Verse. 1471 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَاِنْ يَّمْسَسْكَ اللہُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَہٗۗ اِلَّا ھُوَ۝۰ۚ وَاِنْ يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَاۗدَّ لِفَضْلِہٖ۝۰ۭ يُصِيْبُ بِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِہٖ۝۰ۭ وَھُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ۝۱۰۷
Wain yamsaska Allahu bidurrin fala kashifa lahu illa huwa wain yuridka bikhayrin fala radda lifadlihi yuseebu bihi man yashao min AAibadihi wahuwa alghafooru alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يَمسسك» يصبك «الله بضر» كفقر ومرض «فلا كاشف» رافع «له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد» دافع «لفضله» الذي أرادك به «يصيب به» أي بالخير «من شاء من عباده وهو الغفور الرحيم».

107

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع الممكنات مستندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه، والعقول والهة فيه، والرحمة والجود والوجود فائض منه. واعلم أن الشيء إما أن يكون ضاراً وإما أن يكون نافعاً، وإما أن يكون لا ضاراً ولا نافعاً، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير، ولما كان الضر أمراً وجودياً لا جرم قال فيه: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ } ولما كان الخير قد يكون وجودياً وقد يكون عدمياً، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات، فبين سبحانه وتعالى أنه إن قضى لأحد شراً فلا كاشف له إلا هو، وإن قضى لأحد خيراً فلا راد لفضله ألبتة ثم في الآية دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لا راد لفضله، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات، وأن الشر مطلوب بالعرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن رب العزة أنه قال: « حديث : سبقت رحمتي غضبي » تفسير : الثاني: أنه تعالى قال في صفة الخير: {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وذلك يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب. والثالث: أنه قال: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } وهذا أيضاً يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع، وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، ثم نبه على أن الخير مراد بالذات، والشر مراد بالعرض وتحت هذا الباب أسرار عميقة، فهذا ما نقوله في هذه الآية. المسألة الثانية: قال المفسرون: إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في صفة الأصنام أنها لا تضر ولا تنفع، بين في هذه الآية أنها لا تقدر أيضاً على دفع الضرر الواصل من الغير، وعلى الخير الواصل من الغير. قال ابن عباس رضي الله عنهما: {إِن يَمْسَسْكُمْ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } يعني بمرض وفقر فلا دافع له إلا هو. وأما قوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } فقال الواحدي: هو من المقلوب معناه وإن يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } يدل على أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، فهذه الدقيقة لا تستفاد إلا من هذا التركيب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} أي يصبك به. {فَلاَ كَاشِفَ} أي لا دافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} أي يصبك برخاء ونعمة: {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ} أي بكل ما أراد من الخير والشر. {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} لذنوب عباده وخطاياهم {الرَّحِيمُ} بأوليائه في الآخرة.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} وإن يصبك به. {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ} يرفعه. {إِلاَّ هُوَ} إلا الله. {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ } فلا دافع. {لِفَضْلِهِ} الذي أرادك به ولعله ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده. {يُصَيبُ بِهِ} بالخير. {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ } يصبك {ٱللَّهُ بِضُرٍّ } كفقر ومرض {فَلاَ كَاشِفَ } رافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ } دافع {لِفَضْلِهِ } الذي أرادك به {يُصَيبُ بِهِ } أي بالخير {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر} يعني وإن يصبك الله بشدة وبلاء {فلا كاشف له} يعني لذلك الضر الذي أنزل بك {إلا هو} لا غيره {وإن يردك بخير} يعني بسعة ورخاء {فلا راد لفضله} يعني فلا دافع لرزقه {يصيب به} يعني: بكل واحد من الضر والخير {من يشاء من عباده} قيل إن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الأوثان وبين أنها لا تقدر على نفع ولا ضر بين تعالى أنه هو القادر على ذلك كله، وأن جميع الكائنات محتاجة إليه وجميع الممكنات مستندة إليه لأنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة ولهذا المعنى ختم الآية بقوله {وهو الغفور الرحيم} وفي الآية لطيفة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى رجح جانب الخير على جانب الشر وذلك أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو وذلك يدل على أنه سبحانه وتعالى يزيل جميع المضار ويكشفها لأن الاستثناء من النفي إثبات. ولما ذكر الخير قال فيه فلا راد لفضله يعني أن جميع الخيرات منه فلا يقدر أحد على ردها لأنه هو الذي يفيض جميع الخيرات على عباده وعضده بقوله وهو الغفور يعني الساتر لذنوب عباده الرحيم يعني بهم. قوله سبحانه وتعالى: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} يعني القرآن والإسلام وقيل الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله عز وجل {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لأن نفع ذلك يرجع إليه {ومن ضل فإنما يضل عليها} أي على نفسه لأن وباله راجع إليه فمن حكم الله له بالاهتداء في الأزل انتفع ومن حكم عليه بالضلال ضل ولم ينتفع بشيء أبداً {وما أنا عليكم بوكيل} يعني وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وقال ابن عباس: هذه الآية منسوخة بآية السيف {واتبع ما يوحى إليك} يعني الأمر الذي يوحيه الله إليك يا محمد {واصبر} يعني على أذى من خالفك من كفار مكة وهم قومك {حتى يحكم الله} يعني ينصرك عليهم بإظهار دينك {وهو خير الحاكمين} يعني أنه سبحانه وتعالى حكم بنصر نبيه وإظهار دينه وبقتل المشركين وأخذ الجزية من أهل الكتاب، وفيه ذلهم وصغارهم والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإن يردك بخير‏}‏ يقول‏:‏ بعافية‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ ثلاث آيات وجدتها في كتاب الله تعالى اكتفيت بها عن جميع الخلائق، قوله ‏ {‏وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله‏} ‏‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عامر بن قيس رضي الله عنه قال‏:‏ ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق‏:‏ أولهن ‏ {‏وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله‏} ‏ والثانية ‏{أية : ‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له‏}‏ تفسير : ‏[‏فاطر: 2‏]‏ والثالثة ‏{أية : ‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏} ‏تفسير : [‏هود: 6‏]‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن من روعاتكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً‏.‏ مثله سواء‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} تقريرٌ لما أورد في حيز الصلة من سلب النفعِ من الأصنام وتصويرٌ لاختصاصه به سبحانه {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ} عنك كائناً من كان وما كان {إِلاَّ هُوَ} وحده فيثبت عدمُ كشفِ الأصنامِ بالطريق البرهاني وهو بـيانٌ لعدم النفعِ برفع المكروهِ المستلزِمِ لعدم النفعِ بجلب المحبوبِ استلزاماً ظاهراً فإن رفعَ المكروهِ أدنى مراتبِ النفعِ فإذا انتفىٰ انتفى النفعُ بالكلية. {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} تحقيقٌ لسلب الضررِ الواردِ في حيز الصلةِ، أي إن يُرِدْ أن يصيبَك بخير {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} الذي من جملته ما أرادك به من الخير فهو دليلٌ على جواب الشرطِ لا نفسُ الجواب، وفيه إيذانٌ بأن فيضانَ الخير منه تعالى بطريق التفضّل من غير استحقاقٍ عليه سبحانه أي لا أحدَ يقدِر على رده كائناً ما كان فيدخل فيه الأصنامُ دخولاً أولياً وهو بـيانٌ لعدم ضُرِّها بدفع المحبوبِ قبلَ وقوعِه المستلزمِ لعدم ضُّرِّها برفعه أو بإيقاع المكروهِ استلزاماً جلياً، ولعل ذكرَ الإرادةِ مع الخير والمسِّ مع الضر مع تلازم الأمرين للإيذان بأن الخيرَ مُراد بالذات وأن الضُرَّ إنما يَمسُّ من يَمَسّه لما يوجبه من الدواعي الخارجيةِ لا بالقصد الأوليّ أو أريد معنى الفعلين في كلَ من الضر والخير وأنه لا رادَّ لما يريد منهما ولا مزيلَ لما يصيب به منهما فأوجزَ الكلامَ بأن ذكرَ في أحدهما المسَّ وفي الآخر الإرادةَ ليدل بما ذكر في كل جانبٍ على ما تُرك في الجانب الآخر على أنه قد صرّح بالإصابة حيث قيل: {يُصَيبُ بِهِ} إظهاراً لكمال العنايةِ بجانب الخير كما ينبىء عنه تركُ الاستثناءِ فيه أي يصيب بفضله الواسعِ المنتظمِ لما أرادك به من الخير، وجعلُ الفضلِ عبارةً عن ذلك الخير بعينه على أن يكون من باب وضعِ المُظهرِ في موضع المُضمَرِ لما ذُكر من الفائدة يأباه قوله عز وجل: {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} فإن ذلك ينادي بعموم الفضل، وقوله عز قائلاً: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تذيـيلٌ لقوله تعالى: {يُصَيبُ بِهِ} الخ، مقرِّرٌ لمضمونه، والكلُّ تذيـيلٌ للشرطية الأخيرةِ محققٌ لمضمونها. {قُلْ} مخاطباً لأولئك الكفرةِ بعد ما بلّغتهم ما أوحيَ إليك {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ} وهو القرآنُ العظيمُ المشتمِلُ على محاسن الأحكامِ التي من جملتها ما مر آنفاً من أصول الدينِ واطلعتم على ما في تضاعيفه من البـينات والهدى ولم يبقَ عذرٌ {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ} بالإيمان به والعملِ بما في مطاويه {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} أي منفعةُ اهتدائِه لها خاصة {وَمَن ضَلَّ} بالكفر به والإعراض عنه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فوبالُ الضلالِ مقصورٌ عليها، والمرادُ تنزيهُ ساحةِ الرسالةِ عن شائبة غرضٍ عائد إليه عليه السلام من جلب نفعٍ أو دفع ضرَ كما يلوح به إسنادُ المجيء إلى الحق من غير إشعارٍ بكون ذلك بواسطته {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بحفيظ موصولٍ إلى أمركم وإنما أنا بشيرٌ ونذير.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} [الآية: 107]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه بإعلامهم أنه الضار النافع. قال جعفر: جعل الله مس الضر منوطًا بصفتك وإرادة الخير لك منوطة بصفته، ليكون رجاؤك أغلب من خوفك. قال أبو عثمان: أنت بين رجائك من ضر ونفع، وفى الحالتين جميعًا الرجوع إلى سواه سوء تدبير وقلة يقين. قال بعضهم: الكاشف للضر على الحقيقة هو القادر على ابتلائك به، والمتفضل بالأفضال من ناب عنك فى الغيب بحسن التولية لك فى الأزل.

القشيري

تفسير : كما تفرَّد بإبداع الضُرِّ واختراعه فلا شريكَ يُعْضِّدُه.. كذلك توحَّدَ بكشف الضُرِّ وصَرْفِه فَلا نصيرَ يُنْجِدُه. ويقال هوَّنَ على المؤمِن الضُرَّ بقوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} حيث أضافه إلى نفسه، والحنظلُ يُسْتَلذُّ مِنْ كفِّ مَنْ تحبه. وفَرَّقَ بين الضُرِّ والخير بإضافة الضرِّ إليه فقال: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} ولم يقل: وإنْ يُرِدْكَ بضرٍ- وإنْ كان ذلك الضرُّ صادراً عن إرادته- وفي ذلك من حيث اللفظ دِقّة. ويقال: عَذُبَ الضرّ حيث كان نفعه؛ فلمَّا أوجب مقاساة الضُّرِّ من الحرَبَ أبدل مكانَه السرورَ والطَّرَب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان يمسسك الله بضر} [واكر برساند خداى بتو مرضى ياشدتى يا فقرى] {فلا كاشف له} عنك {الا هو} وحده {وان يردك بخير} [واكر خواهد بتوصحت وراحت وغنا] {فلا راد} فلا دافع {لفضله} من جملة ما ارادك به من الخير كائنا من كان فيدخل فيه الاصنام. وفيه ايذان بان فيضان لخير منه تعالى بطريق التفضل من غير استحقاق عليه سبحانه ولعل ذكر الارادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الامرين للايذان بان الخير مراد بالذات وان الضر انما يمس من يمسه لما يوجبه من الدواعى الخارجية لا بالقصد الاولى ولم يستثن مع الارادة كما استثنى مع المس بان يقول الا هو لانه قد فرض ان تعلق الخير به واقع بارادة الله تعالى فصحة الاستثناء تكون بارادة ضده فى ذلك الوقت وهو محال اذ لا يتعلق الارادتان للضدين فى وقت واحد بخلاف مس الضر فان ارادة كشفه لا تستلزم المحال {يصيب به} [ميرساند فضل خودرا] اى بفضله الشامل لما ارادك به من الخير ولغيره {من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. وفى التأويلات النجمية {وهو الغفور} يستر بنور وجهه ظلمة وجود الصديقين {الرحيم} يتقرب برحمته الى الطالبين الصادقين وهم الذين دينهم عبادة الله وطاعته ومحبته وطلبه لا عبادة الهوى والدنيا وطاعتها ومحبتها وقال فى المفاتيح معنى الغفور يستر القبائح والذنوب باسبال الستر عليها فى الدنيا وترك المؤاخذة والعقاب عليها فى الآخرة وحظ العارف من هذا الاسم ان يستر من اخيه ما يحب ان يستر منه وقد قال عليه السلام "حديث : من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة" تفسير : والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الاساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيه -يروى- ان عيسى عليه السلام مر مع الحواريين بكلب ميت قد غلب نتنه فقالوا ما انتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذى ينبغى ان يذكر من كل شيء ما هو احسن كما فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى: وقال فى المثنوى فى الاسم الرحيم شعر : بند كان حق رحيم وبردبار خوى حق دارند در اصلاح كار مهربان بى رشوتان يارى كران در مقام سخت ودر روز كران تفسير : نسال الله تعالى ان يفيض علينا سجال رحمته ويديم دوران كاسات فضله ومغفرته

الطوسي

تفسير : قوله {وإن يمسسك الله بضر} اي ان احل بك الضر، لان المس الحقيقي لا يجوز عليه، لان حقيقتها تكون بين الجسمين، لكن لما ادخل الباء للتعدية جرى مجرى ان تقول يمسك من امسه. وأما اذا لم يتعد فيكون كقوله {أية : مسني الضر} تفسير : والمماسة والمطابقة والمجامعة نظائر، وضدها المباينة. والكشف رفع الساتر المانع من الادراك. فكأن الضر ها هنا كأنه ساتر يمنع من ادراك الانسان. وقوله {وإن يردك بخير} تقديره وان يرد بك الخير، وجاز على التقديم والتأخير كما يقول القائل: فلان يريدك بالخير ويريد بك الخير. والمعنى انه لاراد لما يريد الله بخلقه فان اراد بهم سوءاً لا يقدر على دفعه احد. وان ارادهم بخير فلا يقدر احد على صرفه عنهم {يصيب به من يشاء من عباده} يعني بالخير. وقوله {وهو الغفور الرحيم} معناه انه الغفار لكل من تاب من شركه وذنبه فلا ييأس من ذلك احد في حال تكليفه. وعندنا يجوز أن يغفر الله ذنب المؤمن من غير توبة. و {الرحيم} معناه انعامه على جميع خلقه.

اطفيش

تفسير : {وإنْ يمسَسْك اللهُ} يصبك {بضُرٍّ} كمرض وفقر {فَلا كاشِفَ لهُ} لا مزيل لذلك الضر {إلا هُو} عبر هنا بالمس ليكون إشارة، إلا أن الضر غير مقصود بالذات، بل بالعرض، وأنه كالمصادمة للشئ لعارض الخروج عن الطريق. {وإنْ يُردْك بخَيرٍ} عبر هنا بالإرادة إشارة إلى أن الخير مقصود بالذات، أو إشار بها إلى أنها مرادة فى الأول، وأشار بالمس فيه إلى أنه مراد هنا، فذكر فى كل ما حذف من الآخر إيجازا، ففى كل منهما إرادة ومس، ولكن أوجز بالحذف. {فَلاَ رادَّ} دافع {لفَضْلهِ} لم يقل إلا الله كما فى الأول، لأن إرادة الله لا ترد بحذف المس، فإن الله يمس الإنسان بضر ثم يصرفه عنه، فإن المس صفة فعل، والإرادة صفة ذات، والأصل فلا راد له، فوضع الفضل موضع الضمير، ليدل على أن ما أراده من خير فضل لا وجوب عليه. {يُصيبُ بهِ} بالفضل وهو الخير، بواحد من الضمير والخير، ووجه هذا أن الكلام كان بأن الموضوعة للشك، تعالى عنه، فكأنه بأو، وأفراد الضمير بعد أو أحسن {مَنْ يَشاءُ} بالمصلحة {مِنْ عِبادهِ وهُو الغَفُور الرَّحيمُ} فأطيعوا راجين الرحمة، غير آيسين من الغفران بالمعصية، فإن جانب الخير راجح.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ يَمْسَسكَ اللهُ بِضُرٍّ} كفقر ومرض ولا مصيب إِلا الله. {فَلاَ كَاشِفَ} رافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ} والأَصنام لا تضر ولا تكشف الضر {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} لم يقل يمسسك إِشارة إِلى أَن الخير مراد بالذات بخلاف الضر فإِنه يمس بالعرض ولا يوجد شر جزئِى ما لم يتضمن خيراً كليا، فالمطر الشديد مثلا وإِن هدم بعض البيوت أَو أَفسد الزرع أَو الثمار، لكن ينبت الحبوب وما ينتفع به الوحوش والأَنعام والثقلان، ويعود على ما أَفسد بالإِصلاح ويسهل البناءَ وإلا ففى الضر إِرادة ومس وفى الخير كلاهما، ولعله أَيضا ذكر فى كل منهما ما حذف من الآخر {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} لا راد له أَى للخير ووضع الفضل موضع مميز ليخبرنا أَن فضل الخير منه لا استحقاق لنا ولا واجب على الله فلو عبد الإِنسان أَكثر من عبادة الملائِكة وغيرهم من أَول الخلق إِلى آخرهم لم يجب له على الله شىءٌ لكن اقتضت حكمته لفضله إِثابته، وإِن أُريد بالفضل مطلق فضله لم تكن الجملة جوابا بل علة للجواب المحذوف، ولم يقل وإِن يردك بخير فلا راد لفضله إِلا هو كما قال فلا كاشف له إِلا هو لأَنه ذكر الخير بالإِرادة فلم يبق للاستثناءِ معنى بخلاف الضر فإِنه مذكور بالمس لا الإِرادة، ومراد الله لا يمكن رده وهى صفة ذات والمس صفة فعل والمعنى وإِن يرد بك الخير، لكن لما تعلق الخير بالإِنسان والإِنسان بالخير جازت العبادتان إِلا أَن التقديم فى اللفظ يدل على زيادة العناية بالمقدم فدل قوله: "أية : وإِن يردك بخير"تفسير : [يونس: 107] على أَن المقصود الإِنسان وسائِر المخلوقات مخلوقة لأَجله، وأَيضا أَشار إِلى الاستثناءِ بقوله {يُصِيبُ بِهِ} بالفضل وهو الخير أَو بالخير {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فى وقته المقدر لا من لم يشأْ ولا فى غير وقته {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فتعرضوا لمغفرته بالتوبة ولا تيأَسوا، ولرحمته بالطاعة فإِنه الغنى الشكور.

الالوسي

تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} تقرير لما أورد في حيز الصلة من سلب النفع من المعبودات الباطلة وتصوير لاختصاصه به سبحانه أي وإن يصبك بسوء ما {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ} عنك كائناً من كان وما كان {إِلاَّ هُوَ} وحده فثبت عدم كشف الأصنام بالطريق البرهاني، وهو بيان لعدم النفع برفع المكروه المستلزم لعدم النفع بجلب المحبوب استلزاماً ظاهراً، فإن رفع المكروه أدنى مراتب النفع فإذا انتفى انتفى النفع بالكلية {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} تحقيق لسلب الضرر الوارد في حيز الصلة أي إن يرد أن يصيبك بخير {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} الذي من جملته ما أرادك به من الخير، فهو دليل على جواب الشرط لا نفس / الجواب، وفيه إيذان بأن فيضان الخير منه تعالى بطريق التفضل والكرم من غير استحقاق عليه سبحانه أي لا أحد يقدر على رده كائناً من كان فيدخل فيه الأصنام دخولاً أولياً، وهو بيان لعدم ضرها بدفع المحبوب قبل وقوعه المستلزم لعدم ضرها برفعه أو بإيقاع المكروه استلزاماً جلياً؛ ولعل ذكره الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين لأن ما يريده سبحانه يصيب وما يصيب لا يكون إلا بإرادته تعالى للإيذان بأن الخير مقصود لله تعالى بالذات والضر إنما يقع جزاء على الأعمال وليس مقصوداً بالذات، ويحتمل أنه أريد معنى الفعلين في كل من الخير والضر لاقتضاء المقام تأكيد كل من الترغيب والترهيب إلا أنه قصد الإيجاز في الكلام فذكر في أحدهما المس وفي الآخر الإرادة ليدل بما ذكر في كل جانب على ما ترك في الجانب الآخر، ففي الآية نوع من البديع يسمى احتباكاً وقد تقدم في غير آية، ولم يستثن سبحانه في جانب الخير إظهاراً لكمال العناية به وينبىء عن ذلك قوله تعالى: {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ} حيث صرح جل شأنه بالإصابة بالفضل المنتظم لما أراد من الخير، وقيل: إنما لم يستثن جل وعلا في ذلك لأنه قد فرض فيه أن تعلق الخير به واقع بإرادته تعالى وصحة الاستثناء تكون بإرادة ضده في ذلك الوقت وهو محال، وهذا بخلاف مس الضر فإن إرادة كشفه لا تستلزم المحال وهو تعلق الإرادتين بالضدين في وقت واحد، وفي العدول عن يرد بك الخير إلى ما في النظم الجليل إيماء كما قيل إلى أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، وما أشرنا إليه من رجوع ضمير {بِهِ} إلى الفضل هو الظاهر المناسب، وجوز رجوعه لما ذكر وليس بذاك، وحمل الفضل على العموم أولاً وآخراً حسبما علمت هو الذي ذهب إليه بعض المحققين راداً على من جعله عبارة عن ذلك الخير بعينه على أن يكون الإتيان به أولاً ظاهراً من باب وضع المظهر موضع المضمر إظهاراً لما ذكر من الفائدة بأن قوله سبحانه: {مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ} يأبـى ذلك لأنه ينادي بالعموم، ويجوز عندي أن يكون الكلام من باب ـ عندي درهم ونصفه ـ، وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تذييل لقوله تعالى: {يُصَيبُ بِهِ} الخ مقرر لمضمونه والكل تذييل للشرطية الأخيرة مقرر لمضمونها. وذكر الإمام في هذه الآيات ((أن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [يونس: 105] لا يمكن أن يكون نهياً عن عبادة الأوثان لأن ذلك مذكور في قوله سبحانه أول الآية: {أية : فَلآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 104] فلا بد من حمل هذا الكلام على ما فيه فائدة زائدة وهي أن من عرف مولاه لو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً وهو الذي يسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي، ويجعل قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} تفسير : [يونس: 106] (إشارة إلى مقام هو آخر درجات العارفين) لأن ما سوى الحق ممكن لذاته موجود بإيجاده والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاب الحق وحينئذٍ فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا هو وكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك فلا رجوع إلا إليه عز شأنه في الدارين. ومعنى {أية : فَإِن فَعَلْتَ }تفسير : [يونس: 106] الخ فإن اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله تعالى فأنت من الظالمين أي الواضعين للشيء في غير موضعه إذ ما سوى الله تعالى معزول عن التصرف فإضافة التصرف إليه وضع للشيء في غير موضعه وهو الظلم، وطلب الانتفاع بالأشياء التي خلقها الله تعالى للانتفاع بها من الطعام والشراب ونحوهما لا ينافي الرجوع بالكلية إلى الله تعالى بشرط أن يكون بصر العقل عند التوجه إلى شيء / من ذلك مشاهداً لقدرة الله تعالى وجوده وإحسانه في إيجاد تلك الموجودات وإيداع تلك المنافع فيها مع الجزم بأنها في أنفسها وذواتها معدومة وهالكة ولا وجود لها ولا بقاء ولا تأثير إلا بإيجاد الله تعالى وإبقائه وإفاضة ما فيها من الخواص عليها بجوده وإحسانه، وقوله تبارك وتعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ} الخ تقرير لأن جميع الممكنات مستندة إليه سبحانه وتعالى وإنه لا معول إلا عليه عز شأنه))، وهو كلام حسن بيد أن زعمه أن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }تفسير : [يونس: 105] لا يمكن أن يكون نهياً عن عبادة الأوثان الخ لا يخفى ما فيه. وقد ذكر نحو هذا الكلام في الآيات ساداتنا الصوفية، ففي «أسرار القرآن» أنه سبحانه خوف نبيه صلى الله عليه وسلم من الالتفات إلى غيره في إقباله عليه سبحانه بقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} أي من الطالبين غيري والمؤثرين على جمال مشاهدتي ما لا يليق من الحدثان، وقد ذكروا أن إقامة الملة الحنيفية بتصحيح المعرفة وهو لا يكون إلا بترك النظر إلى ما سوى الحق جل جلاله، ثم إنه تعالى زاد تأكيداً للإقبال عليه والإعراض عما سواه بقوله جل شأنه: {أية : وَلاَ تَدْعُ } تفسير : [يونس: 106] الخ حيث أشار فيه إلى أن من طلب النفع أو الضر من غيره تعالى فهو ظالم أي واضع للربوبية في غير موضعها. ومن هنا قال شقيق البلخي: الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه واستدفع الضر ممن لا يملك الدفاع عن نفسه ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره، وقرر ذلك بقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ} الخ. ومن ذلك قال ابن عطاء: إنه تعالى قطع على عباده الرهبة والرغبة إلا منه وإليه بإعلامه أنه الضار النافع؛ وقد يكون الضر إشارة إلى الحجاب والخير إشارة إلى كشف الجمال أي إن يمسسك الله بضر الحجاب فلا كاشف لضرك إلا هو بظهور أنوار وصاله وإن يردك بكشف جماله فلا راد لفضل وصاله من سبب وعلة فإن المختص في الأزل بالوصال لا يحتجب بشيء من الأشياء لأنه في الفضل السابق مصون من جريان القهر. هذا ولعله مغن عن الكلام من باب الإشارة في الآيات حسبما هو العادة في الكتاب.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك}تفسير : [يونس: 106] لقصد التعريض بإبطال عقيدة المشركين أن الأصنام شفعاء عند الله، فلما أبطَلت الآية السابقة أن تكون الأصنام نافعة أو ضارة، وكان إسناد النفع أو الضر أكثر ما يقع على معنى صدورهما من فاعلهما ابتداء، ولا يتبادر من ذلك الإسناد معنى الوساطة في تحصيلهما من فاعل، عقبت جملة {أية : ولا تدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك}تفسير : [يونس: 106] بهذه الجملة للإعلام بأن إرادة الله النفع أو الضر لأحد لا يستطيع غيره أن يصرفه عنها أو يتعرض فيها إلا من جعل الله له ذلك بدعاء أو شفاعة. ووجه عطفها على الجملة السابقة لما بينهما من تغاير في المعنى بالتفصيل والزيادة، وبصيغتي العموم في قوله: {فلا كاشف له إلا هو} وفي قوله: {فلا رادَّ لفضله} الداخل فيهما أصنامهم وهي المقصودة، كما صُرح به في قوله تعالى في سورة [الزمر: 38] {أية : أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن مُمسكات رحمته}تفسير : . وتوجيهُ الخطاب للنبيء لأنه أولى الناس بالخير ونفي الضر. فيعلم أن غيره أولى بهذا الحكم وهذا المقصود. والمس: حقيقته وضع اليد على جسم لاختبار ملمسه، وقد يطلق على الإصابة مجازاً مرسلاً. وقد تقدم عند قوله تعالى:{ أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان}تفسير : في آخر سورة [الأعراف: 201]. والإرادة بالخير: تقديرُه والقصدُ إليه. ولما كان الذي لا يعجزه شيء ولا يتردد علمه فإذا أراد شيئاً فعله، فإطلاق الإرادة هنا كناية عن الإصابة كما يدل عليه قوله بعده: {يصيب به من يشاء من عباده}. وقد عبر بالمس في موضع الإرادة في نظيرها في سورة [الأنعام: 17] {أية : وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير}تفسير : . ولكن عبر هنا بالإرادة مبالغة في سلب المقدرة عمن يريد معارضة مراده تعالى كائناً من كان بحيث لا يستطيع التعرض لله في خيره ولو كان بمجرد إرادته قبل حصول فعله، فإن التعرض حينئذٍ أهون لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما آية سورة الأنعام فسياقها في بيان قدرة الله تعالى لا في تنزيهه عن المعارض والمعاند. والفضل: هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير للدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به لأنهم عبيد إليه يصيبهم بما يشاء. وتنكير (ضُر) و(خير) للنوعية الصالحة للقلة والكثرة. وكل من جملة؛ فلا كاشف له إلا هو} وجملة: {فلا رادَّ لفضله} جواب للشرط المذكور معها، وليس الجواب بمحذوف. وجملة: {يصيب به من يشاء من عباده} واقعة موقع البيان لما قبلها والحوصلة له، فلذلك فصلت عنها. والضمير المجرور بالباء عائد إلى الخير، فيكون امتناناً وحثاً على التعرض لمرضاة الله حتى يكون مما حقت عليهم مشيئة الله أن يصيبهم بالخير؛ أو يعودُ إلى ما تقدم من الضر، والضمير باعتبار أنه مذكور فيكون تخويفاً وتبشيراً وتحذيراً وترغيباً. وقد أجملت المشيئة هنا ولم تبين أسبابها ليسلك لها الناس كل مسلك يأملون منه تحصيلها في العطاء وكل مسلك يتقون بوقعهم فيها في الحرمان. والإصابة: اتصال شيء بآخر ووروده عليه، وهي في معنى المس المتقدم، فقوله: {يصيب به من يشاء} هو في معنى قوله في سورة [الأنعام: 17] {أية : وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير}تفسير : . والتذييل بجملة: {وهو الغفور الرحيم} يشير إلى أن إعطاء الخير فضل من الله ورحمة وتجاوز منه تعالى عن سيئات عباده الصالحين، وتقصيرهم وغفلاتهم، فلو شاء لما تجاوز لهم عن شيء من ذلك فتورطوا كلهم. ولولا غفرانه لَما كانوا أهلاً لإصابة الخير، لأنهم مع تفاوتهم في الكمال لا يخلون من قصور عن الفضل الخالد الذي هو الكمال عند الله، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : إني ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»تفسير : . ويشير أيضاً إلى أن الله قد تجاوز عن كثير من سيئات عباده المسْرفين ولم يؤاخذهم إلا بما لا يرضى عنه بحال كما قال: {أية : ولا يرضَى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7]، وأنه لولا تجاوزه عن كثير لمسهم الله بضر شديد في الدنيا والآخرة.

القطان

تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...}. ان يصبْك الله بضُرّ فلن يكشفَه عنك أحد غيره، وان يقدِّر لك الخيرَ فلن يمنعه عنك أحد، لأن الله يهبُ الخير من فضله لمن يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم، فلا ييأس احد من فضله وعفوه. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}. ختم الله تعالى هذه السورة بهذا البلاغ للناس كافة، وهو إجمال لما تقدم من التفصيل فيها. بَلِغْ أيها الرسول دعوةَ الله الى الناس كافة، وقل لهم: ايها الناس، لقد أنزل اللهُ عليكم الشريعةَ الحقّة من عنده، فمن شاء ان يهتديَ بها فلْيُسارِع، ومن أصرَّ على ضلاله فإن ضلالَه سيكونُ عليه وحدَه، وما أنا بموكَّلٍ من عندِ الله بأموركم، ولا مسيطرٍ عليكم. {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. وهذا الختام خطابٌ الى الرسول عليه الصلاة والسلام، باتّباع ما أُمر به، والصبر على ما يلقاه حتى يحكم الله بما قدَّره وقضاه، وهو الختام المناسب الذي يلتقي مع مطلع السورة، ويتناسق مع محتوياتها بجملتها على طريقة القرآن الكريم في التصوير والتنسيق.

د. أسعد حومد

تفسير : (107) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ يُرِدِ اللهُ أَحَداً بِخَيْرٍ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّ فَضْلَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهُ، وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ شِرْكاً بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتُوبُ عَلَى التَّائِبِينَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا كلام الربوبية المستغنية عن الخلق، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس، ودعاهم إلى الإيمان به، وأن يحبوه؛ لأنه يحبهم، ويعطيهم، ولا يأخذ منهم؛ لأنه في غِنىً عن كل خلقه. ويأتي الكلام عن الضُّر هنا بالمسِّ، {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ..} [يونس: 107]. ونحن نعلم أن هناك "مساً" و"لمساً" و"إصابة". وقوله سبحانه هنا عن الضر يشير إلى مجرد المسِّ، أي: الضر البسيط، ولا تَقُلْ: إن الضر ما دام صغيراً فالخلق يقدرون عليه، فلا أحد يقدر على الضر أو النفع، قَلَّ الضر أم كَبُرَ، وكَثُر النفع أو قَلَّ، إلا بإذن من الله تعالى. والحق سبحانه وتعالى يذكر الضر هنا بالمسّ، أي: أهون الالتصاقات، ولا يكشفه إلا الله سبحانه وتعالى. ومن عظمته - جَلَّ وعلا - أنه ذكر مع المس بالضر، الكشفَ عنه، وهذه هي الرحمة. ثم يأتي سبحانه بالمقابل، وهو "الخير"، وحين يتحدث عنه الحق سبحانه، يؤكد أنه لا يرده. ونحن نجد كلمة {يُصَيبُ} في وَصْف مجيء الخير للإنسان، فالحق سبحانه يصيب به من يشاء مِنْ عباده. ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الآية بهذه النهاية الجميلة في قوله تعالى: {.. وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [يونس: 107]. وهكذا تتضح لنا صورة جلال الخير المتجلي على العباد، ففي الشر جاء به مسّاً، ويكشفه، وفي الخير يصيب به العباد، ولا يمنعه. والله تعالى هو الغفور الرحيم؛ لأنه سبحانه لو عامل الناس - حتى المؤمنين منهم - بما يفعلون لعاقبهم، ولكنه سبحانه غفور ورحيم؛ لأن رحمته سبقت غضبه؛ ولذلك نجده سبحانه في آيات النعمة يقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ..}تفسير : [النحل: 18]. وجاء الحق سبحانه بالشكِّ، فقال {إِن} ولم يقل: "إذا تعدون نعمة الله"؛ لأن هذا أمر لن يحدث، كما أن الإقبال على العَدِّ هو مظنَّة أنه يمكن أن يحصي؛ فقد تُعدُّ النقود، وقد يَعدّ الناظر طلاب المدرسة، لكن أحداً لا يستطيع أن يُعدّ أو يُحصى حبَّات الرمال مثلاً. وقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ..}تفسير : [النحل: 18]. وهذا شَكُّ في أن تعدوا نِعمة الله. ومن العجيب أن العدَّ يقتضي التجمع، والجمع لأشياء كثيرة، ولكنه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي {نِعْمَةَ} ولم يقل: "نِعَم" فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نِعَمٌ شتَّى. إذن: فلن نستطيع أن نعدَّ النِّعَم المطمورة في نعمة واحدة. وجاء الحق سبحانه بذكر عَدِّ النعم في آيتين: الآية الأولى تقول: {أية : .. وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إبراهيم: 34]. والآية الثانية تقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النحل: 18]. وصَدْر الآيتين واحد، ولكن عَجُزَ كل منهما مختلف، ففي الآية الأولى: {أية : .. إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إبراهيم: 34]. وفي الآية الثانية: أية : .. إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النحل: 18]. لأن النعمة لها مُنْعِم؛ ومُنْعَم عليه، والمنعَم عليه - بذنوبه - لا يستحق النعمة؛ لأنه ظلوم وكفار، ولكن المنعم سبحانه وتعالى غفور ورحيم، ففي آية جاء مَلْحظ المنعِم، وفي آية أخرى جاء ملحظ المنعَم عليه. ومن ناحية المنعَم عليه نجده ظَلُوماً كفَّاراً؛ لأنه يأخذ النعمة، ولا يشكر الله عليها. ألم تَقْلُ السماء: يارب! ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم؛ فقد طَعِم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الأرض: ائذن لي أن أنخسف بابن آدم؛ فقد طَعِم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الجبال: ائذن لي أن أسقط على ابن آدم. وقال البحر: ائذن لي أن أغرق ابن آدم الذي طَعِم خيرك، ومنع شُكْرك. هذا هو الكون الغيور على الله تعالى يريد أن يعاقب الإنسان، لكن الله سبحانه رب الجميع يقول: "حديث : دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها { فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ } لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: { وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ } أي: لا يقدر أحد من الخلق، أن يرد فضله وإحسانه، كما قال تعالى: {أية : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ }. تفسير : { يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي: يختص برحمته من شاء من خلقه، والله ذو الفضل العظيم، { وَهُوَ الْغَفُورُ } لجميع الزلات، الذي يوفق عبده لأسباب مغفرته، ثم إذا فعلها العبد، غفر الله ذنوبه، كبارها، وصغارها. { الرَّحِيمُ } الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغنى عن إحسانه، طرفة عين، فإذا عرف العبد بالدليل القاطع، أن الله، هو المنفرد بالنعم، وكشف النقم، وإعطاء الحسنات، وكشف السيئات والكربات، وأن أحدًا من الخلق، ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. ولهذا -لما بين الدليل الواضح قال بعده:- { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى ...}.