Verse. 1441 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قَالَ مُوْسٰۗى اَتَقُوْلُوْنَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاۗءَكُمْ۝۰ۭ اَسِحْرٌ ہٰذَا۝۰ۭ وَلَا يُفْلِحُ السّٰحِرُوْنَ۝۷۷
Qala moosa ataqooloona lilhaqqi lamma jaakum asihrun hatha wala yuflihu alssahiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم» إنه لسحر «أسحر هذا» وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة «ولا يفلح الساحرون» والاستفهام في الموضعين للإنكار.

77

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ} إنه لسحر فحذف المحكي المقول لدلالة ما قبله عليه، ولا يجوز أن يكون. {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} لأنهم بتوا القول بل هو استئناف بإنكار ما قالوه اللهم إلا أن يكون الاستفهام فيه للتقرير والمحكي مفهوم قولهم، ويجوز أن يكون معنى {أَتقُولُونَ لِلْحَقّ} أتعيبونه من قولهم فلان يخاف القالة كقوله تعالى: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ }تفسير : [الأنبياء: 60] فيستغني عن المفعول. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ} من تمام كلام موسى للدلالة على أنه ليس بسحر فإنه لو كان سحراً لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة، ولأن العالم بأنه لا يفلح الساحر لا يسحر، أو من تمام قولهم إن جعل أسحر هذا محكياً كأنهم قالوا أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون. {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا واللفت والفتل أخوان. {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} من عبادة الأصنام. {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء فِى ٱلأَرْضِ} الملك فيها سمي بها لاتصاف الملوك بالكبر، أو التكبر على الناس باستتباعهم. {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} بمصدقين فيما جئتما به. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلّ سَـٰحِرٍ} وقرأ حمزة والكسائي «بكل سحار». {عَلِيمٌ} حاذق فيه. {فَلَمَّا جَاء ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ}. {فَلَمَّا أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} أي الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحراً. وقرأ أبو عمرو {ٱلسِّحْرُ} على أن {مَا} استفهامية مرفوعة بالابتداء وجئتم به خبرها و {ٱلسِّحْرُ} بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره أهو السحر، أو مبتدأ خبره محذوف أي السحر هو. ويجوز أن ينتصب ما يفعل يفسره ما بعده وتقديره أي شيء أتيتم. {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} سيمحقه أو سيظهر بطلانه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} لا يثبته ولا يقويه وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ } إنه لسحر {أَسِحْرٌ هَـٰذَا }؟ وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ } والاستفهام في الموضعين للإِنكار.

النسفي

تفسير : {قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ } هو إنكار ومقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم استأنف إنكاراً آخر فقال: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا } خبر ومبتدأ {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ } أي لا يظفر. {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } لتصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } من عبادة الأصنام أو عبادة فرعون {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء } أي الملك لأن الملوك موصوفون بالكبرياء والعظمة والعلو {فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين فيما جئتما به {ويكن} حماد ويحيى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } {سحار} حمزة وعلي {فَلَمَّا جَاء ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ } «ما» موصولة واقعة مبتدأ، أو {جئتم به} صلتها و{السحر} خبر أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله. {آلسحر} بعد وقف: أبو عمرو على الاستفهام، فعلى هذه القراءة «ما» استفهامية أيْ أيّ شيء جئتم به أهو السحر {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يظهر بطلانه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } لايثبته بل يدمره {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ } ويثبّته {بِكَلِمَـٰتِهِ } بأوامره وقضاياه أو يظهر الإسلام بعداته بالنصرة {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } ذلك {فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ } في أول أوامره {إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ } إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل كأنه قيل: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف، أو الضمير في {قومه} لفرعون والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنة وماشطته والضمير في {وَملإيهِمْ} يرجع إلى فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو إلى الذرية أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم دليله قوله {أَن يَفْتِنَهُمْ } يريد أن يعذبهم فرعون {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ } لغالب فيها قاهر {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } في الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ مُوسَىٰ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال تنساق إليه الأذهانُ كأنه قيل: فماذا قال لهم موسى حينئذٍ؟ فقيل: قال على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ التوبـيخيِّ: {أَتقُولُونَ لِلْحَقّ} الذي هو أبعدُ شيءٍ من السحر الذي هو الباطلُ البحتُ {لَمَّا جَاءكُمْ} أي حين مجيئِه إياكم ووقوفِكم عليه أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبرٍ، وكلا الحالين مما ينافي القولَ المذكور، والمقولُ محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله وما بعده عليه وإيذاناً بأنه مما لا ينبغي أن يُتفوَّه به ولو على نهج الحكاية، أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحرٌ يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله قائلٌ ويتكلمَ به متكلمٌ أو القول بمعنى العيب والطعن، من قولهم: فلان يخاف القالَةَ، وبـين الناسِ تقاولٌ إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيرُه الذكرُ في قوله تعالى: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ }تفسير : [الأنبياء: 60] الخ، فيُستغنى عن المفعول أي أتعيبونه وتطعنون فيه وعلى الوجهين فقوله عز وجل: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} إنكارٌ مستأنفٌ من جهته عليه السلام لكونه سحراً وتكذيبٌ لقولهم وتوبـيخٌ لهم على ذلك إثرَ توبـيخٍ وتجهيلٌ بعد تجهيلٍ، أما على الأول فظاهرٌ وأما على الثاني فوجهُ إيثارِ إنكارِ كونه سحراً على إنكار كونِه معيباً بأن يقال مثلاً: أفيه عيبٌ حسبما يقتضيه ظاهرُ الإنكارِ السابق التصريحَ بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبـيهِ بالإنكار السابقِ على أن ليس فيه شائبةُ عيبٍ ما وما في هذا من معنى القربِ لزيادة تعيـينِ المشارِ إليه واستحضارِ ما فيه من الصفات الدالةِ على كونه آيةً باهرةً من آيات الله المناديةِ على امتناع كونِه سحراً أي أسحرٌ هذا الذي أمرُه واضحٌ مكشوفٌ وشأنُه مشاهَدٌ معروفٌ بحيث لا يرتاب فيه أحدٌ ممن له عين مبُصِرةٌ وتقديمُ الخبر للإيذان بأنه مُنْصَبُّ الإنكارِ ولما استلزَم كونُه سحراً كونَ من أتىٰ به ساحراً أكِّد الإنكارُ السابق وما فيه من التوبـيخ والتجهيل بقوله عز وجل: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ} وهو جملةٌ حالية من ضمير المخاطَبـين والرابطُ هو الواو بلا ضمير كما في قول من قال: شعر : جاء الشتاءُ ولست أملِك عُدّةً تفسير : وقولِك: جاء وحده زيدٌ ولم تطلُع الشمس أي أتقولون للحق إنه سحرٌ والحالُ أنه لا يُفلح فاعلُه أي لا يظفَر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدورُه من مثلي من المؤيَّدين من عند الله العزيزِ الحكيم الفائزين بكل مطلب الناجين من كل محذورٍ وقوله تعالى: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} جملةٌ معترضةٌ بـين الحال وصاحبِها أكّد بها الإنكارُ السابقُ ببـيان استحالةِ كونه سحراً بالنظر إلى ذاته قبل بـيانِ استحالتِه بالنظر إلى صدوره عنه عليه السلام هذا، وأما تجويزُ أن يكون الكلُّ مقولَ القولِ على أن المعنى أجئتما السحر تطلُبان به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون؟ فمما لا يساعده النظمُ الكريم أصلاً أما أولاً فلأن ما قالوا هو الحكمُ بأنه سحرٌ من غير أن يكون فيه دِلالةٌ على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه فصرفُ جوابِه عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يُفهم منه أصلاً مما يجب تنزيهُ النظمِ التنزيليِّ عن الحمل على أمثاله وأما ثانياً فلأن التعرضَ لعدم إفلاحِ السحرةِ على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبـينِ دون الكثرةِ المتشبثين بأذيال بعضٍ منهم في معارضته عليه السلام ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيصَ عدم الإفلاح بمن زعموه ساحراً بناءً على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثاً فلأن قولَه عز وجل:{قَالُواْ أَجِئْتَنَا} الخ، مسوقٌ لبـيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجرَ فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلقٌ بكلامه عليه السلام فضلاً عن الجواب الصحيحِ واضطروا إلى التشبّث بذيل التقليدِ الذي هو دأبُ كل عاجزٍ محجوجٍ وديدنُ كلِّ عاجزٍ على أنه استئنافٌ وقع جواباً عما قبله من كلامه عليه السلام على طريقة قوله تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ} الخ، حسبما أشير إليه، كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى عليه السلام عندما قال لهم ما قال؟ فقيل: قالوا عاجزين عنه المحاجّة: أجئتنا {لِتَلْفِتَنَا} أي لتصْرِفنا فإن الفتلَ واللفتَ أخوَان {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} أي من عبادة الأصنامِ، ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ذكر من تتمة كلامِه عليه السلام على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونِه محكياً من قِبَلهم يكون جوابُه عليه السلام خالياً من التبكيت الملجىءِ لهم إلى العدول عن سنن المُحاجّة ولا ريب في أنه لا علاقةَ بـين قولِهم: أجئتنا الخ، وبـين انكارِه عليه السلام لما حُكيَ عنهم مصححةٌ لكونه جواباً عنه {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء} أي المُلكُ أو التكبرُ على الناس باستتباعهم وقرىء ويكون بالياء التحتانية. وكلمة «في» في قوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض مصرَ متعلقةٌ بتكون أو بالكبرياء أو بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً أو بمحذوف وقع حالاً من الكبرياء أو من الضمير في لكما لتحمُّله إياه {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدّقين فيما جئتما به وتثنيةُ الضمير في هذين الموضعين بعد إفرادِه فيما تقدم من المقامين باعتبار شمولِ الكبرياءِ لهما عليهما السلام واستلزامِ التصديقِ لأحدهما التصديقَ للآخر، وأما اللفتُ والمجيءُ له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعةِ أسند إلى موسى عليه السلام خاصة {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} توحيدُ الفعلِ لأن الأمرَ من وظائف فرعونَ أي قال لملئه يأمرُهم بترتيب مبادي إلزامِهما عليهما السلام الفعل بعد اليأسِ من إلزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأسِ من إلزامهما بالقول: {ٱئْتُونِى بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ} بفنون السحر حاذقٍ ماهرٍ فيه، وقرىء سحار {فَلَمَّا جَاء ٱلسَّحَرَةُ} عطف على مقدر يستدعيه المقامُ قد حذف إيذاناً بسرعة امتثالِهم لأمر فرعونَ كما هو شأنُ الفاء الفصيحة في كل مقام أي فأتَوا به فلما جاؤا {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} لكن لا في ابتداء مجيئِهم بل بعد ما قالوا له عليه السلام ما حُكي عنهم في السور الأُخَرِ من قولهم: {أية : إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } تفسير : [الأعراف: 115] ونحو ذلك {أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ} أي ملقون له كائناً ما كان من أصناف السحر {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ} ما ألقَوْا من العِصِيّ والحبالِ واسترهبوا الناسَ وجاؤوا بسحر عظيم {قَالَ} لهم {مُوسَىٰ} غيرَ مكترثٍ بهم وبما صنعوا {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} ما موصولةٌ وقعت مبتدأ والسحرُ خبرُه أي هو السحرُ لا ما سماه فرعونُ وقومه من آيات الله سبحانه أو هو من جنس السحرِ يُريهم أن حالَه بـيِّن لا يُعبأ به كأنه قال: ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به، وقرىء أالسحر على الاستفهام فما استفهاميةٌ أي أيُّ شيء جئتم به أهو السحرُ الذي يعرِف حالَه كلُّ أحدٍ ولا يتصدى له عاقلٌ؟ وقرىء ما جئتم به سحرٌ وقرىء ما أتيتم به سحرٌ ودلالتُهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهرُ {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} أي سيمحقه بالكلية بما يُظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثرٌ أصلاً أو سيظهر بطلانُه للناس والسين للتأكيد {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي عملَ جنسِ المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه السحرُ دخولاً أولياً أو عملُكم فيكون من باب وضعِ المظهرِ موضعَ المضمرِ للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعارِ بعلة الحكم، وليس المرادُ بعدم إصلاحِ عملِهم عدَم جعل فسادِهم صلاحاً بل عدمَ إثباتِه وإتمامِه أي لا يُثبته ولا يُكمله ولا يُديمه بل يمحقه ويُهلكه ويسلِّط عليه الدمارَ، والجملةُ تعليلٌ لما سبق من قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} والكلُّ اعتراضٌ تذيـيليٌّ وفيه دليلٌ على أن السحر إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقةٌ له.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال موسى} على طريقة الاستفهام الانكارى التوبيخى وهو استئناف بيانى {أتقولون للحق} الذى هو ابعد شيء من السحر لذى هو الباطل البحت {لما جاءكم} اى حين مجيئه اياكم ووقوفكم عليه او من اول الامر من غير تأمل وتدبر وكلا الحالين مما ينافى القول المذكور والمقول محذوف لدلالة ما قبله عليه اى أتقولون له انه لسحر وهو مما لا يمكن ان يقوله قائل ويتكلم به متكلم ويجوز ان يكون القول بمعنى العيب والطعن من قولهم فلان يخاف القالة اى العيب وبين الناس تقاول اذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه ونظيره الذكر فى قوله تعالى {أية : سمعنا فتى يذكرهم} تفسير : اى يعيبهم فيستغنى عن المفعول اى {أتعيبونه} وتطعنون فيه {أسحر هذا} الذى امره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف بحيث لا يرتاب فيه احد ممن له عين مبصرة وهو انكار مستأنف من جهة موسى لكونه سحرا وتقديم الخبر للايذان بانه مصب الانكار {ولا يفلح الساحرون} جملة حالية من ضمير المخاطبين اى أتقولون انه سحر والحال انه لا يفلح فاعله اى لا يظفر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدوره من مثلى من المؤيدين من عند الله الفائزين بكل مطلب لناجين من كل محذور

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن موسى انه قال لقومه الذين نسبوه إلى السحر {أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} ويريد بذلك تبكيتهم وتهجينهم. ثم قال موسى {ولا يفلح الساحرون} اي لا يفوزون بشيء من الخير. ويجوز أن يكون ذلك اخباراً من الله تعالى لا حكاية عن موسى وذلك يدل على بطلان السحر أجمع. وقيل في تكرير الف الاستفهام في قوله {أسحر هذا} بعد ان قال {أتقولون} ثلاثة اقوال: احدها - انه يكون لتأكيد التقريع على الحذف كأنه قال اتقولون للحق لما جاءكم ان هذا لسحر مبين اسحر هذا. والثاني - على وجه التكرار كقولك اتقول اعندك مال. والثالث - أن يكون حكاية قولهم وان اعتقدوا انه السحر كما يقول الرجل للجارية اذا أتته أحق هذا. فيقولونه على التعجب. ولو قالوا الحق لا يكون سحراً. ولكن ليس بحق لقال لهم فلو كان حقاً كيف كان الا هكذا من قلب الجماد حيواناً يرونه عياناً وغير ذلك من الايات.

اطفيش

تفسير : {قالَ مُوسَى أتقُولُون للحقِّ لما جَاءكُم} محكى القول الأول هو القول الثانى، ومحكى الثانى محذوف، أى أتقولون للحق لما جاءكم إنه سحر، ويجوز تقدير مفعوله مفردا فى معنى الجملة، أى أتقولون بالحق لما جاءكم ذلك، أى ذلك المذكور من قولهم: {أية : إن هذا لسحر مبين} تفسير : ويدل على الوجهين السياق السابق واللاحق. ويجوز أن يكون تقولون بمعنى تعيبون وتطعنون، فاللام بمعنى فى، ولا مفعول القول، يقال: فلان يخاف القالة، أى العيب، وبين الناس تقاول، أى تعايب كما قيل فى: {أية : سمعنا فتى يذكرهم} تفسير : أى يعيبهم يسمون العيب قولا، لأن العيب والطعن يكونان باللسان، وليس المحكى هو قوله: {أسحرٌ هذا} بل هذا من مقول موسى كما قال ابن هشام، وقيل: من كلام الله إنكارا لما قالوا، وتوبيخا لهم عليه، لأنهم قالوا: إنه سحر مبين على سبيل القطع كما مر، لا على طريق الاستفهام، اللهم إلا أن يكون ذلك محكيا من طريق المعنى، على أن الهمزة تعظيم منهم للسحر الذى رأوه من موسى فى زعمهم، فإن قولهم: {أية : إن هذا لسحر مبين} تفسير : بثلاثة تأكيدات، والوصف بالإنابة، وقولهم: {أسحر هذا} بأداة التعظيم بمعنى واحد، وإلا أن يكون محكيا مفهوما من كلامهم على أن الهمزة للتقرير، أى أقررنا موسى بأن هذا سحر، وقيل: إن هذا من مقول طائفة منهم جاهلة للأمر، فهى تستفهم وهو ضعيف. {ولا يُفْلح السَّاحِرُونَ} من كلام موسى، أو من كلام الله، لأنهم يفتضحون ببطلان سحرهم، وظهور أنه تمويه، وكان سحرهم نوعا من تخييل بآلات وأدوية، ولو كانت تلك الآيات سحرا لاضمحلت، ولكانت غير مبطلة لسحرهم، ولكانت غير مفلح، وهذا كناية عن أنهن غير سحرة، فإن من علم أن الساحر لا يفلح لا يسحر، أو من كلامه على جعل {أسحر هذا} محكيا بقولهم: "وجعل" الهمزة فيه للتقرير، كأنه قيل: أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح، ولا يفلح الساحرون.

الالوسي

تفسير : {قَالَ مُوسَىٰ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال لهما موسى عليه السلام؟ فقيل: قال لهم على سبيل الاستفهام الإنكاري التوبيخي {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ} الذي هو أبعد شيء من السحر الذي هو الباطل البحت {لَمَّا جَآءَكُمْ} أي حين مجيئه إياكم ووقوفكم عليه وهو الذي يقتضيه ما أشير إليه آنفاً، أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبر كما قيل، وإياً ما كان فهو مما ينافي القول الذي في حيز الاستفهام، والمقول محذوف ثقة بدلالة ما قبل وما بعد عليه وإيذاناً بأنه مما لا ينبغي أن يتفوه به ولو على نهج الحكاية، أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحر مبين؟ يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله قائل ويتكلم به متكلم، وجوز أن يكون مقول القول قوله عز وجل: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} على أن مقصودهم بالاستفهام تقريره عليه السلام لا الاستفهام الحقيقي لأنهم قد بتوا القول بأنه سحر فكيف يستفهمون عنه، والمحكي في أحد الموضعين مفهوم قولهم ومعناه وإلا فالقصة واحدة والصادر فيها بحسب الظاهر إحدى المقالتين ولا يخفى ضعفه، وأن يكون القول بمعنى العيب والطعن من قولهم: فلان يخاف القالة وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه، ونظيره الذكر في قوله تعالى: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ}تفسير : [الأنبياء: 60] وحينئذ يستغنى عن المفعول، واللام لبيان المطعون فيه كما في قوله تعالى: {أية : هَيْتَ لَكَ }تفسير : [يوسف: 23] أي أتعيبونه وتطعنون فيه، وعلى هذا الوجه وكذا الوجه الأول يكون قول سبحانه: {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} إنكاراً مستأنفاً من جهة موسى عليه السلام لكونه سحراً وتكذيب لقولهم وتوبيخ لهم عليه إثر توبيخ وتجهيل إثر تجهيل، أما على الوجه المتقدم فظاهر، وأما على الوجه الأخير فوجه إيثار إنكار كونه سحراً على إنكار كونه معيباً بأن يقال: أفيه عيب؟ حسبما يقتضيه ظاهر الإنكار السابق التصريح بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبيه بالإنكار الأول على أنه ليس فيه شائبة عيب ما، وتقديم الخبر للإيذان بأنه مصب الإنكار، وما في اسم الإشارة من معنى القرب لزيادة تعيين المشار إليه واستحضار ما فيه من الصفات الدالة على كونه آية باهرة من آيات الله تعالى المنادية على امتناع كونه سحراً، أي أسحر هذا الذي أمره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف بحيث لا يرتاب فيه أحد ممن له عين مبصرة. وقوله سبحانه: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ} تأكيد للإنكار السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل، وقد استلزم القول بكونه سحراً القول بكون من أتى به ساحراً، والجملة في موضع الحال من ضمير المخاطبين والرابط الواو بلا ضمير كما في قوله: شعر : جاء الشتاء ولست أملك عدة تفسير : وقولك: جاء زيد ولم تطلع الشمس، أي أتقولون للحق إنه سحر والحال أنه لا يفلح فاعله أي لا يظفر بمطلوب ولا ينجو من مكروه وأنه قد أفلحت وفزت بالحجة ونجوت من الهلكة، وجملة {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} معترضة بين الحال وذيها لتأكيد الإنكار السابق ببيان استحالة كونه سحراً بالنظر إلى ذاته قبل بيان استحالته بالنظر إلى صدوره منه عليه السلام. ومن جعلها مقول القول أبقى الحالية على حالها ولا اعتراض عنده، وكان المعنى على ذلك أتحملوني على الإقرار بأنه سحر وما أنا عليه من الفلاح دليل على أن بينه وبين السحر أبعد مما بين المشرق والمغرب، وقيل: يجوز أن تكون هذه الجملة كالتي قبلها في حيز قولهم وهي حالية أيضاً لكن على نمط آخر والاستفهام مصروف إليها، والمعنى أجئتنا بسحر تطلب به الفلاح والحال أنه لا يفلح الساحر، أو هم يتعجبون من فلاحه وهو ساحر، ولا يخفى أن السباق والسياق يأبيان / هذا التجويز فلا ينبغي حمل النظم الجليل على ذلك. وفي «إرشاد العقل السليم» أن تجويز أن يكون الكل مقول القول مما لا يساعده النظم الكريم أصلاً، أما أولاً فلأن ما قالوا هو الحكم بأنه سحر من غير أن يكون فيه دلالة على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه، فصرف جوابه عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يفهم منه [أصلاً] مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله؛ (وكون ذلك اعراضاً عن رد الإنكار السابق إلى رد ما هو أبلغ منه في الإنكار لا أراه يحسن الالتفات هنا إلى قبول ذلك التجويز في كلام الله تعالى العزيز). وأما ثانياً فلأن التعرض لعدم افلاح السحرة على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبين دون الكفرة المتشبثين بأذيال بعض منهم في معارضته عليه السلام ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيص عدم الإفلاح بمن زعموه ساحراً بناء على غلبة من يأتون به من السحرة، (والاعتذار بأن التشبث بأذيال بعض السحرة لا ينافي التعرض لعدم إفلاحهم على الإطلاق لجواز أن يكون اعتقادهم عدم الإفلاح مطلقاً وتشبثهم بعد بما تشبثوا به من باب تلقي الباطل بالباطل لا أراه إلا من باب تشبث الغريق بالحشيش)، وأما ثالثاً فلأن قوله عز وجل: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا...}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّاحِرُونَ} (77) - وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى مُوَّبِخاً، وَمُسْتَنْكِراً قَوْلَهُمْ َواتِّهَامَهُمْ إِيَّاهُ بِالسِّحْرِ: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ الوَاضِحِ الظَّاهِرِ، لَمَّا جَاءَكُمْ، إِنَّهُ سِحْرٌ، فَهَلْ هذا سِحْرٌ، وَإِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وَلاَ يَنْجَحُ السَّاحِرُونَ وَلا يُفْلِحُونَ، لأَِنَّ السِّحْرَ بَاطِلٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي هذه الآية ما يوضح رد سيدنا موسى عليه السلام: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ..} [يونس: 77]. والذين يتوركون على القرآن يقولون: كيف يأتي القرآن ليؤكد أنهم قالوا إن هذا لسحر مبين، ثم يأتي في الآية التي بعدها ليقول إنهم قالوا متسائلين: أسحرٌ هذا؟ وفَهِم هؤلاء الذين يتوركون على القرآن أن كلمة {أَسِحْرٌ هَـٰذَا} من كلماتهم، ولكن هذا هو قول موسى عليه السلام، وكأن موسى عليه السلام قد تساءل؛ ليعيدوا النظر في حكمهم: هل ما جاء به سحر؟ وهذا استفهام استنكاري، وأريد به أن يؤكد أن هذا ليس بسحر، ولكن جاء بصيغة التساؤل؛ لأنه واثق أن الإجابة الأمينة ستقول: إن ما جاء به ليس سحراً. ولو جاء كلام موسى - عليه السلام - كمجرد خَبَر لكان يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، لكنه جاء بصيغة الاستفسار؛ لأن المكذِّب له سيجيب بلجلجة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أنت حين تذهب لشراء قماش، فيقول لك البائع: إنه صوف خالص ونقي، فتمسك بعود كبريت وتشعل النار في خيط من القماش، فإن احترق الصوف كما يحترق البلاستيك أو القماش الصناعي، فأنت تقول للبائع: وهل هذا صوف نقي يا رجل؟ وهنا لن يجيب البائع إلا بالموافقة، أو بصمت العاجز عن حجب الحقيقة. إذن: أنت إن طرحت الأمر باستفهام إنكاري فهذا أبلغ من أن تقوله كخبر مجرد؛ لأن السامع لك لا بد أن يجيب. وقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى عليه السلام: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ..} [يونس: 77]. يفيد ضرورة النظر إلى الحق مجرداً عمَّن جاء به. ولذلك لم يقل موسى عليه السلام: أتقولون للحق لما جئناكم به: إنه سحر مبين؟ إن القول الحكيم الوارد في الآية الكريمة هو تأكيد على ضرورة النظر إلى الحق مجرداً عمّن جاء به. وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {.. أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} [يونس: 77]. إذن: فسيدنا موسى - عليه السلام - قد أصدر الحكم بأن السحر لا ينفع، ولكن الآيات التي جاء بها من الحق سبحانه قد أفلحت، فقد ابتلعت عصاه - التي صارت حية - كل ما ألقوه من حبالهم؛ وكل ما صنعوه من سحر. وأراد الحق سبحانه لعصا موسى أن تكون آية معجزة من جنس ما نبغ فيه القوم. فالله سبحانه حين يرسل معجزةً إلى قوم؛ يجعلها من جنس ما نبغوا فيه؛ لتكون المعجزة تحدياً في المجال الذي لهم به خبرة ودربة ودراية؛ فأنت لن تتحدى رجلاً لا علم له بالهندسة؛ ليبني لك عمارة، ولكنك تتحدى مهندساً أن يبني لك هرماً؛ لأن العلوم المعاصرة لم تتوصل إلى بعض ما اكتشفه القدماء ولم يسجلوه في أوراقهم، أو لم يعثر على كشف يوضح كيف فرَّغوا الهواء بين كل حجر وآخر فتماسكت الحجارة. وقول الحق سبحانه وتعالى هنا: {.. وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} [يونس: 77]. يبين لنا أن الفلاح مأخوذ من العملية الحسية التي يقوم بها الفلاح من جهد في حرث الأرض ووضع البذور، وري الأرض وانتظار الثمرة بعد بذل كل ذلك الجهد. والفلاح أيضاً مأخوذ من فلح الحديد، أي: شق الحديد، ككتل أو كقطع، ولا يصلح إلا إذا أخذ الحديد الشكل المناسب للاستعمال. وقول الحق سبحانه: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} [يونس: 77]. هو لَفْتٌ لنا أن السحر نوع من التخييل، وليس حقيقةً واقعةً. ولذلك قال الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الأعراف: 116]. وقال الحق سبحانه أيضاً: {أية : .. فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 66]. إذن فالسحر هو تخييل فقط وليس تغييراً للحقيقة. ولأن معجزة موسى - عليه السلام - تحدَّت كل القدرات؛ لذلك أعلن فرعون التعبئة العامة بين كل من له علاقة بالسحر، الذي هم متفوقون فيه، أو حتى من لهم شبهة معرفة بالسحر. ولأن السحر مجرد تخييل، وجدنا السحرة حين اجتمعوا وألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه، فإذا بعصاه قد تحولت إلى حية تلقف ما صنعوا، وهنا ماذا فعل السحرة؟ يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة طه: {أية : فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70]. لأن الساحر يرى ما يفعله على حقيقته، وهم خيَّلوا لأعين الناس، لكنهم يرون حبالهم مجرد حبال أو عصيهم مجرد عصي. أما عصا موسى - عليه السلام - فلم تكن تخييلاً، بل وجدها السحرة حية حقيقية، ولقفت بالفعل ما صنعوا؛ ولذلك خرُّوا ساجدين، وأعلنوا الإيمان برب موسى وهارون. هم - إذن - لم يعلنوا الإيمان بموسى وهارون، بل أعلنوا الإيمان: {أية : بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70]. لأنهم عرفوا بالتجربة أن ما ألقاه موسى ليس سحراً، بل هو مِنْ فعل خالق أعلى. وكان ثبات موسى - عليه السلام - في تلك اللحظة نابعاً من التدريب الذي تلقَّاه من ربه، فقد سأله الحق سبحانه: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي}تفسير : [طه: 17-18]. وقد أجمل موسى وفصَّل في الرد على الحق سبحانه؛ إيناساً وإطالة للأنس بالله تعالى، وحين رأى أنه أطال الإيناس أوجز وقال بأدب: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]. إذن: فقد أدركته أولاً شهوة الأنس بالله تعالى، وأدرك ثانياً أدب التخاطب مع الله تعالى، ودرَّبه الحق سبحانه على مسألة العصا حين أمره أولاً أن يلقيها، فصارت أمامه حية تسعى، ولو كانت من جنس السحر لما أوجس منها خيفة ولرآها مجرد عصا. إذن: فالفرق بين معجزة موسى وسحرة فرعون، أن سحرة فرعون سحروا أعين الناس وخُيِّل إلى الناس من سحرهم أن عصيَّهم وحبالهم تسعى، لكن معجزة موسى - عليه السلام - في إلقاء العصا، عرفوا هم بالتجربة أن تلك العصا قد تغيرت حقيقتها. والعصا - كما نعلم - أصلها فرع من شجرة، وكان باستطاعة الحق سبحانه وتعالى أن يجعلها تتحول إلى شجرة مثمرة، لكنها كانت ستظل نباتاً. وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى المرتبة الأعلى من النبات؛ وهي المرحلة الحيوانية، فصارت حية تلقف كل ما ألقاه السحرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا ...}.