١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين من قبل { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ } تفسير : [يونس: 96، 97] أتبعه بهذه الآية، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان، وذلك يدل على أن الكفار فريقان: منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان وكل ما قضى الله به فهو واقع. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة {لَوْلاَ } في هذه الآية طريقان: الطريق الأول: أن معناه النفي، روى الواحدي في «البسيط» قال: قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا، فمعناه هلا، إلا حرفين، {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } معناه فما كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها، وكذلك { أية : فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [هود: 116] معناه، فما كان من القرون، فعلى هذا تقدير الآية، فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. وانتصب قوله: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } على أنه استثناء منقطع عن الأول، لأن أول الكلام جرى على القرية، وإن كان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية، فكان كقوله: شعر : وما بالربع من أحد ألاأواري تفسير : وقرىء أيضاً بالرفع على البدل. الطريق الثاني: أن {لَوْلاَ } معناه هلا، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس. وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا. المسألة الثانية: روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة. فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود شديد السواد، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم قولوا يا حي حين لا حي. ويا حي يا محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله. المسألة الثالثة: إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق؟ والجواب: أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب، وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} قال الأخفش والكسائي: أي فهلاّ. وفي مصحف أُبَيّ وابن مسعود «فهلا» وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهومٌ من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في «قوم» هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب ما لا يكون إلاّ منصوباً). قال النحاس: «إلا قوم يونس» نصب لأنه استثناء ليس من الأوّل، أي لكن قوم يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. «إلا قومُ يونس» بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غيرُ قومِ يونس، فلما جاء بإلاّ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير كما قال:شعر : وكلُّ أخٍ مفارِقه أخوه لَعَمْرُ أبِيك إلا الفَرْقدانِ تفسير : وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بِنينَوى من أرض المَوصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبَوْا؛ فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاثٍ ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ٱرتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك؛ فلما كان الليل تزوّد يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المُسوح وفرّقوا بين الأُمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردّوا المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيردّه؛ والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي مِيل. ورُوي على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظُلّة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرّها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشي الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأُمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب؛ وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأُوا العلامة التي تدلّ على العذاب، ولو رأُوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. قلت: قول الزجاج حسن: فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويَعْضُد هذا قوله عليه السلام: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»تفسير : . والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم. وقد روى معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأُمهات والأولاد؛ وهذا يدلّ على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسنداً مبيّناً في سورة «والصافات» إن شاء الله تعالى. ويكون معنى {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ} أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأُوه عِيانا ولا مخايلة؛ وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يردّ القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}. قال علي رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء. قوله تعالى: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} قيل: إلى أجلهم؛ قاله السُّدّي وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه، أو أكثرهم؛ كقوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [يس: 30]، {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ} تفسير : [الذاريات: 52] { أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23] وفي الحديث الصحيح: «حديث : عرض علي الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي يمر معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد» تفسير : ثم ذكر كثرة أتباع موسى عليه السلام، ثم ذكر كثرة أمته صلوات الله وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا خوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعندما جأروا إلى الله، واستغاثوا به، وتضرعوا له، واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها رحمهم الله، وكشف عنهم العذاب، وأخروا؛ كما قال تعالى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} واختلف المفسرون هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين: (أحدهما) إنما كان ذلك في الحياة الدنيا؛ كما هو مقيد في هذه الآية. (والثاني) فيهما؛ لقوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَـآمَنُواْ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الصافات: 147-148] فأطلق عليهم الإيمان. والإيمان منقذ من العذاب الأخروي، وهذا هو الظاهر، والله أعلم. وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم، وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال قتادة: وذكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل، وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، وكان ابن مسعود يقرؤها: "فَهَلاَّ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ" وقال أبو عمران عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم العذاب، جعل يدور على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم، فقالوا: علمنا دعاء ندعو به؛ لعل الله أن يكشف عنا العذاب فقال: قولوا: يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت، قال: فكشف عنهم العذاب. وتمام القصة سيأتي مفصلاً في سورة الصافات إن شاء الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَوْلا } فهلا {كَانَتْ قَرْيَةٌ } أريد أهلها {ءَامَنتُ } قبل نزول العذاب بها {فَنَفَعَهَآ إِيمـَٰنُهَا إِلاَّ } لكن {قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ } عند رؤية أمارة العذاب ولم يؤخّروا إلى حلوله {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنـَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } انقضاء آجالهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتُ فَنَفَعَهآ إيمَانُهَا} والمراد بالقرية أهل القرية. {إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} وهم أهل نينوى من بلاد الموصل فإن يونس عليه السلام وعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام، فقالوا: انظروا يونس فإن خرج عنا فوعيده حق، فلما خرج عنهم تحققوه ففزعوا إلى شيخ منهم فقال: توبوا وادعوا وقولوا يا حي حين لاحي، ويا حي يا محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا من قريتهم تائبين داعين فكشف الله عنهم العذاب كما قال تعالى: {... كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وفيه وجهان: أحدهما: أنهم تابوا قبل أن يروا العذاب فلذلك قبل توبتهم، ولو رأوه لم يقبلها كما لم يقبل من فرعون إيمانه لما أدركه الغرق. الثاني: أنه تعالى خصهم بقبول التوبة بعد رؤية العذاب، قال قتادة: كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم ولم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل. {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حينٍ} فيه تأويلان: أحدهما: إلى أجلهم، قاله السدي. الثاني: إلى أن يصيرهم إلى الجنة أو النار، قاله ابن عباس. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء يرد القدر، وذلك أن الله تعالى يقول: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} قال عليّ رضي الله عنه ذلك يوم عاشوراء.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلَوْلا كَانَتْ} أي لم تؤمن قرية بعد أن حقت عليهم كلمة ربك. {قَوْمَ يُونُسَ} أهل نينوى من بلاد الموصل وعدهم يونس ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالعذاب بعد ثلاث، فقالوا: انظروا فإن خرج يونس فوعيده حق فلما خرج فزعوا إلى شيخ منهم، فقال: توبوا وقولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فلبسوا المُسُوح، وفرقوا بين كل والدة وولدها وخرجوا عن القرية تائبين داعين فكشف عنهم، وكان ذلك يوم عاشوراء. {كَشَفْنَا} حصوله بقبوله التوبة بعد رؤية العذاب فكشف عنهم بعد أن تدلى عليهم ولم يكن بينه وبينهم إلا ميل، أو رأوا دلائل العذاب ولم يروه، ولو رأوه لما قبلت توبتهم كفرعون. {حِينٍ} أجلهم، أو مصيرهم إلى الجنة أو النار "ع".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ...} الآية: وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ مسعودٍ: «فَهَلاَّ»، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية: فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذا الحال، ثم ٱستثنَى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ ٱستثناءٌ منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره: ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ: أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي: تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه؛ أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فَٱرْقُبُوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ٱرتَحَلَ عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس: علَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم، وروي: على مِيلٍ، وقال ابن جبير: غشيهمُ العذابُ؛ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال: كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضباً؛ كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ. * ت *: وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ }: يريد: إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس كانوا بـــ«نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ. وقوله سبحانه: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }: المعنى: أفأنْتَ تكره الناس بإِدخالِ الإِيمَانِ في قُلُوبهم، واللَّه عَزَّ وجلَّ قد شاء غَيْرَ ذلك، و{ٱلرِّجْسَ} هنا بمعنى العذاب.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا موضع أن يقال: إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان عنها، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى: {فلولا} أي فهلا {كانت قرية} أي واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها {آمنت} أي آمن قومها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعهآ} أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها - {إيمانها} ولما كان المعنى "لولا" النفي، كان التقدير: لكن لم تؤمن قرية منهم إلاّ عند صدم العذاب كما فعل فرعون، لو آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قُبِل، ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب {إلاّ قوم يونس} فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم {لمآ آمنوا} ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله: {كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم} أي حين إيمانهم، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلاّ قدر ميل {عذاب الخزي} أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان الدارين {في الحياة الدنيا} أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له {ومتعناهم} أي تمتيعاً عظيماً {إلى حين} وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقته المضروب له، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال: قال سفيان الثوري: {فلولا كانت قرية آمنت} قال: فلم تكن قرية آمنت، وهذا تفسير معنى الكلام، وأما "لولا" فهو بمعنى هلا، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث، أي توبيخ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى "لولا"، ويلزم كلا من المعنيين النفي؛ والنفع: إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به، وأصله التعب. ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلاّ بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم، ولو كان ذلك وحده كافياً لآمنوا بهذا السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسى عليهما السلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى: {ولو شآء} أي إيمان الناس {ربك} أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم قابليته للخير {لأمن من في الأرض} من الكفار. ولما كان هذا ظاهراً في الكل، صرح به مؤكداً لأن المقام يقتضيه فقال: {كلهم جميعاً} أي مجتمعين في آن واحد لا يختلفون في شيء منه، ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جبلتك عليه من الخير تريد ذلك {أفأنت تكره الناس} أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب {حتى يكونوا} أي كوناً جبلياً {مؤمنين} أي راسخين في الإيمان، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدماً على الفعل للإعلام بأن الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غيره، والمشيئة معنى يكون به الفعل مراداً أخذت من الشيء، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من التحسر للحرص على إيمانهم {وما كان} أي وما ينبغي ولا يتأتى {لنفس} أي واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي يقع منها إيمان في وقت ما {إلاّ بإذن الله} أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر - على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان {ويجعل الرجس} أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه. ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجرد العقل قال: {على الذين لا يعقلون} أي لا يوجد لهم عقل، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ والنفس: خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ونفسه وذاته واحد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أن في حرف ابن مسعود رضي الله عنه "فهلا كانت قرية آمنت". وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {فلولا كانت قرية آمنت} يقول: فما كانت قرية آمنت. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: كل ما في القرآن فلولا فهو فهلا إلا في حرفين في يونس {فلولا كانت قرية آمنت} والآخر {أية : فلولا كان من القرون من قبلكم} تفسير : [هود: 116]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فلولا كانت قرية آمنت} قال: فلم تكن قرية آمنت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {فلولا كانت قرية آمنت...} الآية. يقول: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس، وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فلولا كانت قرية آمنت...} الآية. قال: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإِيمان إذا نزل بها بأس الله. إلا قرية: يونس. وأخرج ابن مردويه حديث : عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "في قوله {إلا قوم يونس لما آمنوا} قال: لما دعوا" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الحذر لا يرد القدر وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب الله: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي} . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الدعاء ليرد القضاء وقد نزل من السماء، اقرأوا إن شئتم {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم} فدعوا صرف عنهم العذاب. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا. ثم خرج عنهم - وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت - فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وأولادها، وخرجوا يعجبون إلى الله علم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم. وانطلق مغاضباً يعني مراغماً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العذاب كان هبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا أدخل فيه صاحبه، وأمطرت السماء دماً. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن جرير عن قتادة في قوله {إلا قوم يونس لما آمنوا} قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فدعوا الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: تيب على قوم يونس عليه السلام يوم عاشوراء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بعث يونس عليه السلام إلى قرية يقال لها على شاطىء دجلة. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الخلد رضي الله عنه قال: لما غشي قوم يونس عليه السلام العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: ما ترى؟ قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموت، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوا فكشف عنهم العذاب. وأخرج ابن النجار عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا ينجي حذر من قدر، وأن الدعاء يدفع من البلاء، وقد قال الله في كتابه {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس على قومه أوحى الله إليه أن العذاب مصبحهم. فقالوا: ما كذب يونس وليصحبنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها مع أولادنا فلعل الله أن يرحمهم. فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإِبل معها فصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه إمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان، ورغت الإِبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم الله فصرف عنهم العذاب إلى جبال آمد، فهم يعذبون حتى الساعة.
القشيري
تفسير : قومُ يونس تداركتْهم الرحمةُ أزليةُ فيما أجرى عليهم من توفيقِ التضرع، فَكَشَفَ عنهم العذابَ، وصَرَفَ عنهم ما أظلَّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب؛ فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلولا} حرف لولا تحضيض بمعنى هلا وحرف التحضيض اذا دخل على الماضى يكون للتوبيخ على ترك الفعل {كانت} تامة {قرية} من لقرى المهلكة والمراد اهاليها {آمنت} قبل معاينة العذاب ولم تؤخر ايمانها الى حين معاينته كما اخر فرعون وقومه وهو صفة لقرية {فنفعها ايمانها} بان يقبله الله منها ويكشف بسببه العذاب عنها {الا قوم يونس} لكن قوم يونس بن متى ولم ينصرف يونس لعجمته وتعريفه وان قيل باشتقاقه فلتعريفه ووزن الفعل المختص ومتى بالتشديد اسم ابيه وقال بعضهم اسم امه ولم يشتهر باسم امه غير عيسى ويونس عليهما السلام {لما آمنوا} اول ما اراوا امارة العذاب ولم يؤخروا الى حلوله {كشفنا عنهم} رفعنا وازلنا {عذاب الخزى} اى الذل والهوان الذى يفضح صاحبه وهو لا يدل على حصولهم فى العذاب بل يقع ذلك على اشراف العذاب عليهم كما قال تعالى {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها} تفسير : كان الاتقاذ منها حالة الاشراف عليها لا الحصول فيها كما فى التيسير { فى الحيوة الدنيا} فنفعهم ايمانهم لوقوعه فى وقت الاختيار وبقاء للتكليف لا حال اليأس {ومتعناهم} بمتاع الدنيا بعد كشف العذاب عنهم {الى حين} مقدر لهم فى علم الله سبحانه: والمعنى بالفارسية [جرا اهل قرى ايمان نياوردند قبل از معاينة عذاب وتعجيل نكردند بيش از حلول آن تانفع كردى ايشانرا ايمان ايشان ليكن قوم يونس جون امارات عذاب مشاهده نمودند تأخير نكردند ايمان خودرا تابوقت حلول وايمان آوردند] فالاستثناء على هذا منقطع ويجوز ان يكون متصلا والجملة فى معنى النفى لتضمن حرف التحضيض معناه يعنى ان لولا كلمة التحضيض فى الاصل استعملت هذا للنفى لان فى الاستفهام ضربا من الجحد كأنه قيل آمنت اهل قرية من القرى المشرفة على الهلاك فنفعهم ايمانهم الا قوم يونس فيكون قوله تعالى لما آمنوا استئنافا لبيان نفع ايمانهم وفيه دلالة على ان الايمان المقبول هو الايمان بالقلب: وفى المثنوى شعر : بندكى درغيب آمد خوب وكش حفظ غيب آيددراتبعاد خوش طاعت وايمان كنون محمود شد بعد مرك اندرعيان مردودشد تفسير : -روى- ان يونس عليه السلام بعث الى نينوى من ارض الموصل وهو بكسر النون الاولى وفتح الثانية وقيل بضمها قرية على شاطئ دجلة فى ارض الموصل وهو بفتح الميم وكسر الصاد المهملة اسم بلدة فدعاهم الى الله تعالى مدة فكذبوه واصروا عليه فضاق صدره فقال اللهم ان القوم كذبونى فانزل عليهم نقمتك وذلك انه كان فى خلقه ضيق فلما حملت عليه اثقال النبوة تفسخ تحتها وقد قالوا لا يستطيع حمل اثقال النبوة الا اولوا العزم من الرسل وهم نوح وهود وابراهيم ومحمد عليهم السلام. اما نوح فلقوله {أية : يا قوم ان كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله} تفسير : الآية وقد سبق. واما هود فلقوله {أية : انى اشهد الله واشهدوا انى بريئ مما تشركون من دونه} تفسير : الآية. واما ابراهيم فلقوله هو والذين آمنوا معه {أية : انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله}.تفسير : واما محمد فلقول الله تعالى له {أية : فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل} تفسير : فصبر فقيل له اخبرهم ان العذاب مصبحهم بعد ثلاث او بعد اربعين قال الكاشفى [يونس ايشانرا خبر داد ازميان قوم يونس بيرون رفته درشكاف كوهى ينهان شدجون زمان موعود نزديك رسيد حق تعالى بمالك دوزخطاب كركده بمقدار شعيره از سموم دوزخ باين قوم فرست مالك فرمان الهى بجا أورد وآن سموم بصورت ابرسياه بادود غليظ وشراره آتش بيامده كردمدينه نينوى رافرا كرفت اهل آن شهر دانستندكه يونس راست كفته روى بملك خود آوردندواو مرد عاقل بودفر مودكه يونس را طلب كنيد جندانكه طلبيد ندنيا فتند ملك كفت اكر يونس برفت خدائى كه مارا بدودعوت ميكرد باقيست ودانا وشنوا كنون هيج جاره نيسست الا آنكه عجز وشكستكى وتضرع بدركاه او بريم بس ملك سر وبابرهنه بلاسى دربوشيد ورعايا بهمين صورت روى بصحر انهادند مردوزن وخرد وبزرك خروش وفرياد دركرفتند كودكانرا ازمادران جدا كردند] قال فى الكواشى فحنّ بعضهم الى بعض وعجوا وتضرعوا واختلطت اصواتهم وفعلوا ذلك ليكون ارق لقلوبهم واخلص للدعاء واقرب الى الاجابة وترادوا المظالم حتى كان الرجل يقلع الحجر قد وضع عليه بنيانه فيرده فقالوا جملة بالنية الخالصة آمنا بما جاء به يونس او قالوا يا حى حين لا حى محيى الموتى ويا حى لا اله الا انت او قالوا اللهم ان ذنوبنا قد عظمت وجلت وانت اعظم منها واجل شعر : من اميد وارم زلطف كريم كه خوانم كنه بيش عفو عظيم تفسير : افعل بنا ما انت اهله ولا تفعل بنا ما نحن اهله [واز اول ذى الحجة تا عاشر محرم بيرن وجه مى ناليدندو درين جها روزه از افغان وناله نيا سوده در ماندكى وبيجاركى بموقف عرض ميرسانيدند] شعر : جاره ماسازكه بى باوريم كر توبرانى كه رو آوريم بى طريم ازهمه سازنده جز تونداريم نوازنده بيش توكربى سروبا آمديم هم باميد توخدا آمديم تفسير : [قومى ميكفتند خداوندا يونس مارا كفته بودكه خداى من كفته بندكان بخريد وآزتد كنيد مابندكان توايم توبكرم خودمارا از عذاب آزادكن. جماعتى ديكرمى ناليدندكه الهنامارا يونس خبر دادكه توخداوند فرموده كه بيجاركان ودرماند كانرا دستكيرى مابجاره ودرمانده ايم بفضل خود مارا دستكير بعض ديكر بعرض مير سانيندندكه اى برورد كار ما يونس از قول توميفر مودكه هركه برشما ستم كند ازو دركذرانيد خدايا مابكناه برخود ستم كرد ايم ازما عفوكن برخى ديكر بدين كونه اداميكردندكه خذايا يونس ماراى كفت كه بروردكار من كفته است كه سالا نرا رد مكنيد ما سائلان روى بدر كاه كرمت أورده ايم مارا رد مكن شعر : ما تهى دستان بر آورديم دستى دردعا نقد فيضى نه برين دست كنهكاران همه قاضى حاجات درويشان ومحتاجان توئى بس رواكن ازكرم حاجات بسيار همه تفسير : القصة روز جهلم كه آذينه بود وعاشورا اثر مناجات دسلوز ايشان ظهور نموده برات نجات ازديوان رحمت نوشته شد وظلمت سحاب مرتفع كشته ابر رحمت سايه رأفت برمفارق ايشان افكنده يونس بعد از جهل روز متوجه نينوى كشته ميخواست كه ازحال قوم خبر كيرد جون بنزديك شهر رسيد وبرصورت واقعه مطلع شد ملال بسيار برو غلبه كرده باخود كفت من ايشانرا بعذاب ترسانيدم وعذاب بررحمت مبدل شد اكر من بدين شهر روم مرا بكذب نسبت دهند] فذهب مغاضبا ونزل السفينة فلم تسر فقال لهم ان معكم عبدا آبقا من ربه وانها لا تسير حتى تلقوه فى البحر واشار الى نفسه فقالوا لا نلقيك يا نبى الله ابدا فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات فالقوه فالتقمه الحوت وقيل قائل ذلك بعض الملاحين وحين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه فى البحر. قال الشعبى التقمه الحوت ضحوة يوم عاشوراء ونبذه عشية ذلك اليوم اى بعد العصر وقاربت الشمس الغروب وفيه بيان فضيلة يوم عاشوراء فانه الذى كشف الله العذاب فيه عن قوم يونس واخرج يونس من بطن الحوت وازال عنه ذلك الابتلاء -حكى- انه هرب اسير من الكفار يوم عاشوراء فركبوا فى طلبه فلما رأى الفرسان خلفه وعلم انه ماخوذ رفع رأسه الى السماء وقال اللهم بحق هذا اليوم المبارك اسألك ان تنجينى منهم فأعمى الله ابصارهم جميعا حتى تخلص منهم فصام ذلك اليوم فلم يجد شيئا يفطر ويتعشى به فنام فاطعم وسقى في المنام فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة الى الطعام والشراب كما فى روضة العلماء. ومن صامه اعطاه الله ثواب عشرة آلاف ملك وثواب عشرة آلاف حاج ومعتمر وثواب عشرة آلاف شهيد كما فى تنبيه الغافلين ذكر ان الله عز وجل يخرق ليلة عاشوراء زمزم الى سائر المياه فمن اغتسل يومئذ امن من المرض فى جميع السنة كما فى الروض الفائق. والمستحب فى ذلك اليوم فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرها ولا يجعل ذلك اليوم عيدا ويوم ماتم كالشيعة والروافض والناصبة كما فى عقد الدرر. والاكتحال ونحوه وان كان له اصل صحيح لكن لما كان شعارا لاهل البدعة صار تركه سنة كالتختم باليمين فانه لما كان شعار اهل البدعة صار السنة ان يجعل فى خنصر اليد اليسرى فى زماننا كما فى شرح القهستانى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (فلولا): تحضيضية، و(إلا قوم يونس): استثناء منقطع، ويجوز الاتصال؛ فيكون الاستثناء من معنى النفي الذي تضمَّنَهُ حرف التحضيض؛ لأن المراد بالقُرى: أهلها، كأنه قال: ما آمن أهل قرية من القرى الماضية فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، ويؤيده قراءةُ الرفع. و"يونس": عجمي مثلث النون. يقول الحق جل جلاله: {فلولا كانت} هلاَّ وُجدت: {قريةٌ} من القرى التي أهلكناها {آمنتْ} قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر الإيمان إلى نزوله كما فعل فرعون، {فَنَفَعَها} حينئذٍ {إيمانُها} بأن يقبله الله منها؛ فيكشف عنها العذاب، {إِلا} لكن {قومَ يونسَ لما آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخزي في الحياة الدنيا}، فرفعنا عنهم العذاب حين آمنوا بعد أن ظهرت مخايله، فنجوا {ومتعناهم إلى حين}: إلى تمام آجالهم. رُوي أن يونس عليه السلام بُعث إلى أهل نينوى من الموصل، فكذبوه وأصروا على تكذيبه، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث، فلما دنا الموعد وأغامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا، فطلبوا يونس فلم يجدوا فأيقنوا صدقه، فلبسوا المُسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم، ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها، فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والضجيج، وأخلصوا التوبة والإيمان، وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف العذاب عنهم، وكان يوم عاشوراء ويوم الجمعة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يعتني بتربية إيمانه وتقوية إيقانه قبل فوات إبّانه، وهو انصرام أجله. وتربيته تكون بصحبة أهل اليقين، فإن لم يعثر بهم فبمطالعة كتبهم، والوقوف على أخبارهم ومناقبهم، مع دوام التفكر والاعتبار، والإكثار من الطاعة والخضوع والافتقار، والتمسك بالذل والانكسار، قال تعالى في بعض الأخبار: "حديث : أنا عند المنكسرة قلوبُهم من أَجلِي"تفسير : وبالله التوفيق. كما أشار إلى ذلك بقوله: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : معنى {فلولا} هلا، وهي تستعمل على وجهين: احدهما - على وجه التحضيض والثاني - على وجه التأنيب كقولك: هلا يأتي زيد بحاجتك، وهلا امتنعت من الفساد الذي رغبت اليه. قال الشاعر: شعر : تعدون عقر النيب افضل مجد كم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا تفسير : أي هلا تعدون الشجعان. وقوله {إلا قوم يونس} نصب لأنه منقطع كما قال الشاعر: شعر : أعيت جواباً وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما ابينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وحكى الفراء: لا إن ما أبينهما وقال: جمع الشاعر بين ثلاثة أحرف في النفي (لاوان وما) وانما جاز فلولا كانت قرية آمنت لان المراد أهل قرية فحذف اختصاراً من غير اخلال بالمعنى. وقوله {فنفعها إيمانها} معناه هلا كانت اهل قرية آمنت في وقت ينفعها الايمان، وجرى هذا مجرى قول فرعون {أية : حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي}تفسير : فاعلم الله أن الايمان لا ينفع عند نزول العذاب ولا عند حضور الموت، وقوم يونس لم يقع بهم العذاب كأنهم لما رأوا الآية الدالة على العذاب آمنوا فلما آمنوا كشف عنهم العذاب. والنفع هو اللذة، ومعناه ها هنا انه وجبت لهم اللذة بفعل ما يؤدي اليها كما أن الصلة بالمال نفع، لانه يؤدي إلى اللذة، وكذلك أكل الطعام الشهي وتناول الكريه عند الحاجة نفع لانه يؤدي إلى اللذة. والخزي هو الهوان الذي يفضح صاحبه ويضع من قدره. وقال الجبائي: المراد بأهل القرية - على قول كثير من أهل التأويل - ثمود الذين أهلكهم الله بكفرهم، والتقدير هلا أهل قرية سوى قوم يونس آمنوا فنفعهم ايمانهم وزال عنهم العذاب كما آمن قوم يونس لما أحسوا بنزول العذاب، فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم وبقاهم أحياء سالمين في الدنيا بعد توبتهم إلى مدة من الزمان. وهذا الذي ذكره إنما كان يجوز لو كان {إلا قوم يونس} رفعاً وكان يكون {إلا قوم يونس} صفة أو بدلا من الاول لان المعنى إلا قوم يونس محمول على معنى هلا كان قوم قرية أو قوم نبي آمنوا الا قوم يونس، قال الزجاج: لم يقرأ أحد بالرفع، ويجوز في الرفع أن يكون بدلا من الأول، وإن لم يكن من جنس الأول كما قال الشاعر: شعر : وبلدة ليس لها أنيس لا اليعافير والا العيس تفسير : وقال ابو عبيدة {إلا} ها هنا بمعنى الواو، والمعنى وقوم يونس. وقال الحسن معنى الاية انه لم يكن فيما خلا أن يؤمن أهل قرية بأجمعها حتى لا يشذ منهم أحد الا قوم يونس. فهلا كانت القرى كلها هكذا. وقرأ طلحة بن مصرف يونس ويوسف بكسر النون والسين أراد أن يجعل الاسمين عربيين مشتقين من أسف وأنس، وهو شاذ. فان قيل: قوله {كشفنا عنهم العذاب} يدل على نزول العذاب بهم فكيف ينفع مع ذلك الايمان، وهل ذلك الا ضد قوله {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}؟تفسير : قلنا: ليس يجب ان يكون العذاب نزل بهم بل لا يمتنع أن يكون ظهرت لهم دلائله وان لم يروا العذاب كما أن العليل المدنف قد يستدرك التوبة فيقبل الله توبته قبل ان يتحقق الموت، فاذا تحققه لم يقبل بعد ذلك توبته. وقد قال الله تعالى {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } تفسير : ولا يدل ذلك على انهم كانوا دخلوا النار فأنقذوا منها فكذلك لا يمتنع ان يكون كشف عنهم العذاب وان لم يكن حل بهم ولا عاينوه اذا كان قد قرب منهم واستحقوه في الحكم.
الجنابذي
تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} جزاء شرط مستفاد من تعقيب عدم الايمان بالعذاب الاليم كأنّه قال اذا كان عدم الايمان مستلزماً لاليم العذاب فلولا كانت قرية آمنت {فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء باعتبار معنى النّفى لا التّقريع {لَمَّآ آمَنُواْ} جواب سؤالٍ كأنّه قيل: ما كان حال قوم يونس؟ وما فعل بهم؟ او حال من قوم يونس {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ} الخزى الفضحية فالاضافة بتقدير اللاّم او البليّة فالاضافة بيانيّة {فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} حين آجالهم المقدّرة وقصّة قوم يونس (ع) وانكارهم عليه ودعائه عليهم ومسألته نزول العذاب وعدم اجابة الله له ومراجعته فى ذلك مراراً، حتّى اجابه الى ذلك ومشورته بعد ذلك مع تنّوخا العابد وتصديقه وتحريصه له (ع) على ذلك، لعدم علمه ومشورته مع روبيل الحكيم وعدم تصديقه له وسؤاله عند المراجعة فى دفع العذاب وردّ تنّوخا عليه، وفراره من القوم مع تنّوخا واقامة روبيل فيهم وترحّمه عليهم ودعائه لهم الى التّوبة وتعليم طريق التّوبة لهم وكشف العذاب وفرار يونس بعد كشف العذاب وابتلائه ببطن الحوت وعوده الى قومه مذكورة فى المفصّلات.
اطفيش
تفسير : {فَلوْلا} للتوبيخ والتنديم {كانَتْ قَريةٌ} أى أهل قرية، أو أطلق القرية على أهلها للحالية والمحلية {آمنَتْ فَنفَعَها إيمانُها} وبخ أهل القرى وندمهم على ما فاتهم من أن يؤمنوا، فينفعهم إيمانهم، بأن يوقعوه قبل معاينة عذاب وجه إليهم، وذلك أنهم لم يؤمنوا إلا بعد المعاينة، هذا ما ظهر لى فى تفسير الآية، ولولا على الصناعة. وقرأ ابن مسعود: فهلا كانت، وكذا فى مصحفه، وليست هلا التحصيصية بل التوبيخية والتنديمية، لأن التحضيض على أمر مستقبل لا ماض فائت، وقد تجعل لولا وهلا فى الآية للتحضيض على تنزيل ما مضى منزلة المستقبل، كأن أهل القرى الموتى أحياء حضهم على الإيمان وقت ينفع، ثم رأيت ابن هشام قال: إنها للتوبيخ كما قلت، قال: والظاهر أن المعنى على التوبيخ، أى فهلا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة تابت عن الكفر قبل مجئ العذاب، فنفعها ذلك، وهو تفسير الأخفش، والكسائى، والفراء، والنحاسى، ويؤيده قراءة أبىّ، وعبد الله بن مسعود فهلا انتهى. {إلاَّ قَومَ يُونسَ} استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا، لأن التوبيخ يقتضى عدم الوقوع، والمراد الناس فى قوله: {كانت قرية} كما مر، فكأنه قيل: ما كانت قرية آمنت بعد معاينة العذاب، فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، فلمراعاة معنى النفى من التوبيخ كانت النكرة، وهى قرية للعموم، وذلك أولى من قول الهروى: إن لولا هنا حرف نفى، ولا دليل له فى قراءة بعض برفع قوم على البدلية، لأن البدلية كما تجوز بعد النفى الصريح نحو: ما قام أحد إلا زيد، تجوز بعد غير الصريح كقولك: تغير المنزل إلا النوء والوتد، فباعتبار الظاهر يجب النصب بذكر المستثنى منه، وكذا حيث استتر ضميره، والكلام إيجاب لكن رفع نظرا إلى أن المعنى: لم يبق المنزل على حاله إلا النوء والوتد. {لمَّّا آمنُوا} بعد معاينة عذاب وجه إليهم {كَشفْنا} أنزلنا {عَنْهم عَذابَ الخِزْى فى الحَياةِ الدُّنْيا ومتَّعْناهُم} أحييناهم فى منفعة لهم دنيوية وأخروية {إلىَ حِينٍ} هو حين آجالهم، والأكثر أنهم رأوا العذاب، فلذلك صح استثناؤهم ممن رآه فلم ينفعه إيمانه: وقيل: لم يروه، وعليه فالاستثناء منقطع، وكذا هو منقطع على قول من قال: إن أهل تلك القرى آمنوا بعد معاينة العذاب ووقوعه عليهم، لأن قوم يونس عاينوه، ولم يقع عليهم، لكن الظاهر أن العذاب الموجه إلى قوم لكفرهم إذ رأوه، ولو لم يقع عليهم فى حينهم، كالواقع فى أنه لا يرد، ولا تنفع التوبة إلا قوم يونس، فإن لله الحكم بما شاء، وحكمه كله حكمة وعدل. وقيل: نفعتهم توبتهم بأنها قبل نزوله عليهم، بخلاف توبة فرعون، فإنها بعد المباشرة، وقيل: لصدق نيتهم، بخلاف فرعون، فإن نيته لم تصدق فيما قيل إنما أراد دفع البلية الحاضرة، أو كانت فى شك كما مر. قال صاحب عرائس القرآن وغيره: لم ينسب أحد إلى أمة إلا عيسى ويونس بن متى، وقيل: متى أبوه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغى لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، قال الله عز وجل: {وذا النُّون إذْ ذهب مُغاضباً} ". تفسير : وكان رجلا صالحا يتعبد فى جبل كان من أهل قرية من قرى الموصل تسمى نينوى، كان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله إليهم، وكان لا يصبر مع الناس، فلحق بالجبل يعبد فيه، وكان حسن القراءة تستمع الوحوش إلى قراءته كداود، وكانت تعتريه حدة، وكان قليل الصبر على قومه، قليل المداراة لهم، ولذلك نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله، لعجلة ظهرت منه، ولا تكن كصاحب الحوت. زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت فى يونس خفة وعجلة، فلما حمل أعباء النبوة تفسح تحتها تفسح الرابع تحت الحمل". قال على بن أبى طالب: بعث الله تعالى يونس إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة، وقام يدعوهم ثلاثا وثلاثين سنة فلم يؤمنوا، إلا رجلان: روبيل وكان عالما حكيما، وبنوحا وكان زاهدا عابدا، قال ابن مسعود: لما أيس منهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت على عبادى، ارجع إليهم وادعهم أربعين ليلة، فإن أجابوك وإلا فإنى مرسل عليهم العذاب، فرجع فدعاهم سبعا وثلاثين ليلة فلم يجيبوه، فقام خطيبا فيهم، فقال: إنى محذركم العذاب إلى ثلاثة أيام إن لم تؤمنوا، وقيل: حذرهم العذاب من أول الأربعين إن لم يؤمنوا لتمامها وآية ذلك: أن تغير ألوانكم، فقالوا: إنه رجل لم يجرب عنه كذب قط، فانظروا فإن بات فيكم ليلة الثالثة فليس ذلك بشئ، وإلا فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فآمنوا قبل أن ينزل عليكم، فتغيرت ألوانهم ليلة الثالثة، فرأوا تغيرها، وخرج ولم يبت فيهم. فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، قال سعيد بن جبير: كما يغشى الثوب القبر إذ أدخل فيه صاحبه، وقال مقاتل: كان فوقهم قدر ميل، وقيل: أربعة أميال، وعن ابن عباس: قدر ثلث ميل، وعنه ثلثى مثل، وعن قتادة، ووهب: أن السماء غامت غيما أسود هائلا يرى منه دخان شديد، وهبط حتى غشا مدينتهم، واسودت سطوحهم، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأيقنوا بالهلاك، وبصدق يونس، فقذف الله فى قلوبهم التوبة، وألهمهم حتى خرجوا إلى الصعيد بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرقوا بين كل امرأة أو دابة وولدها، ليزدادوا ضجيجا، ويحن بعضهم إلى بعض، فعلت أصواتهم، واختلطت، وتضرعوا وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم، وقبل توبتهم، وكشف العذاب عنهم يوم عاشوراء يوم الجمعة، وقيل: نصف شوال يوم الأربعاء. قال ابن مسعود: بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادوا المظالم حتى كان الرجل يأتى حجرا ووضع عليه أساس بنيانه فيقلعه ويرده لصاحبه. وروى صالح المرى، عن أبى عمران الجونى، عن أبى الخلد: لما غشيهم العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ قال: قولوا: يا حىّ حين لا حى، ويا حىّ محى الموتى، ويا حىّ لا إله إلا أنت، فقالوا ذلك، فكشف عنهم. وقال الفضيل بن عياض، قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وجعل ينتظر العذاب فلم ينزل بهم، فقيل له: ارجع إليهم، فقال: كيف أرجع إليهم وقد وعدتهم بالعذاب ولم يعذبوا، وكانوا يقتلون من كذب.
اطفيش
تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَتْ} أَى تكون {قَرْيَةٌ} من القرى التى استؤصلت بالعذاب {آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} أَى هلا كان أَهل قرية آمنوا بعد مجىءِ العذاب إِليهم وحضوره فنعم إِيمانهم بأَن كان قبل حضور الوعيد فحذف المضاف فرجعت الضمائر إِلى ما لا يليق بالمضاف إِليه من الإِفراد والتأْنيث أَو أُريد بقرية أَهلها تسمية للحال باسم المحل، وروعى لفظها فلا حذف، وزعم بعض أَن القرية وضعت لأَهلها أَيضاً على الاشتراك والمراد أَهل القرية العاصون أَو المشرفون على الهلاك، ولولا حرف تحضيض فكيف يحضهم على شىءِ خصه بقوم يونس، وهو قبول التوبة بعد حضور العذاب كما قال {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} والاستثناءُ متصل وصح الاستثناءُ لأَن التحضيض دال على الانتفاءَ قبله الجواب، إِما أَنه حضهم على ما يمكن من التوبة لو أُوتوا به كما أُوتوا به قوم يونس على أَن المشاهد تقبل توبته لو أَتى بها كما أَتى بها قوم يونس وأَما أَ لا يعد اسوداد سقوفهم وحيطانهم والدخن حضور عذاب، ولو كان من أَجل ما توجه إِليهم من العذاب ومقدمة له، وقد قيل أَن أَمارة العذاب ليست حضورا له ولا مشاهدة ويجوز أَن يكون التحضيض على التوبة قبل حضور العذاب فيكون الاستثناءُ منقطعاً لأَن قوم يونس تابوا بعد حضوره فإِنه لا يخفى أَن ذلك الاسوداد حضور لكن حضور أَمارة أَى لكن قوم يونس ويجوز أَن يكون للتوبيخ وهم يعبدون الأَصنام فى نينوى من الموصل ومن حضره العذاب، رفع عنه التكليف فلا ينفع قول ولا عمل بخلاف الصبيان فإِنه يقبل عملهم مع أَنه لا تكليف {لَمَّا آمنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال ابن مسعود وقتادة: لم يكن ذلك إِلا لقوم يونس، وعليه الجمهور، وقال الزجاج والقرطبى: لم يروا العذاب بل أَمارته وهو الاسوداد والدخان ولو رأَوا عين العذاب لم ينفعهم إِيمانهم، والمانع من القبول التلبس بالعذاب لا أَمارته فهم كمريض يرجو الشفاءَ قال بعض: يرى قوم يونس دليل العذاب فآمنوا، وقيل رأَوا العذاب عيانا بدليل قوله كشفنا فإِن الكشف لا يكون إِلا بعد شروع أَو قربه، ونسبه بعض للجمهور، وعذاب الخزى هو الدخان والسواد، غامت السماءُ غيماً شديداً أَسود هائِلاً يدخن دخاناً شديداً وكان فوق رءُوسهم، ويقال غشيهم كما يغشى الثوب القبر، ويقال بينه وبينهم قدر ثلثى ميل، ويقال قدر ميل لما عصوه أَخبرهم أَن العذاب مصبحهم إِلى ثلاث أَو إِلى ثلاثين أَو أَربعين، فقالوا: لم نجرب عليه كذباً قط، فإِن لم يصبح فيكم فقد صدق، فخرج جوف الليل فغشيهم العذاب صبحاً يوم عاشوراءَ يوم الجمعة فتابوا وردوا المظالم حتى كان الرجل يقلع الحجر الحرام من أَصل بنيانه، وخرجوا إِلى الصحراءِ لابسين المسوح باكين مفرقين بين الأَولاد والأمهات منهم ومن الدواب، وعلت الأَصوات وقالوا: بأَمر شيخ بقى من علمائِهم: يا حى حين لا حى، ويا حى يحيى الموتى، ويا حى لا إِله إِلا أَنت، اللهم إِن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأَنت أَعظم وأَجل، فافعل بنا ما أَنت أَهله ولا تفعل بنا ما نحن أَهله، فانصرف العذاب، وقيل: عجوا إِلى الله تعالى أَربعين يوما، ولم يعلم يونس بتوبتهم وانصرافه، وكانوا يقتلون الكاذب فانصرف مغاضبا. {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} حين انقضاءِ أَجلهم، قيل إِلى ارتفاع القرآن وذهاب الكعبة إِلا أَولادهم الآتين بعد ذلك، إِلا أَنهم يتناسلون ويموتون وخفوا عن الأَعين كالجن كما فعل بالخضر، وقيل يظهرون أَيام المهدى ويكونون من أَنصاره ثم يموتون، وقيل يموتون يوم القيامة، ولا يصح لأَنها لا تقوم إِلا على من لا يعرف الله ولا يذكره، ولعل المراد قرب قيام الساعة كرفع القرآن والكعبة، وخروج المهدى والدجال، أَو أَخرجهم الله إِلى أَرض فى غير المعمور.
الالوسي
تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَتْ} كلام مستأنف لتقرير هلاكهم و {لَوْلاَ} هنا تحضيضية فيها معنى التوبيخ كهلا ومثلها ما في قول الفرزدق: شعر : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمى المقنعا تفسير : ويشهد لذلك قراءة أبـي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما {فهلا}، والتوبيخ على ما نقل عن السفاقسي على ترك الإيمان المذكور بعد؛ {وَكَانَ} كما اختاره بعض المحققين ناقصة، وقوله تعالى: {قَرْيَةٌ} اسمها، وجملة قوله سبحانه: {آمَنتُ} خبرها، وقوله جل شأنه: {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} معطوف على الخبر، أي فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكت هلاك الاستئصال آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إيمانها إلى حين معاينته كما أخر فرعون إيمانه فنفعها ذلك بأن يقبله الله تعالى منها ويكشف بسببه العذاب عنها، وذهب السمين وغيره إلى أنها تامة و {قَرْيَةٌ} فاعلها وجملة {آمَنتُ} صفة و (نفعها) معطوفة عليها. وتعقب بأنه يلزم حينئذ أن يكون التحضيض والتوبيخ على الوجود مع أنه ليس بمراد. وأجيب بأنه لا مانع من أن يكون التحضيض على الصفة وحينئذ لا غبار على ما قيل، وأياً ما كان فالمراد بالقرية أهلها مجازاً شائعاً والقرينة هنا أظهر من أن تخفى. وقوله تبارك وتعالى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء منقطع كما قال الزجاج وسيبويه والكسائي وأكثر النحاة أي لكن قوم يونس {لَمَّآ آمَنُواْ} عندما رأوا أمارات العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله {كَشَفْنَا عَنْهُمُ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ} أي الذل والهوان {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بعد ما أظلهم وكاد / ينزل بهم {وَمَتَّعْنَٰهُمْ} بمتاع الدنيا بعد كشف العذاب عنهم {إِلَىٰ حِينٍ} أي زمان من الدهر مقدر لهم في علم الله تعالى. ونقل عن ابن عباس أن المراد إلى يوم القيامة فهم اليوم أحياء إلا أن الله تعالى سترهم عن الناس على حد ما يقال في الخضر عليه السلام، ورأيت في بعض الكتب ما يوافقه إلا أنه ذكر فيه أنهم يظهرون أيام المهدي ويكونون من جملة أنصاره ثم يموتون والكل مما لا صحة له. وقال آخرون: الاستثناء متصل، ويراد من القرية أهلها المشرفون على الهلاك. وقيل: العاصون ويعتبر النفي الذي يشعر به التحضيض وهو مشعر بالأمر أيضاً ولذا جعلوه في حكمه إلا أنه لا يصح اعتباره على تقدير الاتصال لما يلزمه من كون الإيمان من المستثنين غير مطلوب وهو غير مطلوب بل فاسد، وقيل: لا مانع من ذلك على ذلك التقدير لأن أهل القرى محضوضون على الإيمان النافع وليس قوم يونس محضوضين عليه لأنهم آمنوا، والذوق يأبـي إلا اعتبار النفي فقط حال اعتبار الاتصال، ويكون قوله سبحانه: {لَمَّآ آمَنُواْ} استئنافاً لبيان نفع إيمانهم. وقرىء {إِلاَّ قَوْمُ} بالرفع على البدل من {قَرْيَةٌ} المراد بها أهلها، وأيد بذلك القول بالاتصال واعتبار النفي لأن البدل لا يكون إلا في غير الموجب، وخرج بعضهم هذه القراءة على أن {إِلا} بمعنى غير وهي صفة ظهر إعرابها فيما بعدها كما في قوله على رأي. شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدانتفسير : وظاهر كلامهم ان الاستثناء مطلقاً من {قَرْيَةٌ}، وعن الزمخشري أنه على الأول من القرية لا من الضمير في {آمَنتُ} وعلل بأن المنقطع بمعنى لكن فيتوسط بين الكلامين المتغايرين فلا يعتمد ما لا يستقل ولأنه لا مدخل للوصف أعني الإيمان في المستثنى منه فالاستثناء عن أصل الكلام، وأما على الثاني فهو استثناء من الضمير من حيث المعنى جعل في اللفظ منه أو من القرية إذ لا فرق في قولك: كان القوم منطلقين إلا زيداً بين جعله من الاسم أو من الضمير في الخبر لأن الحكم إنما يتم بالخبر، وإنما الفرق في نحو ضربت القوم العالمين إلا زيداً، ثم قال: ونظير هذا في الوجهين قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلآ آلَ لُوطٍ}تفسير : [الحجر: 58-59] ووجه ذلك ظاهر. وفي الكشف أن وجه الشبه اختلاف معنى الهلاك على الوجهين كاختلاف معنى الإرسال هنالك على الوجهين، وكأنه عني بالهلاك المأخوذ قيداً في قوله فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها فتدبر. وفي {يُونُسَ} لغات تثليث النون مهموزاً وغير مهموز والمتواتر منها الضم بلا همز. وكانت من قصة هؤلاء القوم على ما روي عن غير واحد أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوي من أرض الموصل وكانوا أهل كفر وشرك فدعاهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده وترك ما يعبدون من الأصنام فأبوا عليه وكذبوه فأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث فلما كانت الليلة الثالثة ذهب عنهم من جوف الليل فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم ليس بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، وجاء أنه غامت السماء غيما أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسطحتهم فلما أيقنوا بالهلاك طلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وفرقوا بين الوالدة وولدها من الناس والدواب فحن البعض إلى البعض وعلت الأصوات / وعجوا جميعا وتضرعوا إليه تعالى وأخلصوا النية فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب وكان ذلك يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة. قال ابن مسعود: إنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع أساس بنيانه عليه فيلعه ويرده إلى صاحبه، وجاء في رواية عن قتادة أنهم عجوا إلى الله تعالى أربعين صباحاً حتى كشف ما نزل بهم، وأخرج أحمد في «الزهد» وابن جرير وغيرهم عن ابن غيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: ما ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي ويا حي محيـي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف عنهم العذاب، وقال الفضيل بن عياض: قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وكان يونس عليه السلام إذ ذهب عنهم قعد في الطريق يسأل الخبر كما جاء مرفوعاً فمر به رجل فقال له: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم وانطلق مغاضباً حسبما قصه الله تعالى في غير هذا الموضع مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وظاهر الآية يستدعي أن القوم شاهدوا العذاب لمكان {كَشَفْنَا} وهو الذي يقتضيه أكثر الإخبار وإليه ذهب كثير من المفسرين، ونفع الإيمان لهم بعد المشاهدة من خصوصياتهم فإن إيمان الكفار بعد مشاهدة ما وعدوا به إيمان بأس غير نافع لارتفاع التكليف حينئذٍ وعادة الله إهلاكهم من غير إمهال كما أهلك فرعون، والقول بأنه بقي حياً إلى ما شاء الله تعالى وسكن أرض الموصل من مفتريات اليهود.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا. والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود، وهم أهل مكة فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به، وللإفضاء به إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية. و(لولا) حرف يرد لمعان منها التوبيخ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط، لأن أهل القرى قد انقضوا، وذلك أن أصل معنى (لولا) التحضيض، وهو طلب الفعل بحَثّ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى: {أية : ولَولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا}تفسير : [النور: 16]. وإذا توجه الكلام الذي فيه (لولا) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه، كقوله: {أية : لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء}تفسير : [النور: 13] وقوله: {أية : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا}تفسير : [الأنعام: 43] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود (كان) الدالة على المضي والانقضاء. والمقصود: التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنَن أهل القرى. قال تعالى: {أية : ما آمنتْ قبلهم من قرية أهلكناها أفَهُم يؤمنون}تفسير : [الأنبياء: 6]، ونظير هذه الآية استعمالاً ومعنى قوله تعالى: {أية : فلولا كان من القرون من قبلكم أولُوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم}تفسير : [هود: 116]، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب. والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس، توقعاً لنزول العذاب، وقبل أن ينزل بهم العذاب، وذلك دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى، وأن ليست لقوم يونس خصوصية، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءاً منقطعاً. وإذ كان الكلام تغليطاً لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل، وتعريضاً بالتحذير مما وقعوا فيه. كان الكلام إثباتاً صريحاً ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري: «يا أهل ذا المغْنَى وقيتم ضُراً» أي كل ضر لا ضراً معيناً، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار العموم، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله: {إلا قومَ يونس} فهذا وجه تفسير الآية. وجرى عليه كلام العُكبري في «إعراب القرآن»، والكواشي في «التخليص» وجمهور المفسرين جعلوا جملة: {فلولا كانت قرية آمنت} في قوة المنفية، وجعلوا الاستثناء منقطعاً منصوباً ولا داعي إلى ذلك. وجملة: {لمّا آمنوا} مستأنفة لتفصيل مجمَل معنى الاستثناء. وفي الآية إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم الله معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية العذاب. وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم به عدة وعُدة، فيكاد يحل بهم عذاب استئصال لولا أنهم عجّلوا بالإيمان يوم الفتح. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنتُم الطلقاء»تفسير : . وقوم يونس هم أهل قرية نَيْنَوَى من بلاد العراق. وهم خليط من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر. وكانت بعثة يونس إليهم في أول القرى الثامن قبل المسيح. وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة الأنعام. ولما كذّبه أهل نَيْنَوَى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوماً، وخرج من المدينة غاضباً عليهم، فلمّا خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا بالله فقبل الله إيمانهم ولم يعذّبهم. والمذكور أنهم رأوا غيماً أسود بعد مضي خمسة وثلاثين يوماً من حين توعدهم يونس ـ عليه السلام ـ بحلول العذاب فعلموا أنه مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا لله تعالى فأمسك عنهم العذاب. وسيجيء ذكر ما حل بيونس ـ عليه السلام - في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء. والكشف: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع. والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلاً لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع. والخزي: الإهانة والذل. وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن العذاب كله خزي، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها الله لقوم فقد أراد إذلالهم، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقية للتخصيص، ويكون المراد من الخزي الحالة المتصورة من حلوله. وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل الخسف والحرق والغرق، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم، وهو عذاب السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح مكة فنجاهم الله منه كما نجّى قوم يونس. و{في الحياة الدنيا} صفة لـ {عذاب الخزي} للإشارة إلى أن العذاب الذي يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة، وأن الأمم التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة. والتمتيع: الإمهال. وإبهام {حين} لأنه مختلف باختلاف آجال أحادهم، والمراد به التمتيع بالحياة لا بكشف العذاب، لأنهم بعد موتهم ناجون من العذاب إذ كانوا قد آمنوا وأخلصوا. ولعل الحكمة في نجاة قوم يونس تتمثل في أمرين: أحدهما: أن الله علم أن تكذيبهم يونس ـ عليه السلام ـ في ابتداء دعوته لم يكن ناشئاً عن تصميم على الكفر واستخفاف بعظمة الله، ولكنه كان شكاً في صدق يونس ـ عليه السّلام ـ. ولعل ذلك أنهم كانوا على بقية من شريعة موسى ـ عليه السّلام ـ وإنما حرّفوا وحادوا عن طريق الإيمان مما يعلمه الله، فإن في نَيْنَوَى كثيراً من أسرى بني إسرائيل الذين كانوا في أسر الأشوريين كما علمت آنفاً، فلما أوعدهم يونس ـ عليه السّلام ـ بالعذاب بعد أربعين يوماً ورأوا أماراته بعد خمسة وثلاثين يوماً اهتدَوا وآمنوا إيماناً خالصاً. وثانيهما: أن يونس ـ عليه السّلام ـ لمّا صدرت منه فلتة المغاضبة كان قد خلط في دعوته شيئاً من حظ النفس وإن كان لفائدة الدين، فقدر الله إيمان قومه لعلمه كمال الإيمان والصبر والتسليم لله، وهذا عتاب وتأديب بينه وبين ربه، ولذلك حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمةَ من توهم أنّ ما جرى ليونس ـ عليه السّلام ـ من المغاضبة والمعاقبة ينقص من قدره فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنَا خير من يونس بن متّى»تفسير : يعني في صحة الرسالة لا في التفاضل فيها. وقد كان حال أهل مكة كحال قوم يونس إذ بادروا إلى الإيمان بمجرد دخول جيش الفتح مكة وقبل أن يقعُوا في قبضة الأسر، ولذلك لم ينج منهم عبدُ الله بن خطل، لأنه لم يأت مُؤمناً قبل أن يتمكن منه المسلمون ولم ينفعه التعلق بأستار الكعبة لأن ذلك التعلق ليس بإيمان وإنما هو من شعار العوذ في الجاهلية بما أبطله الإسلام إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الحرم لا يعيذ عاصياً»تفسير : . وقد بيّنّا في آخر سورة غافر (84) عند قوله تعالى: {أية : فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده.. }تفسير : إلى آخر السورة فانظره.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن إيمان قوم يونس ما نفعهم إلا في الدنيا دون الآخرة، لقوله: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. ويفهم من مفهوم المخالفة في قوله: {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أن الآخرة ليست كذلك، ولكنه تعالى أطلق عليهم اسم الإيمان من غير قيد في سورة"الصافات" والإيمان منقذ من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، كما أنه بين في "الصافات" أيضاً كثرة عددهم وكل ذلك في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الصافات: 147-148].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 98- لو أن كل قرية من القرى تؤمن؛ لنفعها إيمانها، لكنها لم تؤمن، فلم يكن النفع إلا لقوم يونس، فإنهم لما آمنوا وجدوا النفع لهم، فكشفنا عنهم الخزى وما يترتب عليه من آلام، وجعلناهم فى متعة الدنيا الفانية حتى كان يوم القيامة. 99- ولو أراد الله إيمان من فى الأرض جميعاً لآمنوا، فلا تحزن على كفر المشركين، ولا إيمان مع الرغبة؛ فلا تستطيع أن تكره الناس حتى يذعنوا للحق ويستجيبوا له، فليس لك أن تحاول إكراههم على الإيمان، ولن تستطيع ذلك مهما حاولت. 100- لا يمكن لإنسان أن يؤمن إلا إذا اتجهت نفسه إلى ذلك، وهيَّأ الله لها الأسباب والوسائل، أما من لم يتجه إلى الإيمان فهو مستحق لسخط الله وعذابه، وسنة الله أن يجعل العذاب والغضب على الذين ينصرفون عن الحُجج الواضحة ولا يتدبرونها. 101- قل - يا أيها النبى - لهؤلاء المعاندين: انظروا إلى ما فى السموات والأرض من بينات ترشد إلى ألوهيته ووحدانيته، ففيها ما يقنعكم بالإيمان. ولكن الآيات على كثرتها، والنذر على قوتها، لا تغنى عن قوم جاحدين لا يتعقلون، إذا لم يؤمن هؤلاء الجاحدون فلن ينظروا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلولا: أداة تحضيض هنا بمعنى هلاّ وفيها معنى التوبيخ والنفي. قرية آمنت: أي أهل قرية آمنوا. يونس: هو يونس بن مَتَّى نبي الله ورسوله. إلى حين: أي إلى وقت انقضاء آجالهم. أفأنت تكره الناس: أي إنك لا تستطيع ذلك. إلا بإذن الله: أي بإرادته وقضائه. الرجس: أي العذاب. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الخسران لازم لمن كذب بآيات الله، وأن الذين وجب لهم العذاب لإِحاطة ذنوبهم بهم لا يؤمنون لفقدهم الاستعداد للإِيمان ذكر هنا ما يحض به أهل مكة على الإِيمان وعدم الإِصرار على الكفر والتكذيب فقال: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا} أي فهلا أهل قرية آمنوا فانتفعوا بإيمانهم فنجوا من العذاب اللازم لمن لم يؤمن أي لِمَ لا يؤمنون وما المانع من إيمانهم وهذا توبيخ لهم. وقوله {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فلم نهلكهم بعذاب استئصال وإبادة شاملة لأنهم لما رأوا أمارات العذاب بادروا إلى التوبة قبل نزوله بهم فكشف الله تعالى عنهم العذاب، ومتعهم بالحياة إلى حين انقضاء آجالهم فما لأهل أم القرى لا يتوبون كما تاب أهل نَيْنَوى من أرض الموصل وهم قوم يونسَ عليه السلام. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} يحمل دلالتين الأولى أن عرض الله تعالى الإِيمان على أهل مكة وحضهم عليه وتوبيخهم على تركه لا ينبغي أن يفهم منه أن الله تعالى عاجز عن جعلهم يؤمنون بل لو شاء إيمانهم لآمنوا كما لو شاء إيمان أهل الأرض جميعاً لآمنوا والثانية تسلية الرسول والتخفيف عنه من ألم وحزن عدم إيمان قومه وهو يدعوهم بجد وحرص ليل نهار فأعلمه ربه أنه لو شاء إيمان كل من في الأرض لآمنوا، ولكنه التكليف المترتب عليه الجزاء فيعرض الإِيمان على الناس عرضاً لا إجبار معه فمن آمن نجا، ومن لم يؤمن هلك ويدل على هذا قوله له {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي إن هذا ليس لك، ولا كلفت به، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تقرير وتأكيد لما تضمنه الكلام السابق من أن الإِيمان لا يتم لأحد إلا بإرادة الله وقضائه، وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي إلا أنه تعالى يدعو الناس إلى الإِيمان مبيناً لهم ثمراته الطيبة ويحذرهم من التكذيب مبيناً لهم آثاره السيئة فمن آمن نجاه وأسعده ومن لم يؤمن جعل الرجس الذي هو العذاب عليه محيطاً به جزاء له لأنه لا يعقل إذ لو عقل لما كذب ربه وكفر به وعصاه وتمرد عليه وهو خالقه ومالك أمره. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده دعوته إياهم إلى الإِيمان به وحضهم عليه. 2- قبول التوبة قبل معاينة العذاب، ورؤية العلامات لا تمنع من التوبة. 3- إرادة الله الكونية التي يكون بها الأشياء لا تتخلف أبداً، وإرادته الشرعية التكليفية جائزة التخلف. 4- لا إيمان إلا بإذن الله وقضائه فلذا لا ينبغي للداعي أن يحزن على عدم إيمان الناس إذا دعاهم ولم يؤمنوا لأن الله تعالى كتب عذابهم أزلاً وقضى به.
القطان
تفسير : الخزي: الذل والهوان. الى حِين: الى مدة من الزمن. الرِجْس: العذاب. بعد ان بيّن الكتاب أن الّذين حقّت عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، جاء بهذه الآيات الثلاثِ لبيان سُنن الله تعالى في الأُمم مع رسلهم، وفي خلق البشر مستعدّين للإيمان والكفر، والخير والشر؛ وفي مشيئة الله وحُكمنه بأفعاله وأفعال عباده، وبيّن أن قوم يونُس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الايمان. {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}. ولو أن أي قريةٍ من القرى تؤمن لنَفَعَها إيمانُها، إلا قوم يونس. فقد بُعث الى أهلِ نِينَوى بأرض الموصل، فدعاهم الى الايمان بالله وحده وترك ما يعبدون من الاصنام. ولم يستجيبوا له، فأخبرهم أن العذابَ آتيهم قريبا وتَرَكَهم ورحل عنهم. فلما أيقنوا بالهلاكِ آمنوا، فوجوا النفع لهم، فكشفنا عنهم عذاب الخِزي وما يترتّب عليه متَعناهم في الحياة الدنيا حيناً من الزمن. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}. ولو أراد اللهُ ان يؤمنَ أهل الأرض كلُّهم لآمنوا، فلا تحزنْ على كفرِ المشركين، فأنت لا تستطع ان تُكره الناس على ان يؤمنوا بالله. وقد اقتضت حكمة ربك ان يخلق البشر على هذه الحالة مستعدّين للخير والشر والكفر والإيمان. فليس لك أن تحاولَ إكراههم على الايمان. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. ما كان لنفسٍ (بمقتضى ما أعطاها الله من الاختيار والاستقلال في الافعال) ان تؤمن إلا بارادة الله ومقتضى سننه في نظام هذا الكون. {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}. فإذا كان كل شيء بمشيئته وتيسيره، فسُنّةُ الله ان يجعل العذاب والغضب على الّذين ينصرفون عن الحجج الواضحة ولا يتدبّرونها. قراءات: قرأ أبو بكر: "ونجعل" بالنون، والباقون: "ويجعل" بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَتْ} {إِيمَانُهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْحَيَاةَ} {وَمَتَّعْنَاهُمْ} (98) - لَمْ تُوجَدْ قَرْيَةٌ آمَنَ أَهْلُهَا جَمِيعاً بِنَبِيِّهِمْ، مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ القُرْى، إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى، وَمَا كَانَ إِيمَانُهُمْ إِلاَّ تَخَوُّفاً مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِم العَذَابُ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، فَبَعْدَ أَنْ خَرَجَ عَنْهُمْ نَبِيُّهِمْ مُغَاضِباً، وَعَايَنُوا أَسْبَابَ العَذَابِ، جَأَرُوا إِلى اللهِ بِالدُّعَاءِ، وَاسْتَغَاثُوا وَتَضَرَّعُوا إِلى رَبِّهِمْ، وَأَحْضَرُوا أَطْفَالَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَسَأَلُوا اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ العَذَابَ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، فَعِنْدَمَا رَحِمَهُمُ اللهُ، وَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذَابَ، وَمَتَّعَهُمُ اللهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا إِلى زَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الوَقْتُ الذِي يَعِيشُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ سُنَنِ اللهِ. عَذَابُ الخِزْي - الذُّلُّ وَالهَوَانُ.
الثعلبي
تفسير : {فَلَوْلاَ} أي فهلاّ، وكذلك هي في حرف عبد الله وأُبي، قال الشاعر: شعر : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم [بني ضوطري] لولا الكميّ المقنعا تفسير : أي فهلاّ. وقرأ في الآية: (فلا تكن قرية) لأن في الاستفهام ضرباً من الجحد. {آمَنَتْ} عند معاينتها العذاب {فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا} في وقت اليأس {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} فإنّهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت لما علم من صدقهم. قال أهل النحو: قومَ منصوب على الاستثناء المنقطع، وإن شئت قلت من جنسها لأن القوم مستثنى من القرية، ومنجون من الهالكين، وتقديره: لكن قوم يونس كقول النابغة: شعر : وقفت فيها أُصيلاناً أسائلها أعيت جواباً وما بالربع من أحد ألا الأواري لأياً ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وفي يونس ست لغات، ضم النون، وقرأ [...] بضمّ الياء لكثرة من قرأ بها، وقرأ طلحة والأعمش والحميري وعيسى بكسر النون، وعن بعضهم بفتح النون، وروى أبو قرظة الأنصاري عن العرب همزة مع الضمة والكسرة والفتحة. {لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} وهو وقت انقضاء آجالهم، قال بعضهم: إنّما نفعهم إيمانهم في وقت اليأس لأن آجالهم بقى منها بقية فنجوا لما بقي من آجالهم، فأما إيمان من انقضى أجله فغير نافع عند حضور العذاب. وقصة الآية على ما ذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير والسدّي ووهب وغيرهم أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب يجيئهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك فقالوا: إنّا لم نجرِّب عليه كذباً فانظروا، فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلمّا كان في جوف الليل خرج ماشياً من بين ظهرانيهم فلمّا أصبحوا تغشّاهم العذاب كما يغشي الثوب القصير إذا أدخل فيه صاحبه. قال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل. قال ابن عباس: قدر ثلثي ميل. قال وهب: غامت السماء غيماً أسود هائلا يدخل دخاناً شديداً، وهبط حتى غشى مدينتهم واسودّت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيّهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا النية، وفرّقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحنّ بعضهم إلى بعض، وعلت أصواتهم واختلطت أصواتها بأصواتهم وحنينها بحنينهم، وعجوا وضجوا إلى الله تعالى وقالوا: آمنّا بما جاء به يونس، فرحمهم ربّهم واستجاب دعاءهم، وكشف عنهم العذاب بعدما أظلّهم وتدلّى إلى سمعهم، وذلك يوم عاشوراء. قال ابن مسعود: بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادّوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس فيقلعه ويردّه. وروى صالح المري عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد، قال: لما غشى قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال: قولوا: يا حيّ حين لا حي ويا حي [يا] محيي الموتى، ويا حي لا إله إلاّ أنت، فقالوها،فكشف عنهم العذاب ومُتّعوا إلى حين. قالوا: وكان يونس (عليه السلام) وعدهم العذلب فخرج ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم يرَ شيئاً، وكان من كذب ولم تكن له بيّنة قتل، فقال يونس لما كشف عنهم العذاب: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتباً على ربه، مغاضباً لقومه فأتى البحر [فإذ سفينة قد شحنت] فركب السفينة [لوحده] بغير أجر، فلمّا دخلها وقفت السفينة، والسفن تسير يميناً وشمالا قالوا: ما لسفينتكم؟ قال يونس: إنّ فيها عبداً آبقاً ولا تجري ما لم تلقوه، فقالوا: وأنت يا نبي العبد فلا نلقيك، فاقترعوا فوقعت القرعة عليه ثلاثاً فوقع في الماء ووكل عليه حوت فابتلعه. قال ابن مسعود: فابتلعه الحوت وجرى به حتى أتاه إلى قرار الأرض، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر [عرياناً]، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فجعل يستظلّ بها، ووكل الله به سخلا يشرب من لبنها، فيبست الشجرة فبكى عليها، فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف إنسان أُهلكهم فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس، قال الغلام: إن كنت يونس فقد تعلم أنه لم يكن لي بينة، [فإنْ] قلت: فمن يشهد لي؟ قال يونس: يشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، قال الغلام: أراهما؟ قال يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، فقال للملك: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، وكان له أخوة وكان في منعة فأمر الملك بقتله، فقال: إنّ لي بينة فانسلّوا معه إلى البقعة والشجرة، فقال الغلام: أنشدكما هل أشهدكما يونس؟ قالا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، قال ابن مسعود: فأقام لهم أميراً فيهم ذلك الغلام أربعين سنة. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} يا محمد {لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا} قال الحسين بن الفضل: لأضطرّهم إلى الإيمان. قال الأخفش: جاء بقوله: (جميعاً) مع (كل) تأكيداً كقوله:{أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [النحل: 51]. {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنّه لا يؤمن إلاّ من سبق له من الله سعادة في الكتاب الأول، ولا يضلّ إلاّ من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} قال الحسن: وما ينبغي لنفس. وقال المبرد: معناه وما كنت لتؤمن إلاّ بإذن الله. قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله، كقوله: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 102]. وقال الكوفي: ما سبق من قضائه. وقال [الدّاني]: بعلمه وتوفيقه. {وَيَجْعَلُ} أي ويجعل الله، وقرأ الحسن وعاصم بالنون {ٱلرِّجْسَ} العذاب والسخط. وقرأ الأعمش الرجز بالزاي {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} حجج الله في التوحيد والنبوة. {قُلِ} يا محمد لهؤلاء المشركين السائليك الآيات {ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الشمس والقمر والنجوم {وَٱلأَرْضِ} من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها من الآيات ثم قال: {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} في علم الله. {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ} يعني مشركي مكة {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} من الذين مضوا. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود، والعرب تسمي العذاب والنعيم: أياماً، كقوله تعالى:{أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم: 5] وكل ما مضى عليك من خير أو شر فهو أيام. {قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} معهم عند نزول العذاب، كذلك كما أنجيناهم. {كَذَلِكَ حَقّاً} واجباً، {عَلَيْنَا} غير شك، {نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بك يا محمد. وقرأ يعقوب: ننجي رسلنا بالتخفيف، وقرأ الكسائي وحفص: ننجي المؤمنين بالتخفيف وشدّدهما الآخرون،وهما لغتان فصيحتان أنجى يُنجي إنجاءً ونجّى ينجّي تنجية بمعنى واحد.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يبيِّن لنا الحق سبحانه أن هناك كثيراً من القرى لم تؤمن إلا وقت العذاب، فلم ينفع أيّاً منهم هذا الإيمان، ولكن قوم يونس قبل أن تأتي بشائر العذاب والبأس أعلنوا الإيمان فَقَبِل الحق سبحانه إيمانهم؛ لأنه سبحانه لا يظلم عباده. فمَنْ وصل إلى العذاب، وأعلن الإيمان من قلب العذاب لا يُقبَلُ منه، ومن أحس واستشفَّ بواكير العذاب وآمن فالحق سبحانه وتعالى يقبله. وكلمة "لولا" إذا سمعتها فمثلها مثل "لوما"، وإذا دخلت "لولا" على جملة اسمية فلها حكم يختلف عن حكمها لو دخلت على جملة فعلية، فحين تدخل على جملة اسمية مثل: "لولا زيد عندك لأتيتك" تفيد أن امتناع المجيء هو بسبب وجود زيد، لكنها إن دخلت على جملة فعلية فيقال عنها: "أداة تحضيض وحَثّ" مثل قول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [التوبة: 122]. أي: أنه كان يجب أن ينفر من كل طائفة عدد ليتدارسوا أمور الدين. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ..} [يونس: 98]. أي: أنه لو أن هناك قرية آمنت قبل أن ينزل بها العذاب لأنجيناها كما أنجينا قوم يونس، أو كنا نحب أن يحدث الإيمان من قرية قبل أن يأتيها العذاب. إذن: فقوم يونس هنا مُسْتثنون؛ لأنهم آمنوا قبل أن يأتيهم العذاب. وهناك آية أخرى تتعلق بهذه القصة، يقول فيها الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الصافات: 143-144]. أي: أن الذي منع يونس عليه السلام أن يظل في بطن الحوت إلى يوم البعث هو التسبيح. وهنا يبيِّن الحق سبحانه الاستثناء الذي حدث لقوم يونس حين يقول: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]. أي: أن الإيمان نفع قرية قوم يونس قبل أن يقع بهم العذاب. ولذلك يقول الحق سبحانه: {.. لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]. ونحن نعلم أن كلمة "قرية" تعني: مكاناً مُهيّأ، أهله متوطنون فيه، فإذا ما مَرَّ عليهم زائر في أي وقت وجد عندهم قِرىً أي: وجبة طعام. ونحن نجد من يقول عن الموطن كثير السكان كلمة "بلد"، وهؤلاء من يملكون طعاماً دائماً، أما من يكونون قلة قليلة في موطن ففي الغالب ليس عندهم من الطعام إلا القليل الذي يكفيهم ويكفي الزائر لمرة واحدة. وتسمى مكة المكرمة "أم القرى"؛ لأن كل القرى تزورها. وقرية قوم يونس اسمها "نينوى" قد حكى عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الذهاب للطائف، وهي قرية العبد الصالح يونس بن مَتَّى، وهي في العراق ناحية الموصل، ويونس هو من قال عنه الله سبحانه: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ..}تفسير : [الأنبياء: 87]. وكلمة "مغاضب" غير كلمة "غاضب"، فالغاضب هو الذي يغضب دون أن يُغضبه أحد، لكن المغاضب هو من أغضبه غيره. وكذلك كلمة "هجر"، ومهاجر، فالمهاجر هو من أجبره أناس على أن يهاجر، لكن من هجر هو من ذهب طواعية بعيداً. والمغاضبة - إذن - تكون من جهتين، وتسمى "مفاعلة". والحق سبحانه يقول: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87]. وسُمِّي سيدنا يونس عليه السلام بذى النون؛ لأن اسمه اقترن بالحوت الذي ابتلعه. وكلنا نعرف القصة، حينما دعا قومه إلى الإيمان وكفروا به في البداية؛ لأن الرسول حين يجيء إنما يجيء ليقوِّم الحياة الفاسدة؛ فيضطهده من يعيشون على الفساد؛ لأنهم يريدون الاحتفاظ بالجبروت الذي يسمح لهم بالسرقة والاختلاس وإرواء أهواء النفس، فلما فعلوا ذلك مع سيدنا يونس - عليه السلام - خرج مغاضباً، أي: أنهم أغضبوه. والمغاضبة - كما قلنا - من المفاعلة وتحتاج إلى عنصرين، مثلما أوضحنا أن الهجرة أيضاً مفاعلة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، بل ألجأه قومه إلى أن يهاجر، فكان لهم مدخل في الفعل. وأبو الطيب المتنبي يقول في هذا المعنى: شعر : إذَا ترحَّلت عن قومٍ وقد قَدروا ألاَّ تُغادِرهم فَالرَّاحِلون هُمُ تفسير : أي: إن كنت تعيش مع قوم، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم، فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد خروج يونس مغاضباً: {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ..}تفسير : [الأنبياء: 87]. أي: أنه رجَّح أن الحق سبحانه لن يُضيِّق عليه الأرض الواسعة، وسيهيىء له مكاناً آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين بعثه الله تعالى إليهم. وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه، لكن هذا الظن - والظن ترجيح حكم - يدلنا على أن معارضة دعوته كانت شديدة تُحْفِظ وتملأ القلب بالألم والتعب. وكان عليه أن يُوطِّن نفسه على مواجهة مشقات الدعوة. والقرية التي أرسِل إليها يونس عليه السلام هي قرية: "نينوى"، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم والغلام النصراني "عداس" الذي قابله صلى الله عليه وسلم في طريق عودته من الطائف. حديث : وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من حائط بستان. فلما رآه صاحبا البستان - عتبة وشيبة ابنا ربيعة - وما لقي من السفهاء؛ تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له عَدَّاس، فقالا له: خُذْ قِطْفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عَدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كُلْ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومنْ أهل أيِّ البلاد أنت يا عدَّاس، وما دينك؟". قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى"؛ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي"، فأكبَّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّل رأسه ويديه وقدميه. ولما سأل صاحبا البستان عدَّاساً عن صنيعه هذا. قال لهما: لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي . تفسير : ونحن نعلم أن العبد الصالح - يونس عليه السلام - قد تأثر وحزن وغضب من عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانية، إلى أن رأوا غَيْماً يملأ السماء وعواصف، وألقى الله تعالى في خواطرهم أن هذه العواصف هي بداية عذاب الله لهم؛ فَهُرعوا إلى ذوي الرأي فيهم، فأشاروا عليهم بأن هذه هي بوادر العذاب، وقالوا لهم: عليكم بإرضاء يونس؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أرسله، فآمِنوا به ليكشف عنك الغُمَّة. وهُرع الناس إلى الإيمان بالحي الذي لا يموت، الحيُّ حين لا حيَّ، والقيوم والمُحيي والمميت. وذهب قوم يونس عليه السلام لاسترضائه؛ وحين رضي عنهم بدأوا ينظرون في المظالم التي ارتكبوها، حتى إن الرجل منهم كان ينقض ويهدم جدار يته؛ لأنه فيه حجراً قد اختلسه من جار له. وكشف الله سبحانه وتعالى عنهم العذاب، وهنا يقول سبحانه: {.. كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]. ومن لوازم قصة يونس عليه السلام، ليست المغاضبة فقط، بل قصته مع الحوت، فقد كان عليه السلام بعد مغاضبته لقومه قد ركب سفينة، فلعبت بها الأمواج فاضطربت اضطراباً شديداً، وأشرفت على الغرق بركابها؛ فألقوا الأمتعة في البحر؛ لتخِفَّ بهم السفينة؛ فاستمر اضطرابها، فاقترعوا على أن يلقوا إلى البحر من تقع عليه القرعة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه السلام. مثلما نركب مصعداً، فنجد الضوء الأحمر وقد أضاء إنذاراً لنا بأن الحمولة زائدة، وأن المصعد لن يعمل فيخرج منه واحد أو أكثر حتى يتبقى العدد المسموح به، وعادة يكون الخارج من أحسن الموجودين خُلقاً، لأنهم أرادوا تسهيل أعمال الآخرين. كذلك كان الأمر مع السفينة التي ركبها يونس عليه السلام، كادت أن تغرق، فاقترعوا، وصار على يونس أن ينزل إلى البحر. والحق سبحانه يقول: {أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}تفسير : [الصافات: 141]. ونزل يونس عليه السلام إلى البحر فالتقمه الحوت وابتلعه. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن وجود سيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الصافات: 143-144]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [يونس: 98]. وعذاب الخزي في الحياة الدنيا يمكن أن تراه مُجسَّداً فيمن افترى وتكبَّر على الناس، ثم يراه الناس في هوان ومذلة، هذا هو عذاب الخزي في الدنيا، ولا بد أن عذاب الآخرة أخْزَى وأشَدُّ. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]. أي: أنهم نَجَوْا من الهلاك بالعذاب إلى أن انتهت آجالهم بالموت الطبيعي. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} أَي: كما آمن قوم يونس {فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا} أَي: كما نفع قوم يونس إِيمانهم. فلم تكن {قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} [الآية: 98].
الأندلسي
تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} الآية، لولا هنا هي التحضيضية التي صحبها التوبيخ، وكثيراً ما جاءت في القرآن للتحضيض فهي بمعنى هلا. والتحضيض: ان يريد الإِنسان فعل الشىء الذي يحض عليه وإذا كانت للتوبيخ، فلا يريد المتكلم الحض على ذلك الشىء، وهنا وبّخهم على ترك الإِيمان النافع. والمعنى: فهلا آمن أهل القرية وهم على مهل لم يلتبس العذاب بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذه الحال. و{إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء منقطع إذ لم يندرج قوم يونس في قوله: قرية، وإلى الانقطاع فيه ذهب سيبويه والفراء والأخفش. وقيل: هو استثناء متصل لأن التحضيض إنما يكون على شىء لم يقع فيضمن معنى النفي. وصار المعنى لم تكن قرية يعني أهلها آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. وهم أهل نينوى من بلاد الموصل كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم يونس عليه السلام فأقاموا على تكذيبه سبع سنين وتوعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام، وقيل: بعد أربعين يوماً. {إِلَىٰ حِينٍ} أي إلى وقت انقضاء آجالهم. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} قيل: انزلت في أبي طالب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسف لموته على ملة عبد المطلب وكان حريصاً على إيمانه، وكان أحرص الناس على هداية من في الأرض. {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} تقديم الاسم في الاستفهام على الفعل يدل على إمكان حصول الفعل لكن من غير ذلك الاسم، فللَّه ان يكره الناس على الإِيمان لو شاء، وليس ذلك لغيره. وقرىء: {ونجعل} بنون المتكلم. ويجعل بياء الغيبة. {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إذ السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته وفي العالم العلوي في حركات الافلاك ومقاديرها وأوضاعها. والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان، وخصوصاً حال الإِنسان. وكثيراً ما ذكر الله في كتابه الحض على التفكر في مخلوقاته تعالى وقال: ماذا في السماوات والأرض، تنبيهاً على القاعدة الكلية. والعاقل يتنبّه لتفاصيلها وأقسامها، ثم لما أمر الله تعالى بالنظر أخبر أنه من لا يؤمن لا تغنيه الآيات. والنذر: جمع نذير، أما مصدر فمعناه الإِنذارات، وأما بمعنى منذر، فمعناه المنذرون والرسل. وما: الظاهر أنها للنفي ويجوز أن تكون استفهاماً، أي وأيّ شىء تغني الآيات وهي الدلائل وهو استفهام على جهة التقرير. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون ما في قوله: وما تغني مفعوله لقوله: انظروا، معطوفة على قوله: ماذا، أي تأملوا قدر غنى الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإِنه يرفع العذاب في الدنيا والآخرة، وينجي من المهلكات فالآية على هذا تحريض على الإِيمان. ويجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو قوله: لا يؤمنون. "انتهى". هذا احتمال فيه ضعف. وفي قوله: مفعولة معطوفة على ماذا تجوز، يعني أن الجملة الاستفهامية التي هي ماذا في السماوات في موضع المفعول، لا ان ماذا وحده منصوب بانظروا، فتكون "ماذا" موصولة. و"انظروا" بصريةٍ، لما تقدم. وفي الآية توبيخ لحاضري رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين. {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} لما تقدم قوله: فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم وكان ذلك مشعراً بما حل بالأمم الماضية المكذبة ومصرحاً بهلاكهم في غير ما آية، أخبر تعالى عن حكاية حالهم الماضية فقال: ثم ننجي رسلنا، والمعنى ان الذين خلوا أهلكناهم لما كذبوا الرسل، ثم نجينا الرسل والمؤمنين. والظاهر أن كذلك في موضع نصب تقديره مثل ذلك الإِنجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك يا محمد، ويكون "حقاً" على تقدير حق ذلك حقاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ } من قرى المكذبين { آمَنَتْ } حين رأت العذاب { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } أي: لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه، حين رأى العذاب، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبًا، لما قال: { آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فقيل له {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }. تفسير : وكما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }. تفسير : وقال تعالى: {أية : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي * أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا }. تفسير : والحكمة في هذا ظاهرة فإن الإيمان الاضطراري ليس بإيمان حقيقة ولو صرف عنه العذاب والأمر الذي اضطره إلى الإيمان لرجع إلى الكفران. وقوله { إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا } بعدما رأوا العذاب { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } فهم مستثنون من العموم السابق، ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة لم تصل إلينا ولم تدركها أفهامنا. قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } تفسير : إلى قوله: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } تفسير : ولعل الحكمة في ذلك أن غيرهم من المهلكين لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وأما قوم يونس فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه والله أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1176- عبد الرزاقن عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ}: [الآية: 98]، قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزولا على تَلٍّ، وفَرَّقوا بَيْن كل بهيمة وولدها، فدعوا الله تعالى أربعين ليلة حتى تاب عليهم. وفي حرف ابن مسعود {فَلَوْلاَ}: [الآية: 98]، يقول: فهلا. 1177- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنَّ يونس لمَّا نُبِذَ بالعراء أنبت الله عليه شجرة من يقطين، قال: فأيبسها الله تعالى، قال: فحزن. قال فقال: أَتَحْزنُ على شجرة أيبستها!! وَلاَ تحزن على مائة ألف أو يزيدون أردت أن أهلكهم. 1178- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا ينبغي لأحَدٍ أن يقُولَ: إني خَيْرٌ مِنْ يُوُسَ بن متى، نسبه الله إلى أمه، أصابَ ذنباً، ثم اجتباه ربَّه .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):