Verse. 1447 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

فَمَاۗ اٰمَنَ لِمُوْسٰۗى اِلَّا ذُرِّيَّۃٌ مِّنْ قَوْمِہٖ عَلٰي خَوْفٍ مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَا۟ىِٕہِمْ اَنْ يَّفْتِنَھُمْ۝۰ۭ وَاِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْاَرْضِ۝۰ۚ وَاِنَّہٗ لَمِنَ الْمُسْرِفِيْنَ۝۸۳
Fama amana limoosa illa thurriyyatun min qawmihi AAala khawfin min firAAawna wamalaihim an yaftinahum wainna firAAawna laAAalin fee alardi wainnahu lamina almusrifeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فما آمن لموسى إلا ذرية» طائفة «من» أولاد «قومه» أي فرعون «على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم» يصرفهم عن دينه بتعذيبه «وإن فرعون لعال» متكبر «في الأرض» أرض مصر «وإنه لمن المسرفين» المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية.

83

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية. واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه: الأول: أن الذرية ههنا معناها تقليل العدد. قال ابن عباس: لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد. الثاني: قال بعضهم: المراد أولاد من دعاهم، لأن الآباء استمروا على الكفر، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف. الثالث: أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل. الرابع: الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها. وأما الضمير في قوله: {مِن قَوْمِهِ } فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل. أما قوله: {عَلَىٰ خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } ففيه أبحاث: البحث الأول: أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جداً، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى، فإذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب كانوا خائفين منه. البحث الثاني: إنما قال: {وَمَلَئِهِمْ } مع أن فرعون واحد لوجوه: الأول: أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع، والمراد التعظيم قال الله تعالى: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] الثاني: أن المراد بفرعون آل فرعون. الثالث: أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون. ثم قال: {أَن يَفْتِنَهُمْ } أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم. ثم قال: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلاْرْضِ } أي لغالب فيها قاهر {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } قيل: المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين، وقيل: إنما كان مسرفاً لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} الهاء عائدة على موسى. قال مجاهد: أي لم يؤمن منهم أحد، وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا؛ وهذا اختيار الطبري. والذرية أعقاب الإنسان، وقد تكثر. وقيل: أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف، وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في ٱثنين وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال ٱبن عباس أيضاً: «مِنْ قَوْمِهِ» يعني من قوم فرعون؛ منهم مؤمنُ آل فرعون وخازنُ فرعون وٱمرأته وماشطة ٱبنته وٱمرأة خازنه. وقيل: هم أقوامٌ آباؤهم من القبط، وأُمهاتهم من بني إسرائيل فسُمّوا ذرية كما يسمى أولاد الفُرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب الأبناء؛ لأن أُمهاتهم من غير جنس آبائهم؛ قاله الفراء: وعلى هذا فالكناية في «قَوْمِهِ» ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأُمهات، وإلى فرعون إذا كانوا من القبط. قوله تعالى: {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ} لأنه كان مسلَّطاً عليهم عاتيا. {وَمَلَئِهِمْ} ولم يقل وملئه؛ وعنه ستة أجوبة: أحدها ـ أن فرعون لما كان جباراً أخبر عنه بفعل الجميع. الثاني ـ أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيرَه، فعاد الضمير عليه وعليهم؛ وهذا أحد قولي الفرّاء. الثالث ـ أن تكون الجماعة سمّيت بفرعون مثل ثمود. الرابع ـ أن يكون التقدير: على خوف من آل فرعون؛ فيكون من باب حذف المضاف مثل:{أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] وهو القول الثاني للفرّاء. وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ، لا يجوز عندهما قامت هند، وأنت تريد غلامها. الخامس ـ مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذرية، أي ملأ الذرية؛ وهو اختيار الطبري. السادس ـ أن يكون الضمير يعود على قومه. قال النحاس: وهذا الجواب كأنه أبلغها. {أَن يَفْتِنَهُمْ} وحّد «يَفْتِنَهُمْ» على الإخبار عن فرعون، أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ «خَوْفٍ». ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي عاتٍ متكبر. {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي المجاوزين الحدّ في الكفر؛ لأنه كان عبداً فٱدّعى الربوبية.

البيضاوي

تفسير : {فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ} أي في مبدأ أمره. {إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ} إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم فلم يجيبوه خوفاً من فرعون إلا طائفة من شبانهم، وقيل الضمير لـ {فِرْعَوْنُ} والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به، أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنه وزوجته وماشطته {عَلَىٰ خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} أي مع خوف منهم، والضمير لـ {فِرْعَوْنُ} وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو على أن المراد بـ {فِرْعَوْنُ} آله كما يقال: ربيعة ومضر، أو للـذُريةِ أو للقوم. {أَن يَفْتِنَهُمْ} أن يعذبهم فرعون، وهو بدل منه أو مفعول خوف وإفراده بالضمير للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسببه. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} لغالب فيها. {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام، مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات، إلا قليل من قوم فرعون من الذرية، وهم الشباب، على وجل وخوف منه ومن ملئه؛ أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون لعنه الله كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفاً شديداً، قال العوفي عن ابن عباس: {فَمَآ ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير، منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فَمَآ ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} يقول: بني إسرائيل. وعن ابن عباس والضحاك وقتادة: الذرية القليل. وقال مجاهد في قوله: {إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى؛ من طول الزمان، ومات آباؤهم. واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل، لا من قوم فرعون؛ لعود الضمير على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر؛ لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب، وأنهم من بني إسرائيل. فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام، واستبشروا به، وقد كانوا يعرفون نعته وصفته، والبشارة به من كتبهم المتقدمة، وأن الله تعالى سينقذهم من أسر فرعون، ويظهرهم عليه، ولهذا لما بلغ هذا فرعون، حذر كل الحذر، فلم يجد عنه شيئاً، ولما جاء موسى، آذاهم فرعون أشد الأذى، {أية : قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] وإذا تقرر هذا، فكيف يكون المراد: إلا ذرية من قوم موسى، وهم بنو إسرائيل {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} أي: وأشراف قومه؛ أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون؛ فإنه كان من قوم موسى، فبغى عليهم، لكنه كان طاوياً إلى فرعون، متصلاً به، متعلقاً بحباله. ومن قال: إن الضمير في قوله: وملئهم، عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه، أو بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه، فقد أبعد، وإن كان ابن جرير قد حكاه عن بعض النحاة. ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن، قوله تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ } طائفة {مِنْ } أولاد {قَوْمِهِ } أي فرعون {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } يصرفهم عن دينه بتعذيبه {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ } متكبِّر {فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } المتجاوزين الحدّ بادّعاء الربوبية.

ابن عطية

تفسير : المعنى فما صدق موسى، ولفظة {آمن } تتعدى بالباء، وتتعدى باللام وفي ضمن المعنى الباء، واختلف المتأولون في عود الضمير الذي في {قومه} فقالت فرقة: هو عائد على موسى، وقالت فرقة هو عائد على {فرعون } ، فمن قال إن العود على موسى قال معنى الآية وصف حال موسى في أول مبعثه أنه لم يؤمن به إلا فتيان وشباب أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل، فالضمير في " الملأ " كعائد على " الذرية " وتكون الفاء على هذا التأويل عاطفة جملة على جملة لا مرتبة، وقال بعض القائلين بعود الضمير على موسى: إن معنى الآية أن قوماً أدركهم موسى ولم يؤمنوا به وإنما آمن ذريتهم بعد هلاكهم لطول الزمان، قاله مجاهد والأعمش، وهذا قول غير واضح، وإذا آمن قوم بعد موت آبائهم فلا معنى لتخصيصهم باسم الذرية، وأيضاً فما روي من أخبار بني إسرائيل لا يعطي هذا، وهيئة قوله {فما آمن } يعطي تقليل المؤمنين به لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض ولو كان الأكثر مؤمناً لأوجب الإيمان أولاً ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية إنه القليل لا أنه أراد أن لفظة الذرية هي بمعنى القليل كما ظن مكي وغيره، وقالت فرقة إنما سماهم ذرية لأن أمهاتهم كانت من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فكان يقال لهم الذرية كما قيل لفرس اليمن الأبناء وهم الفرس المنتقلون مع وهرز بسعاية سيف بن ذي يزن، والأمر بكماله في السير، وقال السدي كانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون. قال القاضي أبو محمد: ومما يضعف عود الضمير على " موسى " أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوماً قد تقدمت فيهم النبوات وكانوا في مدة فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا كشفه على يد مولود يخرج فيهم يكون نبياً، فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه واتبعوه ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به فكيف تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن، فالذي يترجح بحسب هذا أن الضمير عائد على " فرعون " ويؤيد ذلك أيضاً ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم على قولهم هذا سحر، فذكر الله ذلك عنهم، ثم قال {فما آمن لموسى إلا ذرية } من قوم فرعون الذين هذه أقوالهم، وروي في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه، قال ابن عباس، والسحرة أيضاً فإنهم معدودون في قوم فرعون وتكون القصة على هذا التأويل بعد ظهور الآية والتعجيز بالعصا، وتكون الفاء مرتبة للمعاني، التي عطفت، ويعود الضمير في {ملئهم} على "الذرية"، ولاعتقاد الفراء وغيره عود الضمير على موسى تخبطوا في عود الضمير في {ملئهم}، فقال بعضهم: ذكر فرعون وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود، كما تقول جاء الخليفة وسافر الملك وأنت تريد جيوشه معه، وقال الفراء: المعنى على خوف من آل فرعون وملئهم وهو من باب {أية : واسأل القرية} تفسير : [يوسف: 82]. قال القاضي أبو محمد: وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله {واسأل القرية } [يوسف:82] هو سائغ بسبب ما يعقل من أن " اسأل القرية" لا تسأل، ففي الظاهر دليل على ما أضمر، وأما ها هنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج معه إلى إضمار، إما أنه ربما احتج أن الضمير المجموع في {ملئهم} يقتضي ذلك والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة ولكن لكثرة استعماله ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص، وقوله {أن يفتنهم} بدل من {فرعون} وهو بدل الاشتمال، فـ {أن} في موضع خفض، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من أجله، وقرأ الحسن والجراح، ونبيح " أن يُفتنهم " بضم الياء، ثم أخبر عن فرعون بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين، وقوله تعالى: {وقال موسى - إلى - الكافرين }، ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني إسرائيل المؤمنين منهم مؤنساً لهم ونادباً إلى التوكل على الله الذي بيده النصر ومسألة التوكل متشعبة للناس فيها خوضات، والذي أقول: إن التوكل الذي أمرنا له هو مقترن بتسبب جميل على مقتضى الشرع، وهو الذي في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : قيدها وتوكل" تفسير : فقد جعله متوكلاً مع التقييد، والنبي صلى الله عليه وسلم رأس المتوكلين وقد تسبب عمره كله، وكذلك السلف كله، فإن شذ متوكل فترك التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها، كمن يدخل غاراً خفياً يتوكل فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء، وما روي من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله ضعيف، وللصحيح منه قرائن تسهله، وللمسلمين أجمعين قال الله تعالى {أية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} تفسير : [البقرة: 198]، ولهم قال {أية : وعلى ربهم يتوكلون} تفسير : [الأنفال: 2] ليس فيه أنهم يتركون التسبب جملة واحدة ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب بل كان يغزو ويأخذ سهمه، وأعني بذلك ترك التسبب في الغذاء، وأما ترك التسبب في الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة، فكيف بمن يحتسب، وقال لهم: {إن كنتم آمنتم} مع علمه بإيمانهم على جهة إقامة الحجة وتنبيه الأنفس وإثارة الأنفة كما تقول، إن كنت رجلاً فقاتل، تخاطب بذلك رجلاً تريد إقامة نفسه، وقوله {إن كنتم مسلمين }، يريد أهل طاعة منضافة إلى الإيمان المشروط، فذكر الإسلام فيه زيادة معنى، ثم ذكر أنه أجاب بنو إسرائيل بنية التوكل على الله والنطق بذلك، ثم دعوا في أن لا يجعلهم فتنة للظلمة، والمعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة مجاورتنا لهم فيفتنون ويعتقدون أن إهلاكنا إنما هو بقصد منك لسوء ديننا وصلاح دينهم وأنهم أهل الحق، قاله مجاهد وغيره. قال القاضي أبو محمد: فهذا لدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين، أحدهما القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون، والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض، ونحو هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : ليس الميت أبو امامة اليهود والمشركين يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه" تفسير : ، ويحتمل اللفظ من التأويل وقد قالته فرقة: إن المعنى لا تفتنهم وتبتلهم بقتلنا فتعذبهم على ذلك في الآخرة وفي هذا التأويل قلق، باقي الآية بيّن.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذُرِّيَّةٌ} قليل "ع"، أو الغلمان لأن فرعون كان يذبحهم فأسرعوا إلى الإيمان أو أولاد الزَّمْنَى، أو قوم أمهاتهم من بني إسرائيل وآبائهم من القبط {يَفْتِنَهُمْ} يقتلهم، أو يكرههم على استدامة ما هم عليه. {لَعَالٍ} متجبر، أو طاغْ باغٍ.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ } ٱختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في {قَوْمِهِ }، فقالتْ فرقة: هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل. قال * ص *: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ: الضميرُ في {قَوْمِهِ } عائدٌ على {فِرْعَوْنَ }، وضمير {مَلإِيْهِمْ} عائدٌ على الذريَّة. قال * ع *: ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى: أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قوماً تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون. وقوله سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ...} الآية: هذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل؛ مُؤَنِّساً لهم، ونادباً إِلى التوكُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ: قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى: إِنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: { أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [المائدة:23] فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه؟ قال: إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ: فما معنى إِيمانهم؟ قال: تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه تبارَكَ وتعالَى، قلْتُ: مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصَّة منهم على العامَّة، والتوكُّل في عَقْد الإِيمان مع كلِّ من آمن باللَّه عزَّ وجلَّ؟ قال: إِنَّ الذي فَضَلَتْ به الخاصَّة على العامَّة دَوَامُ سكونِ القَلْب عن ٱلاضطراب والهُدُوِّ عن الحرَكَة، فعندها، يا فَتَى، ٱستراحُوا من عذاب الحِرْصِ، وفُكُّوا مِنْ أُسْرِ الطمع، وأُعْتِقُوا من عُبُودِيَّة الدنيا، وأبنائِها، وحَظُوا بالرَّوْحِ في الدَّارَيْنِ جميعاً، فطوبَى لهم وحُسْنُ مَآب، قلْتُ: فما الذي يولِّدُ هذا؟ قال: حَالَتَانِ: دَوَامُ لُزُومِ المعرفة، وٱلاعتِمَادُ على اللَّه عزَّ وجلَّ، وتَرْكُ الحِيل. والثانية: الممارسَةُ حتى يَأْلَفَهَا إِلْفاً، ويختارها ٱختياراً، فيصير التوكُّل والهُدُوُّ والسكونُ والرضا والصبْرُ له شعاراً ودثاراً. انتهى من «كتاب القَصْدِ إِلى اللَّه سبحانه». وقولهم: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }: المعنى: لا تُنْزِلْ بنا بلاءً بأيديهم أو بغير ذلك مدَّةَ محاربتنا لهم؛ فَيُفْتَنُونَ لذلك، ويعتقدون صلاَحَ دينهم، وفَسَاد ديننا؛ قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاءُ على هذا التأويل يتضمَّن دفْعَ فصلين: أحدُهما: القَتْل والبلاء الذي توقَّعه المؤمنون. والآخر: ظُهُورُ الشَّرك بٱعتقادِ أهله أنَّهم أَهْلُ الحَقِّ. ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم: « بِئْسَ المَيِّتُ أَبُو أُمَامَةَ» لأن اليَهُودَ وَالمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ. ورَجَّحَ * ع * في «سورة الممتحنة: 5» قولَ ابْنِ عباس: إِن معنى: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}: لا تسلِّطهم علينا؛ فيفتنونا؛ ٱنظره هناك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فما آمن لموسى إلا ذرية‏} ‏ قال‏:‏ الذرية القليل‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ذرية من قومه‏} ‏ قال‏:‏ من بني إسرائيل‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه‏}‏ قال‏:‏ أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كانت الذرية التي آمنت بموسى من أناس بني إسرائيل من قوم فرعون، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‏} ‏ قال‏:‏ لا تسلطهم علينا فيفتنونا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‏} ‏ قال‏:‏ لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون‏:‏ لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قلابة رضي الله عنه في قول موسى عليه السلام ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‏} ‏ قال‏:‏ سأل ربه أن لا يظهر علينا عدوّنا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك‏. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‏} ‏ قال‏:‏ لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا‏.

القشيري

تفسير : أهل الحقيقة في كل وقتٍ قليلٌ عَدَدُهم، كبيرٌ عند الله خَطَرُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فما آمن لموسى} فى مبدأ امره قبل القاء العصا واما ايمان السحرة فقد وقع بعده فلا ينافى الحصر المذكور هنا {الا ذرية من قومه} اى الا اولاد من اولاد قومه بنى اسرائيل حيث دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون واجابته طائفة من شبانهم وذلك ان لفظ لذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ولا سبيل لحمله على التحقير والاهانة ههنا فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد او حداثة السن {على خوف} اى كائنين على خوف عظيم {من فرعون وملائهم} اى ملأ الذرية ولو يؤنث لان الذرية قوم فذكر على المعنى. تلخيصه آمنوا وهم يخافون من فرعون ومن اشراف بنى اسرائيل لانهم كانوا يمنعون اعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى انفسهم ويجوز ان يكون الضمير لفرعون على ان المراد بفرعون آله كثمود اسم قبيلة {ان يفتنهم} ان يعذبهم فرعون او يرجع آباؤهم الى فرعون ليردهم الى الكفر وهو بدل اشتمال تقديره على خوف من فرعون فتنته كقولك اعجبنى زيد علمه واسناد الفعل الى فرعون خاصة لانه الآمر بالتعذيب. قال فى التأويلات النجمية فما آمن لموسى القلب الاذرية من قومه وهى صفاته ويجوز ان تكون الهاء فى قومه راجعة الى فرعون النفس اى ما آمن لموسى القلب الا بعض صفات فرعون النفس فانه يمكن تبديل اخلاقها الذميمة بالاخلاق الحميدة القلبية على خوف من فرعون وملائهم يعنى على خوف من فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها بان يبدلوها باخلاقها الطبيعية التى جبلت النفس عليها وبهذا يشير الى ان النفس وان تبدلت صفاتها الامارية الى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة الى الامارية كما كان حال بلعام وبرصيصا ان يفتنهم بالدنيا وشهواتها ويرجع النفس قهقرى الى اماريتها انتهى. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى مواقع النجوم وعلامة المدعى فى الوصول رجوعه الى رعونة النفس واعراضها ولهذا قال ابو سليمان الدارانى من رؤساء المشايخ لو وصلوا ما رجعوا وانما حرموا الوصول لتضييعهم الاصول فمن لم يتخلق وعلامة من صح وصوله الخروج عن الطبع والادب مع الشرع واتباعه حيث سلك انتهى {وان فرعون لعال فى الارض} لغالب فى ارض مصر ومتكبر وطاغ {وانه لمن المسرفين} فى الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء او فى الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق اسباط الانبياء وهم بنوا اسرائيل فانهم من فروع يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في "ملئهم" يعود على فرعون، وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو باعتبار آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومُضَر، أو على الذرية، أو على "قومه" و(ان يفتنهم) بدل من فرعون، أو مفعول بخوف، وأفرد ضمير الفاعل، فلم يقل: أن يفتنوهم؛ للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسبب فرعون. يقول الحق جل جلاله: {فما آمنَ لموسى} أي: صدّقه في أول مبعثه {إلا ذريةٌ}: إلا شباب وفتيان {من قومه}: من بني إسرائيل، آمنوا {على خوفٍ من فرعون وملئهم} أي: مع خوف من فرعون وقومه، أو على خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل؛ لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفاً من فرعون، وهذا أرجح. خافوا {أن يفتنهم}: يعذبهم حتى يردهم عن دينهم، {وأن فرعونَ لعالٍ في الأرض}: لغالب فيها، {وإنه لَمِن المسرفين} في الكفر والعُتُوِّ حتى ادعى الربوبية، واسترقَّ أسباط الأنبياء. الإشارة: أهل التصديق بأهل الخصوصية قليل في كل زمان، وإيذاء المنتسبين لهم سنة جارية في كل أوان، فكل زمان له فراعين يُؤذون المنتسبين، والعاقبة للمتقين. ثم أمرهم بالتوكل والثبات، فقال: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه لم يصدق لموسى بالنبوة الا ذرية من قومه مع خوفهم من فرعون ورؤساء قومه ان يفتنوهم. (والذرية) الجماعة من نسل القبيلة. وحكى ابن عباس انه اراد الاقليل من قومه. وقيل كانت امهاتهم من بني اسرائيل وآباؤهم من القبط. وقيل سموا ذرية لانهم اولاد الذين ارسل عليهم موسى فلم يستجب الاباء وقيل: الأبناء. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل أخذهم فرعون بتعلم السحر وجعلهم من اصحابه. ويحتمل أن يكون ذرية على وزن (فعلية) مأخوذاً من الذر كقمرية. والثاني - أن يكون على وزن (فعلية) من الذرو في تذروه الرياح كقولك مزقته، ويجوز أن يكون من ذرأ الله الخلق فترك همزه والفتنة في الدين الامتحان الذي يصرف عنه. وقد يكون ذلك بالاكراه تارة وبالهدى أخرى، وبالشبهة الداعية إلى الضلال وقوله {إن فرعون لعال في الأرض} فالعلو في الامر عظم الشأن فيه، وكل معنى لا يخلو من أن يكون في صفة عالية أو دانية أو فيما بينهما من الجلالة والضعة. والضمير في قوله {وملائهم} قيل فيمن يعود اليه ثلاثة اقوال: احدها - إلى الذرية فقط. الثاني - إلى فرعون واتباعه. الثالث - إلى فرعون، لانه معلوم. وقوله {وإنه لمن المسرفين} اخبار منه تعالى ان فرعون لمن جملة من أبعد في مجاوزة الحق. والاسراف قد يكون في القتل وفي الاكثار من المعاصي.

اطفيش

تفسير : {فَما آمنَ لموسَى} انقاد له، أو صدق بموسى، أو صدق له بما جاء به فى مبتدأ أمره {إلا ذُريةٌ مِنْ قَومِه} أى طائفة من قوم فرعون، كمؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، والماشطة، وقيل: كان هؤلاء شبانا، فالذرية على ما يتبادر، وقيل: شبان منهم هؤلاء وغيرهم، وقيل إلا أولاد من قوم موسى، وهم بنو إسرائيل اتبعوه، ولم يتبعه الآباء خوفا من فرعون، وقيل: شبان من قومه، مات آباؤهم، وقيل: شبان وهبوا حين ولدوا للقبطيات يربينهم خوفا من أن يقتلوا، آمنوا حين غلب موسى السحرة. وقال الفراء: كان آباؤهم من القبط، وأمهاتهم من بنى إسرائيل، وقيل: إلا ذرية من قوم موسى، وهم من أرسل إليهم من نسبه وقبط، وما آمن منهما إلا ثمانون رجلا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الاهتمام بإيمان قومه، والاغتمام بإعراضهم عن الإيمان، فسلاه الله سبحانه وتعالى بأنه لم يؤمن لموسى إلا قليل، وكان ما جاء به أمرا عظيما. {عَلَى} أى مع {خَوْفٍ} {مِنْ فِرعَونَ ومَلَئهم} أى ملا ذلك القوم المذكور، على أنه قوم فرعون لعنه الله، أو على أنه قوم موسى، وكانوا يمنعون أولادهم خوفا عليهم وعلى أنفسهم، فهم خائفون من فرعون وآبائهم أو ملأ هؤلاء الذرية، وهو قول الأخفش، وسعيد ابن سعدة، وهم آباؤهم أو أشراف بنى إسرائيل للخوف على الكل أو ملأى فرعون، وجمع ضميره على ما هو المعتاد فى ضمير العظماء، كما يعبر عن الأصنام بما يعبر به عن العقلاء على إعادة أهلها، أو فرعون اسم لآله، كما تسمى القبيلة باسم أبيها كربيعة ومضر، فيكون ذلك بمنزلة على خوف من آل فرعون وأشراف آله. {أنْ يفْتِنَهم} بدل اشتمال من فرعون لا من الضمير كما قيل: ولو رجع إلى فرعون، أو مفعول للخوف، أو مقدر بمن، وذكر ابن هشام: أن من رد ضمير ملئهم إلى فرعون على أنه اسم للقبيلة بكون يفتن على قوله مراعا فيه اللفظ، قال: فإن قيل: ضمير ملئهم عائد إلى مذكور وهو فرعون، ومحذوف استلزمه المذكور وهو قوله، والمعنى أن يعذبهم ويصرفهم عن الإيمان بما وجد، ولم يقل أن يفتنوهم للدلالة على أن الخوف من الملأ كان لسبب فرعون، وكان ملأه تابعا، لأمره، وإن قلنا: إن الملأ أشراف بنى إسرائيل أو الآباء، فقد زعم أنه لم يحفظ عن طائفة من بنى إسرائيل أنها كفرت، فمنعهم الاذرية خوفا منه. {وإنَّ فِرعَونَ لَعالٍ} غالب قاهر: متكبر باغ {فى الأرْضِ وإنَّه لمنَ المسْرِفينَ} فى العلو حتى ادعى الربوبية، واستعبد بنى إسرائيل وهم ذرية أنبياء.

اطفيش

تفسير : {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى} انقاد له أَول أَمره كما تدل له الفاءُ لما أَلقوا وأَلقى عقبه إِيمان قليل كما قال {إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ} شبان {مِنْ قَوْمِهِ} من قوم موسى على معنى أَن غالب ذرية بنى إِسرائيل كفروا حين كانوا فى حكم فرعون، دعاهم موسى فلم يجيبوه إِلى الإِسلام، وأَجابه القليل منهم سراً كما قال {عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ} أَن يعاقبهم على الإِيمان بموسى، وعلى خوف بمعنى مع خوف، وهو متعلق بمحذوف حال. وقيل الذرية الإِسرائيليون الذين بمصر أَرسل إِليهم موسى وقد كفروا بالقهر ومخالطة القبط، كما أَرسل إِلى القبط. هلك الآباءُ وبقيت الأَبناءُ وسموا ذرية بهذا الاعتبار، وقيل نجا قوم من قتل فرعون وكفروا، كانت المرأَة إِذا ولدت ولدا أَسلمته لقبطية خوفاً عليه فينشأُ على الكفر، ولما غلب موسى آمنوا، ولفظ ذرية للقلة وحداثة السن، وقيل المراد مطلق الإٍسرائيلين، كانوا على الإِيمان ولم يطيقوا إِظهاره، ورجوع هاءِ قومه إِلى موسى هو الظاهر، وقيل الهاءُ لفرعون وفيه أَنه لو كان كذلك لقيل إِلا ذرية من قومه على خوف منه برد الهاءَين إِلى فرعون لظهور أَنه لا خوف من موسى على الإِيمان، أَو قيل إِلا ذرية من قوم فرعون على خوف منه كامرأَة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه وامرأَة خازنة وماشطة ابنتى فرعون، وقيل ماشطة فرعون نفسه، كانت له ضفائِر عين لها ماشطة. قال الفراءُ: سموا ذرية لأَن آباءَهم من القبط، كما سمى أَولاد فارس الذين نقلوا إِلى اليمن الأَبناءُ لأَن أَمهاتهم من غير جنس الآباءِ، وكان الرجل يتبع أُمه وخاله فى الإِيمان، واعترض رد الضمير لفرعون ببعده وقرب موسى، مع أَن إِعلان الإِيمان من قوم فرعون غير منقول قبل هلاكه إِلا السحرة، وبأَن موسى هو المحدث عنه، واعترض بأَن الكلام فى قوم فرعون لأَنهم القائِلُون أَنه ساحر، وأَن بنى إِسرائيل فى قهر فرعون وبشروا بالخلاص على يد مولود نبى صفته كذا، ولما ظهر اتبعوه، ولم يعرف أَن أَحدا منهم خالفه، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأَن معجزات موسى مدركة بالحس ظاهرة، ومع ذلك لم يؤمن به من قومه إِلا قليل {وَمَلَئِهِمْ} ملإِ فرعون، وكان بضمير الجمع على عادة الناس فى رد ضمير الجمع للواحد تعظيماً على فرض اعتياد ذلك فى قوم فرعون كما يصف الله الأَصنام بصيغ العقلاءِ كالذين لأَن ذلك عادة عابديها، واعترض بأَن التعبير بالواحد عن الجمع تعظيماً معتاد فى التكلم كما يقال نحن فعلنا والمراد واحد والخطاب نحو رب ارجعون وقوله: أَلا فارحمونى يا إِله محمد. إِلا أَن الفارسى نقله فى الغائب، والحافظ حجة والمثبت مقدم عن النافى، أَو فرعون هنا اسم لقومه كعاد وثمود اسم للقبلتين مسميين باسمى أَبويهما، وكربيعة ومضر وقريش، واعترض بأَن هذا فى القبيلة وأَبيها وفرعون ليس أَبا للقبط مع أَن مثل هذا محتاج إلى السماع لا مقول بالقياس، فلا يقال فلان من هاشم بل من بنى هاشم وهكذا، أَو الهاءُ للذرية أَو لقوم موسى أَو قوم فرعون سواءٌ جعلنا الضمير فى قومه لموسى أَو لفرعون، وإِذا جعلنا الهاءَ للذرية فالمراد ذرية فرعون لا ذرية موسى، إِذ لا وجه لخوف الذرية المؤمنة من ملئِهم، إِلا أَن يراد ملأُ بنى إِسرائيل الناشئِين تحت فرعون فى كفر أَو الناشئِين فى إِيمان، خافوا الهلاك على من دونهم فمنعوهم من الإِيمان أَو إِظهاره، وقيل عائِد إِلى الأَل المقدر هكذا، على خوف من آله فرعون، ويرده أَنه لا دليل عليه، وقد وجدنا مرجعاً للهاء بدون هذا التقدير، وكذا يرد على من قدر على خوف من فرعون وقومه وملئِهم، وقول السعد والرضى جمع المفرد تعظيماً مختص بضمير المتكلم غير مسلم، بل يقع فى ضمير المخاطب والغائب أَيضاً كما مر، والظاهر كما ورد لأَن العلة واحدة، وإِذا أَطلق اسم الأَب على قبيلته فتارة يراد معها وتارة تراد دونه، وإِذا عبر بآل فلان فتارة يراد فلان وتارة كلاهما وتارة أَهله دونه {أَن يَفْتِنَهُمْ} يصرفهم عن دينهم بالعذاب، والمصدر بدل اشتمال من فرعون أَو مفعول به لخوف من إِعمال المصدر المنون أو علة لمحذوف أَى أَسروا لئَلا يفتنهم، ولم يجمع ضمير الرفع فيعود لفرعون والملأَ، لأنَ الصرف والعذاب منهم تبع له وعمل بأمره، وكأَنهم لم يخافوا سواه، وإِن أُريد من فرعون قومه على ما مر فرد الضمير إليه هنا لنفسه خاصة استخدام{وَإِنَّ فِرْعْونَ لَعَالٍ} متكبر غالب.{فِى اْلأَرْضِ} هذا تأْكيد لما قبله لأَن العلو من أسباب تمكن التعذيب، والمراد بالأَرض أَرض مصر{وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} المبالغين فى التكبر حتى ادعى الربوبية وطرح العبودية حتى قال أنا ربكم الأَعلى، واسترق أَسباط الأَنبياءِ وسفك الدماءَ. {وَقالَ مُوسَى} تثبيتا للقلوب من آمن به إذ خافوا{يَاقَوْمِ} خطاب لبنى إسرائيل أو لمن آمن به، ولو من القبط فإن الإِيمان به كالكون من قومه{إِنْ كنْتُمْ آمَنتمْ بِاللهِ فَعَليْهِ} لا على غيره{توَكَّلُوا إِنْ كُنتمْ مُسْلِمِين} هذا الشرط شرط لجواب الشرط الأَول مع شرطه، فليس من تعليق الحكم بشرطين لأَنه لا يجوز إلا بالتبعية كالعطف، وذلك كقوله إن جاءَ زيد فأَطعمه إن جاع، فالجوع شرط بمجيءِ زيد ووجوب إِطعامه، والشرط وجوابه مغنيان عن جواب الشرط الثاني والمعلق بالإِيمان وجوب التوكل المأْخوذ من الأَمر المجرد عما يخرجه عن الوجوب، والمشروط بالإِسلام حصوله، فإنه لا يوجد مع اختلاط تعميده تعالى باعتماد غيره، ومقام التسليم فوق مقام التوكل، إِن كنتم مسلمين توكلتم عليه، وليس هذا قاعدة، والحق ما ذكرته، وهذا كما نقول في الضمير المتأَخر لفظاَ يجب تقدمه معنى، والمتقدم لفظاً يجب تأَخره معنى كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً ومجموع قولك إِن دخلت الدار فأَنت طالق مشروط بقولك إن كلمت زيداً، والإسلام هنا الاستسلام بالأَعمال وإلغاءُ النفس، والإيمان التصديق، والتوكل إسناد الأُمور إليه تعالى، والدعاء والتسبب لا ينفيان التوكل إذ بنيا عليه. {فَقَالُوا عَلَى اللهِ} لا على غيره{تَوكَّلْنا} الفاءُ لترتيب قولهم هذا على قول موسى باتصال وقدموا على الله للحصر، كما طلب موسى، وكون توكلنا إِنشاءً أَولى من أن يكون إخباراً{رَبَّّنا لا تّجْعَلْنَا فِتْنَةً} أى محل فتنة بتقدير مضاف لأَنَ المعانى لا تحمل على الذوات، وحذف المضاف لتكون الصورة مبالغة{لْلقَوْمِ الظَّالِمينَ} فرعون وقومه، وأل للعهد، أَظهر فى موضع الإضمار للوصف بالظلم، أَو يراد مطلق الظالمين فيدخل فرعون وقومه، ومعنى جعلهم فتنة للظالمين أَن يغلبهم الظالمون فيظن الظالمون ومن ضعف إيمانه أَن المؤمنين ليسوا على الحق فيستمروا على الكفر ويتبعهم الضعفاء، أو معناه أَن تسلطهم علينا فيعذبونا، أَو معناه أَ يفتنونا عن ديننا. {وَنَجَّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ اْلقَومِ اْلكَافِرِينَ} فرعون وقومه فوضع الظاهر موضع المضمر أو الكافرين على الإطلاق كما مر، والمراد نجنا من كيدهم وشؤْمهم أَو من أَيديهم أَو شؤْم مشاهدتهم لأَن معاشرة الأَشرار مصيبة تتعب الأَبرار وتزيد فجوز الفجار، أَو الظالمين الملأُ الذين تخافون منهم، والكافرين ما يعمهم وغيرهم، وقدموا التوكل على الدعاءِ بأَن لا يجعلهم فتنة وبالتنجية لتجاب دعوتهم لأَنه من لم يتوكل يضطرب.

الالوسي

تفسير : {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} عطف على مقدر فصل في موضع آخر أي فألقى / عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون الخ، وإنما لم يذكر تعويلاً على ذلك وإيثار للإيجاز وإيذاناً بأن قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ }تفسير : [يونس: 81] مما لا يحتمل الخلف أصلاً، ولعل عطفه على ذلك بالفاء باعتبار الإيجاب الحادث الذي هو أحد مفهومي الحصر، فإنهم قالوا: معنى ما قام إلا زيد قام زيد ولم يقم غيره، وبعضهم لم يعتبر ذلك وقال: إن عطفه بالفاء على ذلك مع كونه عدماً مستمراً من قبيل ما في قوله تعالى: {أية : فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ}تفسير : [هود: 97] وما في قولك: وعظته فلم يتعظ ـ وصحت به فلم ينزجر، والسر في ذلك أن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وضع حادث أي فما آمن عليه السلام في مبدأ أمره. {إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ} أي إلا أولاد بعض بني إسرائيل دعا عليه السلام الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم، فالمراد من الذرية الشبان لا الأطفال. و{مِنْ} للتبعيض، وجوز أن تكون للابتداء والتبعيض مستفاد من التنوين، والضمير لموسى عليه السلام كما هو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن جرير عنه أن الضمير لفرعون وبه قال جمع، فالمؤمنون من غير بني إسرائيل ومنهم زوجته آسية وماشطة ومؤمن آل فرعون والخازن وامرأته، وفي إطلاق الذرية على هؤلاء نوع خفاء. ورجح بعضهم إرجاع الضمير لموسى عليه السلام بأنه المحدث عنه وبأن المناس على القول الآخر الإضمار فيما بعد، ورجح ابن عطية إرجاع الضمير لفرعون بأن المعروف في القصص أن بني إسرائيل كانوا في قهر فرعون وكانوا قد بشروا بأن خلاصهم على يد مولود يكون نبياً صفته كذا كذا فلما ظهر موسى عليه السلام اتبعوه ولم يعرف أن أحداً منهم خالفه فالظاهر القول الثاني، وما ذكر من أن المحدث عنه موسى عليه السلام لا يخلو عن شيء، فإن لقائل أن يقابل ذلك بأن الكلام في قوم فرعون لأنهم القائلون إنه ساحر ولأن وعظ أهل مكة وتخويفهم المسوق له الآيات قاض بأن المقصود هنا شرح أحوالهم. وأنت تعلم أن للبحث في هذا مجالاً والمعروف بعد تسليم كونه معروفاً لا يضر القول الأول لأن المراد حينئذ فما أظهر إيمانه وأعلن به إلا ذرية من بني إسرائيل دون غيرهم فإنهم أخفوه ولم يظهروه. {عَلَىٰ خَوْفٍ} حال من {ذُرِّيَّةٌ} و {عَلَىٰ} بمعنى مع كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَءاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبّهِ }تفسير : [البقرة: 177] والتنوين للتعظيم أي كائنين مع خوف عظيم {مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} الضمير لفرعون، والجمع عند غير واحد على ما هو المعتاد في ضمائر العظماء. ورد بأن الوارد في كلام العرب الجمع في ضمير المتكلم كنحن وضمير المخاطب كما في قوله تعالى: {أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ}تفسير : [المؤمنون: 99] وقوله: شعر : ألا فارحموني يا إله محمد تفسير : ولم ينقل في ضمير الغائب كما نقل عن الرضيّ، وأجيب بأن الثعالبـي والفارسي نقلاه في الغائب أيضاً والمثبت مقدم على النافي، وبأنه لا يناسب تعظيم فرعون فإن كان على زعمه وزعم قومه فإنما يحسن في كلام ذكر أنه محكي عنهم وليس فليس. ويجاب بأن المراد من التعظيم تنزيله منزلة المتعدد، وكونه لا يناسب في حيز المنع، لم لا يجوز أن يكون مناسباً لما فيه من الإشارة إلى مزيد عظم الخوف المتضمن زيادة مدح المؤمنين؟ وقيل: إن ذلك وارد على عادتهم في محاوراتهم في مجرد جمع ضمير العظماء وإن لم يقصد التعظيم أصلاً فتأمله، وجوز أن يكون الجمع لأن المراد من فرعون آله كما يقال: ربيعة ومضر واعترض عليه بأن هذا إنما عرف في القبيلة وأبيها إذ يطلق اسم الأب عليهم وفرعون ليس من هذا القبيل، على أنه قد قيل: إن اطلاق أبـي نحو القبيلة عليها لا يجوز ما لم يسمع ويتحقق جعله علماً لها، ألا تراهم لا يقولون: / فلان من هاشم ولا من عبد المطلب بل من بني هاشم وبني عبد المطلب فكيف يراد من فرعون آله ولم يتحقق فيه جعله علماً لهم، ودعوى التحقق هنا أول المسألة فالقول بأن الجمع لأن المراد به آله كربيعة ليس بشيء إلا أن يراد أن فرعون ونحوه من الملوك إذا ذكر خطر بالباب خطر أتباعه معه فعاد الضمير على ما في الذهن، وتمثيله بما ذكر لأنه نظيره في الجملة، ثم إنه لا يخفى أنه إذا أريد من فرعون آله ينبغي أن يراد من آل فرعون فرعون وآله على التغليب، وقيل: إن الكلام على حذف مضاف أي آل فرعون فالضمير راجع إلى ذلك المحذوف، وفيه أن الحذف يعتمد القرينة ولا قرينة هنا، وضميير الجمع يحتمل رجوعه لغير ذلك المحذوف كما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى فلا يصلح لأن يكون قرينة، وأما أن المحذوف لا يعود إليه ضمير كما قال أبو البقاء فليس بذاك لأنه إن أريد أنه لا يعود إليه مطلقاً فغير صحيح؛ وإن أريد إذا حذف لقرينة فممنوع لأنه حينئذٍ في قوة المذكور، وقد كثير عود الضمير إليه كذلك في كلام العرب، وقريب من هذا القيل زعم أن هناك معطوفاً محذوفاً إليه يعود الضمير أي على خوف من فرعون وقومه وملئهم، ويرد عليه أيضاً ما قيل: إن هذا الحذف ضعيف غير مطرد. وقيل: الضمير للذرية أو للقوم أي على خوف من فرعون ومن أشراف بني إسرائيل حيث كانوا يمنعونهم خوفاً من فرعون عليهم أو على أنفسهم، أو من أشراف القبط ورؤسائهم حيث كانوا يمنعونهم انتصاراً لفرعون، ولعل المنساق إلى الذهن رجوعه إلى الذرية والجمع باعتبار المعنى، ويؤول المعنى إلى أنهم آمنوا على خوف من فرعون ومن أشراف قومهم. {أَن يَفْتِنَهُمْ} أي يبتليهم ويعذبهم، وأصل الفتن كما قال الراغب إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته واستعمل في إدخال الإنسان النار كما في قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13] ويسمي ما يحصل منه العذاب فتنة ويستعمل في الاختبار وبمعنى البلاء والشدة وهو المراد هنا، و {أَن} وما بعدها في تأويل مصدر وقع بدلاً من فرعون بدل اشتمال أي على خوف من فرعون فتنته، ويجوز أن يكون مفعول {خوْفٍ} لأنه مصدر منكر كثر إعماله، وقيل: إنه مفعول له والأصل لأن يفتنهم فحذف الجار وهو مما يطرد فيه الحذف، ولا يضر في مثل هذا عدم اتحاد فاعل المصدر والمعلل به على أن مذهب بعض الأئمة عدم اشتراط ذلك في جواز النصب وإليه مال الرضيّ وأيده بما ذكرناه في «حواشينا على شرط القطر» للمصنف، وإسناد الفعل إلى فرعون خاصة لأنه مدار أمر التعذيب، وفي الكلام استخدام في رأي حيث أريد من فرعون أولاً آله وثانياً هو وحده وأنت تعلم ما فيه. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي لغالب قاهر في أرض مصر، واستعمال العلو بالغلبة والقهر مجاز معروف {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي المتجاوزي الحد في الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء أو في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء عليهم السلام، والجملتان اعتراض تذييلي مؤكد لمضمون ما سبق وفيهما من التأكيد ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على ما تقدم من المحاورة، أي فتفرع على ذلك أن فرعون وملأه لم يؤمنوا بموسى لأن حصر المؤمنين في ذرية من قوم موسى يفيد أن غيرهم لم يؤمنوا وهو المقصود، فكانت صيغة القصر في هذا المقام إيجازاً. والتقدير: تفرع على ذلك تصميم على الإعراض. وقد طوي ما حدث بين المحاورة وبين تصميمهم على الإعراض، وهو إلقاء موسى عصاه والتقامُها ما ألقوه من سحرهم، لعدم تعلق الغرض ببيان ذلك إذ المقصود الإفضاء إلى أنهم صمموا على الإعراض لأن ذلك محل تمثيل أعمالهم بحال مشركي أهل مكة. وفعل {آمن} أصله (أَأْمن) بهمزتين: إحداهما أصلية في الكلمة لأن الكلمة مشتقة من الأمانة، والثانية همزة مزيدة للتعدية، أي جعله ذَا أمانة، أي غير كاذب فصار فعل {آمن} بمعنى صدّق، وحقه أن يعدى إلى المفعول بنفسه ولكن عدي باللام للتفرقة بين (آمن) بمعنى صدّق من الأمانة وبين (آمن) بمعنى جَعله في أمن، أي لا خوف عليه منه. وهذه اللام سماها ابنُ مالك لامَ التبيين وتبعه ابن هشام، وهي تدخل على المفعول لتقوية معنى المفعولية، ويؤكد قصد التقوية في مثل فعل (آمن) بمعنى صدّق دفعُ أن يلتبس بفعل (آمنه) إذا جعله في أمن وسيأتي في قوله تعالى: {أية : وقالوا لن نؤمن لك}تفسير : في سورة [الإسراء: 90]. وقد يعدى بالباء لتضمنه معنى صدّق كما في قوله تعالى:{أية : قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل}تفسير : [يونس: 90]. والذرية: الأبناء وتقدم في قوله: {أية : ذُرية بعضها من بعض}تفسير : في سورة [آل عمران: 34]. أي فما آمن بما جاء به موسى إلا أبناء بني إسرائيل ولم تبلغ دعوته بقية قومه أو لم يؤمر بالتبليغ إليهم حينئذٍ. و(على) في قوله: {على خوف من فرعون} بمعنى (مع) مثل وآتى المال على حبه أي آمنوا مع خوفهم، وهي ظرف مستقر في موضع الحال من (ذرية)، أي في حال خوفهم المتمكن منهم. وهذا ثناء عليهم بأنهم آمنوا ولم يصدهم عن الإيمان خَوفهم من فرعون. والمعنى: أنهم آمنوا عند ظهور معجزته، أي أعلنوا الإيمان به في ذلك الموطن لأن الإيمان لا يعرف إلا بإظهاره ولا فائدة منه إلا ذلك الإظهار. أي من الحاضرين في ذلك المشهد من بني إسرائيل فإن عادة هذه المجامع أن يغشاها الشباب واليافعون فعبر عنهم بالذرية أي الأبناء، كما يُقال: الغلمان، فيكونون قد آمنوا من تلقاء أنفسهم، وكل هذا لا يقتضي أن بقية قومه كفروا به، إذ يحتمل أن يكونوا آمنوا به بعد ذلك لما بلغتهم دعوته لأنه يكون قد ابتدأ بدعوة فرعون مبادرة لامتثال الأمر من الله بقوله: {أية : اذهبا إلى فرعون إنه طغى}تفسير : [طه: 43] فيكون المأمور به ابتداء هو دعوة فرعون وتخليص بني إسرائيل من الأسر. و(الملأ) تقدم آنفاً في هذه القصة، وأضيف الملأ إلى ضمير الجمع وهو عائد إلى الذرية، أي على خوف من فرعون وعلى خوف من قومهم، وهم بقية القوم الذين لم يحضروا ذلك المشهد خشية أن يغضبوا عليهم ويؤذوهم لإيمانهم بموسى لما يتوقعون من مؤاخذة فرعون بذلك جميع قبيلتهم على عادة الجبابرة في أخذ القبيلة بفعلة من بعض رجالها. و(الفتن) ادخال الروع والاضطراب على العقل بسبب تسليط ما لا تستطيع النفس تحمله، وتقدم في قوله تعالى: {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : في سورة [البقرة: 191]. فهذا وجه تفسير الآية. وجملة: وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} في موضع الحال فهي عطف على قوله: {على خوف من فرعون} وهي تفيد معنى التعليل لخوفهم من فرعون، أي أنهم محقون في خوفهم الشديد، فبعد أن أثنى عَليهم بأنهم آمنوا في حال شدة الخوف زاد فبين أنهم أحقاء بالخوف، وفي هذا زيادة ثناء على قوة إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم، ومن مَلئهم، أي قومهم، وهو خوف شديد، لأن آثاره تتطرق المرء في جميع أحواله حتى في خلوته وخويصته لشدة ملابسةِ قومه إياه في جميع تقلباته بحيث لا يجد مفراً منهم، ثم اتبعه ببيان اتساع مقدرة فرعون بيان تجاوزه الحد في الجور، ومَن هذه حالته لا يزَعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع. وتأكيد الخبر بـ(إن) للاهتمام بتحقيق بطش فرعون. والعلو: مستعار للغلبة والاستبداد، كقوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} وقوله: {أية : أن لا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين}تفسير : [النمل: 31]. والإسراف: تجاوز حد الاعتدال المعروف في فعل، فهو تجاوز مذموم، وأشهر موارده في الإنفاق، ولم يذكر متعلَّق الإفراط فتعيَّن أن يكون إسرافاً فيما عُرف به ملوك زمانهم من الصفات المكروهة عند الناس الملازمة للملوك في العادة. وقوله: {من المسرفين} أبلغ في وصفه بالإسراف من أن يقال: وإنه لَمُسرف لما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين}تفسير : في [الأنعام: 56].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فما آمن لموسى: أي لم يَنْقَدْ له ويتبعه. إلا ذرِّيَّة: أي طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل. وملائهم: أي أشرافهم ورؤسائهم. أن يفتنهم: أن يضطهدهم ويعذبهم. لعال في الأرض: قاهر مُستبدٌ. مسلمين: مذعنين منقادين لأمره ونهيه. فتنة للقوم الظالمين: أي لا تفتنهم بنا بأن تنصرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا كفراً. أن تبوَّءا: اتخذا لقومكما بمصر بيوتا تبوءون إليها وترجعون. قبلة: أي مساجد تصلون فيها. معنى الآيات: بعد ذلك الانتصار الباهر الذي تم لموسى على السحرة، والهزيمة المرة التي لحقت فرعون ولم يؤمن لموسى ويتابعه إلا ذرّيّة من بني إسرائيل، وعدد قليل من آل فرعون كامرأته ومؤمن آل فرعون والماشطة قال تعالى: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ} أي مع خوف من فرعون أن يفتنهم وقوله: {وَمَلَئِهِمْ} عائد إلى مؤمني آل فرعون أي مع خوف من ملائهم أي رؤسائهم وأشرافهم أن يفتنوهم أيضاً، وقوله تعالى {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي إنه قاهر متسلط مستبد ظالم، {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} في الظلم فلذا خافوه لما آمنوا، ولما ظهر الخوف على بني إسرائيل قال لهم موسى {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} ففوضوا أمركم إليه إن كنتم حقاً مسلمين لله منقادين لأمره ونهيه، فأجابوا قائلين: {عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} وسألوا الله تعالى أن لا يفتن قوم فرعون بهم بأن ينصرهم عليهم فيزدادوا كفراً وظلماً، وضمن ذلك أن لا تسلط الظالمين علينا فيفتنونا في ديننا بصرفنا عنه بقوة التعذيب {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} وهذا حسن توسل منهم إذا قالوا برحمتك فتوسلوا إلى الله برحمته ليستجيب دعاءهم، والمراد من القوم الكافرين هنا فرعون وملأه. وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ} أي هارون {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا} أي من بني إسرائيل {بِمِصْرَ} أي بأرض مصر {بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي متقابلة ومساجد تصلون فيها {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} على الوجه الذي شرع لكم. وهذا بناء على أن بني إسرائيل بعد الانتصار على فرعون أخذوا ينحازون من مجتمع فرعون فأمروا أن يكونوا حياً مستقلاً استعداداً للخروج من أرض مصر فأمرهم الرب تبارك وتعالى أن يجعلوا بيوتهم قبلة أي متقابلة ليعرفوا من يدخل عليهم ومن يخرج منهم وليصلوا فيها كالمساجد حيث منعوا من المساجد إما بتخريبها وإما بمنعهم منها ظلماً وعدواناً وقوله تعالى {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وبشر يا رسولنا المؤمنين الصادقين في إيمانهم الكاملين فيه بحسن العاقبة بكرامة الدنيا وسعادة الآخرة بدخول دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أراه كيف انتصر موسى بالمعجزات ومع ذلك لم يتابعه إلا القليل من قومه. 2- التنديد بالعلو في الأرض والإِسراف في الشر والفساد وبأهلهما. 3- وجوب التوكل على الله تعالى لتحمل عبء الدعوة إلى الله تعالى والقيام بطاعته. 4- مشروعية الدعاء والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته. 5- اتخاذ المساجد في المنازل للصلاة فيها عند الخوف. 6- وجوب إقام الصلاة. 7- بشرى الله تعالى للمؤمنين والمقيمين للصلاة بحسن العاقبة في الدارين.

القطان

تفسير : الذرية: النسل. ان يفتنهم: ان يختبرهم ويبتليهم وهنا معناه ان يضطهدهم. لعال في الأرض: مستَبدّ. تبوأ المكان: اقام فيه. اطمس على اموالهم: أزلها واشدد على قلوبهم: ضيّق عليهم. {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ}. كان الذين آمنوا بموسى مجرد فئة قليلة من السَحَرة والشّبان، آمنوا على خوفٍ من فرعونَ وزعماءِ قومهم، خشيةَ أن يضطهدوهم ويعذّبوهم ليرتدّوا عن دينهم. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}. ان فرعونَ مستبدُّ جبّار، غالى وأسرف وتجاوز كل حدّ في الظلم والطغيان. {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ}. وقال موسى لمن آمن من قومهَ، ولقد رأى عليهم الخوفَ من الفتنة والاضطهاد: إن كنتُم آمنتم بالله حقَّ الإيمان فتوكّلوا عليه، وسلموا أموركم له، وثقوا بنصره. {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. فقالوا ممتثلين أمره: على اللهِ وحدَه توكّلنا. ثم دعَوا ربَّهم أن لا يجعلَهم أداةَ فتنةٍ وتعذيبٍ على يد الكفارين. {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. كذلك دعوا ربهم قائلين: خلَّصْنا يا ربنا برحمتك من أيدي فرعون وقومه الكافرين. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً...}. وقلنا لهما: اتخِذوا لقومكما بيوتاً في مصر تكون مساكنَ وملاجئَ تَعْتَصِمونَ بها "واجعلوا بيوتكم قِبلَة" أي متقابلة على جهة واحدو. "وأقيموا الصلاةَ وبشرّ المؤمنين"، وأدّوا الصلاةَ على وجهِها الكامل، واستبشروا أن يحفظكم الله من فتنة فرعون واعوانه. {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}. لمّا يئس موسى من فرعون وأعوانه أن يُرجى لهم صلاح، قال: يا ربّ، إنك أعطيتَ فرعون وخاصّتَه بهجةَ الدنيا وزينتَها من الأموال والبنين والسلطان، لكنَّ عاقبة هذا الغنى والنعيم كانت الاسرافَ في الضلال والإضلال عن سبيل الحق. {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}. اللهمّ اسحقْ أموالَهم واتركْهم في ظُلمةِ قلوبهم، فلا يوفَّقوا للإيمان حتى يروا العذابَ رأي العين. قارن بين موسى ومحمد، دعى موسى على قومه، ودعا سيدنا محمد لهم. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. قال الله تعالى: قد أُجيبتْ دعوتُكما يا موسى وهارون في فرعونَ وأعواِنه، فامضِيا لأمري واثُبتا على ما انتما عليه، ولا تسلُكا سبيلَ الذين لا يعلمون الأمور على وجهِها. قراءات: قرأ ابن عامر: "ولا تتبعان" بكسر النون بدون تشديد. وقراءة اخرى: "ولا تتبعان" بسكون التاء الثانية وفتح الباء وتشديد النون. وقرأ الباقون "ولا تتبعان" بتشديد التاء الثانية وكسر الباء وتشديد النون المسكورة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} {مَلَئِهِمْ} (83) - وَأَظْهَرَ اللهُ الحَقَّ عَلَى البِاطِلِ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَالْتَقَفَتْ جَميعَ مَا أَلْقَاهُ السَّحَرَةُ، وَمَوَّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ذَلِكَ نَصْراً عَظِيماً لِمُوسَى مِنْ رَّبِهِ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَلَمّا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ للهِ اسْتِغْفَاراً وَتَوْبَةً، وَرَجَاءَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَقْطِيعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خلافٍ، وَسَيَصْلِبُهُمْ عَلَى جُذوعِ النَّخْلِ، لأَِنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأَذْنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ -. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى إِلاَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنُوا بِهِ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنْ يَضْطَرُّوهُمْ بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِلَى الرُّجُوعِ عَنِ الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ (يَفْتِنَهُمْ)، وَذَلِكَ لأَِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُسْتَكْبِراً مُتَعَالِياً فِي الأَرْضِ، مُسْرِفاً فِي كُفْرِهِ، وَفِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَمُبَالِغاً فِيهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ. أَنْ يَفْتِنَهُمْ - أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ وَيُعَذِّبَهُمْ. ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ - طَائِفَةٌ مِنْ شَبَابِ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا كان السحرة - وهم عُدَّة فرعون وعتاده لمواجهة موسى - أعلنوا الإيمان، فعاقبهم الفرعون وقال: {أية : آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ..}تفسير : [طه: 71]. فهذا يدل على أن فكرة الألوهية كانت ما تزال مسيطرة على عقله؛ ولذلك خاف الناس من إعلان الإيمان؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ ..} [يونس: 83]. وكلمة "ذرية" تفيد الصغار الذين لم تلمسهم خميرة من الفساد الذي كان منتشراً، كما أن الصغار يتمتعون بطاقة من النقاء، ويعيشون في خُلُوٍّ من المشاكل، ولم يصلوا إلى مرتبة السيادة التي يُحْرَصُ عليها، ومع ذلك فهم قد آمنوا: {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ..} [يونس: 83]. وكلمة {عَلَىٰ خَوْفٍ} تفيد الاستعلاء، مثل قولنا: "على الفرس" أو "على الكرسي" ويكون المستعلي في هذه الحالة متمكّناً من المستعلى عليه"؛ ومن يستعلي إنما يركب المستعلي، ويحمل المستعلي العبء. ولكن من استعمالات "على" أنها تأتي بمعنى "مع". ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ..}تفسير : [الإنسان: 8]. أي: يطعمون الطعام مع حبه. وحين يأتي الحق سبحانه بحرف مقام حرف آخر فلا بد من علة لذلك. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..}تفسير : [طه: 71]. جاء الحق سبحانه بالحرف "في" بدلاً من "على"؛ ليدل على أن عملية الصلب ستكون تصليباً قوياً، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب فيه. وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ..}تفسير : [الإنسان: 8]. فكأنهم هم المستعلون على الحب؛ ليذهب بهم حيث يريدون. وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {عَلَىٰ خَوْفٍ ..} [يونس: 83]. أي: أنهم فوق الخوف يسير بهم إلى دهاليز توقُّع الآلام. وهم هنا آمنوا: {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ..} [يونس: 83]. والكلام هنا من الحق الأعلى سبحانه يبيِّن لنا أن الخوف ليس من فرعون؛ لأن فرعون إنما يمارس التخويف بمن حوله، فمثلهم مثل زُوَّار الفجر في أي دولة لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان. وفرعون في وضعه ومكانته لا يباشر التعذيب بنفسه، بل يقوم به زبانيته. والإشارة هنا تدل على الخوف من شيعة فرعون وملئهم. وقال الحق سبحانه هنا: {يَفْتِنَهُمْ}، ولم يقل: "يفتنوهم"؛ ليدلنا على ملحظ أن الزبانية لا يصنعون التعذيب لشهوة عندهم، بل يمارسون التعذيب لشهوة عند الفرعون. وهكذا جاء الضمير مرة جمعاً، ومرة مفرداً، ليكون كل لفظ في القرآن جاذباً لمعناه. وحين أراد المفسرون أن يوضحوا معنى (ذرية) قالوا: إن المقصود بها امرأة فرعون (آسية)، وخازن فرعون، وامرأة الخازن، وماشطة فرعون، ومَنْ آمن مِنْ قوم موسى - عليه السلام - وكتم إيمانه. كل هؤلاء منعتهم خشية عذاب فرعون من إعلان الإيمان برسالة موسى؛ لأن فرعون كان جَبَّاراً في الأرض، مدّعياً للألوهية، وإذا ما رأى فرعون إنساناً يخدش ادعاءه للألوهية؛ فلا بد أن يبطش به بطشة فاتكة. لذلك كانوا على خوف من هذا البطش، فقد سبق وأن ذبح فرعون - بواسطة زبانيته - أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وهم خافوا من هولاء الزبانية الذي نفَّذوا ما أراده فرعون. ولذلك جاء الضمير مرة تعبيراً عن الجمع في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَلَئِهِمْ ..} [يونس: 83]. وجاء الضمير مفرداً معبراً عن فرعون الآمر في قوله سبحانه وتعالى: {أَن يَفْتِنَهُمْ ..} [يونس: 83]. فهم خافوا أن يفتنهم فرعون بالتعذيب الذي يقوم به أعوانه. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83]. والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود. وهو قد تجاوز في إسرافه وادَّعى الألوهية. وقد قال الحق سبحانه ما جاء على لسان فرعون: {أية : .. أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]. وقال الحق سبحانه أيضاً: {أية : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..}تفسير : [القصص: 38]. وعلا فرعون في الأرض علوَّ طاغية من البشر على غيره من البشر المستضعفين. وقال الحق سبحانه على لسان فرعون: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ ..}تفسير : [الزخرف: 51]. إذن: فقد كان فرعون مسرفاً أشد الإسراف. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} الآية، الظاهر في الفاء من حيث أن مدلولها التعقيب ان هذا الإِيمان الصادر من الذرية لم يتأخر عن قصة الإِلقاء. والظاهر أن الضمير في "قومه" عائد على موسى وأنه لا يعود على فرعون، لأن موسى عليه السلام هو المحدث عنه في هذه الآية وهو أقرب مذكور، ولأنه لو كان عائداً على فرعون لم يظهر لفظ فرعون وكان التركيب على خوف منه ومن ملامهم أن يفتنهم، وهذا الإِيمان من الذرية كان أول مبعثه إذ قد آمن به بنو إسرائيل قومه كلهم كان أولاً دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون واجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} الظاهر أنهم سألوا الله أن لا يفتنوا عن دينهم وأن يخلصوا من الكفار فقدموا ما كان عندهم أهم وهو سلامة دينهم لهم، وأخروا سلامة أنفسهم إذ الاهتمام بمصالح الدين آكد من الاهتمام بمصالح الابدان. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} الآية، أنْ يجوز أن تكون تفسيرية بمعنى "أي"، وأن تكون مصدرية. {وتبوءاً} فعل أمر، أي اتخذا مباءة وهو المكان الذي يرجع الإِنسان إليه. والظاهر اتخاذ البيوت بمصر، وهي مصر المعروفة وهي من البحر إلى أسوان والاسكندرية منها. {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي قبل القبلة، ثم سبق الخطاب عاماً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، ثم خص موسى عليه السلام بالتبشير الذي هو الغرض تعظيماً له وللمبشر به. {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} الآية، الزينة: عبارة عما يتزين به ويتحسن من الملبوس والمركوب والأثاث والمال، ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق. وفي تكرار "ربنا" توعد للدعاء والاستعانة. واللام في "ليضلوا" الظاهر أنها لام كي على معنى آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإِيتاء لكي يضلوا. ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. وكما قال الشاعر: شعر : وللمنايا تربى كل مرضعة وللخراب يجد الناس عمراناً تفسير : {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} قال ابن عباس: صارت دراهمهم حجارة منقوشة صحاحاً واثلاثاً وإنصافاً، ولم يبق لهم معدن إلاّ طمس الله عليه، فلم ينتفع به أحد بعد. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} قال ابن عباس: طبع عليها وامنعها من الإِيمان. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} منصوب على أنه جواب اشدد. والأمر وجوابه ينعقد منهما شرط وجزاء. وتقدير ذلك هنا ان تشدد لا يؤمنوا. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} الآية، قال محمد بن كعب: كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يُؤمّن فنسبت الدعوة إليهما. ويمكن أن يكونا دعوا معاً ثم أمرا بالاستقامة. والمعنى الديمومة عليها وعلى ما أمرتما به من الدعوة إلى الله وإلزام حجته. والذين لا يعلمون فرعون وقومه، قاله ابن عباس.