Verse. 1472 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ يٰۗاَيُّھَا النَّاسُ قَدْ جَاۗءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۚ فَمَنِ اہْتَدٰى فَاِنَّمَا يَہْتَدِيْ لِنَفْسِہٖ۝۰ۚ وَمَنْ ضَلَّ فَاِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْہَا۝۰ۭ وَمَاۗ اَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيْلٍ۝۱۰۸ۭ
Qul ya ayyuha alnnasu qad jaakumu alhaqqu min rabbikum famani ihtada fainnama yahtadee linafsihi waman dalla fainnama yadillu AAalayha wama ana AAalaykum biwakeelin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا أيها الناس» أي أهل مكة «قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه» لأن ثواب اهتدائه له «ومن ضل فإنما يضل عليها» لأن وبال ضلاله عليها «وما أنا عليكم بوكيل» فأجبركم على الهدى.

108

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبداً بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وفي تفسيرها وجهان: الأول: أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء، فسيقع له ذلك، ومن حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه. الثاني: وهو الكلام اللائق بالمعتزلة قال القاضي: إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فلا يجب علي من السعي في إيصالكم إلى الثواب العظيم، وفي تخليصكم من العذاب الأليم أزيد مما فعلت. قال ابن عباس: هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة فقال: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ }. والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين. وأنشد بعضهم في الصبر شعراً فقال: شعر : سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري وأصبر حتى يحكم الله في أمري أصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمر من الصبر تفسير : تم تفسير هذه السورة والله أعلم بمراده بأسرار كتابه بعون الله وحسن توفيقه. يقول جامع هذا الكتاب: ختمت تفسير هذه السورة يوم السبت من شهر الله الأصم رجب سنة إحدى وستمائة وكنت ضيق الصدر كثير الحزن بسبب وفاة الولد الصالح محمد أفاض الله على روحه وجسده أنواء المغفرة والرحمة، وأنا ألتمس من كل من يقرأ هذا الكتاب وينتفع به من المسلمين أن يخص ذلك المسكين بالدعاء والرحمة والغفران والحمدلله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ} أي القرآن. وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم. {مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي صدّق محمداً وآمن بما جاء به. {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} أي لخلاص نفسه. {وَمَن ضَلَّ} أي ترك الرسول والقرآن وٱتبع الأصنام والأوثان. {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي وبال ذلك على نفسه. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي بحفيظ أحفظ أعمالكم إنما أنا رسول. قال ابن عباس: نسختها آية السيف.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ} رسوله أو القرآن ولم يبق لكم عذر. {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ} بالإِيمان والمتابعة. {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} لأن نفعه لها. {وَمَن ضَلَّ} بالكفر بهما. {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} لأن وبال الضلال عليها. {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بحفيظ موكول إلى أمركم، وإنما أنا بشير ونذير.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك فيه، فمن اهتدى به واتبعه، فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضل عنه، فإنما يرجع وبال ذلك عليه {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى. وقوله: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ} أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} أي: يفتح بينك وبينهم {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } لأن ثواب اهتدائه له {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لأن وبال ضلاله عليها {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فأجبركم على الهدى.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِنَّ ربِّكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: القرآن. الثاني: الرسول صلى الله عليه وسلم. {فَمِنِ اهْتَدَى فإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فيه وجهان محتملان: أحدهما: فمن اهتدى لقبول الحق فإنما يهتدي بخلاص نفسه. الثاني: فمن اهتدى إلى معرفة الحق فإنما يهتدي بعقله.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة لجميع الكفار مستمرة مدى الدهر، و {الحق } هو القرآن والشرع الذي جاء به محمد، {فمن اهتدى }، أي اتبع الحق وتدين به فإنما يسعى لنفسه لأنه يوجب لها رحمة الله، ويدفع عذابه، {ومن ضل } أي حاد عن طريق الحق ولم ينظر بعين الحقيقة وكفر بالله عز وجل فيضل ذلك، وقوله {وما أنا عليكم بوكيل }، أي لست بآخذكم ولا بد بالإيمان وإنما أنا مبلغ، وهذه الآية منسوخة بالقتال، وقوله {واتبع ما يوحى إليك} الآية معناه: اتبع ما رسمه لك شرعك وما أعلمك الله به من نصرته لك، {واصبر } على شقاء الرسالة وما ينالك في الله من الآذى، وقوله {حتى يحكم الله } وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يغلبهم - كما وقع - تقتضيه قوة اللفظ، وهذا الصبر منسوخ بالقتال، وهذه السورة مكية وقد تقدم ذكر هذا في أولها.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} القرآن، أو الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ }: هذه مخاطبةٌ لجميع الكفَّار ومستمرَّةٌ مدَى الدهْرِ، و{ٱلْحَقُّ}: هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ }: منسوخَةٌ بالقتَالِ. وقوله سبحانه: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ }. قوله: {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ }: وعدٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضاً بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمَّدٍ وعلَى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليماً.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قد جاءكم الحق من ربكم‏}‏ و ‏{أية : ‏وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله‏}‏ ‏تفسير : [‏يونس: 107‏]‏ هو الحق‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏واصبر حتى يحكم الله‏} ‏ قال‏:‏ هذا منسوخ أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره: {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [الآية: 108]. قال الواسطى رحمة الله عليه: لو وقع التفاضل بالنعوت والصفات كان الذات معلولاً ما أظهر، فإنما أظهره لك أن أجرى الإحسان عليكم فلكم بقوله {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7]، وإن أجر الاهتداء فلكم بقوله: {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} وإن أجر الشكر عليكم فلكم بقوله {أية : وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} تفسير : [النمل: 40].

القشيري

تفسير : مَنْ استبصر رَبحَ رُشْدَ نفسِه، ومَنْ ضلَّ فقد زاغ عن قَصْدِه؛ فهذا بلاءٌ اكتسب، وذلك ضياء وشِفاء اجتلب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} الحق هو القرآن فى ظاهر التفسير وحقائقه وتجلى ذاته فى صفاته وتجلى صفاته فى فعله فوصل بركة تجليه الى كل مبارك وانصرف نوره عن كل محروم ثم بين سبحانه ان عروس القدم قد انكشف لاهل العدم فمن رآه رآه بخطه الوافر ومن اخطاه اخطا طريق النجاة بقوله {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} اى من عرفنى فمعرفته راجع اليه ومن جهلنى فجهله راجع عليه فان ساحته الكبرياء منزهة عن معرفة العارفين وجهل الجاهلين حيث ما استوحش حين جهلوه وما استانس حين عرفوه ثم بين ان المتولى تعالى هو بنفسه فى الهداية والضلالة بقوله {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} قال الواسطى لو وقع التفاضل بالنعوت والصفات كان الذات معلولا ما اظهر فانما اظهره لك ان اجرى الاحسان عليكم فلكم بقوله ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اجرى الاهتداء فلكم بقوله فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه وان اجرى الشكر فلكم بقوله ومن شكر فانما يشكر لنفسه ثم ان الله سبحانه امر نبيه بمتابعة مراده واستقامته فى العبودية والصبر فى بلائه والرضا بقضائه بقوله {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} اى اتبع ما يحل فى قلبك من خطاب الازل وطيب روحك بطيبه واصبر اذا اشممت رايحة وصلتى ولا تضطرب فانك فى امتحان الرسالة حتى يحكم الله برفع الحجاب عن مشاهدته ويزيح العارفين والمحبين والمشتاقين عن بلية الحجاب ابدا وهو خير الحاكمين بان يفرق بين اوليائه واعدائه ويخلص اهل العرفان من اذية اهل الحرمان والله اعلم قال سهل اجرى الله فى الخلق احكامه وايدهم على اتباعها بقدرته وفضله ود لهم على رشدهم بقوله واتبع ما يوحى اليك واصبروا الصبر على الاتباع وترك تدبير النفس فيه النجاة عاجلا من دعونات النفس واجلا من حياء المخالفة والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} لكفار مكة {يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} وهو القرآن العظيم واطلعتم على ما فى تضاعيفه من البينات والهدى لم يبق لكم عذر ولا عليه تعالى حجة {فمن اهتدى} بالايمان به والعمل بما فى مطاويه {فانما يهتدى لنفسه} اى منفعة اهتدائه لها خاصة {ومن ضل} بالكفر به والاعراض عنه {فانما يضل عليها} اى فوبال الضلال مقصور عليها. والمراد تنزيه ساحة الرسول عن شائبة غرض عائد اليه عليه السلام من جلب نفع او دفع ضر كما يلوح به اسناد المجيء الى الحق من غير اشعار يكون ذلك بواسطة {وما انا عليكم بوكيل} بحفيظ موكول الى امركم وانما انا بشير ونذير وفى التأويلات النجمية {قد جاءكم الحق من ربكم} القرآن وهو الحبل المتين {فمن اهتدى} الى الاعتصام به {فانما يهتدى لنفسه} بان يخلصها من اسفل السافلين ويعيدها الى اعلى عليين مقاما {ومن ضل} عن الاعتصام به {فانما يضل عليها} لانها تبقى فى اسفل الدنيا بعيدة عن الله معذبة بعذاب البعد وألم الفراق {وما انا عليكم بوكيل} فاوصلك الى تلك المقامات والدرجات واخلصكم من هذه السفليات والدركات بغير اختياركم وانما انا مأمور بتبليغ الوحى والرسالة والتذكير والموعظة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} الرسول أو القرآن، {فمن اهتدى} بالإيمان والمتابعة {فإنما يهتدي لنفسه}؛ لأن نفعه لها، {ومن ضلَّ فإنما يضل عليها}؛ لأن وبال الضلال عليها، {وما أنا عليكم بوكيل} أي: موكلٌ عليكم، فأقهركم على الإيمان، وإنما أنا بشير نذير. وهو منسوخ بآية السيف. {واتبع ما يُوحى إليك} بالامتثال والتبليغ، {واصبر حتى يحكم الله} بينك وبين عدوك، بالأمر بالقتال، ثم بالنصر والعز، {وهو خير الحاكمين} إذا لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر. الإشارة: يا أيها الناس قد جاءكم من يُعرفكم بالحق من ربكم، فمن اهتدى بمعرفته واتباعه نفع نفسه، حيث أخرجها من غم الحجاب، وشفاها من سقم الشك والارتياب، ومن ضل عن معرفته فوبالهُ عليه، حيث ترك نفسه في أودية الخواطر تَجُول، وحرمها من الله حقيقة الوصول. ويقال: للعارف إذا اعرض الخلق عنه، ولم ينفع فيهم تذكيره ووعظه: اتبع ما يوحى إليك من وحي الإلهام، فإنه حق في حق الخصوص؛ إذ لا يتجلى في قلوبهم إلا ما هو حق، حيث تطهرت من خواطر الخلق. واصبر حتى يحكم الله بإرسال ريح الهداية، وهو خير الحاكمين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه في هذه الاية أن يقول للخلق قد جاءكم الحق من الله وهو الذي من عمل به من العباد نجا، وضده الباطل وهو الذي من عمل به هلك، فمن علم بالحق كان حكيما. ومن عمل بالباطل كان سفيهاً. والمراد بالحق ها هنا ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من القرآن والشرائع والاحكام وغير ذلك من الآيات والدلالات {فمن اهتدى} بها بأن نظر فيها وعرفها حقاً وصواباً {فإنما يهتدي لنفسه} ومعناه فان منافع ذلك تعود عليه من الثواب دون غيره {ومن ضل} عنها وعدل عن تأملها والاستدلال بها والعمل بموجبها {فإنما يضل} عن منافع نفسه وهو الجاني عليها. وقوله {وما أنا عليكم بوكيل} معناه وما أنا عليكم بوكيل في منعكم من اعتقاد الباطل بل انظروا لانفسكم نظر من يطالب بعمله ولا يطالب غيره بحفظه كأنه قال ما أنا حافظكم من الهلاك اذا لم تنظروا لانفسكم ولم تعملوا بما يخلصها ما يحفظ الوكيل مال غيره.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} قد مرّ مراراً انّ الحقّ هو الولاية وانّ كلّ حقٍّ حقّ بحقّيّته وانّ عليّاً هو مظهرها التّامّ، فالمراد جاءكم علىّ (ع) باعتبار ولايته او ولاية علىّ (ع) او الولاية المطلقة ومظهرها علىّ (ع) ويدلّ على هذا قوله تعالى {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} لانّ الاهتداء ليس الاّ الى الولاية فانّ النّبوّة ما به الهداية كما قال الله تعالى {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ} تفسير : [الحجرات:17] بالاسلام للايمان {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} حتّى اجبركم على الولاية وامنعكم عن الضّلالة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يا أيُّها النَّاسُ قَدْ جاءَكُم الحقُّ} بيان الحلال من الحرام والقرآن، قيل: أو رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِنْ ربِّكُم} فلا عذر لكم، ولا حجة على الله {فَمن اهْتَدى} تبع الحق {فإنما يهْتَدى لنفْسِهِ} فإن نفع اهتدائه لها. {وَمنْ ضَلَّ} عن الحق، أى زاغ عنه بعد وضوحه عنادا {فإنما يَضلُّ عَليْها} فإن وبال الضلال عليها {وما أنا عَليْكم بوَكيلٍ} حفيظ، وكل أمركم إلىَّ، بل بشير ونذير، قال ابن عباس: الآية منسوخة بآية السيف، ولا يصلح إلا إن أريد بها إلاَّ من بالمسالمة، وعدم القتال، وليس ذلك بمتعين الجواز، أن يراد مجرد إخبار أن للإنسان ما سعى من خير أو شر، وأن الرسول بشير ونذير، وهذا ثابت قاتل، أو ترك القتال فلا نسخ هنا وهو الصحيح.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أَهل مكة، وهذا أَولى من العموم وهو مستفاد من المقام الآخر {قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ} القرآن أَو مطلق الوحى أَو الرسول {مِّنْ رَّبِّكُمْ} فلا عذر لكم {فَمَنِ اهْتَدَى} بالتصديق والعمل {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} نفع اهتدائِه لنفسه، وهو ثواب الله فما للمكلف يرغب عن نفع {وَمَنْ ضَلَّ} بالإِشراك أَو الكبائِر {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} وبال ضلاله على نفسه فما له يسعى فى ضر نفسه {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} لم يترك إِلى أَمركم فأَجبركم على الهدى. وأَحفظكم عن الضلال، والحافظ هو الله، وهذا حصر، والمعنى ما أَنا بل الله وما أَنا إِلا بشير ونذير، وما حجازية بدليل أَنه إِذا ظهر الإِعراب كان النصب كقوله تعالى: "أية : ما هذا بشراً" تفسير : [يوسف: 31] "أية : ما هن أُمهاتكم" تفسير : [المجادلة: 2] والقرآن بلغة الحجاز لا بلغة تميم فلا تهم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} يا أيها الرسول مخاطباً لأولئك الكفرة بعد ما بلغتهم ما أوحي إليك أو للمكلفين مطلقاً كما قال الطبرسي {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ} وهو القرآن العظيم الظاهر الدلالة المشتمل على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مر آنفا من أصول الدين واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبق لكم عذر، وقيل: المراد من الحق النبـي صلى الله عليه وسلم وفيه من المبالغة ما لا يخفى. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أن {ٱلْحَقّ} هو ما دل عليه قوله تعالى: {أية : وَأَنْ يُمْسِكُ} تفسير : [يونس: 107] الخ وهو كما ترى {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ} بالإيمان والمتابعة {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} أي منفعة اهتدائه لها {وَمَن ضَلَّ} بالكفر والإعراض {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فوبال ضلاله عليها، قيل: والمراد تنزيه ساحة الرسالة عن شائبة غرض عائد إليه عليه الصلاة والسلام من جلب نفع ودفع ضر، ويلوح إليه إسناد المجيء إلى (الحق) من غير إشعار بكون ذلك بواسطته صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير، وفي الآية إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام لا يجبرهم على الإيمان ولا يكرههم عليه وإنما عليه البلاغ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها منسوخة بآية السيف.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي هو كذيل لما مضى في السورة كلها وحوصلة لما جرى من الاستدلال والمجادلة والتخويف والترغيب، ولذلك جاء ما في هذه الجملة كلاماً جامعاً وموادعة قاطعة. وافتتاحها بـ{قل} للتنبيه على أنه تبليغ عن الله تعالى فهو جدير بالتلقي. وافتتاح المقول بالنداء لاستيعاء سماعهم لأهمية ما سيقال لهم، والخطاب لجميع الناس من مؤمن وكافر، والمقصود منه ابتداءً المشركون، ولذلك أطيل الكلام في شأنهم، وقد ذكر معهم من اهتدى تشريفاً لهم. وأكد الخبر بحرف {قد} تسجيلاً عليهم بأن ما فيه الحق قد أبلغ إليهم وتحقيقاً لكونه حقاً. والحق: هو الدين الذي جاء به القرآن، ووصفه بـ {من ربكم} للتنويه بأنه حق مبين لا يخلطه باطل ولا ريب، فهو معصوم من ذلك. واختيار وصف الرب المضاف إلى ضمير {الناس} على اسم الجلالة للتنبيه على أنه إرشاد من الذي يحب صلاح عباده ويدعوهم إلى ما فيه نفعهم شأن من يربّ، أي يسوس ويدبر. وتفريع جملة: {فمن اهتدى} على جملة: {قد جاءكم} للإشارة إلى أن مجيء الحق الواضح يترتب عليه أن إتباعه غنم لمتبعه وليس مزية له على الله، ليتوصل من ذلك إلى أن المعرض عنه قد ظلم نفسه، ورتب عليها تبعة الإعراض. واللام في قوله: {لنفسه} دالة على أن الاهتداء نعمة وغنى وأن الإعراض ضر على صاحبه. ووجه الإتيان بطريقتي الحصر في {فإنما يهتدي لنفسه} وفي {فإنما يضل عليها} للرد على المشركين إذ كانوا يتمطَّون في الاقتراح فيقولون: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] ونحو ذلك مما يفيد أنهم يمنون عليه لو أسلموا، وكان بعضهم يظهر أنه يغيظ النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء على الكفر فكان القصر مفيداً أن اهتداءه مقصور على تعلق اهتدائه بمعنى اللام في قوله: {لنفسه} أي بفائدة نفسه لا يتجاوزه إلى التعلق بفائدتي. وأن ضلاله مقصور على التعلق بمعنى على نفسه، أي لمضرتها لا يتجاوزه إلى التعلق بمضرتي. وجملة {وما أنا عليكم بوكيل} معطوفة على جملة {من اهتدى} فهي داخلة في حيز التفريع، وإتمام للمفرع، لأنه إذا كان اهتداء المهتدي لنفسه وضلال الضال على نفسه تحقق أن النبي صلى الله عليه وسلم غير مأمور من الله بأكثر من التبليغ وأنه لا نفع لنفسه في اهتدائهم ولا يضره ضلالهم، فلا يحسبوا حرصه لنفع نفسه أو دفع ضر عنها حتى يتمطّوا ويشترطوا، وأنه ناصح لهم ومبلغ ما في اتباعه خيرهم والإعراض عنه ضُرُّهم. والإتيان بالجملة الاسمية المنفية للدلالة على دوام انتفاء ذلك الحكم وثباته في سائر الأحوال. ومعنى الوكيل: الموكول إليه تحصيل الأمر. و{عليكم} بمعنى على اهتدائكم فدخل حرف الجر على الذات والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 108- بلّغ - أيها الرسول - دعوة الله إلى الناس كافة، وقل لهم: - أيها الناس - قد أنزل الله عليكم الشريعة الحقة من عنده، فمن شاء أن يهتدى بها فليسارع، فإن فائدة هداه ستكون لنفسه، ومن أصرَّ على ضلاله، فإن ضلاله سيقع عليه - وحده - وأنا لست موكلاً بإرغامكم على الإيمان، ولا مسيطراً عليكم. 109- واثْبت - أيها الرسول - على دين الحق، واتَّبع ما أُنْزل عليك من الوحى، صابراً على ما ينالك فى سبيل الدعوة من مكاره، حتى يقضى الله بينك وبينهم، بما وعدك به من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وهو خير الحاكمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الناس: أي يا أهل مكة. قد جاء الحق: أي الرسول يتلو القرآن ويبين الدين الحق. من اهتدى: أي آمن بالله ورسوله وعبدالله تعالى موحداً له. ومن ضل: أي أبى إلا الإِصرار على الشرك والتكذيب والعصيان. فعليها: أي وبال الضلال على نفس الضال كما أن ثواب الهداية لنفس المهتدي. وما أنا عليكم بوكيل: أي بمجبر لكم على الهداية وإنما أنا مبلغ ونذير. واصبر حتى يحكم الله: أي في المشركين بأمره. خير الحاكمين: أي رحمة وعدلاً وإنفاذاً لما يحكم به لعظيم قدرته. معنى الآيتين: هذا الإعلان الأخير في هذه السورة يأمر الله تعالى رسوله أن ينادي المشركين بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وهو نداء عام يشمل البشرية كلها وإن أريد به ابتداء أهل مكة {قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} وهو القرآن يتلوه رسول الله وفيه بيان الدين الحق الذي لا كمال للإِنسان له إلا بالإِيمان به والأخذ الصادق بما تضمنه من هدى. وبعد فمن اهتدى بالإِيمان والاتباع فإنما ثواب هدايته لنفسه إذ هي التي تزكو وتَطْهُر وتتأهل لسعادة الدارين، ومن ضل بالإِصرار على الشرك والكفر والتكذيب فإنما ضلاله أي جزاء ضلاله عائد على نفسه إذ هي التي تَتَدَسَّى وتخبُث وتتأهل لمقت الله وغضبه وأليم عقابه. وما على الرسول المبلغ من ذلك شيء، إذ لم يوكل إليه ربه هداية الناس بل أمره أن يصرح لهم بأنه ليس عليهم بوكيل {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} وقوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالتزام الحق باتباع ما يوحى إليه من الأوامر والنواهي وعدم التفريط في شيء من ذلك، ولازم هذا وهو عدم اتباع ما لا يوحى إليه به ربه وقوله: {وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على اتباع الوحي والثبات على الدعوة وتحمل الأذى من المشركين إلى غاية أن يحكم الله فيهم وقد حكم فأمره بقتالهم فقتلهم في بدر وواصل قتالهم حتى دانوا لله بالإِسلام ولله الحمد والمنَّة، وقوله {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} ثناء على الله تعالى بأنه خير من يحكم وأعدل من يقضي لكمال علمه وحكمته، وعظيم قدرته، وواسع رحمته. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير أن القرآن والرسول حق والإِسلام حق. 2- تقرير مبدأ أن المرء يشقى ويسعد بكسبه لا بكسب غيره. 3- وجوب اتباع الوحي الإِلهي الذي تضمنه القرآن والسنة الصحيحة. 4- فضيلة الصبر وانتظار الفرج من الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} (108) - يَأْمُرُ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُخْبِر النَّاسَ جَمِيعاً، أَنَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، فَمَنِ اهْتَدَى وَاتَّبَعَهُ، فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ للنَّاسِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَإِنَّهُ نَذِيرٌ لَهُمْ غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِدَايَتِهِمْ، وَلا بِمُسَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الهَادِي هُوَ اللهُ. بِوَكِيلٍ - بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إِليهِ أَمْرُكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: فالحق سبحانه لم يُقصِّر مع الخلق، فقد خلق لكم العقول، وكان يكفي أن تفكّروا بها لتؤمنوا من غير مجيء رسول، وكان على هذه العقول أن تفكر في القويُّ الذي خلق الكون كله، بل هي التي تسعى لتطلب أن يرسل لها القويّ رسولاً بما يطلبه سبحانه من عباده، فإذا ما جاء رسول ليخبرهم أنه رسول من الله ويحمل البلاغ منه، كان يجب أن تستشرف آذانهم لما يقول. إذن: كان على العباد أن يهتدوا بعقولهم؛ ولذلك نجد أن الفلاسفة حين بحثوا عن المعرفة، قالوا: إن هناك "فلسفة مادية" تحاول أن تتعرف على مادية الكون، وهناك "فلسفة ميتافيزيقية" تبحث عما وراء المادة. فَمَنْ أعلمَ الفلاسفة - إذن - أن هناك شيئاً وراء المادة. وكأن العقل المجرد ساعةً يرى نُظُم الكون الدقيقة كان يجب أن يقول: إن وراء الكون الواضح المُحَسِّ قوة خفية. ولم يذهب الفلاسفة إلى البحث فيما وراء المادة، إلا لأنهم أخذوا من المادة أن وراءها شيئاً مستوراً. والمستور الذي وراء المادة هو الذي يعلن عن نفسه، فهو أمر لا نعرفه بالعقل. وقديماً ضربنا مثلاً في ذلك، وقلنا: هَبْ أننا جالسون في حجرة، ودقَّ جرس الباب، فعلم كل مَنْ في الحجرة أن طارقاً بالباب، ولم يختلف أحد منهم على تلك الحقيقة. وهذا ما قاله الفلاسفة حين أقرُّوا بوجود قوة وراء المادة، ولكنهم تجاوزوا مهمتهم، وأرادوا أن يُعرِّفونا ماهية أو حقيقة هذه القوة، ولم يلتفتوا إلى الحقيقة البديهية التي تؤكد أن هذه القوة لا يمكن أن تُعْرَف بالعقل؛ لأننا ما دُمْنا قد عرفنا أن بالباب طارقاً يدق؛ فنحن لا نقول من هو، ولا نترك المسألة للظن، بل نتركه هو الذي يحدد لنا مَنْ هو، وماذا يطلب؟ لأن عليه هو أن يخبر عن نفسه. اطلبوا منه أن يعلن عن اسمه وصفاته، وهذه مسائل لا يمكن أن نعرفها بالعقل. إذن: فخطأ الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقُّل أن هناك قوة من وراء المادة، وأرادوا أن ينتقلوا من التعقُّل إلى التصور، والتصورات، لا تأتي بالعقل، بل بالإخبار. وهنا يقول الحق سبحانه: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ..} [يونس: 108]. والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً، وأن يأتي الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من عدم وأمدَّ من عُدْم، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ، وخلق الكون كله، وجعلنا خلفاء فيه. وهو - إذن - مأمون علينا، فإذا جاء الحق منه سبحانه وتعالى، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية؟ لماذا أخذنا تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس؟ كان يجب - إذن - أن نأخذ من المربِّي - سبحانه وتعالى - المنهج الذي ندير به حركة الحياة؛ فلا نفسدها. وحين يقول الحق سبحانه: {جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ..} [يونس: 108]. فمعنى ذلك أنه لا عُذْر لأحد أن يقول: "لم يُبلغْني أحدٌ بمراد الله"، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل، لا أن تتصور. وجاء التصوُّر للبلاغ عن الله تعالى، حين أرسل الحق سبحانه رسولاً يقول: أنا رسول من الله، وهو القوة التي خلقت الكون، وكان علينا أن نقول للرسول بعد أن تَصْدُق معجزته: أهلاً، فأنت مَنْ كنا نبحث عنه، فَقُل لنا: ماذا تريد القوة العليا أن تبلغنا به؟ ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ..} [يونس: 108]. لأن حصيلة هدايته لا تعود على مَنْ خلقه وهداه، بل تعود عليه هو نفسه انسجاماً مع الكون، وإصلاحاً لذات النفس، وراحة بال، واطمئناناً، وانتباهاً لتعمير الكون بما لا يفسد فيه، وهذا الحال عكس ما يعيشه مَنْ ضل عن الهداية. ويقول الحق سبحانه عن هذا الصنف من الناس: {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ..} [يونس: 108]. وكلمة {ضَلَّ} تدل على أن الإنسان الذي يضل كانت به بداية هداية، لكنه ضَلَّ عنها. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس: 108]. وأنت لا توكِّل إنساناً إلا لأن وقتك لا يسع، وكذلك قدرتك وعلمك وحركتك، وهنا يُبلغ الرسول القوم: أنا لا أقدر أن أدفع عنكم الضلال، أو أجبركم على الهداية؛ لأني لست وكيلاً عليكم، بل عليَّ فقط مهمة البلاغ عن الله سبحانه وتعالى، وهذا البلاغ إن استمعتم إليه بخلاء القلب من غيره، تهتدوا. وإذا اهتديتم؛ فالخير لكم؛ لأن الجزاء سيكون خلوداً في نعيم تأخذونه مقابل تطبيق المنهج الذي ضيَّق على شهوات النفس، ولكنه يهدي حياة نعيم لا يفوته الإنسان، ولا تفوت النعم فيه الإنسان. وإذا كان الإنسان مِنَّا يقبل أن يتعب؛ ليتعلَّم حرفة أو عملاً أو صنعة أو مهنة؛ ليكسب الإنسان من إتقان هذا العمل بقية عمره. أليس على هذا الإنسان أن يُقبِل على العبادة التي تصلح باله، وتسرع به إلى الغاية انسجاماً مع النفس، ومع المجتمع، وتقويماً وتهذيباً لشهوات النفس، وينال من بعد ذلك خلود النعيم في الآخرة. أما من يستكثر على نفسه الجدَّ والاجتهاد في تحصيل العلم، أو تعلُّم مهنة أو حرفة، فهو يحيا في ضيق وعدم ارتقاء، فهو لا يبذل جهداً في التعلّم. ونرى مَنْ يتعلم ويبذل الجهد، وهو يرتقي في المستوى الاجتماعي والاقتصادي؛ ليصل إلى درجة الدكتوراة - مثلاً - أو التخصص الدقيق الذي يأتي له بِسعَة الرزق. وكلما كانت الثمرة التي يريدها الإنسان أينع وأطول عمراً كانت الخدمة من أجلها أطول. وقارن بين خدمتك لدينك في الدنيا بما ينتظرك من نعيم الآخرة؛ وسوف تجد المسافة بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة شاسعاً، ولا مقارنة. وقول الحق سبحانه: {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ..} [يونس: 108]. نجد فيه كلمة {عَلَيْهَا} وهي تفيد الاستعلاء على النفس، أي: أنك بالضلال - والعياذ بالله - تستعلي على نفسك، وتركب رأسك إلى الهاوية. وفي المقابل تجد قول الحق سبحانه: {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ..} [يونس: 108]. وتجد "اللام" هنا تفيد المِلْك؛ لذلك يقال: "فلان له" و"فلان عليه". وبعد ذلك يقول الحق سبحانه في ختام سورة يونس: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن هذا الخلق أنه في الاقتداء بالحق بقوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} [يونس: 108] السورة {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}تفسير : أي: ناسي خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] وأعلين مرتبتكم إذ كنتم تسمعون خطابي عني بلا واسطة، {قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ} وهو القرآن وهو الحبل المتين المرسل، {مِن رَّبِّكُمْ} بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم إذا نزل به الروح الأمين على قلبه، {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [يونس: 108] إلى الاعتصام به كما قال الله تعالى: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 103]. {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [يونس: 108] بأن يخلصها من أسفل السافلين، ويعود بها إلى أعلى عليين مقامها؛ ليسمع خطاب ربها بلا واسطة بقوله: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 27-28]، {وَمَن ضَلَّ} [يونس: 108] عن الاعتصام به، {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108] لأنها تبقى في أسفل الدنيا بعيدة عن الله تعالى معذبة بعذاب البعد وألم الفراق. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}[يونس: 108] لأعتصم به بوكالتكم، فأوردتكم إلى تلك المقامات والدرجات، وأخصلكم من هذه السفليات والدركات بغير اختياركم، وإنما أنا مأمور بتبليغ الوحي والرسالة والتذكير والمواعظة، كقول {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} [يونس: 109] يعني: بالاعتصام به لنفسك وبالتبليغ إلى أمتك، {وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} [يونس: 109] بالقبول لأهل السعادة، والرد لأهل الشقاوة لكل ميسر لما خلق له، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [يونس: 109] فيما حكم بقبول الدعوة والقرآن والأحكام والعمل بها لمن سبقت العناية الأزلية، ويرد الدعوة والقرآن والأحكام والعمل بها لمن أدركته الشقاوة الأزلية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } يا أيها الرسول، لما تبين البرهان { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: الخبر الصادق المؤيد بالبراهين، الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، وهو واصل إليكم من ربكم الذي من أعظم تربيته لكم، أن أنزل إليكم هذا القرآن الذي فيه تبيان لكل شيء، وفيه من أنواع الأحكام والمطالب الإلهية والأخلاق المرضية، ما فيه أعظم تربية لكم، وإحسان منه إليكم، فقد تبين الرشد من الغي، ولم يبق لأحد شبهة. { فَمَنِ اهْتَدَى } بهدى الله بأن علم الحق وتفهمه، وآثره على غيره فلِنَفْسِهِ والله تعالى غني عن عباده، وإنما ثمرة أعمالهم راجعة إليهم. { وَمَنْ ضَلَّ } عن الهدى بأن أعرض عن العلم بالحق، أو عن العمل به، { فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ولا يضر الله شيئًا، فلا يضر إلا نفسه. { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فأحفظ أعمالكم وأحاسبكم عليها، وإنما أنا لكم نذير مبين، والله عليكم وكيل. فانظروا لأنفسكم، ما دمتم في مدة الإمهال. { وَاتَّبِعْ } أيها الرسول { مَا يُوحَى إِلَيْكَ } علمًا، وعملا وحالا ودعوة إليه، { وَاصْبِرْ } على ذلك، فإن هذا أعلى أنواع الصبر، وإن عاقبته حميدة، فلا تكسل، ولا تضجر، بل دم على ذلك، واثبت، { حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ } بينك وبين من كذبك { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } فإن حكمه، مشتمل على العدل التام، والقسط الذي يحمد عليه. وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وثبت على الصراط المستقيم، حتى أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان، بعد ما نصره [الله] عليهم، بالحجة والبرهان، فلله الحمد، والثناء الحسن، كما ينبغي لجلاله، وعظمته، وكماله وسعة إحسانه. تم تفسير سورة يونس والحمد لله رب العالمين.