١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
الرازي
تفسير : / واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات، أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابىء فأمر الله تعالى أن يبين لهم أنه على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً لقوله تعالى: { أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 120] ولقوله: { أية : وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً } تفسير : [الأنعام: 79] ولقوله: { أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الكافرون: 2] والمعنى: أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أموراً. فالقيد الأول: قوله: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وإنما وجب تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح، وإنما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال والإكرام، وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالاً منها، وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس. القيد الثاني: قوله: {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ } والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله. فإن قيل: ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله: {ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم }. قلنا فيه وجوه الأول: يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم أولاً ثم يتوفاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مراراً وأطواراً فههنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبهاً على البواقي. الثاني: أن الموت أشد الأشياء مهابة، فنخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام، ليكون أقوى في الزجر والردع. الثالث: أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى: { أية : فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنْتَظِرُواْ إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [يونس: 102، 103] فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا: {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ } وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول: أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي. والقيد الثالث: من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل منها إلى الإيمان والمعرفة، وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزيناً بالأعمال الصالحة، فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة. والقيد الرابع: قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو في قوله:{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان: الأول: أن قوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ } قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } الثاني: أن قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } قائم مقام قوله: {وَأُمِرْتُ } بإقامة الوجه، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفاً. المسألة الثانية: إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظراً بالاستقصاء، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير، لأنه لو صرفه عنه، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة، وإذا بطلت تلك المقابلة، فقد اختل الأبصار، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين، وقوله: {حَنِيفاً } أي مائلاً إليه ميلاً كلياً معرضاً عما سواه إعراضاً كلياً، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام، وترك الالتفات إلى غيره، فقوله أولاً: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان، وقوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه. والقيد الخامس: قوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }. واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهياً عن عبادة الأوثان، لأن ذلك صار مذكوراً بقوله تعالى في هذه الآية: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي. والقيد السادس: قوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله. ثم قال في آخر الآية: {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما سوى الحق معزولاً عن التصرف، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً. فإن قيل: فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص؟ قلنا: لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافياً للرجوع بالكلية إلى الله، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدماً محضاً بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عالياً علي الكل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يريد كفار مكة. {إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان التي لا تعقل. {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي يميتكم ويقبض أرواحكم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المصدّقين بآيات ربهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل: يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقاً، فأنا لا أعبدها، فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين. وقوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} الآية، أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفاً، أي: منحرفاً عن الشرك، ولهذا قال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} وهو معطوف على قوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} الآية، فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم من طريق عبد الله بن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» تفسير : ثم رواه من طريق الليث عن عيسى بن موسى عن صفوان عن رجل من أشجع عن أبي هريرة مرفوعاً بمثله سواء. وقوله: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى } أنه حق {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره وهو الأصنام لشككم فيه {وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّٰكُمْ } بقبض أرواحكم {وَأُمِرْتُ أَنْ } أي بأن {أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّدِينِ حَنِيفاً} أي استقم بإقبال وجهك على ما أمرت به من الدين حنيفاً، وقيل أنه أراد بالوجه النفس. و {حَنِيفاً} فيه ستة تأويلات: أحدها: أي حاجاً، قاله ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي. الثاني: متبعاً، قاله مجاهد. الثالث: مستقيماً، قاله محمد بن كعب. الرابع: مخلصاً، قاله عطاء. الخامس: مؤمناً بالرسل كلهم، قاله أبو قلابة قال حمزة بن عبد المطلب: شعر : حمدت الله حين هدى فؤادي من الإشراك للدين الحنيف تفسير : السادس: سابقاً إلى الطاعة، مأخوذ من الحنف في الرجلين وهو أن تسبق إحداهما الأخرى.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي...} الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة. وقوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ...} الآية: الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي: ٱجعلْ طريقك وٱعتمالَكَ للدِّين والشرْعِ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ * وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ...} الآية، قد تقدَّم أن ما كان مِنْ هذا النوع، فالخِطَابُ فيه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ غيره. وقوله سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ...} الآية: مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، والـــ {ضُرُّ} لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان. وقوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } لفظ تامُّ العموم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} الآية. لمَّا بالغ في ذكر الدليل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه، وإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره. فإن قيل: كيف قال "في شكٍّ" وهم كافرون يعتقدون بطلان ما جاء به؟. قيل: كان فيهم شاكون، فهم المرادُ بالآية، أو أنَّهم لمَّا رَأوا الآياتِ اضطربوا، وشكُّوا في أمرهم وأمر النبي - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه -. قوله: "فَلاَ أَعْبُدُ" جواب الشَّرط، والفعلُ خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنَا لا أعبدُ، ولو وقع المضارعُ منفياً بـ "لا" دون فاء لجزمَ، ولكنَّه مع الفاءِ يرفع كما تقدَّم ذكره، وكذا لوْ لمْ يُنْفَ بـ "لا" كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}تفسير : [المائدة:95]، أي: فهو ينتقُم. ثم قال: {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} يميتكم، ويقبض أرواحكم. فإن قيل: ما الحكمةُ في وصف المعبود ههنا بقوله: {ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}؟. فالجواب: من وجوه: الأول: أنَّ المعنى أني أعبدُ الله الذي خلقكم أولاً، ثم يتوفَّاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً، فاكتفى بذكر التوفي لكونه مُنَبِّهاً على البواقي. الثاني: أنَّ الموت أشدُّ الأشياءِ مهابة، فخص هذا الوصف بالذكر ههنا، ليكون أقوى في الزَّجر والرَّدع. الثالث: أنَّهم لمَّا استعجلوا نزول العذاب قال تعالى:{أية : فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [يونس:102-103] وهذا يدلُّ على أنَّهُ تعالى يهلك أولئك الكفار، ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم، فلمَّا كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا: {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} وهو إشارةٌ إلى ما قرَّره وبيَّنهُ في تلك الآية كأنه يقول: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم، وإبقائي بعدكم. قوله: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس:72]، قال الزمخشري: أصله بأن أكون، فحذف الجارُّ، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذفُ الحروفِ الجارَّة مع أن وأنَّ، وأنْ يكون من الحذف غير المطَّرد؛ وهو كقوله: [البسيط] شعر : 2939- أَمَرْتُكَ الخَيْرَ............ ............................. {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}تفسير : [الحجر:94] يعنى: بغيرِ المُطَّرد أنَّ حذف حرف الجر مسموعٌ في أفعالٍ لا يجوزُ القياسُ عليها، وهي: أمَرَ، واسْتَغْفَرَ، كما تقدم [الأعراف155]، وأشار بقوله: "أمَرْتُكَ" إلى البيت المشهور: [البسيط] شعر : 2940- أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمِرْتَ بِهِ ............................... تفسير : وقد قاس ذلك بعضُ النَّحويِّين، ولكن يُشترط أن يتعيَّن ذلك الحرف، ويتعيَّن موضعه أيضاً، وهو رأي علي بن سليمان فيُجيز "بريتُ القلمَ السكين" بخلاف "صَكَكْتُ الحَجَرَ بالخشبةِ". قوله: "وأنْ أقِمْ" يجوز أن يكون على إضمار فعلٍ أي: وأوحي إليَّ أن أقم، ثم لك في "أنْ" وجهان أحدهما: أن تكون تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدَّرة، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظرٌ، إذ المفسَّرُ لا يجوز حذفه، وقد ردَّ هو بذلك في موضع غير هذا، والثاني: أن تكون المصدرية، فتكون هي وما في خبرها في محلِّ رفع بذلك الفعل المقدر، ويحتمل أن تكون "أنْ" مصدرية فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله: أمِرْتُ مراعى فيها معنى الكلام؛ لأنَّ قوله "أنْ أكُونَ" كون من أكوانِ المؤمنين، ووصلْ "أنْ" بصيغة الأمْر جائزٌ، كما تقَدَّم تحريره. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: عطف قوله: "وأنْ أقِمْ" على "أنْ أكُون" فيه إشكالٌ؛ لأنَّ أنْ لا تخلو: إمَّا أن تكون التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعلِ في تأويل المصدر، فلا يصحُّ أن تكون التي للعبارة، وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّنُ معنى القول؛ لأنَّ عطفها علىالموصولة ينافي ذلك، والقولُ بكونها موصولة مثل الأولى لا يساعد عليه لفظ الأمْرِ وهو "أقِمْ"؛ لأنَّ الصِّلة حقُّها أن تكون جملة تحتمل الصِّدق والكذب. قلت: قد سوَّغَ سيبويه أن توصلَ "أنْ" بالأمْرِ والنَّهْيِ، وشبَّه ذلك بقولهم: "أنت الذي تفعل" على الخطاب؛ لأنَّ الغرضَ وصلها بما تكونُ معه في تأويلِ المصدرِ، والأمْرُ والنَّهْيُ دالاَّنِ على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال. قال شهاب الدين: وقد تقدَّم الإشكالُ في ذلك وهو أنَّه إذا قُدِّرت بالمصدر فاتت الدَّلالةُ على الأمْرِ والنَّهْي. ورجَّحَ أبُو حيَّان كونها مصدرية على إضمار فعل كما تقدَّم تقريره قال: "ليزولَ قلقُ العطفِ لوجودِ الكافِ، إذْ لوْ كانَ "وأنْ أقِمْ" عطفاً على "أنْ أكُونَ" لكان التَّركيبُ "وَجْهِي" بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضعفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر". قال ابنُ الخطيبِ: الواو في قوله: "وأنْ أقِمْ وجْهكَ" حرف عطف، وفي المعطوف عليه وجهان: الأول: أنَّ قوله: وأمِرْتُ أنْ أكُون قائم مقام قوله: وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه "وأنْ أقِمْ وجْهَكَ". الثاني: أنَّ قوله "وأنْ أقِمْ وجْهَكَ" قائم مقام قوله: "وأمْرِتُ" بإقامة الوجه، فيصير التقدير: وأمرت بأن أكون من المؤمنين، وبإقامة الوجه للدِّين حنيفاً. قوله: "حَنِيفاً" يجُوزُ أن يكون حالاً من "الدِّين"، وأن يكون حالاً من فاعل "أقِمْ" أو مفعوله. فصل قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: معنى قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي: عملك. وقيل: استقم على الدِّين حنيفاً. قال ابنُ الخطيبِ: "إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكليَّةِ إلى طلبِ الدِّين؛ لأنَّ من يريدُ أن ينظر إلى شيءٍ نظر استقصاءٍ فإنَّه يُقيم وجههُ في مقابلته بحيثُ لا يصرفه عنه؛ لأنَّه لو صرفهُ عنه، ولو بالقليل، فقد بطلت تلك المقابلة، وإذا بطلت المقابلةُ اختلَّ الإبصار؛ فلهذا جعل إقامة الوجه كناية عن صرف العقل بالكليةِ إلى طلبِ الدِّين، وقوله "حَنِيفاً" أي: مائلاً إليه ميلاً كليّاً، معرضاً عن كُلِّ ما سواه إعراضاً كلياً". ثم قال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وهذا لا يمكنُ أن يكون نهياً عن عبادة الأوثان؛ لأنَّ ذلك صار مذكوراً في قوله أول الآية: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [104] فلا بُدَّ من حمل هذا الكلام على فائدة زائدة، وهي أن من عرف مولاه فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً، وهذا هو الذي تسميه أصحابُ القلوبِ بالشِّرك الخفيِّ. قاله ابنُ الخطيبِ. قوله تعالى: "ولا تَدْعُ" يجُوزُ أن تكون هذه الجملة استئنافية، ويجوز أن تكون عطفاً على جملة الأمر وهي: "أَقِمْ" فتكون داخلة في صلة "أنْ" بوجهيها، أعني كونها تفسيرية أو مصدرية وقد تقدم. وقوله: "مَا لاَ ينفعُك" يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً، وأن تكون موصولةً. قوله: "فإنَّكَ" هو جوابُ الشَّرطِ و "إذَنْ" حرفُ جوابٍ توسَّطتْ بين الاسم، والخبرِ، ورتبتها التَّأخيرُ عن الخبرِ، وإنَّما وُسِّطتْ رعياً للفواصل. وقال الزمخشري: "إذَنْ" جواب الشَّرطِ وجوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنَّ سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان. وفي جعله "إذَنْ" جزاءً للشَّرطِ نظرٌ، إذ جوابُ الشَّرطِ محصورٌ في أشياء ليس هذا منها. فصل المعنى: "ولا تَدْعُ" أي: ولا تعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ ما لا ينفعك} إن أطعته: "ولا يَضُرُّكَ" إن عصيتهُ "فإن فعلْتَ" فعبدتَ غير الله، أو لو اشتغلت بطلب المنفعة، والمضرَّةِ من غير الله {فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} الضَّارين لأنفسهم، الواضعين للعبادة في غير موضعها؛ لأنَّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير وضعه. قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} الآية. قوله: "وَإِنْ يَمْسَسْكَ" قد تقدَّم ما في ذلك من صناعة البديع في سورة الأنعام [الأنعام:17]. وقال هنا في جواب الشَّرط الأول بنفي عام، وإيجاب، وفي جواب الثاني بنفي عام دون إيجاب؛ لأنَّ ما أرادَه لا يردُّه رادٌّ، لا هو ولا غيره، لأنَّ إرادتهُ قديمةٌ لا تتغيَّرُ، فلذلك لم يجىء التَّركيب فلا رادَّ لهُ إلاَّ هو، هذه عبارةُ أبي حيَّان، وفيها نظرٌ، وكأنَّهُ يقولُ بخلاف الكَشْفِ فإنه هو الفاعلُ لذلك وحدهُ دون غيره بخلاف إرادته تعالى، فإنَّهُ لا يتصوَّر فيها الوقوعُ على خلافها، وهي مسألةٌ خلافيَّةٌ بين أهل السُّنَّةِ والاعتزال. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: لم ذُكر المسُّ في أحدهما والإرادةُ في الثاني؟ قلت: كأنَّه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً: الإرادة والإصابة في كُلِّ واحدٍ من الضُّر والخَيْر، وأنَّه لا رادَّ لما يريده منهما، ولا مُزيلَ لِمَا يُصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسَّ وهو الإصابةُ في أحدهما، والإرادة في الآخر ليدُلَّ بما ذكر على ما ترك، على أنَّه قد ذكر الإصابة في الخير في قوله: {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} [يونس:107]. فصل اعلم أنَّ الشيء إمَّا أن يكون ضارّاً، وإمَّا أن يكون نافعاً، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير، ولمَّا كان الضر أمراً وجودياً، والخير قد يكون أمراً عدميّاً، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} والآية دالَّة على أنَّ الضرَّ والخيْرَ واقعان بقدرةِ الله وبقضائه، فيدخل فيه الكفر، والإيمانُ، والطاعةُ، والمعصيةُ، والسرورُ والخيراتُ والآلامُ واللَّذاتُ. ومعنى الآية: إن يُصبْكَ الله بضرٍّ أي: بشدَّة، وبلاء فلا دافع لهُ إلاَّ هُوَ، {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} رخاء ونعمة وسعة {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} لا دافع لرزقه، {يُصَيبُ بِهِ} بكل واحدٍ من الضر والخير {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. قال الواحديُّ: قوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} من المقلوب، معناه: وإن يرد بك الخَيْرَ، ولكنَّه لمَّا تعلَّق كل واحد منهما بالإرادةِ جاز تقديم كل واحد منهما. قال المفسِّرون: لمَّا بيَّن تعالى في الآية الأولى أنَّ الأصنامَ لا تضرّ ولا تنفعُ بيَّن في هذه الآية أنَّها لا تقدر على دفع الشَّر الواصل من الغير، ولا على دفع الخير الواصل من الغير. قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} الآية. قوله: "مِن ربِّكم" يجوز أن يتعلَّق بـ "جَاءَكُمُ" و "مِنْ" لابتداءِ الغاية مجازاً، ويجُوزُ أن يكون حالاً من "الحَقِّ". قوله: فَمِن اهْتَدَى ومن ضلَّ يجوز أن تكون "مَنْ" شرطاً، فالفاءُ واجبةُ الدُّخُولِ وأن تكون موصولة فالفاءُ جائزته. فصل المراد " بالحقّ" القرآن والإسلام {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه. قوله: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: بِكَفِيلٍ يحفظ أعمالكم، و "ما" يجوز أن تكون الحجازيَّة أو التميمية، لخفاء النصب في الخبر. قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - هذه الآية نسختها آية القتال. ثمَّ قال تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} [يونس:109] أمرهُ باتِّباعِ الوحي والتَّنزيل {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} من نصرك وقهر عدوك وإظهار دينك {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} فحكم بقتل المشركين، وبالجزيةِ على أهل الكتاب يعطونها {أية : عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}تفسير : [التوبة:29]. روى أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قَرَأ سورة يونس - عليه الصلاة والسلام - أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدَّق بيونس وكذَّب به، وبعدد من غرق مع فرعون ".
ابو السعود
تفسير : {قُلْ} لجمهور المشركين {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} أوثر الخطاب باسم الجنس مصدراً بحرف التنبـيه تعميماً للتبليغ وإظهاراً لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم {إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى} الذي أتعبّد الله عز وجل به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفتُه {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} في وقت من الأوقات {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ} ثم يَفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب أي فاعلموا أنه تخصيصُ العبادةِ به ورفضُ عبادةِ ما سواه من الأصنام وغيرِها مما تعبدونه جهلاً، وتقديمُ تركِ عبادةِ الغير على عبادته تعالى لتقدم التخليةِ على التحلية كما في كلمة التوحيد، وللإيذان بالمخالفة من أول الأمر أو إن كنتم في شك من صحة ديني وسَدادِه فاعلموا أن خلاصتَه إخلاصُ العبادة لمن بـيده الإيجادُ والإعدام دون ما هو بمعزل منهما من الأصنام فاعِرضوها على عقولكم وأجيلوا فيها أفكارَكم وانظُروا فيها بعين الإنصافِ لتعلموا أنه حقٌّ لا ريب فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحةِ للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضُه للعاقل في هذا الباب هو الشكُّ في صحته، وأما القطعُ بعدمها فمما لا سبـيلَ إليه وإن كنتم في شك من ثباتي على الدين فاعلموا أني لا أتركه أبداً {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بما دل عليه العقلُ ونطق به الوحيُ وهو تصريحٌ بأن ما هو عليه من دين التوحيدِ ليس بطريق العقلِ الصِّرْفِ بل بالإمداد السماويِّ والتوفيق الإلٰهي، وحذفُ حرفِ الجر من (أن) يجوز أن يكون من باب الحذفِ المطردِ مع أنْ وأنّ، وأن يكون خاصاً بفعل الأمرِ كما في قوله: شعر : أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به [فقد تركتك ذا مالٍ وذا نَشَبِ] تفسير : {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ} عطفٌ على أن أكونَ خلا أن صلةَ أن محكيةٌ بصيغة الأمرِ ولا ضيرَ في ذلك لأن مناطَ جوازِ وصلها بصيغ الأفعال دلالتُها على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والطلبـيةِ، ووجوبُ كونِ الصلةِ خبريةً في الموصول الاسميِّ إنما هو للتوصل إلى وصف المعارفِ بالجمل وهي لا توصف إلا بالجمل الخبرية، وليس الموصولُ الحرفيُّ كذلك أي وأُمرتُ بالاستقامة في الدين والاستبدادِ فيه بأداء المأمورِ به والانتهاءِ عن المنهيِّ عنه أو باستقبال القبلةِ في الصلاة وعدمِ الالتفات إلى اليمين والشمال {حَنِيفاً} حالٌ من الدين أو الوجه أي مائلاً عن الأديان الباطلة {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} عطفٌ على أقم داخلٌ تحت الأمرِ أي لا تكونن منهم اعتقاداً ولا عملاً وقوله عز وعلا: {وَلاَ تَدْعُ} عطف على قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} غير داخل تحت الأمر وقيل: على ما قبله من النهي والوجهُ هو الأولُ لأن ما بعده من الجمل إلى آخر الآيتين متسقةٌ لا يمكن فصلُ بعضِها عن بعض كما ترى ولا وجهَ لإدراج الكلِّ تحت الأمرِ، وهو تأكيدٌ للنهي المذكورِ وتفصيلٌ لما أجمل فيه إظهاراً لكمال العنايةِ بالأمر وكشفاً عن وجه بُطلان ما عليه المشركون أي لا تدْعُ {مِن دُونِ ٱللَّهِ} استقلالاً ولا اشتراكاً {مَا لاَ يَنفَعُكَ} إذا دعوتَه بدفع مكروهٍ أو جلبِ محبوب {وَلاَ يَضُرُّكَ} إذا تركتَه بسلب المحبوبِ دفعاً أو رفعاً أو بإيقاع المكروهِ، وتقديمُ النفعِ على الضرر غنيٌّ عن بـيان السبب {فَإِن فَعَلْتَ} أي ما نُهيتَ عنه من دعاء ما لا ينفع ولا يضر، كنّى به عنه تنويهاً لشأنه عليه السلام وتنبـيهاً على رفعة مكانِه من أن يُنسَب إليه عبادةُ غير الله سبحانه ولو في ضمن الجملةِ الشرطية {فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} جزاءٌ للشرط وجوابٌ لسؤال من يسأل عن تَبِعة ما نُهي عنه.
القشيري
تفسير : إن كنتم في غطاء الرَّيْبِ فأنا في ضياءِ مِنَ الغيبِ، إِنْ كنتم في ظلمة الجهل فأنا في شموس الوَصْلِ، إن كنتم في سدفة الضَّلالة فأنا في خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة. ويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم في وهدة العِوَجِ، وأنَا ثابِتٌ على سَوَاء النَّهَجِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا ايها الناس} خطاب لاهل مكة {ان كنتم فى شك من دينى} الذى اتعبد الله به وادعوكم اليه ولم تعلموا ما هو وما صفته {فلا اعبد} اى فانا لا اعبد والا لا نجزم {الذين تعبدون من دون الله} فى وقت من الاوقات {ولكن اعبد الله الذى يتوفاكم} يقبض ارواحكم بوساطة الملك ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب اى فاعلموا تخصيص العبادة به تعالى ورفض عبادة ما سواه من الاصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا وذلك لان شكهم ليس سببا لعدم عبادة الاوثان وعبادة الله بل سبب للاعلام والاخبار بان الدين كذا ومثله وما بكم من نعمة فمن الله فان استقرار النعمة فى المخاطبين ليس سببا لحصولها من الله تعالى بل الامر بالعكس وانما هو سبب للاخبار بحصولها من الله تعالى {وامرت ان} اى بان {اكون من المؤمنين} وفى الانتقال من العبادة التى هى جنس من اعمال الجوارح الى الايمان والمعرفة دلالة على انه ما لم يصر الظاهر مزينا بالاعمال الصالحة لا يستقر فى القلب نور الايمان والمعرفة فان الله تعالى جعل احكام الشريعة اساس المعرفة فاذا زال الاساس زال ما بنى عليه وايضا العمل لباس المعرفة فاذا انسلخت المعرفة عن هذا اللباس صارت كسراج على وجه الريح شعر : علم آبست وعمل سد جون سبو جون سبو بشكست ريزد آب ازو
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (وأن اقم): عطف على (أن أكون) وإن كان بصيغة الأمر؛ لأنَّ الغرض وصل "أن" بما يتضمن معنى المصدر يدل معه عليه، وصِيغ الأفعال كلها كذلك، سواء الخبر منها والطلب، والمعنى، وأمرت بالإيمان والاستقامة. يقول الحق جل جلاله: {قلْ} يا محمد لأهل مكة أو لجميع الناس: {يا أيها الناسُ إن كنتم في شكٍ من ديني}؛ بأن شككتم في صحته حتى عبدتم غير الله، {فلا أعبدُ الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبدُ الله الذي يتوفاكم} فهذا خلاصة ديني اعتقاداً وعملاً، فاعرضوها على العقل السليم، وانظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا صحتها، وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم، الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر لأنه أليق بالتهديد، انظر البيضاوي. {وأمرت أن أكون من المؤمنين} بالله وحده، الذي دل عليه العقل ونطق به الوحي. {وأنْ أقِمْ وجهَكَ للدين حنيفاً}؛ مائلاً عن الأديان الفاسدة، أي: أمرت بالاستقامة بذاتي كلها في الدين والتوغل فيه، بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، أو: أن أقيم وجهي في الصلاة باستقبال القبلة. وقيل لي: {ولا نكوننَّ من المشركين} بالله في شيء، {ولا تَدْعُ من دون الله ما لا ينفعكُ ولا يضرُّكَ} بنفسه ولا بدَعْوَته، {فإن فعلتَ} ودعَوْتَهُ {فإنك إذاً من الظالمين}، وهو تنفير وتحذير للغير من الميل إليه. ثم بيَّن من يستحق العبادة والدعاء، وهو الله تعالى فقال: {وإن يمسسك الله} أي: يصيبك {بضر فلا كاشف له}: لا رافع له {إلا هُو} أي: الله، {وإن يُردكَ بخيرٍ فلا رادَّ}: لا دافع {لفضله} الذي أرادك له. قال البيضاوي: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر، مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا لاستحقاق لهم عليه، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده. هـ. {يصيب به} بذلك الخير {من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}، فتعرّضوا لخيره بالتضرع والسؤال، ولا يمنعكم من ذلك ما اقترفتم من العصيان والزلل، فإنه غفور رحيم. الإشارة: ينبغي لمن تمسك بطريق الخصوص، وانقطع بكليته إلى مولاه، أن يقول لمن خالفه في ذلك: إن كنتم في شك من ديني ـ من طريقي ـ فلا أعبدُ ما تعبدون من دون الله، من متابعة الهوى والحرص على الدنيا، ولكن أعبدُ الله الذي يتوفاكم، وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأن اقيم وجهي للدين حنيفاً مائلاً عن دينكم ودنياكم، كما قال القائل: شعر : تَرَكتُ للِنَّاسِ دُنْياهُمْ ودِينَهم شُغْلاً بِذِكرِكَ يا دِيني ودُنيَائِي تفسير : قال آخر: شعر : تَرَكتُ لِلنَّاس مَا تَهوَى نُفُوسُهُم مِن حُبِّ دُنيَا وَمِن عِزٍّ وَمِن جَاهِ كَذاكَ تَرْكُ المَقَامَاتِ هُنَا وهُنَا والقَصْدُ غَيْبَتُنا عَمَّا سِوَى اللَّهِ تفسير : {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك}، وهو ما سوى الله، فليس بيد أحد ضر، ولا نفع، ولا جلب ولا دفع، قال في الحكم: "لا ترفعنَّ إلى غيره حاجة هو مُوردها عليك، فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا؟! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه؛ فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟!". قال بعضهم: من اعتمد على غير الله فهو في غرور؛ لأن الغرور ما لا يدوم، ولا يدوم شيء سواه، وهو الدائم القديم، لم يزل ولا يزال، عطاؤه وفضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء، في كل نفس وحين وأوان وزمان. هـ. وقال وهب بن منبّه: أوحى الله إلى داود عليه السلام: "حديث : يا داود أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له منهن فرجاً ومخرجاً، أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده، وأسخطتُّ الأرض من تحته ولا أُبالي في أي وادٍ هلك"تفسير : . هـ. وقال بعضهم: قرأت في بعض الكتب: أن الله عز وجل يقول: "حديث : وعزتي وجلالي، وجودي وكرمي، وارتفاعي فوق عرشي في عُلو مكاني، لأقطعن آمال كل مؤمّل لغيري بالإياس، ولأكسونه ثوب المذلة بين الناس، ولأنحينَّه من قربي، ولأقطعنه من وصلي، أيؤمِّل غيري في النوائب، والشدائدُ بيدي، وأنا الحي، ويُرجى غيري ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتحوح لمن دعاني، ومن ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به دونها؟ ومن ذا الذي رجاني بعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني؟ ومن ذا الذي قرع بابي فلم أفتح له؟ جَعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة، فقطعت بغيري، وجعلت رجاءهم مدخُوراً لهم عندي، فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي بمن لا يملُّون تسبيحي من ملائكتي، وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقَتْه نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحدٌ غيري؟ فما لي أراه بآماله مُعرضاً عني؟ وما لي أراه لاهياً إلى سواي، أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته منه فلم يسألني رده. وسأل غيري، أفتراني أبداً بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي؟ أبخيل أنا فيبخلني خلقي؟ أليس الدنيا والآخرة لي؟ أوَليس الجود والكرم لي؟ أوَليس أنا محل الآمال؟ فمن ذا الذي يقطعها دوني؟ وما عسى أن يؤمل المؤملون لو قُلت لأهل سمواتي وأهل أرضي: أمِّلوني، ثم أعطيتُ كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع، ما انتقص ذلك من ملكي عضو ذرَّة، وكيف ينقص ملك كامل أنا فيه؟. فيا بؤس القانطين من رحمتي، ويا بؤسَ من عصاني ولم يراقبني، وثَبَ على محارمي ولم يَسْتَحِ منٍّي ". تفسير : ثم أزاح عذرهم بإرسال النذير، فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للخلق {يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني} فان ديني أن {لا أعبد الذين تعبدون من دون الله} أي إن كنتم في شك مما أذهب اليه من مخالفتكم فاني أظهره لكم وأبرء مما أنتم عليه وأعرفكم ما أمرت به وهو أن أكون مؤمناً بالله وحده وأن أقيم وجهي للدين حنيفاً. إن قيل: لم قال {إن كنتم في شك من ديني} مع اعتقادهم بطلان دينه؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: احدها - أن يكون على وجه التقدير أي من كان شاكاً في أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه. والثاني - انهم في حكم الشاك للاضطراب الذي يجدون نفوسهم عليه عند ورود الآيات والثالث - ان فيهم الشاك فغلب ذكرهم، وإنما جعل جواب {إن كنتم في شك} (لا أعبد) وهو لا يعبد غير الله شكوا أو لم يشكوا، لان المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله كعبادتكم، كأنه قيل: إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله بشككم ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم أي الذي أحياكم ثم يقبضكم وهو الذي يحق له العبادة دون أوثانكم ودون كل شيء سواه.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعنى بعد ما بعثتك بالنّبوّة فاعلن دينك ولا تخف منهم ولا تخف دينك وان كنت قبل ذلك خائفاً خافياً {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} التّعليق على التّوفّى المتعلّق بهم لتهديدهم {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بكلّ من معانى الايمان.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يا أيُّها النَّاسُ} أهل مكة {إنْ كُنتُم فى شكٍّ مِنْ دِينى} أنه حق، ومن صحة دينى وهو دين إبراهيم الذى تعرفونه، وأنتم من ذريته، وهو دينى مقبول معروف غير منكر فى العقول، ليس قابلا للشك، والجواب محذوف أى عوقبتم على ذلك، أو فلكم دينكم ولى دينى، وأناب عن ذلك قوله: {فَلا أعْبُد الَّذينَ تعْبدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} وهم الأصنام التى عبادتها منكرة فى العقل، ينبغى لكم الشك فيها، إذ لا تضر ولا تنفع، بل أدوم على الدين المعروف دين إبراهيم، الذى لو نظرتم فيه بالإنصاف لوجدتموه الحق دون غيره، فاقطعوا عنى، أطماعكم كما قال فى الدوام على هذا الدين. {ولكِنْ أعْبُد اللهَ الَّذى يتوفَاكُم} وصفه بالتوفى الذى هو أشد شئ على النفس تهديدا لهم، وزجراً وإيذانا بأنه الحقيق أن يخاف ويعرف ويعبد، أو مطابقة لاستعجالهم العذاب، أو لانتظارهم، أى ولكن أعبد الله الذى هو قادر على إهلاككم، ونصرى عليكم، أو إشارة إلى ما يترتب على التوفى من جزائهم بأعمالهم وأقوالهم واعتقادهم، أو لأن القادر على التوفى وهو إزالة الروح قادر على الإحياء وإجراء الروح، أولا وبعد الموت، فهو مغن عن ذكر الإحياء الأول والثانى، وخص بالذكر لما مرَّ، وعلى كل حال ففى ذلك تعريض بأن الذين تعبدون من دون الله لا يقدرون على شئ من ذلك. {وأمرْتُ أنْ أكُونَ} أى بأن أكون، وحذف الجار قبل أن مطرد عند أمن اللبس، وعند قصد الإجمال، ويجوز أن يكون ذلك مما ورد فيه أمر ناصبا بلا ذكر ياء كقوله: أمرتك الخير، وهو غير مطرد، كذا قالوا، وأقول الذى عندى أنه غير مطرد إذ أتى باسم صريح، وأما إذ أتى بأن أو إن فمطرد مطلقا. {مِنَ المؤمِنينَ} بالدين المدلول عليه بالعقل والوحى، وذلك ذكر للإيمان القلبى بعد ذكر العبادة البدنية.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أَهل مكة وأَل للعهد وهم المعهودون لأَن الشمس النبوية طلعت من بينهم ويجوز أَن يكون أَل للجنس فيكون المراد المكلفين من أَهل مكة وغيرهم قريش وغيرهم الحاضرين والغائِبين من وجد ومن سيوجد، والأَول أَولى لأَن أَصل الخطاب أَن يكون للموجودين الحاضرين وغيرهم مستفاد من النص الآخر العام {إِنْ كُنْتُمْ فِى شَكٍّ مِنْ دِينِى} فى شك من كون دينى حقا قولا وفعلا واعتقادا، ومن بمعنى فى متعلق بشك وقال فى شك مع أَنهم فى جزم من بطلان الدين للإِشارة إِلى أَنهم عارفون الحق وجحدوه، كما يخاطب الجازم خطابا بصورة الشك تثبيتا، أَو كأَنهم عرفوه لظهور دلائِله وإِن أَقصى ما يبقى للعاقبل إِذا قصر أَن يشك، وأَما الجزم فعناد محض ولا سبيل إِليه أَلبتة {فَلاَ أَعْبُدُ} أَى فأَنا لا أَعبد وإِنما قدرت ذلك لأَن لا أَعبد يصلح شرطا، فلو كان وحده جوابا لجزم وسقط الفاءُ وليس تقدير كقولك فهذه خلاصة دينى اعتقادا وعملا فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإِنصاف لتعلموا صحتها جوابا أَولى من كون لا أَعبد إِلخ جوابا فإِن كلا من قوله لا أَعبد الذين تعبدون من دون الله ولا أَترك دينى أَبدا كما قال "أية : لا أَعبد ما تعبدون"تفسير : [الكافرون: 2] إِلخ {الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} وهم الأَصنام وهى لا تقدر على الإِحياءِ ولا التوفى، وقال الذين مجاراة لهم فى الخطاب إِذ يجعلونها كالعقلاءِ {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ} فيجازيكم فإِن المحيى المميت هو الحقيق بأَن يعبد، والحاصل إِن كنتم فى شك من دينى الذى أَعبد الله تعالى به وأَدعوكم وغيركم إِليه ولم تعلموا به فإِنى أُخبركم أَنه تخصيص العبادة به تعالى أَو إِن كنتم فى شك من صحة دينى فإِنى أُخبركم بأَن خلاصته عبادة الإِله الذى يملك الإِماتة لا مالا قدرة له على شىءٍ كأَصنامكم والمقام لذلك لا لما قيل من أَن المعنى إِن شككتم أَأَتركه إِلى دينكم أَو إِلى غيره فاقطعوا طمعكم فى تركه، وصح لكثرة ذكر الإِماتة مقرونة بالبعث أَن يقال المعنى أَعبد الذى خلقكم ثم يتوفاكم ثم يعيدكم للجزاءِ، فاقتصر على ذكر بعض وخص التوفى بالذكر مع أَنه هو المحيى أَيضا للتهديد إِذ لا شىءَ أَشد عليهم من الموت، ولذلك خاطبهم خصوصا ولم يقل أَعبد الله الذى يتوفى الأَحياءَ، وقد ذكر ترك عبادة غيره على ذكر عبادته لأَن التخلى قبل التحلى {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَى بأَن أَكون ممن آمن بالوحى وبما أَدى إِليه العقل مما يكون العقل فيه حجة وهذا أَمر بأَصل الإِيمان وذكر الأَمر بالاستغراق فى نور الإِيمان بقوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} فإِن المعنى أَعرض بالكلية عما سواه فإِنه هو المراد بإِقامة الوجه، فإِن من أَراد أَن ينظر إِلى شىءٍ نظر استقامة أَو باستقبال يقيم وجهه إِلى سمت لا يميل يمينا ولا شمالا ولا فوق ولا تحت وإِلا اختلت المقابلة المرادة، وذلك استعارة تمثيلية أَو كناية، والوجه على ظاهره أَو بمعنى الذات، وقيل المعنى صرف العقل بالكلية إِلى طلب الدين، وقيل المراد استقبال القبلة فى الصلاة، وعلى هذا المراد بالدين خصوص الصلاة مجازا وهو غير متعارف سواءٌ جعلنا التجوز لأَنها جزءٌ من الدين، أَو أَنها سميت هكذا باسم الدين مع أَنه لا يتعارف أَقم بمعنى وجه للقبلة وحنيفا حال من الدين أَو الوجه والأَول أَولى للقرب ولأَنه حال من صاحب الدين فى غير هذه الأَوجه ولأَن كونه من الوجه يوجب كونه حنيفا فى وقت إِقامته، والظاهر أَنه حنيف بعد الإِقامة، والحال مؤكدة فى الوجهين لا فى الثانى خاصة كما قيل وبعض المعطوف محذوف أَى وأُوحى إِلى أَن أَقم وأَن مفسرة وليس العطف على أَن أَكون إِلخ، وإِلا لزم أَن تكون معه مصدرية لأَنها فى المعطوف عليه مصدرية ولزم دخول الباءِ على الأَمر، والمصدرية لا تكون فى الأَمر لأَنه مصدر للأَمر خارجيا ولو أَجازه سيبويه وإِذا أُول بالمصدر هو غير طلبى زال معناه الطلبى {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} تأْكيد لما قبله أُو أُريد به خصال الإِشراك كالرثاءِ والسمعة والالتفات إِلى الوسائل والالتفات إِلى غير الله وغير ذلك من أَنواع الشرك الخفى، والعطف على أَقم وأَن تفسيرية، وحرف المصدر لا يدخل على النهى إِذ لا مصدر له خارجى.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} لجميع من شك في دينك وكفر بك {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} أوثر الخطاب باسم الجنس مصدراً بحرف التنبيه تعميماً للتبليغ وإظهاراً لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم {إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِى} الذي أعبد الله تعالى به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو ولا صفته حتى قلتم إنه صبأ. {فَلآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} في وقت من الأوقات {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُمْ} ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب، وجعل هذه الجملة باعتبار مضمونها جواباً بتأويل الإخبار وإلا فلا ترتب لها على الشرط بحسب الظاهر، فالمعنى إن كنتم في شك من ذلك فأخبركم أنه تخصيص العبادة به تعالى ورفض عبادة ما سواه من الأصنام وغيرها مما تعبدونه جهلاً، وقد كثر جعل الإخبار بمفهوم الجملة جزاء نحو إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، وعلى هذا الطرز قوله تعالى: { أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 53] فإن استقرار النعمة ليس سبباً لحصولها من الله تعالى بل الأمر بالعكس، وإنما سبب للإخبار بحصولها منه تعالى كما قرره ابن الحاجب. / وقد يكون المعنى إن كنتم في شك من صحة ديني وسداده فأخبركم أن خلاصته العبادة لإله هذا شأنه دون ما تعبدونه مما هو بمعزل عن ذلك الشأن فأعرضوا ذلك على عقولكم وأجيلوا فيه أفكاركم وانظروا بعين الإنصاف لتعلموا صحته وحقيته، وذكر بعضهم أنه لا يحتاج على هذا إلى جعل المسبب الإخبار والإعلام بل يعتبر الجزاء الأمر بعرض ما ذكر على عقولهم والتفكر فيه، والأظهر اعتبار كون الإخبار جزاء كما في المعنى الأول، والتعبير عما هم عليه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه للعاقل في هذا الباب هو الشك في الصحة وأما القطع بعدمها فما لا سبيل إليه، وقيل: لا نسلم أنهم كانوا قاطعين بل كانوا في شك واضطراب عند رؤية المعجزات. وجىء ـ بإن ـ للإشارة إلا أنه مما لا ينبغي أن يكون لوجود ما يزيله. وجوز أن يكون المعنى إن كنتم في شك من ديني ومما أنا عليه أأثبت عليه أم أتركه وأوافقكم فلا تحدثوا أنفسكم بالمحال ولا تشكوا في أمري واقطعوا عني أطماعكم واعلموا أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولا أختار الضلالة على الهدى كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ }تفسير : [الكافرون: 1-2] ولا يخفى أن ما قبل أوفق بالمقام. وتقديم ترك عبادة غير الله تعالى على عبادته سبحانه لتقدم التخلية على التحلية كما في كلمة التوحيد والإيذان بالمخالفة من أول الأمر، وتخصيص التوفي من بين سائر صفات الأفعال بالذكر متعلقاً بهم للتخويف فإنه لا شيء أشد عليهم من الموت، وقيل: المراد أعبد الله الذي خلقكم ثم يتوفاكم ثم يعيدكم وفيه إيماء إلى الحشر الذي ينكرونه وهو من أمهات أصول الدين ثم حذف الطرفان وأبقى الوسط ليدل عليهما فإنهما قد كثر اقترانهما به في القرآن. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أوجب الله تعالى على ذلك فوجوب الإيمان بالله تعالى شرعي كسائر الواجبات، وذكر المولى صدر الشريعة أن للشرعي معنيين ما يتوقف على الشرع كوجوب الصلاة والصوم، وما ورد به الشرع ولا يتوقف على الشرع كوجوب الإيمان بالله سبحانه ووجوب تصديقه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يتوقف على الشرع فهو ليس بشرعي بالمعنى الأول، وذلك لأن ثبوت الشرع موقوف على الإيمان بوجود الباري تعالى وعلمه وقدرته وكلامه، وعلى التصديق بنبوة النبـي عليه الصلاة والسلام بدلالة معجزاته فلو توقف شيء من هذه الأحكام على الشرع لزم الدور، ولقائل أن يمنع توقف الشرع على وجوب الإيمان ونحوه سواء أريد بالشرع خطاب الله تعالى أو شريعة النبـي صلى الله عليه وسلم وتوقف التصديق بثبوت شرع النبـي صلى الله عليه وسلم على الإيمان بالله تعالى وصفاته وعلى التصديق بنبوة النبـي صلى الله عليه وسلم ودلالة معجزاته لا يقتضي توقفه على وجوب الإيمان والتصديق ولا على العلم بوجوبهما غايته أنه يتوقف على نفس الإيمان والتصديق وهو غير مفيد لتوقفه على وجوب الإيمان والتصديق ولا مناف لتوقف وجوب الإيمان ونحوه على الشرع كما هو المذهب عندهم من أن لا وجوب إلا بالسمع، وقول الزمخشري هنا: إنه عليه الصلاة والسلام أمر بالعقل والوحي لا يخلو عن نزغة اعتزالية كما هو دأبه في كثير من المواضع، ومن قال من المفسرين منا: إنه وجب على ذلك بالعقل والسمع أراد بالعقل التابع لما سمع بالشرع فلا تبعية، والكلام على حذف الجار أي أمرت بأن أكون، وحذفه من أن وأن مطرد وإن قطع النظر عن ذلك فالحذف بعد أمر مسموع عن العرب كقوله: شعر : / أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب تفسير : وأدخل بعضهم هذه الجملة في الجزاء وليس بمتعين.
سيد قطب
تفسير : هذة خاتمة السورة، وخاتمة المطاف لتلك الجولات في شتى الآفاق، تلك الجولات التي نحس أننا عائدون منها بعد سياحات طويلة في آفاق الكون، وجوانب النفس، وعوالم الفكر والشعور والتأملات. عائدون منها في مثل الإجهاد من طول التطواف، وضخامة الجني، وامتلاء الوطاب! هذه خاتمة السورة التي تضمنت تلك الجولات حول العقيدة في مسائلها الرئيسية الكبيرة: توحيد الربوبية والقوامة والحاكمية، ونفي الشركاء والشفعاء، ورجعة الأمر كله إلى الله، وسننه المقدرة التي لا يملك أحد تحويلها ولا تبديلها. والوحي وصدقه، والحق الخالص الذي جاء به. والبعث واليوم الآخر والقسط في الجزاء... هذه القواعد الرئيسية للعقيدة التي دار حولها سياق السورة كله، وسيقت القصص لإيضاحها، وضربت الأمثال لبيانها.. ها هي ذي كلها تلخص في هذه الخاتمة، ويكلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها للناس إعلاناً عاماً، وأن يلقي إليهم بالكلمة الأخيرة الحاسمة: أنه ماض في خطته، مستقيم على طريقته، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. {قل: يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم، وأمرت أن أكون من المؤمنين}.. قل: يا أيها الناس جميعاً، وإن كان الذين يتلقون الخطاب إذ ذاك هم مشركي قريش، إن كنتم في شك من أن ديني الذي أدعوكم إليه هو الحق، فإن هذا لا يحولني عن يقيني، ولا يجعلني أعبد آلهتكم التي تعبدونها من دون الله.. {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم}.. أعبد الله الذي يملك آجالكم وأعماركم. وإبراز هذه الصفة لله هنا له قيمته وله دلالته، فهو تذكير لهم بقهر الله فوقهم، وانتهاء آجالهم إليه، فهو أولى بالعبادة من تلك الآلهة التي لا تحيي ولا تميت.. {وأمرت أن أكون من المؤمنين}.. فأنا عند الأمر لا أتعداه. {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين}.. وهنا يتحول السياق من الحكاية إلى الأمر المباشر، كأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلقاه في مشهد حاضر للجميع. وهذا أقوى وأعمق تأثيراً. {أقم وجهك للدين حنيفاً} متوجهاً إليه خالصاً له، موقوفاً عليه {ولا تكونن من المشركين} زيادة في توكيد معنى الاستقامة للدين، ولمعنى أن يكون من المؤمنين، عن طريق النهي المباشر عن الشرك بعد الأمر المباشر بالإيمان. {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك. فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين}.. لا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك من هؤلاء الشركاء والشفعاء، الذين يدعوهم المشركون لجلب النفع ودفع الضر. فإن فعلت فإنك إذن من هؤلاء المشركين! فميزان الله لا يحابي وعدله لا يلين.. {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله، يصيب به من يشاء من عباده، وهو الغفور الرحيم}.. فالضر نتيجة لازمة لسنة الله الجارية حين يتعرض الإنسان لأسبابه، والخير كذلك.. فإن مسك الله بضر عن طريق جريان سنته فلن يكشفه عنك إنسان، إنما يكشف باتباع سنته، وترك الأسباب المؤدية إلى الضر إن كانت معلومة، أو الالتجاء إلى الله ليهديك إلى تركها إن كانت مجهولة. وإن أراد بك الخير ثمرة لعملك وفق سنته فلن يرد هذا الفضل عنك أحد من خلقه. فهذا الفضل يصيب من عباده من يتصلون بأسبابه وفق مشيئته العامة وسنته الماضية. {وهو الغفور الرحيم} الذي يغفر ما مضى متى وقعت التوبة، ويرحم عباده فيكفر عنهم سيئاتهم بتوبتهم وعملهم الصالح وعودتهم إلى الصراط المستقيم. هذه خلاصة العقيدة كلها، مما تضمنته السورة، يكلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنهما للناس، ويوجه إليه الخطاب بها كأنما على مشهد منهم. وهم هم المقصودون بها. إنما هو أسلوب من التوجيه الموحي المؤثر على النفوس، ويقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها في وجه القوة والكثرة؛ ووجه الرواسب الجاهلية، ووجه التاريخ الموغل بالمشركين في الشرك.. يعلنها في قوة وفي صراحة وهو في عدد قليل من المؤمنين في مكة، والقوة الظاهرة كلها للمشركين.. ولكنها الدعوة وتكاليفها، والحق وما ينبغي له من قوة ومن يقين. ومن ثم يكون الإعلان الأخير للناس: {قل: يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل}.. فهو الإعلان الأخير، والكلمة الفاصلة، والمفاصلة الكاملة، ولكل أن يختار لنفسه. فهذا هو الحق قد جاءهم من ربهم. {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}.. وليس الرسول موكلاً بالناس يسوقهم إلى الهدى سوقاً، إنما هو مبلغ، وهم موكولون إلى إرادتهم وإلى اختيارهم وإلى تبعاتهم، وإلى قدر الله بهم في النهاية. والختام خطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - باتباع ما أمر به، والصبر على ما يلقاه حتى يحكم الله بما قدره وقضاه: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين}.. وهو الختام المناسب الذي يلتقي مع مطلع السورة، ويتناسق مع محتوياتها بجملتها على طريقة القرآن في التصوير والتنسيق..
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة متصلة المعنى بجملة: {أية : قُل انظروا ماذا في السماوات والأرض}تفسير : [يونس: 101]، إذ المقصود من النظر المأمور به هُنالك النظرُ للاستدلال على إثبات الوحدانية، فإن جحودهم إيّاها هو الذي أقدمهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: إن الله بعثه بإثباتها وأبطل الإشراك، فلما أمرهم بالنظر المؤدي إلى إثبات انفراده تعالى بالإلهية أعقبه بأن يخبرهم بأنهم إن استمروا على الشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت على ما جاء به وأن دلائل صحة دينه بينة للناظرين. والمراد بـ«الناس» في هذا الخطاب المشركون من أهل مكة، أو جميع أمة الدعوة الذين لمَّا يستجيبوا للدعوة. و(في) من قوله: {في شك} للظرفية المجازية المستعملة في التمكن تشبيهاً لتمكن الصفة بتمكن الظرف من المظروف من جهة الإحاطة. وعلق الظرف بذات الدين، والمراد الشك في حالة من أحواله وهي الحالة الملتبسة بهم أعني حالة حقيته. و(من) في قوله: {من ديني} للابتداء المجازي، أي شككٍ آتٍ من ديني. وهو ابتداء يَؤول إلى معنى السببية، أي إن كنتم شاكين شكاً سببه ديني، أي يتعلق بحقيته، لأن الشك يُحمل في كل مقام على ما يناسبه، كقوله: {أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك}تفسير : [يونس: 94]. وقد تقدم آنفاً. وقوله: {أية : وإن كنتم في ريب مما نَزّلنا على عبدنا}تفسير : [البقرة: 23]. والشك في الدين هو الشك في كونه حقاً، وكونِه من عند الله. وإنما يكون هذا الشك عند عدم تصور حقيقة هذا الدين بالكنه وعدم الاستدلال عليه، فالشك في صدقه يستلزم الشك في ماهيته لأنهم لو أدركوا كنهه لمَا شكُّوا في حقيته. وجملة: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} واقعة موقع جواب الشرط ودالة عليه في المعنى. فالتقدير الجواب: فأنا على يقين من فساد دينكم، فلا أتبعه، فلا أعبد الذين تعبدونهم ولكن أعبد الله. ولما كان مضمون هذه الجملة هو أصل دين الإسلام. فيجوز أن يكون في الآية معنى ثان، أي إن كنتم في شك من معرفة هذا الدين فخلاصته أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكني أعبد الله وحده، فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون}تفسير : [الكافرون: 1، 2] ثم قوله: {أية : لكم دينكم ولي دين}تفسير : [الكافرون: 6] فيتأتى في هذه الآية غرضان. فيكون المراد بالناس في قوله: {قل يأيها الناس} جميع أمة الدعوة الذين لم يُسلموا. والذين يعبدونهم الأصنام. وعوملت الأصنام معاملة العقلاء فأطلق عليها اسم الموصول الذي لجماعة العقلاء مجاراة لما يعتقدونه فيها من العقل والتدبير. ونظير هذا في القرآن كثير. واختيار صلة التوفّي هنا في نعت اسم الجلالة لما فيها من الدلالة على كمال التصرف في المخلوق فإن المشركين لم يبلغ بهم الإشراك إلى ادعاء أن الأصنام تُحيي وتميت. واختيار ذلك من بين الصفات الخاصة بالله تعالى تعريض بتذكيرهم بأنهم مُعَرَّضون للموت فيقصّرون من طغيانهم. والجمع بين نفي أن يَعبد الأصنام، وبين إثبات أنه يعبد الله؛ يقوم مقام صيغة القصر لو قال: فلا أعبد إلا اللّهَ، فوجه العدول عن صيغة القصر: أنّ شأنَها أن يطوى فيها الطرف المنفي للاستغناء عنه بالطرف المثبَت لأنه المقصود. وذلك حين يكون الغرض الأصلي هو طرف الإثبات، فأما إذا كان طرف النفي هو الأهم كما هنا وهو إبطال عبادة الأصنام أوّلاً عدل على صيغة القصر إلى ذكر صيغتي نفي وإثبات. فهو إطناب اقتضاه المقام، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموأل: شعر : تسيل على حد الظُبَات نفوسنا وليست على غير الظُبات تسيل تفسير : و{أمرت} عطف على جملة: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله}. و{أن أكون} متعلق بـ{أمرت} بحذف حرف الجر. وهو الباء التي هي لتعدية فعل (أمرت)، و(أن) مصدرية لأن نصب الفعل المضارع بعدها يعين أنها مصدرية ويمنع احتمال أنها تفسيرية. وأريد بالمؤمنين عقائب هذا اللقب الذين آمنوا بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن والبعث فإذا أطلق لفظ المؤمنين انصرف إلى القوم الذين اتصفوا بالإسلام، ولذلك لا يقدر للمؤمنين متعلق. وفي جعل النبي صلى الله عليه وسلم من جملة المؤمنين تشريف لهذا الجمع وتنويه به.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من ديني: أي الإِسلام في أنه حق. يتوفاكم: أي يقبض أرواحكم فيميتكم. وإن أقم وجهك للدين حنيفاً: أي أمرني ربي أن أقم وجهي للدين الإِسلامي حنيفاً أي مائلاً عن كل الأديان إليه دون غيره. ما لا ينفعك ولا يضرك: أي آلهة لا تنفع ولا تضر وهي أصنام المشركين وأوثانهم. إنك إذاً من الظالمين: أي إنك إذا دعوتها من المشركين الظالمين لأنفسهم. فلا كاشف له إلا هو: أي لا مزيل للضُّر ومبعده عمن أصابه إلا هو عز وجل. يصيب به: أي بالفضل والرحمة. وهو الغفور الرحيم: أي لذنوب عباده التائبين الرحيم بعباده المؤمنين. معنى الآيات: بعد أن بين تعالى طريق الهدى وطريق الضلال وأنذار وحذر وواعد وأوعد في الآيات السابقة بما لا مزيد عليه أمر رسوله هنا أن يواجه المشركين من أهل مكة وغيرهم بالتقرير التالي فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} أي مشركي مكة والعرب من حولهم {إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ} وريب في صحة ديني الإِسلام الذي أنا عليه وأدعوا إليه، {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} فمجرد شككم في صحة ديني لا يجعلني أعبد أوثاناً وأصناماً لا تنفع ولا تضر، {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ} الذي ينفع ويضر، يحيي ويميت، الله الذي يتوفاكم أي يميتكم بقبض أرواحكم فهو الذي يجب أن يعبد ويخاف ويرهب {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أمرني ربي أن أومن به فأكون من المؤمنين فآمنت وأنا من المؤمنين. وقوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي وأوحى إليَّ ربي آمراً إياي بأن أقيم وجهي لدينه الحق فلا ألتفت إلى غيره من الأديان الباطلة، ونهاني مشدداً علي أن أكون من المشركين الذين يعبدون معه آلهة أخرى بعد هذا الإِعلان العظيم والمفاصلة الكاملة والتعريض الواضح بما عليه أهل مكة من الضلال والخطأ الفاحش، واجه الله تعالى رسوله بالخطاب وهو من باب "إياك أعني واسمعي يا جاره" فنهاه بصريح القول أن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره وهو كل المعبودات ما سوى الله عز وجل فقال: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ} أي لا يجلب لك نفعاً ولا يدفع عنك ضراً، ولا يضرك بمنع خير عنك، ولا بإنزال شر بك فإن فعلت بأن دعوت غير الله فإنك إذاً من الظالمين، ولما كان دعاء النبي غير الله ممتنعاً فالكلام إذاً تعريض بالمشركين وتحذير للمؤمنين، وقوله تعالى: في خطاب رسوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ} عنك {إِلاَّ هُوَ} عز وجل، {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} من الخيور عافية وصحة رخاء ونصر {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} أي ليس هناك من يرده عنك بحال من الأحوال، وقوله: {يُصَيبُ} أي بالفضل والخير والنعمة {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} إذ هو الفاعل المختار، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقوله: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} بيان لصفات الجلال والكمال فيه فإنه تعالى يغفر ذنوب التائبين إليه مهما بلغت في العظم، ويرحم عباده المؤمنين مهما كثروا في العدد، وبهذا استوجب العبادة بالمحبة والتعظيم والطاعة والتسليم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- على المؤمن أن لا يترك الحق مهما شك وشكك فيه الناس. 2- تحريم الشرك ووجوب تركه وترك أهله. 3- دعاء غير الله مهما كان المدعو شرك محرم فلا يحل أبداً، وإن سموه توسلاً. 4- لا يؤمن عبد حتى يوقن أن ما أراده الله له من خير أو شر لا يستطيع أحد دفعه ولا تحويله بحال من الأحوال، وهو معنى حديث: "حديث : ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ".
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {يَتَوَفَّاكُمْ} (104) - قُلْ يَا أَيُّها الرَّسُولُ لِلنَّاسِ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ صِحَّةِ الدِّينِ الذِي أَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ الحَقُّ، فَاسْمَعُوا وَصْفَهُ، وَاعْرِضُوهُ عَلَى عُقُولِكُمْ، وَانْظُرُوا فِيهِ، لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلشَّكِّ: إِنِّي لاَ أَعْبُدُ الحِجَارَةَ التِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّكُمْ وَخَالِقِكُمْ، بَلْ أَعْبُدُ اللهَ الذِي يَتَوَفَّى الخَلْقَ إِذَا شَاءَ، وَيَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ إِذا أَرَادَ، وَمِثْلُ هَذا الإله حَقِيقٌ بِأَنْ يُعْبَدَ، وَأَنْ يُخَافَ مِنْهُ وَيُتَّقَى، وَقَدْ أُمِرْتُ بِأَنْ أَكْونَ مِنَ المُؤْمِنينَ المُسْتَسْلِمِينَ لأَمْرِهِ تَعَالَى.
الثعلبي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} الذي أدعوكم إليه. {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان التي لا تعقل ولا تفعل ولا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} تقدير أن يسلم ويقبض أرواحهم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} قال ابن عباس: عملك. وقيل: نفسك، أي استقم على الدين { حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: "حديث : لم أعبد ربي بالرهبانية وأن خير الدين الحنيفية السهلة ". تفسير : {وَلاَ تَدْعُ} تعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ} إن أطعته {وَلاَ يَضُرُّكَ} إن عصيته {فَإِن فَعَلْتَ} فعبدت غير الله {فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} الضارّين لأنفسهم، الواضعين العبادة في غير موضعها {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} يصبْك الله ببلاء وشدّة {فَلاَ كَاشِفَ} دافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} رخاء ونعمة {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} فلا مانع لرزقه. {يُصَيبُ بِهِ} واحد من الضر والخير {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن فيه البيان. {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [أي له ثواب اهتدائه] {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} فعلى نفسه جنا {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بكفيل وحفيظ يحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية القتال. {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} من نصرك وقهر أعدائك وإظهار دينه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. قال الحسن: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وقد تجمع خيرتهم فقال: "حديث : إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني" تفسير : قال أنس: فلم نصبر. فأمرهم بالصبر كما أمره الله به. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: لما قدم معاوية المدينة تلقّته الأنصار وتخلّف أبو قتادة ودخل عليه بعد فقال: مالك لا تلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: ربطناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاصبروا حتى تلقوني"تفسير : ، قالوا: إذاً نصبر، ففي ذلك قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: شعر : ألا أبلغ معاوية بن حرب أمير المؤمنين ثنا كلام فإنّا صابرون ومنظروكم إلى يوم التغابنوالخصام
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والشَّكُّ معناه: وضَعْ أمرين في كِفَّتين متساويتين. وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض على الكافرين قضية الدين، وأن يضعوها في كفة، ويضعوا في الكفة المقابلة ما يؤمنون به. ويترك لهم الحكم في هذا الأمر. هم - إذن - في شك: هل هذا الدين صحيح أم فاسد؟ وعَرْض الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر الدين للحكم عليه، يعني: أن أمر الدين ملحوظ أيضاً عند أيِّ كافر، وهو ينتبه أحياناً إلى قيمة الدين. فإن كنتم في شكٍّ من الدين الذي أنزِلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه عليهم، أم تكون لهم الغلبة؟ وحين يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الدين عليهم، ويترك لهم الحكم، فهذه ثقة منه صلى الله عليه وسلم بأن قضايا دينه إنْ نظر إليها الإنسان ليحكم فيها، فلا بد أن يلتجىء الإنسان إلى الإيمان. ويحسم الحق سبحانه وتعالى أمر قضية الشرك به، ويستمر أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ..} [يونس: 104]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يعبد الشركاء وأن يعبد الله؛ لأنه لن يعبد إلا الله {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ..} [يونس: 104]. ثم جاء سبحانه بالدليل الذي لا مراء فيه، الدليل القوي، وهو أن الحق سبحانه وتعالى وحده هو المستحق للعبادة؛ لأنه {ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}، ولا يوجد مَنْ يقدر أو يتأبى على قَدَر الله سبحانه حين يُميته. وهنا قضيتان: الأولى: قضية العبادة في قوله سبحانه: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ..} [يونس: 104]. وكان لا بُدَّ أن يأتي أمر المسألتين معاً: مسألة عدم عبادة الرسول لمن هم من دون الله، ومسألة تخصيص الله تعالى وحده بالعبادة. والفصل واضح بما يُحدِّد قطع العلاقات بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، كما أورده الحق سبحانه في قوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}تفسير : [الكافرون: 1-6]. والذين يقولون: إن في سورة (الكافرون) تكراراً لا يلتفتون إلى أن هذا الأمر تأكيد لقطع العلاقات؛ ليستمر هذا القطع في كل الزمن، فهو ليس قطعاً مؤقَّتاً للعلاقات. وهذا أول قَطْع للعلاقات في الإسلام، بصورة حاسمة ليست فيها أية فرصة للتفاهم أو للمساومة، ويظل كل معسكر على حاله. يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة النصر: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}تفسير : [النصر: 1-3]. هنا يتأكد الأمر، فبعد أن قطع الرسول صلى الله عليه وسلم العلاقات مع معسكر الشرك، جاء نصر الله سبحانه وتعالى وفَتْحه، فَهُرِع الناس من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان. هم - إذن - الذين جاءوا إلى الإيمان .. هذه هي القضية الأولى: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ..} [يونس: 104]. وهم كانوا يعبدون الأصنام المصنوعة من الحجارة. وأنت إذا نظرتَ إلى الأجناس في الوجود، فأكرمها هو الإنسان الذي سخَّر له الحق سبحانه بقية الأجناس لتكون في خدمته. والجنس الأقل من الإنسان هو الحيوان. ثم يأتي الجنس الأقل مرتبةً من الإنسان والحيوان، وهو النبات. ثم يأتي الجماد كأدنى الأجناس مرتبةً، وهم قد اتخذوا من أدنى الأجناس آلهة، وهذه هي قمة الخيبة. وتأتي القضية الثانية في قول الحق سبحانه وتعالى: {.. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفض العبادة لمن هُمْ دون الله سبحانه، فمعنى ذلك أنه لن يعبد سوى الله تعالى. وليس هذا موقفاً سلبياً، بل هو قمة الإيجاب؛ لأن العبادة تقتضي استقبال منهج الله بأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ...}.
الأندلسي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الآية، خطاب لأهل مكة يقول: إن كنتم لا تعرفون ما أنا عليه فأنا أبيّنه لكم فبدأ أولاً بالانتفاء من عبادة ما يعبدون من الأصنام تسفيهاً لآرائهم، وأثبت ثانياً من الذي نعبده وهو الله الذي يتوفاكم. وفي ذكر هذا الوصف الوسط الدال على التوفي دلالة على البدء وهو الخلق وعلى الإِعادة، فكأنه أشار إلى أنه يعبد الله الذي خلقكم ويتوفاكم ويعيدكم، وكثيراً ما صرح بهذه الأطوار الثلاثة. وكان التصريح بهذا الوصف لما فيه من التذكير بالموت، وإرهاب النفوس به، وصيرورتهم إلى الله تعالى بعده، فهو الجدير بأن يخاف ويتقى ويعبد لا الحجارة التي تعبدونها. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لما ذكر أنه يعبد الله وكانت العبادة أغلب ما عليها عمل الجوارح، أخبر أنه أمر بأن يكون من المصدقين بالله الموحدين له المفرد له بالعبادة فانتقل من عمل الجوارح إلى نور المعرفة، وطابق الباطن الظاهر. {وَأَنْ أَقِمْ} يحتمل أن تكون معمولة لقوله: وأمرت، مراعي فيها المعنى لأن معنى قوله: ان أكون، كنْ من المؤمنين، فتكون ان مصدرية صلتها الأمر. والوجه هنا المنحَى والمقصد أي استقم للدين ولا تحد عنه. وحنيفاً حال من الضمير في أقم أو من المفعول. {فَإِن فَعَلْتَ} كني بالفعل عن الدعاء مجازاً، أي فإِن دعوت ما لا ينفعك ولا يضرك. وجواب الشرط فإِنك، وخبرها وتوسطت إذَنْ بين اسم ان والخبر، ورتبتها بعد الخبر، لكن روعي في ذلك الفاصلة. {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} الآية، أتي في الضر بلفظ المس. وفي الخير بلفظ الإِرادة. وطابق بين الضر والخير مطابقة معنوية لا لفظية، لأن مقابل الضر النفع، ومقابل الخير الشر، فجاءت لفظة الضر ألطف وأخص من لفظة الشر. وجاءت لفظة الخير أتم من لفظة النفع. ولفظة المس أوجز من لفظة الإِرادة. وأنص على الإِصابة وأنسب لقوله: {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ}. ولفظ الإِرادة أدل على الحصول في وقت الخطاب وفي غيره وأنسب للفظ الخير وإن كان المس والإرادة معناهما الإِصابة. وجاء جواب وإن يمسسك بنفي عام وإيجاب. وجاء جواب {وَإِن يُرِدْكَ} بنفي عام لأن ما أراده لا يردّه رادٌّ لا هو ولا غيره. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الآية، الحق: القرآن والرسول ودين الإِسلام. والمعنى: فإِنما ثواب هدايته حاصل له ووبال ضلاله عليه والهداية والضلال واقعان بإِرادة الله تعالى. روي أنه حديث : لما نزلت: واصبر، جمع صلى الله عليه وسلم الأنصار قال: إنكم ستجدون بعدي اثرة فاصبروا حتى تلقوني .
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن اختلاف الفريقين في الطريق بقوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} [يونس: 104] إلى قوله: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [يونس: 107] {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يشير إلى أن الخطاب مع محمد الروح، والناس عبارة عن النفس الناسية وصفاتها؛ فالمعنى: قل يا روح للنفس وصفاتها، إن كنتم في شأن من ديني الذي هو عبادة الله وطاعته ومحبته وطلبه؛ لأن دينكم عبادة الهوى والدنيا وطاعتها ومحبتها وتظنون أن غيركم على دينكم. {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [يونس: 104] من الهوى والشيطان والدنيا وشهواتها، {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104] يميتكم ويفنيكم يعني: وفاة النفس وصفاتها وفنائها متضمنة في عبودية الله ومحبته وطلبه، وترك طاعة النفس، وعبادة الهوى طلب الدنيا، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] بلقاء الله والوصول إليه. {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} [يونس: 105] أي: استقم في توجهك لله وطلبه، {حَنِيفاً} [يونس: 105] أي: طاهراً من لون الالتفات إلى ما سواه مائلاً إليه {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] يعني: النفس وصفاتها أنها تعبد غير الله، وإن حملنا الآية على ظاهرها في حق النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إلى أنه كان مخاطباً عند الفطرة {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} حنيفاً إلى الله مخلصاً. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] من طالبي الدنيا وعابدي الهوى في طلب الله تعالى، فكان كما أمر بقوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}[يونس: 104] يعني: ولا أكون من المشركين. {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} [يونس: 106] في الدنيا والآخرة منهما، فإن النفع والضر إلى النافع والضار لا إلى الدنيا والآخرة ونعمتهما ونقمتهما، {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس: 106] الذين يضعون النفع والضر في غير موضعهما. ثم قال تأكيداً لهذا المعنى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [يونس: 107] لأنه لا يدفع الضر إلا الضار، {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107] إلا المتفضل به فله النفع والضر والخير والشر، {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [يونس: 107] بقدر استحقاقهم على حسب استعدادهم، {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} [يونس: 107] يستر بنور وجهه ظلمة وجود الصديقين، {ٱلرَّحِيمُ} [يونس: 107] بتقرب برحمته إلى الطالبين الفارقين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سيد المرسلين، وإمام المتقين وخير الموقنين: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي } أي: في ريب واشتباه، فإني لست في شك منه، بل لدي العلم اليقيني أنه الحق، وأن ما تدعون من دون الله باطل، ولي على ذلك، الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة. ولهذا قال: { فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأنداد، والأصنام وغيرها، لأنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تدبر شيئًا من الأمور، وإنما هي مخلوقة مسخرة، ليس فيها ما يقتضي عبادتها. { وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ } أي: هو الله الذي خلقكم، وهو الذي يميتكم، ثم يبعثكم، ليجازيكم بأعمالكم، فهو الذي يستحق أن يعبد، ويصلى له ويخضع ويسجد. { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } أي: أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة لله، وأقم جميع شرائع الدين حنيفًا، أي: مقبلا على الله، معرضًا عما سواه، { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } لا في حالهم، ولا تكن معهم. { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ } وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى. { فَإِنْ فَعَلْتَ } بأن دعوت من دون الله، ما لا ينفعك ولا يضرك { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى: {أية : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟!!
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):