١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد، وهو أن القوم لما قالوا: {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } على سبيل الاستفهام؟ وجوابه: أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } بل قال: {أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ } ما تقولون، ثم حذف عنه مفعول {أَتَقُولُونَ } لدلالة الحال عليه، ثم قال مرة أخرى {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } وهذا استفهام على سبيل الإنكار، ثم احتج على أنه ليس بسحر، وهو قوله: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ } يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ } وأما قلب العصا حيّة وفلق البحر، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه؛ فثبت أنه ليس بسحر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الرسل والأُمم. {مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أشراف قومه. {بِآيَاتِنَا} يريد الآيات التسع، وقد تقدّم ذكرها. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي عن الحق. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي مشركين.
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} من بعد هؤلاء الرسل. {مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَـٰتِنَا} بالآيات التسع. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن اتباعهما. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} معتادين الإجرام فلذلك تهاونوا برسالة ربهم واجترؤوا على ردها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا} من بعد تلك الرسل {مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: قومه {بِآيَـٰتِنَا} أي: حججنا وبراهيننا {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي: استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، وكانوا قوماً مجرمين { فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} كأنهم قبحهم الله أقسموا على ذلك، وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } تفسير : [النمل: 14] الآية {قَالَ} لهم {مُوسَىٰ} منكراً عليهم: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي: تثنينا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا} أي: الدين الذي كانوا عليه {وَتَكُونَ لَكُمَا} أي: لك ولهارون {ٱلْكِبْرِيَآءُ} أي: العظمة والرياسة {فِى ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}. وكثيراً ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص؛ فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن ربَّى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سبباً أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر، وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة، وقوى رأسه، وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى، وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون، ويحوطهما بعنايته، ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئاً بعد شيء، ومرة بعد مرة؛ مما يبهر العقول ويدهش الألباب؛ مما لايقوم له شيء، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} تفسير : [الزخرف: 48] وصمم فرعون وملؤه قبحهم الله على التكذيب بذلك كله، والجحد والعناد والمكابرة، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 45].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } قومه {بِئَايَٰتِنَا } التسع {فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن الإِيمان بها {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ }.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } معطوف على قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً } والضمير في: {من بعدهم}، راجع إلى الرسل المتقدّم ذكرهم، وخصّ موسى وهارون بالذكر مع دخولهما تحت الرسل لمزيد شرفهما، وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون، والمراد بالملأ: الأشراف، والمراد بالآيات: المعجزات، وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز {فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن قبولها، ولم يتواضعوا لها، ويذعنوا لما اشتملت عليه من المعجزات الموجبة لتصديق ما جاء بها. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أي: كانوا ذوي إجرام عظام، وآثام كبيرة، فبسبب ذلك اجترءوا على ردّها؛ لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق، وإبصار الصواب. قيل: وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. قوله: {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } أي: فلما جاء فرعون وملأه الحق من عند الله، وهو: المعجزات، لم يؤمنوا بها بل حملوها على السحر مكابرة منهم، فردّ عليهم موسى قائلاً: {أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا } قيل: في الكلام حذف، والتقدير: أتقولون للحقّ سحر فلا تقولوا ذلك، ثم استأنف إنكاراً آخر من جهة نفسه فقال: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } فحذف قولهم الأوّل اكتفاء بالثاني، والملجىء إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } بل هم قاطعون بأنه سحر؛ لأنهم قالوا: {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } فحينئذ لا يكون قوله: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } من قولهم، وقال الأخفش: هو من قولهم، وفيه نظر لما قدّمنا، وقيل معنى: {أَتَقُولُونَ }: أتعيبون الحقّ وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له، ثم قال أسحر هذا، منكراً لما قالوه. وقيل: إن مفعول {أَتَقُولُونَ } محذوف، وهو ما دلّ عليه قولهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ } والتقدير: أتقولون ما تقولون، يعني: قولهم إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا، وعلى هذا التقدير والتقدير الأوّل فتكون جملة {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } مستأنفة من جهة موسى عليه السلام، والاستفهام: للتقريع والتوبيخ، بعد الجملة الأولى المستأنفة الواقعة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا قال لهم موسى لما قالوا إن هذا لسحر مبين؟ فقيل: قال: أتقولون للحق لما جاءكم، على طريقة الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أتقولون للحق لما جاءكم إنّ هذا لسحر مبين، وهو أبعد شيء من السحر. ثم أنكر عليهم، وقرّعهم، ووبخهم، فقال: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار، وتوبيخ بعد توبيخ، وتجهيل بعد تجهيل، وجملة: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ } في محل نصب على الحال: أي أتقولون للحق إنه سحر، والحال: أنه لا يفلح الساحرون، فلا يظفرون بمطلوب، ولا يفوزون بخير، ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة؟ وجملة: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قالوا بعد أن قال لهم موسى ما قال؟ وفي هذا ما يدلّ على أنهم انقطعوا عن الدليل، وعجزوا عن إبراز الحجة، ولم يجحدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجئوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة، وهو: الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم، وسبب مكابرتهم للحق، وجحودهم للآيات البينة، وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها، وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا، وكم بقي على الباطل، وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في سابق الدهر ولاحقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة، وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت، يقال: لفته لفتاً: إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه، ومنه قول الشاعر:شعر : تلفت نحو الحيّ حتى رأيتني وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا تفسير : أي: تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، والمراد بالكبرياء: الملك، قال الزجاج: سمي الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا؛ وقيل سمي بذلك؛ لأن الملك يتكبر. والحاصل: أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء، والحرص على الرياسة الدنيوية؛ لأنهم إذا أجابوا النبي وصدّقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه ولم يبق للملك رئاسة تامة؛ لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك هم بالسياسات والعادات، ثم قالوا: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } تصريحاً منهم بالتكذيب، وقطعاً للطمع في إيمانهم، وقد أفرد الخطاب لموسى في قولهم: {أجئتنا لتلفتنا}، ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطاب في قولهم: {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء فِي ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى، لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن الله ما شرعه لهم، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين؛ لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم، ولكون ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرّت القصة في الأعراف. قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } قال هكذا لما رأى اليد البيضاء والعصا، لأنه اعتقد أنهما من السحر، فأمر قومه بأن يأتوه بكل ساحر عليم، هكذا قرأ حمزة والكسائي، وابن وثاب، والأعمش «سحار». وقرأ الباقون: {ساحر} وقد تقدّم الكلام على هذا في الأعراف، والسحار صيغة مبالغة: أي كثير السحر، كثير العلم بعمله وأنواعه {فَلَمَّا جَاء ٱلسَّحَرَةُ } في الكلام حذف، والتقدير هكذا: وقال فرعون ائتوني بكل سحار عليم، فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة، فتكون الفاء للعطف على المقدّر المحذوف. قوله: {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } أي: قال لهم هذه المقالة بعد أن قالوا له: إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقون: أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما ألقوه من ذلك {قَالَ } لهم {مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ } أي: الذي جئتم به السحر، على أن "ما" موصولة مبتدأ والخبر السحر؛ والمعنى: أنه سحر، لا أنه آية من آيات الله. وأجاز الفراء نصب السحر بـ {جئتم}، وتكون "ما" شرطية، والشرط: "جئتم"، والجزاء: {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } على تقدير الفاء: أي فإن الله سيبطله؛ وقيل: إن السحر منتصب على المصدر: أي ما جئتم به سحراً، ثم دخلت الألف واللام، فلا يحتاج على هذا إلى حذف الفاء، واختاره النحاس. وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر. وقرأ أبو عمرو، وأبو جعفر «آلسحر» على أن الهمزة للاستفهام، والتقدير: أهو السحر، فتكون "ما" على هذه القراءة استفهامية. وقرأ أبيّ «ما أتيتم به سحر إن الله سيبطله» أي: سيمحقه، فيصير باطلاً بما يظهره على يديّ من الآيات المعجزة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي: عمل هذا الجنس، فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد، ويدخل فيه السحر والسحرة دخولاً أوّلياً، والواو في {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ } للعطف على سيبطله، أي يبينه ويوضحه {بِكَلِمَـٰتِهِ } التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، لاشتمالها على الحجج والبراهين {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } من آل فرعون، أو المجرمون على العموم، ويدخل تحتهم آل فرعون دخولاً أوّلياً، والإجرام: الآثام. قوله: {فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } الضمير يرجع إلى موسى: أي من قوم موسى، وهم طائفة من ذراري بني إسرائيل. وقيل: المراد: طائفة من ذراري فرعون، فيكون الضمير عائداً على فرعون. قيل: ومنهم مؤمن آل فرعون وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه. وقيل: هم قوم آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، روي هذا عن الفراء {عَلَىٰ خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِم} الضمير لفرعون، وجمع لأنه لما كان جباراً جمعوا ضميره تعظيماً له. وقيل: إن قوم فرعون سموا بفرعون مثل ثمود، فرجع الضمير إليهم بهذا الاعتبار. وقيل: إنه عائد على مضاف محذوف، والتقدير: على خوف من آل فرعون، وروي هذا عن الفراء. ومنع ذلك الخليل، وسيبويه، فلا يجوز عندهما: قامت هند وأنت تريد غلامها. وروي عن الأخفش أن الضمير يعود على الذرية، وقوّاه النحاس: {أَن يَفْتِنَهُمْ} أي: يصرفهم عن دينهم بالعذاب الذي كان ينزله بهم، وهو بدل اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالمصدر {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ } أي: عات متكبر، متغلب على أرض مصر {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } المجاوزين للحد في الكفر، وما يفعله من القتل والصلب، وتنويع العقوبات. قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ يا قَوْمٍ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } قيل: إن هذا من باب التكرير للشرط، فشرط في التوكل على الله الإيمان به والإسلام: أي الاستسلام لقضائه وقدره. وقيل: إن هذا ليس من تعليق الحكم بشرطين بل المعلق بالإيمان هو وجوب التوكل، والمشروط بالإسلام وجوده، والمعنى: أن يسلموا أنفسهم لله: أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها؛ لأن التوكل لا يكون مع التخليط. قال في الكشاف: ونظيره في الكلام: إن ضربك زيد فاضربه، إن كانت لك به قوّة {فَقَالُواْ } أي: قوم موسى مجيبين له {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } ثم دعوا الله مخلصين، فقالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } أي: موضع فتنة {لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } والمعنى: لا تسلطهم علينا، فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم، يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم وعذبناهم، وعلى المعنى الأوّل: تكون الفتنة بمعنى المفتون. ولما قدّموا التضرّع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد، أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم، فقالوا: {وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } "أن" هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أن تبوّآ: أي: اتخذوا لقومكما بمصر بيوتاً؛ يقال: بوّأت زيداً مكاناً، وبوّأت لزيد مكاناً، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلاً: أي ألزمه إياه، وأسكنه فيه، ومنه الحديث: «حديث : من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»تفسير : . ومنه قول الراجز:شعر : نحن بنو عدنان ليس شك تبوّأ المجد بنـا والملك تفسير : قيل: ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل: هي مصر المعروفة، لا الإسكندرية {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: متوجهة إلى جهة القبلة، قيل: والمراد بالبيوت هنا: المساجد، وإليه ذهب جماعة من السلف. وقيل المراد بالبيوت: التي يسكنون فيها، أمروا بأن يجعلوها منا قبلة، والمراد بالقبلة على القول الأوّل: هي جهة بيت المقدس، وهو: قبلة اليهود إلى اليوم. وقيل: جهة الكعبة، وأنها كانت قبلة موسى ومن معه؛ وقيل: المراد أنهم يجعلون بيتهم مستقبلة للقبلة، ليصلوا فيها سرّاً لئلا يصيبهم من الكفار معرّة بسبب الصلاة، ومما يؤيد هذا قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَة} أي: التي أمركم الله بإقامتها، فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة، إما في المساجد أو في البيوت، لا جعل البيوت متقابلة، وإنما جعل الخطاب في أوّل الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك، فقال: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لأن اختيار المكان مفوّض إلى الأنبياء، ثم جعل عاماً في استقبال القبلة وإقامة الصلاة، لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصاً بموسى؛ لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيماً للبشارة وللمبشر بها. وقيل: إن الخطاب في {وبشّر المؤمنين} لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، على طريقة الالتفات والاعتراض، والأوّل: أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {لِتَلْفِتَنَا } قال: لتلوينا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، قال: لتصدّنا عن آلهتنا، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله: {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء فِى ٱلأَرْضِ } قال: العظمة والملك والسلطان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ } قال: الذرية: القليل. وأخرج هؤلاء، عنه، في قوله: {ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } قال: من بني إسرائيل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال: كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، ونعيم بن حماد في الفتن، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال في تفسير الآية: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن أبي قلابة، في الآية قال: سأل ربه ألا يظهر علينا عدوّنا، فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ } الآية. قال ذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو القبلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ } قال: مصر: الإسكندرية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال: كانوا لا يصلون إلا في البيع حتى خافوا من آل فرعون، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال: أمروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي سنان، قال: القبلة: الكعبة، وذكر أن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: يقابل بعضها بعضاً.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ} الآية. قرأ مجاهد، وابن جبير، والأعمش: "إنَّ هذا لساحِرٌ" اسم فاعل، والإشارةُ بـ "هَذَا" حينئذٍ إلى موسى، أشير إليه لتقدم ذكره، وفي قراءةِ الجماعةِ، المشارُ إليه الشَّيءُ الذي جاء به موسى، من قلب العصا حيَّة، وإخراج يده بيضاء كالشمس، ويجوز أن يشار بـ "هذا" في قراءة ابن جبير: إلى المعنى الذي جاء به موسى مبالغةً؛ حيث وصفُوا المعاني بصفاتِ الأعيانِ؛ كقولهم: "شِعْرٌ شَاعِرٌ"، و "جَدَّ جَدُّهُ". فإن قيل: إنَّ القوم لمَّا قالوا: {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}، فكيف حكى موسى عنهم أنَّهُم قالوا: "أسِحْرٌ هذا" على سبيل الاستفهام؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ معمول "أتقولون": الجملة من قوله: "أسِحْرٌ هذا" إلى آخره، كأنهم قالوا: أجِئْتُمَا بالسِّحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح السَّاحِرُون؛ كقول موسى - عليه الصلاة والسلام - للسحرة: {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} [يونس:81]. والثاني: أنَّ معمول القول محذوفٌ، مدلولٌ عليه بما تقدم ذكرهُ، وهو {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}. ومعمولُ القول يحذف للدَّلالةِ عليه كثيراً، كما يحذف القول كثيراً، ويكون تقدير الآية: إن موسى - عليه الصلاة والسلام - قال لهم: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ} ما تقولون، ثم حذف منه مفعول "أتقولون" لدلالة الحالِ عليه، ثم قال: أسِحْرٌ هذا وهو استفهامٌ على سبيل الإنكار، ثم احتجَّ على أنَّه ليس بسحرٍ، بقوله: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ}؛ ومثلُ الآية في حذف المقول قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : 2922- لنَحْنُ الألَى قُلْتُمْ فأنَّى مُلِئْتُمُ بِرُؤيتنَا قبْلَ اهتِمَامٍ بكُمْ رُعْبَا تفسير : وفي كتاب سيبويه: "متَى رَأيتَ أو قُلْتَ زيداً مُنْطلقاً" على إعمال الأول، وحذف معمول القول، ويجوز إعمالُ القول بمعنى الحكاية به، فيقال: "متى رايت أو قلت زيد مُنطلقٌ" وقيل: القول في الآية بمعنى: العَيْب والطَّعْن، والمعنى: أتَعِيبُونَ الحقَّ وتطعنُونَ فيه، وكان من حقِّكم تعظيمُه، والإذعانُ له، من قولهم: "فلان يخافُ القالة" و "بين الناس تقاولٌ" إذا قال بعضهم لبعضٍ ما يسوؤه، ونحو القولِ الذَِّكرُ في قوله: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ}تفسير : [الأنبياء:60] وكلُّ هذا مُلخّص من كلام الزمخشريِّ. قوله: "قَالُوا" يعني: فرعون وقومه، "أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا" اللاَّمُ متعلقةٌ بالمجيء، أي: أجِئْتَ لهذا الغرضِ، أنكروا عليه مجيئهُ لهذه العلَّة، واللَّفتُ: الليُّ والصَّرْفُ، لفته عن كذا، أي: صرفه ولواه عنه، وقال الأزهري: "لفَتَ الشَّيء وفتلهُ": لواه، وهذا من المقلوب. قال شهاب الدِّين: "ولا يُدَّعى فيه قلبٌ، حتى يرجع أحدُ اللفظين في الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يَجْعَلُوا جذبَ وجبذَ، وحَمِدَ ومَدَحَ من هذا القبيل لتساويهما، ومطاوعُ لَفَتَ: التفَت، وقيل: انْفَتَلَ، وكأنَّهُم استغْنَوا بمطاوع "فَتَل" عن مطاوع لَفَتَ، وامرأة لفُوت، أي: تَلْتفتُ لولدها عن زوجها، إذا كان الولد لغيره، واللَّفيتةُ: ما يغلظُ من القصيدة" والمعنى: أنَّهم قالوا: لا نترك الذي نحن عليه؛ لأنَّا وجدنا أباءنا عليه، فتمسكُوا بالتقليد، ودفعُوا الحُجَّة الظاهرة بمجرد الإصرار. قوله: {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} الكبرياء: اسمُ "كان"، و "لكم": الخبر، و "في الأرض": جوَّز فيها أبو البقاء خمسة أوجه: أحدها: أن تكون متعلقة بنفس الكبرياء. الثاني: أن يتعلق بنفس "تكون". الثالث: أن يتعلَّق بالاستقرار في "لكم" لوقوعه خبراً. الرابع: أن يكون حالاً من "الكبرياء". الخامس: أن يكون حالاً من الضَّمير في "لَكُمَا" لتحمُّلِه إيَّاهُ". والكِبرياء مصدرٌ على وزن "فِعْلِيَاء"، ومعناها: العظيمة؛ قال عديُّ بن الرِّقَاعِ: [الخفيف] شعر : 2923- سُؤدُدٌ غَيْرُ فَاحِشٍ لا يُدَانِيـ ـيه تجبَّارةٌ ولا كِبْرياءُ تفسير : وقال ابن الرّقيات يمدح مصعب بن الزبير: [الخفيف] شعر : 2924- مُلْكُهُ مُلْكُ رَأفَةٍ ليس فيه جَبَرُوتٌ مِنْهُ ولا كِبْرِيَاءُ تفسير : يعني: هو ليس عليه ما عليه المملوكُ من التجبُّر والتَّعظيم. والجمهور على "تكون" بالتَّأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ. وقرأ ابن مسعود، والحسن، وإسماعيل وأبو عمرو، وعاصم - رضي الله عنهم - في روايةٍ: "يكون" بالياء من تحت؛ لأنَّه تأنيثٌ مجازيٌّ. قال المفسِّرون: والمعنى: ويكون لكُما الملكُ والعزُّ في أرض مصر، والخطابُ لموسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -. قال الزَّجَّاج: سمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً: فالنبيُّ إذا اعترف القوم بصدقه، صارت مقاليدُ أمر أمته إليه؛ فصار أكبر القوم. واعلم: أنَّ القوم لمَّا ذكروا هذين الشيئين في عدم اتِّباعهم، وهما: التَّقليد، والحرصُ على طلب الرِّياسة، صرَّحُوا بالحكم، فقالوا: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}، ثم شرعُوا في معارضةِ معجزات موسى - عليه الصلاة والسلام - بأنواعٍ من السحر؛ ليظهر عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السِّحْر، فقال فرعون: {ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}. قرأ الأخوان: سحَّار وهي قراءةُ ابن مُصرِّف، وابن وثَّاب، وعيسى بن عمر. {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ}. فإن قيل: كيف أمرهُم بالسِّحْر، والسِّحر كفر، والأمر بالكفر كُفْرٌ؟. فالجواب: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بإلقاء الحِبال والعِصيّ؛ ليظهر للخلق أن ما أتوا به عملٌ فاسدٌ، وسعيٌ باطلٌ، لا أنَّه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بالسِّحْر؛ فلمَّا ألقوا حبالهم وعصيَّهُم، قال لهم موسى: ما جئتم به هو السِّحْر، والغرض منهُ: أنَّهم لمَّا قالُوا لموسى: إنَّ ما جئتَ به سحر، فقال موسى - عليه الصلاة والسلام -: إنَّ ما ذكرتمُوه باطلٌ، بل الحقُّ: أنَّ الذي جئتُم به هو السِّحر الذي يظهر بطلانه، ثم أخبرهُم بأن الله يحق الحق، ويبطل الباطل. قوله: {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} قرأ أبو عمرو وحده: "آلسِّحر" بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الدَّاخلة على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بين بين، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: {أية : ءَآلذَّكَرَيْنِ}تفسير : [الأنعام:143] وهي قراءة مجاهد، وأصحابه، وأبي جعفر، وقرأ باقي السبعة: بهمزة وصلٍ تسقُط في الدَّرْج، فأمَّا قراءةُ أبي عمرو، ففيها أوجه: أحدها: أنَّ "ما" استفهاميَّة في محلِّ رفع بالابتداء، و "جِئْتُمْ بِه": الخبرُ، والتقدير: أي شيءٍ جِئْتُم، كأنَّه استفهام إنكار، وتقليلٌ للشَّيءِ المُجاء به. و "السِّحْر" بدلٌ من اسم الاستفهام؛ ولذلك أعيد معه أداته؛ لما تقرَّر في كتب النحو، وذلك ليساوي المبدل منه في أنَّه استفهامٌ، كما تقول: كم مالك أعشرون، أم ثلاثون؟ فجعلت: أعشرون بدلاً من كم، ولا يلزم أن يضمر للسِّحر خبر؛ لأنَّك إذا أبدلته من المبتدأ، صار في موضعه، وصار ما كان خبراً عن المبدل منه، خبراً عنه. الثاني: أن يكون "السِّحْر" خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهُو السِّحْر. الثالث: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: السحر هو، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكِّي، وفيهما بعد. الرابع: أن تكون "ما" موصولة بمعنى: الذي، و "جئتم به" صلتها، والموصولُ في محلِّ رفع بالابتداء، والسِّحر على وجهيه من كونه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: الذي جئتم به أهُو السِّحْر؟ أو الذي جئتم به السحر هو؟ وهذا الضميرُ هو الرَّابط، كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو؟ قاله أبو حيَّان. قال شهاب الدِّين: قد منع مكِّي أن تكون "ما" موصولةً، على قراءة أبي عمرو، فقال: وقد قرأ أبو عمرو: "آلسحرُ" بالمدِّ، فعلى هذه القراءة: تكون "ما" استفهاماً مبتدأ، و "جِئْتُم بِهِ": الخبر، و "السّحر" خبرُ ابتداءٍ محذوف، أي: أهو السِّحر؟ ولا يجوزُ أن تكون "مَا" بمعنى: "الَّذي" على هذه القراءة؛ إذ لا خبر لها. وليس كما ذكر، بل خبرها: الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزأيها، وكذلك الزمخشري، وأبو البقاء لمْ يُجِيزَا كونها موصولةً، إلاَّ في قراءة غير أبي عمرو، لكنَّهُمَا لم يتعرَّضَا لعدم جوازه. الخامس: أن تكون "ما" استفهامية في محلِّ نصبِ بفعل مقدَّرٍ بعدها؛ لأنَّ لها صدر الكلام، و "جِئْتُم به" مفسِّر لذلك الفعل المقدَّر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أتيتُم جِئْتُم به، و "السِّحْر" على ما تقدَّم، ولو قُرىء بنصب "السِّحْر" على أنَّه بدلٌ مِنْ "ما" بهذا التقدير، لكان لهُ وجه، لكنَّه لم يقرأ به فيما علمت، وسيأتي ما حكاه مكِّي عن الفرَّاء من جواز نصبه لمدركٍ آخر، لا على أنَّها قراءةٌ منقولةٌ عن الفرَّاء. وأمَّا قراءةُ الباقين، ففيها أوجهٌ: أحدها: أن تكون "ما" بمعنى: "الذي" في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و "جِئْتُم بِه" صلته وعائده، و "السِّحرُ" خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحر، ويؤيِّد هذا التقدير، قراءة أبيّ، وما في مصحفه: "ما أتيتم به سِحْرٌ"، وقراءة عبد الله بن مسعود والأعمش: "مَا جِئْتُمْ بِهِ سحْرٌ". الثاني: أن تكون "ما" استفهامية في محلِّ نصبٍ، بإضمار فعل على ما تقرَّر و "السِّحْر" خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ مضمر الخبر. الثالث: أن تكون "ما" في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و "السِّحْر" على ما تقدَّم من كونه مبتدأ، أو خبراً، والجملة خبر "ما" الاستفهامية. قال أبو حيَّان - بعد ما ذكر الوجه الأول -: "ويجوز عندي أن تكون في هذا الوجه استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التَّحقير، والتَّقليل لما جاؤوا به، و "السِّحْر" خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السِّحْر". قال شهاب الدِّين: ظاهرُ عبارته: أنَّه لم يَرَ غيره، حيث قال وعندي، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكِّي. قال أبو البقاء - لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو - "ويُقْرَأ بلفظ الخبر، وفيه وجهان"، ثم قال: "ويجوزُ أن تكون "ما" استفهاميَّة، و "السِّحْر" خبر مبتدأ محذوف". وقال مكِّي - في قراءة غير أبي عمرو، بعد ذكره كون "ما" بمعنى: الذي - ويجوز أن تكون "ما" رفعاً بالابتداء، وهي استفهامٌ، و "جِئْتُم بهِ": الخبر، و "السِّحْر" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو السِّحر، ويجُوزُ أن تكون "ما" في موضع نصبٍ على إضمار فعلٍ بعد "ما" تقديره: أيُّ شيءٍ جئتم به، و "السحرُ": خبر ابتداء محذوف. الرابع: أن تكون هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: أنَّها على نيةِ الاستفهامِ، ولكن حذفت أداته للعلم بها. قال أبو البقاء: ويقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه استفهامٌ في المعنى أيضاً، وحذفت الهمزة للعلم بها وعلى هذا الذي ذكره: يكونُ الإعرابُ على ما تقدَّم، واعلم أنَّك إذا جعلت "ما" موصولة بمعنى: الذي، امتنع نصبُها بفعلٍ مقدَّرٍ على الاشتغال. قال مكِّي: ولا يجُوزُ أن تكون "ما" بمعنى: الذي، في موضع نصْبٍ لأنَّ ما بعدها صلتها، والصلةُ لا تعمل في الموصول، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول وهو كلامٌ صحيحٌ؛ فتلخَّص من هذا: أنَّها إذا كانت استفهامية، جاز أن تكون في محلِّ رفع أو نصب، وإذا كانت موصولة، تعيَّن أن يكون محلُّها الرفع بالابتداء، وقال مكي: وأجاز الفرَّاءُ نصب "السِّحْر" فجعل "ما" شرطاً، وينصبُ "السِّحْر" على المصدر، وتضمرُ الفاءُ مع {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ}، وتجعل الألف واللام في "السِّحْر" زائدتين، وذلك كلُّه بعيدٌ، وقد أجاز عليُّ بن سليمان: حذف الفاءِ من جواب الشَّرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله - تعالى -: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى:30]، ولم يجزه غيره إلاَّ في ضرورة شعر. قال شهاب الدِّين: وإذا مشينَا مع الفرَّاء، فتكون "ما" شرطاً يُراد بها المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به، فإنَّ الله سيبطله، ويُبَيِّن أنَّ "ما" يراد بها السحر قوله: "السِّحْر"؛ ولكن يقلقُ قوله: "إنَّ نصب السِّحْر على المصدريَّة" فيكون تأويله: أنَّه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال؛ ولذلك قدَّره بالنَّكرة، وجعل "أل" مزيدة فيه. وقد نُقِلَ عن الفرَّاء: أنَّ هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف العهد، قال الفرَّاء: "وإنَّما قال "السِّحر" بالألف واللاَّم؛ لأنَّ النَّكرة إذا أعيدتْ، أعيدت بالألف واللاَّم" يعنى: أنَّ النَّكرة قد تقدَّمت في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} [يونس:76]، وبهذا شرحهُ ابنُ عطيَّة. قال ابن عطيَّة: والتعريف هنا في السحر أرْتَبُ؛ لأنَّه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم: "إنَّ هذا لسحرٌ"، فجاء هنا بلام العهد، كما يقال أوَّل الرسالة: "سلامٌ عليك". قال أبو حيَّان "وما ذكراه هنا في "السِّحْر" ليس من تقدُّم النكرة، ثُمَّ أخبر عنها بعد ذلك؛ لأنَّ شرط هذا أن يكون المعرَّفُ بـ "أل" هو المنكر المتقدَّم، ولا يكون غيره، كقوله - تعالى -: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المزمل:15، 16]. وتقول: "زارنِي رجلٌ، فأكرمتُ الرَّجُل" لمَّا كان إيَّاه، جاز أن يُؤتَى بضميره بدلهُ، فتقول: "فأكرمته"، و "السِّحْر" هنا: ليس هو السحرَ الذي في قولهم: "إنَّ هذا لسحْرٌ" لأنَّ الذي أخبروا عنه بأنَّه سحرٌ، هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا، والسِّحْر الذي في قول موسى، إنَّما هو سحرهُم الذي جاؤوا به، فقد اختلف المدلولان، إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عمَّا جاؤوا به؛ ولذلك لا يجُوز أن يؤتى هنا بالضَّمير بدل السِّحْر؛ فيكون عائداً على قولهم: لسحْرٌ". قال شهاب الدِّين: "والجوابُ: أنَّ الفرَّاء، وابن عطيَّة إنَّما أرَادَا السِّحر المتقدِّم الذكر في اللفظ، وإن كان الثَّاني هو غير عين الأول في المعنى، ولكن لمَّا أطلق عليهما لفظ "السِّحْر" جاز أن يقال ذلك، ويدلُّ على هذا: أنَّهم قالوا في قوله - تعالى -: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ}تفسير : [مريم:33] إنَّ الألف واللام للعهد؛ لتقدُّم ذكر السَّلام في قوله - تعالى -: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ}تفسير : [مريم:15]، وإن كان السَّلامُ الواقعُ على عيسى، هو غير السلام الواقع على يحيى؛ لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به، وهذا النَّقْل المذكورُ عن الفرَّاء في الألف واللاَّم، ينافى ما نقلهُ عنه مكِّي فيهما، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال: يحتمل أن يكون له مقالتان، وليس ببعيدٍ؛ فإنَّه كُلَّما كثر العلمُ، اتَّسعت المقالاتُ". قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} أي: سيهلكه، ويظهر فضيحة صاحبه، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي: لا يقوِّيه ولا يكمِّله، وقوله: "المُفْسدينَ" من وقوع الظَّاهر موقع ضمير المخاطب؛ إذ الأصلُ: لا يصلح عملكم؛ فأبرزهم في هذه الصِّفة الذَّميمة شهادة عليهم بها، ثم قال: {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ} أي: يظهره ويقوِّيه، "بِكلماتِهِ" أي: بوعده موسى، وقيل: بما سبق من قضائه وقدره، وقرىء: "بكَلمتهِ" بالتوحيد، وتقدَّم نظيره [الأنفال:7]. قوله: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} الفاءُ للتَّعقيب، وفيها إشعارٌ بأنَّ إيمانهم لم يتأخَّر عن الإلقاء، بل وقع عقيبهُ؛ لأنَّ الفاء تفيد ذلك، وقد تقدَّم توجيهُ تعدية "آمن" باللاَّم، والضَّمير في "قَوْمِهِ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّه يعودُ على موسى؛ لأنَّهُ هو المُحدَّث عنه؛ ولأنَّه أقربُ مذكورٍ، ولو عاد على فرعون، لمْ يكرِّرْ لفظه ظاهراً، بل كان التركيب: "على خوفٍ منه" وإلى هذا ذهب ابنُ عبَّاس، وغيره، قال: المراد مؤمني بني إسرائيل الذين كانُوا بمصر، وخرجُوا معه. قال ابن عبَّاس: لفظ الذُّريَّة يُعَبَّر به عن القوم على وجه التَّحقير والتَّصغير، ولا سبيل لحمله على التقدير على وجه الإهانة ههنا؛ فوجب حمله على التصغير، بمعنى: قلة العدد. قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء، وبقي الأبناء. وقيل: هم قوم نَجَوْا من قتل فرعون؛ وذلك أنَّ فرعون لما أمر بقتل أبْنَاءِ بني إسرائيل، كانت المرأة في بني إسرائيل، إذا ولدت ابناً وهبته لقبطيَّة، خوفاً عليه من القتل، فنشئُوا بين القبط، وأسلمُوا في اليوم الذي غلب فيه موسى السَّحرة. والثاني: أنَّ الضمير يعُود على فرعون، ويُروى عن ابن عبَّاس أيضاً، ورجَّح ابنُ عطيَّة هذا، وضعف الأول، فقال: وممَّا يضعفُ عود الضَّمير على مُوسى: أنَّ المعروف من أخبار بني إسرائيل، أنهم كانوا قد فشتْ فيهم النبواتُ، وكانُوا قد نالهُم ذلٌّ مفرط، وكانوا يرجُون كشفهُ بظُهُورِ مولُود، فلمَّا جاءهُم موسى أصْفَقُوا عليه وتابعُوه، ولم يُحْفَظْ أنَّ طائفة من بني إسرائيل كفرتْ بمُوسَى، فكيف تُعْطِي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَّ منهم كان الذي آمَنَ؟ فالذي يترجَّحُ عودُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً: ما تقدَّم من محاورة موسى وردِّه عليهم وتوبيخهم. قيل: المراد بالذرية: أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون، وأمَّهاتُهُم من بني إسرائيل، فجعل الرَّجُل يتبع أمَّهُ وأخوالهُ. روي عن ابن عبَّاس: أنَّهم كانوا ستمائة ألفٍ من القبط. قيل: سُمُّوا ذُرِّيَّة؛ لأنَّ آباءهم كانوا من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد فارس - الذين سقطوا إلى اليمن -: الأبناء؛ لأنَّ أمُّهاتهم من غير جنس آبائهم. وقيل: المراد بالذُّرِّيَّة من آل فرعون: آسيةُ، ومُؤمنُ آلِ فرعون، وامرأته، وخازنه، وامرأةُ خازنه، وماشطتها. واعلم: أنَّه - تعالى - إنَّما ذكر ذلك تسلية لمحمَّد - عليه الصلاة والسلام -؛ لأنَّه كان يغتمُّ بسبب إعراض القوم عنه، واستمرارهم على الكُفْر، فبيَّن أنَّ له في هذا الباب أسوة بسائر الأنبياء؛ لأنَّ الذي ظهر من موسى كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن منهم إلا ذرية. قوله "عَلى خوفٍ": حالٌ، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضَّمير في "ومَلئِهِم" فيه أوجه: أحدها: أنَّه عائدٌ على الذُّرية، وهذا قولُ أبي الحسن، واختيارُ ابن جرير، أي: خوفٍ من ملأ الذرية، وهم أشراف بني إسرائيل. الثاني: أنه يعودُ على "قَوْمِهِ" بوجهيه، أي: سواءٌ جعلنا الضمير في "قومِهِ" لمُوسى، أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى، أو ملأ قوم فرعون. الثالث: أن يعود على فرعون؛ لأنَّهم إنَّما كانُوا خائفين من فرعون، واعترض على هذا؛ بأنَّهُ كيف يعودُ ضميرُ جمعٍ على مفرد؟ واعتذر أبو البقاء بوجهين: أحدهما: أنَّ فرعون لمَّا كان عظيماً عندهم، عاد الضَّمير عليه جمعاً، كما يقول العظيم: نحن نأمُرُ، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنَّه لو ورد ذلك من كلامهم محْكِيّاً عنهم، لاحتمل ذلك. الثاني: أنَّ فرعون صار اسماً لأتباعه، كما أنَّ ثمود اسمٌ للقبيلة كلها. وقال مكِّي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنَّهما أخلص منهما، قال: إنَّما جمع الضميرُ في مَلَئهم؛ لأنَّه إخبار عن جبَّار، والجبَّار يخبر عنه بلفظ الجمع، وقيل: لمَّا ذكر فرعونُ، عُلِمَ أنَّ معه غيرهُ، فرجع الضَّميرُ عليه، وعلى من معه. وقد تقدم نحوٌ من هذا عند قوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ}تفسير : [آل عمران:173] والمراد بالقائل الأول: نعيم بن مسعود؛ لأنَّه لا يخلُو من مساعدٍ لهُ على ذلك القول. الرابع: أنْ يعود على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ من آل فرعون، ومَلئِهم، قاله الفرَّاء، كما حذف في قوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82]. قال أبو البقاء بعد أن حكى هذا ولم يعزُه لأحدٍ: "وهذا عندنا غلطٌ؛ لأنَّ المحذوف لا يعود إليه ضميرٌ، إذ لو جاز ذلك، لجاز أن يقول: "زَيْدٌ قاموا" وأنت تريد: غلمان زيد قامُوا". قال شهاب الدِّين: قوله: "لأنَّ المحذوف لا يعودُ إليه ضمير" ممنوعٌ، بل إذا حذف مضافٌ، فللعرب فيه مذهبان: الالتفات إليه، وعدمُه وهو الأكثر، ويدلُّ على ذلك: أنَّه قد جمع بين الأمرين في قوله: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}تفسير : [الأعراف:4] أي: أهل قرية، ثم قال: {أية : أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}تفسير : [الأعراف:4] وقد حققت ذلك في موضعه المشار إليه، وقوله: "لجازَ زيد قاموا" ليس نظيره، فإنَّ فيه حذفاً من غير دليلٍ، بخلاف الآية. وقال أبو حيان - بعد أن حكى كلام الفرَّاء -: ورُدَّ عليه: بأنَّ الخوف يمكنُ من فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يحذفُ إلاَّ ما دلَّ عليه الدَّليلُ، وقد يقال: ويدلُّ على هذا المحذوف جمع الضمير في "ومَلئِهم". يعني أنَّهم ردُّوا على الفراء، بالفرق بين {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] وبين هذه الآية: بأنَّ سؤال القرية غير ممكنٍ، فاضطررنا إلى تقدير المضاف، بخلاف الآية فإنَّ الخوفَ تمكَّن من فرعون، فلا اضطرار بنا يدُلُّنا على مضاف محذوف. وجواب هذا: أنَّ الحذف قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنَّه قيل في {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] إنَّه حقيقةٌ، إذ يمكن النبيُّ أن يسأل القرية؛ فتُجِيبه. الخامس: أنَّ ثمَّ معطوفاً محذوفاً حذف للدَّلالةِ عليه، والدَّليلُ عليه؛ كونُ الملك لا يكونُ وحده، بل له حاشيةٌ، وعساكرُ، وجندٌ؛ فكان التقدير: على خوفٍ من فرعون، وقومه، وملئِهِم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن الفرَّاء أيضاً. قال شهاب الدِّين: حذف المعطوف قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم، قوله - تعالى -: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81] أي: والبرد؛ وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2925- كأنَّ الحصى من خلفها وأمَامِهَا إذَا حذفتْهُ رِجْلُها حذفُ أعْسَرَا تفسير : أي: ويدها. قوله: "أن يفْتنَهُم" أي: يصرفهم عن دينهم، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّه في محلِّ جرٍّ على البدل من "فِرْعَون"، وهو بدلُ اشتمالٍ، تقديره: على خوفٍ من فرعون فتنة، كقولك: "أعْجَبني زيد علمُهُ". الثاني: أنَّه في موضع نصب على المفعول به بالمصدر، أي: خوف فتنته، وإعمالُ المصدر المنوَّن كثيرٌ؛ كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً}تفسير : [البلد:14، 15]، وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2926- فَلوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ منْكَ ورهْبَةٌ عِقابَك قد كانُوا لنا بالمَوارِدِ تفسير : الثالث: أنَّه منصوبٌ على المفعول من أجله بعد حذف اللام، ويجري فيها الخلافُ المشهورُ. وقرأ الحسن، ونبيح: "يُفْتِنَهم" بضمِّ الياءِ من "أفتن" وقد تقدَّم ذلك [النساء:101]. قوله: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي: مُتكبِّر، أو ظالمٌ، أو قاهر، و "فِي الأرض" متعلِّقٌ بـ "عَالٍ"؛ كقوله: [الكامل] شعر : 2927- فاعْمَدْ لِمَا تعلُو فما لك بالَّذي لا تَسْتطيعُ مِنَ الأمُورِ يَدَانِ تفسير : أي: لِمَا تَقْهَر، ويجوز أن يكون "فِي الأرْضِ" متعلِّقاً بمحذوف؛ لكونه صفة لـ "عَالٍ" فيكون مرفوع المحلِّ، ويرجح الأول قوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص:4] ثم قال: {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}: المجاوزين الحدَّ؛ لأنه كان عبداً، فادَّعى الرُّبُوبيَّة، وقيل: لأنه كان كثير القتل والتعذيب لمنْ يخالفُه، والغرضُ منهُ: بيان السَّبب في كون أولئك المؤمنين خائفين. قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ} الآية. قوله تعالى: "فَعَليْهِ" جوابُ الشرط، والشرط الثاني - وهو "إن كنتم مُسلمينَ" - شرطٌ في الأول، وذلك أنَّ الشَّرطين متى لمْ يترتَّبا في الوجودِ، فالشَّرطُ الثَّاني شرطٌ في الأول، ولذلك يجب تقدُّمُه على الأول، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك [البقرة 38]. قال الفقهاء: المتأخر يجب أن يكون متقدماً، والمتقدِّم يجب أن يكون متأخراً، مثاله قول الرَّجُلِ لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالقٌ إن كلمت زيداً، فمجموع قوله: إن دخلت الدَّار، فأنت طالقٌ مشروطٌ بقوله: إن كلَّمت زيداً، والمشروط متأخِّر عن الشَّرطِ، وذلك يقتضي أن يكون المتأخِّر في اللفظ، متقدماً في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخراً في المعنى، فكأنَّه يقول لامرأته: حال ما كلمت زيداً إن دخلت الدَّار، فأنت طالقٌ، فلو حصل هذا التعليقُ، قيل: إن كلَّمَتْ زيداً لمْ يقع الطلاق. قوله: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطاً؛ لأن يصيروا مخاطبين بقوله: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} فكأنَّه - تعالى - يقول للمسلم حال إسلامه: إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكَّلْ، والأمر كذلك؛ لأنَّ الإسلام عبارة عن الاستسلام، وهو الانقياد لتكاليف الله، وترك التمرد، والإيمان عبارةٌ عن صيرورة القلب، عارفاً بأن واجب الوُجُود لذاته واحدٌ، وأنَّ ما سواه محدث مخلُوق تحت تدبيره، وقهره، وإذا حصلت هاتان الحالتان، فعند ذلك يفوِّض العبدُ جميع أموره إلى الله - تعالى -، ويحصُلُ في القلب نور التَّوكُّل على الله - تعالى -. فصل إنما قال: "فعليه توكَّلُوا" ولم يقل: "توكَّلُوا على اللهِ"، لأن الأول يفيد الحصر، كأنه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بالتَّوكُّل عليه، ونهاهُم عن التوكُّلِ على الغير، ثم بيَّن - تعالى - أنَّ موسى - عليه الصلاة والسلام - لمَّا أمرهم بذلك قبلوا قوله {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي: توكُّلُنا عليه واعتمادنا، ولم نلتفت إلى أحد سواه، ثم اشتغلوا بالدعاء، وطلبوا من الله شيئين: أحدهما: أن قالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. والثاني: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أما قولهم: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} ففيه وجوه: الأول: لا تفتن بنا فرعون وقومه؛ لأنك لو سلطَّتهُم علينا، لوقع في قلوبهم أنَّا لو كنَّا على الحقِّ، لما سلَّطتهُم علينا؛ فيصير ذلك شبهةً قويَّةً في إصرارهم على الكفر؛ فيكون ذلك فتنةً لهم. الثاني: لو سلَّطتهُم علينا، لاستوجبُوا العقاب الشَّديد في الآخرة، وذلك يكون فتنة لهم. الثالث: أنَّ المراد بالفتنة المفتُون؛ لأنَّ إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق والتقدير: لا تَجْعلْنا مفْتُونين بأنَّ يقهَرُونا بالظُّلْمِ على أن ننصرف من هذا الدِّين الذي قبلناهُ، ويؤكِّد هذا قوله: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} [يونس:83] وأمَّا المطلوبُ الثاني، فهو قوله: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. وهذا يدلُّ على أنَّ اهتمامهم بأمر دينهم كان فوق اهتمامهم بأمر دنياهم؛ لأنَّا إذا حملنا قولهم: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس:85]، على تسليط الكفَّار عليهم وصيرورة ذلك التسليط شبهة للكفار في أنَّ هذا الدِّين باطلٌ، فتضرعوا إلى الله - تعالى - في صون الكُفَّار عن هذه الشُّبهة، وتقديم هذا الدُّعاء على طلب النَّجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن اهتمامهُم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لتلفتنا} قال: لتلوينا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه {لتلفتنا} قال: لتصدنا عن آلهتنا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} قال: العظمة والملك والسلطان. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، يقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي في يونس {فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله} إلى قوله {ولو كره المجرمون} وقوله {أية : فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون} تفسير : [الأعراف: 118] إلى آخر أربع آيات وقوله {أية : إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} تفسير : [طه: 69]. وأخرج ابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف أبي بن كعب "ما أتيتم به سحر" وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه "ما جئتم به سحر".
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} عطفٌ على قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} عطفَ قصةٍ على قصة {مّن بَعْدِهِمْ} أي من بعد أولئك الرسلِ عليهم السلام {مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} خُصّت بعثتُهما عليهما السلام بالذكر ولم يُكتفَ باندراج خبرِهما فيما أشير إليه إجمالاً من أخبار الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وأُوثر في ذلك ضربُ تفصيلٍ إيذاناً بخطر شأنِ القصةِ وعِظَمِ وقعها كما في نبأ نوح عليه السلام {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي أشرافِ قومِه، وتخصيصُهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالحِ والمُهمّات ومراجعةِ الكل إليهم في النوازل والملمات {بِـئَايَـٰتِنَا} أي ملتبسين بها وهي الآياتُ المفصّلات في الأعراف {فَٱسْتَكْبَرُواْ} الاستكبارُ ادعاءُ الكِبْر من غير استحقاقٍ والفاءُ فصيحة أي فأتيَاهم فبلغاهم الرسالةَ فاستكبروا عن اتباعهما وذلك قولُ اللعين لموسى عليه السلام: {أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 18] الخ، {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوبِ العظامِ فإن الإجرامَ مؤذنٌ بعظم الذنبِ ومنه الجِرمُ أي الجثة فلذلك اجترأوا على ما اجترأوا عليه من الاستهانة برسالةِ الله تعالى، وحملُ الاستكبارِ على الامتناع عن قَبول الآيات لا يساعده قولُه عز وعلا: {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} فإنه صريحٌ في أن المرادَ باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجيءِ الحقِّ الذي سمَّوه سحراً أعني العصا واليدَ البـيضاءَ كما ينبىء عنه سياقُ النظمِ الكريم وذلك أولُ ما أظهره عليه السلام من الآياتِ العظام والفاء فيه أيضاً فصيحةٌ معربةٌ عما صرّح به في مواضعَ أُخَرَ كأنه قيل: قال موسى: {أية : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 105] إلى قوله تعالى: {أية : فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 107] فلما جاءهم الحقُّ من عندنا وعرَفوه قالوا من فَرْط عتوِّهم وعِنادِهم: إن هذا لسحرٌ مبـين، أي ظاهرٌ كونُه سحراً، أو فائقٌ في بابه واضحٌ فيما بـين أضرابِه، وقرىء لساحر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم بعثنا من بعدهم} من بعد هؤلاء الرسل {موسى} ابن عمران {وهرون} وهو اخو موسى اكبر منه بثلاث سنين {الى فرعون} [بسوى وليد بن مصعب باقابوس كه فرعون آن زمان بود] {وملائه} اى اشراف قومه وهو اكتفاء بذكر الجل عن الكل {بآياتنا} بالآيات التسع وهى العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس وفلق البحر واضافتها الى نفسه تنبيها على خروجها عن حيز استطاعة العبد {فاستكبروا} عن اتباعهما وذلك قول اللعين لموسى عليه السلام {أية : ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} تفسير : {وما كانوا مجرمين} اى كانوا معتادين لارتكاب الذنوب العظام فان الاجرام مؤذن بعظم الذنب ومنه الجرم اى الجثة فلذلك استهانوا برسالة الله تعالى عز وجل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ثم بعثنا}، من بعد هؤلاء الرسل {موسى وهارون إلى فرعون ومَلَئه بأياتنا} التسع، {فاستكبروا} عن اتباعها، {وكانوا قوماً مجرمين} معتادين الإجرام، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم، واجترؤوا على ردها، {فلما جاءهم الحقُّ من عندنا} وعرفوه، وهو بعثه موسى عليه السلام؛ لتظاهر المعجزات على يديه، القاهرة المزيحة للشك، {قالوا} من فرط تمردهم: {إنَّ هذا} الذي جئت به {لسحرٌ مبين}: ظاهر. {قال} لهم {موسى للحقَّ لمَّا جاءكم} إنه سحر، فكيف يقدر السحرة على مثله؟ {أسحرٌ هذا}: أيتوهم أحد أن يكون هذا سحراً؟ {ولا يُفلح الساحرون} أي: لو كان سحراً لاضْمَحَلَّ، ولم يُبطل سحرَ السحرة، والعالم بأن الساحر لا يُفلح لا يستعمل السحر، فهذا كله من كلام موسى عليه السلام، أو من تمام قولهم؛ إن جعل قوله: "أسحرٌ هذا" محكياً لقولهم، كأنهم قالوا: أجئتنا بالسحر لتطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون، والأول أرجح. {قالوا أجئتنا لِتَلْفتنا}؛ لتصرفنا {عما وجدنا عليه آباءنَا} من عبادة الأصنام، {وتكون لكما الكبرياءُ في الأرض}: الملك فيها، سمي كبرياء لاتَّصاف الملوك بالتكبر، {وما نحن لكما بمؤمنين}: بمصدّقين. الإشارة: السحر على قسمين: سحر يسحر القلوب إلى حضرة الرحمن، وسحر يسحرها إلى حضرة الشيطان، فالسحر الذي يسحر إلى حضرة الرَّحمن: هو ما جاءت به الأنبياء والرسل، وقامت به الأولياء بعدهم من الأمور التي تقرب إلى حضرة، إما ما يتعلق بالظواهر، كتبيين الشرائع، وإمّا ما يتعلق بالبواطن، كتبيين الطرائق والأمور التي تُشرق بها أسرارُ الحقائق، وأما السحر الذي يسحر إلى حضرة الشيطان: فكل ما يشغل عن ذكر الرَّحمن، ولذلك قال عليه السلام: "حديث : اتَّقُوا الدُّنيا فإنَّها أَسْحَرُ مَنْ هَارُوت ومَارُوت ". ثم ذكر معارضة فرعون، فقال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي}.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى انه - بعد ارسال من أرسل من الانبياء بعد نوح واهلاك قومه وما ذكره من انهم لم يؤمنوا به وانه طبع على قلوبهم عقوبة لهم على ذلك - بعث ايضاً بعدهم موسى وهارون عليهما السلام نبيين مرسلين {إلى فرعون وملائه} يعني رؤسا قومه {بآياتنا} اي بأدلتنا وحججنا وانهم استكبروا عن الانقياد لها والايمان بها {وكانوا قوماً مجرمين} في ذلك مستحقين للعقاب الدائم. والملاء الجماعة الذين هم وجوه القبيلة مأخوذ من انهم تملا الصدور هيبتهم عند منظرهم. ومنه قوله صلى الله عليه وآله في قتلى بدر "حديث : اولئك الملاء من قريش"تفسير : . والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق فأما المتكبر في اوصاف الله فهو الظاهر، فان له اعلى مراتب الكبر، وهو صفة ذم في العباد ومدح في صفة الله تعالى. والاجرام اكتساب السيئة وهي صفة ذم. واصل الاجرام القطع يقال: جرم التمر يجرمه جرماً فهو جارم والجمع جرام إذا صرمه، وزمن الجرام زمن الصرام. وتجرمت السنة اذا انصرمت. وفلان جريمة اهله اي كاسبهم. وقوله {أية : لا جرم أن لهم النار} تفسير : اي لا بد لهم النار قطعاً قال الشاعر: شعر : ولقد طعنت ابا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا تفسير : اي حملتهم على الغضب بقطعها اياهم. وانجرم الجسيم، والجرم الصوت، والجرم الذنب. ووزن (موسى) مفعل وهو محمول على قياس العربية فزيادة الميم اولا اكثر من زيادة الالف اخيراً وكذلك زيادة همزة الفعل في افعل لهذه العلة.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا} التّسع {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} تفصيل لاجمال استكبارهم ولذلك عطف بالفاء {مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ} انّه سحر بحذف المفعول او اتعيبون الحقّ والاستفهام للانكار {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} انكارٌ لكونه سحراً {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} حال على جواز الواو فى الحال المبدوّة بالمضارع المنفىّ بلا، او بتقدير مبتدءٍ.
الأعقم
تفسير : {ثم بعثنا من بعدهم} أي من بعد الرسل، وقيل: بعد الأمم {موسى وهارون إلى فرعون ومَلَئِهِ}، قيل: أشراف قومه {بآياتنا} يعني الآيات التسع {فاستكبروا} عنه أي طلبوا الكبر فتكبروا عن قبول الحق، قوله تعالى: {وكانوا قوماً مجرمين} عاصين {فلمّا جاءهم الحق من عندنا} يعني ما أتى به موسى من الآيات {قالوا ان هذا لسحر مبين} أي أمر مموّه لا أصل له {قال موسى} لهم {أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} يعني كيف تقولون للمعجزات أنها سحر باطل وللعجر حق {قالوا} يعني فرعون وقومه لموسى {أجئتنا لتلفتنا} لتصرفنا {عما وجدنا عليه آباءنا} من الدين {وتكون لكما الكبرياء}، قيل: الملك، وقيل: السلطان {في الأرض} يعني أرض مصر {وما نحن لكما بمؤمنين} بمصدقين، ثم بيَّن تعالى ما جرى بين موسى وبين فرعون من الجدال فقال سبحانه: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} في سحره {فلما جاء السحرة} في الكلام حذف يدل عليه الظاهر تقديره فلما أتى السحرة بالحبال والعصي {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون}، قيل: اطرحوا {ما جئتم به السِّحر إن الله سيبطله} أي سميحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة {إلاَّ ذرية من قومه} أي إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل وهذا في أول أمره {على خوف من فرعون وملئِهم} أي أشراف بني إسرائيل {أن يفتنهم} عن دينهم {وإن فرعون لعال في الأرض} غالب فيها قاهر {وإنه لمن المسرفين} في الظلم والفساد وفي الكبر والعتوّ {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله} صدقتم به وبآياته {فعليه توكلوا} فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون، ثم شرط في التوكل الاسلام وهو أن يسلموا نفوسهم لله تعالى أي يجعلونها سالمة له خالصة لا حظ للشيطان فيها {فقالوا على الله توكلنا} وإنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين لا جرم أن الله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاً في أرضه.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ بعثْنا مِنْ بَعْدهم} بعد تلك الرسل {مُوسى وهارُونَ إلى فِرعَونَ ومَلَئِهِ} قومه أو عظمائه، والبعث إلى السلطان أو عظمائه بعث إلى الرعية {بآياتنا} وهى الآيات التسع {فاسْتَكبرُوا} عن الإيمان بها {وكانُوا قَوماً مُجْرمينَ} ذوى آثام عظام، فلذلك اجترءوا على الاستكبار عنها، وأعظم الكبر أن يتهاون العبد لما قد تحقق له أنه رسالة من ربه.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد هؤلاءِ الرسل أَو بعد هؤلاءِ الأَقوام {مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} تخصيص بعد تعميم، والملأُ القوم مطلقاً أَو الأَشراف الذين يملأُون العيون مهابة للباسهم وأَجسامهم، وأَما غيرهم فتبع {بِآيَاتِنَا} التسع: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس وفلق البحر، متعلق بيبعث أَو بحال محذوف صاحبه موسى وهارون أَى ملتبسين {فَاسْتَكْبَرُوا} عن الإِيمان بها لشرفهم فكفر غيرهم بها تقليداً لهم، ويجوز أَن يقال استكبروا عنهما أَى عن موسى وهارون أَو استكبروا عنهم أَى عن الآيات وموسى وهارون، وذلك أَول الأَمر إِذ قال "أية : أَلم نربك فيها وليدا"تفسير : [الشعراء: 18] إِلخ {وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} عادتهم الإِجرام فاجترأَوا على الكفر بذلك، فإِن الذنب يجر إِلى الآخر الذى أَعظم منه أَو دونه أَو مساوية، والواو للحال بتقدير قد وبدونه، أَو للعطف، ولها نصيب فى التفريع لعطفها على مدخول الفاءِ المتفرع على محذوف أَى فانبعثا فأَديا الرسالة إِليهم فاستكبروا وكانوا مجرمين.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا} عطف على {أية : ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ }تفسير : [يونس: 74] عطف قصة على قصة {مّن بَعْدِهِمْ} أي من بعد أولئك الرسل عليهم السلام {مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} أوثر التنصيص على بعثتهما عليهما السلام مع ضرب تفصيل إيذاناً بخطر شأن القصة وعظم وقعها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أشراف قومه الذين يجتمعون على رأي فيملأون العين رواء والنفوس جلالة وبهاء، وتخصيصهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في النوازل والملمات، وقيل: المراد بهن هنا مطلق القوم من استعمال الخاص في العام {بِآيَاتِنَا} أي أدلتنا ومعجزاتنا وهي الآيات المفصلات في الأعراف والباء للملابسة أي متلبسين بها {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي تكبروا وأعجبوا بأنفسهم وتعظموا عن الاتباع، والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا، وأشير بهذا الاستكبار إلى ما وقع منهم أول الأمر من قول اللعين لموسى عليه السلام: {أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ }تفسير : [الشعراء: 18] وغير ذلك {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} جملة معترضة تذييلية وجوز فيها الحالية بتقدير قد، وعلى الوجهين تفيد اعتيادهم الإجرام وهو فعل الذنب العظيم، أي وكانوا قوماً شأنهم ودأبهم ذلك. وقد يؤخذ مما ذكر تعليل استكبارهم، والحمل على العطف الساذج لا يناسب البلاغة القرآنية ولا يلائمها فمعلوم هذا القدر من سوابق أوصافهم.
ابن عاشور
تفسير : {ثم} للتراخي الرتبي لأنّ بعثة موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ كانت أعظم من بعثة من سبقهما من الرسل، وخصَّت بعثة موسى وهارون بالذكر لأنها كانت إنقلاباً عظيماً وتطوراً جديداً في تاريخ الشرائع وفي نظام الحضارة العقليَّة والتشريعيَّة فإن الرسل الذين كانوا قبل موسى إنما بعثوا في أمم مستقلَّة، وكانت أديانهم مقتصرة على الدعوة إلى إصلاح العقيدة، وتهذيب النفوس، وإبطال ما عظم من مفاسدَ في المعاملات، ولم تكن شرائع شاملة لِجميع ما يُحتاج إليه من نظم الأمة وتقرير حاضرها ومستقبلها. فأمَّا بعثة موسى فقد أتت بتكوين أمَّة، وتحريرها من استعباد أمة أخرى إياها، وتكوين وطن مستقل لها، وتأسيس قواعد استقلالها، وتأسيس جامعة كاملة لها، ووضع نظام سياسة الأمَّة، ووضع ساسة يدبرون شؤونها، ونظام دفاع يدفع المعتدين عليها من الأمم، ويمكِّنها من اقتحام أوطان أمم أخرى، وإعطاء كتاب يشتمل على قوانين حياتها الاجتماعية من كثير نواحيها، فبعثة موسى كانت أوّل مظهر عام من مظاهر الشرائع لم يسبق له نظير في تاريخ الشرائع ولا في تاريخ نظام الأمم، وهو مع تفوّقه على جميع ما تقدّمه من الشرائع قد امتاز بكونه تلقينا من الله المطَّلع على حقائق الأمور، المريد إقرار الصَّالح وإزالة الفاسد. وجعل موسى وهارون مبعوثين كليهما من حيث إنّ الله استجاب طلب موسى أن يجعل معه أخاه هارون مؤيِّداً ومُعرباً عن مقاصد موسى فكان بذلك مأموراً من الله بالمشاركة في أعمال الرسالة، وقد بينته سورة القصص، فالمبعوث أصالة هو موسى وأما هارون فَبُعِثَ معيناً له وناصراً، لأنّ تلك الرّسالة كانت أوّل رسالة يصحبها تكوين أمة. وفرعون مَلك مصر، وقد مضى الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه}تفسير : في سورة [الأعراف: 103]، وعلى صفة إرسال موسى إلى فرعون وملئه، وفرعون هذا هو منفطاح الثاني أحد فراعنة العائلة التاسعة عشرة من الأسر التي ملكت بلاد القبط. والمرَاد بالملأ خاصَّةُ الناس وسادتُهم وذلك أنّ موسى بعث إلى بني إسرائيل وبعث إلى فرعون وأهل دولته ليطلقوا بني إسرائيل. والسِّين والتَّاء في استكبروا} للمبالغة في التكبّر، والمراد أنَّهم تكبَّروا عن تلقي الدعوة من موسى، لأنَّهم احتقروه وأحالوا أن يكون رسولاً من الله وهو من قوم مستعبَدين استعبدهم فرعون وقومه، وهذا وجه اختيار التَّعبير عن إعراضهم عن دعوته بالاستكبار كما حكى الله عنهم فقالوا: {أية : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}تفسير : [المؤمنون: 47]. وتفريع {استكبروا} على جملة {بعثنا} يدلُّ على أنّ كل إعراض منهم وإنكار في مدة الدعوة والبعثة هو استكبَار. وجملة: {وكانوا قوماً مجرمين} في موضع الحال، أي وقد كان الإجرام دأبهم وخُلقهم فكان استكبارهم على موسى من جملة إجرامهم. والإجرام: فعل الجُرم، وهو الجناية والذّنْب العظيم. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نجزي المجرمين}تفسير : في سورة [الأعراف: 40]. وقد كان الفراعنة طُغاة جبابرة فكانوا يعتبرون أنفسهم آلهة للقبط وكانوا قد وضعوا شرائع لا تخلو عن جور، وكانوا يستعبدون الغرباء، وقد استعبدوا بني إسرائيل وأذلوهم قروناً فإذا سألوا حقهم استأصلوهم ومثلوا بهم وقتلوهم، كما حكى الله عنهم {أية : إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}تفسير : [القصص: 4]، وكان القبط يعتقدون أوهاماً ضالة وخرافات، فلذلك قال الله تعالى: {وكانوا قوماً مجرمين}، أي فلا يستغرب استكبارهم عن الحق والرّشاد، ألا ترى إلى قولهم في موسى وهارون {أية : إنّ هذان لَساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى}تفسير : [طه: 63] فأغراهم الغرور على أن سموا ضلالهم وخورهم طريقة مثلى. وعبر بـ{قوماً مجرمين} دون كانوا مجرمين للوجه الذي تقدم في سورة البقرة وفي مواضع من هذه السورة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 75- ثم أرسلنا من بعدهم موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر وإلى خاصته، داعين إلى عبادة الله - وحده - ومؤيدين بالحُجج الباهرة، فاستكبر فرعون وقومه عن متابعة موسى وهارون فى دعوتهما، وكانوا بهذا الرفض مرتكبين جرماً عظيماً، آثمين به. 76- فلما ظهر لهم الحق من عندنا على يد موسى، قالوا فى معجزة موسى وهى العصا التى انقلبت حية أمام أعينهم: إن هذا سحر مؤكد واضح. 77- قال لهم موسى مستنكراً: أتصفون الحق الذى جئتكم به من عند الله بأنه سحر؟ أتكون هذه الحقيقة التى عاينتموها سحراً؟! وهأنذا أتحداكم أن تثبتوا أنها سحر، فأتوا بالساحرين ليثبتوا ما تدعون، ولن يفوز الساحرون فى هذا أبداً. 78- قال فرعون وقومه لموسى: إنما جئت إلينا قاصداً أن تصْرِفَنا عن دين آبائنا، وتقاليد قومنا؛ لكى نصير لكما أتباعاً، ويكون لك ولأخيك الملك والعظمة والرياسة المسيطرة المتحكمة؟ وإذن فلن نؤمن بكما ولا برسالتكما. 79- وزعم فرعون وقومه أن موسى وأخاه ساحران لا رسولان، فأمر رجاله بأن يحضروا له من مملكته كل من له مهارة فى فنون السحر. 80- ولما حضر السحرة ووقفوا أمام موسى، لمنازلته بسحرهم على رؤوس الأشهاد، قال لهم موسى: هاتوا ما عندكم من فنون السحر.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَهَارُونَ} {وَمَلَئِهِ} {بِآيَاتِنَا} (75) - ثُمَّ اللهُ بَعَثَ الرُّسُلَ، الذِينَ أَتَوا بَعْدَ نُوحٍ، مُوسَى وَهَارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ (مَلَئِهِ - وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى الأَشْرَافَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّ الدَّهْمَاءَ كَانُوا تَبَعاً لَهُمْ). وَكَانُوا قَوْماً رَاسِخِينَ فِي الإِجْرَامِ وَالظُّلْمِ وَالفَسَادِ، وَقَدْ أَيَّدَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى وَهَارُونَ بِآيَاتٍ وَحُجَجٍ وَبَرَاهِينَ، عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمَا، فَاسْتَكْبَرُ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ عَن اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَالانْقِيَادِ لَهُ. وَقَدْ ارْتَكَبُوا بِرَفْضِهِم الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَّةِ اللهِ إِثْماً عَظِيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكل من موسى وهارون - عليهما السلام - رسول، وقد أخذ البعث لهما مراحل، والأصل فيها أن الله تعالى قال لموسى - عليه السلام: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ}تفسير : [طه: 13]. وقال الحق سبحانه وتعالى لموسى - عليه السلام: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}تفسير : [طه: 43]. ثم سأل موسى - عليه السلام - ربه سبحانه وتعالى أن يشدَّ عَضُدَه بأخيه، فقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 36]. لأن موسى - عليه السلام - أراد أن يفقه قوله، وقد رجى موسى ربه سبحانه وتعالى بقوله: {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي}تفسير : [طه: 27-28]. وبعد ذلك جاء تكليف هارون بالرسالة مع موسى عليه السلام. وقال الحق سبحانه: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}تفسير : [طه: 24]. فالأصل - إذن - كانت رسالة موسى - عليه السلام - ثم ضم الله سبحانه هارون إلى موسى إجابة لسؤال موسى، والدليل على ذلك أن الآيات كلها المبعوثة في تلك الرسالة كانت بيد موسى، وحين يكون موسى هو الرسول، وينضم إليه هارون، لا بد - إذن - أن يصبح هارون رسولاً. ولذلك نجد القرآن معبِّراً عن هذا: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ..}تفسير : [طه: 47]. أي: أنهما رسولان من الله. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 16]. فهما الاثنان مبعوثان في مهمة واحدة، وليس لكل منهما رسالة منفصلة، بل رسالتهما واحدة لم تتعدد، وإن تعدد المرسل فكانا موسى وهارون. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حين يوفد ملك أو رئيس وفداً إلى ملك آخر، فيقولون: نحن رسل الملك فلان. وفي رسالة موسى وهارون نجد الأمر البارز في إلقاء الآيات كان لموسى. ولكن هارون له أيضاً أصالة رسالية؛ لذلك قال الحق سبحانه: {أية : إِنَّا رَسُولاَ ..}تفسير : [طه: 47]. ذلك أن فرعون كان متعالياً سَمْجاً رَذْل الخُلُق، فإن تكلم هارون ليشد أزر أخيه، فقد يقول الفرعون: وما دخلك أنت؟ ولكن حين يدخل عليه الاثنان، ويعلنان أنهما رسولان، فإن رد فرعون هارون، فكأنه يرد موسى أيضاً. أقول ذلك حتى نغلق الباب على من يريد أن يتورك القرآن متسائلاً: ما معنى أن يقول القرآن مرة "رسول" ومرة "رسولا"؟ وفي هذا ردٌّ كافٍ على هؤلاء المتورّكين. ويقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَٱسْتَكْبَرُواْ ..} [يونس: 75]. والملأ: هم أشراف القوم، ووجوهه وأعيانه والمقرَّبون من صاحب السيادة العليا، ويقال لهم: "ملأ"؛ لأنهم هم الذين يملأون العيون، أي: لا ترى العيون غيرهم. وفرعون - كما نعلم - لم يصبح فرعوناً إلا بالملأ؛ لأنهم هم الذين نصَّبوه عليهم، وكان "هامان" مثلاً يدعم فكرة الفرعون، وكان الكهنة يؤكدون أن الفرعون إله. ولكل فرعون ملأ يصنعونه، والمثل الشعبي في مصر يقول: "قالوا لفرعون من فَرْعَنك، قال: لم أجدا أحداً يردّني". أي: أنه لم يجد أحداً يقول له: تَعقَّلْ. ولو وجد من يقول له ذلك لما تفرعن. والآيات التي بعث بها الله سبحانه إلى فرعون وملئه مع موسى وهارون من المعجزات الدالة على صدق نبوة موسى وهارون - عليهما السلام، وفيها ما يُلْفِت إلى صدق البلاغ عن الله. أو أن الآيات هي المنهج الذي يثبت وجود الخالق الأعلى، لكن فرعون وملأه استكبروا. والاستكبار: هو طلب الكبر، مثلها مثل "استخرج" أي: طلب الإخراج، ومثل "استفهم" أي: طلب الفهم. ومن يطلب الكبر إنما يفتعل ذلك؛ لأنه يعلم أن مقوماته لا تعطيه هذا الكبر. وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {.. وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [يونس: 75]. وشرُّ الإجرام هو ما يتعدى إلى النفس، فقد يكون من المقبول أن يتعدى إجرام الإنسان إلى أعدائه، أما أن يتعدى الإجرام إلى النفس فهذا أمر لا مندوحة له، وإجرام فرعون وملئه أودى بهم إلى جهنم خالدين مخلدين فيها ملعونين، وفي عذاب عظيم ومهين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} معناه أَشرافُ قَومهِ.
الأندلسي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ} الآية لا يخص قوله: وملائه بالاشراف بل هي عامة لقوم فرعون شريفهم ومشروفهم. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} تعاظموا عن قبولها. والحق: هو العصا واليد. {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ} استفهام إنكار ومعمول القول محذوف تقديره هذا سحر ثم أنكر عليهم أيضاً باستفهام ثان وهو قوله: أسحر هذا، أي أسحر هذا الذي جئت به من معجز العصا واليد، ثم أخبر عليه السلام بقوله: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا} خطاب لموسى وحده لأنه هو الذي ظهرت على يديه المعجزات وهي العصا واليد. {لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا وتلوينا. {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من عبادة غير الله واتخاذ آلهة دونه والكبرياء مصدر، ولما ادعوا أن ما جاء به موسى عليه السلام هو سحر أخذوا في معارضته بأنواع من السحر ليظهر لسائر الناس أن ما جاء به موسى هو من باب السحر. والمخاطب بقوله: ائتوني، خدمة فرعون والمتصرفون بين يديه. وقرىء: بكل سحار على المبالغة. وقرىء: بكل ساحر على الافراد. وفي قوله: ألقوا ما أنتم ملقون، استطالة عليهم وعدم مبالاة بهم وفي إبهام ما أنتم ملقون تخسيس له وتقليل وإعلام أنه لا شىء يلتفت إليه. وقرىء: السحر بغير أداة استفهام فما مبتدأة موصولة بمعنى الذي وصلتها جئتم به، وخبر المبتدأ السحر بالاستفهام، فما استفهامية مبتدأة تقديره أي شىء، وجئتم به الخبر، والسحر بدل من ما. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون استفهاماً ثانياً تقديره أهو السحر. قال ابن عطية: والتعريف هنا في السحر ارتب لأنه قد تقدم منكراً في قوله: إن هذا لسحر، فجاء هنا بلام العهد كما يقال: إن أول الرسالة سلام عليك، وفي آخرها السلام عليك. "انتهى". أخذ هذا من الفراء قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام، ولو قال له من رجل لم يقع له في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له. "انتهى". وما ذكراه هنا في السحر ليس هو من باب تقدم النكرة ثم أخبر عنها بعد ذلك، لأن شرط هذا أن يكون المعرف بالألف واللام هو النكرة المتقدم ولا يكون غيره كما قال تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 15-16]. وتقول: زارني رجل فأكرمت الرجل ولما كان إياها جاز أن تأتي بالضمير بدله فتقول: فأكرمته. والسحر هنا ليس هو السحر الذي في قولهم: ان هذا السحر، أي ان الذي أخبر ذا عنه بأنه سحر هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا، والسحر الذي في قول موسى إنما هو سحرهم الذي جاؤوا به فقد اختلف المدْلولان إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عما جاؤا به، ولذلك لا يجوز أن يؤتى هنا بالضمير بدل السحر فيكون عائداً على قولهم لسحر وسيبطله بمحقه بحيث يذهب ويظهر بطلانه بإِظهار المعجزة على الشَعْوَذة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ } . إلى آخر القصة. أي: { ثُمَّ بَعَثْنَا } من بعد هؤلاء الرسل، الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذبين المهلكين. { مُوسَى } بن عمران، كليم الرحمن، أحد أولي العزم من المرسلين، وأحد الكبار المقتدى بهم، المنزل عليهم الشرائع المعظمة الواسعة. { وَ } جعلنا معه أخاه { هَارُونَ } وزيرًا بعثناهما { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } أي: كبار دولته ورؤسائهم، لأن عامتهم، تبع للرؤساء. { بِآيَاتِنَا } الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد الله، والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى، { فَاسْتَكْبَرُوا } عنها ظلمًا وعلوًا، بعد ما استيقنوها. { وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } أي: وصفهم الإجرام والتكذيب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):