Verse. 1443 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُوْنِيْ بِكُلِّ سٰحِرٍ عَلِيْمٍ۝۷۹
Waqala firAAawnu itoonee bikulli sahirin AAaleemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم» فائق في علم السحر.

79

Tafseer

القرطبي

تفسير : إنما قاله لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر. وقرأ حمزة والكسائيّ وابن وَثّاب والأعمش «سحار». وقد تقدم في الأعراف القول فيهما.

ابن كثير

تفسير : ذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى عليه السلام في سورة الأعراف، وقد تقدم الكلام عليها هناك، وفي هذه السورة، وفي سورة طه، وفي الشعراء، وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يبهرج على الناس، ويعارض ما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين، بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكس عليه النظام، ولم يحصل له من ذلك المرام، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام {أية : وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الأعراف:120- 122] فظن فرعون أنه يستنصر بالسحار، على رسول الله عالم الأسرار، فخاب وخسر الجنة، واستوجب النار {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ } وإنما قال لهم ذلك؛ لأنهم لما اصطفوا، وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} تفسير : [طه:65-66] فأراد موسى أن تكون البداءة منهم؛ ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده، فيدمغ باطلهم. ولهذا لما ألقوا، سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم {أية : فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } تفسير : [طه: 67-69] فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا عبد الرحمن، يعني: الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن ليث، وهو ابن أبي سليم، قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور: الآية التي من سورة يونس {فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } والآية الأخرى: {أية : فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 118] إلى آخر أربع آيات، وقوله: {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 69].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ } فائق في علم السحر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَمَا ءَآمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذِرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الذرية القليل، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم الغلمان من بني إسرائيل لأن فرعون كان يذبحهم فأسرعوا إلى الإيمان بموسى، قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنهم أولاد الزمن قاله مجاهد. الرابع: أنهم قوم أمهاتهم من بني إسٍرائيل وآباؤهم من القبط. ويحتمل خامساً: أن ذرية قوم موسى نساؤهم وولدانهم. {عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ} يعني وعظمائهم وأشرافهم. {أَنَ يَفْتِنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن يعذبهم، قاله ابن عباس. الثاني: أن يكرههم على استدامة ما هم عليه. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: أي متجبر، قاله السدي. الثاني: باغ طاغ، قاله ابن إسحاق. {وِإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} يعني في بغيه وطغيانه.

ابن عطية

تفسير : يخبر أن فرعون قال لخدمته ومتصرفيه: {ائتوني بكل ساحر }، هذه قراءة جمهور الناس، وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب وعيسى " بكل سحار" على المبالغة، قال أبو حاتم: لسنا نقرأ " سحار " إلا في سورة الشعراء، فروي أنهم أتوه بسحرة الفرما وغيرها من بلاد مصر حسبما قد ذكر في غير هذه الآية، فلما ورد السحرة باستعدادهم للمعارضة خيّروا موسى كما ذكر في غير هذه الآية، فقال لهم عن أمر الله: {ألقوا ما أنتم ملقون }، وقوله تعالى: {فلما ألقوا } الآية، المعنى فلما ألقوا حبالهم وعصيهم وخيلوا بها وظنوا أنهم قد ظهروا قال لهم موسى هذه المقالة،، وقرأ السبعة سوى أبي عمرو {السحر} وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع {به السحر} بألف الاستفهام ممدودة قبل {السحر} . فأما من قرأ {السحر} بغير ألف استفهام قبله فـ {ما} في موضع رفع على الابتداء وهي بمعنى الذي وصلتها قوله {جئتم به } والعائد الضمير في {به}، وخبرها {السحر}، ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في مصحف ابن مسعود "ما جئتم به سحر"، وكذلك قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، " ما أتيتم به سحر"، والتعريف هنا في السحر أرتب لأنه قد تقدم منكراً في قولهم {أية : إن هذا لسحر} تفسير : [يونس: 76] فجاء هنا بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك، ويجوز أن تكون {ما } استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و {جئتم به } الخبر و {السحر } خبر ابتداء مضمر تقديره هو السحر إن الله سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ويجوز أن تكون {ما } في موضع نصب على معنى أي شيء جئتم و {السحر } مرفوع على خبر الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتم به هو السحر، {إن الله سيبطله }، وأما من قرأ الاستفهام والمد قبل {السحر} فـ {ما } استفهام رفع بالابتداء و {جئتم به } الخبر، وهذا على جهة التقرير، وقوله: {السحر} استفهام أيضاً كذلك، وهو بدل من الاستفهام الأول، ويجوز أن تكون {ما } في موضع نصب بمضمر تفسيره {جئتم به } تقديره أي شيء جئتم به السحر، وقوله {إن الله سيبطله} إيجاب عن عدة من الله تعالى، وقوله {إن الله لا يصلح عمل المفسدين }، يصح أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويصح أن يكون ابتداء خبر من الله تعالى، وقوله {ويحق الله الحق} الآية، يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون من إخبار الله عز وجل، وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري، وأما قوله {بكلماته } فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك، قال ابن سلام {بكلماته } بقوله: لا تخف، ومعنى {ولو كره المجرمون } وإن كره المجرمون والمجرم: المجترم الراكب للخطر.

البقاعي

تفسير : ولما لبسوا بوصفه بما هم به متصفون، أرادوا الزيادة في التلبيس بما يوهم أن ما أتى به سحر تمكن معارضته إيقافاً للناس عن تباعه، فقال تعالى حكاية عطفاً على قوله: {قالوا أجئتنا}: {وقال فرعون} إرادة المناظرة لما أتى به موسى عليه السلام {ائتوني بكل ساحر عليم*} أي بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض، وقراءة حمزة والكسائي بصيغة فعال دالة على زيادة لزعمه أقل من سياق الشعراء كما مضى في الأعراف. ولما كان التقدير: فامتثلوا أمره وجمعوهم، دل على قرب اجتماعهم بالفاء في قوله: {فلما جاء السحرة} أي كل من في أرض مصر منهم {قال لهم موسى} مزيلاً لهذا الإيهام {ألقوا} جميع {ما أنتم ملقون*} أي راسخون في صنعة إلقائه، إشارة إلى أن ما جاؤوا به ليس أهلاً لأن يلقى إليه بال {فلما ألقوا} أي وقع منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا بسحرهم لعيون الناس ما زلزل عقولهم {قال موسى} منكراً عليهم {ما جئتم به} ثم بين أنه ما استفهم عنه جهلاً بل احتقاراً وإنكاراً، وزاد في بيان كل من الأمرين بقوله: {السحر} لأنه استفهام أيضاً سواء قطعت الهمزة ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر أوجعلت همزة وصل كما في قراءة الباقين، فإن همزة الاستفهام مقدرة، والتعريف إما للعهد وإما للحقيقة وهو أقرب، ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون خبراً لما يقصد به الحصر، أي هو السحر لا ما نسبتموه إليّ؛ ثم استأنف بيان ما حقره به فقال: {إن الله} أي الذي له إحاطة العلم والقدرة {سيبطله} أي عن قريب بوعد لا خلف فيه؛ ثم علل ذلك بما بين أنه فساد فقال: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {لا يصلح} أي وفي وقت من الأوقات {عمل المفسدين*} أي العريقين في الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا يديمه؛ ثم عطف عليه بيان إصلاحه عمل المصلحين فقال: {ويحق} أي يثبت إثباتاً عظيماً {الله} أي الملك الأعظم {الحق} أي الشيء الذي له الثبات صفة لازمة؛ ولما كان في مقام تحقيرهم، دل على ذلك بتكرير الاسم الجامع الأعظم. وأشار إلى ما له من الصفات العلى بقوله: {بكلماته} أي الأزلية التي لها ثبات الأعظم، وزاد في العظمة بقوله: {ولو كره المجرمون} أي العريقون في قطع ما أمر الله به أن يوصل، فكان كما قال عليه السلام بطل سحرهم، واضمحل مكرهم، وحق الحق - كما بين في سورة الأعراف. ولما حكى سبحانه أن موسى عليه السلام أبان ما أبان من بطلان السحر وكونه إفساداً، فثبت ما أتى به لمخالفته له، أخبر تعالى - تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وفطماً عن طلب الإجابة للمقترحات - أنه ما تسبب عن ذلك في أول الأمر عقب إبطال سحرهم من غير مهلة إلا إيمان ناس ضعفاء غير كثير، فقال تعالى: {فما آمن} أي متبعاً {لموسى} أي بسبب ما فعل، ليعلم أن الآيات ليست سبباً للهداية إلا لمن أردنا ذلك منه؛ وبين أن الصغار أسرع إلى القبول بقوله: {إلا ذرية} أي شبانهم هم أهل لأن تذر فيهم البركة {من قومه} أي قوم موسى الذين لهم القدرة على القيام في المحاولة لما يريدونه، والظاهر أنهم كانوا أيتاماً وأكثرهم - كما قاله مجاهد {على خوف} أي عظيم {من فرعون وملئهم} أي أشراف قوم الذرية؛ ولما كان إنكار الملأ إنما هو بسبب فرعون أن يسلبهم رئاستهم، انحصر الخوف فيه فأشار إلى ذلك بوحدة الضمير فقال: {أن يفتنهم} وأتبعه ما يوضح عذرهم بقوله مؤكداً تنزيلاً لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ينصر عليهم الضعفاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لعلوهم: {وإن فرعون لعال} أي غالب قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له {في الأرض} أي أرض مصر التي هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض {وإنه لمن المسرفين*} أي العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه، وإذا ضممت هذه الآية إلى قوله تعالى: {أية : وإن المسرفين هم أصحاب النار} تفسير : [غافر: 43] كان قياساً بديهياً منتجاً إنتاجاً صريحاً قطعياً أن فرعون من أصحاب النار، تكذبياً لأهل الوحدة في قولهم: إنه آمن، ليهونوا المعاصي عند الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين.

القشيري

تفسير : لما استعان في استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيراً حتى تَبَرَّأَ منهم وتَوَعدَّهم بقوله: لأفعلنَّ ولأصنعنَّ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت في غير الله فإنها تؤول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى:{أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}تفسير : [الزخرف: 67].

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال فرعون} لملائه يأمرهم بترتب مبادئ الزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأس عن الزامهما بالقول {ائتونى بكل ساحر عليم} بفنون السحر حاذق ماهر فيه ليعارض موسى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ما جئتم به) موصوله على من قرأ: "السحر" بلا استفهام، ومن قرأ بالاستفهام فـ"ما" مبتدأ و(جئتم) خبرها، و(السحر): بدل منه، أو خبر لمحذوف، أي: أهو السحر؟ أو مبتدأ حذف خبره، أي: السحر هو. يقول الحق جل جلاله: {وقال فرعونُ} لما أراد معارضة موسى عليه السلام: {ائتوني بكلِّ ساحرٍ}، في قراءة الأخوين "سحَّار" {عليم}: حاذق في فنه، {فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون}، {فلما ألقَوا} حبالهم وعصيهم، فانقلبت حَيَّات في أعين الناس، يركب بعضها بعضاً، {قال} لهم {موسى ما جئتم به السحر} أي: الذي جئتم به هو السحر، لا ما سماه فرعون وقومه سحراً من معجزات العصا. وقرأ البصري: "آلسحر" أي: أيّ شيء جئتم به السحر هو؟ {إن الله سيُبْطلُه}: سيمحقه، أو سيظهر بطلانه، {إن الله لا يُصلح عملَ المفسدين} لا يثيبه ولا يديمُه، وفيه دليل على أن السحر تمويه لا حقيقة له، {ويُحقُّ الله الحقَّ بكلماته} السابقة الأزلية، أو بأوامره وقضاياه، {ولو كره المجرمون} ذلك. الإشارة: الأكوان كلها عند اهل التحقيق شعوذة سحرية، خيالية كخيال السحر الذي يظهره المشعوذ، تظهر ثم تبطن، وليس في الوجود حقيقة إلا الواحد الأحد الفرد الصمد، فهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، وهي أيضاً أشبه شيء بالظلال، والظلال لا وجود لها من ذاتها، وإنما تابعة لشواخصها،ولذلك قالوا: ظلال الأشجار لا تعوق السفن عن التِّسْيار، فظلال الأكوان وأجرامها لا تعوق سفن الأفكار عن التسيار في بحار معاني الأسرار، بل تغيب عن ظلال حسها إلى فضاء شهود معانيها، فالعارف لا يحجبه عن الله شيء؛ لنفوذه إلى شهود أسرار الربوبية في كل شيء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر من تبع موسى، فقال: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً {بكل سحار} بتشديد الحاء والف بعدها الباقون {ساحر} على وزن فاعل. وقد بينا الوجه في ذلك في الاعراف. حكى الله تعالى عن فرعون انه حين أعجزه المعجزات التي ظهرت لموسى، ولم يكن له في دفعها حيلة قال لقومه ائتوني بكل ساحر عليم بالسحر بليغ في علمه. و {فرعون} لا ينصرف لانه أعجمي معرفة، وهو منقول في حال تعريفه ولو نقل في حال تنكيره انصرف كياقوت. ووزن فرعون فعلون، الواو زائدة، لانها لحقت عند سلامة الثلاثة. ومثله فردوس. وإنما طلب فرعون كل ساحر ليتعاونوا على دفع ما اتى به موسى وحتى لا يفوته شيء من السحر بتأخر بعضهم. وإنما توهم مقاومة السحرة لموسى مع قول موسى له {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} لأنه إنما عرف ذلك فيما بعد لما بهره الامر فكان قبل ذلك على الجهل لتوهمه ان السحر يقاوم الحق.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} ماهرٍ {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ} وامرهم فرعون باتيان السّحر ودبّروا ما دبّروا وتهيّؤا لمعارضة موسى (ع) {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} بعد ما خيّروه واختار موسى تقديمهم {أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} ما مبتدأٌ وجئتم به صلته والسّحر خبره، وقرئ السّحر بهمزة الاستفهام وحينئذٍ يكون ما استفهاميّة وجئتم به خبره والسّحر بدله والمعنى على الاوّل ما جئت به آلهىٌّ وما جئتم به بشرىٌّ مبنىّ على الاعمال الدّقيقة الخفيّة او شيطانىّ مبنىّ على تمزيج القوى الارضيّة مع الارواح السّفليّة {إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} التّكوينيّة من الآيات والمعجزات ولا سيّما الكلمات التّامّات من الانبياء والاوصياء {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} اى جمع قليل من شبّان قوم موسى لقلّة مبالاتهم بتهديد فرعون او من قوم فرعون بمقتضى شبابهم حال كون هؤلاء الشّبّان مع جرأتهم وعدم مبالاتهم مشتملين {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} يعّذبهم بالبلايا بدل من فرعون وملائهم او مفعول الخوف او بتقدير لام التّعليل وجمع الضّمير فى ملائهم امّا لتعظيم فرعون او لانّ المراد من فرعون هو وخواصّه فانّه كثيراً ما يطلق اسم الرّئيس ويراد به الرّئيس واتباعه، او باعتبار رجوعه الى الذرّيّة سواء فسّر بذرّيّة من قوم موسى (ع) او من قوم فرعون وعلى هذا يجوز ان يكون مفعول يفتنهم هو الملأ وعلى غير هذا الوجه فافراد الضّمير فى يفتنهم للاشعار بانّ الخوف من ملأه كان بسببه وانّ الملأ كانوا لا حكم لهم بالاستقلال {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} لقاهر غالب عطف باعتبار المعنى كأنّه قال انّه ليفتنهم وانّه لعالٍ او حال ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بعلّة العلوّ لانّ اسم فرعون كان من القاب ملك مصر {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} اكتفى بالضّمير لانّ الاسراف لا يتوقّف على السّلطنة والمراد الاسراف فى تعذيب قوم موسى (ع).

الهواري

تفسير : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي: عليم بالسحر. { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} أي: للميعاد الذي اتعدوا له هم وموسى { قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ} وذلك أنهم قالوا لموسى (أية : إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِين) تفسير : [الأعراف:115] قال لهم موسى: {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ} {فَلَمَّا أَلْقَوْا} يعني حيَّاتِهم وعصيَّهم {قَالَ} لهم { مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ} ليس بشيء {إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ} أي: حتى لا يكون شيئاً {إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ} أي: السحرة والمشركين. {وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ} أي: الذي جاء به موسى { بِكَلِمَاتِهِ} أي: بوعده الذي وعد موسى بقوله: (أية : لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى) تفسير : [طه:68] أي: إنك أنت الظاهر الظافر. { وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون. أي: إن فرعون وقومه كانوا يكرهون الحق، وأن يظهر عليهم موسى وهارون فيظهر دينهما، ويغرق آل فرعون وهم ينظرون. قوله: { فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} ذكروا عن ابن عباس قال: الذرية: القليل. ذكروا أن مُجاهداً قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الدهر ومات أباؤهم. قوله: {عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} أي: أن يقتلهم فرعون، وكانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون وإخوانهم بنو إسرائيل. قوله: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ} أي: لباغٍ في الأرض، يبغي عليهم ويتعدى. { وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ} أي: لمن المشركين.

اطفيش

تفسير : {وقالَ فِرْعونُ ائْتُونى بكلِّ سَاحر عَظيمٍ} مبالغا فى السحر، وقرأ حمزة والكسائى: بكل سحار عليم، وذلك ليقابل به ما جابه موسى، فيلبس على الناس، ويخيل لهم أنما جاء به سحر.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} أَسند القول إِليه دون الملأْ لأَنه مختص بالأَمر ابتداءً بخلاف الاستكبار ونحوه فإِنه فيهم وفيه. قيل إِلا أَن الظاهر أَنه غير داخل فى قوله أَجئْتنا لتلفتنا لأَنه لعنه الله لا يظهر أَنه يعبد صنما أَو غيره كما يظهر قومه، وذلك أَنه يدعو إِلى عبادة نفسه، واعترض بقوله عز وجل عنه "أية : أَنا ربكم الأَعلى"تفسير : [النازعات: 24] وأُجيب بأَنه ليس فيه أَنه هو بعيد رباً غير أَعلى {ائْتُونِى بِكُلِّ سَاحِرٍ} يمكن أَن تأْتونى به {عَلِيمٍ} حاذق فى سحره، أَرسل فرعون الشرط فى طلب السحرة وطلبوا وتفحصوا فى البلاد ووجدوا حذاق السحرة وأُكرهوا إِلى المجىءِ إِلى فرعون وقومه فجاءَ السحرة أَو فأْتوا بالسحرة، وحذف ذلك غنى عنه بقوله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} أسند الفعل إليه وحده لأن الأمر من وظائفه دون الملأ وهذا بخلاف الأفعال السابقة من الاستكبار ونحوه فإنها مما تسند إليه وإلى ملئه، لكن الظاهر أنه غير داخل في القائلين {أية : قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} تفسير : [يونس: 78] لأنه عليه اللعنة لم يكن يظهر عبادة أحد كما كان يفعله ملؤه وسائر قومه، أي قال لملئه يأمرهم بترتيب مبادي الالزام بالفعل بعد اليأس عن الالزام بالقول {ٱئْتُونِي بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ} بفنون السحر حاذق ماهر فيه. وقرأ حمزة والكسائي {سحار}.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وقال فرعون} عطف على جملة: {أية : قالوا إنّ هذا لسحر مبين}تفسير : [يونس: 76]، فهذه الجملة في حكم جواب ثان لحرف (لَما) حكي أولاً ما تلقَّى به فرعون وملؤُه دعوة موسى ومعجزتَه من منع أن يكون ما جاء به تأييداً من عند الله. ثم حُكي ثانياً ما تلقى به فرعون خاصةً تلك الدعوةَ من محاولة تأييد قولهم: {أية : إن هذا لسحر مبين}تفسير : [يونس: 76] ليثبتوا أنهم قادرون على الإتيان بمثلها مما تَحصيل أسبابه من خصائص فرعون، لما فيه من الأمر لخاصة الأمة بالاستعداد لإبطال ما يخشى منه. والمخاطب بقوله: {إيتوني} هم ملأ فرعون وخاصتُه الذين بيدهم تنفيذ أمره. وأمر بإحضار جميع السحرة المتمكنين في علم السحر لأنهم أبصر بدقائقه، وأقدر على إظهار ما يفوق خوارق موسى في زعمه، فحضورهم مغن عن حضور السحرة الضعفاء في علم السحر لأن عملهم مظنة أن لا يوازي ما أظهره موسى من المعجزة فإذا أتوا بما هو دون معجزة موسى كان ذلك مروجاً لدعوة موسى بين دهماء الأمة. والعموم في قوله: {بكل ساحر عليم} عموم عرفي، أي بكل ساحر تعلمونه وتظفرون به، أو أريد {بكل} معنى الكثرة، كما تقدم في قوله: {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية}تفسير : في سورة [البقرة: 145]. وجملة: {فلما جاء السحرة} عطف على جملة: {وقال فرعون}، عُطف مجيء السحرة وقول موسى لهم على جملة {قال فرعون} بفاء التعقيب للدلالة على الفور في إحضارهم وهو تعقيب بحسب المتعارف في الإسراع بمِثل الشيء المأمور به، والمعطوف في المعنى محذوف لأن الذي يعقُب قوله: {ائتوني بكل ساحر} هو إتيانهم بهم، ولكن ذلك لقلة جدواه في الغرض الذي سيقت القصة لأجله حذف استغناء عنه بما يقتضيه ويدل عليه دلالة عقلية ولفظية من قوله: {جاء السحرة} على طريقة الإيجاز. والتقدير: فأتوه بهم فلما جاءوا قال لهم موسى. والتعريف في {السحرة} تعريف العهد الذكري. وإنما أمرهم موسى بأن يبتدئوا بإلقاء سحرهم إظهاراً لقوة حجته لأن شأن المبتدىء بالعمل المتباري فيه أن يكون أمكن في ذلك العمل من مباريه، ولا سيما الأعمال التي قوامها التمويه والترهيب، والتي يتطلَّب المستنصر فيها السبق إلى تأثر الحاضرين وإعجابهم، وقد ذكر القرآن في آيات أخرى أن السحرة خَيَّروا موسى بين أن يبتديء هو بإظهار معجزته وبين أن يبتدئوا، وأن موسى اختار أن يكونوا المبتدئين. وفعل الأمر في قوله: {ألقوا ما أنتم ملقون} مستعمل في التسوية المرادِ منها الاختيار وإظهار قلة الاكتراث بأحد الأمرين. والإلقاء: رمي شيء في اليد إلى الأرض. وإطلاق الإلقاء على عمل السحر لأن أكثر تصاريف السحرة في أعمالهم السحرية يكون برمي أشياء إلى الأرض. وقد ورد في آيات كثيرة أنهم ألقوا حبالهم وعصيهم، وأنها يخيَّل من سحرهم أنها تسعى، وكان منتهى أعمال الساحر أن يخيل الجماد حياً. و{ما أنتم ملقون} قصد به التعميم البدلي، أيّ شيء تلقونه، وهذا زيادة في إظهار عدم الاكتراث بمبلغ سحرهم، وتهيئة للملأ الحاضرين أن يعلموا أن الله مبطل سحرهم على يد رسوله. ولا يشكل أن يأمرهم موسى بإلقاء السحر بأنه أمر بمعصية لأن القوم كانوا كافرين والكافر غير مخاطب بالشرائع الإلهية، ولأن المقصود من الأمر بإلقائه إظهار بطلانه فذلك بمنزلة تقرير شبهة الملحد ممن يتصدى لإبطالها بعد تقريرها مثل طريقة عضد الدين الأيجي في كتابه «المواقف». وقد طوي ذكر صورة سحرهم في هذه الآية، لأن الغرض من العبرة في هذه الآية وصف إصرار فرعون وملئه على الإعراض عن الدعوة، وما لقيه المستضعفون الذين آمنوا بموسى ـ عليه السلام ـ من اعتلاء فرعون عليهم وكيف نصر الله رسوله والمستضعفين معه، وكيف كانت لهم العاقبة الحسنى ولمن كفروا عاقبة السوء، ليكونوا مثلاً للمكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يعرّج بالذّكر إلا على مقالة موسى ـ عليه السلام ـ حين رأى سحرهم الدالة على يقينه بربّه ووعده، وبأن العاقبة للحق. وذلك أهم في هذا المقام من ذكر اندحاض سحرهم تجاه معجزة موسى ـ عليه السلام ـ، ولأجل هذا لم يذكر مفعول {ألقوا} لتنزيل فعل {ألقوا} منزلة اللازم، لعدم تعلق الغرض ببيان مفعوله. ومعنى {جئتم به} أظهرتموه لنا، فالمجيء قد استعمل مجازاً في الإظهار، لأن الذي يجيء بالشيء يظهره في المكان الذي جاءه، فالملازمة عرفية. وليس المراد أنهم جاؤوا من بقاع أخرى مصاحبين للسحر، لأنه وإن كان كثير من السحرة أو كلِّهم قد أقبلوا من مدن عديدة، غير أن ذلك التقدير لا يطرد في كل ما يعبر فيه بنحو: جاء بكذا، فإنه وإن استقام في نحو {أية : وجاءوا على قميصه بدَم كذب}تفسير : [يوسف: 18] لا يستقيم في نحو {أية : إنّ الذين جَاءوا بالإفك}تفسير : [النور: 11]. ونظم الكلام على هذا الأسلوب بجَعْلِ {ما جئتم} مسنداً إليه دون أن يجعل مفعولاً لفعلِ {سيبطله}، وبجَعْله اسماً مُبهماً، ثُم تفسيره بجملة {جئتم به} ثم بيانه بعطف البيان لقصد الاهتمام بذكره والتشويق إلى معرفة الخبر، وهو جملة {إن الله سيبطله} ثم مَجيء ضمير السحر مفعولاً لفعل {سيبطله}، كل ذلك إطناب وتخريج على خلاف مقتضى الظاهر، ليتقرر الإخبار بثبوت حقيقة في السحر له ويتمكَّن في أذهان السامعين فَضل تمكن ويقع الرعب في نفوسهم. وقوله: {السحر} قرأه الجمهور بهمزة وصل في أوله هي همزة (ال)، فتكون (ما) في قوله: {ما جئتم به} اسم موصول، والسحرُ عطفَ بيان لاسم الموصول. وقرأه أبو عمرو، وأبو جعفر {آلسحر} بهمزة استفهام في أوله وبالمد لتسهيل الهمزة الثانية، فتكون (ما) في قوله: {ما جئتم به} استفهامية ويكون (آلسحرَ) استفهاماً مبيناً لِـ(ما) الاستفهامية. وهو مستعمل في التحقير. والمعنى: أنه أمر هين يستطيعه ناس كثيرون. و{إن الله سيبطله} خبر (ما) الموصولة على قراءة الجمهور، واستئناف بياني على قراءة أبي عمرو ومن وافقه وتأكيد الخبر بـ(إن) زيادة في إلقاء الرّوع في نفوسهم. وإبطاله: إظهار أنه تخييل ليس بحقيقة، لأن إظهار ذلك إبطال لما أريد منه، أي أن الله سيبطل تأثيره على الناس بفضح سره، وأشارت علامة الاستقبال إلى قرب إبطاله، وقد حصل ذلك العلم لموسى ـ عليه السلام ـ بطريق الوحي الخاص في تلك القضية، أو العام باندراجه تحت قاعدة كلية، وهي مدلول {إن الله لا يصلح عملَ المفسدين}. فجملة: {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} معترضة، وهي تعليل لمضمون جملة {إن الله سيبطله}، وتذييل للكلام بما فيه نفي الإصلاح. وتعريف {المفسدين} بلام الجنس، من التعميم في جنس الإصلاح المنفي وجنس المفسدين ليُعلم أن سحرهم هو من قبيل عمل المفسدين، وإضافة {عمل} إلى {المفسدين} يؤذن بأنه عمل فاسد، لأنه فعل مَنْ شأنُهم الإفساد فيكون نسجاً على منوالهم وسيرة على معتادهم، والمراد بإصلاح عمل المفسدين الذي نفاه أنه لا يؤيده. وليس المراد نفي تصييره صالحاً، لأن ماهية الإفساد لا تقبل أن تصير صلاحاً حتى ينفى تصييرها كذلك عن الله، وإنما إصلاحها هو إعطاؤها الصلاح، فإذا نفى الله إصلاحها فذلك بتركها وشأنَها، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان حتى يضمحل. ولما قدم قوله: {إن الله سيبطله} عُلم أن المراد من نفي إصلاحه تسليط أسباب بطلانه عليه حتى يبطل تأثيره، وأن عدم إصلاح أعمال أمثالهم هو إبطال أغراضهم منها كقوله تعالى: {أية : ويُبطلَ الباطلَ}تفسير : [الأنفال: 8] أي يظهرَ بطلانه. وإنما كان السحرة مفسدين لأن قصدهم تضليل عقول الناس ليكونوا مسخرين لهم ولا يعلموا أسباب الأشياء فيبقوا ءالة فيما تأمرهم السحرة، ولا يهتدوا إلى إصلاح أنفسهم سبيلاً. أما السحرة الذين خاطبهم موسى ـ عليه السلام ـ فإفسادهم أظهر لأنهم يحاولون إبطال دعوة الحق والدين القويم وترويج الشرك والضلالات. وجملة: {ويُحق الله الحق} معطوفة على جملة: {إن الله سيبطله} أي سيبطله ويحق الحق، أي يثبت المعجزة. والإحقاق: التثبيت. ومنه سمِّي الحق حقاً لأنه الثابت. وإظهار اسم الجلالة في هذه الجملة مع أن مقتضى الظاهر الإضمار لقصد تربية المهابة في نفوسهم. والباء في {بكلماته} للسببية. والكلمات: مستعارة لتعلق قدرته تعالى بالإيجاد وهو التعلق المعبر عنه بالتكوين الجاري على وفق إرادته وعلى وفق علمه. وهي استعارة رشيقة، لأن ذلك التعلق يشبه الكلام في أنه ينشأ عنه إدراك معنى ويدل على إرادة المتكلم، وعلى علمه. وجملة: {ولو كره المجرمون} في موضع الحال، و(لو) وصلية، وهي تقتضي أن الحالة التي بعدها غاية فيما يُظن فيه تخلف حكم ما قبلها، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولو افتدى به}تفسير : في سورة [آل عمران: 91]، فيكون غير ذلك من الأحوال أجدر وأولى بتحقيق الحكم السابق معه. وإنما كانت كراهية المجرمين إحقاق الحق غاية لما يظن فيه تخلف الإحقاق لأن تلك الكراهية من شأنها أن تبعثهم على معارضة الحق الذي يسوءهم ومحاولة دحضه وهم جماعة أقوياء يصعب عليهم الصعب فأعلمهم أن الله خاذلهم. وأراد (بالمجرمين) فرعون وملأه فعدل عن ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر لما فيه من وصفهم بالإجرام تعريضاً بهم. وإنما لم يخاطبهم بصفة الإجرام بأن يقول: وإن كرهتم أيها المجرمون عدولاً عن مواجهتهم بالذم، وقوفاً عند أمر الله تعالى إذ قال له:{أية : فقولا له قولاً ليناً}تفسير : [طه: 44] فأتى بالقضية في صورة قضية كلية وهو يريد أنهم من جزئياتها بدون تصريح بذلك. وهذا بخلاف مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال الله له: {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64] لأن ذلك كان بعد تكرير دعوتهم، وموسى ـ عليه السلام ـ كان في ابتداء الدعوة. ولأن المشركين كانوا محاولين من النبي أن يعبد آلهتهم، فكان في مقام الإنكار بأبلغ الرد عليهم، وموسى كان محاولاً فرعونَ وملأه أن يؤمنوا، فكان في مقام الترغيب باللين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ساحر عليم: أي ذو سحر حقيقي له تأثير عليم بالفن. ألقوا: أي ارموا في الميدان ما تريدون إلقاءه من ضروب السحر. إن الله سيبطله: أي يظهر بطلانه أمام النظارة من الناس. ويحق الله الحق: أي يقرر الحق ويثبته. بكلماته: أي بأمره إذ يقول للشيء كن فيكون. المجرمون: أهل الإِجرام على أنفسهم وعلى غيرهم وهم الظلمة المفسدون. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصة موسى بعد قصة نوح عليهما السلام في الآيات السابقة لما غلب موسى فرعون وملأه بالحجة اتهم فرعون موسى وأخاه هارون بأنهما سياسيان يريدان الملك والسيادة على البلاد لا همَّ لهما إلا ذاك وكذب فرعون وهو من الكاذبين وهنا أمر رجال دولته أن يحضروا له علماء السحر ليباري موسى في السحر فجمع سحرته فقال لهم موسى {أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فنظر إليه موسى وقال: {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} وألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- للسحر طرق يتعلم بها وله علماء به وتعلمه حرام واستعماله حرام. 2- حد الساحر القتل لأنه إفساد في الأرض. 3- جواز المبارزة للعدو والمباراة له إظهاراً للحق وإبطالاً للباطل. 4- عاقبة الفساد وعمل أصحابه الخراب والدمار. 5- متى قاوم الحق الباطل انهزم الباطل وانتصر الحق بأمر الله تعالى ووعده الصادق.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَاحِرٍ} (79) - وِإِذِ ادَّعى فِرْعَوْنُ عِنَاداً وَعُتُوّاً أَمَامَ قَوْمِهِ، أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى هُوَ سِحْرٌ، وَذَلِكَ لِيُزِيلَ مِنْ نُفُوسِهِمْ أَثَرَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ المُعْجِزَاتِ وَالآيَاتِ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيَرُدُّ عَلَى سِحْرِ مُوسَى بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَأَمَرَ مَنْ حَوْلَهُ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ كُلَّ سَاحِرٍ عَالِمٍ مُتَعَمِّقٍ فِي فُنُونِ السِّحْرِ (عَلِيمٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان فرعون يعلم تقدُّم السحرة في دولته، ويكفي أنه شخصياً خَيَّل للناس أنه إله، وجاء أمره أن يأتي أعوانه بالسحرة، وفور أن قال الأمر جيء بالسحرة. وأورد الحق سبحانه في الآية التي بعد ذلك: {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما أفحموا عنه براهينهما وحججهما، وعجزوا عن معجزاتهما صمموا العزم لمعارضتهما؛ حيث {قَالَ فِرْعَوْنُ} آمراً لأعوانه وأنصاره: {ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [يونس: 79] ما هر كامل فيه، فأرسلوا شُرَطاً لجميع أهل السحر، فأجمعوا واجتمعوا وجاءوا على فناء فرعون مجتمعين، ثمَّ عينوا الوقت والموعد، فخرجوا إلأيه ليعارضوا معهما. {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ} الميقات والموعد، قالوا لموسى تحقيراً له وتهويناً لأمره: ألقِ ما جئت به من السحر {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} مستعيناً بالله من عنده متوكلاً عليه: {أَلْقُواْ} أيها المغترون المكذبون {مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} [يونس: 80]. {فَلَمَّآ أَلْقَواْ} ما جاءوا به من السحر واستحسنوا من فرعون واستأملوا منه الجعل الكثير وجزموا الغلبة {قَالَ مُوسَىٰ} بعدما رأى ما ألقوا: {مَا جِئْتُمْ بِهِ} أيها المفسدون المعاندون {ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع مخايلكم {سَيُبْطِلُهُ} عن قريب، ثمَّ ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فانقلبوا هنالك صاغرين {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] منهم؛ لانهماكهم في الإفساد والإسراف، المصرين على العتو والعناد. {وَ} بالجملة: {يُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ} الثابت من عنده ويقرره في مكانه {بِكَلِمَاتِهِ} أي: بأوامره ونواهيه وآياته ومعجزاته {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} [يونس: 82] المحرمون عننور الإيمان والتوحيد ذلك التثبيت والتقرير. ثم لما ظهر أمر موسى وشاع غلبته وفاق معجزاته على ما جاءوا به من السحر والشعبذة {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} منهم بعد ظهور صدقه بين أظهرهم {إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن} شبان {قَوْمِهِ} أي: بني إسرائيل، وسبب توقفهم بعد الدعوة أنهم {عَلَىٰ خَوْفٍ} وخطر عظيم {مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} الذين يجتمعون حولهم من القبط {أَن يَفْتِنَهُمْ} ويصول عليهم ليقتلهم {وَ} وكيف لا يخافون أولئك المظلومون؟! {إِنَّ فِرْعَوْنَ} المتناهي في العتو والاستكبار {لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} غالب قاهر على جميع من فيها {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] بالاستيلاء والبسطة والكبرياء إلى حيث تفوه من غاية كبره بـ: أنا ربكم الأعلى. {وَ} بعدما رأى موسى توقف قومه في أمر الإيمان بعد وضوح البرهان {قَالَ مُوسَىٰ} على وجه العظة والتذكر، وتعليم التوكل والتفويض الذي هو أقوى شعائر الإيمان، منادياً لهم ليقبلوه عن ظهر القلب: {يٰقَوْمِ} أراد به بني إسرائيل {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ} الرقيب الحسيب لعباده {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} في جميع أموركم وحالاتكم {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84] مسلمين أموركم إليه، منقادين لحكمه، وما جرى عليكم من قضائه. ثم لما سمعوا مقالة موسى تأثروا منها وتذكروا {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} المتولي لأمورنا {تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا} يا من ربانا بلطفك وهدانا إلى توحيده {لاَ تَجْعَلْنَا} بحولك وقوتك {فِتْنَةً} أي: محل فتنة ومصيبة {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس: 85] الذي قصدوا أن يتسلطوا علينا ويفتنوا بنا. {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ} التي وسعت كل شيء {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [يونس: 86] القاصدين ستر الحق بأباطيلهم الزائغة، الكائدين المكارين مع من توجه نحوك ورجع إليك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } معارضًا للحق، الذي جاء به موسى، ومغالطًا لملئه وقومه: { ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } أي: ماهر بالسحر، متقن له. فأرسل في مدائن مصر، من أتاه بأنواع السحرة، على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم. { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ } للمغالبة مع موسى { قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ } أي: أي شيء أردتم، لا أعين لكم شيئًا، وذلك لأنه جازم بغلبته، غير مبال بهم، وبما جاءوا به. { فَلَمَّا أَلْقَوْا } حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، فـ { قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته { إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا؟!! وهكذا كل مفسد عمل عملا واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق. وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم.