Verse. 1442 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قَالُوْۗا اَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْہِ اٰبَاۗءَنَا وَتَكُوْنَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاۗءُ فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا ￀مِنِيْنَ۝۷۸
Qaloo ajitana litalfitana AAamma wajadna AAalayhi abaana watakoona lakuma alkibriyao fee alardi wama nahnu lakuma bimumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا أجئتنا لتَلفِتَنا» لتردنا «عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء» الملك «في الأرض» أرض مصر «وما نحن لكما بمؤمنين» مصدقين.

78

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام، وعللوا عدم القبول بأمرين: الأول: قوله: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَائِنَا } قال الواحدي: اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر، وأصله اللَّيّ يقال: لفت عنقه إذا لواها، ومن هذا يقال: التفت إليه، أي أمال وجهه إليه. قال الأزهري: لفت الشيء وفتله إذا لواه، وهذا من المقلوب. واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا: لا نترك الدين الذي نحن عليه، لأنا وجدنا آبائنا عليه، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار. والسبب الثاني: في عدم القبول قوله: {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء فِى ٱلأَرْضِ } قال المفسرون: المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهارون. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه، فصار أكبر القوم. واعلم أن السبب الأول: إشارة إلى التمسك بالتقليد، والسبب الثاني: إشارة إلى الحرص على طلب الدنيا، والجد في بقاء الرياسة، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ }. واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم، {قَالَ لَهُمُ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ }. فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟ قلنا: إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى: إن ما جئت به سحر، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الحبال والعصي. المسألة الثانية: قوله: {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ } ما ههنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء، وخبرها السحر، قال الفراء: وإنما قال: {ٱلسِّحْرُ } بالألف واللام، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا: لما جاءهم موسى هذا سحر، فقال لهم موسى: بل ما جئتم به السحر، فوجب دخول الألف واللام، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له. وقرأ أبو عمرو: {ٱلسِّحْرُ } بالاستفهام، وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل: أي شيء جئتم به. ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع: {ٱلسِّحْرُ } كقوله تعالى: { أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 116] والسحر بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت أعشرون بدلاً من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه وصار ما كان خبراً عن المبدل منه خبراً عنه. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي لا يقويه ولا يكمله. ثم قال: {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ } ومعنى إحقاق الحق إظهارُه وتقويتُه. وقوله: {بِكَلِمَـٰتِهِ } أي بوعده موسى. وقيل بما سبق من قضائه وقدره، وفي كلمات الله أبحاث غامضة عميقة عالية، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي تصرفنا وتَلْوِينا، يقال: لفته يلفِته لَفْتاً إذا لواه وصرفه. قال الشاعر:شعر : تلفّتُّ نحو الحيِّ حتى رأيتُني وجِعْتُ من الإصغاء لِيتاً وأُخْدَعَا تفسير : ومن هذا ٱلتفت إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه. {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} يريد من عبادة الأصنام. {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ} أي العظمة والملك والسلطان. {فِي ٱلأَرْضِ} يريد أرض مصر. ويقال للملك: الْكِبْرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا. {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} وقرأ ٱبن مسعود والحسن وغيرهما «ويكون» بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي اليوم ٱمرأتان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } لتردّنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيآءُ } الملك {فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } مصدّقين.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِتَلْفِتَنَا} لتلوينا، لفت عنقه لواها، أو لتصدنا، أو لتصرفنا، لفته لفتاً: صرفه. {الْكِبْرِيَآءُ} الملك، أو العظمة، أو العلو، أو الطاعة.

القشيري

تفسير : ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا... فلحقهم شؤمُ العقيدةِ وسوءُ الطريقة حتى توهموا أن الأنبياءَ عليهم السلام إنما دَعَوْهم إلى الله لتكونَ لهم الكبرياءُ على عباد الله، ولم يعلموا أنهم إنما دَعَوْهم إلى الله بأمر الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} استئناف بيانى كأنه قيل فما ذا قال فرعون واصحابه لموسى عند ما قال لهم ما قال فقيل قالوا عاجزين عن المحاجة {أجئتنا} خطاب لموسى وحده لانه هو الذى ظهرت على يده معجزة العصا واليد البيضاء {لتلفتنا} اى لتصرفنا واللام متعلقة بالمجيء اى أجئتنا لهذا الغرض {عما وجدنا عليه آباءنا} اى من عبادة الاصنام. وقال سعدى المفتى الظاهر من عبادة غير الله تعالى فانهم كانوا يعبدون فرعون {وتكون لكما الكبرياء} اى الملك لان الملوك موصوفون بالكبر والتعظم {فى الارض} اى ارض مصر فلا نؤثر رياستكما على رياسة انفسنا فلما بينوا ان سبب اعراضهم عن قبول دعوتهما هذان الامران صرحوا بالحكم المتفرع عليهما فقالوا {وما نحن لكما بمؤمنين} اى بمصدقين فيما جئتما به

الطوسي

تفسير : روى العليمي {ويكون} بالياء. الباقون بالتاء. وجه الياء انه تأنيث غير حقيقي، وقد فصل بينهما. ومن قرأ بالتاء فلان الكبرياء لفظها لفظ التأنيث. أخبر الله تعالى عن قوم موسى انهم قالوا له لما اظهر لهم المعجزات ودعاهم إلى التصديق بنبوته {أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} اي لتصرفنا عن ذلك واللفت الصرف عن امر تقول: لفته يلفته لفتاً. ولفت عنقه اذا لواها، قال رؤبة: شعر : ولفت لفات لها حصاد تفسير : وقال ايضاً: شعر : لفتاً وتهزيعاً سواء الّلفت تفسير : التهزيع الدق واللفت اللي. وقوله {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} قال مجاهد: الكبرياء الملك. وقال قوم هي العظمة. وقال آخرون هي السلطان. والكبرياء استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب. والالف في قوله {أجئتنا} الف استفهام، والمراد به الانكار على طريق اللجاج والحجاج منهم. فتعلقوا بالشبهة في انهم على رأي آبائهم. وان من دعاهم إلى خلافه فظاهر امره انه يريد التأمر عليهم. وقوله {وما نحن لكما بمؤمنين} حكاية انهم قالوا لموسى وهارون لسنا بمصدقين لكما فيما تدعيانه من النبوة.

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} اى السّلطنة فى ارض مصر {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} تصريح بما اشعروا به فى ضمن انكار صرفهم وكبريائهما من عدم انقيادهم لهما.

اطفيش

تفسير : {قالُوا أجِئتنا} بذلك السحر {لتلْفِتَنا} تصرفنا {عمَّا وجَدْنا عَليه آباءنا} من عبادة الأصنام {وتَكونَ} وقرئ بالتحتية لظهور مرفوعة، مع مجازية تأنيثه ومع الفصل {لكُما} لك ولهارون {الكِبْرياءُ} الرياسة أو الملك، فيكونون سموا الملك بالكبرياء لاتصاف الملوك بها، وبالتكبر على الناس، وعن الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من الدنيا، ويجوز أن يكون المراد ذمهما بأنهما يريدان أن يتجبرا وحاشاهما من ذلك، والكبرياء مصدر. {فى الأرْضِ} حقيقة الأرض، أو الأرض المعهودة بالحضور، وهى أرض مصر {وما نَحْنُ لكُما بمؤْمِنينَ} أى بمصدقين لكما، فاللام للتقوية، أو بمنقادين لكما فهى على أصلها.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا أَجِئْتَنَا} بما يقول من وجود الله وتوحيده أَو من توحيده، وذلك رجوع إِلى التقليد بعد إِفحامهم وانتفاءِ جواب حق يقابلون به موسى عليه السلام {لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا، والالتفات مطاوعة يقال لفته فالتفت كصرفه فانصرف، ومنه قولنا التفت عن الخطاب إِلى الغيبة مثلا والتفت فى صلاته أَى لفتته نفسه من الخطاب فالتفت، أَو لفته الشيطان فى الصلاة فالتفت، وقد يتجاوز به إِلى قولك انتقل من الخطاب {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من عبادة الأَصنام ومن عبادة فرعون فيمن وجد آباءَه يعبدونه، فإِنهم ولو لم يعبدوه عبادة الأصنام لكن انقادوا لأَحكامه المخالفة للحق فذلك عبادة. لما نزل قوله تعالى: "أية : اتخذوا أَحبارهم ورهبانهم"تفسير : [التوبة: 31] إِلخ، قال عدى بن حاتم رضى الله عنه: يا رسول الله ما كنا نعبدهم. فقال حديث : أَليس تقولون يحلون لكم ويحرمون؟تفسير : قال: نعم. قال:حديث : ذلك عبادةتفسير : {وَتَكُون لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فى الأَرْضِ} التكبر على الناس والتعظم عليهم واستتباعهم، أَو العظمة بالسلطنة التى تطلبانها، وهى أَكبر ما يطلب من أَمر الدنيا، والأَرض عامة أَو أَرض مصر، أَفردوا موسى عليه السلام قبل هذا لأَنه المخاطب لهم وأَنه الأصل فى الرسالة، ولأَنه المقصود بالإِغاظة، وجمعه مع هارون هنا لأَن الكبرياءَ التى ادعوها هى له ولأَخيه وهى الغاية المطلوبة ومنتهى الأَمر. ويجوز أَن يراد بالكبرياءِ سببها وملزومها وفائِدة هذا المجاز الإِشارة إلى أَن المقصود بالملك الترفع على العباد والتبسط فى البلاد والكبرياءُ التكبر، وفى الأَرض متعلق به أَو بتكون أَو باستقرار لكما أَو بلكما لنيابته عنه أَو بالمستتر فى لكما، وما تقدم تعريض لأَنهم لا يؤْمِنُون وصرحوا به فى قوله تعالى عنهم: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} مصدقين لكما فيما جئْتما به، وقدم لكما للاهتمام بالإِعراض عنه *وللفاصلة، وثنى فى قوله لكما مع أَنه أُفرد فى قوله أَجئْتنا لأَن دعوة موسى هى له ولأَخيه هارون وغايتها المقصودة أَن يؤْمنوا بهما.

ابن عاشور

تفسير : الكلام على جملة: {قالوا أجئتنا} مثل الكلام على جملة: {أية : قال موسى أتقولون}تفسير : [يونس: 77]. والاستفهام في {أجئتنا} إنكاري، بنَوا إنكارهم على تخطئة موسى فيما جاء به، وعلى سوء ظنهم به وبهارون في الغاية التي يتطلبانها مما جاء به موسى. وإنما واجهوا موسى بالخطاب لما تقدم من أنه الذي باشر الدعوة وأظهر المعجزة، ثم أشركاه مع أخيه هارون في سوء ظنهم بهما في الغاية من عملهما. و{تلْفِتَنَا} مضارع لَفَتَ من باب ضرَب متعدياً: إذا صرف وجهه عن النظر إلى شيء مقابل لوجهه. والفعل القاصر منه ليس إلا لا لمطاوعة. يقال: التفت. وهو هنا مستعمل مجازاً في التحويل عن العمل أو الاعتقاد إلى غيره تحويلاً لا يبقى بعده نظر إلى ما كان ينظره، فأصله استعارة تمثيلية ثم غلبت حتى صارت مساوية الحقيقة. وقد جمعت صلة {ما وجدنا عليه آباءنا} كل الأحوال التي كان آباؤهم متلبسين بها. واختير التعبير بـ{وَجدنا} لما فيه من الإشارة إلى أنهم نشأوا عليها وعقلوها، وذلك مما يكسبهم تعلقاً بها، وأنها كانت أحوال آبائهم وذلك مما يزيدهم تعلقاً بها تبعاً لمحبة آبائهم لأن محبة الشيء تقتضي محبة أحواله وملابساته. وفي ذلك إشارة إلى أنها عندهم صواب وحق لأنهم قد اقتدوا بآبائهم كما قال تعالى: {أية : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مقتدون}تفسير : [الزخرف: 23]. وقال عن قوم إبراهيم ـ عليه السلام ـ: {أية : قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين}تفسير : [الأنبياء: 53، 54]، وقد جاءهم موسى لقصد لفتهم عما وجدوا عليه آباءهم فكان ذلك محل الإنكار عندهم لأن تغيير ذلك يحسبونه إفساداً {أية : وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض}تفسير : [الأعراف: 127]. والإتيان بحرف (على) للدلالة على تمكن آبائهم من تلك الأحوال وملازمتهم لها. وعطف {وتكون لكما الكبرياء} على الفعل المعلَّل به، والمعطوف هو العلة في المعنى لأنهم أرادوا أنهم تفطنوا لغرض موسى وهارون في مجيئهما إليهم بما جاءوا به، أي أنهما يحاولان نفعاً لأنفسهما لا صلاحاً للمدعوين، وذلك النفع هو الاستحواذ على سيادة مصر بالحيلة. والكبرياء: العظمة وإظهار التفوق على الناس. والأرض: هي المعهودة بينهم، وهي أرض مصر، كقوله: {أية : يريد أن يخرجكم من أرضكم}تفسير : [الأعراف: 110]. ولما كانوا ظنوا تطلبهما للسيادة أتوا في خطاب موسى بضمير المثنى المخاطب لأن هارون كان حاضراً فالتفتوا عن خطاب الواحد إلى خطاب الاثنين. وإنَّما شرّكوا هارون في هذا الظن من حيث إنه جاء مع موسى ولم يباشر الدعوة فظنوا أنه جاء معه لينال من سيادة أخيه حظاً لنفسه. وجملة: {وما نحن لكما بمؤمنين} عطف على جملة: {أجئتنا}. وهي في قوة النتيجة لتلك الجملة بما معها من العلة، أي لما تبين مقصدكما فما نحن لكما بمؤمنين. وتقديم {لكما} على متعلَّقه لأن المخاطبين هما الأهم من جملة النفي لأن انتفاء إيمانهم في زعمهم كان لأجل موسى وهارون إذ توهموهما متطلبي نفع لأنفسهما.فالمراد من ضمير التثنية ذاتاهما باعتبار ما انطويا عليه من قصد إبطال دين آباء القبط والاستيلاء على سيادة بلادهم. وصيغت جملة: {وما نحن لكما بمؤمنين} اسمية دون أن يقولوا وما نؤمن لكُما لإفادة الثبات والدوام وأن انتفاء إيمانهم بهما متقرر متمكن لا طماعية لأحد في ضده.

الواحدي

تفسير : {قالوا أجئتنا لتلفتنا} لتردَّنا {عمَّا وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء} الملك والعزُّ {في الأرض} في أرض مصر.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاءَنَا} (78) - وَقَالَ لِمُوسَى: أَجِئْتَنا لِتَصْرِفَنَا عَنِ الدِّينِ الذِي وَجَدْنَا آبَاءَنَا يَتْبَعُونَهُ، لِتَكُونَ، لَكَ وَلأَِخِيكَ هَارُونَ، العَظَمَةُ وَالرِّئَاسَةُ وَالسُّلْطَانُ، وَمَا يَتْبَعُهُما مِنْ كِبْرِيَاءِ المُلْكِ، وَالعَظَمَةِ الدُّنْيَوِيةِ التَّابِعَةِ لَهَا، فِي أَرْضِ مِصْرَ كُلِّها، فَنَحْنُ لَنْ نُؤْمِنَ بِمَا جِئْتَنا بِهِ. لِتَلْفِتَنَا - لِتَصْرِفَنَا وَتَلْوِينَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية، ينسبونها لموسى - عليه السلام - رغم أن موسى عليه السلام قد نسب مجيء المعجزة إلى الله تعالى. وكان واجب المرسل إليه - فرعون وملئه - أن ينظر إلى ما جاء به الرسول، لا إلى شخصية الرسول. ولو قال فرعون لموسى: "جيْءَ بك" لكان معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلهاً أعلى، ولكن فرعون لم يؤمن لحظتها؛ لذلك جاء قوله: {أَجِئْتَنَا} فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى عليه السلام. ولماذا المجيء؟ يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ..} [يونس: 78]. والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له، وما دام الإنسان بصدد شيء؛ فكل نظره واتجاهه يكون إليه، وكان قوم فرعون على فساد وضلال، وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال. وجاء موسى عليه السلام؛ ليصرف وجوههم عن ذلك الفساد والضلال، فقالوا: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ..} [يونس: 78]. وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم، فقد كانوا يقلدون آباءهم، والتقليد يريح المقلِّد، فلا يُعْمِل عقله أو فكره في شيء ليقتنع به، ويبني عليه سلوكه. والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول: "مثل الأطرش في الزفة" أي: أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة، بل يسير مع الناس حيث تسير؛ ولا يعرف له اتجاهاً. والمقلِّد إنما يعطل فكره، ولا يختار بين البدائل، ولا يميز الصواب ليفعله، ولا يعرف الخطأ فيتجنَّبه. وفرعون وملؤه كانوا على ضلال، هو نفس ضلال الآباء، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار، بل قد يحقق شهوات عاجلة. أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع منهج السماء، فهو يحجب الشهوة، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد الشهوة. إذن: فالمقلد بين حالتين: الحالة الأولى: أنه لا يُعْمِل عقله، بل يفعل مثل من سبقوه، أو مثل من يحيا بينهم. والحالة الثانية: أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج، فلا يكسب - على سبيل المثال - إلا من حلال، ولا يفعل منكراً، ولا يذم أحداً، وهكذا يقيد المنهج حركته، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين، فالحركة تتسع ناحية الشهوات. ولذلك أقول دائماً: إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد، وقد يقول للآباء: أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان، لكن إن تشرَّب النشء القيم الدينية الصحيحة؛ فسيمتثل لقانون الحق، ويحجز نفسه عن الشهوات. ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران السوء، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد. لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج الله تعالى؛ فلا يقلدون آحداً من أهل السوء؛ لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب. ثم إن تقليد الآباء قد يجعل الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال العقل في كل الأمور، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى الأفضل إن اتبع الآباء منهج الله تعالى، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج الحق سبحانه، فلا يتمرد الابن متجهاً إلى الشر، بل قد يتمرد إلى تطوير الصالح ليزيده صلاحاً. التقليد - إذن - يحتاج إلى بحث دقيق؛ لأن الإنسان الذي سوف تقلده، لن يكن مسئولاً عنك؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..}تفسير : [لقمان: 33]. إذن: فأمر الابن يجب أن يكون نابعاً من ذاته، وكذلك أمر الأب، وعلى كل إنسان أن يُعْمِل عقله بين البدائل. ولذلك تجد القرآن الكريم يقول على ألسنة مَنْ قلَّدوا الآباء: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ..}تفسير : [البقرة: 170]. ثم يرد عليهم الحق سبحانه: {أية : .. أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 170]. فإذا كانت المسألة مسألة تقليد، فلماذا يتعلم الابن؟ ولماذا لا ينام الأبناء على الأرض ولا يشترون أسِرَّة؟ ولماذا ينجذبون إلى التطور في الأشياء والأدوات التي تسهِّل الحياة؟ فالتقليد هو إلغاء العقل والفكر، وفي إلغائهما إلغاء التطور والتقدم نحو الأفضل. إذن: فالقرآن يحثنا على أن نستخدم العقل؛ لنختار بين البدائل، وإذا كان المنهج قد جاء من السماء، فَلْتهْتدِ بما جاء لك ممن هو فوقك، وهذا الاهتداء المختار هو السُّمو نحو الحياة الفاضلة. يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ..}تفسير : [المائدة: 104], أي: أنهم أعلنوا أنهم في غير حاجة للمنهج السماوي فَردَّ عليهم القرآن: {أية : .. أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [المائدة: 104]. وهكذا نجد أن القرآن قد جاء بموقفين في آيتين مختلفتين عن المقلّدين: الآية الأولى: هي التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: {أية : .. بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 170]. والآية الثانية: هي قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : .. حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [المائدة: 104]. وهم في هذه الآية أعلنوا الاكتفاء بما كان عليه آباؤهم. وهناك فارق بين الآيتين، فالعاقل غير من لا يعلم؛ لأن العاقل قادر على الاستنباط، ولكن من لا يعلم فهو يأخذ من استنباط غيره. إذن: فالذين اكتفوا بما عند آبائهم، وقالوا: {أية : حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ..}تفسير : [المائدة: 104]. هؤلاء هم الذين غالوا في الاعتزاز بما كان عند آبائهم؛ لذلك جاء في آبائهم القول بأنهم لا يعلمون. أي: ليس لهم فكر ولا علم على الإطلاق، بل يعيشون في ظلمات من الجهل. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ..} [يونس: 78]. أي: هل جئت لتصرفنا، وتحوِّل وجوهنا أو وجهتنا أو طريقنا وتأخذنا عن وجهة آبائنا الذين نقلدهم؛ لتأخذ أنت وأخوك الكبرياء في الأرض؟ وهكذا يتضح أنهم يعتقدون أن الكبرياء الذي لهم في الأرض قد تحقق لهم بتقليدهم آباءهم، وهم يحبون الحفاظ عليه، والأمر هنا يشمل نقطتين: الأولى: هي تَرْكُ ما وجدوا عليه الآباء. والثانية: هي الكبرياء والعظمة في الأرض. ومثال ذلك: حين يقول مقاتل لآخر: "ارْمِ سيفك" وهي تختلف عن قوله: "هات سيفك"، فَرَمْيُ السيف تجريد من القوة، لكن أخذ السيف يعني إضافة سيف آخر إلى ما يملكه المقاتل الذي أمر بذلك. وهم هنا وجدوا في دعوة موسى عليه السلام مصيبة مركبة. الأولى: هي ترك عقيدة الآباء. والثانية: هي سلب الكبرياء، أي: السلطة الزمنية والجاه والسيادة والعظمة والائتمار، والمصالح المقضية، فكل واحد من بطانة الفرعون يأخذ حظه حسب اقترابه من الفرعون. ولذلك أعلنوا عدم الإيمان، وقالوا ما يُنهي به الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصددها: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78]. أي: أن قوم فرعون والملأ أقرُّوا بما حرصوا عليه من مكاسب الدنيا والكبرياء فيها، ورفضوا الإيمان بما جاء به موسى وهارون - عليهما السلام. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} معناه لِتَصْرِفَنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { قَالُوا } لموسى رادين لقوله بما لا يرده: { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } أي: أجئتنا لتصدنا عما وجدنا عليه آباءنا، من الشرك وعبادة غير الله، وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجة، يردون بها الحق الذي جاءهم به موسى عليه السلام. وقولهم: { وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ } أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء، ولتخرجونا من أرضنا. وهذا تمويه منهم، وترويج على جهالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى، وعدم الإيمان به. وهذا لا يحتج به، من عرف الحقائق، وميز بين الأمور، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين. وأما من جاء بالحق، فرد قوله بأمثال هذه الأمور، فإنها تدل على عجز موردها، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه، أم كاذبًا، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله، وما يدعو إليه، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية الخلق، وإرشادهم لما فيه نفعهم. ولكن حقيقة الأمر، كما نطقوا به بقولهم: { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } أي: تكبرًا وعنادًا، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباه فيه، ولا لغير ذلك من المعاني، سوى الظلم والعدوان، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون.