه السلام - إلى مواقع الغيث، فالهجرة تكون إلى مواقع المياه؛ لأنها أصل الحياة. ويلاحظ مؤرِّخو الحضارات أن بعض الحضارات نشأت على جوانب الأنهار والوديان، أما البداوة فكانت تتفرق في الصحارى، مثلهم مثل العرب، وكانوا في الأصل يسكنون عند سد مأرب، وبعد أن تهدم السد وأغرق الأرض، خاف الناس من الفيضان؛ لأن العَدُوَّين اللذين لم يقدر عليهما البشر هما النار والماء. وحين رأى الناس اندفاع الماء ذهبوا إلى الصحارى، وحفروا الآبار التي أخذوا منها الماء على قَدْر حاجتهم؛ لأنهم عرفوا أنهم ليسوا في قوة المواجهة مع الماء. وهكذا صارت الانعزالات بين القبائل العربية، ومثلها كانت في بقية الأرض؛ ولذلك اختلفت الداءات باختلاف الأمم؛ ولذلك بعث الحق سبحانه إلى كل أمة نذيراً، وهو سبحانه القائل: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ..}تفسير : [فاطر: 24]. وقصَّ علينا الله سبحانه قصص بعضهم، ولم يقصص قصص البعض الآخر. يقول الحق سبحانه: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [غافر: 78]. وهنا يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [يونس: 74]. فهل هؤلاء هم الرسل الذين لم يذكرهم الله؟ لا؛ لأن الحق سبحانه أرسل بعد ذلك هوداً إلى قوم عاد، وصالحاً إلى ثمود، وشعيباً إلى مدين، ولم يأت بذكر هؤلاء هنا، بل جاء بعد نوح - عليه السلام - بخبر موسى عليه السلام، وكأنه شاء سبحانه هنا أن يأتي لنا بخبر عيون الرسالات. وما دام الحق سبحانه قد أرسل رسلاً إلى قوم، فكل قوم كان لهم رسول، وكل رسول بعثه الله تعالى إلى قومه. وكلمة "قوم" في الآية جمع مضاف، والرسل جمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، مثلما نقول: هَيَّا اركبوا سياراتكم، والخطاب لكم جميعاً، ويعني: أن يركب كل واحد منكم سيارته. وجاء كل رسول إلى قومه بالبينات، أي: بالآيات الواضحات الدالة على صدق بلاغهم عن الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74]. أي: أن الناس جميعهم لو آمنوا لانقطع الموكب الرسالي، فموكب إيمان كل البشر لم يستمر، بل جاءت الغفلة، وطبع الله تعالى على قلوب المعتدين. والطبع - كما نعلم - هو الختم. ومعنى ذلك أن القلب المختوم لا يُخرج ما بداخله، ولا يُدخل إليه ما هو خارجه؛ فما دام البعض قد عشق الكفر فقد طبع الله سبحانه على هذه القلوب ألاّ يدخلها إيمان، ولا يخرج منها الكفر، والطبع هنا منسوب لله تعالى. وبعض الذين يتلمَّسون ثغرات في منهج الله تعالى يقولون: إن سبب كفرهم هو أن الله هو الذي طبع على قلوبهم. ونقول: التفتوا إلى أنه سبحانه بيَّن أنه قد طبع على قلوب المعتدين، فالاعتداء قد وقع منهم أولاً، ومعنى الاعتداء أنهم لم ينظروا في آيات الله تعالى، وكفروا بما نزل إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض. وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه، والحق سبحانه وتعالى هو القائل في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ". تفسير : ولله المثل الأعلى، فأنت تقول لمن يَسْدِر في غَيِّه: ما دمت تعشق ذلك الأمر فاشبع به. ومَثَل هؤلاء الذين طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، مثل الذين كذَّبوا من قبل وكانوا معتدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ} لما ازداد الخلفاء الناجون، وتشعبوا أمماً وأحزاباً ودار عليم الأدوار فصاروا منصرفين عن طريق الحق، مائلين عن سبيل الرشاد {بَعَثْنَا} لإصلاح أحوالهم {مِن بَعْدِهِ} أي: بعد نوح {رُسُلاً} منهم كل واحد من الرسل {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ} الواضحة والمعجزات الساطعة القاطعة المثبتة لدعواهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي: فما تيسر لهم وضح عندهم وثبت لديهم أن يؤمنوا ويصدقوا {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي: قبل بعثة الرسل، بل أصروا على ما هوم عليه، واعتادوا له بلا تغيير وتبديل لتركيب جهلهم المركوز في جبلتهم وخباثة طينتهم {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ} ونخختم بختام الغفلة والنسيان {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] المجاوزين عن حدود الله، الراسخين على التجاوز والعدوان. {ثُمَّ} لما عتوا منهم من عتوا وأخذنا منهم من أخذنا {بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي: بعد أولئك الرسل الماضين {مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} الذي هو أخوه وظهيره {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} المبالغ في العتو والعناد إلى حيث ادعى الربوبية لنفسه بقوله: أنا ربكم الأعلى {وَمَلإِيْهِ} المؤمنين له المعاونين لشأنه {بِآيَـٰتِنَا} الدالة على استقلالنا في الآثار وتفردنا في الألوهية والربوبية وعلى صدق رسولنا في جميع ما جاء به من عندنا {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن الانقياد، واستقبلوا بالتكذيب والعناد {وَ} هم في سابق علمنا: {كَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [يونس: 75] بأعظم الجرائم مستحقين بأشد العذاب؛ لذلك أظهروا ما في استعداداهم وقابليتهم. {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} الحقيق بالاتباع والانقياد {مِنْ عِندِنَا} بعدما عارضوا معه وقابلوا بمعجزاته ما قابلوا {قَالُوۤاْ} من فرط عتوهم وعنادهم بدل ما صدقوه وآمنوا به بعد ظهور أمره وشأنه: {إِنَّ هَـٰذَا} الذي جاء به هذا الساحر الكذاب {لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 76] عظيم ظاهر فائق على سحر جميع السحرة. {قَالَ مُوسَىٰ} بعدما سمع قولهم هذا يسأل عن إيمانهم، متحسراً متحزناً على متقضى شفقهة النبوة، موبخاً لهم على وجه الفطنة والتذكير: {أَتقُولُونَ} أيها الحمقى {لِلْحَقِّ} الصريح الثابت الصحيح {لَمَّا جَآءَكُمْ} لإصلاح حالكم ليورث في قلوبكم تصديقاً لوحدانية ربكم: إنه سحر باطل {أَ} ما تستحيون من الله ولا تنصفون وتقولون: {سِحْرٌ هَـٰذَا وَ} الحال أنه {لاَ يُفْلِحُ} ولا يفوز بالخير {ٱلسَّاحِرُونَ} [يونس: 77] وهذا خير كله عاجلاً وآجلاً، وفرز بالفلاح والنجاح. {قَالُوۤاْ} على سبيل المكابرة بعدما سمعوا من موسى قوله ونصحه: {أَجِئْتَنَا} أيها الساحر الكذاب {لِتَلْفِتَنَا} وتصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} وأسلافنا {وَ} اشتهيت أن {تَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ} والعظمة {فِي ٱلأَرْضِ} التي كنا عليها مستقرين {وَ} اذهبا إلى حيث شئتما {مَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78] مصدقين منقادين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { ثُمَّ بَعَثْنَا } من بعد نوح عليه السلام { رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ } المكذبين، يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم من أسباب الردى. { فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: كل نبي أيد دعوته، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به. { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ } يعني: أن الله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول، فبادروا بتكذيبه، طبع الله على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه، كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }. تفسير : ولهذا قال هنا: { كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ } أي: نختم عليها، فلا يدخلها خير، وما ظلمهم [الله]، ولكنهم ظلموا أنفسهم بردهم الحق لما جاءهم، وتكذيبهم الأول.