Verse. 1465 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلِ انْظُرُوْا مَاذَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ وَمَا تُغْنِي الْاٰيٰتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُوْنَ۝۱۰۱
Quli onthuroo matha fee alssamawati waalardi wama tughnee alayatu waalnnuthuru AAan qawmin la yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لكفار مكة «انظروا ماذا» أي الذي «في السماوات والأرض» من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى «وما تغني الآيات والنذر» جمع نذير أي الرسل «عن قوم لا يؤمنون» في علم الله أي ما تنفعهم.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة {قُلِ ٱنظُرُواْ } بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض. فقال: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. واعلم أن هذا يدل على مطلوبين: الأول: أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : تفكروا في الخلق ولاتتفكروا في الخالق » تفسير : والثاني: وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السموات أو من عالم الأرض، أما الدلائل السماوية، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد، وأما الدلائل الأرضية، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها. ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد. ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب ذكر قوله: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية، حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال، فقال: {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: {مَا } في هذا الموضع تحتمل وجهين: الأول: أن تكون نفياً بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله عليه بأنه لا يؤمن، كقولك: ما يغني عنك المال إذا لم تنفق. والثاني: أن تكون استفهاماً كقولك: أي شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار. المسألة الثانية: الآيات هي الدلائل، والنذر الرسل المنذرون أو الإنذارات. المسألة الثالثة: قرىء {وَمَا يُغْنِى } بالياء من تحت.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أمرٌ للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدّالة على الصانع والقادر على الكمال. وقد تقدّم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. {وَمَا تُغْنِي} «ما» نفي؛ أي ولن تغنى. وقيل: استفهامية؛ التقدير أيّ شيء تغني. {الآيَاتُ} أي الدّلالات. {والنُّذُرُ} أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن.

ابن كثير

تفسير : يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وما خلق الله في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب؛ مما في السموات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين، يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي: وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون؟ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96] الآية. وقوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم؟ {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ قُلْ ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: ونهلك المكذبين بالرسل {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حقاً أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة؛ كقوله: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَة} تفسير : [الأنعام: 54] وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لكفار مكة {ٱنظُرُواْ مَاذَا } أي الذي {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وٱلأَرْضِ } من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى {وَمَا تُغْنِى ٱلأَيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ } جمع (نذير) أي الرسل {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } في علم الله أي ما تنفعهم؟.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }: لما بين سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله، أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية، والمراد بالنظر: التفكر والاعتبار، أي قل يا محمد للكفار: تفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من المصنوعات الدالة على الصانع ووحدته، وكمال قدرته. و{ماذا} مبتدأ، وخبره {في السموات والأرض}. أو المبتدأ "ما"، و"ذا" بمعنى الذي، و{في السموات والأرض} صلته، والموصول وصلته خبر المبتدأ، أي: أيّ شيء الذي في السموات والأرض، وعلى التقديرين فالجملة في محل نصب بالفعل الذي قبلها. ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت شقاوته، فقال: {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ } أي: ما تنفع على أن ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية: أي: أيّ شيء ينفع، والآيات هي التي عبر عنها بقوله: {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والنذر: جمع نذير، وهم: الرسل أو جمع إنذار، وهو المصدر {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } في علم الله سبحانه؛ والمعنى: أن من كان هكذا لا يجدى فيه شيء، ولا يدفعه عن الكفر دافع. قوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } أي: فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم إلا مثل وقائع الله سبحانه بالكفار الذين خلوا من قبل هؤلاء، فقد كان الأنبياء المتقدّمون يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر، حتى ينزل الله عليهم عذابه، ويحلّ بهم انتقامه، ثم قال: {قُلْ } يا محمد لهؤلاء الكفار المعاصرين لك {فَٱنتَظِرُواْ } أي: تربصوا لوعد ربكم، إني معكم من المتربصين لوعد ربي، وفي هذا تهديد شديد، ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك، وثم في قوله: {ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا } للعطف على مقدّر يدلّ عليه ما قبله، كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلين إليهم. وقرأ يعقوب ثم «ننجى» مخففاً. وقرأ كذلك أيضاً في {حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. وروي كذلك عن الكسائي وحفص في الثانية. وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجى إنجاء، ونجى ينجى تنجية بمعنى واحد {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } معطوف على رسلنا: أي: نجيناهم ونجينا الذين آمنوا، والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلاً لأمرها {كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا } أي: حق ذلك علينا حقاً، أو إنجاء مثل ذلك الانجاء حقاً {نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من عذابنا للكفار، والمراد بالمؤمنين: الجنس، فيدخل في ذلك الرسل وأتباعهم، أو يكون خاصاً بالمؤمنين، وهم أتباع الرسل؛ لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى. قوله: {قُلْ ياأَهْلَ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } أمر سبحانه رسوله بأن يظهر التباين بين طريقته وطريقة المشركين، مخاطباً لجميع الناس، أو للكفار منهم، أو لأهل مكة على الخصوص بقوله: إن كنتم في شك من ديني الذي أنا عليه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته، وأنه الدين الحق الذي لا دين غيره، فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } في حال من الأحوال {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ } أي أخصه بالعبادة، لا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها، وخصّ صفة المتوفى من بين الصفات لما في ذلك من التهديد لهم: أي: أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أوّلاً، وعلى الإعادة ثانياً، ولكونه أشدّ الأحوال مهابة في القلوب، ولكونه قد تقدّم ذكر الإهلاك، والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله، بين أنه مأمور بالإيمان فقال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: بأن أكون من جنس من آمن بالله، وأخلص له الدين. وجملة: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ } معطوفة على جملة {أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر؛ لأن المقصود من «أن» الدلالة على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، أو يكون المعطوف عليه في معنى الإنشاء؛ كأنه قيل: كن مؤمناً ثم أقم؛ والمعنى: أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال. وخص الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة، وعدم التحوّل عنها. و{حنيفاً} حال من الدين، أو من الوجه: أي مائلاً عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. ثم أكد الأمر المتقدّم للنهي عن ضدّه، فقال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } وهو معطوف على {أقم}، وهو من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } معطوف على {قُلْ ياأَهْلَ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } غير داخل تحت الأمر، وقيل: معطوف على {ولا تكونن} أي: لا تدع من دون الله على حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرّك بشيء من النفع والضرّ إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعاً، ولا يقدر على ضرّ ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضرّ غيره، فكيف إذا كان موجوداً؟ فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأقبح {فَإِن فَعَلْتَ } أي: فإن دعوت، ولكنه كنى عن القول بالفعل {فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } هذا جزاء الشرط، أي فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرّك، فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم. والمقصود من هذا الخطاب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم. وجملة {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ } إلى آخرها مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى: أن الله سبحانه هو الضار النافع. فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان، بل هو المختص بكشفه كما اختصّ بإنزاله {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } أيّ: خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائناً من كان، وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بمالا يستحقونه بأعمالهم. قال الواحدي: إن قوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } هو من القلب، وأصله وإن يرد بك الخير، ولكن لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان لآخر. قال النيسابوري: وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير، والمسّ بجانب الشرّ دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات، والشرّ بالعرض. قلت: وفي هذا نظر، فإن المسّ هو أمر وراء الإرادة، فهو مستلزم لها، والضمير في {يصيب به} راجع إلى فضله: أي يصيب بفضله من يشاء من عباده. وجملة: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } تذييلية. ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره، فقال: {قُلْ ياأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ } أي: القرآن {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي: منفعة اهتدائه مختصة به، وضرر كفره مقصور عليه لا يتعدّاه، وليس لله حاجة في شيء من ذلك، ولا غرض يعود إليه {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي: بحفيظ يحفظ أموركم، وتوكل إليه، إنما أنا بشير ونذير. ثم أمره الله سبحانه أن يتبع ما أوحاه إليه من الأوامر والنواهي التي يشرعها الله له، ولأمته، ثم أمره بالصبر على أذى الكفار، وما يلاقيه من مشاقّ التبليغ، وما يعانيه من تلوّن أخلاق المشركين وتعجرفهم، وجعل ذلك الصبر ممتداً إلى غاية هي قوله: {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } أي: يحكم الله بينه وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم، وفي الآخرة بعذابهم بالنار، وهم يشاهدونه صلى الله عليه وسلم هو وأمته، المتبعون له المؤمنون به، العاملون بما يأمرهم به، المنتهون عما ينهاهم عنه، يتقلبون في نعيم الجنة الذي لا ينفد، ولا يمكن وصفه، ولا يوقف على أدنى مزاياه. وقد أخرج أبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ } يقول: عند قوم {لاَ يُؤْمِنُونَ } نسخت قوله: {أية : حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ }تفسير : [القمر: 5]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } قال: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوح، وعاد، وثمود. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال: خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، فقال: {ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } يقول: بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال: ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهنّ عن جميع الخلائق: أوّلهنّ: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ }، والثانية: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } تفسير : [فاطر: 2]، والثالثة: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6]. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } قال: هو الحق المذكور في قوله: {قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في قوله: {وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ } قال: هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: هذه الآية أمْر للكفَّار بالٱعتبار والنَّظَرِ في المصْنُوعات الدالَّة على الصَّانع من آيات السمٰواتِ وأفلاكِها وكواكِبِها وسحابِها ونَحْوِ ذلك، والأرْضِ ونباتِهَا ومعادِنِها وغيرِ ذلك، المعنى: ٱنْظُرُوا في ذلك بالواجب، فهو يُنْهِيكُمْ إِلى المعرفة باللَّه وبوَحْدَانيته، ثم أخبر سبحانه أنَّ الآيات والنُّذُرَ - وهم الأنبياء - لا تُغْنِي إِلا بمشيئته؛ فـــ «مَا»؛ على هذا: نافيةٌ، ويجوز أن تكون ٱستفهاماً في ضمنه نَفْيُ وقوعِ الغِنَى، وفي الآية على هذا: توبيخٌ لحاضِرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال * ص *: و{ٱلنُّذُرُ }: جمع نذيرٍ، إِما مصدرٌ بمعنى الإِنذارات، وإِما بمعنى مُنْذِرٍ. انتهى. وقوله سبحانه: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ...} الآية: وعيدٌ إِذَا لَجُّوا في الكُفْرِ، حل بهم العذاب. وقوله سبحانه: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ }: أي: عادةُ اللَّه سَلَفَتْ بإِنجاء رسله ومتَّبعيهم عند نزولِ العذاب بالكَفَرَةِ {كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. قال * ص *: أي: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نجينا الرسُلَ ومؤمنيهم نُنْجِي من آمن بك. انتهى، وخط المُصْحف في هذه اللفظة «نُنْجٍ» بجيم مطلقة دون ياء، وكلهم «قرأ نُنجِّ» - مشددة الجيم - إِلا الكسائيَّ وحفصاً عن عاصم؛ فإِنهما قرآ بسكون النونِ وتخفيفِ الجيم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لمَّا بيَّن في الآيات السَّالفة أنَّ الإيمان لا يحصلُ إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، أمر بالنَّظَرِ والاستدلال في الدَّلائل فقال: "قُلِ ٱنظُرُواْ". قرأ عاصم وحمزةُ "قُلِ انظُرُوا" بكسر اللام لالتقاء الساكنين، والأصل فيه الكسر، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللاَّمِ. قوله: "مَاذَا" يجوز أن يكون "مَاذَا" كله استفهاماً مبتدأ، و "فِي ٱلسَّمواتِ" خبرهُ أي: أيُّ شيءٍ في السَّمواتِ؟ ويجوزُ أن تكون "ما" مبتدأ، و "ذَا" بمعنى الذي، و "فِي ٱلسَّمواتِ" صلته وهو خبرُ المبتدأ، وعلى التقديرين فالمبتدأ وخبره في محلِّ نصبٍ بإسقاطِ الخافض لأنَّ الفعل قبله معلقٌ بالاستفهام، ويجوز على ضعفٍ أن يكون "ماذا" كله موصُولاً بمعنى "الَّذي" وهو في محل نصبٍ بـ "انُظُروا". ووجهُ ضعفه أنَّهُ لا يخلو: إمَّا أن يكون النظر بمعنى البصر فيعدَّى بـ "إلى"، وإمَّا أن يكون قلبيّاً فيُعَدَّى بـ "في"، وقد تقدَّم الكلامُ في "ماذا". فصل المعنى: قل للمشركين الذين يسألونك عن الإيمانِ: {ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} واعلم أنَّه لا سبيل إلى معرفةِ الله تعالى إلاَّ بالنَّظر في الدَّلائل. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : تفكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تتفَكَّرُوا في الخالِق"تفسير : . والدَّلائل إمَّا أن تكون من عالمِ السموات، أو من عالم الأرض، أمَّا الدلائل السماوية، فهي حركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها، وما يختص به كل واحد منها، وأمَّا الدلائل الأرضية، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية، وفي أحوال المعادن والنبات، وأحوال الإنسان، وينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها. ولو أنَّ الإنسان أخذ يتفكرُ في كيفية حكمة الله تعالى في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقلهُ قبل أن يصل إلى أوَّل مرتبة من مراتب تلك الفوائد. ثم لمَّا أمر بهذا التفكُّر بيَّن بعده أنَّ هذا التَّفكر والتَّدبر في هذه الآيات لا ينفعُ في حقِّ من حكم الله عليه في الأزلِ بأنَّه لا يؤمن فقال: {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}. قوله: "وَمَا تُغْنِي" يجوز في "ما" أن تكون استفهامية، وهي واقعةٌ موقع المصدر أي: أيَّ غناءٍ تُغني الآيات؟ ويجوزُ أن تكون نافيةً، وهو الظَّاهرُ. وقال ابن عطية: ويحتملُ أن تكون "ما" في قوله: "وما تُغْنِي" مفعولة بقوله: "انظُرُوا" معطوفة على قوله: "مَاذَا" أي: تأمَّلُوا قدر غناء الآيات والنُّذُر عن الكُفَّار. قال أبو حيان: وفيه ضعفٌ، وفي قوله: معطوفةٌ على "ماذا" تجوُّزٌ، يعنى أنَّ الجملة الاستفهامية التي هي "مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ" في موضع المفعول؛ لأنَّ "ماذا" وحدهُ منصوبٌ بـ "انظُرُوا" فتكون "مَاذَا" موصولة، و "انظُرُوا" بصرية لما تقدَّم من أنَّه لو كانت بصرية لتعدَّت بـ "إِلَى". و "النُّذُرُ" يجوزُ أن يكون جمع "نَذِير"، المرادُ به المصدر فيكون التقدير: وما تُغْنِي الآياتُ والإنذارات، وأن يكون جمع "نذير" مراداً به اسم الفاعل بمعنى منذر فيكون التقدير والمُنْذِرُونَ وهم الرُّسُلُ. وقرىء "وما يُغْنِي" بالياء. قوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ} يعني: مشركي مكَّة إلاَّ مثلَ أيَّام الذين خلوا مضوا "من قَبلِهِمْ" من مُكَذِّبي الأمم. قال قتادةُ: "يعني وقائع الله في قوم نوح، وعاد، وثمود" والعربُ تُسمِّي العذاب والنِّعم أياماً، كقوله: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم:5] وكُلُّ ما مضى عليك من خَيْرٍ وشرٍّ فهو أيَّام ثم إنَّه تعالى أمره بأن يقول لهم {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ}. قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} قال الزمخشريُّ: هو معطوفٌ على كلامٍ محذوف يدلُّ عليه قوله: {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} [يونس:102] كأنَّه قيل: نُهلكُ الأمم ثم نُنَجِّي رسلنا، معطوفٌ على حكايةِ الأحوالِ الماضية. قرأ الكسائي في رواية "نصر "نُنْجِي" خفيفة، والباقون: مشددة، وهما لغتان، وكذلك في قوله "نُنْجِ المُؤمنينَ" والمعنى: ننجي رسلنا، والذين آمنوا معهم عند نزول العذابِ. معناه: نَجَّينَا، مستقبلٌ بمعنى الماضي، ونجَّيْنَا وأنْجَيْنَا بمعنى واحد "كذلِكَ" كما نَجَّيْناهم "حَقًّا" واجباً {عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. قوله: "حقّاً" فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون منصوباً بفعل مُقَدَّر أي: حقَّ ذلك حقّاً. والثاني: أن يكون بدلاً من المحذوف النَّائب عنه الكافُ تقديره: إنجاء مثل ذلك حقّاً. والثالث: أن يكون "كذلك" و "حقًّا" منصوبين بـ "نُنْجِ" الذي بعدهما. والرابع: أن يكون "كَذلِكَ" منصوباً بـ "نُنَجي" الأولى، و حقّاً بـ "نُنْجِ" الثَّانية. وقال الزمخشري: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين، وحقّاً علينا اعتراضٌ، يعني حقَّ ذلك علينا حقّاً. وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ "نُنْجي المؤمنين" مخففاً من أنجى يقال: أنْجَى ونجَّى. كأنزل ونزَّل، وجمهور القرَّاءِ لم ينقلوا الخلاف إلاَّ في هذا دون قوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}تفسير : [يونس:92] ودون قوله {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} [يونس:103]. وقد نقل أبو علي الأزهري الخلافَ فيهما أيضاً، ورسِمَ في المصاحف بجيم دون ياء. فصل قال القاضي: قوله "حقًّا عليْنَا" المرادُ به الوجوب؛ لأنَّ تخليصَ الرَّسُول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - والمؤمنين من العذاب إلى الثَّواب واجبٌ، ولولاهُ ما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشَّاقَّة، وهذا يجري مجرى قضاء الدَّين. والجوابُ، بأن نقُول: إنَّه حقٌّ بحسب الوعْدِ والحُكْمِ، ولا نقُولُ إنَّهُ حقٌّ بحسب الاستحقاق لما ثبت أنَّ العبد لا يستحقُّ على خالقه شيئاً.

البقاعي

تفسير : ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات، وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة، كان كأنه قيل: فماذا يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال: {قل} أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبهاً لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختبار. ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة، نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال الإمام علي رضي الله عنه - أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال معلماً أن من حكم بشقائه لا ينفعه شيء: {انظروا} أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد البهائم؛ قال الإمام: ولو أن الإنسان تفكر في كيفية حكمة الله تعالى في خلق جناح بعوضة لانقطاع فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، فلذلك أبهم في قوله: {ماذا} أي الذي {في السماوات والأرض} أي من الآيات وواضح الدلالات التي أخرجتموها - بإلفكم لها - عن عداد الآيات، وهي عند التأمل من أعظم خوارق العادات، وقال الإمام: فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى ينتبه لأقسامها، وقال أبو حيان أخذاً من الإمام: السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصاً حال الإنسان - انتهى. ولما كان ما فيها من الآيات في غايه الدلالة، نبه سبحانه على أن التوقف عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال: {وما} وهي نافية أو استفهامية {تغني الآيات} أي وإن كانت في غاية الوضوح {والنذر} أي والإنذارات أو الرسل المنذرون {عن قوم} أي وإن كانت فيهم قوة {لا يؤمنون*} أي للحكم بشقائهم، فكان ذلك سبباً لتهديدهم بقوله: {فهل ينتظرون} أي بجميع قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان {إلا} أي أياماً أي وقائع {مثل أيام} أي وقائع {الذين خلوا} ولما كان أهل الأيام الهائلة بعض من كان قبل، أتى بالجار فقال: {من قبلهم} أي من مكذبي الأمم وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم، أي من حقوق الكلمة عليهم فنحل بهم بأسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا كذبوا رسلنا، ثم ننجي الرسل ومن آمن بهم حقاً علينا ذلك للعدل بين العباد. ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس الذي هو العقاب، زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ينتظر العذاب بقوله: {قل فانتظروا} أي بجميع جهدكم ما ترونه واقعاً بكم بسبب ما تقرر عندكم مما كان يقع بالماضين في أيام الله، وزاد التحذير استئنافه قوله مؤكداً لما لهم من التكذيب: {إني} وأعلمهم بالنصفة بقوله: {معكم من المنتظرين*}. ولما كان التقدير: فإنا كنا في أيام الذين خلوا نوقع الرجس بالمكذبين، عطف عليه بياناً لم كان يفعل بالرسل وأتباعهم إذا أهلك الظالمين قوله: {ثم ننجي} أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيماً وجاء به مضارعاً حكاية للأحوال الماضية وتصويراً لها تحذيراً لهم من مثلها وإعلاماً بأنه كذلك يفعل بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضي الله عنهم، وأشار بأداة التراخي إلى طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة التنجية، وحذف مقابل الإنجاء لأن المقام بعد آية {ألا إن أولياء الله} ناظر إلى البشارة أكثر من النظر إلى النذارة {رسلنا} أي الذين عظمتهم من عظمتنا {والذين آمنوا} أي بالرسل وهم معهم في زمانهم ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان تشريفاً للرسل فإنهم بصدد الرسوخ بملازمتهم؛ ثم وصل بذلك تشريفاً للراسخين وترغيباً في مثل حالهم قوله: {كذلك} أي كما حق علينا إهلاك الكافرين هذا الإهلاك العظيم {حقاً علينا} أي بما أوجبناه على جنابنا الأعظم {ننج المؤمنين} أي العريقين في الإيمان ولو كانوا بعد موت الرسل تنجية عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيماً، فالآية من الاحتباك لما أشارت إليه القراءتان بالتخفيف والتثقيل، أو يكون ذلك بني على سؤال من لعله يقول: هل حقوق النجاة مختص بالرسل ومن معهم؟ فقيل: لا، بل {كذلك} أي الحقوق {حقاً علينا} على ما لنا من العظمة {ننج المؤمنين} في كل زمن وإن لم يكن بين ظهرانيهم رسول، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت، فيكون الكاف مبتدأ "وننج" خبره؛ والنظر: طلب المعنى بالقلب من جهة الذكر كما يطلب إدراك المحسوس بالعين؛ والغنى: حصول ما ينافي الضر وصفة النقص، ونقيضه الحاجة؛ والنذر: جمع نذير، من النذارة وهي الإعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة؛ والانتظار: الثبات لتوقع ما يكون من الحال؛ والمثل إن كان من الجنس فهو ما سد مسد غيره من الحس، وإن كان من غيره فالمراد ما كان فيه معنى يقرب به من غيره كقربه من جنسه كتشبيه أعمال الكافر بالسراب؛ والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من الهلاك. ولما تقدم الفطام عن الميل يطلب الآيات، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالباً وتقدمت أجوبة لهم، وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم، ناسبه كل المناسبة أن اتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباته صلى الله عليه وسلم وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من سخط، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى: {قل يا أيها الناس} أي الذين هم في حيز الاضطراب، لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات {إن كنتم} أي كوناً هو كالجبلة منغمسين {في شك} كائن {من } جهة {ديني} تطلبون لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقلوكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى {أية : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} تفسير : [يونس: 59] ونحوه {فلا أعبد} أي الآن ولا في المستقبل الزمان {الذين تعبدون} أي الآن أو بعد الآن {من دون الله} أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك لكم، فإذاً لا أعبد غير الله أصلاً. ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحاً في إثباتها له قال: {ولكن أعبد الله} أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ويدل على كمال قدرته {الذي يتوفاكم} بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها. فلا تطمعون - عند إرادنه لنزعها - في المحاولة لتوجيه دفاع عن ذلك. وفي هذا الوصف - مع ما فيه من الترهيب - إشارة إلى الدلالة على الإبداء والإعادة، فكأنه قيل: الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم صاغرون، فثبت قطعاً أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام بطريق الأولي فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا خولف، وقال {إن كنتم في شك} مع أنهم يصرحون ببطلان دينه، لأنهم في حكم الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات، أو لأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى الحيز؛ والشك: وقوف بين المعنى ونقيضه، وضده الاعتقاد فإنه قطع بصحة المعنى دون نقيضه، وعبر بـ "من" إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من الدين، ولو عبر بـ "في" لأفهم أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين، والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها كاف على حياله. ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل، أتبعه بما رود من النقل بتأييده وإيجابه بقوله: {وأمرت} أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه، وعظم المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال: {أن أكون} أي دائماً كوناً جبلياً، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن، عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال: {من المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {وأن أقم} أي أيها الرسول {وجهك} أي كليتك على سبيل الإخلاص الذي لا شوب فيه {للدين} فوصل أولاً كلمه "أن" بمعنى الأمر أي {أن أكون} دون "أكن" وثانياً بلفظه وهو {أقم} جمعاً بين الأسلوبين، وكلاهما بمعنى المصدر، وخص الثاني بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول فالخطاب فيه أوكد وألذ، وقوله: {حنيفاً} حال من فاعل "أقم" ومعناه: مسلماً ميالاً مع الدليل - كما أوضحته في البقرة، أي أجمع بين الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح {ولا تكونن} أي في وقت من الأوقات {من المشركين*} الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة والجمود والقسوة.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} مخاطِباً لأهل مكةَ بعثاً لهم على التدبر في ملكوت السمواتِ والأرض وما فيهما من تعاجيب الآياتِ الأنفسية والآفاقية ليتضحَ لك أنهم من الذين لا يعقِلون وحقّت عليهم الكلمة {ٱنْظُرُواْ} أي تفكروا وقرىء بنقل حركةِ الهمزةِ إلى لام قل {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي أيُّ شيءٍ بديعٍ فيهما من عجائب صُنعه الدالةِ على وحدته وكمالِ قدرتِه على أن ماذا جعل بالتركيب اسماً واحداً مغلّباً فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ فهو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ ويجوز أن يكون (ما) مبتدأ وذا بمعنى الذي والظرفُ صلته والجملةُ خبرٌ للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبرُ في محل النصبِ بإسقاط الخافضِ وفعلُ النظر معلقٌ بالاستفهام {وَمَا تُغْنِى} أي ما تنفع وقرىء بالتذكير {الأَيَـٰتُ} وهي التي عبر عنها بقوله تعالى: {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} {وَٱلنُّذُرُ} جمع نذير على أنه فاعل بمعنى منذر أو على أنه مصدر أي لا تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} في علم الله تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ويجوز كون ما استفهاميةً إنكاريةً في موضع النصبِ على المصدرية أي أي إغناء تغني الخ، فالجملة حينئذ اعتراضية {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ} أي مشركوا مكة وأضرابهم {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} أي إلا يوماً مثل أيام الذين خلوا {مِن قَبْلِهِمُ} من مشركي الأممِ الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها {قُلْ} تهديداً لهم {فَٱنتَظِرُواْ} ما هو عاقبتكم {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لذلك {ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا} بالتشديد وقرىء بالتخفيف وهو عطفٌ على مقدر يدل عليه قوله: مثل أيام الذين خلَوا وما بـينهما اعتراضٌ جيء به مسارعةً إلى التهديد ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل: أهلكنا الأمم نجينا رسلنا المرسلة إليهم. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} وصيغةُ الاستقبالِ لحكاية الأحوالِ الماضية لتهويل أمرها باستحضار صورِها وتأخيرُ حكايةِ التنجيةِ عن حكاية الإهلاكِ على عكس ما في قوله تعالى: {أية : فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ } تفسير : [يونس: 73] الخ، ونظائِره الواردةِ في مواقعَ عديدة ليتصل به قولُه عز وجل: {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الإنجاء {حَقّاً عَلَيْنَا} اعتراض بـين العامل والمعمول أي حق ذلك حقاً وقيل: بدل من المحذوف الذي ناب عنه كذلك أي إنجاء مثل ذلك حقاً والكاف متعلقة بقوله تعالى: {نُنَجِّى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من كل شدة وعذاب والجملة تذيـيل لما قبلها مقرر لمضمونه والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ المتناول للرسل عليهم السلام وإما الأتباعُ فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل إيذاناً بعدم الحاجة إليه وأياً ما كان ففيه تنبـيهٌ على أن مدارَ النجاة هو الإيمان.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الآية: 101]. قال بعضهم: لا تصل العقول الخالية عن التوفيق إلى سبيل النجاة، وما يغنى ضياء العقل مع ظلمة الخذلان إنما تنفع أنوار العقل من كان مؤيدًا بأنوار التوفيق وعناية الأزل، وإلا فإنه متخبط فى هلاكه بعقله.

القشيري

تفسير : الأدلة - وإنْ كانت ظاهرة - فما تغْنِي إذا كانت البصائرُ مسدودةً، كما أن الشموسَ - وإن كانت طالعة - فما تُغْنِي إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة، كما قيل: شعر : وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُلَمُ؟

اسماعيل حقي

تفسير : {قل انظروا} تفكروا يا اهل مكة {ماذا} مرفوع المحل على الابتداء {فى السموات والارض} خبره اى أى شيء بديع فيهما من عجائب صنعه الدالة على وحدته وكمال قدرته فماذا جعل بالتركيب اسما واحدا مغلبا فيه الاستفهام على اسم الاشارة ويجوز ان يكون اسمين بمعنى ما الذى على ان تكون ما استفهامية مرفوعة على الابتداء والظرف صلة الذى والجملة خبر للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبر فى محل النصب باسقاط للخافض وفعل النظر معلق بالاستفهام {وما} نافية {تغنى الآيات والنذر} جمع نذير على انه فعيل بمعنى منذر او على انه مصدر اى لا تنفع الآيات الا نفسية والآفاقية الدالة على الوحدانية والرسل والمنذرون او الانذارات شيئا {عن قوم لا يؤمنون} فى علم الله تعالى وحكمه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ماذا) إن كانت استفهامية علقت (انظروا) عن العمل، وإن كانت موصولة فمفعول به، و(ما تغني الآيات): يحتمل الاستفهام في محل نصب بتُغني، أو النفي. (ثم ننجي) معطوف على محذوف دل عليه: (إلا مثل أيام) أي: فكانت عادتنا معهم أن نهلك المكذبين، ثم ننجي رسلنا ومن آمن معهم، و"كذلك" مصدر معمول لننجي، و(حقاً) اعتراض بينهما، وهو مصدر لفعل محذوف، أي: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين يحق ذلك حقاً، وعلى هذا يوقف على: (الذين آمنوا)، ثم يُبْتدأ بقوله: (كذلك حقاً...) الخ. وقيل: خبر عن (الذين آمنوا) أي: والذين آمنوا مثلهم في الإنجاء، وهو ضعيف. يقول الحق جل جلاله: {قل} للمشركين الذين طلبوا منك الآية: {انظروا ماذا في السماوات والأرضِِ} من الآيات والعِبَر، وعجائب الصنع ليدلكم على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته، ثم بيَّن أن الآيات لا تفيد من سبق عليه الشقاء، فقال: {وما تُغني الآياتُ والنُّذُرُ عن قوم لا يؤمنون} في علم الله وحُكمه، ثم هددهم بالهلاك فقال: {هل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} أي: مثل وقائعهم ونزول العذاب بهم؛ إذ لا يستحق غيره، فهو من قولهم: أيام العرب، لوقائعها. {قل} لهم: {فانتظروا} هلاككم {إني معكم من المنتظِرِين} لذلك، أو فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم، {ثم نُنَجِّي رُسُلَنا} أي: عادتنا أن ننجي رسلنا {والذين آمنوا} معهم من ذلك الهلاك، {كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين} من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نُهلك المجرمين؛ حقاً واجباً علينا كما هي عادتنا مع من تحبب إلينا بالإيمان والطاعة. الإشارة: أمر الحق ـ جل جلاله ـ أهل النظر والاستبصار بأن ينظروا ماذا في السماوات والأرض من الأسرار والأنوار، أمرهم أن يشاهدوا أسرار الذات وأنوار الصفات، دون الوقوف مع الأجرام الحسِّيات، أمرهم أن ينظروا المعاني خلف رقة الأواني، لا أن يقفوا مع الأواني، وإليه أشار ابن الفارض في خمريته، حيث قال: شعر : ولُطفُ الأَواني ـ في الحقيقة ـ تَابعٌ لِلُطْفِ المَعَانِي، والمَعَانِي بِها تَسْمُو تفسير : فالأكوان كلها أواني حاملة للطف المعاني، وأصل الأواني معاني، تحسست وتكثفت فمن لطَّف الأواني وذوّبها بفكرته رجعت معاني، واتصلت المعاني بالمعاني، وغابت حينئذٍ الأواني، ولا يعرف هذا إلا من صحب أهل المعاني، وهم أهل الفناء والبقاء، ومن لم يصحبهم فحسبه الوقوف مع الأجرام الحسية، ويستعمل فكرة التصديق والإيمان، وهي عبادة التفكر والاعتبار والأولى فكرة أهل الشهود والاستبصار، وفي أمثالهم قال الشاعر: شعر : هُم الرِّجالُ وغَبْنٌ أن يُقال لِمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِمَعَانِي وَصْفِهِم رَجُلُ تفسير : وقد ذكر في الحِكَم هذه الإشارة فقال "أباح لك أن تنظر ما في المُكَوِّنات، وما أباح لك أن تَقِفَ مع ذوات المكونات، (قل انظروا ماذا في السماوات) فتح لك باب الأفهام، ولم يقل: انظروا السماوات؛ لئلا يدلك على وجود الأجرام". ومن سبق له في العلم القديم الخذلان لا يخرج عن دائرة الأكوان، فلا يؤمن بوجود أهل الشهود والعيان، فما ينتظر مثل هذا إلا ما نزل بأمثالهِ، من هجوم الحِِمام قبل خروجه من سجن الأجرام، فإنه لا ينجو من سجن الأكوان إلا من صحب أهل العرفان، الذين أفضوا إلى فضاء الشهود والعيان وقليل ما هم. ثم أمر نبيه بالتبرء من الشرك وأهله، فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ}.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يأمر الخلق بالنظر لأنه الطريق المؤدي إلى معرفة الله تعالى. والنظر المراد في الاية الفكر والاعتبار. وقال الرماني: هو طلب الشيء من جهة الفكر كما يطلب ادراكه بالعين. ومعنى قوله تعالى {ماذا في السماوات والأرض} أي ما فيهما من العبر من مجيء الليل والنهار مجرى البحور والافلاك ونتاج الحيوان وخروج الزرع والثمار، ووقوف السماوات والارض بغير عماد، لان كل ذلك تدبير يقتضي مدبراً لا يشبه الاشياء ولا تشبهه. وقوله {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} قيل في معناه قولان: احدهما - أن تكون {ما} نفياً بمعنى ما يغني عنهم شيئاً بدفع الضرر، اذا لم يفكروا فيها ولم يعتبروا بها كقولك: وما يغني عنك المال شيئاً اذا لم تنفقه في وجوهه. والاخر - أن تكون {ما} للاستفهام كقولك أي شيء يغني عنهم من اجتلاب نفع أو دفع ضرر إذا لم يستدلوا بها. والنذر جمع نذير وهو صاحب النذارة وهي اعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة.

الجنابذي

تفسير : {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من الآيات الدّالّة على كمال قدرته تعالى وحكمته حتّى توقنوا به وتؤمنوا والاستفهام للتّعجيب والتّفخيم {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} امّا من كلام الله او محكّى بالقول وعلى اىّ تقدير فما نافية والجملة معطوفة على محذوف مؤلّف معه قياس من الشّكل الاوّل تقديره لكنّهم قوم لا يؤمنون وكلّ قوم لا يؤمنون لا تغنى الآيات والنّذر عنهم، ويجوز ان يكون الجملة حاليّة عن فاعل قل او عن فاعل انظروا او مفعوله وتكون مشيرة الى القياس المذكور ويجوز ان يكون ما استفهاميّة معطوفة مع ما بعدها على ماذا فى السّموات او تكون الجملة حاليّة بتقدير القول.

الالوسي

تفسير : {قُلِ ٱنظُرُواْ} خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أن يأمر الكفرة الذين هو عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض وما فيهما من عجائب الآيات الآفاقية والأنفسية ليتضح له صلى الله عليه وسلم أنهم من الذين لا يعقلون؛ وكأنه متعلق بما عنده، وتعليقه بقوله سبحانه: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [يونس: 99] الخ على معنى لا تكره الناس على الإيمان ولكن اؤمرهم بما يتوصل به إليه عادة من النظر لا يخلو عن النظر، وقيل: إنه تعالى لما أفاد فيما تقدم أن الإيمان بخلقه سبحانه وأنه لا يؤمن من يؤمن إلا من بعد إذنه وأن الذين حقت عليهم الكلمة لا يؤمنون أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأمر بالنظر لئلا يزهد فيه بعد تلك الإفادة، وأرى الأول أولى، وجاء ضم لام {قُلْ} وكسرها وهما قراءتان سبعيتان. وقوله سبحانه: {مَاذَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ} في محل نصب بإسقاط الخافض لأن الفعل قبله معلق بالاستفهام لأن {مَا} استفهامية وهي مبتدأ و {ذَا} بمعنى الذي والظرف صلته وهو خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون {مَاذَا} كله اسم استفهام مبتدأ والظرف خبره أي أي شيء بديع في السماوات والأرض من عجائب صنعته تعالى الدالة على وحدته وكمال قدرته جل شأنه. وجوز أن يكون {مَاذَا} كله موصولاً بمعنى الذي وهو في محل نصب بالفعل قبله، وضعفه السمين بأنه لا يخلو حينئذٍ من أن يكون النظر قلبياً كما هو الظاهر فيعدى بفي وأن يكون بصرياً فيعدى بإلى. {وَمَا تُغْنِي ٱلأَيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي ما تكفيهم وما تنفعهم، وقرىء بالتذكير. والمراد بالآيات ما أشير إليه بقوله سبحانه: {مَاذَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر {وَٱلنُّذُرُ} جمع نذير بمعنى منذر أي الرسل المنذرون أو بمعنى إنذار أي الإنذارات، وجمع لإرادة الأنواع، وجوز أن يكون {ٱلنُّذُرُ} نفسه مصدراً بمعنى الإنذار، والمراد بهؤلاء القوم المطبوع على قلوبهم أي لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه و {مَا} نافية والجملة اعتراضية، وجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير {قُلْ} وفي القلب من جعلها حالاً من ضمير {ٱنْظُرُواْ} شيء فانظروا، ويتعين كونها اعتراضية إذا جعلت {مَا} استفهامية إنكارية، وهي حينئذٍ في موضع النصب على المصدرية للفعل بعدها أو على أنه مفعول به له، والمفعول على هذا وكذا على احتمال النفي محذوف إن لم ينزل الفعل منزلة اللازم أي ما تغني شيئاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ناشىء عن قوله: {أية : ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس}تفسير : [يونس: 99] الخ. قسّم الناس إلى قسمين: مؤمنين وكافرين، أي فادعهم إلى النظر في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل أسباب الإيمان ودفع غشاوات الكفر، وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما هو حول الإنسان من أحوال الموجودات وتصاريفها الدالة على الوحدانية، مثل أجرام الكواكب، وتقادير مسيرها، وأحوال النور والظلمة والرياح والسحاب والمطر، وكذلك البحار والجبال. وافتتحت الجملة بـ{قل} للاهتمام بمضمونها. وقد عمم ما في السماوات والأرض لتتوجه كلّ نفس إلى ما هو أقرب إليها وأيسر استدلالاً عليه لديها. والنظر: هنا مستعمل فيما يصلح للنظر القلبي والنظر البصري، ولذلك عدل عن إعماله عمل أحد الفعلين لكيلا يتمحض له، فَجيءَ بعده بالاستفهام المعلّق لكلا الفعلين بحيث أصبح حمل النظر على كليهما على حد السواء فصار صالحاً للمعنيين الحقيقي والمجازي، وذلك من مقاصد القرآن. و{ماذا} بمعنى ما الذي، و(ما) استفهام، و(ذا) أصله اسم إشارة، وهو إذا وقع بعد (ما) قَام مقام اسم موصول. و{في السماوات والأرض} قائم مقام صلة الموصول. وأصل وضع التركيب: مَا هذا في السماوات والأرض، أي ما المشار إليه حال كونه في السماوات والأرض، فكثر استعماله حتى صار في معنى: ما الذي. والمقصود: انظروا ما يدلكم على جواب هذا الاستفهام، فكل شيء له حالة فهو مراد بالنظر العقلي بتركيبه في صورة مفعولين، نحو: انظروا الشمس طالعة، وانظروا السحاب ممطراً، وهكذا، وكل شيء هو في ذاته آية فهو مراد بالنظر البصري نحو: انظروا إنبات الأرض بعد جدبها فهو آية على وقوع البعث. فـ(ذا) لما قام مقام اسم الموصول صار من صيغ العموم تشمل جميع الأجرام وأعراضها الدالة على وحدانية الله وحكمته، وأخص ذلك التأمل في خُلق النبي صلى الله عليه وسلم ونشأة دعوته، والنظر فيما جاء به. فكل ذلك دلائل على كماله وصدقه. وقد طوي في الكلام جواب الأمر لوقوع الأمر عقب أسباب الإيمان، فالتقدير: انظروا تَرَوا آيات مُوصّلة إلى الإيمان. وجملة: {وما تغني الآيات} معترضة ذيلت بها جملة: {انظروا ماذا في السماوات والأرض} فيجوز أن تكون متممة لمقول القول مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم ويجوز أن تكون استئناف كلام من الله تعالى. والمعنى أبلغهم ما أمرت بتبليغه إليهم وليست تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون، أي الذين جعل الله نفوسهم لا تؤمن، ولما كان قوله: {انظروا ماذا في السماوات والأرض} مفيداً أن ذلك آيات كما تقدم حَسُن وقع التعبير عنها بالآيات هنا، فمعنى {وما تغني الآيات}: وما يغني ما في السماوات والأرض عن قوم لا يؤمنون، فكان التعبير بالآيات كالإظهار في مقام الإضمار. وزيدت (النذر) فعطفت على الآيات لزيادة التعميم في هذه الجملة حتى تكون أوسع دلالة من التي قبلها لتكون كالتذييل لها، وذلك أن القرآن جاء للناس بالاستدلال وبالتخويف ثم سجل على هذا الفريق بأنه لا تنجع فيه الآيات والأدلة ولا النذر والمخوفات. ولفظ {قوم لا يؤمنون} يفيد أن انتفاء الإيمان عنهم وصف عرفوا به وأنه مستقر من نفوسهم، لأن اجتلاب لفظ {قوم} هنا مع صحة حلول غيره محله يشير إلى أن الوصف المذكور بعده من مقومات قوميتهم لأنه صار من خصائصهم، بخلاف ما لو قيل: عمن لا يؤمنون. ألا ترى إلى قول العنبري: شعر : قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زَرافات ووُحدانا تفسير : أي قوم هذه سجيتهم. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار}تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {أية : لآياتٍ لقوم يعقلون}تفسير : في سورة البقرة (164). وتقدم في هذه السورة غير مرة آنفاً. وهو هنا أبدع لأنه عدل به عن الإضمار. وهذا من بدائع الإعجاز هنا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53] الآية، ووبخ في سورة "الأعراف" من لم يمتثل هذا الأمر وهدده بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله جل وعلا أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله - جل وعلا - وذلك في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} تفسير : [الأعراف: 185] الآية. تنبيه آية "الأعراف" هذه التي ذكرنا تدل دلالة واضحة على أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين خلافاً لجماعة من الشافعية وغيرهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات ماذا في السماوات والأرض: أي من عجائب المخلوقات، وباهر الآيات. وما تغني الآيات والنذر: أي ما تغني أيَّ إغناء إذا كان القوم لا يؤمنون. فهل ينتظرون: أي ما ينتظرون. خلوا من قبلهم: أي مضوا من قبلهم من الأمم السابقة. قل فانتظروا: أي العذاب. ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا: أي من العذاب المنتظر. كذلك: أي كذلك الإِنجاء ننج المؤمنين. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة قريش إلى الإِيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من سائر المخلوقات وما فيها من عجائب الصنعة، ومظاهر الحكمة والرحمة والقدر فإنها تدعو إلى الإِيمان بالله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، وتفند دعوى ألوهية الأصنام والأحجار. ثم قال تعالى: {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ} أي الرسل في هداية قوم قضى الله تعالى أزلاً أنهم لا يؤمنون حتى إلى ما قدر لهم وما حكم به عليهم من عذاب الدنيا والآخرة ولكن لما كان علم ذلك إلى الله تعالى فعلى النذر أن تدعو وتبلغ جهدها والأمر لله من قبل ومن بعد. وقوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} أي إنهم ما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلفوا من قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم دعتهم رسلهم وبلغتهم دعوة ربهم إليهم إلى الإِيمان والتوحيد والطاعة فأعرضوا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} أي ما كتب عليكم من العذاب إن لم تتوبوا إليه وتسلموا {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} فإن كان العذاب فإن سنة الله فيه أن يهلك الظالمين المشركين المكذبين وينجي رسله والمؤمنين وهو معنى قوله تعالى في الآية الأخيرة [103] {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ} إي الإِنجاء {حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا تنفع الموعظة مهما بولغ فيها عبداً كُتب أزلاً أنه من أهل النار. 2- ما ينتظر الظلمة في كل زمان ومكان إلا ما حل بمن ظلم من قبلهم من الخزي والعذاب. 3- وعد الله تعالى ثابت لأوليائه بإنجائهم من الهلاك عند أهلاكه الظلمة المشركين.

القطان

تفسير : في هذه الآيات الكريمة، وهي في ختام سورة يونس، بين الله تعالى ان مدار سعادة البشَر على استعمال عقولهم في التمييز بين الخير والشر، وما على الرسول الا التبشير والإنذار وبيان الطريق المستقيم الموصِل الى السعادة وأن الدينَ مساعدٌ للعقل على حسن الاختيار إذا أحسنَ الانسانُ النظَر والتفكّر في امر الله. {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}. تدعو هذه الآية وكثير غيرها، الى العمل بالمشاهَدة والتأمل واستعمال العقل، كما تدعو الى العلمِ بالكون وما فيه لأنه مُسَخَّر للانسان، فإن ما في السماوات والأرض حافلٌ بالآيات ولكن الآيات والنذُرَ لا تفيد الّذين لا يؤمنون، لانهم لم يلقوا بالاً إليها ولم يتدبّروها. {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ}. يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام محذِّراً من قومه: هل ينتظر هؤلاء المكذِّبون إلا أن ينالهم من الأيام الشِداد مثلُ ما أصابَ الذين مضَوا من الأمم السابقة‍‍!؟. {قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ}. قل أيها النبي منذِرا ومهدّدا: إذا كنتم تنتظرون مثلَ ذلك، فانتظروا إنّي معكم من المنتظرين. وهذا تهديدٌ كبير من رب العالمين. {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. ان سنَّتنا في رسُلنا مع أقوامهم الذين يبلّغونهم الدعوةَ، ان يؤمنَ بعضُهم فيما يصّر آخرون على الكفر. فننجّي رسلَنا والمؤمنين من العذاب ونهلك المكذّبين. هذا وعدُ حقٌّ علينا لا نُخْلِفُه كما قال تعالى: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 77]. قراءات: قرأ يعقوب: "ثم نُنْجى" بالتخفيف. والباقون بالتشديد "نُنَجِّي" وقرأ الكسائي ويعقوب وخفص: "ننج المؤمنين" باسكان النون الثانية وحذف الياء لالتقاء الساكنين، والباقون بالتشديد. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. في هذه الآية والتي بعدها أَمر الله بإعلان الدين الإسلامي، وإظهارِ الفارق بينه وبين ما عليه المشركون والمكذّبون من عبادة الأوثان. قل أيها الناس جميعا: ان كنتم في شك من ان ديني الذي أدعوكم إليه هو الحقُّ، فان هذا لا يحوِّلني عن يَقيني، ولا يجعلني أعبدُ آلهتكم التي تعبُدونها من دونِ الله، فهو الّذي يملك أجسامكم وأعماركم، وقد أمرني أن أكونَ من المؤمنين به. {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. وأمُرتُ أن أُقيم وجهي للدين القيّم واتوجّه الى الله وحدَه، وأن لا أدخُلَ في غِمار الذين أشركوا بالله، بل أبتعدَ عنهم أنا ومن اتّبعني من المؤمنين. {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ}. ولا تلجأُ بالدعاء والعبادة الى غير الله مما لا يجلب لك نفعا، ولا ينزل بك ضررا، فانك ان فعلت ذلك كنتَ من الظالمين وهذا النهي الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام هو موجه لأمته.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلآيَاتُ} (101) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِيمَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ التِي لاَ تُحْصَى، وَالتِي يَعْقِلُهَا ذَوُو الأَلْبَابِ، وَكُلُّها تَدُلُّ عَلَى أُلُوهِيَّةِ اللهِ، وَوُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ. وَلَكِنْ مَا هِيَ فَائِدَةُ الرُّسُلِ وَالآيَاتِ وَالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ لِقَوْمٍ جِاحِدِينَ، لاَ يُتَوَقَّعُ إِيمَانُهُمْ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يُوَجِّهُوا أَنْظَارَهُمْ إِلى الاعْتِبَارِ بِالآيَاتِ، وَالاسْتِدْلاَلِ بِهَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يُحدِّثنا الحق سبحانه عن عالم المُلْك الذي تراه، ولا يتكلم عن عالم الملكوت الذي يغيب عنك، وكأنك إن اقتنعت بعالم الملك، وقلت: إن لهذا العالم خالقاً إلهاً قادراً قوياً، وتؤمن به؛ هنا تهبُّ عليك نفحات الغيب؛ لتصل إلى عالم الملكوت؛ لأنك اكتشفت في داخلك أمانتك مع نفسك، وأعلنت إيمانك بالخالق سبحانه، ورأيت جميل صُنْعه في السماء والكواكب، وأعجْبتَ بدقة نظام سَيْر تلك الكواكب. وترى التوقيت الدقيق لظهور الشمس والقمر ومواعيد الخسوف الكلي أو الجزئي، وتُبهر بدقة المنظِّم الخالق سبحانه وتعالى، ولن تجد زحام مرور بين الكواكب يعطل القمر أو يعطل الأرض، ولن يتوقف كوكب ما لنفاد وقوده، بل كما قال الله سبحانه وتعالى: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. ونحن في حياتنا حين نرى دقة الصنعة بكثير فيما هو أقل من السماء والشمس والقمر، فنحن نكرِّم الصانع، وقد أكرمت البشرية مصمِّم التلغراف، ومصمم جهاز التليفزيون، فما بالنا بخالق الكون كله سبحانه. ويكفي أن نعلم أن الشمس تبعد عنا مسافة ثماني دقائق ضوئية، والثانية الضوئية تساوي ثلاثمائة ألف كيلو متر، وهي شمس واحدة تراها، غير آلاف الشموس الأخرى في المجرَّات الأولى، وكل مجرَّة فيها ملايين من المجموعات الشمسية، ويكفي أن تعلم أن الحق سبحانه قد أقسم بالشمس، وقال عن كوكب الشِّعْرى: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ}تفسير : [النجم: 49]. لأن كوكب الشعرى أكبر من الشمس. وحين تتأمل السماوات والأرض تجد في الأرض جبالاً شامخة، وتمر عليها فتُدْهش من دقة التكوين ودقة التماسك، وتجد في داخلها نفائس ومعادن بدرجات متفاوتة، وقد تجد أسطح الجبال مُكوَّنة من مواد خصبة بشكل هشٍّ، فإذا ما نزل عليها المطر، فهو يصحبها معه إلى الأرض؛ لأنها تكون مجرد ذرات كذرات برادة الحديد، وتتخلل الأرض التي شقَّقتها حرارة الشمس. والمثل الواضح على ذلك هو ما كان يحمله النيل من غِرْيَن في أثناء الفيضان إلى الدلتا قبل بناء السد العالي، وكانت مياه النيل في أيام الفيضان تشبه مادة "الطحينة" من فرط امتزاجها بذرات الغِرْين، وفي مثل هذا الغرين يوجد الخِصْب الذي نأخذ منه الأقوات. ولو أن الجبال كلها كانت هشَّة التكوين، لأزالها المطر مرة واحدة، وجعلها مجرد مسافة نصف متر مضاف لسطح الأرض، ولاختفى الخصب من الأرض بعد سنوات، لكن شاء الحق سبحانه أن يجعل الجبال متماسكة، وجعل سطحها فقط هو الهش لينزل المطر في كل عام مرة؛ ليحمل الخصب إلى الأرض. ومَنْ يتأمل هندسة التكوين في الاقتيات يجد الجبال مخازن للقوت. فالبشر يحتاجون إلى الحديد ليصنعوا منه ما يفيدهم، سواء أكان آلات لحرث الأرض، أو أي آلات أخرى تساعد في تجميل الحياة، وتجد الحديد مخزوناً في الجبال. وكذلك نجد المواد الأخرى مثل الفوسفات أو المنجنيز، أو الرخام، أو الفيروز أو الغازات. إذن: فالمطمور في الجبال إما للاقتيات، أو وسيلة إلى الاقتيات، أو وسيلة للتَّرف فوق الاقتيات. وحين ينزل المطر فوق الجبال فهو يأخذ الخِصْب من الطبقة الهشَّة على سطح الجبال وتبقى المواد الأخرى كثروات للناس، ففي إفريقيا مثلاً توجد مناجم للفحم والماس، وفي بلاد أخرى تجد عود الطيب، وهو عبارة عن جذور أشجار. وأنت لو شققت الأرض كقطاع من محيط الأرض إلى المركز تجد الأرض الخصبة مع الصحراء، مع المياه، مع الجبال، متساوية في الخير مع القطاع المقابل للقطاع الأول. وقد تختلف نوعيات العطاء من موقع إلى آخر على الأرض، فأنت لو حسبت مثلاً ما أعطاه المطر للنيل من خِصْب الجبال من يوم أن خلق الله - عز وجل - النيل في أرض وادي النيل في إفريقيا، وحسبت ما أعطاه النفط (البترول)، في صحراء الإمارات مثلاً، ستجد أن عطاء النيل يتساوى مع عطاء البترول، رغم أن اكتشاف البترول قد تَمَّ حديثاً. وكل قُوتٍ محسوب من مخازن القوت، وكل قوت له زمن، فهناك زمن للفحم، وزمن للبترول، كل ذلك بنظام هندسي أنشأه الحكيم الأعلى سبحانه. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد قال: {يَعْقِلُونَ} في مجال النظر في السماوات وفي الأرض، فهذه دعوة لتأمل عجائب السماوات والأرض. ومن تلك العجائب أن الجبال الشاهقة لها قمة، ولها قاعدة، مثلها مثل الهرم، وتجد الوديان على العكس من الجبال؛ لأن الوادي يكون بين جبلين، وتجد رأس الوادي في أسفله، ورأس الجبل في قمته. وحين ينزل المطر فهو يمرُّ برأس الجبل الضيق؛ ليصل إلى أسفل قاع الوادي الضيق، وكلما نزل المطر فهو يأخذ من سطح الجبل؛ ليملأ مساحة الوادي المتسعة، وكلما ازداد الخلق، زاد الله سبحانه رقعة الاقتيات. ومثال ذلك تجده في الغِرْيَن القادم من منابع النيل؛ ليأتي إلى وادي النيل والدلتا، وكانت هذه الدلتا من قبل مجرد مستنقعات مالحة، وشاء لها الحق سبحانه أن تتحول إلى أرض خصبة. وحين نتأمل ذلك نرى أن كل شيء في الكون قد أوجده الحق سبحانه بحساب. والذي يفسد الكون هو أننا لا نقوم بتكثير ما تكاثر، بل ننتظر إلى أن تزدحم الأرض بمن عليها، ثم نفكر في استصلاح أراضٍ جديدة، وكان يجب أن نفعل ذلك من قبل. وكلما نزل المطر على الجبال فهي تتخلخل وتظهر ما فيها من معادن، يكتشفها الإنسان ويُعْمِل عقله في استخدامها. والمؤمن حين يرى ذلك يزداد إيماناً، وكلما طبَّق المؤمن حُكْماً تكليفياً مأموراً به، يجد نور الإيمان وهو يشرق في قلبه. وليُجرِّب أي مسلم هذه التجربة، فليجرب أن يعيش أسبوعاً في ضوء منهج الله سبحانه وتعالى، ثم يَزنْ نفسه ويُقيِّمها ليعرف الفارق بين أول الأسبوع وآخر الأسبوع، سيكتشف في هذا الأسبوع أنه يصلي في مواقيت الصلاة، وسيجد أنه يعرق في عمله ليكسب حلالاً، وسيجد أنه يصرف ماله في حلال. زِنْ نفسك يقينياً في آخر الأسبوع ستجد أن نفسك قد شفَّت شفافية رائعة؛ لتجد ضوء ونور الإيمان وهو يصنع انسجاماً بينك وبين الكون كله في أبسط التفاصيل وأعقدها أيضاً. ومثال ذلك: إنك قد تجد الرجل من هؤلاء الذين أسبغ عليهم تطبيقُ منهج الله الشفافيةَ تسأله زوجته: ماذا نطبخ اليوم؟ فيقول لها: فَلْنقْضِ اليوم بما بقي من طعام أمس، ثم يُفَاجأ بقريب له يزوره من الريف، وقد جاءه ومعه الخير. لقد وصل الرجل إلى درجة من الشفافية تجعله منسجماً مع الكون كله، فيصله رزق الله تعالى له من أيِّ مكان. وتجد الشفافية أيضاً في أعقد الأمور، ألم يَقُلْ يعقوب عليه السلام: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 94]. وكان إخوة يوسف - عليه السلام - ما زالوا على أبواب مصر خارجين منها للقاء أبيهم، حاملين قميصَ يوسف، الذي أوصاهم يوسف بإلقائه على وجه أبيه ليرتد إليه بصره. لقد جاءت ريح يوسف عليه السلام لأبيه يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام قد عاش في انسجام مع الكون، ولا توجد مُضارة بينه وبين الكون. والمثال الحيّ لذلك هو فرح الكون لمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم مولده، لقد فرح الكون بمقدم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكون عابد مُسبِّح لله سبحانه، فحين يأتي مَنْ يدعو العباد إلى التوحيد لا بُدَّ أن يفرح الكون، أما مَنْ يَعْصِ الله تعالى، فالكون كله يكرهه ويلعنه، ويتلاعن الاثنان. وقد فرح الكون بمجيء الرسول الذي أراد الله سبحانه أن تنزل عليه الرسالة الإلهية ليعتدل ميزان الإنسان مع الكون. وهنا يقول الحق سبحانه: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [يونس: 101]. والكون كله أمامهم، فلماذا لا ينظرون؟ إنهم يبصُرون ولا يستبصرون، مثل الذي يسمع ولا يسمع؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {.. وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]. إذن: فعدم إيمانهم أفقدهم البصيرة والتأمل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {قُلِ} لهم يا أكمل الرسل على مقتضى مرتبة النبوة؛ تهييجاً لهم وتحريكاً على استعدادهم وقابليتهم: {ٱنظُرُواْ} أيها المجبولون على النظر والتأمل {مَاذَا} أي: أي شيء وذات ظهر بجسب أسمائه وصفاته {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسفليات والغيوب والشهادات {وَ} إن كان {مَا تُغْنِي} وتكفي {ٱلآيَاتُ} الدالة على وحدة الذات المتجلي في جميع الكوائن والجهات {وَٱلنُّذُرُ} المبين للآيات، المنبهين على مدلولاتها {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] أي: لم يتعلق إرادة الله بإيماهم وتوحيدهم وعرفانهم. {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ} أي: ما ينتظرون أولئك المتمردون على الإيمان {إِلاَّ مِثْلَ} ما وقع على أمثالهم من الخسف والكسف والغرق وغير ذلك من المعايب التي وقعت في {أَيَّامِ} المشركين {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} ومضوا {مِن قَبْلِهِمْ} فإن عارضوا معك بمثل ما عارضت معهم مثل ما سلف من أسلافهم مع أنبيائهم ورسلهم {قُلْ} لهم تبكيتاً وإلزاماً: {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} لمقتي وهلاكي {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 102] لكن لمقتكم وهلاككم، فالأمر بيد الله وقبضة قدرته ومشيئته. {ثُمَّ} بعدما أهلكنا الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل وإصرارهم على الكفر والشرك {نُنَجِّي} مما أصابهم {رُسُلَنَا} الذين أرسلناهم إليهم {وَ} ننجي أيضاً {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بنا وصدقوا رسلنا وانقادوا بما جاءوا به {كَذَلِكَ} أي: مثل إنجائنا إياهم {حَقّاً عَلَيْنَا} تفضلاً منا وامتناناً على عبادنا {نُنجِ} جميع {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103] المنقادين لرسلنا المتدينين بديننا، على ذلك جرت سنتنا. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمتردين في أمرك ودينك المتمردين عن إطاعتك وانقيادك: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على الغفلة والنسيان {إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ} وريب {مِّن دِينِي} الذي هو أسدّ الأديان وأصحها وأشملها وأشرف الملل وأكملها؛ إذ هو مرجع كل الأديان كما هو مبدؤه؛ لابتنائه على توحيد الذات التي اضمحلت دونها جميع الكثرات، ومع ظهور فضله وكماله ووضوح حجته وبرهانه وعلو شأنه أنتم تشكون فيه فأنا أحق أن أشك فيما أنتم عليه وعبدتم إليه {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لقصورهم عن المعبودية وعدم استحقاقهم للألوهية والربوبية {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد {ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي: أعدمكم ومعبوداتكم بعدما أظهركم وإياهم من العدم {وَأُمِرْتُ} من عنده {أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] الموقنين لتوحيده المناقدين لحكمه. {وَ} أيضاً أمرت من عنده {أَنْ أَقِمْ} واستقم {وَجْهَكَ} أي: بوجهك الذي هو يلي الحق {لِلدِّينِ} الذي أنزل إليك لإصلاح حالك حال كونك {حَنِيفاً} مائلاً على جميع الأديان الباطلة والآراء الفاسدة {وَ} بالجملة: {لاَ تَكُونَنَّ} بعدما ظهر عليك حقية دينك {مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] الذين يدعون الوجود لغير الله ويشركون معه سبحانه وتعالى عناداً ومكابرةً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها، وما تحتوي عليه، والاستبصار، فإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وعبرًا لقوم يوقنون، تدل على أن الله وحده، المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأسماء والصفات العظام. { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } فإنهم لا ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم. { فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: فهل ينتظر هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله، بعد وضوحها، { إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: من الهلاك والعقاب، فإنهم صنعوا كصنيعهم وسنة الله جارية في الأولين والآخرين. { قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة، والنجاة في الدنيا والآخرة، وليست إلا للرسل وأتباعهم. ولهذا قال: { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا } من مكاره الدنيا والآخرة، وشدائدهما. { كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا } أوجبناه على أنفسنا { نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } وهذا من دفعه عن المؤمنين، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإنه -بحسب ما مع العبد من الإيمان- تحصل له النجاة من المكاره.