Verse. 1463 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَلَوْ شَاۗءَ رَبُّكَ لَاٰمَنَ مَنْ فِي الْاَرْضِ كُلُّھُمْ جَمِيْعًا۝۰ۭ اَفَاَنْتَ تُكْرِہُ النَّاسَ حَتّٰى يَكُوْنُوْا مُؤْمِنِيْنَ۝۹۹
Walaw shaa rabbuka laamana man fee alardi kulluhum jameeAAan afaanta tukrihu alnnasa hatta yakoonoo mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس» بما لم يشأه الله منهم «حتى يكونوا مؤمنين» لا.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب مع الكافرين، وبعد اتباعه إن الله ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل السخرية، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعود به لا يقدح في صحة الوعد، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح وواقعة موسى عليهما السلام مع فرعون وامتدت هذه البيانات إلى هذه المقامات، ثم في هذه الآية بين أن جد الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع ومبالغته في تقرير الدلائل، وفي الجواب عن الشبهات لا تفيد، لأن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته، فإذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن جميع الكائنات بمشيئة الله تعالى، فقالوا كلمة (لو) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ } يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل، أجاب الجبائي والقاضي وغيرهما بأن المراد مشيئة الإلجاء، أي لو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه ولصح ذلك منه، ولكنه ما فعل ذلك، لأن الإيمان الصادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة، ثم قال الجبائي: ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم إلى ذلك، أن يعرفهم اضطراراً أنهم لو حاولوا تركه، حال الله بينهم وبين ذلك وعند هذا لا بد وأن يفعلوا ما ألجئوا إليه كما أن من علم منا أنه إن حاول قتل ملك فإنه يمنعه منه قهراً لم يكن تركه لذلك الفعل سبباً لاستحقاق المدح والثواب فكذا ههنا. واعلم أن هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه: الأول: أن الكافر كان قادراً على الكفر فهل كان قادراً على الإيمان، أو ما كان قادراً عليه؟ فإن قدر على الكفر ولم يقدر على الإيمان فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر، فإذا كان خالق تلك القدرة هو الله تعالى لزم أن يقال إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما إن كانت القدرة صالحة للضدين كما هو مذهب القوم، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل، وإن توقف على مرجح فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فإن كان من العبد عاد التقسيم فيه ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجباً لذلك الكفر فإذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الإلزام. الثاني: أن قوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ } لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة، فبين تعالى أنه لا قدرة للرسول على تحصيل هذا الإيمان، ثم قال: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلاْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا } فوجب أن يكون المراد من الإيمان المذكور في هذه الآية هو هذا الإيمان النافع حتى يكون الكلام منتظماً، فأما حمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء فإنه لا يليق بهذا الموضع. الثالث: المراد بهذا الإلجاء، إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها، ثم يأتي بالإيمان عندها. وإما أن يكون المراد خلق الإيمان فيهم. والأول باطل، لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96، 97] وقال أيضاً: { أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 111] وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان، بل كان ذلك عبارة عن خلق الإيمان فيهم، ثم يقال لكنه ما خلق الإيمان فيهم، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم وهذا عين مذهبنا. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى. المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع بقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } قالوا وجه الاستدلال به أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان، ثم قالوا: والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه: الأول: أن معرفة الله تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه، فوجب أن لا يجب ذلك بحسب العقل، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائداً إلى المشكور أو إلى الشاكر والأول باطل لأن في الشاهد المشكور ينتفع بالشكر فيسره الشكر ويسوءه الكفران، فلا جرم كان الشكر حسناً والكفران قبيحاً، أما الله سبحانه فإنه لا يسره الشكر ولا يسوءه الكفران، فلا ينتفع بهذا الشكر أصلاً. والثاني: أيضاً باطل لأن الشاكر يتعب في الحال بذلك الشكر ويبذل الخدمة مع أن المشكور لا ينتفع به ألبتة ولا يمكن أن يقال إن ذلك الشكر علة الثواب، لأن الاستحقاق على الله تعالى محال فإن الاستحقاق على الغير إنما يعقل إذا كان ذلك الغير بحيث لو لم يعط لأوجب امتناعه من إعطاء ذلك الحق حصول نقصان في حقه، ولما كان الحق سبحانه منزهاً عن النقصان والزيادة لم يعقل ذلك في حقه، فثبت أن الاشتغال بالإيمان وبالشكر، لا يفيد نفعاً بحسب العقل المحض وما كان كذلك امتنع أن يكون العقل موجباً له، فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } قال القاضي: المراد أن الإيمان لا يصدر عنه إلا بعلم الله أو بتكليفه أو بإقداره عليه. وجوابنا: أن حمل الإذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز، لا سيما وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا. المسألة الثالثة: قرأ أبو بكر عن عاصم {وَنَجْعَلُ } بالنون وقرأ الباقون بالياء كناية عن اسم الله تعالى. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى: {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } وتقريره أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى: { أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] والمراد من الرجس ههنا العمل القبيح، سواء كان كفراً أو معصية، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر والمعصية إلى طهارة الإيمان والطاعة، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه، ذكر بعده أن الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه. والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من الله تعالى. أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال: الرجس، يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب، فقوله: {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } أي يلحق العذاب بهم كما قال: { أية : وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ } تفسير : [الفتح: 6] والثاني: أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم. والجواب: أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلاً للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه، وإنما يريد ضده، وإنما قصد إلى تحصيل ضده، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب. وأما حمل الرجس على العذاب، فهو باطل، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقاً صدقاً صواباً، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم، فهو في غاية البعد، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} أي لاضطرهم إليه. «كُلُّهُمْ» تأكيد لـ «من». «جَمِيعاً» عند سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله جميعاً بعد كل تأكيداً؛ كقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [النحل: 51]. قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} قال ٱبن عباس: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمان جميع الناس؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذِّكر الأوّل، ولا يضلّ إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأوّل. وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب؛ وهو عن ابن عباس أيضاً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [هود:118-119] وقال تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا} تفسير : [الرعد: 31] ولهذا قال تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} أي: تلزمهم وتلجئهم {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل الله {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [المدثر: 31]، {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8]، {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272]، {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]، {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [البقرة: 272]، {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [آل عمران: 20]، {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} تفسير : [الغاشية:21-22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء؛ لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ} وهو الخبال والضلال {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك؛ في هداية من هدى، وإضلال من ضل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ } بما لم يشأه الله منهم {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } لا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه إلا بأمر الله تعالى، قاله الحسن. الثاني: إلا بمعونة الله. الثالث: إلا بإعلام الله سبل الهدى والضلالات. {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الرجس السخط، قاله ابن عباس. الثاني: أنه العذاب، قاله الفراء. الثالث: أنه الإثم، قاله سعيد بن جبيرٍ. الرابع: أنه ما لا خير فيه، قاله مجاهد. الخامس: أنه الشيطان، قاله قتادة. وقوله: {عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} يعني لا يعقلون عن الله تعالى أمره ونهيه ويحتمل أنهم الذين لا يعتبرون بحججه ودلائله.

ابن عطية

تفسير : المعنى أن هذا الذي تقدم إنما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ولو شاء الله لكان الجميع مؤمناً، فلا تأسف أنت يا محمد على كفر من لم يؤمن بك، وادع ولا عليك فالأمر محتوم، أفتريد أنت أن تكره الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره. قال القاضي أبو محمد : فهذا التأويل الآية عليه محكمة، أي ادع وقاتل من خالفك، وإيمان من آمن مصروف إلى المشيئة وقالت فرقة: المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان، وزعمت أن هذه الآية في صدر الإسلام وأنها منسوخة بآية السيف، والآية على كلا التأويلين رادة على المعتزلة، وقوله تعالى: {كلهم جميعاً } تأكيد وهو من فصيح الكلام، و {جميعاً } حال مؤكدة، ونحوه قوله {أية : لا تتخذوا إلهين اثنين} تفسير : [النحل:51] وقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } الآية، رد إلى الله تعالى وإلى أن الحول والقوة لله، في إيمان من يؤمن وكون الرجس على الكفار، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " ونجعل الرجس " بنون العظمة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: "ويجعل" بالياء وقرأ الأعمش: "ويجعل" الله الرجس"، و {الرجس} يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب، و {لا يعقلون } يريد آيات الله وحجج الشرع. ومعنى " الإذن" في هذه الآية الإرادة والتقدير لذلك، فهو العلم والتمكين، وقوله تعالى: {قل انظروا في السماوات والأرض } ، هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك، المعنى: انظروا في ذلك بالواجب فهو ينهاكم إلى المعرفة بالله والإيمان بالله والإيمان بوحدانيته، وقرأ أبو عبد الرحمن والعامة بالبصرة، " قلِ انظروا " بكسر اللام، وقرأ نافع وأهل المدينة: " قلُ انظروا" بضم اللام، ثم أعلم في آخر الآية أن النظر في الآيات والسماع من النذر وهم الأنبياء لا يغني إلا بمشيئة الله، وأن ذلك غير نافع لقوم قد قضى الله أنهم لا يؤمنون، وهذا على أن تكون {ما} نافية، ويجوز أن يعد استفهاماً على جهة التقرير الذي في ضمنه نفي وقوع الغناء، وفي الآية على هذا توبيخ لحاضري رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وقوله: {الآيات والنذر } ، حصر طريقي تعريف الله تعالى عباده، ويحتمل أن تكون {ما } في قوله: {وما تغني } ، مفعولة بقوله {انظروا} معطوفة على قوله: {ماذا} ، أي تأملوا قدر غناء الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع بالعذاب في الدنيا والآخرة وينجي من المهلكات، فالآية على هذا تحريض على الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وتجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو في قوله {لا يؤمنون }.

النسفي

تفسير : {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ } على وجه الإحاطة والشمول {جَمِيعاً } مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه، أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به، وشاء الكفر ممن علم أنه يحتار الكفر ولا يؤمن به. وقول المعتزلة: المراد بالمشيئة مشيئة القسر والإلجاء أي لو خلق فيهم الإيمان جبراً لآمنوا لكن قد شاء أن يؤمنوا اختياراً فلم يؤمنوا دليله {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } - أي ليس إليك مشيئة الإكراه والجبر في الإيمان إنما ذلك إليّ - فاسد لأن الإيمان فعل العبد وفعله ما يحصل بقدرته ولا يتحقق ذلك بدون الاختيار. وتأويله عندنا أن الله تعالى لطفاً لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن اختيار ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون فلم يعطهم ذلك وهو التوفيق. والاستفهام في {أفأنت} بمعنى النفي أي لا تملك أنت يا محمد أن تكرههم على الإيمان لأنه يكون بالتصديق والإقرار ولا يمكن الإكراه على التصديق. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بمشيئته أو بقضائه أو بتوفيقه وتسهيله أو بعلمه {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ } أي العذاب أو السخط أو الشيطان أي ويسلط الشيطان {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } لا ينتفعون بعقولهم، {ونجعل} حماد ويحيى {قُلِ ٱنظُرُواْ } نظر استدلال واعتبار {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ }من الآيات والعبر باختلاف الليل والنهار وخروج الزروع والثمار{وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ } «ما» نافيه {وَٱلنُّذُرُ } والرسل المنذورون أو الانذارات {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } لا يتوقع إيمانهم وهم الذين لا يعقلون.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً} يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لآمن بك وصدقك من في الأرض كلهم جميعاً ولكن لم يشأ أن يصدقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن به جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له من السعادة في الذكر الأول ولم يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم فأخبره الله أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له العناية الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم وهو قوله سبحانه وتعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} يعني ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه أو تحرص عليه إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئتنا وقضائنا وقدرنا ليس ذلك لأحد سوانا {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} يعني وما كان ينبغي لنفس خلقها الله تعالى أن تؤمن وتصدق إلا بقضاء الله لها بالإيمان فإن هدايتها إلى الله وهو الهادي المضل. وقال ابن عباس: معنى بإذن الله، بأمر الله وقال عطاء: بمشيئة الله قوله تعالى: {ويجعل} قرئ بالنون على سبيل التعظيم أي ونجعل نحن وقرئ بالياء ومعناه ويجعل الله {الرجس} يعني العذاب، وقال ابن عباس: يعني السخط {على الذين لا يعقلون} يعني لا يفهمون عن الله أمره ونهيه. قوله عز وجل: {قل انظروا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات انظروا يعني انظروا بقلوبكم نظر اعتبار وتفكر وتدبر {ماذا في السموات والأرض} يعني: ماذا خلق الله في السموات والأرض من الآيات الدالة على وحدانيته ففي السموات الشمس والقمر وهما دليلان على النهار والليل والنجوم سخرها طالعة وغاربة وإنزال المطر من السماء وفي الأرض الجبال والبحار والمعادن والأنهار والأشجار والنبات كل ذلك آية دالة على وحدانية الله تعالى وأنه خالقها كما قال الشاعر: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : {وما تغني الآيات والنذر} يعني الرسل {عن قوم لا يؤمنون} وهذا في حق أقوام علم الله أنهم لا يؤمنون لما سبق لهم في الأزل من الشقاء.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ} تحقيقٌ لدروان إيمانِ كافةِ المكلفين وجوداً وعدماً على قُطب مشيئتِه تعالى مطلقاً إثرَ بـيانِ تبعيةِ كفرِ الكفرةِ لكلمته ومفعولُ المشيئة محذوفٌ لوجود ما يقتضيه من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء وأن لا يكونَ في تعلقها به غرابةٌ كما هو المشهورُ أي لو شاء سبحانه إيمانَ من في الأرض من الثقلين لآمن {كُلُّهُمْ} بحيث لا يشِذّ عنهم أحد {جَمِيعاً} مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفاً للحِكمة التي عليها بُنيَ أساسُ التكوين والتشريع وفيه دِلالةٌ على أنه من شاء الله إيمانَه يؤمن لا محالة {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} على ما لم يشأ الله منهم حسبما ينبىء عنه حرفُ الامتناعِ في الشرطية والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل: أربُّك لا يشاء ذلك فأنت تُكرههم {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} فيكون الإنكارُ متوجهاً إلى ترتيب الإكراهِ المذكورِ على عدم مشيئته تعالى ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الإنكارِ على عدم مشيئته تعالى بناء على أن الهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت لاقتضائها الصدارة كما هو رأيُ الجمهورِ وأياً ما كان فالمشيئةُ على إطلاقها إذ لا فائدةَ بل لا وجهَ لاعتبار عدمِ مشيئة الإلجاءِ خاصة في إنكار الترتيبِ عليه أو ترتيب الإنكارِ عليه وفي إيلاء الاسم حرف الاستفهام إيذان بأن الإكراهَ أمرٌ ممكنٌ لكن الشأنَ في المكرَه مَنْ هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه القادرُ على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرهم إلى الإيمان وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشر وفيه إيذانٌ باعتبار الإلجاءِ في المشيئة كما أشير إليه {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} بـيانٌ لتبعية إيمانِ النفوس المؤمنةِ لمشيئته تعالى وجوداً بعد بـيانِ الدوران الكليِّ عليها وجوداً وعدماً أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمنُ {أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بتسهيله ومنحِه للألطاف وإنما خُصت النفسُ بمن ذُكر ولم يُجعل من قبـيل قولِه تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله }تفسير : [آل عمران: 145] لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حالَ كونِها ملابسةً بإذنه تعالى فلا بد من كون الإيمانِ مما يؤول إليه حالُها كما أن الموتَ مآلٌ لكل نفس بحيث لا محيصَ لها عنه فلا بد من تخصيص النفسِ بمن ذكر فإن النفوسَ التي علم الله أنها لا تؤمنُ ليس لها حالٌ تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من غيرها {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ} أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارةٌ عن القبـيح المستقذَر المستكرَه لكونه علماً في القبح والاستكراه وقيل: هو العذاب أو الخِذلان المؤدي إليه وقرىء بنون العظمة وقرىء بالزاي أي يجعل الكفرَ ويبقيه {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع فلا يحصُل لهم الهدايةُ التي عبّر عنها بالإذن فيبقَون مغمورين بقبائح الكفرِ والضلال أو مقهورين بالعذاب والنَّكال والجملةُ معطوفةٌ على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريم كأنه قيل: فيأذن لهم بمنح الألطافِ ويجعل الخ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [الآية: 99]. قال الواسطى: رفع المدح والذم فلا معذور ولا غير معذور ولا شقاء ولا سعادة، إنما هى إرادة أمضاها ومشيئة أنفذها وقبس آمنوا بإذن الله المتولى لإظهار الكونين، لا شريك له فلا يستغفرون ولا يفتخرون.

القشيري

تفسير : كيف يعتصي عليه سبحانه مرادٌ - والذي يبقي شيءٌ عن مراده ساهٍ أو مغلوبٌ؟ والذي يستحق جلالَ العِزَّةِ لا يفوته مطلوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شاء ربك} ايمان من فى الارض من الثقلين {لآمن من فى الارض كلهم} بحيث لا يشذ منهم احد {جميعا} مجتمعين على الايمان لا يختلفون لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفا للحكمة التى عليها بنى اساس التكوين والتشريع فشاء ان يؤمن به من علم منه انه لا يختار الكفر وان لا يؤمن به من علم منه انه لا يؤمن به تكميلا لحكم القبضتين وتحصيلا لأهل النشأتين وجعل الكل مستعدا ليصح التكليف عليهم وكان عليه السلام حريصا على ايمان الكل ومغفرته -كما حكى- ان موسى عليه السلام حين قصد الى الطور لقى فى الطريق وليا من اولياء الله تعالى فسلم عليه فلم يرد سلاما فلما وصل الى محل المناجاة قال الهى سلمت على عبد من عبادك فلم يرد على سلامى قال الله تعالى يا موسى ان هذا العبد لا يكلمنى منذ ستة ايام قال موسى لم يا رب قال لانه كان يسال منى ان اغفر لجميع المذنبين واعتق العصاة من عذاب جهنم اجمعين فما اجبت لسؤاله فما كلمنى منذ ستة ايام كذا فى الواقعات المحمودية والحاصل ان الله تعالى لما رأى من حبيبه عليه السلام ذلك الحرص انزل هذه الآية وعلق ايمان قومه على مشيئته وقال له {أفأنت} اى أربك لا يشاء ذلك فانت {تكره الناس} على ما لم يشا الله منهم {حتى يكونوا مؤمنين} ليس ذلك اليك كما فى الكواشى فيكون الانكار متوجها الى ترتيب الاكراه المذكور على عدم مشيئته تعالى كا فى الارشاد. وفى ايلاء الاسم حرف الاستفهام ايذان بان اصل الفعل وهو الاكراه امر ممكن مقدور لكن الشان فى المكره من هو وما هو الا هو وحده لا يشارك فيه لانه القادر على ان يفعل فى قلوبهم ما يضطرهم الى الايمان وذلك غير مستطاع للبشر. وقال السيد الشريف فى شرح المفتاح المقصود من قوله {أفانت تكره الناس} انكار صدور الفعل من المخاطب لا انكار كونه هو الفاعل مع تقرر اصل الفعل انتهى والتقديم لتقوية حكم الانكار كما فى حواشى سعدى المفتى. قال الكاشفى [اين آيت منسوخ است بآيت قتال]. وقال فى التبيان والصحيح انه لا نسخ لان الاكراه على الايمان لا يصح لانه عمل القلب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولو شاء ربُّك} هداية الخلق كلهم {لآمن من في الأرض كلُّهُم جميعاً} بحيث لا يتخلف عنه أحد، لكن حكمته اقتضت وجود الخلاف، فمن رام اتفاقهم على الإيمان فقد رام المحال، ولذلك قال: {أفأنت تُكرهُ الناسَ} بالقهر على ما لم يشأ الله منهم {حتى يكونوا مؤمنين} كلهم. قال البيضاوي: وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء، وإيلاؤها حرف الاستفهام الإنكاري، وتقديم الضمير على الفعل، للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه فضلاً عن الحث والتحريض عليه، إذ روي أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان حريصاً على إيمان قومه، شديد الاهتمام به، فنزلت، ولذلك قرره بقولة: {وما كان لنفسٍ أن تُؤمن إلا بإذن الله}؛ بمشيئته وألطافه وتوفيقه؛ فلا تجهد نفسك في هداها، فإنه إلى الله تعالى. {ويجعلُ الرِّجْسَ}: العذاب أو الخذلان فإنه سببه {على الذين لا يعقلون}: لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات، أو لا يعقلون دلائل القرآن وأحكامه؛ لِمَا على قلوبهم من الطبع، ويؤيده الأول قوله: {قل انظروا...} الخ. هـ. الإشارة: في الآية تسلية لأهل التذكير حين يرون الناس لم ينفع فيهم تذكيرهم، وفيها تأديب لمن حرص على هداية الناس كلهم، أو يتمنى أن يكونوا كلهم خصوصاً، فإن هذا خلاف حكمته تعالى. قال تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} تفسير : [هود: 118] فالداعون إلى الله لا يكونون حُرصاً على الناس أبداً، بل يدعون إلى الله، ويذكرون بالله، وينظرون ما يفعل الله اقتداء بنبي الله، بعد أن علمه الله كيف يكون مع عباد الله، والله تعالى أعلم. ثم أمر باستعمال العقل في التفكر والاعتبار، فقال: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية انه لو شاء وأراد {لأمن من في الأرض كلهم جميعاً} فكلهم رفع لأنه تأكيد لـ {من} وهي مرتفعة بالايمان و {جميعاً} منصوب على الحال. والمشيئة والارادة والايثار والاختيار نظائر، وانما يختلف عليهم الاسم بحسب مواقعها على ما بيناه في الأصول. وقيل: إن الشيء مشتق من المشيئة لانه مما يصح ان يذكر ويشاء، كما اشتقوا المعنى من عنيت. ومعنى الآية الاخبار عن قدرة الله وانه يقدر على ان يكوّن الخلق على الايمان، كما قال {أية : إن نشاء ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } تفسير : وانما أراد بذلك الاخبار عن قدرته بلا خلاف، ولذلك قال بعد ذلك {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} ومعناه انه لا ينبغي ان يريد إكراههم لان الله عز وجل يقدر عليه ولا يريده، لانه ينافي التكليف، وأراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وآله والتخفيف عنه مما يلحقه من التحسر والحرص على ايمانهم. وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة، فانه تعالى لم يزل شايئاً وانه لا يوصف بالقدرة ايضاً، لأنه تعالى اخبر انه لو يشاء لقدر عليه لكنه لم يشأ فلذلك لم يوجد ولو كان شايئاً لم يزل لما جاز ان يقول ولو شاء ربك كما لا يجوز أن يقول لو شاء لقدر لما كان قادراً حاصلا لم يزل.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ..} مصدّقين لك او للرّسالة او لعلىّ (ع) او للولاية او لله او مؤمنين بالايمان العامّ الحاصل بالبيعة العامّة النّبويّة او بالايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة، يعنى انّ الايمان بأىّ معنى كان لا يمكن اكراه البشر احداً عليه لانّ اكراه البشر لا يتجاوز عن حدّ القالب والايمان امر قلبىّ، فالاكراه يتحقّق فى انقياد السّلطنة وصورة البيعة العامّة والدّخول فى احكام الرّسالة يعنى من كان مسخّراً ومحيطاً يمكنه اكراه المحاط لكن لا يمسّى ذلك اكراهاً بل تسخيراً، وتقديم المسند اليه لافادة الحصر ان اريد انّ مثلك البشرىّ لا يمكنه الاكراه بخلاف الملكوتيّين او لمحض افادة تقوىّ الحكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} على الاستفهام؛ أي: لا تستطيع أن تجبر الناس على الإِيمان، إنما يؤمن من أراد الله أن يؤمن. قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي رجاسة الكفر بكفرهم. قوله: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ} أي: من شمسها وقمرها ونجومها وما فيها من العجائب { وَالأَرْضِ} أي: من بحارها وشجرها وجبالها، أي: ففي هذه آيات وحجج عظام. ثم قال: { وَمَا تُغْنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي: ما تغني عنهم الآيات إذا لم يقبلوها ولم يتفكروا فيها.

اطفيش

تفسير : {ولَوْ شاء ربُّك لآمَنَ مَنْ فى الأرْض كلُّهم جَميعاً} حال مؤكدة لصاحبها، والظاهر أنه ليس المراد مشيئة إلجاء وقهر، بل المراد لو شاء لآمنوا باختيارهم، وفسرها جار الله فى غير موضع بمشيئة إلجاء، وكما هنا، وكنت أعرض عنه ولا أقبله، حتى رأيت القاضى فسرها بغير الإلجاء والقهر، وذكر أن ذلك دليل على القدرية فى أنه تعالى لم يشأ إيمان الناس أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة. {أفأنْتَ تُكرهُ النَّاسَ} بما لم يشأ الله منهم {حتَّى يكونُوا مُؤمنينَ} ليس إيلاء المسند إليه الهمزة مشعرا بأن هناك قادرا على الإكراه وهو الله تعالى، سوى المسند إليه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الله القادر عليه، فليس المعنى أنك لست قادرا على الإكراه وأن الله لو شاء لأكرههم، كما قال جار الله، تبعا لتفسيره المشيئة قبل ذلك بمشيئة الإكراه، بل غاية ذلك الإبلاء أنه يفيد أن المستفهم عنه المسند إليه لا المسند، وإنما يشعر بذلك لو كان ذلك بالحصر مثلا أن يقال: أفأنت المكره بتعريف الطرفين، مرادا به نفى الإكراه عنه، وإثباته لغيره، وإنما المعنى إنكار أن يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، لأن ذلك مخالف لمشيئة الله أن يؤمن بعض ويكفر بعض، فضلا عن أن تدخلهم فى الإسلام بالحث والتحريض. وفسر جار الله الإكراه بأن يخلق الله فى قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وذكر بعض أن ذلك منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، إذ ليس معناه يقبل النسخ بها، لأنه ليس المعنى أنك لا تكرههم بالسيف إلا إن التزم ذلك البعض هذا المعنى، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم، فنزل ذلك وقرره بقوله: {أية : ومَا كانَ لنَفْسٍ أن تؤمنَ إلا بإذْن اللهِ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ} مشيئَة بلا إِكراه ولا إِجبار ولا مشيئَة طبع {لآمنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ} لا يشذ أَحد {جَمِيعاً} بمرة مجتمعين على الإِيمان لا متلاحقين وهو حال ولكن شاءَ أَن يؤمن من اختار الإِيمان ويكفر من اختار الكفر. وهذا الاختيار خلق من الله أَيضا بلا طبع لا إِجبار فبطل قول القدرية إِن المراد مشيئة الإِلجاءِ وهم المعتزلة، إِذ زعموا أَن أَفعال العباد مخلوقة لهم لا لله وأَنهم القادرون عليها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القدرية مجوس هذه الأُمة"تفسير : ، وذلك أَن المجوس أَثبتوا خالقين للخير والشر. قال علماءُ ما رواءَ النهر: شر من المجوس لأَن للمجوس آلهة تعد والمعتزلة لاتعد آلهتهم، لأَن كل فاعل عندهم خالق بفعله حتى الدواب، والآية تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم فى شدة حرصه على إِيمان قومه وزاد بقوله {أَفَأَنْتَ} أى أَتشتد فى الحرص فأَنت تكره الناس، أَو أَنت مبالغ فى الحرص هذه المبالغة فأَنت إِلخ، أَو أَربك لا يشاءُ ذلك فأَنت إِلخ أَو الهمزة مما بعد الفاءِ، والهمزة لإِنكار صحة ذلك والتوبيخ وأَنت فاعل لتكره حذف وحده وبرز ضميره منفعلا يدل على تكره المذكور بعد لأَن الاستفهام عن الإِكراه لا عن المكروه، والمعنى: أَيصح أَن تكره الناس لا يصح ولو جعل مبتدأَ لكان المعنى أَأَنت الذى تكرههم لا الله، وهذا لا يصح لأَن الله أَيضاً لا يكرههم على الإِيمان إِلا على الفرض والتقدير لو كان يليق الإِكراه لكان القادر عليه الله لا أَنت، والله قادر لكن لا ثواب للمكره بفتح الراءِ ومفعول تكره المحذوف هو الناس فى قوله {تُكْرِهُ النَّاسَ} ولا مفعول لتكره المذكور لأَنه تأْكيد لمحذوف، ويجوز أَن يكون الناس مفعولا لتكره المذكور ويقدر للمحذوف أَى أَفأَنت الناس تكره الناس بنصب الناس فى الموضعين، والمراد بالناس من طبع على قلبه أَو العموم مبالغة {حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} لا تقدر على ذلك وإِكراههم مستحيل لأَن الله تعالى قضى أَن لا يكرهوا، وزاد تسلية بقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} بإِرادة الله ولا تكفر أَيضاً إِلا بإِرادة الله تعالى أَى بشىءٍ ما إِلا بإِذن الله، أَو فى حال من الأَحوال إِلا فى حال ملابسة إِرادة الله سبحانه وتعالى أَو فى حال ما لسلامة العقل وصحة البدن إِلا فى حال ملابسة إِذن الله عز وجل، وهذا فى المعنى تعليل لقوله ولو شاءَ ربك إِلخ، وما لم يرده الله مستحيل فلا يتعاطى فضلا عن أَن يجهد فيه {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يدركون بعقولهم الآياتِ والأَحكام أَى لا يعقلونها أَولا يستعملون عقولهم بالتدبر فى الدلائِل والآيات عطف على محذوف، التقدير يأْذن لمن أَراد الله أَن يؤمن باختباره فيؤمن فيثاب ويجعل الرجس أَى الشىءَ الخبيث وهو العذاب أَو الكفر أَو الخذلان إِذ هما سبب العذاب على الذين أَراد الله أَن لا يؤمنوا باختيارهم، والمضارع المقدر الذى هو يعظ يأْذن ويجعل المذكور للاستمرار، أَو بمعنى الماضى على أَن المراد القضاءُ كما يدل له قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا} نظر تدبر فى الدلائِل والآيات المتلوة {مَاذَا فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} من الدلائِل، والجملة مفعول لانظروا معلقا عنها لأَن المعنى تعلموا أَو تعرفوا بشد اللام والراءِ ومستأْنفة، وانظروا فى الآيات المتلوة بدليل قوله {وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ} المتلوة كما لم تغن آيات السماوات والأَرض {وَالنُّذُرُ} الرسل والمفرد نذير أَو مصدر جمع للتنويع أَى أَنواع الإِنذار {عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} سبق القضاءُ عليهم أَن لا يؤمنوا ولا يختاروا الإِيمان، وإِن أُريد بالآيات آيات السماوات والأَرض كان من وضع الظاهر موضع المضمر، وماذا مبتدأٌ فى السماوات خبر أَو ما مبتدأٌ وذا موصول خبر صلته فى السماوات، وهذا أَولى وما الثانية مفعول مطلق، أَى إِغناءٍ تغنى وهى استفهامية أَو نافية والمفعول محذوف أَى ما تغنى شيئاً، والجملة حال أَو اعتراض بيانى على النفى لا على الاستفهام لأَن الإِنشاءَ لا يكون حالا إِلا بتأْويل ولا داعى إِليه ولا خفاءَ فى جعلها حالاً على أَن ما نافية لأَن المعنى أَنت مأْمور بالقول، ولو كان لا يؤثر فقل ولو كان قومك لا يؤثر فيهم، ورتب على قوله وما تغنى الآيات إِلخ قوله: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ} بالإِعراض عن الإِيمان بك والفاءُ للسببية والاستفهامان للإِنكار وفى قوله ماذا للتقرير {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} إِلا مثل وقائِع الأُمم قبلهم فالأَيام الوقائع يقال: يوم من أَيام العرب أَى حرب من حروبهم تسمية للحال باسم المحل الذى هو الزمان {قُلْ فَانْتَظِرُوا} إِن أَبيتم إِلا الإِصرار على الكفر فانتظروا ذلك المثل {إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} له، أَو فانتظروا إِهلاكى إِنى معكم من المنتظرين هلاككم، فإِنكم لا تستحقون إِلا ذلك، ومعكم خبر ومن المنتظرين خبر ثان، وفى تعليقه بمنتظرين تقديم معمول الصلة على الموصول إِلا إِن توسع لكونه ظرفا، وفى جعله حالا من ضمير الاستقرار تقديم الحال على عاملها المعنوى أَو جعله حالا من ضميره، ومن المنتظرين فى هذه الأَوجه هو الخبر ولم يتعدد وفى الوجه الأَول أَو تعليقه بمنتظر محذوف هكذا أَى منتظر معكم من المنتظرين السلامة من ذلك.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} تحقيق لدوران إيمان جميع المكلفين وجوداً وعدماً على قطب مشيئته سبحانه مطلقاً بعد بيان تبعية كفر الكفرة لكلمته، ومفعول المشيئة هنا محذوف حسب المعهود في نظائره أي لو شاء سبحانه إيمان من في الأرض من الثقلين لآمن {كُلُّهُمْ} بحيث لا يشذ منهم أحد {جَمِيعاً} أي مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه لكنه لم يشأ ذلك لأنه سبحانه لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما له ثبوت في نفسه فيما لا ثبوت له أصلاً لا يعلم وما لا يعلم لا يشاء، وإلى هذا التعليل ذهب الكوراني عليه الرحمة وأطال الكلام في تحريره والذب عنه في غير ما رسالة، والجمهور على أنه سبحانه لا يشاؤه لكونه مخالفاً للحكمة التي عليها بناء أساس التكوين والتشريع. والآية حجة على المعتزلة الزاعمين أن الله تعالى شاء الإيمان من جميع الخلق فلم يؤمن إلا بعضهم، والمشيئة عندهم قسمان تفويضية يجوز تخلف الشيء عنها وقسرية لا يجوز التخلف عنها وحملوا ما في الآية على هذا الأخير، فالمعنى عندهم لو شاء ربك مشيئة الجاء وقسر إيمان الثقلين لآمنوا لكنه سبحانه لم يشأ كذلك بل أمرهم بالإيمان وخلق لهم اختياراً له ولضده وفوض الأمر إليهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا ديدنهم في كل ما ورد عليهم من الآيات الظاهرة في إبطال ما هم عليه. وفيه أنه لا قرينة على التقييد مع أن قوله سبحانه: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} يأباه فيما قيل، فإن الهمزة للإنكار وهي لصدارتها مقدمة من تأخير على ما عليه الجمهور والفاء للتفريع والمقصود تفرع الإنكار على ما قبل ولا / فائدة بل لا وجه لاعتبار مشيئة القسر والإلجاء خاصة في تفرع الإنكار، وقيل: إن الهمزة في موضعها والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل: أربك لا يشاء ذلك فأنت تكرههم {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} والإنكار متوجه إلى ترتيب الإكراه المذكور على عدم مشيئته تعالى والإباء هو الإباء فلا بد من حمل المشيئة على إطلاقها، والمراد بالناس من طبع عليهم أو الجميع مبالغة، وجوز في (أنت) أن يكون فاعلاً بمقدر يفسره ما بعده وأن يكون مبتدأ خبره الجملة بعده ويعدونه فاعلاً معنوياً، وتقديمه لتقوية حكم الإنكار كما ذهب إليه الشريف قدس سره في «شرح المفتاح» وذكر فيه أن المقصود إنكار صدور الفعل من المخاطب لا إنكار كونه هو الفاعل مع تقرر أصل الفعل، وقيل: إن التقديم للتخصيص ففيه إيذان بأن الإكراه أمر ممكن لكن الشأن في المكره من هو وما هو إلا سبحانه وحده لا يشارك فيه لأنه جل شأنه القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرهم إلى الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون}تفسير : [يونس: 97] لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما لقيه من قومه. وهذا تذييل لما تقدم من مشابهة حال قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم بحال قوم نوح وقوم موسى وقوم يونس. وهذه الجملة كالمقدمة الكلية للجملة التي بعدها، وهي جملة: {أفأنت تكره} المفرعة على الجملة الأولى، وهي المقصود من التسلية. والناس: العرب، أو أهل مكة منهم، وذلك إيماء إلى أنهم المقصود من سوق القصص الماضية كما بيّنّاه عند قوله تعالى: {أية : واتل عليهم نبأ نوح}تفسير : [يونس: 71]. والتأكيد بـ{كلهم} للتنصيص على العموم المستفاد من (مَن) الموصولة فإنها للعموم، والتأكيد بـ{جميعاً} لزيادة رفع احتمال العموم العرفي دون الحقيقي. والمعنى: لو شاء الله لجعل مدارك الناس متساوية منساقة إلى الخير، فكانوا سواء في قبول الهدى والنظر الصحيح. و(لو) تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها. فالمعنى: لكنه لم يشأ ذلك، فاقتضت حكمته أن خلق عقول الناس متأثرة ومنفعلة بمؤثرات التفاوت في إدراك الحقائق فلم يتواطؤا على الإيمان، وما كان لنفس أن تؤمن إلا إذا استكملت خلقة عقلها ما يهيئها للنظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير ومغالبة الهدى في الاعتراف بالحق. وجملة: {أفأنت تكره الناس} الخ مفرّعة على التي قبلها، لأنّه لما تقرر أن الله لم تتعلق مشيئته باتفاق الناس على الإيمان بالله تفرع على ذلك إنكار ما هو كالمحاولة لتحصيل إيمانهم جميعاً. والاستفهام في {أفأنت تُكره الناس} إنكاري، فنزّل النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان أهل مكة وحثيث سعيه لذلك بكل وسيلة صالحة منزلة من يحاول إكراههم على الإيمان حتى ترتب على ذلك التنزيل إنكاره عليه. ولأجل كون هذا الحرص الشديد هو محل التنزيل ومصب الإنكار وقع تقديم المسند إليه على المسند الفعلي، فقيل: {أفأنت تُكره الناس} دون أن يقال: أفتكره الناس، أو أفأنت مُكره الناس، لأن تقديم المسند إليه على مثل هذا المسند يفيد تقوي الحكم فيفيد تقوية صدور الإكراه من النبي صلى الله عليه وسلم لتكون تلك التقوية محل الإنكار. وهذا تعريض بالثناء على النبي ومعذرة له على عدم استجابتهم إياه، ومَن بلغ المجهود حق له العذر. وليس تقديم المسند إليه هنا مفيداً للتخصيص، أي القصر، لأن المقام غير صالح لاعتبار القصر، إذ مجرد تنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من يستطيع إكراه الناس على الإيمان كاف في الإشارة إلى تشبيه حرصه على إيمانهم بحرص من يستطيع إكراههم عليه. فما وقع في «الكشاف» من الإشارة إلى معنى الاختصاص غير وجيه، لأن قرينة التقوي واضحة كما أشار إليه السكاكي. والإكراه: الإلجاء والقسر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعاً، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية. وبين ذلك أيضاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} تفسير : [الأنعام: 107] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13]، وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الأنعام: 35] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن من لم يهده الله فلا هادي له، ولا يمكن أحداً أن يقهر قلبه على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد الله به ذلك. وأوضح ذلك المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تفسير : [المائدة: 41]، وقوله: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [النحل: 37] الآية، وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56] الآية، وقوله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}تفسير : [الأعراف: 186]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً كما تقدم، في "النساء". والظاهر أنها غير منسوخة، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى الخير إلا الله تعالى: وأظهر دليل على ذلك أن الله أتبعه بقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 100] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (99) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُؤْمِنَ أَهْلُ الأَرْضِ جَمِيعاً لَفَعَلَ، إِمّا بِأَنْ يُلْجِئَهُمْ إلى الإِيمَانِ قَسْراً، وَإِمَّا بِأَنْ يَخْلُقَهُمْ مُؤْمِنينَ طَائِعِينَ، وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالَى اقْتَضَتْ بِأَنْ يَخْلُقَ الإِنْسَانَ وَفِيهِ القُدْرَةُ عَلَى أَنْ يُوَازِنَ بِاخْتِيَارِهِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، فَيُؤْمِنُ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَكْفُرُ آخَرُونَ. وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْتَطِيعُ إِكْراهَ النَّاسِ عَلَى الإِيمَانِ، وَلاَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرِّسَالَةِ التِي بَعَثَكَ اللهُ بِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى يبيِّن لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن يُنزِل الحق سبحانه العذاب بمن كفروا. وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه يحتاج إلى عبادة الناس؛ لان الله عَزَّ وجل قديم أزليٌّ بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق، وبكماله خلق الخلق، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته، وهو خالق من قبل أن يخلق الخلق، ورازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق، والخلق من آثار صفات الكمال فيه، وهو الذي أوجد كل شيء من عدم. ولذلك يُسمّون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات؛ لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها. فحين تقول: حيٌّ، ومُحْيٍ، فليس معنى ذلك أن الله تعالى موصوف بـ "مُحْيٍ" بعد أن وجد مَنْ يحييه، لا، إنه مُحيٍ، وبهذه الصفة أحيا. ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه مُنزَّه عن كل تشبيه: قد نرى المصوِّر أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة، هنا نرى أثر موهبة الرسم التي مارسها، واللوحة ليست إلا أثراً لهذه الموهبة. الحق سبحانه وتعالى - إذن - له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وبصفات الكمال خَلَق الخَلْق. فإياك أن تفهم أن هناك أمراً قد جَدَّ على الله تعالى، فلا شيء يجِدُّ على الحق سبحانه، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل هو الذي ينفعهم. ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان، وهو الجنس الظاهر لنا ونحن منه، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه الله - تبارك وتعالى - وهو الجن. وأما بقية الكون فمُسبِّح مؤمن بالله تعالى، والكون عوالم لا حصر لها، ولكلٍّ نظام لا يحيد عنه. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يُدخِل الثقلين - الإنس والجن - في نظام التسخير ما عَزَّ عليه ذلك؛ لكن هذا التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية. ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختاراً ليؤمن أو لا يؤمن، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمناً، وهذا يختلف عن إيمان القَسْر والقهر، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار. وأما إيمان القسر والقهر، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه، مُسبِّح له. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. وهذا ليس تسبيح دلالة ورمز، بل هو تسبيح حقيقي، بدليل قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. فإن فقَّهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات، بدليل أنه عَلَّم سليمان عليه السلام منطق الطير، وسمع النملة تقول: {أية : .. يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [النمل: 18]. والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة سبأ: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النمل: 24]. إذن: فكل ما في الكون مُسبِّح لله تعالى، يسير على منهجه سبحانه ما عدا المختار من الثقلين: الإنسان والجان؛ لأن كلاً منهما فيه عقلٌ، وله مَيْزة الاختيار بين البدائل. ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختياراً، ولو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لَفعلَ. أقول ذلك حتى لا يقولن أحد: ولماذا كل هذه المسائل من خَلْق وإرسال رُسل، وتكذيب أناس، ثم إهلاك المكذِّبين؟ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. إذن: فالحق سبحانه خلق الإنسان وسخَّر له كل الأجناس، ولم يجبره على الإيمان، بل يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحبّاً مخلصاً لقومه وعشيرته، وذاق حلاوة الإيمان، وحزن لأنهم لم يؤمنوا، فينبهه الحق سبحانه وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط، فلا يكلّف نفسه شَططاً. والحق سبحانه وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حقَّ الاختيار وسخَّر له الكون، ومن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة، ويعصي أخرى، وهذه هي مشيئة الحق ليتوازن الكون، فكل صفة خيِّرة إنْ وجد من يعارض فيها فهذا ما شاءه الله سبحانه وتعالى للإنسان، فلا تحزن يا رسول الله؛ فالحق سبحانه وتعالى شاء ذلك. وإنْ غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة نقول له: إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرازق، قد كفروا به وألحدوا، وجعلوا له شركاء، فتَخلَّقوا بأخلاق الله؟ ولذلك قال الحق سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان المحبة وإيمان الاختيار. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإيمان أنه بالتوفيق لا بالخذلان بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 99] إلى قوله: {نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103]، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} أي: في الأزل، {لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} أي: قدر لهم الإيمان في الأزل كما قدر لبعضهم وهيأ لهم أسباب الهداية، كما هيأ لبعضهم وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه كما كتب بعضهم، وذلك "حديث : أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة..."تفسير : الحديث، كما قال صلى الله عليه وسلم: وكان إصابة النور لمشيئة الله تعالى وهي تهيؤ أسباب الهداية وعبارة من كناية عن الحق، {أَفَأَنتَ} [يونس: 99] يا محمد، {تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} [يونس: 99] الذين لم يصبهم النور المرشش. {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] بالنور لما علمنا أن من لم يجعل الله له نوراً فيما له من نور {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} [يونس: 100]، مظلمة {أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [يونس: 100]، وإذنه بإصابة النور المرشش. {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ} [يونس: 100] أي: عذاب الحجاب، {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 100] سنة الله في الهداية والخذلان بأن سنته أن تهدي العقول المؤيدة بنور الإيمان إلى توحيد الله ومعرفته ولا تهدي العقول المجردة عن نور الإيمان إلى ذلك، وهذا رد على الفلاسفة أنهم يحسبون أن للعقول المجردة عن الإيمان سبيلاً إلى التوحيد والمعرفة، {قُلِ ٱنظُرُواْ} [يونس: 101] بالعقول الخالية عن الإيمان. {مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [يونس: 101] من الآيات الظاهرة وفي سماوات القلوب وأرض النفوس من الآيات الباطنة هل تنفعكم هذه العقول، وتحصيل الإيمان هو من كتابه الحق ونوره، فإذا علمتم أنه محال فاعلموا أنه {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] إلا بالكتابة السابقة والنور المرشش أي: لا تغنيهم العقول المجردة عن نور الإيمان عند رؤية الآيات إلا أن تكون مؤيدة بالنور، {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ} [يونس: 102] ويا أرباب العقول المجردة عن نور الإيمان. {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} [يونس: 102] يعني: كانوا ينتظرون ما قدرنا لهم من أمر السعادة والشقاوة حتى نبشرهم لما خلقوا له ويهيئ أسبابه، {قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ} [يونس: 102] حصول أسبابه، وظهور ما قدرنا لكم، {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 102] ليدخل أو إن ما قدرنا لكم، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [يونس: 103] لما قدرنا لهم من أمر السعادة عند تيهؤ أسباب السعادة وظهورها من الشقاوة، {كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103] من الشقاوة في كل زمان بانعدام أسبابها وتيهؤ أسباب السعادة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا } بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين. { أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله [على] شيء من ذلك. { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي، فمن كان من الخلق قابلا لذلك، يزكو عنده الإيمان، وفقه وهداه. { وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ } أي: الشر والضلال { عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } عن الله أوامره ونواهيه، ولا يلقوا بالا لنصائحه ومواعظه.