Verse. 1448 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَقَالَ مُوْسٰى يٰقَوْمِ اِنْ كُنْتُمْ اٰمَنْتُمْ بِاللہِ فَعَلَيْہِ تَوَكَّلُوْۗا اِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِيْنَ۝۸۴
Waqala moosa ya qawmi in kuntum amantum biAllahi faAAalayhi tawakkaloo in kuntum muslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين».

84

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن قوله: {إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين} جزاء معلق على شرطين: أحدهما متقدم والآخر متأخر، والفقهاء قالوا: المتأخر يجب أن يكون متقدماً والمتقدم يجب أن يكون متأخراً ومثاله أن يقول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً وإنما كان الأمر كذلك، لأن مجموع قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، صار مشروطاً بقوله إن كلمت زيداً، والمشروط متأخر عن الشرط، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدماً في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخراً في المعنى والتقدير: كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيداً إن دخلت الدار فأنت طالق، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيداً لم يقع الطلاق. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين} يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطاً لأن يصيروا مخاطبين بقوله: {إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فعليه توكلوا } فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل، والأمر كذلك، لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفاً بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف الأسرار، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى. واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق: 3]. المسألة الثانية: أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: { أية : فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } تفسير : [يونس: 71] وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحاً عليه السلام وصف نفسه بالتوكل على الله تعالى، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوح عليه السلام تاماً، وكان موسى عليه السلام فوق التمام. المسألة الثالثة: إنما قال: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } ولم يقل توكلوا عليه، لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن التوكل على الغير، والأمر كذلك، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره، امتنع في العقل أن يتوكل الإنسان على غيره، فلهذا السبب جاءت هذ الكلمة بهذه العبارة، ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله: {فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } أي توكلنا عليه، ولا نلتفت إلى أحد سواه، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء، فطلبوا من الله تعالى شيئين: أحدهما: أن قالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وفيه وجوه: الأول: أن المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم علينا، فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم. الثاني: أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم. الثالث: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لَهُمْ } أي موضع فتنة لهم، أي موضع عذاب لهم. الرابع: أن يكون المراد من الفتنة المفتون، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق، والتكوين بمعنى المكون، والمعنى: لا تجعلنا مفتونين، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله: { أية : فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } تفسير : [يونس:83] وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى: {وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل فتضرعوا إلى الله تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضاً دليلاً على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ} أي صدّقتم. {بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} أي اعتمدوا. {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} كرر الشرط تأكيداً، وبيّن أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله. {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي أسلمنا أُمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وٱنتهينا إلى أمره. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنّا بأن تعذّبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلَّط عليهم؛ فيُفتنوا. وقال أبو مِجْلَز وأبو الضُّحا: يعني لا تظهرهم علينا فيروْا أنهم خير منا فيزدادوا طغياناً.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} لما رأى تخوف المؤمنين به. {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا} فثقوا به واعتمدوا عليه. {إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} مستسلمين لقضاء الله مخلصين له، وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين، فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام حصوله فإنه لا يوجد مع التخليط ونظيره إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} أي: فإن الله كاف من توكل عليه {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36] {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3] وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } تفسير : [الملك: 29] {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9] وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5] وقد امتثل بنو إسرائيل، ذلك فقالوا: {عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: لا تظفرهم بنا، وتسلطهم علينا، فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل، فيفتنوا بذلك، هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى، وقال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد لا تعذبنا بأيدي آل فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم فيفتنوا بنا. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وقوله: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ} أي: خلصنا برحمة منك وإحسان {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: الذين كفروا الحق وستروه، ونحن قد آمنا بك، وتوكلنا عليك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَنْا} يحتمل وجهين: أحدهما: في الإسلام إليه. الثاني: في الثقة به. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَومِ الظَّالِمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا، قاله مجاهد. الثاني: لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا لظنهم أنهم على حق، قاله أبو الضحى وأبو مجلز. قوله عز وجل: {وَأوْحَيْنَآ إِلَى مَوسَى وَأخِيهِ أَن تَبَوَّءَاْ لِقَوْمِكُمَا بِمصْرَ بُيُوتاً}. يعني تخيّرا واتخذا لهم بيوتاً يسكنونها، ومنه قول الراجز: شعر : نحن بنو عدنان ليس شك تبوَأ المجد بنا والملك تفسير : وفي قوله {بِمِصْرَ} قولان: أحدهما: أنها الإسكندرية، وهو قول مجاهد. الثاني: أنه البلد المسمى مصر، قاله الضحاك. وفي قوله {بُيُوتاً} وجهان: أحدهما: قصوراً، قاله مجاهد. الثاني: مساجد، قاله الضحاك. {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: واجعلوها مساجد تصلون فيها، لأنهم كانوا يخافون فرعون أن يصلّوا في كنائسهم ومساجدهم، قاله الضحاك وابن زيد والنخعي. الثاني: واجعلوا مساجدكم قِبل الكعبة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثالث: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم قاله ابن بحر. الرابع: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً، قاله سعيد بن جبير. {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} فيه وجهان: أحدهما: في بيوتكم لتأمنوا فرعون. الثاني: إلى قبلة مكة لتصح صلاتكم. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ } صدقتم به وبآياته {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون {إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } شرط في التوكل الإسلام وهو أن يسلموا نفوسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها، لأن التوكل لا يكون مع التخليط {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين، لاجرم أن الله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } موضع فتنة لهم أي عذاب يعذبوننا أو يفتنوننا عن ديننا أي يضلوننا والفاتن المضل عن الحق {وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي من تعذيبهم وتسخيرهم {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } تبوأ المكان اتخذه مباءة كقوله «توطنه» إذا اتخذه وطناً، والمعنى اجعلا بمصر بيوتاً من بيوته مباءة لقومكما ومرجعاً يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } أي مساجد متوجهة نحو القبلة وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة وكانوا في أول الأمر مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ } في بيوتكم حتى تأمنوا {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يا موسى، ثنى الخطاب أولاً ثم جمع ثم وحد آخراً لأن اختيار مواضع العبادة مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جمع لأن اتخاذ المساجد والصلاة فيها واجب على الجمهور، وخص موسى عليه السلام بالبشارة تعظيماً لها وللمبشر بها.

الخازن

تفسير : {وقال موسى} يعني لقومه {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} يعني. فيه فثقوا ولأمره فسلموا فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه {إن كنتم مسلمين} يعني إن كنتم مستسلمين لأمره قيل إنما أعيد قوله إن كنتم مسلمين بعد قوله إن كنتم آمنتم بالله لإرادة إن كنتم موصوفين بالإيمان القلبي وبالإسلام الظاهري ودلت الآية على أن التوكل على الله والتفويض لأمره من كمال الإيمان وأن من كان يؤمن بالله فلا يتوكل إلا على الله لا على غيره {فقالوا} يعني قال قوم موسى مجيبين له {على الله توكلنا} يعني عليه اعتمدنا لا على غيره ثم دعوا ربهم فقالوا {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} يعني لا تظهرهم علينا ولا تهلكنا بذنوبهم فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغياناً وكفراً وقال مجاهد: لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق لما عذبوا ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا بذلك وقيل معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} يعني وخلصنا برحمتك من أيدي قوم فرعون الكافرين لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة قوله عز وجل: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} هارون {أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً} يعني اتخذا لقومكما بمصر بيوتاً للصلاة فيها يقال تبوأ فلان لنفسه بيتاً إذا اتخذه مباءة أي وطناً والمعنى اجعلا بمصر لقومكما بيوتاً ترجعون إليها للصلاة والعبادة {واجعلوا بيوتكم قبلة} اختلف أهل التفسير في معنى هذه البيوت والقبلة فمنهم من قال أراد بالبيوت المساجد التي يصلى فيها وفسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة فعلى هذا يكون معنى الكلام واجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة وقيل معناه اجعلوا بيوتكم إلى القبلة. واختلفوا في هذه القبلة، وظاهر القرآن لا يدل على تعيينها إلا أنه قد نقل عن ابن عباس أنه قال: كانت الكعبة قبلة لموسى وهارون، وهو قول مجاهد أيضاً قال ابن عباس: قالت بنو إسرائيل لموسى لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم وأن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة وقيل كانت القبلة إلى جهة المقدس. وقيل: أراد مطلق البيوت وعلى هذا يكون معنى قوله واجعلوا بيوتكم قبلة أي مقابلة يعني يقابل بعضها بعضاً وقيل معناه واجعلوا في بيوتكم قبلة تصلون إليها. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى خص موسى وهرون بالخطاب في أول الآية بقوله سبحانه وتعالى: وأخيه أن تبوآ لقومكما ثم إنه عم بهذا الخطاب فقال تعالى: واجعلوا بيوتكم قبلة فما السبب فيه. قلت: إنه سبحانه وتعالى أمر موسى وهارون بأن يتبوءا لقومهما بيوتاً للعبادة وذلك مما يخص به الأنبياء فخصا بالخطاب لذلك. ثم لما كانت العبادة عامة تجب على الكافة عمَّ بالخطاب الجميع فقال تعالى: واجعلوا بيوتكم قبلة {وأقيموا الصلاة} يعني في بيوتكم وذلك حين خاف موسى ومن آمن معه من بني إسرائيل من فرعون وقومه إذا صلوا في الكنائس والبيع الجامعة أن يؤذهم فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يصلوا في بيوتهم خفية من فرعون وقومه، وقيل: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في الكنائس الجامعة وكانت ظاهرة فلما أرسل موسى أمر فرعون بتخريب تلك الكنائس ومنعهم من الصلاة فيها فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون. وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون وأظهرهما على فرعون أمرهم باتخاذ المساجد ظاهرة على رغم الأعداء وتكفل لهم بصونهم من شرهم وهو قوله سبحانه وتعالى: {وبشر المؤمنين} يعني بأنه لا يصل إليهم مكروه. قوله سبحانه وتعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا} لما أتى موسى عليه السلام بالمعجزات الباهرات ورأى أن القوم مصرون على الكفر والعناد والإنكار لما جاء به أخذ في الدعاء عليهم ومن حق من يدعو على الغير ان يذكر أولاً سبب إقدامه على الجرائم التي كانت سبب إصراره على ما يوجب الدعاء عليه. ولما كان سبب كفرهم وعنادهم هو حب الدنيا وزينتها لا جرم أن موسى لما أخذ في الدعاء قدم هذه المقالة فقال {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا} والزينة عبارة عما يتزين به اللباس والدواب والغلمان وأثاث البيت الفاخر والأشياء الجميلة والمال ما زاد على هذه الأشياء من الصامت ونحوه ثم قال تبارك وتعالى: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} اختلفوا في هذه اللام فقال الفراء: هي لام كي فعلى هذا يكون المعنى ربنا إنك جعلت هذه الأموال سبباً لضلالهم لأنهم بطروا وطغوا في الأرض واستكبروا عن الإيمان. وقال الأحفش: إنما هي لما يؤول إليه الأمر والمعنى إنك أتيت فرعون وملأه زينة في الحياة الدنيا فضلوا فعلى هذا هي لام العاقبة يعني فكان عاقبتهم الضلال، وقال ابن الأنباري: هي لام الدعاء وهي لام مكسورة تحزم المستقبل ويفتتح بها الكلام فيكون المعنى ربنا إنك ابتليتهم بالضلال عن سبيلك {ربنا اطمس على أموالهم} الطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو. ومعنى اطمس على أموالهم أزال صورها وهيئاتها. وقال مجاهد: أهلكها وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيرها عن هيئتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم صارت حجارة، وقال محمد بن كعب القرظي: صارت صورهم حجارة وكان الرجل مع أهله في فراشه فصار حجرين والمرأة قائمة تخبز فصارت حجراً وهذا فيه ضعف لأن موسى عليه السلام دعى على أموالهم ولم يدع على أنفسهم بالمسخ. وقال ابن عباس: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً. وقيل إن عمر بن عبد العزيز دعا بخريطة فيها شيء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة. قال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة النخل والثمار والدقيق والأطعمة وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام {واشدد على قلوبهم} يعني اربط على قلوبهم واطبع عليها وقسها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان؛ قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يفعل ذلك لمن يشاء ولولا ذلك لما جسر موسى عليه السلام على هذا السؤال {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} يعني الغرق قاله ابن عباس وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه: قال موسى قبل أن يأتي فرعون ربنا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فاستجاب الله له دعاءه فحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق فلم ينفعه الإيمان. قال بعض العلماء: إنما دعا عليهم موسى بهذا الدعاء لما علم أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون ذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب عليهم في الأزل أنهم لا يؤمنون فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر خوفهم وعذرهم، أتبعه ما يوجب طمأنينتهم، وهو التوكل على الله الذي من راقبه تلاشى عنده كل عظيم، فقال: {وقال موسى} أي لمن آمن به موطناً لهم على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة "حديث : يبتلى الناس على قدر إيمانهم"تفسير : {يا قوم} فاستعطفهم بالتذكير بالقرب وهزهم إلى المعالي به فيهم من القوة ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله: {إن كنتم} أي كوناً هو في ثباته كالخلق الذي لا يزول {آمنتم بالله} وثبتهم بذكر الاسم الأعظم وما دل عليه من الصفات، وأجاب الشرط بقوله: {فعليه} أي وحده لما علمتم من عظمته التي لا يداينها شيء سواه {توكلوا} وليظهر عليكم أثر التوكل من الطمأنينة والثبات والسكينة {إن كنتم} أي كوناً ثابتاً {مسلمين*} جامعين إلى تصديق القلب إذعان الجوارح؛ وجواب هذا الشرط ما دل عليه الماضي من قوله: {فعليه توكلوا} {فقالوا} أي على الفور كما يقتضيه الفاء {على الله} أي الذي له العظمة كلها وحده {توكلنا} أي فوضنا أمورنا كلها إليه {ربنا} أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا {لا تجعلنا فتنة} أي موضع مخالطة بما يميل ويحيل {للقوم الظالمين*} أي لا تصبنا أنت بما يظنون به تهاونك بنا فيزدادوا نفرة عن دينك لظنهم أنا على الباطل ولا تسلطهم علينا مما يفتننا عن ديننا فيظنوا أنهم على الحق {ونجنا برحمتك} أي إكرامك لنا {من القوم} أي الأقوياء {الكافرين*} أي العريقين في تغطية الأدلة، وفي دعائهم هذا إشارة إلى أن أمر الدين أهم من أمر النفس. ولما أجابوه إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه، أتبعه ما يزيدهم طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة به، لأنه روي أنه كانت لهم متعبدات يجتمعون فيها، فلما بعث موسى عليه السلام أخربها فرعون، فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة فقال تعالى عاطفاً على قوله: {وقال موسى} {وأوحينا} أي بما لنا من العظمة البالغة {إلى موسى وأخيه} أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته {أن تبوءا} أي اتخذا {لقومكما بمصر} وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان والإسكندرية منها {بيوتاً} تكون لهم مرجعاً يرجعون إليه ويأوون إليه {واجعلوا} أي أنتما ومن معكما من قومكما {بيوتكم قبلة} أي مصلى لتتعبدوا فيها مستترين عن الأعداء تخفيفاً من أسباب الخلاف {وأقيموا الصلاة} أي بجميع حدودها وأركانها مستخفين ممن يؤذيكم جمعاً بين آلتي النصر: الصبر والصلاة، وتمرناً على الدين وتثبيتاً له في القلب. ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز وأعظم، وكان واجب على الأمة كوجوبه على الإمام جمع فيه، وكان إسناده البشارة عن الملك إلى صاحب الشريعة أثبت لأمره وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب أصحابه وأقر لأعينهم، أفرد في قوله: {وبشر المؤمنين*} أي الراسخين في الإيمان من أخيك وغيره.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} لما رأى تخوّفَ المؤمنين منه {يٰقَوْمِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ} أي صدقتم به وبآياته {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ} وبه ثقِوا ولا تخافوا أحداً غيرَه فإنه كافيكم كلَّ شرَ وضُرّ {إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} مستسلمين لقضاءِ الله تعالى مخلِصين له، وليس هذا من تعليق الحُكمِ بشرطين فإن المعلَّقَ بالإيمان وجوبُ التوكلِ عليه تعالى فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام وجودُه فإنه لا يتحقق مع التخليد، ونظيرُه: إنْ أحسنَ إليك زيدٌ فأحسنْ إليه إن قدَرتَ عليه {فَقَالُواْ} مجيبـين له عليه السلام من غير تعلثم في ذلك {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} لأنهم كانوا مؤمنين مخلِصين ثم دعَوا ربَّهم قائلين: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} أي موقعَ فتنةٍ {لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي لا تسلِّطْهم علينا حتى يعذّبونا أو يفتنونا عن ديننا أو يُفتَتنوا بنا ويقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لَما أصيبوا وقوله تعالى: {وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} دعاءٌ منهم بالإنجاء من سوء جوارِهم وشؤمِ مصاحبتِهم بعد الإنجاءِ من ظلمهم، عبّر عنهم بالكفر بعدما وُصفوا بالظلم، وفي ترتيب الدعاءِ على التوكل تلويحٌ بأن الداعَي حقُّه أن يبنيَ دعاءَه على التوكل على الله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا} أنْ مفسرةٌ لأنّ في الوحي معنى القولِ أي اتخذا مَباءةً {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} تسكُنون فيها وترجِعون إليها للعبادة {وَٱجْعَلُواْ} أنتما وقومكما {بُيُوتِكُمْ} تلك {قِبْلَةَ} مصلّىً وقيل: مساجدَ متوجهةً نحو القِبلة يعني الكعبةَ فإن موسى عليه السلام كان يصلي إليها {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي فيها، أُمروا بذلك في أول أمرهم لئلا يظهرَ عليهم الكفرةُ فيؤذوهم ويفتِنوهم عن دينهم {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالنصرة في الدنيا إجابةً لدعوتهم والجنةِ في العقبى، وإنما ثُنِّيَ الضميرُ أولاً لأن التبوُّؤَ للقوم واتخاذَ المعابد مما يتولاه رؤساءُ القوم بتشاور، ثم جُمع لأن جعلَ البـيوتِ مساجدَ والصلاةَ فيها مما يفعله كلُّ أحدٍ، ثم وُحِّد لأن بشارةَ الأمةِ وظيفةُ صاحبِ الشريعة، ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِ القوم لمدحهم بالإيمان والإشعار بأنه المدارُ في التبشير.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} [الآية: 84]. سُئل إبراهيم الخواص عن قوله: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} قال تنالوا السبب من الله بلا واسطة.

القشيري

تفسير : بيَّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال.. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصداً. وحقيقةُ التوكل تَوَسُّلٌ تقديمُه مُتَّصِلٌ، ثم يعلم أنه بفضله - سبحانه - تَحْصُلُ نجاتُه، لا بما يأتي به من التكلُّف - هذه هي حقيقة التوكل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال موسى} لما رأى تخوف المؤمنين منه {يا قوم} [اى كروه من] {ان كنتم آمنتم بالله} اى صدقتم به وبآياته وعلمتم ان ايصال المنافع ودفع المضار بقبضة اقتداره {فعليه توكلوا} وثقوا به واعتمدوا عليه ولا تخافوا احدا غيره. قال بعضهم وصف نوح عليه السلام نفسه بالتوكل على وجه يفيد الحصر فقال {أية : فعلى الله توكلت} تفسير : وموسى عليه السلام امر قومه بذلك فظاهر ان هذه الدرجة فوق درجة نوح انتهى. يقول الفقير كان الكلام فى القصة الاولى مع نوح وفى الثانية مع قوم موسى ولذا اقتصر نوح فى تخصيص التوكل بالله تعالى على نفسه وموسى امره بذلك وذا لا يدل على رجحان درجته على درجة نوح فى هذا الباب لتغاير الجهتين كما لا يخفى الى اولى الالباب {ان كنتم مسلمين} مستسلمين لقضاء الله مخلصين له وليس هذا من تعليق الحكم الذى هو وجوب التوكل بشرطين مختلفين هما الايمان بالله والاسلام والا لزم ان لا يجب التوكل بمجرد الايمان بالله بل هما حكمان علق كل واحد منهما بشرط على حدة علق وجوب التوكل على الايمان بالله فانه المقتضى له وعلق حصول التوكل ووجوده على الاسلام فان الاسلام لا يتحقق مع التخليط ونظيره ان احسن اليك زيد فاحسن اليه ان قدرت

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقال موسى} لقومه، لمّا رأى خوفهم من فرعون: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} أي: ثِقُوا به واعتمِدُوا عليه، ولا تُبالوا بغيره، {إن كنتم مسلمين} مستسلمين لقضاء الله أو منقادين لأحكامه، قائمتين بطاعته، بعد تحصيل الإيمان به، وقال لهم ذلك مع علمه بإيمانهم وإسلامهم؛ إنهاضاً لهم وتحريضاً على الصبر، كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا. {فقالوا على الله توكلنا} لأنّا مؤمنون مخلصون، {ربنا لا تجعلنا فتنةً} أي: موضع فتنة {للقوم الظالمين} أي: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} أي: من كيدهم، أو شؤم مشاهدتهم. وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولاً لتُجاب دعوته؛ لأنه يتسبب في نجاح أمره، ثم يدعو. والله تعالى أعلم. الإشارة: التوكل هو ثمرة الإيمان ونتيجته، فكلما قوي الإيمان واشتدت أركانه قوي التوكل وظهرت أسراره. وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل، فالتَّوَغل في الأسباب نتيجة ضعف الإيمان، والتقلل منها نتيجة صحة التوكل والإيقان، والتوكل: أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك. قال تعالى: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96] والتوكل قد يوجد مع الأسباب، ومع التجريد أنفع، وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران. وبالله التوفيق. ثم أمر بني إسرائيل باتخاذ المساجد، وجعلها في البيوت خوفاً من فرعون، فقال: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن موسى انه قال لقومه: إن كنتم صدقتم بتوحيد الله فتوكلوا عليه إن كنتم مسلمين وانما اعاد قوله {إن كنتم مسلمين} بعد قوله {إن كنتم آمنتم بالله} ليتبين المعنى بالصفتين من الايمان والاسلام وبالتقييد والاطلاق على أن الثقة بالله توجب الاستسلام لامره. والتوكل التوثق باسناد الامر إلى الله. والوكالة عقد الامر لمن يقوم به مقام مالكه. والله عز وجل أملك بالعبد من نفسه فهو أحق بهذه الصفة. ويوجب التوكل على الله النجاة من كل محذور، والفوز بكل سرور وحبور اذا اخلص العمل فيه وسلمت النية فيه. وحذفت ياء الاضافة من قوله {يا قوم} اجتزاء بالكسرة منها وهو في النداء أحسن من اثباتها لقوة النداء على التغيير. وفائدة الآية البيان عما يعمل عليه عند نزول الشدة من ان من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم امره اليه ثقة بحسن تدبيره له.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ} بعد ما رأى تعذيب فرعون لمن آمن به واضطرابهم من خوفه تسلية لهم وتقوية لقلوبهم بالتّوكّل على القادر القوىّ {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ} اتى باداة الشّكّ اشعاراً بانّ الخوف والاضطراب يورث الشّكّ فى الايمان او اداة الشّكّ للتّهييج {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} لانّ الايمان يقتضى معرفته بانّه عليم بصير قادر رحيم بالمؤمنين وذلك يقتضى التّوكّل {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} منقادين جزاؤه محذوف بقرينة السّابق والتّقدير ان كنتم منقادين فان كنتم مؤمنين بالبيعة العامّة او الخاصّة فعليه توكّلوا يعنى انّ التّوكّل يقتضى امرين الانقياد والايمان بالبيعة العامّة النّبويّة او بالبيعة الخاصّة الولويّة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللهِ} وقد علم أنهم قد آمنوا وصدقوا، ولكنه كلام من كلام العرب. تقول: إن كنت كذا فاصنع كذا، وهو يعلم أنه كذلك، ولكنه يريد أن يعمل بما قال له. قال: { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} أي: إن كنتم مؤمنين فامضوا على ما يأمركم به الله. { فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: قالوا: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول فرعون وقومه: لو كان هؤلاء على حق ما عذِّبوا وما سُلِّطنا عليهم [فيفتتنوا بنا] {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكَافِرِينَ} أي: من فرعون وقومه. قوله: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}. قال مجاهد: حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في مساجد ظاهرة أمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً. وقال الحسن: كانت قبلة النبيين كلهم الكعبة؛ قال بعضهم إلا ما صلى النبي عليه السلام إلى بيت المقدس، ثم صرف إلى الكعبة. وقال الحسن: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: حين دخل موسى وبنو إسرائيل مصر بعد ما أهلك الله فرعون وقومه، أمروا أن يبنوا بمصر بيوتاً، أي: مساجد مستقبلة القبلة. كقوله: (أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) تفسير : [النور:36] يعني المساجد. قال: { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} أي: بالجنة.

اطفيش

تفسير : {وقالَ مُوسَى} لما رأى خوفهم منه {يا قَوْم إنْ كنتُم آمنتُم باللهِ} قد علم أنهم آمنوا، ولكن أراد التأكيد، وأراد إيمانا صادقا {فَعليْهِ} لا عَلى غيرهِ {تَوَكَّلُوا} اعتمدوا {إنْ كُنتُم مُسْلمينَ} مخلصين الإيمان، أو مستسلمين للقضاء، هذا الشرط قيد للأول فكأنه قيل: إن كنتم آمنتم بالله، وكنتم مسلمين، فعليه توكلوا، كقولك: إن أحسن إليك أحد فكافئه إن قدرت، فليس ذلك من تعليق الحكم بشرطين بلا تبعية. ويجوز أن يكون الثانى بدلا من الأول، لكنه ضعيف بالفصل، أو الفاء داخلة على أن الثانية وما بينهما معترض دليل جوابها، فكأنه قيل: إن كنتم مؤمنين، فإن كنتم مسلمين فعليه توكلوا، فالثانى وجوابه جواب الأول، وكذا يقدر الجواب على الوجه الأول للشرط الثانى، لكن مدلولا عليه بجواب الشرط الأول، وأما على الوجه الثانى فالجواب للشرط الثانى على ما رجحوا من مراعاة البدل، أو للشرط الأول، وعلى الأوجه الثلاثة يكون المعلق بالإيمان وجوب التوكل، فإنه المقتضى له، والمشروط بالإسلام حصوله، فإن التوكل لا يكون مع التخليط، وقدر بعضهم للشرط الثانى جوابا هكذا فامضوا على ما أمركم الله به.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ} لما رأى تخوف المؤمنين {يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ} أي صدقتم به وبآياته {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ} أي اعتمدوا لا على أحد سواه فإنه سبحانه كافيكم كل شر وضر. / {إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} أي مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له، وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين بل من تعليق شيئين بشرطين لأنه علق وجوب التوكل المفهوم من الأمر وتقديم المتعلق بالإيمان فإنه المقتضي له وعلق نفس التوكل ووجوده بالإسلام والإخلاص لأنه لا يتحقق مع التخليط، ونظير ذلك ـ إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت عليه ـ فإن وجوب الإجابة معلق بالدعوة ونفس الدعوة معلقة بالقدرة، وحاصله إن كنتم آمنتم بالله فيجب عليكم التوكل عليه سبحانه فافعلوه واتصفوا به إن كنتم مستسلمين له تعالى. وهذا النوع على ما في «الكشف» يفيد مبالغة في ترتب الجزاء على الشرط على نحو ـ إن دخلت الدار فأنت طالق إن كنت زوجتي ـ وجعله بعضهم من باب التعليق بشرطين المقتضى لتقدم الشرط الثاني على الأول في الوجود حتى لو قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق إن دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل قبل الكلام لأن الشرط الثاني شرط للأول فيلزم تقدمه عليه، وقرره بأن هٰهنا ثلاثة أشياء: الإيمان والتوكل والإسلام، والمراد بالإيمان التصديق وبالتوكل إسناد الأمور إليه عز وجل، وبالإسلام تسليم النفس إليه سبحانه وقطع الأسباب فعلق التوكل بالتصديق بعد تعليقه بالإسلام لأن الجزاء معلق بالشرط الأول وتفسير للجزاء الثاني كأنه قيل: إن كنتم مصدقين بالله تعالى وآياته فخصوه سبحانه بإسناد جميع الأمور إليه وذلك لا يتحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين لله تبارك وتعالى مستسلمين بأنفسكم له سبحانه ليس للشيطان فيكم نصيب وإلا فاتركوا أمر التوكل. ويعلم منه أن ليس لكل أحد من المؤمنين الخوض في التوكل بل للآحاد منهم وأن مقام التوكل دون مقام التسليم والأكثر على الأول ولعله أدق نظراً.

ابن عاشور

تفسير : عطف بقية القصة على أولها فهو عطف على جملة {أية : وقال فرعون}تفسير : [يونس: 79]، وهذا خطاب موسى لجميع قومه وهم بنو إسرائيل الذين بمصر، وهو يدل على أنه خاطبهم بذلك بعد أن دعاهم وآمنوا به كما يؤذن به قوله: {إن كنتم آمنتم بالله}. والغرض منه تثبيت الذين آمنوا به في حضرة فرعون على توكلهم، وأمْرُ مَن عداهم الذين خاف ذريتُهم أن يؤنبوهم على إظهار الإيمان بأن لا يُجبِّنوا أبناءهم، وأن لا يخشوا فرعون، ولذلك قال: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا}. والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله حقاً كما أظهرتْه أقوالكم فعليه اعتمدوا في نصركم ودفع الضر عنكم ولا تعتمدوا في ذلك على أنفسكم بمصانعة فرعون ولا على فرعون بإظهار الولاء له. وأراد إثارة صدق إيمانهم وإلهابَ قلوبهم بجعل إيمانهم معلقاً بالشرط محتمل الوقوع، حيث تخوفوا من فرعون أن يفتنهم فأرادوا أن يكتموا إيمانهم تقية من فرعون وملئهم، وإنما جَعل عدم اكتراثهم ببطش فرعون علامة على إيمانهم لأن الدعوة في أول أمرها لا تتقوم إلا بإظهار متبعيها جماعتَهم، فلا تغتفر فيها التقية حينئذٍ. وبذلك عمل المسلمون الأولون مثل بلال، وعمار، وأبي بكر، فأعلنوا الإيمان وتحملوا الأذى، وإنما سوغت التقية للآحاد من المؤمنين بعد تقوم جامعة الإيمان فذلك محل قوله تعالى: {أية : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}تفسير : [النحل: 106]. فتقديم المجرور على متعلقه في قوله: {فعليه توكلوا} لإفادة القصر، وهو قصر إضافي يفسره قوله: {أية : على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم}تفسير : [يونس: 83]، فآل المعنى إلى نهيهم عن مخافة فرعون. والتوكلُ: تقدم آنفاً في قصة نوح. وجملة: {إن كنتم مسلمين} شرط ثان مؤكد لشرط {إن كنتم آمنتم بالله}، فحصل من مجموع الجملتين أن حصول هذا التوكل متوقف على حصول إيمانهم وإسلامهم، لمزيد الاعتناء بالتوكل وأنه ملازم للإيمان والإسلام، ومبين أيضاً للشرط الأول، أي إن كان إيمانكم إيمان مسلم لله، أي مخلص له غير شائب إياه بتردد في قدرة الله ولا في أن وعده حق، فَحصَل من مجموع الشرطين ما يقتضي تعليق كل من الشرطين على الشرط الآخر. وهذا من مسألة تعليق الشرط على الشرط، والإيمان: تصديق الرسول فيما جاء به وهو عمل قلبي، ولا يعتبر شرعاً إلا مع الإسلام، والإسلامُ: النطق بما يدل على الإيمان ولا يعتبر شرعاً إلا مع الإيمان، فالإيمان انفعال قلبي نفساني، والإسلام عمل جسماني، وهما متلازمان في الاعتداد بهما في اتّباع الدين إذ لا يعلم حصول تصديق القلب إلا بالقول والطاعة، وإذ لا يكون القول حقاً إلا إذا وافق ما في النفس، قال تعالى: {أية : قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}تفسير : [الحجرات: 14]. وقد ورد ذلك صريحاً في حديث سؤال جبريل في «الصحيحين». وليس المراد أنهم إن لم يتوكلوا كانوا مؤمنين غير مسلمين، ولا أنهم إن توكلوا كانوا مسلمين غير مؤمنين، لأن ذلك لا يساعد عليه التدين بالدين. ومن ثم كان قوله: {فعليه توكلوا} جواباً للشرطين كليهما. أي يقدر للشرط الثاني جواب مماثل لجواب الشرط الأول. هذا هو محمل الآية وما حاوله كثير من المفسرين خروج عن مهيع الكلام. وقد كان صادق إيمانهم مع نور الأمر النبوي الذي واجههم به نبيهم مسرعاً بهم إلى التجرد عن التخوف والمصانعة، وإلى عقد العزم على التوكل على الله، فلذلك بادروا بجوابه بكلمة {على الله توكلنا} مشتملة على خصوصية القصر المقتضي تجردهم عن التوكل على غير الله تعالى. وأشير إلى مبادرتهم بأن عطفت جملة قولهم ذلك على مقالة موسى بفاء التعقيب خلافاً للأسلوب الغالب في حكاية جمل الأقوال الجارية في المحاورات أن تكون غير معطوفة، فخولف مقتضى الظاهر لهذه النكتة. ثم ذيَّلوا كلمتهم بالتوجه إلى الله بسؤالهم منه أن يقيهم ضر فرعون، ناظرين في ذلك إلى مصلحة الدين قبل مصلحتهم لأنهم إن تمكن الكفرة من إهلاكهم أو تعذيبهم قويت شوكة أنصار الكفار فيقولون في أنفسهم: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ما أصابهم فيفتتن بذلك عامةُ الكفرة ويظنون أن دينهم الحق. والفتنة: تقدم تفسيرها آنفاً. وسموا ذلك فتنة لأنها تزيد الناس توغلا في الكفر، والكفر فتنة. والفتنة مصدر. فمعنى سؤالهم أن لا يجعلهم الله فتنة هو أن لا يجعلهم سبب فتنة، فتعدية فعل {تجعلنا} إلى ضميرهم المخبر عنه بفتنة تعدية على طريقة المجاز العقلي، وليس الخبر بفتنة من الإخبار بالمصدر إذ لا يفرضون أن يكونوا فاتنين ولا يسمح المقام بأنهم أرادوا لا تجعلنا مفتونين للقوم الظالمين. ووصفوا الكفار بـ{الظالمين} لأن الشرك ظلم، ولأنه يشعر بأنهم تلبسوا بأنواع الظلم: ظلم أنفسهم، وظلم الخلائق، ثم سألوا ما فيه صلاحهم فطلبوا النجاة من القوم الكافرين، أي من بطشهم وإضرارهم. وزيادة {برحمتك} للتبرؤ من الإدلال بإيمانهم لأن المنة لله عليهم، قال تعالى: {أية : قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}تفسير : [الحجرات: 17]. وذكر لفظ القوم في قوله: {للقوم الظالمين} وقوله: {من القوم الكافرين} للوجه الذي أشرنا إليه في أواسط البقرة، وفي هذه السورة غير مرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {آمَنتُمْ} (84) - وَلَمَّا أَعْلَنَ جَمَاعَةُ مُوسَى لَهُ إِيمَانَهُمْ بِاللهِ وَبِرِسَالاَتِهِ، وَهُمْ خَائِفُونَ مِنَ العَذَابِ وَالفِتْنَةِ، قَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ إِيمَاناً حَقّاً، فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا، وَبِوُعُودِهِ ثِقُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مُذْعِنِينَ، إِذْ إِنَّ الإِيمَانَ لاَ يَكُونُ يَقِيناً إِلاَّ إِذَا صَدَّقَهُ العَمَلُ، وَهُوَ الإِسْلاَمُ للهِ وَحْدَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا شرطان، في قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ..} [يونس: 84]. وجاء جواب هذا الشرط في قوله سبحانه: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ..} [يونس: 84]. ثم جاء بشرط آخر هو: {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84]. وهكذا جاء الشرط الأول وجوابه، ثم جاء شرط آخر، وهذا الشرط الآخر هو الشرط الأول وهو الإسلام لله؛ لأن الإيمان بالله يقتضي الإسلام وأن يكونوا مسلمين. ومثال ذلك في حياتنا: حين يريد ناظر إحدى المدارس أن يعاقب تلميذاً خالف أوامر المدرسة ونظمها، ويستعطف التليمذ الناظر، فيرد الناظر على هذا الاستعطاف بقوله: "إن جئت يوم السبت القادم قَبِلتك في المدرسة إن كان معك وليُّ أمرك؛ ومجيء ولي الأمر هنا مرتبط بالموعد الذي حدده الناظر لعودة التلميذ لصفوف الدراسة، وهكذا نجد أن الشرط الآخر مرتبط بالشرط الأول. وهنا يتجلَّى ذلك في قول الحق سبحانه: {.. إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84]. والإيمان - كما نعلم - عملية وجدانية قلبية، والإسلام عملية ظاهرية، فمرة ينفذ الفرد تعاليم الإسلام، وقد ينفك مرة أخرى من تنفيذ التعاليم رغم إيمانه بالله، ومرة تجد واحداً ينفذ تعاليم الإسلام نفاقاً من غير رصيد من إيمان. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..}تفسير : [البقرة: 25]. ونجده سبحانه يبيِّن هذا الأمر بتحديد قاطع في قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ..}تفسير : [الحجرات: 14]. والإيمان عملية قلبية؛ لذلك يأتي الأمر الإلهي: {أية : قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 14]. أي: أنكم تؤدون فروض الإسلام الظاهرية، لكن الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد. وهنا يقول الحق سبحانه: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ..} [يونس: 84]. وهكذا نرى أن التوكل مطلوب الإيمان، وأن يُسلم الإنسان زمامه في كل أمر إلى مَنْ آمن به؛ ولذلك لا ينفع الإيمان إلا بالإسلام، فإن كنتم مسلمين مع إيمانكم فتوكلوا على الله تعالى. لكن إن كنتم قد آمنتم فقط ولم تسلموا الزمام لله في التكاليف إلى الله في "افعل" و"لا تفعل"، فهذا التوكل لا يصلح. وهكذا يتأكد لنا ما قلناه من قبل من أنك إذا رأيت أسلوباً فيه شرط تقدم، وجاء جواب بعد الشرط، ثم جاء شرط آخر، فاعلم أن الشرط الأخير هو المقدَّم، لأنه شرط في الشرط الأول، وبالمثل هنا فإن التوكل لن ينشأ إلا بالإسلام مع الإيمان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَقَالَ مُوسَى } موصيًا لقومه بالصبر، ومذكرًا لهم ما يستعينون به على ذلك فقال: { يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ } فقوموا بوظيفة الإيمان. { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه.