Verse. 1440 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

فَلَمَّا جَاۗءَھُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوْۗا اِنَّ ہٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِيْنٌ۝۷۶
Falamma jaahumu alhaqqu min AAindina qaloo inna hatha lasihrun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إنَّ هذا لسحر مبين» بيّنّ ظاهر.

76

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} يريد فرعون وقومه. {قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} حملوا المعجزات على السحر. قال لهم موسى: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا} قيل: في الكلام حذف، المعنى: أتقولون للحق هذا سحر. فـ «أتقولون» إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم ٱستأنف إنكاراً آخر من قِبَله فقال: أسحر هذا!. فحذف قولهم الأوّل اكتفاء بالثاني من قولهم، منكراً على فرعون وملئه. وقال الأخفش: هو من قولهم، ودخلت الألف حكايةً لقولهم؛ لأنهم قالوا أسحر هذا. فقيل لهم: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا؛ وروي عن الحسن. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} أي لا يفلح من أتى به.

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك. {قَالُواْ} من فرط تمردهم. {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهر أنه سحر، أو فائق في فنه واضح فيما بين إخوته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } بيِّن ظاهر.

ابن عطية

تفسير : يريد بـ {الحق} آيتي العصا واليد، ويدل على ذلك قولهم عندهما: هذا سحر ولم يقولوا ذلك إلا عندهما ولا تعاطوا إلا مقاومة العصا فهي معجزة موسى عليه السلام التي وقع فيها عجز المعارض، وقرأ جمهور الناس: " لسحر مبين" وقرأ سعيد بن جبير والأعمش: " لساحر مبين"، ثم حكي عن موسى أنه وقفهم ووبخهم بقوله {أتقولون للحق لما جاءكم}، ثم اختلف المتأولون في قوله {أسحر هذا } فقالت فرقة: هو حكاية من موسى عنهم على معنى أن قولهم كان {أسحر هذا }، ثم اختلف في معنى قول قوم فرعون: {أسحر هذا} فقال بعضهم: قالها منهم كل مستفهم جاهل بالأمر، فهو يسأل عنه. قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يضعفه ما ذكر الله قبل عنهم من أنهم صمموا على أنه سحر بقولهم: {إن هذا لسحر مبين}، وقال بعضهم بل قالوا ذلك على معنى التعظيم للسحر الذي رأوه بزعمهم كما تقول لفرس تراه يجيد الجري: أفرس هذا؟ على معنى التعجب منه والاستغراب وأنت قد علمت أنه فرس، وقالت فرقة غير هاتين: ليس ذلك حكاية من موسى عنهم بل القول الذي حكاه عنهم مقدر تقديره أتقولون للحق لما جاءكم سحر. قال القاضي أبو محمد : أو نحو هذا من التقدير، ثم ابتدأ يوقفهم بقوله: {أسحر هذا } على جهة التوبيخ، ثم أخبرهم عن الله تعالى أن الساحرين لا يفلحون ولا يظفرون ببغية، ومثل هذا التقدير المحذوف على هذا التأويل موجود في كلام العرب، ومنه قول ذي الرمة: شعر : فلما لبسن الليل أو حين نصّبت له من خذا آذانها وهو جانح تفسير : يريد أو حين قاربن ذلك، ومنه قول الله تعالى: {أية : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم} تفسير : [الإسراء: 7] المعنى بعثناهم ليسوءوا، ومثل هذا كثير شائع، وقوله تعالى: {قالوا أجئتنا } الآية، المعنى قال قوم فرعون لموسى: أجئتنا لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين آبائنا، ويقال لفت الرجل عن الآخر إذا لواه، ومنه قولهم: التفت فإنه افتعل من لفت عنقه، ومنه قول رؤبة: [الرجز ] شعر : لفتاً وتهزيعاً سواء اللفت تفسير : وقرأ السبعة سوى أبي عمرو فإنه اختلف عنه " وتكون " بالتاء من فوق وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما زعم خارجة وإسماعيل، " ويكون " بالياء من تحت ورويت عن أبي عمرو وعن عاصم وهي قراءة ابن مسعود، و {الكبرياء }: مصدر مبالغ من الكبر، والمراد به في هذا الموضع الملك، وكذلك قال فيه مجاهد والضحاك وأكثر المتأولين، لأنه أعظم تكبر الدنيا، ومنه قول الشاعر [ابن الرقاع ]: [الخفيف ] شعر : مؤددا غير فاحش لا تدانيـ ـه تجبارة ولا كبرياء تفسير : وقوله {بمؤمنين} بمصدقين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } الآية: يريد بـــ {ٱلْحَقُّ} آيَتَيِ العَصَا واليد. وقوله: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا }: قالت فرقة: هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه؛ أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم: قالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة: ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ: أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} على جهة التوبيخ. وقولهم: {لِتَلْفِتَنَا}: أي: لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال: لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ؛ إِذا أَلواه، ومنه قولهم: ٱلْتَفَتَ؛ فَإِنَّهُ ٱفْتَعَلَ مِنْ لَفَتَ عُنُقَهُ إِذَا أَلواه، و{ٱلْكِبْرِيَاءُ}: مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك؛ قاله أكثر المتأوِّلين؛ لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده: «به آلسِّحْرُ» - بهمزةِ ٱستفامٍ ممدودةٍ -، وفي قراءة أُبيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ»، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ؛ لأنه تقدَّم منكَّراً في قولهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَحِرٌ}، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ. قال * ص *: قال الفَّرَّاء: إِنما قال: «السِّحْر» بـــ «أَلْ»، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ بـ «أَلْ»، وتبعه ابن عطية، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه ٱتِّحَادُ مدلول النكرةِ المُعَادة؛ كقوله تعالى: { أية : كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [المزمل:15،16] وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فٱخْتَلَفَ مدلولُهما، وٱلاستفهامُ هنا: على سبيل التحقِيرِ. انتهى. وهو حَسَن. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ }: إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}: يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى عليه السلام، وكذلك قوله: {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ...} الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر الطبريُّ، وأما قوله: {بِكَلِمَـٰتِهِ}: فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوَعْد بذلك.

القشيري

تفسير : ما زَادَهم الحقُّ سبحانه بياناً إلا ازدادوا طغياناً، وذلك أنه تعالى أجرى سُنَتَّه في المردودين عن معرفته أنه لا يزيد في الحجج هدًى إلا ويزيد في قلوبهم عَمَىً، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. {أية : يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}تفسير : [الشعراء: 35]: نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعماً غير ما ذاقوا، وكذا صفةُ مَنْ أَقصتْه السوابقُ، وردَّته المشيئة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جاءهم الحق من عندنا} المراد بالحق الآيات التسع التى هى حق ظاهر من عند الله بخلقه وايجاده لا تخييل وتمويه كصنعتهم {قالوا ان هذا} [اين كه توآورده ومعجزه نام كرده] {لسحر مبين} ظاهر كونه سحرا

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن قوم فرعون الذين ذكرهم وأخبر عنهم بالاستكبار انهم قالوا مع ذلك حين جاءهم الحق عند الله: ان هذا الذي اتى به موسى من المعجزات والبراهين سحر ظاهر. و (لما) تدل على ما مضى ولا بد لها من الجواب و (اذ) لما مضى وتستغني عن الجواب كقولك: مضى اليه اذ قدم اي يوم قدم. (واذا) تكون للمستقبل كحرف الجزاء. والحق معنى معتقده على ما هو به، وهو ما اتت به الرسل من البيان والبرهان عن الله تعالى. والسحر ايهام المعجزة على طريق الحيلة، ويشبه به البيان في خفاء السبب قال الشاعر: شعر : وحديثها السحر الحلال لو انّه لم يجن قتل المسلم المتحرز تفسير : والساحر الذي يعتقد صحة سحره كافر، لأنه لا يمكنه مع ذلك معرفة النبوة فان كان يمخرق بالسحر ويعلم انه باطل لم يكفر ولم يطلق عليه صفة ساحر.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا جَاءهُم الحقُّ} الكامل الذى عرفوه حقاً {مِنْ عنْدِنا} لا من عند موسى وهارون {قالُوا} لعجزهم عن معارضته بما يبطله أو يضعفه {إنْ هذا لسحْرٌ مبينٌ} ظاهر على سائر السحر، أو ظهر أنه سحر لا يشك أنه حق.

اطفيش

تفسير : {فلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} الآيات التسع وذكرها بالحق فى موضع الظاهر تفخيماً لها حتى أَنه إِذا ذكر لفظ صرف إِليها، أَو الحق دين الله أَو اليد والعصا لأَن نزاعهم وقع فى اليد والعصا، ولا يصح ما قيل أَن التقدير قال موسى قد جئْتكم ببينة من ربكم، إلى قوله فأَلقى عصاه، إِلى للناظرين، فلما جاءَهم الحق لأَن مجىءَ الحق هو مضمون قد جئْتكم ببينة، فلا يقدر لما جاءَهم الحق معطوفاً عليه، ونسبة المجىءِ إِلى الحق استعارة، ويضعف تفسير الحق بدين الله بأَنه لا يتم معه الجواب للما بقوله {قَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} ظاهر فى نفسه، أَو متميز عن غيره فائِق له، من أَبان اللازم، أَو مظهر للباطل حقاً من أَبان المتعدى، وأَفادت الفاء أَن تجاسرهم على قولهم هذا مسبب عن اعتيادهم الإِجرام، ومعنى جاءَ حصل تجوزا للإِشعار بأَن المقدرات متوجهة من الأَزل أَو اللوح المحفوظ إِلى أَوقاتها شيئاً فشيئاً، فشبه التقرب شيئاً فشيئاً بالمجىءِ شيئاً فشيئاً، وشبه بالشخص المتنقل بالمجىءِ من الله ورمز إلى ذلك التشبيه بما يلائم الإنسان وهو المجىءُ، أكدوا بطلان ما هو حق أكيد ثابت بالحس أو بالمعجزات التى لا تخفى عنهم إلا جحودا، ويجوز تقدير المعرفة هكذا: فلما جاءًهم الحق من عندنا وعرفوه، حقا لأنه قد يجىءُ ولا ولا يعرف، وقد يجىءُ فيعرف. والمعنى جاءًهم الحق واضحاً كما دل عليه قوله تعالى: "أية : واستيقنتها أنفسهم" تفسير : [النمل: 14] وكأَنه قيل: فما قال لهم موسى؟ فقال الله عز وجل: {قَالَ مُوسَى} لهم {أَتَقُولُونَ} توبيخ وإِنكار للياقة هذا القول {لِلْحَقِّ} فى شأْن الحق {لمَّا جَاءَكُمْ} ومفعول تقول محذوف تقديره إِنه لسحر فقال موسى أَو الله لهم {أَسِحْرٌ هَذَا} استفهام إِنكار وقوله {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} حال، وهو من جملة مقول هذا القول المقدر ونحن قد أَفلحنا فليس سحرا، ولا يجوز أَن يكون قوله أَسحر مفعولا به للقول لأَنهم جزموا بأَنه سحر ولم يتوقفوا عن الجزم كما قال الله عز وجل{قالوا إِن هذا لسحر} اللهم إِلا أَن يكون الاستفهام للتقرير والتحقيق، أَى أَقر يا موسى بأَنه لا يفلح الساحر، وأُجيز أَن يكون القول بمعنى العيب، يقال فلان يخاف القول، أَى العيب، وفيه أَن عاب متعد فأَين مفعوله فلا يصح أَن يقال أَنه لما كان بمعنى العيب لم يكن له مفعول، وإِن قيل لم يتعلق المعنى بالمفعول فلم ذكر قوله للحق، وإِن قيل الحق مفعول فلم زيدت لام التقوية فى المفعول مع أَنه لم يتقدم ولم يضعف العامل بكونه مصدراً أَو وصفاً، وقد يقال للبيان كما يقال أَعنى بزيد كأَنه قيل ذلك للحق.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} الفاء فصيحة أيضاً معربة عما صرح به في مواضع أخر كأنه قيل: قال موسى: قد جئتكم ببينة من ربكم إلى قوله تعالى: {أية : فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ }تفسير : [الأعراف:107ـ108] فلما جاءهم الحق {قَالُواْ} من فرط عنادهم وعتوهم مع تناهي عجزهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ظاهر كونه سحراً أو واضح في بابه فائق فيما بين أضرابه ـ فمبين ـ من أبان بمعنى ظهر واتضح لا بمعنى أظهر وأوضح كما هو أحد معنييه، والإشارة إلى الحق الذي جاءهم، والمراد به كما قال غير واحد الآيات، وقد أقيم مقام الضمير للإشارة إلى ظهور حقيته عند كل أحد، ونسبة المجيء إليه على سبيل الاستعارة تشير أيضاً إلى غاية ظهوره وشدة سطوعه بحيث لا يخفى على من له أدنى مسكة، ومن هنا قيل في المعنى: فلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه قالوا الخ، فالاعتراض عليه بأنه لا دلالة في الكلام على هذه المعرفة وإنما تعلم من موضع آخر كقوله سبحانه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14] من قلة المعرفة لظهور دلالة ما علمت، وكذا ما قالوا بناء على ما قيل من دلالته على الاعتراف وتناهي العجز عليها، وقرىء {لساحر} / وعنوا به موسى عليه السلام لأنه الذي ظهر على يده ما أعجزهم.

ابن عاشور

تفسير : أي لما رأوا المعجزات التي هي حق ثابت وليست بتخيلات وتمويهات، وعلموا أن موسى صادق فيما ادّعاه، تدرجوا من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبية. والحقُّ: يطلق اسماً على ما قابل الباطل وهو العدل الصالح، ويطلق وصفاً على الثابت الذي لا ريبة فيه، كما يقال: أنت الصديق الحق. ويُلازم الإفراد لأنه مصدر وصف به. والذي أثبت له المجيء هنا هو الآيات التي أظهرها موسى إعجازاً لهم لقوله قبله: {أية : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 103] فكان جعل الحق جائياً بتلك الآيات صالحاً لمعنيي الحقّ، لأنّ تلك الآيات لما كانت ثابتة لا ريبة فيها كانت في ذاتها حقاً فمجيئها حصولُها وظهورها المقصود منه إثبات صدق موسى في رسالته فكان الحق جائياً معها، فمجيئه ثبوته كقوله تعالى: {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل}تفسير : [الإسراء: 81] وبهذا يظهر أن لكلمة {الحقّ} هنا من الوقع في الدلالة على تمام المعنى المراد، ولكلمة {من عندنا} ما ليس لغيرهما في الإيجاز، وهذا من حدّ الإعجاز. وبهذا تبين أنّ الآية دالة على أن آيات الصدق ظهرت وأنّ المحجوجين أيقنوا بصدق موسى وأنه جاء بالحق. واعتذارهم عن ظهور الآيات بأنها سحر هو اعتذار المغلوب العديم الحجة الذي قهرته الحجة وبهره سلطان الحقّ، فلم يبق له منتشب من المعارضة المقبولة فهو يهرع إلى انتحال معارضات بمعاذير لا تدخل تحت التمحيص ولا تثبت في محكّ النقد. «ولا بدّ للمغلوب من بارد العذر» وإذ قد اشتهر بين الدّهماء من ذوي الأوهام أنّ السحر يظهر الشيء في صورة ضدّه، ادّعى هؤلاء أنّ ما ظهر من دلائل صدق موسى هو سحر ظهر به الباطل في صورة الحقّ بتخييل السحر. ومعنى إدّعاء الحقّ سحراً أنّ دلائله من قبيل التخيلات والتمويهات، فكذلك مدلوله هو مدلول السحر وهو إنشاء تخيل باطل في نفوس المسحورين، وقد حملهم استشعارهم وَهَنَ معذرتهم على أن أبرزوا دعواهم في صورة الكلام المتثبّت صاحبُه فأكَّدوا الكلام بما دلّ عليه حرف التوكيد ولام الابتداء {إنّ هذا لسحرٌ}، وزادوا ذلك ترويجاً بأن وصفوا السِّحر بكونه مُبيناً، أي شديدَ الوضوح. والمبين اسم فاعل من أبان القاصر، مرادف بَانَ: ظهر. والإشارة بقوله: {إنّ هذا} إلى ما هو مشاهد بينهم حين إظهار المعجزة مثل انقلاب العصا حية، وخروج اليد بيضاء، أي أنّ هذا العمل الذي تشاهدونه سحر مبين. وجملة: {قال موسى} مجاوبة منه عن كلامهم ففُصلت من العطف على الطريقة التي استخرجناها في حكاية الأقوال، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة، إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30]، ونظائره الكثيرة. تولى موسى وحده دون هارون مجادلتهم لأنه المباشر للدعوة أصالة، ولأن المعجزات ظهرت على يديه. واستفهام {أتقولون} إنكاري. واللام في {للحق} لام التعليل. وبعضهم يسميها لام البيان. وبعضهم يسميها لام المجاوزة بمعنى (عن). وجملة: {أسحر هذا} مستأنفة للتوبيخ والإنكار، أنكر موسى عليهم وصفهم الآيات الحق بأنها سحر. والإشارة تفيد التعريض بجهلهم وفساد قولهم، بأن الإشارة إلى تلك الآيات كافية في ظهور حقيقتها وأنها ليست من السحر في شيء. ولذلك كان مفعول {أتقولون} محذوفاً لدلالة الكلام عليه وهو {إنّ هذا لسحر مبين} فالتقدير: أتقولون هذا القول للحق لمَّا جاءكم. وقريب منه قوله تعالى: {أية : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قُلتم}تفسير : [آل عمران: 183] وقوله: {أية : بَيَّت طائفة منهم غير الذي تقول}تفسير : [النساء: 81]. ولما نفى موسى عن آيات الله أن تكون سحراً ارتقى فأبان لهم فساد السحر وسوء عاقبة معالجيه تحقيراً لهم، لأنهم كانوا ينوّهون بشأن السحر. فجملة: {ولا يفلح الساحرون} معطوفة على جملة: {أسحر هذا}. فالمعنى: هذا ليس بسحر وإنما أعلم أن الساحر لا يفلح، أي لو كان ساحراً لما شنع حال الساحرين، إذ صاحب الصناعة لا يحقر صناعته لأنه لو رآها محقرة لما التزمها.

د. أسعد حومد

تفسير : (76) - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى وَهَارُونُ بِالحَقِّ الوَاضِحِ، وَالدَّلِيلِ القَاطِعِ، عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمَا، قَالُوا: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ لِمَنْ رَآهُ وَعَايَنَهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئاً آخَرَ يَنْسُبُونَ إِليهِ المُعْجِزَاتِ التِي أَرْسَلَ اللهُ بِهَا مُوسَى إِلَيْهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد جاءهم الحق على لسان الرسل ـ عليهم السلام ـ وعلى كل إنسان أن يفهم أنه حين يستقبل من الرسول رسالة الحق، فليفهم أنها رسالة ليست ذاتية الفكر من الرسول، بل قد أرسله بها الله الخالق الأعلى سبحانه وتعالى. ولذلك فالمتأبِّي على الرسول، لا يتأبَّى على مساوٍ له؛ لأن الرسول هو مُبلِّغ عن الله تعالى، والله سبحانه هو الذي بعثه، ويجب على الإنسان أن يعرف قدر البلاغ القادم من الله الحق، لأنه سبحانه هو الحق الأعلى، وهو الذي خلق كل شيء بالحق: سماء مخلوقة بالحق، وأرض مخلوقة بالحق، وشمس تجري بالحق، ومطر ينزل بالحق، وكل شيء ثابت ومتحرك بقوانين أرادها الحق سبحانه. ولو سيطر الإنسان - دون منهج - على قوانين الكائنات لأفسدها؛ لأن الفساد إنما يتأتى مما للإنسان دخل فيه، ويدخل إليه بدون منهج الله. والفساد إنما يجيء من ناحية اختيار الإنسان للبدائل التي لا يخضع فيها لمنهج الله تعالى. ولذلك إن أردتم أن تستقيم حياتكم استقامة الكائنات العليا التي لا دخل لكم فيها، فامتثلوا لمنهج الحق وميزانه؛ لأنه سبحانه هو القائل: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ}تفسير : [الرحمن: 7-8]. أي: إن كنتم تريدون أن تعتدل أموركم، وتنضبط انضباط الكائنات الأخرى فلتكن إرادة الاختيار المخلوقة لكم خاضعة لمنهج الله تعالى، وتسير في إطار هذا المنهج الرباني. وحين نتأمل قول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ..} [يونس: 76]. نجد في هذا القول توجيهاً إلى أن الحق لم يأت من ذوات الرسل؛ فهذه الذوات لا دخل لها في الموضوع، وإياك أن تهاجم رسالة حق جاءتك من إنسان لا تحبه، بل ناقش الحق في ذاته، ولا تدخل في متاهة البحث عمَّن جاء بهذا الحق، وانظر إلى من كفروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَهُمْ من قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ..}تفسير : [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد أدخلوا النازل عليه القرآن في الحكم، مع أن العقل كان يقتضي أن ينظروا إلى القرآن في ذاته، وأن يأخذوا الحكمة من أي وعاء خرجت. وعليك أنت أن تستفيد من هذا الأمر، وخُذ الحكمة من أي قائل لها، ولا تنظر إلى من جاءت الحكمة منه، فإن كنت تكرهه فأنت ترفض أن تأخذ الحكمة منه، وإن كنت تحبه أخذتها. لا، إن عليك أن تأخذ الحكمة ما دامت قد جاءت بالحق؛ لأنك إن لم تأخذها أضعت نفسك. والحق هو الشيء الثابت، وإن ظهر في بعض الأحيان أن هناك من طمس الحق، وأن الباطل تغلّب عليه، فهذا يعني ظهور المفاسد؛ فيصرخ الناس طالبين الحق. وانتشار المفاسد هو الذي يجعل الناس تستدعي الحق، وتتحمس له؛ لأن الباطل حين يَعَضُّ الناس، تجدهم يتجهون إلى الحق ليتمسكوا به. والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17]. والحق سبحانه هنا يضرب المثل النازل كسيل من السماء على الجبال، فيأخذ كل وادٍ أسفل الجبال على قدر احتماله، ويرتوى الناس، وترتوي الأرض، لكن السيل في أثناء نزوله على الجبال إنما يحمل بعضاً من الطمي، والقش، ويستقر الطمي في أرض الأودية؛ لتستفيد منه، أما القش والقاذورات فتطفو على سطح الماء، وتسمى تلك الأشياء الطافية زَبَداً، وساعة تضعها في النار، فهي تصدر أصواتاً تسمى (الطشطشة). ومثال ذلك: حين نوقد النار؛ لنصهر الحديد، نجد الخبث هو الذي يطفو، ويبقى الحديد النقي في القاع. هذا الزبد الذي وجد فوق الماء ينزاح على الجوانب، ومثال ذلك: ما نراه على شواطىء البحر حين يقذف الموج بقاذورات على الشاطىء، هذه القاذورات التي ألقتها البواخر، فيلفظها البحر بالموج، وهذا الزبد يذهب جُفاءً، أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ ..}تفسير : [الرعد: 17]. إذن: فالله سبحانه يترك للباطل مجالاً، ولكن لا يسلم له الحق، بل يترك الباطل؛ ليحفز غيرة الناس على الحق، فإن لم يغاروا على الحق غار هو عليه. وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 76]. ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر؛ ظنوا أن الآيات التي جاءت مع موسى - عليه السلام - هي السحر المبين، أي: السحر الظاهر الواضح. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} [يونس: 76] الذكر الذي هو من صفاتنا، فيعمل عمل الثعبان، ويظهر المعجزات مع فرعون النفس وصفاتها. {قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 76] يعني: فرعون النفس ترى معجزة ثعبان الذكر سحراً، {قَالَ مُوسَىٰ} [يونس: 77] أي: موسى القلب، {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ} [يونس: 77] أي: معجزات الذكر، {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} [يونس: 77] أي: تشكون وتشبهونها بالسحر. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} [يونس: 77] أي: لا فلاح في السحر، والفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي والظفر بالوجود الحقيقي، وإنما الفلاح في الذكر بقوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}تفسير : [الأنفال: 45]، {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [يونس: 78] وهذا من كلام النفس وصفاتها مع القلب ذكر التصرف عن عبادة الدنيا والهوى، {وَتَكُونَ لَكُمَا} [يونس: 78] السر والقلب، {ٱلْكِبْرِيَآءُ} [يونس: 78] السلطنة والتصرف. {فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 78] أي: أرض القالب، {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78] بمتبعين ولا مصدقين، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} [يونس: 79] النفس، {ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [يونس: 79] من الشياطين والنفوس المتمردة الساحرة في البيان، وبالوساوس والهواجس والتمويهات، {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} [يونس: 80] القلب، {أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} [يونس: 80] من تمويهاتكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا } الذي هو أكبر أنواع الحق وأعظمها، وهو من عند الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وهو رب العالمين، المربي جميع خلقه بالنعم. فلما جاءهم الحق من عند الله على يد موسى، ردوه فلم يقبلوه، و { قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ } لم يكفهم - قبحهم الله - إعراضهم ولا ردهم إياه، حتى جعلوه أبطل الباطل، وهو السحر: الذي حقيقته التمويه، بل جعلوه سحرًا مبينًا، ظاهرًا، وهو الحق المبين. ولهذا { قَالَ } لهم { مُوسَى } - موبخا لهم عن ردهم الحق، الذي لا يرده إلا أظلم الناس:- { أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ } أي: أتقولون إنه سحر مبين. { أَسِحْرٌ هَذَا } أي: فانظروا وصفه وما اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق. { وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاح، وعلى يديه النجاح. وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظفر الدنيا والآخرة.