Verse. 1469 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَاَنْ اَقِمْ وَجْہَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفًا۝۰ۚ وَلَا تَكُوْنَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ۝۱۰۵
Waan aqim wajhaka lilddeeni haneefan wala takoonanna mina almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» قيل لي «أن أقمِ وجهك للدين حنيفا» مائلا إليه «ولا تكونن من المشركين».

105

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} «أن» عطف على «أَنْ أَكُونَ» أي قيل لي كن من المؤمنين وأقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك؛ أي استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين. «حَنِيفاً» أي قويماً به مائلاً عن كل دين. قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه:شعر : حمِدت اللَّه حين هدى فؤادي من الإشراك للدين الحنيف تفسير : وقد مضى في «الأنعام» اشتقاقه والحمد للَّه. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي وقيل لي ولا تشرك؛ والخطاب له والمراد غيره؛ وكذلك قوله: «وَلاَ تَدْعُ» أي لا تعبد. «مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ» إن عبدته. «وَلاَ يَضُرُّكَ» إن عصيته. «فَإنْ فَعَلْتَ» أي عبدت غير الله. «فَإنَّكَ إذاً مِنَ الظَّالِمينَ» أي الواضعين العبادة في غير موضعها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} قيل لي {أَن أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } مائلاً إليه {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك للدين، ثم جاءت العبارة بهذا الترتيب، و" الوجه " في هذه الآية بمعنى المنحى والمقصد، أي اجعل طريقك واعتمالك للدين والشرع، و {حنيفاً } معناه: مستقيماً على قول من قال، الحنف الاستقامة، وجعل تسمية المعوج القدم أحنف على جهة التفاؤل. ومن قال الحنف الميل جعل {حنيفاً } ها هنا مائلاً عن حال الكفرة وطريقهم، و {حنيفاً } نصب على الحال، وقوله {ولا تدع } معناه قيل لي: {ولا تدع } فهو عطف على {أقم } ، وهذا الأمر والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت هكذا فأحرى أن يتحرز من ذلك غيره، وما لا ينفع ولا يضر هو الأصنام والأوثان، والظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه، وقوله {وإن يمسسك الله بضر } الآية، مقصد هذه الآية أن الحول والقوة لله، ويبين ذلك للناس بما يحسونه من أنفسهم، و" الضر" لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان كان ذلك في ماله أو في بدنه، وهذه الآية مظهرة فساد حال الأصنام، لكن كل مميز أدنى ميز يعرف يقيناً أنها لا تكشف ضرّاً ولا تجلب نفعاً، وقوله {وإن يردك بخير} لفظ تام العموم، وخصص النبي صلى الله عليه وسلم الفقه بالذكر في قوله "حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" تفسير : وهو على جهة التشريف للفقه، وقوله تعالى: {وهو الغفور الرحيم } ترجية وبسط ووعد ما.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَقِمْ وَجْهَكَ} استقم بإقبال وجهك على ما أُمرت به، أو أراد بالوجه النفس. {حَنِيفاً} حاجاً "ع"، أو متبعاً أو مستقيماً، أو مخلصاً، أو مؤمناً بالرسل، أو سابقاً إلى الطاعة، من حنف الرِّجْلَيْن وهو أن تسبق إحداهما الأخرى.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء فى هذه الآية: صحح معرفتك ولا تكوننَّ من الناظرين إلى شىء سوى الله، فيمقتك الله، وإقامة الملَّة الحنيفية هذا هو تصحيح المعرفة. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} قال: لا تعتمد صلاة ولا طاعة؛ فتعمى عن سبيل الفضل والرحمة، أَيَتَوهم البائس إنما صلاته مواصلة وإنما هى فى الحقيقة مفاصلة وأنى ذلك، ولا فصل ولا وصل إنما هذه الكلمات عبارات إن تركتها كفرت، وإن قصدتها بشاهدك أشركت، لأن صحة القصود تكوين المقصود وليس الشأن فى القصود، إنما الشأن فى المقصود لذلك خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}.

القشيري

تفسير : أي أَخْلِصْ قلبَك للدّين، وجَرِّدْ قلبَكَ عن إثبات كلِّ ما لَحِقَه قهرُ التكوين، وكنْ مائلاً عن الزيغ والبِدع، داخِلاً في جُمْلَةٍ مَنْ أخلص في الحقيقة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} الذين ههنا محبة الله والشوق الى لقائه ومعرفة صفاته اى اقبل بوجهك الى هذه الصفات الحنيفة الخليلة المبراة عن محبة كل مخلوق سوانا ثم اقبل بهذه الصفات جميعا وجهك بنعت الاستقامة الى مشاهدة وجهنا الازلى المنزه عن المخائيل والتصاوير حتى ترانى بى وتصل اليك انوار وجهى الذى لو اشاط ذرة منها على جميع الاكوان والحدثان من العرش الى الثرى يضمحل جميعاً تحت انوار سلطان بهائى وجلالى قال عليه السلام حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه اى يستقم بى فى ذلك المقام حتى تطيق ان تحمل اثقال انوار مشاهدتى ثم خوفه من الالتفات الى غيره فى اقباله عليه بقوله {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} من الطالبين منى غيرى والاسرين على حبال مشاهدتى ما لا يليق به من الحدثان قال ابن عطا صحح معرفتك ولا يكونن من الناظرين الى شئ سوى الحق فيمقتك الله واقامة الملة الحنيفية هو تصحيح المعرفة ثم زاد تاكيد الاقبال عليه ولاعراض عما سواه بقوله {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} شدد امر التوكل والاعتماد عليه بقطعه طريق الاعراض عما سوى وصاله وبين ان من نظر الى غيره عند امتحان الله بالسراء والضراء يكون مغلوب قهره متروك حظه محروما من مراده محجوبا عن الله بغير الله باتيانى فوت المراد ومن كان بهذه الصفة فهو ظالم حيث وضع الربوبية عند من لا يستقيم فى العبودية قال شقيق الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه الضر ممن لا === عن نفسه ومن عجز من اقامة نفسه كيف يقيم غيره قال الله فان فعلت فانك اذا من الظالمين ثم زاد تاكيدا اليه فى رجوع عباده بالكلية واعراضهم عما سواه بقوله {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} عرف حبيبه ان كل حركة من العرش الى الثرى فهو تعالى محركها وكل روح وجسد وقلب ونفس وهمة وعقل وكفاية مستغرقة فى بحار مقاديره لا يجرى عليهم الا موارد القضاء والقدر وكل مشية فى الامتحان بالضر وايصال النفع تصدر من حكمة السابق فينبغى ان لا يرى الغير فى البين ان يمسسك الله بضر الحجاب فلا كاشف لذلك كالا ظهور انوار وصاله وان يردك بخير كفف جماله فلا اراد لفضل وصاله من سبب وعلة من الاكوان والاحمال فان المختص فى الازل بوصالنا لا يحتجب بشئ من الاشياء لانه فى الفضل السابق مصؤن عن جريان القهر ثم علق ذلك بمشيته السابقة واخراجه عن اكتساب البشر بقوله {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} من عرفائه لانه ساتر الاولياء فى قباب عصمته عن طوفان قهره رحيم بهم حيث رباهم بجماله واويهم الى وصاله قال ابن عطا قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة الا اليه باعلامه انه الضار النافع.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان اقم وجهك للدين} عطف على ان اكون وان مصدرية اى موصول حرفى وصلته لا تجب ان تكون خبرية بخلاف الموصول الاسمى. والمعنى وامرت بالاستقامة فى الدين والاشتداد فيه باداء الفرائض والانتهاء عن القبائح كما فى تفسير القاضى. قال ابن الشيخ فى حواشيه وفيه اشارة الى ان اقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية الى عبادة الله تعالى والاعراض عما سواه فان من اراد ان ينظر الى شيء نظرا بالاستقصاء فانه يقيم وجهه فى مقابلته بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا فانه لو التفت الى جهة بطلت تلك المقابلة واختل النظر المراد ولذلك كنى باقامة الوجه عن صرف القوى بالكلية الى الدين انتهى. قال فى الكواشى والمعنى كن مؤمنا واخلص عملك لله شعر : عبادت باخلاص نت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست تفسير : {حنيفا} حال من الدين اى مائلا عن الاديان الباطلة مستقيما لا اعوجاج فيه بوجه ما {ولا تكونن من المشركين} اعتقادا وعملا عطف على اقم داخل تحت الامر قال الامام من عرف مولاه لو التفت بعد ذلك الى غيره كان ذلك شركا وهذا هو الذى تسميه اصحاب القلوب بالشرك الخفى: قال المغربى شعر : اكر بغير توكردم نكاه درهمه عمر بياد جرم غرامت زديده ام بستان

الطوسي

تفسير : هذه الاية عطف على ما قبلها والتقدير وأمرت أن أكون من المؤمنين، وقيل لي: أقم وجهك وقيل في معناه قولان: احدهما - استقم باقبالك على ما أمرت به من القيام باعباء النبوة وتحمل أمر الشريعة ودعاء الخلق إلى الله بوجهك، اذ من أقبل على الشيء بوجهه يجمع همته له فلم يضجع فيه. والثاني - أن يكون معناه أقم وجهك في الصلاة بالتوجه نحو الكعبة. والاقامة نصب الشيء المنافي لاضجاعه تقول: أقام العود إذا جعله على تلك الصفة فأما أقام بالمكان فمعناه استمر به. والوجه عبارة عن عضو مخصوص ويستعمل بمعنى الجهة كقولهم: هذا معلوم في وجه كذا، ويستعمل بمعنى الصواب كقولك: هذا وجه الرأي. وقيل في معنى الحنيف قولان: احدهما - الاستقامة. وقيل للمايل القدم أحنف تفاؤلا. والثاني - الميل، وقيل الحنف في الدين لأنه ميل إلى الحق. وقوله {ولا تكونن من المشركين} معناه نهي عن الاشراك مع الله تعالى غيره في العبادة تصريحاً بالتحذير عن ذلك والذم لفاعله.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} عطف على ان اكون وغيّر الاسلوب اشارةً الى انّه مأمور بالثّبات فى الايمان وادامته وامّا اقامة الوجه للدّين فانّ الثّبات والدّوام فيه للبشر غير مقدور لضرورة اشتغاله بالكثرات، والاشتغال بالكثرات وان كان لمن لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ غير مانع من اقامة الوجه للدّين لكنّه للاكثر مانع ولمن لا يشغله شأنه عن شأنٍ ايضاً مانع من قوّة الاقامة وكمالها، وان، فى ان اقم مصدريّة او تفسيريّة وعلى المصدريّة فالاتيان بالامر على حكاية حال الامر والخطاب {حَنِيفاً} حال عن فاعل اقم او عن الدّين {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بجملة انواع الشّرك.

اطفيش

تفسير : {وأنْ} مفسرة لوقوعها بعد عاطف على معمول ما فيه معنى القول دون حروفه، ومصدرية كالتى قبلها بناء على جواز دخولها على الأمر لتضمنه معنى المصدر، كما يتضمنه الاخبار فباعتبار معنى المصدر صح، أو حسن العطف فيما بين الإخبار والطلب، لأن المقصود مصدراهما {أقِمْ وجْهَك للدِّين} أى الدين، واللام على أصلها، أو بمعنى إلى، والمراد لوجه النفس، وقيل: العمل، ولعل المراد بهذا القول أقم عمل وجهك، أى عمل نفسك، أى ذاتك، والمراد على كل الدوام على دين الإسلام أداء فرائضه وقيل: المراد استقبال القبلة فى الصلاة. {حَنيفاً} حال من الوجه، لأن المراد به الذات أو الوجه الحقيقى فى الصلاة، أو من الكاف على هذا لأن المضاف بعضه أو من الدين، أى مائلا عن كل دين سواه، أو مائلا ذلك الدين عن سواه منحرفا عن الأباطيل التى فى سواه. {ولا تكونَنَّ مِنَ المشْرِكينَ * ولا تَدْعُ} لا تطلب أو لا تعبد {مِنْ دُونِ اللهِ ما لا ينْفَعك} إن دعوته {ولا يضرُّكَ} إن لم تدعه وهو الأصنام، وحكم النهى هنا حكمه فى قوله: {أية : فلا تكونن من الممترين} تفسير : ونحوه، وقيل: معنى نهيه عن الشرك النهى عن الالتفات إلى غير الله بالكلية، ويسميه بعض بالشرك الخفى، ورسول الله منزه عنه أيضا. {فإنْ فَعَلت} أى دعوت ما لا ينفعك ولا يضرك {فإنَّك إذًا مِنَ الظَّالمينَ} لنفسك بوضع الدعاء فى غير موضعه، والشرط والجواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما يلزم على دعاء الأصنام.

الالوسي

تفسير : {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ} عطف كما قال غير واحد على {أية : أَنْ أَكُونَ}،تفسير : [يونس: 104] واعترض بأن {أَن} في المعطوف عليه مصدرية بلا كلام لعملها النصب والتي في جانب المعطوف لا يصح أن تكون كذلك لوقوع الأمر بعدها، وكذا لا يصح أن تكون مفسرة لعطفها على المصدرية ولأنه يلزم دخول الباء المقدرة عليها والمفسرة لا يدخل عليها ذلك، ودفع ذلك باختيار كونها مصدرية ووقوع الأمر بعدها لا يضر في ذلك، فقد نقل عن سيبويه أنه يجوز وصلها به، ولا فرق في صلة الموصول الحرفي بين الطلب والخبر لأنه إنما منع في الموصول الإسمي لأنه وضع للتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل والجمل الطلبية لا تكون صفة، والمقصود من أن هذه يذكر بعدها ما يدل على المصدر الذي تأول به وهو يحصل بكل فعل، وكون تأويله يزيل معنى الأمر المقصود منه مدفوع بأنه يؤول كما أشرنا إليه فيما مر بالأمر بالإقامة إذ كما يؤخذ المصدر من المادة قد يؤخذ من الصيغة مع أنه لا حاجة إليه هنا لدلالة قوله تعالى: {أية : أُمِرْتُ }تفسير : [يونس: 104] عليه، وفي «الفرائد» أنه يجوز أن يقدر وأوحى إليَّ أن أقم، وتعقبه الطيبـي بأن هذا سائغ إعراباً إلا أن في ذلك العطف فائدة معنوية وهي أن {وَأَنْ أَقِمْ} الخ كالتفسير ـ {أية : لأن أكون}تفسير : [يونس: 104] ـ الخ على أسلوب ـ أعجبني زيد وكرمه ـ داخل معه في حكم المأمور فلو قدر ذلك فات غرض التفسير وتكون الجملة مستقلة معطوفة على مثلها، وفيه تأمل لجواز أن تكون هذه الجملة مفسرة للجملة المعطوفة هي عليها، وقدر أبو حيان ذلك وزعم أن {أن} حينئذٍ يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة لأن في الفعل المقدر معنى القول دون حروفه وأنه على ذلك يزول قلق العطف ويكون الخطاب في {وَجْهَكَ} في محله، ورد بأن الجملة المفسرة لا يجوز حذفها، وأما صحة وقوع المصدرية فاعلاً أو مفعولاً فليس بلازم ولا قلق في العطف الذي عناه، وأمر الخطاب سهل لأنه لملاحظة المحكي والأمر المذكور معه. وإقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته تعالى والإعراض عمن سواه، فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يلتفت يميناً ولا شمالاً إذ لو التفت بطلت المقابلة، والظاهر أن الوجه على هذا على ظاهره ويجوز أن يراد به الذات، والمراد اصرف ذاتك وكليتك للدين واجتهد بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، فاللام صلة {أَقِمِ} وقيل: الوجه على ظاهره وإقامته توجيهه للقبلة أي استقبل القبلة ولا تلتفت إلى اليمين أو الشمال، فاللام للتعليل وليس بذاك، ومثله القول بأن ذلك كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين. {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الباطلة، وهو حال إما من الوجه أو من الدين، وعلى الأول: تكون حالاً مؤكدة لأن إقامة الوجه تضمنت التوجه إلى الحق والإعراض عن الباطل، وعلى الثاني: قيل تكون حالاً منتقلة وفيه نظر، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {أَقِمِ} {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} عطف على {أَقِمِ} داخل تحت الأمر وفيه تأكيد له أي لا تكونن منهم اعتقاداً ولا عملاً.

ابن عاشور

تفسير : {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} موقع هذه الجملة مُعضل لأن الواو عاطفة على محالة، ووقعت بعدها (أنْ). فالأظهر أن تكون (أنْ) مصدرية، فوقوع فعل الطلب بعدها غير مألوف لأن حق صلة (أنْ) أن تكون جملة خبرية. قال في «الكشاف»: قد سوغ سيبويه أن توصف (أن) بالأمر والنهي، لأن الغرض وصل (أن) بما تكون معه في معنى المصدر، وفعلا الأمر والنهي دالان على المصدر لأنه غيرهما من الأفعال اهـ. يشير إلى ما في «كتاب سيبويه» «بابٌ تكون (أنْ) فيه بمنزلة (أيْ)». فالمعنى: وأمرت بإقامة وجهي للدين حنيفاً، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد. وقيل الواو عطفتْ فعلاً مقدّراً يدل عليه فعل (أمرت). والتقدير: وأوحي إلي، وتكون (أنْ) مفسرة للفعل المقدر، لأنه فيه معنى القول دون حروفه. وعندي: أن أسلوب نظم الآية على هذا الوجه لم يقع إلا لمقتضًى بلاغي، فلا بد من أن يكون لصيغة {أقم وجهك} خصوصية في هذا المقام، فلنُعرض عمّا وقع في «الكشاف» وعن جعل الآية مثالاً لما سوغه سيبويه ولنجعل الواو متوسعاً في استعمالها بأن استعملت نائبة مَناب الفعل الذي عَطفت عليه، أي فعلَ {أية : وأمرت}تفسير : [يونس: 104] دون قصد تشريكها لمعطوفها مع المعطوف عليه بل استعملت لمجرد تكريره. والتقديرُ: أمرت أنْ أقم وجهك فتكون (أن) تفسيراً لما في الواو من تقدير لفظ فعل (أمرْت) لقصد حكاية اللفظ الذي أمره الله به بلفظه، وليتأتّى عطف {ولا تكونن من المشركين} عليه. وهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وقد سبق مثل هذا عند قوله تعالى: { أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله }تفسير : في سورة [العقود: 49]، وهو هنا أوْعب. والإقامة: جعل الشيء قائماً. وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر. واللام للعلة، أي لأجل الدين، فيصير المعنى: محّض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكاً في توجهك. وهذه التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره الله به من التبليغ وإرشاد الأمة وإصلاحها. وقريب منه قوله:{أية : أسلمت وجهي لله}تفسير : في سورة [آل عمران: 20]. و{حنيفاً} حال من {الدين} وهو دين التوحيد، لأنه حنف أي مال عن الآلهة وتمحض لله. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل بل ملة إبراهيم حنيفاً }تفسير : في سورة [البقرة: 135]. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} نهي مؤكد لمعنى الأمر الذي قبله تصريحاً بمعنى {حنيفاً}. وتأكيد الفعل المنهي عنه بنون التوكيد للمبالغة في النهي عنه اعتناء بالتبرّؤ من الشرك. وقد تقدم غير مرة أن قوله: {من المشركين} ونحوَه أبلغ في الاتصاف من نحو: لا تكن مشركاً، لما فيه من التبرؤ من الطائفة ذات نحلة الإشراك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} الآية. أوضح هذا المعنى في قوله: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (105) - كَمَا أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ، وَأَنْ أُخْلِصَ العِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، حَنِيفاً مُخْلِصاً لَهُ، مُنْحَرِفاً عَن الشِّرْكِ وَالبَاطِلِ. أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ - اصْرِفْ ذَاتَكَ كُلَّهَا لِلدِّينِ الحَنِيفِيِّ. حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما دام الخطاب مُوجَّهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ككل خطاب مِنَ الحقِّ سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، إنما ينطوي على الأمر لكل مؤمن. وإذا ما عبد المؤمن الله سبحانه فهو يستقبل أحكامه؛ ولذلك يأتي الأمر هنا بألا يلتفت وجه الإنسان المؤمن إلى غير الله تعالى، فيقول الحق سبحانه: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ..} [يونس: 105]. فلا يلتفت في العبادة يميناً أو يساراً، فما دام المؤمن يعبد الله ولا يعبد غيره، فليعلم المؤمن أن هناك - أيضاً - شِرْكاً خفياً، كأن يعبد الإنسان مَنْ هم أقوى أو أغنى منه، وغير ذلك من الأشخاص التي يُفتن بها الإنسان. ونحن عرفنا من قبل قول الحق سبحانه: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ..}تفسير : [النساء: 125]. والحنف أصله ميل في الساق، وتجد البعض من الناس حين يسيرون تظهر سيقانهم متباعدة، وأقدامهم مُلْتفَّة، هذا اعوجاج في التكوين. أما المقصود هنا بكلمة (حنيفاً) أي: معوج عن الطريق المعوج، أي: أنه يسير باستقامة. ولكن: لماذا يأتي مثل هذا التعبير؟ لأن الدين لا يجيء برسول جديد ومعجزة جديدة، إلا إذا كان الفساد قد عَمَّ؛ فيأتي الدين؛ ليدعو الناس إلى الميل عن هذا الفساد. وفي هذا اعتدال لسلوك الأفراد والمجتمع. ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نقع في الشرك الخفي بعد الإيمان بالله تعالى. ويأتي الكلام عن هذا الشرك الثاني في قول الحق سبحانه: {.. وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105]. وهذا الشرك الثاني هو أقل مرحلة من شرك العبادة، ولكن أن تجعل لإنسان أو لأيِّ شيء مع الله عملاً. فإن رأيت - مثلاً - للطبيب أو للدواء عملاً، فَقُل لنفسك: إن الطبيب هو مَنْ يصف الدواء كمعالج، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشفي، بدليل أن الطبيب قد يخطىء مرة، ويأمر بدواء تحدث منه مضاعفات ضارة للمريض. وعلى المؤمن ألا يُفتنَ في أيِّ سبب من الأسباب. ونذكر مثالاً آخر لذلك، وهو أن بلداً من البلاد ذات الرقعة الزراعية المتسعة أعلنت في أحد الأعوام أنها زرعت مساحة كبيرة من الأراضي بالقمح بما يكفي كل سكان الكرة الأرضية، ونبتت السنابل وأينعتْ، ثم جاءتها ريح عاصف أفسدت محصول القمح، فاضطرت تلك الدولة أن تستورد قمحها من دول أخرى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ...}.