Verse. 1464 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَنْ تُؤْمِنَ اِلَّا بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَي الَّذِيْنَ لَا يَعْقِلُوْنَ۝۱۰۰
Wama kana linafsin an tumina illa biithni Allahi wayajAAalu alrrijsa AAala allatheena la yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله» بإرادته «ويجعل الرجس» العذاب «على الذين لا يعقلون» يتدبرون آيات الله.

100

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} «ما» نفي؛ أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ} وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل «ونجعل» بالنون على التعظيم. والرِّجس: العذاب؛ بضم الراء وكسرها لغتان. {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أمر الله عز وجل ونهيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بإرادته {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ } العذاب {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } يتدبرون آيات الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِإِذْنِ اللَّهِ} بأمره، أو معونته، أو إعلامه إياها سبيل الهدى والضلال. {الرِّجْسَ} السخط "ع"، أو الإثم، أو العذاب، أو ما لا خير فيه، أو الشيطان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ويجعل الرجس‏} ‏ قال‏:‏ السخط‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ويجعل الرجس‏} ‏ قال‏:‏ الرجس الشيطان، والرجس العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏وما تغني الآيات والنذر عن قوم‏}‏ يقول‏:‏ عند قوم لا يؤمنون نسخت قوله ‏{أية : ‏حكمة بالغة فما تغني النذر‏}‏ تفسير : ‏[‏القمر: 5‏]‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم‏}‏ قال‏:‏ وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله ‏ {‏فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين‏} ‏ قال‏:‏ خوّفهم الله عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا فقال ‏ {‏ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا‏} ‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الآية: 100]. قال بعضهم: إذا صح له الإيمان، لا يصح إلا أن يأذن الله له بذلك فى إزالة وحرية القضاء السابق له بالإيمان على أحد إلا سعادة سابقة فى الأزل ونور متقدم.

القشيري

تفسير : لا يمكن حَمْل الإذن في هذه الآية إلا على معنى المشيئة؛ لأنه للكافة بالإيمان، والذي هو مأمورٌ بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حملُ هذه الآية على معنى أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ إلا إذا ألجأه الحقُّ إلى الإيمان واضطره - لأنَّ موجِبَ ذلك ألا يكون أحدٌ في العَالَم مؤمناً بالاختيار، وذلك خطأ، فدلَّ على أنه أراد به إلا أنْ يشاءَ اللَّهُ أنْ يُؤمِنَ هو طوَعاً. ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحدٍ أن يؤمِن طوعاً ثم لا يؤمِن؛ لأنه يُبْطِلُ فائدةَ الآية، فَصَحَّ قولُ أهل السُّنَّة بأنَّ ما شاءَ اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} كل نفس ليس لها استعداد معرفته وقبول محبته وليس لها من الله سابقة حسن عنايته فى الازل بنعت اصطفائيتها بالولاية كيف تعرفه ومعرفته نتائج انوار طوالع صفاته فى قلوب العارفين قال بعضهم لا يظهر الايمان على احد لا لسعادة سابقة له فى الازل متقدم ثم زين السماوات والاضين بانوار ملكوته وجبروته واظهر منها سبحات جلاله وشهود عظمته لنظار المعارف والباء الكواشف ودعاء الاحباء والاعداء الى النظ راليهما بقوله {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى ما يبرز من نوره من حبين الشمس وسنا من عارض القمر وضيائه من مرآة الكواكب الذى انكشف لخليله وسليبه من الحدثان الى رؤية القدم بالنظر الى هذه الوسائل حين قال هذا ربى ثم اخبر عن خروجه منها الى انوار السرمدية والفردانية بقوله انى برئ مما تشركون اى لو ان لكم بصائر الصفاتية وابصار الذاتية انظروا فان جمال القدم ظاهر للعاشقين عيان للمشتاقين وبيان للمحبين ثم بين ان من لم يكن له عين من تلك العيون ونور من تلك الانوار لا ترى جماله وجلاله تعالى بقوله {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} اى كيف يفعل الايات بمن خلق محروما عن الايمان === الآيات قال بعضهم لا تصل العقول الخالية من التوفيق الى سبيل النجاة ولما يغنى ضياء العقل مع ظلمة الخذلان انما ينفع الناس العقل من كان === بانوار التوفيق وعناية الازل والا فانه متخبط فى هلاكه بعقله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان} اى وما صح وما استقام {لنفس} من النفوس التى علم الله انها تؤمن {ان تؤمن} فى حال من احوالها {الا باذن الله} اى الا حال كونها ملابسة باذنه تعالى وتسهيله وتوفيه فلا تجهد نفسك فى هداها فانه الى الله: قال الحافظ رضا بداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتودر اختيار نكشادست {ويجعل الرجس} اى الكفر بقرينه ما قبله عبر عنه بالرجس الذى هو عبارة عن القبيح المستقذر المستكره لكونه علما فى القبح والاستكراه اى يجعل الكفر ويبقيه {على الذين لا يعقلون} لا يستعملون عقولهم بالنظر فى الحجج والآيات فلا يحصل لهم الهداية التى عبر عنها بالاذن فيبقون مغمورين بقبائح الكفر والضلال. وفى التأويلات النجمية {ويجعل الرجس} اى عذاب الحجاب {على الذين لا يعقلون} سنة الله فى الهداية والخذلان فان سنته ان تهتدى العقول المؤيدة بنور الايمان الى توحيد الله ومعرفته ولا تهتدى العقول المجردة عن نور الايمان الى ذلك وهذا رد على الفلاسفة فانهم يحسبون ان للعقول المجردة عن الايمان سبيلا الى التوحيد والمعرفة انتهى: قال الحافظ شعر : اى كه دفتر عقل آيت عشق آموزى ترسيم اين نكته تحقيق ندانى دانست

الطوسي

تفسير : قرأ ابو بكر إلا الأعشى والبرجمي {ونجعل} بالنون. الباقون بالياء. من قرأ بالياء فلانه تقدم ذكر الله فكنى عنه. ومن قرأ بالنون ابتدأ بالاخبار عن الله. ومعنى قوله {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} انه لا يمكن احد ان يؤمن إلا باطلاق الله له في الايمان وتمكينه منه ودعاءه اليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك. وقال الحسن وابو علي الجبائي: اذنه ها هنا أمره كا قال {أية : يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم } تفسير : وحقيقة اطلاقه في الفعل بالأمر، وقد يكون الاذن بالاطلاق في الفعل برفع التبعة. وقيل: معناه وما كان لنفس أن تؤمن إلا بعلم الله. وأصل الاذن الاطلاق في الفعل فأما الاقدار على الفعل فلا يسمى أذناً فيه، لان النهي ينافي الاطلاق. قال الرماني: والنفس خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ونفسه وذاته واحد إلا انه قد يؤكد بالنفس ولا يؤكد بالذات. والنفس مأخوذة من النفاسة. وقوله {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الفراء: الرجس العذاب يجعله على الذين لا يعقلون امر الله ولا نهيه ولا ما يدعوهم اليه. والثاني - قال الحسن: الرجس الكفر أي يجعله بمعنى انه يحكم انهم اهله ذمّاً لهم واسماً {على الذين لا يعقلون} اي كانهم لا يعقلون شيئاً ذمّاً لهم وعيبا وقال ابن عباس: الرجس الغضب والسخط. وقال ابو عبيدة الرجز العذاب ومثله الرجس، ومنه قوله { أية : لئن كشفت عنا الرجز }تفسير : وقوله {أية : فلما كشفنا عنهم الرجز}تفسير : وقوله {أية : والرجز فاهجر } تفسير : معناه وذا الرجز أي الذي تؤدي عبادته إلى العذاب. وقال الحسن: الرجز بضم الراء العذاب، وبكسرها الرجس. وقال الفراء: يجوز أن يكون الرجز بمعنى الرجس وقلبت الزاي سيناً كما قالوا اسد وأزد.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الجملة حاليّة او مستأنفة والاوّل اوفق بترتّب الانكار على تعليق الايمان على المشيّة {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} حقّ المقابلة ان يقال ولا ان تكفرا الاّ باذن الله لكن لمّا كان الايمان هو الدّخول فى حريم قدسه تعالى كان موقوفاً على اذنه، والكفر لمّا كان عدم الدّخول لم يكن موقوفاً على اذنه بحسب الظّاهر ولمّا كان تبعة الكفر بفعل الله جعل الرّجس الّذى هو تبعة الكفر الى نفسه.

اطفيش

تفسير : {ومَا كانَ لنَفْسٍ أن تؤمنَ إلا بإذْن اللهِ} بإرادته وتوفيقه، فخفف عنك الهم {ويجْعَلَ} وقرأ أبو بكر بالنون {الرِّجْس} العذاب أو الخذلان، فسماه باسم العذاب، وهو لفظ الرِّجس، لأنه سببه، أو شبه الخذلان بما هو خبيث منتن، فسماه باسمه وهو لفظ الرِّجس، وقيل: الرجس العذاب والخذلان، وعن ابن عباس السخط، وقرأ بالزاى قابل الإذن بالرجس وهو الخذلان على ما مر، والنفس التى تؤمن بإذن الله بقوله: {عَلى الَّذينَ لا يعْقِلونَ} لا يفهمون دلائله للطبع على قلوبهم، أو لا يستعملون عقولهم بالنظر فيها، وهذا أنسب بقوله: {قُلِ انْظُروا} أى تفكروا {ماذَا} اسم استفهام مركب مبتدأ خبره ما بعده، أو ما خبر وذا مبتدأ، وجاز العكس، وما بعد ذلك صلة ذا، وعلى كل حال فالجملة مفعول لانظروا، علق عنها النظر، وأجاز بعض أن يكون ماذا كله اسما واحدا موصولا مركبا مفعولا لانظروا. {فى السَّماواتِ} كالشمس والقمر، والنجوم والملائكة، فإنهم معترفون بالملائكة، ومثل بعضهم بعض بالمطر، إما على أن أصله من السماء، وإما على أن المراد فى جهة السماوات، سواء فيهن أو خارج عنهن. {والأرْضِ} كبحر ونهر، وشجر ونبات، وجبل ومعدن، كل ذلك دليل على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته. {ومَا} نافية أو استفهامية إنكارية فى معنى النفى، أو مفعول مطلق لقوله: {تُغْنى} وقرئ يغنى بالتحتية {الآياتُ والنُّذرُ} جمع نذير بمعنى إنذار، أو جمع نذير بمعنى منذر، وهو الرسول من الرسل، فالمعى وما تغنى الآيات والإنذارات، أو الرسل، ومفعول تغنى على أن ما نافية أو استفهامية مفعول مطلق محذوف، أى ولا تغنى الآيات والنذر شيئا، أو أى إغناء تغنى شيئا. {عَنْ قَومٍ لا يؤمنُونَ} أى عن قوم سبق فى علم الله أنهم لا يؤمنون، وهم الذين لا يعقلون، لا يتدَبَّرون.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} بيان لتبعية إيمان النفوس التي علم الله تعالى إيمانها لمشيئته تعالى وجوداً وعدماً بعد بيان الدوران الكلي عليها كذلك، وقيل: هو تقرير لما يدل عليه الكلام السابق من أن خلاف المشيئة مستحيل أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمن {أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته وإرادته سبحانه، والأصل في الإذن بالشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه، وجعلوا ما ذكر من لوازمه كالتسهيل الذي ذكره بعضهم في تفسيره، وخصصت النفس بالصفة المذكورة ولم تجعل من قبيل قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}تفسير : [آل عمران: 145] قيل لأن الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة بإذنه سبحانه فلا بد من كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت مآل لكل نفس لا محيص لها عنه فلا بد من التخصيص بما ذكر، فإن النفوس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى تستثني تلك الحال من غيرها انتهى. وقد يقال: إن هذا الاستثناء بالنظر إلى النفس التي علم الله تعالى أنها لا تؤمن مفيد لعدم إيمانها على أتم وجه على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 23] فكأنه قيل: ما كان لنفس علم الله تعالى أنها لا تؤمن أن تؤمن في حال من الأحوال كسلامة العقل وصحة البدن وغيرهما إلا في حال ملابستها إذن الله تعالى وإرادته أن تؤمن وهي تابعة لعلمه بذلك وعلمه به محال لأنه قد علم نقيضه فيلزم انقلاب العلم جهلاً فتكون إرادته ذلك محالاً فيكون إيمانها محالاً إذ الموقوف على المحال محال. وفي «الحواشي الشهابية» أن {مَا كَانَ} إن كان بمعنى ما وجد احتاج إلى تقييد النفس بمن علم أنها تؤمن وإن كان بمعنى ما صح لا يحتاج إليه ولذا ذكره من ذكره وتركه من تركه وفيه خفاء فتأمل. {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ} أي الكفر كما في قوله تعالى: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125] بقرينة ما قبله، وأصله الشيء الفاسد المستقذر وعبر عنه بذلك لكونه علماً في الفساد والاستقذار، وقيل: المراد به العذاب وعبر عنه بذلك لاشتراكهما في الاستكراه والتنفر، وأن إرادة الكفر منه باعتبار أنه نقل أولاً عن المستقذر إلى العذاب للاشتراك فيما ذكر ثم أطلق على الكفر لأنه سببه فيكون مجازاً في المرتبة الثانية، واختار الإمام [الرازي] التفسير الأول تحاشياً مما في إطلاق المستقذر على عذاب الله تعالى من الاستقذار وبعض الثاني لما أن كلمة {عَلَىٰ} في قوله تعالى: {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله / وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع تأبـى الأول. وتعقب بأن المعنى يقدره عليهم فلا إباء، ويفسر {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} بما يكون به تأسيساً كما سمعت في تفسيره، ومنه تعلم أن الفعل منزل منزلة اللازم أوله مفعول مقدر، وقد يفرق بين التفسيرين بأنهم على الأول لم يسلبوا قوة النظر لكنهم لم يوفقوا لذلك وعلى الثاني بخلافه والأمر الآتي ظاهر في الأول، والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل: فيأذن لهم بالإيمان ويجعل الخ أو فيأذن لبعضهم بذلك ويجعل الخ. وقرىء {الرجز} بالزاي؛ وقرأ حماد ويحيـى عن أبـي بكر {ونجعل} بالنون.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : أفأنت تكره الناس}تفسير : [يونس: 99] لتقرير مضمونها لأن مضمونها إنكار أن يقدر النبي صلى الله عليه وسلم على إلجاء الناس إلى الإيمان لأن الله هو الذي يقدر على ذلك. ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير المخاطب، أي كيف يمكنك أن تكره الناس على الإيمان والحال أنه لا تستطيع نفس أن تؤمن إلا بإذن الله لها بالإيمان. والإذن: هنا إذن تكوين وتقدير. فهو خلْق النفس مستعدة لقبول الحق مميزة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد، متوصلة بالنظر الصحيح إلى معرفة ما ينبغي أن يُتبع وما لا ينبغي، متمكنة بصحة الإرادة من زجر داعية الهوى والأعراض العاجلة ومن اتباع داعية الحق والعاقبة الدائمة حتى إذا وُجه إليها الإرشاد حصل فيها الهدى. ويومىء إلى هذا المعنى من الإذن قوله في مقابله {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} فقابَلَ هذه الحالة بحالة الذين لا يعقلون فعلم أن حالة الإيمان حالة من يعقلون، فبينت آية {أية : ولو شك ربك لآمن مَن في الأرض}تفسير : [يونس: 99] أن إيمان من لم يؤمن هو لعدم مشيئة الله إيمانه. وبينت هذه الآية أن إيمان من آمن هو بمشيئة الله إيمانه، وكلاهما راجع إلى تقدير التكوين في النفوس والعقول. والرجس: حقيقته الخبث والفساد. وأطلق هنا على الكفر، لأنه خبث نفساني، والقرينة مقابلته بالإيمان كالمقابلة التي في قوله: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً إلى قوله:{أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 124، 125]. والمعنى: ويوقع الكفر على الذين لا يعقلون. والمراد نفي العقل المستقيم، أي الذين لا تهتدي عقولهم إلى إدراك الحق ولا يستعملون عقولهم بالنظر في الأدلة. و{على} للاستعلاء المجازي المستعمل في التمكن. وقرأ الجمهور {ويجعل الرجس} بياء الغيبة، والضمير عائد إلى اسم الجلالة الذي قبله. وقرأه أبو بكر عن عاصم {ونجعل} بنون العظمة.

د. أسعد حومد

تفسير : (100) - وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ، بِمُقْتَضَى مَا أَعْطَاها اللهُ مِنَ الاخْتِيَارِ والاسْتِقْلالِ فِي الأَفْعَالِ، أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِرَادَةِ اللهِ، وَمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ المُتَقَابِلَينِ: فَالنَّفْسُ مُخْتَارَةٌ فِي دَائِرَةِ الأَسْبَابِ وَالمُسَّببَاتِ، وَلَكِنَّها غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فِي اخْتيارِها اسْتِقْلالاً تَامّاً، بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِنِظَامِ السُّنَنِ، وَالأَقْدَارِ الإِلهِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيءٍ بِإِذْنِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ التِي تَجْرِي بِقَدْرِهِ فَهُوَ يَجْعَل الإِذْنَ، وَيُيَسِّرُ الإِيمَانَ لِلَّذِينَ يَعْقِلُونَ آيَاتِهِ، وَيُوَازِنُونَ بَيْنَ الأُمُورِ فَيَخْتَارُونَ خَيْرَ الأَعْمَالِ، وَيَتَّقُونَ شَرَّهَا، وَيُرَجِّحُونَ أَنْفَعَهَا عَلَى أَضَرِّهَا بِإِذْنِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ، وَيَجْعَلُ الخِزْيَ وَالخِذْلاَنَ المُرجِّحَ لِلْكُفْرِ وَالفُجُورِ عَلَى الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ الحُجَجَ الوَاضِحَةَ، وَلاَ يَتَدَبَّرُونَها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هكذا يُبيِّن لنا الحق سبحانه أن أحداً لا يؤمن إلا بإذن من الله تعالى؛ لأن معنى أن تؤمن أن يكون إيمانك إيمان فطرة نتيجة تفكُّر في سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجَاج، وبحار تَزْخر، ورياح تَصْفِر، كل ذلك يدل على وجود الخالق سبحانه. لكن أتَرَكَ الله سبحانه وتعالى الناس للفطرة؟ لا، بل أرسل سبحانه لهم الرسل ليذكِّروهم بالآيات الموجودة في الكون، ولينتبه الغافل؛ لأنه سبحانه لا يريد أن يأخذ الناس على حين غفلة. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : .. لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 131]. لذلك ينبههم الحق سبحانه بأن هناك أشياء كان يجب أن تُذكر، وكأن الحق سبحانه يُبيِّن لنا: إياكم أن تفهموا أن أحداً يخرج عن مُلكي إلا بإرادتي، فأنا بخلقي له مختاراً سمحت له أن يكفر أو يؤمن، وسمحت له أن يطيع أو أن يعصي. كل ذلك من أجل أن يثبت لي صفة المحبوبية. لذلك فلا أحد يؤمن إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يكفر إلا بإذنه سبحانه؛ لأن مَنْ خلقه مختاراً عَلِمَ برضاء منه بما يكون من المخلوق، فالكافر لم يكفر قهراً، والمؤمن لم يؤمن قهراً من الله سبحانه. وساعةَ يأتي الرسول ليعرض قضية الإيمان، يتذكر الإنسان إيمان الفطرة ويقول: لقد جاء هذا الرسول بهذا المنهج ليعدِّل لي حياتي، فلا بد أن أرْهِفَ له السمع. وساعة يُقْبِل العبد على الله تعالى، فسبحانه يأذن له أن يدخل إلى حظيرة الإيمانَ. إن العبد مِنَّا إذا ما ذهب للقاء عبد مثله له سيادة وجاه، ويدرك العبد صاحب السيادة والجاه ـ بفضل من الله ـ السبب الذي جاء من أجله العبد الآخر؛ فيقول صاحب السيادة لمعاونيه: لا تُدْخِلوه. وهو يقول ذلك؛ لأن الله سبحانه أطلعه على ما في قلب العبد الآخر من غلًّ ومن حقدٍ ومن نفاق. أما إذا دقَّ بابه عبد آخر، فتجده يأمر معاونيه أنْ يُدخلوه وأن يفسحوا له؛ لأنه علم بما في قلبه من محبة ورغبة في صِدْق اللقاء والمودة. إذا كان هذا يحدث بين العباد، وهم كلهم أغيار، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى؟ والله سبحانه هو القائل في حديث قدسي: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرتُه في ملأ خير منه ". تفسير : ما بالنا بالعبد إذا دخل على الإيمان بالله غير مشحون بعقيدة عدا الله. إذن: أقْبِلْ على الله سبحانه وعلى ذكر الله، وأنت إنْ ذكرت الله في نفسك، فالله يذكرك فيه نفسه، وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأ خير منه، فالملأ الذي ستذكره فيه ملأ خَطَّاءٌ، والله سبحانه سيذكرك في ملأ طاهر. ويقول الحق سبحانه في ذات الحديث القدسي: "حديث : إنْ تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً ". تفسير : والذراع أطول من الشِّبر. ويقول: "حديث : وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : فالمشي قد يُتعب العبد، لذلك يُسرع إليه الحق عز وجل، وهو سبحانه بكل ربوبيته ما إنْ يعلمْ أن عبداً قد صفا قلبه من خصومة الله تعالى في شيء، حتى يفتح أمامه أبواب محبته سبحانه، فيحبِّب فيه خلقه، ويجعل له مدخل صدق في كل أمر ومخرج صدق من كل ضيق، وهو الحق القائل: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. ونلحظ أن الحق سبحانه يؤكد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنه لو شاء لآمن مَنْ في الأرض جميعاً؛ ليبيِّن لنا أنه حتى إبليس الذي دخل في جدالٍ مع الله، لو شاء الحق سبحانه لآمن إبليس. وجاء الحق سبحانه بهذا التأكيد؛ لِيُحْكِمَ الأمرَ حول كل خَلْقه ومخلوقاته، فلا يشذ منهم أحد. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {أية : .. أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يونس: 99]. أراد الحق سبحانه أن يُنبِّه رسوله صلى الله عليه وسلم وكل المؤمنين أنه: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. لأن مطلوبات الدين ليست هي المطلوبات الظاهرة فقط التي تقع عليها العين، فهناك مطلوبات أخرى مستترة، فَهَبْ أنك أكرهت قالباً أتستطيع أن تُكرِه قلباً؟ والحق سبحانه وتعالى يريد قلوباً لا قوالب. وهكذا لا يصلح الإكراه في قضية الدين، ولكن على الإنسان ألاَّ يسحب الإكراه إلى غير موضعه أو مجاله؛ لأنك قد تجد مسلماً لا يصلّي فينهره صديقه، فيردّ: لا إكراه في الدين. وهذا استخدام غير صحيح واستدلال خاطىء؛ لأن الإكراه في الدين إنما يكون ممنوعاً في القضية العقدية الأولى. ولكن مَنْ أعلن أنه مسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذا إعلان بالالتزام بكل أحكام الإسلام، وهو محسوب على الإسلام، فإنْ أخلْ بحكمٍ من أحكام الإسلام فلا بد من محاسبته. ولا إكراه في الدين، فيما يخصُّ القضية العقدية الأولى، وأنت حُرٌّ في أن تدخل إلى الإسلام أو لا تدخل، فإنْ دخلت الإسلام فأنت ملتزم بأحكام الإسلام؛ لأنك آمنت به وصِرْتَ محسوباً عليه، واحفظ حدود الإسلام ولا تكسرها؛ لأنك على سبيل المثال - لا قدر الله - إن سرقت؛ تٌقطع يدك، وإنْ زنيت تُرجَم أو تُجلد، وإنْ شربت الخمر تُجلد؛ لأنك قبلتَ قواعد الإسلام وشريعته. وإنْ رأى واحدٌ مسلماً يسرق، فلا يقولن إن الإسلام يُسرِّق،ولكن إن رآه يُعاقَب، فهو يعرف أن الإسلام يعاقب مَنْ يجرم. إذن: فـ {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. تخص المنع عن الإكراه على أصل الدين، ولكن بعد أن تؤمن فأنت ملتزم بفرعيات الدين، وتعاقب إنْ خرجتَ على الحدود. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَثَلُ القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوْا من الماء مرُّوا على مَنْ فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خُرْقاً ولم نُؤذِ مَنْ فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وأن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً ". تفسير : إذن: فالالتزام بفروع الدين أمر واجب ممن دخل الدين دون إكراه، وإنْ خدش حكماً من الأحكام يُعاقب. وهناك ما هو أشدُّ من ذلك، وهو حكم مَنْ ارتد عن الإسلام، وهو القتل. وقد يقول قائل: إن هذا الإمر يمثل الوحشية. فنقول له: إن من التزم بالدين، إنما قد علم بداية أنه إنْ آمن ثم ارتد، فسوف يُقتَل؛ ولذلك فليس له أن يدخل إلى الإسلام إلا بيقين الإيمان. وهذا الشرط للدين؛ لا على الدين. فلا تدخل على الدين إلا وأنت متيقِّن أن أوامر الدين فوق شهواتك، واعلمْ أنك إنْ دخلتَ على الدين ثم تَخلَّيْتَ عنه فسوف تُقْتَل، وفي هذا تصعيب لأمر دخول الدين، فلا يدخله أحد إلا وهو واثق من يقينه الإيماني، وهذا أمر محسوب للدين لا ضد الدين. وهنا يقول الحق سبحانه: {.. وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 100]. والرجس: هو العذاب، وهو الذنب، ويجعله الحق سبحانه وتعالى على الذين لا يعقلون؛ لأن قضية الدين إذا طُرِحَتْ على العقل بدون هَوىً؛ لا بُدَّ أن ينتهي العقل إلى الإيمان. ولذلك تجد القمم الفكرية حين يدرسون الدين؛ فهم يتجهون إلى الإسلام؛ لأنه هو الدين الذي يشفي الغُلَّة، أما الذين أخذوا الدين كميراث عن الآباء، فهم يظلون على حالهم. وبعض القمم الفكرية في العالم التي اتجهت إلى اعتناق الإسلام، لم تتجه إليه بسبب رؤيتهم لسلوك المسلمين؛ لأن سلوك المنسوبين للإسلام في زماننا قد ابتعد عن الدين. ولذلك فقد اتجهت تلك القمم الفكرية للإسلام إلى دراسة مبادىء الإسلام، وفرَّقوا بين مبادىء الدين، وبين المنتمين للدين، وهذا إنصاف في البحث العقلي؛ لأن الدين حين يُجرِّم عملاً، فليس في ذلك التجريم إذْنٌ من الدين بحدوث مثل هذا الفعل المجرم، بدليل تقدير العقاب حسب خطورة الجريمة. فالحق سبحانه قد قال: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ..}تفسير : [المائدة: 38]. إنه الإذن باحتمال ارتكاب السرقة، وكذلك الأمر بالنسبة للزنا، وغير ذلك من الجرائم التي جعل لها الحق سبحانه عقوبات تتناسب مع الضرر الواقع على النفس أو المجتمع من وقوعها، فإذا رأيت مسلماً يسرق، فتذكَّر العقاب الذي أوقعه الإسلام على السارق، وإنْ رأيتَ مسلماً يزني، فَتذكَّر العقوبة التي حددها الحق سبحانه للزاني. وهكذا الحال في جميع الجرائم. وكبار المفكرين العالميين الذين يتجهون إلى الإسلام إنما يدرسون مبادىء الدين مفصولة عن سلوك المسلمين المعاصرين، الذين ابتعدوا عن مبادىء الدين الحنيف. وها هو ذا "جينو" المفكر الفرنسي يقول: "الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين، فلو كنتُ قد عرفتُ المسلمين قبل الإسلام لكان هناك احتمال لزلزلة في النفس تجعلني أتردد في الدخول إلى هذا الدين الرفيع المقام". إذن: فإعمال العقل الراقي لا بد أن يؤدي إلى الإسلام لأنه فطرة الله، والإسلام يُنمِّيها، ويرتقي بها، والعقل هو مَنَاطُ التكليف. والرجس والذنب والعذاب كله إنما يقع على الذين لا يُعْمِلون عقولهم، وإعمال العقل المتعقل للقيم ينفي الرجس؛ لأنهم سيُقبلون على التدين بإذن الله تعالى لهم أن يدخلوا على الإيمان به. وإذا سألني سائل: ما هو العقل؟ وما هو مَناَطُ التكليف؟ نجد أن كلمة "عقل" مأخوذة من عِقَال البعير، وهو ما يُشَدُّ على رُكْبته حتى لا ينهض، ويظل ساكناً، وحين يريد صاحبه أن يُنهضه فهو يفكُّ العقال. وأهل الخليج يضعون على رؤوسهم غطاء للرأس (غُتْرة) ويثبتونه بنسيج مغزول على هيئة حلقتين، ويسمون هاتين الحلقتين "العقال"؛ لأنه يمنع غطاء الرأس من أن يحركه الهواء، أو يُطيّره. إذن: فالعقل أراده الله سبحانه لنا ليحجزنا عن الانطلاق والفوضى في تحقيق شهوات النفس؛ لأنه سبحانه قد خلق النفس البشرية، ويعلم أنها تحب الشهوات العاجلة، فأراد سبحانه للإنسان أن يكبح جماح تلك الشهوات بالعقل. فحين يفكر الإنسان في تحقيق الشهوة العاجلة، يجد عقله وهو يهمس له: إنك ستستمتع بالشهوة العاجلة دقائق، وأنت قد تأخذها من غيرك؛ من محارمه أو من ماله، فهل تسمح لغيرك أن يأخذ شهوته العاجلة منك؟ إذن: عليك أن تعلم أن العقل إنما أراده الله سبحانه لك ليعقلك عن الحركة التي فيها هَوى، وتحقق بها شهوة ليست لك، ومغبَّتها متعبة. ويخطىء مَنْ يظن أن العقل يفتح الباب أمام الانطلاق اللا مسئول باسم الحرية، ونقول لمن يظن مثل هذا الظن: إن العقل هو مَنَاطُ التكليف، وهو الذي يوضِّح لك آفاق المسئولية في كل سلوك. ومن عدالة الحق سبحانه أنه لم يكلِّف المجنون؛ لأن حكم المجنون على الأشياء والأفعال هو حكم غير طبيعي؛ لأنه يفتقد آلة الاختيار بين البدائل. وكذلك لم يكلف الله سبحانه مَنْ لم ينضج بالبلوغ؛ لأنه غير مُسْتوفٍ للمَلَكات، ولم تستوِ لديه القدرة على إنجاب مثيل له. وقد ضربنا من قبل المثل بالثمرة، وقلنا: إنه لا يقال إن الثمرة نضجت وصار طَعْمها مقبولاً مستساغاً إلا إذا أصبحت البذرة التي فيها قادرة على أن تنبت منها شجرة إن زرعناها في الأرض. وأنت مثلاً حين تقطع البطيخة، وتجد لُبَّها أبيض اللون فأنت لا تأكلها، وتحرص على أن تأكل البطيخة ذات البذر الذي صار أسود اللون؛ لأنه دليل نُضْج البطيخة، وأنت حين تأخذ هذا اللبَّ وتزرعه ينتح لك بطيخاً. إذن: فاكتمال الإنسان بالبلوغ يتيج لعقله أن يَزِنَ السلوك قبل الإقدام عليه، والتكليف إنما يكون للعاقل البالغ غير المكره بقوةٍ تقهره على أن يفعل ما لا يعقله. أما قبل البلوغ فالتكليف ليس من الله، بل من الأسرة، لتدربه على الطاعة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا: "حديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع ". تفسير : وهنا نجد أن الذي يأمر هو الأب وليس الله، والذي يعاقب هو الأب، وليس الله، وما إن يصل الابن إلى مرحلة البلوغ يبدأ تكليفه من الله. أما إذا جاء مَنْ يُكْرِهه على أن يرتكب معصية بقوة تفوق قوته كأن يمسك (مسدساً) ويقول له: إن لم تشرب الخمر أطلقتُ عليك النار، فهنا يرفع عنه التكليف. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: "حديث : إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرِهوا عليه ". تفسير : فالعقل - إذن - هو مناط التكليف، وعمله أن يختار بين البدائل في كل شيء، ففي الطعام مثلاً نجد مَنْ يهوى وضع (الشطة) فوق الطعام؛ لأنها تفتح شهيته للطعام، وبعد أن يأكل نجده صارخاً من الحموضة، ويطلب المهضِّمات، وقد لا تفلح معه، بل وقد تُفسد له الغشاء المخاطي الموجود على جدار المعدة لحمايتها، فَرُبَّ أكْلة منعتْ أكلات؛ ولذلك نجد عقله يقول له: احذر من هذا اللون من المشهيات؛ لأنه ضارٌّ بك. وهكذا نجد العقل هو الذي يوضح للإنسان نتائج كل فعل، وهو الذي يدفع إلى التأني والإجادة في العمل؛ ليكون ناتج العمل مفيداً لك ولغيرك باستمرار، ولم يأتِ العقل للإنسان ليستمرىء به الخطأ والخطايا. وهكذا نجد أن العقل يدرك ويختار السلوك الملائم لكل موقف، بل إن العقل يدعو الإنسان إلى الإيمان حتى في مرحلة ما قبل التكليف، فحين يتأمل الإنسان بعقله هذا الكون لا بُدَّ أن يقوده التأمل إلى الاعتراف بجميل صنيع الخالق سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.