١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله {الر } اسم للسورة وهو مبتدأ. وقوله {كِتَابٌ } خبره، وقوله: {أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثم فُصلتْ} صفة للكتاب. قال الزجاج: لا يجوز أن يقال: {الر } مبتدأ، وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ } خبر، لأن {الر } ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده؛ وهذا الاعتراض فاسد، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصوراً فيه، ولا أدري كيف وقع للزجاج هذا السؤال، ثم إن الزجاج اختار قولاً آخر وهو أن يكون التقدير: الر هذا كتاب أحكمت آياته، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير يقع قوله: {الر } كلاماً باطلاً لا فائدة فيه، والثاني: أنك إذا قلت هذا كتاب، فقوله: «هذا» يكون إشارة إلى أقرب المذكورات، وذلك هو قوله: {الر } فيصير حينئذ {الر } مخبراً عنه بأنه كتاب أحكمت آياته، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول، فثبت أن الصواب ما ذكرناه. المسألة الثانية: في قوله: {أحكمت آياته} وجوه: الأول: {أحكمت آياته} نظمت نظماً رصيفاً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف. الثاني: أن الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء. فقوله: {أحكمت آياته} أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها. واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكماً، لأنه حصل فيه آيات منسوخة، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في الكل. الثالث: قال صاحب «الكشاف» {أُحْكِمَتْ } يجوز أن يكون نقلاً بالهمزة من حكم بضم الكاف إذا صار حكيماً، أي جعلت حكيمة، كقوله: {أية : آيات ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يونس: 1] الرابع: جعلت آياته محكمة في أمور: أحدها: أن معاني هذا الكتاب هي التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وهذه المعاني لا تقبل النسخ، فهي في غاية الإحكام، وثانيها: أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة، والتناقض ضد الإحكام فإذا خلت آياته عن التناقض فقد حصل الإحكام. وثالثها: أن ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة، وهذا أيضاً مشعر بالقوة والإحكام. ورابعها: أن العلوم الدينية إما نظرية وإما عملية. أما النظرية فهي معرفة الإله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها، وأما العملية فهي إما أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظاهرة وهو الفقه، أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التصفية ورياضة النفس، ولا نجد كتاباً في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب، فثبت أن هذا الكتاب مشتمل على أشرف المطالب الروحانية وأعلى المباحث الإلهية، فكان كتاباً محكماً غير قابل للنقض والهدم. وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسير قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } تفسير : [آل عمران: 7]. المسألة الثالثة: في قوله: {فُصّلَتْ } وجوه: أحدها: أن هذا الكتاب فصل كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص. والثاني: أنها جعلت فصولاً سورة سورة، وآية آية. الثالث: {فُصّلَتْ } بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة، ونظيره قوله تعالى: { أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءايَـٰتٍ مّفَصَّلاَتٍ } تفسير : [الأعراف: 133] والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة متعاقبة. الرابع: فصل ما يحتاج إليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة. الخامس: جعلت فصولاً حلالاً وحراماً، وأمثالاً وترغيباً، وترهيباً ومواعظ، وأمراً ونهياً لكل معنى فيها فصل، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل واحد منها، ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل. المسألة الرابعة: معنى {ثُمَّ } في قوله: {ثُمَّ فُصّلَتْ } ليس للتراخي في الوقت، لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وكما تقول: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثم فُصلتْ} أي أحكمتها أنا ثم فصلتها، وعن عكرمة والضحاك {ثُمَّ فُصّلَتْ } أي فرقت بين الحق والباطل. المسألة السادسة: احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه: الأول: قال المحكم: هو الذي أتقنه فاعله، ولولا أن الله تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال، ولا يجوز أن يقال: كان موجوداً غير محكم ثم جعله الله محكماً، لأن هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكماً أن يكون محدثاً، ولم يقل أحد بأن القرآن بعضه قديم وبعضه محدث. الثاني: أن قوله: {ثُمَّ فُصّلَتْ } يدل على أنه حصل فيه انفصال وافتراق، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل، وتكوين مكون، وذلك أيضاً يدل على المطلوب. الثالث: قوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } والمراد من عنده، والقديم لا يجوز أن يقال: إنه حصل من عند قديم آخر، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس. أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ونحن معترفون بأنها محدثة مخلوقة، وإنما الذي ندعي قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات. المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف» قوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } يحتمل وجوهاً: الأول: أنا ذكرنا أن قوله: {كِتَابٌ } خبر و {أُحْكِمَتْ } صفة لهذا الخبر، وقوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة ثانية والتقدير: الر كتاب من لدن حكيم خبير. والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير. والثالث: أن يكون ذلك صفة لقوله: (أحكمت. وفصلت) أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤر}. تقدّم القول فيه. {كِتَابٌ} بمعنى هذا كتاب. {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} في موضع رفع نعت لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} قول قَتَادة؛ أي جعلت محكمة كلّها لا خَلَل فيها ولا باطل. والإحكام منع القول من الفساد، أي نُظمت نظماً مُحْكَماً لا يلحقها تناقض ولا خَلَل. وقال ٱبن عباس: أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل. وعلى هذا فالمعنى؛ أُحكم بعض آياته بأن جعل ناسخاً غير منسوخ. وقد تقدّم القول فيه. وقد يقع ٱسم الجنس على النوع؛ فيقال: أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه. وقال الحسن وأبو العالية: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} بالأمر والنهي. {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثم فصّلها بالحلال والحرام. مجاهد: أحكمت جملة، ثم بُيِّنت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إِليه من الدليل على التوحيد والنبوّة والبعث وغيرها. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل. وقيل: «{فُصِّلت} أنزلت نَجْماً نَجْماً لتُتَدبَّر. وقرأ عكرمة «فَصَلَتْ» مخفّفاً أي حَكَمت بالحق. {مِن لَّدُنْ} أي من عند. {حَكِيمٍ} أي محكم للأمور. {خَبِيرٍ} بكل كائن وغير كائن. قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} قال الكسائيّ والفرّاء. أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصّلت بألا تعبدوا إِلا الله. قال الزجاج: لئلا؛ أي أحكمت ثم فصّلت لئلا تعبدوا إلا الله. قيل: أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله. {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ} أي من الله. {نَذِيرٌ} أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه. {وَبَشِيرٌ} بالرضوان والجنة لمن أطاعه. وقيل: هو من قول الله أوّلاً وآخراً؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال: {أية : وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28]. قوله تعالى: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} عطف على الأوّل. {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ٱرجعوا إليه بالطاعة والعبادة. قال الفرّاء: «ثم» هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. وقيل: ٱستغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقد تقدّم هذا المعنى في «آل عمران» مستوفى. وفي «البقرة» عند قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}. وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أوّل في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر. {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم. وقيل: يمتّعكم يُعمِّركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أَمتع اللَّهُ بك ومَتَّع. وقال سهل بن عبد الله: المتاع الحسن ترك الْخَلق والإقبال على الحق. وقيل: هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قيل: هو الموت. وقيل: القيامة. وقيل: دخول الجنة. والمتاع الحسن على هذا وقاية كلّ مكروه وأمرٍ مَخُوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكُرَبها؛ والأوّل أظهر؛ لقوله في هذه السورة: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} تفسير : [هود: 52]. وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى. والله أعلم. قال مقاتل: فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرَقة والقَذَر والجيف والكلاب. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله. وقيل: ويؤت كلّ من فضلت حسناته على سيئاته {فَضْلَهُ} أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله: {فَضْلَهُ} ترجع إلى الله تعالى. وقال مجاهد: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوّع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافراً. {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره: و {تَوَلَّوْا} يجوز أن يكون ماضياً ويكون المعنى: وإن تولّوا فقل لهم إني أخاف عليكم. ويجوز أن يكون مستقبلاً حذفت منه إحدى التاءين والمعنى: قل لهم إن تتولّوا فإني أخاف عليكم. قوله تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} أي بعد الموت. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من ثواب وعقاب.
البيضاوي
تفسير : {الر كِتَابٌ} مبتدأ وخبر أو {كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف. {أُحكِمَتْ آيَاتُهُ} نظمت نظماً محكماً لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ والمعنى، أو منعت من الفساد والنسخ فإن المراد آيات السورة وليس فيها منسوخ، أو أحكمت بالحجج والدلائل أو جعلت حكمية منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية. {ثُمَّ فُصّلَتْ} بالفوائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار، أو بجعلها سوراً أو بالانزال نجماً نجماً، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه. وقرىء {ثُمَّ فُصّلَتْ} أي فرقت بين الحق والباطل وأحكمت آياته {ثُمَّ فُصّلَتْ} على البناء للمتكلم، و {ثُمَّ} للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الأخبار. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} صفة أخرى لـ {كِتَابٌ}، أو خبر بعد خبر أو صلة لـ {أُحْكِمَتْ} أو {فُصّلَتْ}، وهو تقرير لأحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي باعتبار ما ظهر أمره وما خفي. {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} لأن لا تعبدوا. وقيل أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول، ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ للاغراء على التوحيد أو الأمر بالتبري من عبادة الغير كأنه قيل: ترك عبادة غير الله بمعنى الزموه أو اتركوها تركاً. {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ} من الله. {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} عطف على ألا تعبدوا. {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} ثم توسلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من الرجوع. وقيل استغفروا من الشرك ثم توبوا إلى الله بالطاعة، ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين. {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا} يعيشكم في أمن ودعة. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو آخر أعماركم المقدرة، أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال، وإن كانت متعلقة بالأعمار لكنها مسماة بالإِضافة إلى كل أحد فلا تتغير. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة، وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين. {وَإِن تَوَلَّوْاْ } وإن تتولوا. {فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} يوم القيامة، وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. وقرىء {وَإِن تَوَلَّوْاْ} من ولي. {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم في ذلك اليوم وهو شاذ عن القياس. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيقدر على تعذيبكم أشد عذاب وكأنه تقدير لكبر اليوم. {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يثنونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم. وقرىء «يثنوني» بالياء والتاء من اثنوني، وهو بناء مبالغة و «تثنون»، وأصله تثنونن من الثن وهو الكلأ الضعيف أراد به ضعف قلوبهم أو مطاوعة صدورهم للثني، و «تثنئن» من اثنأن كأبياض بالهمزة و «تثنوي». {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم. وقيل نزلت في المنافقين وفيه نظر إذ الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } ألا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم. {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } في قلوبهم. {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم فكيف يخفي عليه ما عسى يظهرونه. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بالأسرار ذات الصدور أو بالقلوب وأحوالها.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا، وبالله التوفيق، وأما قوله: {أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير. ومعنى قوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أي: من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه، خبير بعواقب الأمور {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقال: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] وقوله: {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه؛ كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش، الأقرب، ثم الأقرب، فاجتمعوا فقال: «حديث : يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبحكم ألستم مصدقي؟» تفسير : فقالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: «حديث : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» تفسير : وقوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى الله عز وجل فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا} أي: في الدنيا {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي: في الدار الآخرة، قاله قتادة؛ كقوله: {أية : مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] الآية. وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد: «حديث : وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني المسيب بن شريك عن أبي بكر عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره، وقوله: {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ} أي: معادكم يوم القيامة {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو القادر على ما يشاء؛ من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب، كما أن الأول مقام ترغيب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {الر } الله أعلم بمراده بذلك، هذا {كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُ } بعجيب النظم وبديع المعاني {ثُمَّ فُصِّلَتْ } بُيِّنت بالأحكام والقصص والمواعظ {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } أي الله.
الشوكاني
تفسير : قوله: {الر }: إن كان مسروداً على سبيل التعديد كما في سائر فواتح السور فلا محل له، وإن كان اسماً للسورة فهو في محل رفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده أو خبر مبتدأ محذوف، و{كِتَابٌ} يكون على هذا الوجه خبراً لمبتدأ محذوف: أي هذا كتاب، وكذا على تقدير أن {الر } لا محل له، ويجوز أن يكون {الر } في محل نصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو: اذكر، أو اقرأ، فيكون {كتاب} على هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف، والإشارة في المبتدأ المقدّر إما إلى بعض القرآن أو إلى مجموع القرآن، ومعنى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه} صارت محكمة متقنة، لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم، وقيل معناه: إنها لم تنسخ بخلاف التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب باعتبار الغالب، وهو المحكم الذي لم ينسخ؛ وقيل معناه: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب. وقيل: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام. وقيل: أحكمت جملته، ثم فصلت آياته. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت بالوحي. وقيل: أيّدت بالحجج القاطعة الدالة على كونها من عند الله؛ وقيل معنى إحكامها: أن لا فساد فيها، أخذاً من قولهم أحكمت الدابة: إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح، و {ثُمَّ فُصّلَتْ } معطوف على {أحكمت}، ومعناه ما تقدّم، والتراخي المستفاد من "ثم" إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم على حسب المصالح، وإما رتبيّ إن فسر بغيره مما تقدّم، والجمل في محل رفع على أنها صفة لكتاب، أو خبر آخر للمبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف، وفي قوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } لف ونشر، لأن المعنى: أحكمها حكيم، وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور. قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } مفعول له حذف منه اللام: كذا في الكشاف، وفيه أنه ليس بفعل لفاعل الفعل المعلل. وقيل: "أن" هي المفسرة لما في التفصيل من معنى القول. وقيل: هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله، محكياً على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الكسائي والفراء: التقدير أحكمت بأن لا تعبدوا إلا الله. وقال الزجاج: أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، ثم أخبرهم رسول الله بأنه نذير وبشير، فقال: {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } أي: ينذرهم ويخوّفهم من عذابه لمن عصاه، ويبشرهم بالجنة والرضوان لمن أطاعه، والضمير في {منه} راجع إلى الله سبحانه. أي إنني لكم نذير وبشير من جهة الله سبحانه؛ وقيل: هو من كلام الله سبحانه كقوله: {أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }تفسير : [آل عمران: 28]. قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } معطوف على ألا تعبدوا، والكلام في أن هذه كالكلام في التي قبلها. وقوله: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } معطوف على {استغفروا}، وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، لكونه وسيلة إليها. وقيل: إن التوبة من متممات الاستغفار؛ وقيل معنى {استغفروا}: توبوا. ومعنى {توبوا}: أخلصوا التوبة واستقيموا عليها. وقيل: استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبوا من لاحقها. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفراء: "ثم" هاهنا بمعنى الواو: أي وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو: التوبة، والتوبة هي: الاستغفار؛ وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة. هي: السبب إليها، وما كان آخراً في الحصول، كان أوّلاً في الطلب. وقيل: استغفروا في الصغائر، وتوبوا إليه في الكبائر؛ ثم رتب على ما تقدّم أمرين الأول: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } أصل الإمتاع: الإطالة، ومنه أمتع الله بك؛ فمعنى الآية: يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت مقدّر عند الله، وهو: الموت؛ وقيل: القيامة؛ وقيل: دخول الجنة؛ والأوّل: أولى. والأمر الثاني قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أي: يعط كل ذي فضل في الطاعة والعمل فضله: أي جزاء فضله، إما في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما جميعاً، والضمير في {فضله} راجع إلى كل ذي فضل. وقيل: راجع إلى الله سبحانه على معنى أن الله يعطي كل من فضلت حسناته فضله الذي يتفضل به على عباده. ثم توعدهم على مخالفة الأمر فقال: {وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: تتولوا وتعرضوا عن الإخلاص في العبادة، والاستغفار، والتوبة {فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وهو: يوم القيامة، ووصفه بالكبر، لما فيه من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير يوم بدر. ثم بين سبحانه عذاب اليوم الكبير بقوله: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } أي: رجوعكم إليه بالموت، ثم البعث، ثم الجزاء، لا إلى غيره {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } ومن جملة ذلك عذابكم على عدم الامتثال، وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها. ثم أخبر الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجع فيهم، ولا لانت له قلوبهم، بل هم مصرّون على العناد مصممون على الكفر، فقال مصدراً لهذا الإخبار بكلمة التنبيه الدالة على التعجب من حالهم، وأنه أمر ينبغي أن يتنبه له العقلاء ويفهموه {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقال: ثني صدره عن الشيء: إذا ازورّ عنه وانحرف منه، فيكون في الكلام كناية عن الإعراض؛ لأن من أعرض عن الشيء ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه. وقيل معناه: يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق، فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من الكفر، كما كان دأب المنافقين. والوجه الثاني أولى، ويؤيده قوله: {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } أي: ليستخفوا من الله، فلا يطلع عليه رسوله والمؤمنين، أو ليستخفوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم كرّر كلمة التنبيه مبيناً للوقت الذي يثنون فيه صدورهم، فقال: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } أي: يستخفون في وقت استغشاء الثياب، وهو التغطي بها، وقد كانوا يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ وقيل: معنى {حين يستغشون}: حين يأوون إلى فراشهم، ويتدثرون بثيابهم. وقيل: إنه حقيقة: وذلك أن بعض الكفار كان إذا مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثنى صدره، وولى ظهره، واستغشى ثيابه، لئلا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء؛ لأن الله سبحانه يعلم ما يسرّونه في أنفسهم، أو في ذات بينهم وما يظهرونه؛ فالظاهر والباطن عنده سواء، والسرّ والجهر سيان، وجملة: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تعليل لما قبلها وتقرير له، و{ذات الصدور} هي: الضمائر التي تشتمل عليها الصدور. وقيل: هي القلوب، والمعنى: إنه عليم بجميع الضمائر، أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار، فلا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان، ونهاية الإحسان، فقال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } أي: الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان، على اختلاف أنواعه تفضلاً منه وإحساناً، وإنما جيء به على طريق الوجوب، كما تشعر به كلمة «على» اعتباراً بسبق الوعد به منه، و"من" زائدة للتأكيد، ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله: أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق، فكيف يغفل عن أحواله، وأقواله، وأفعاله. والدابة: كل حيوان يدب {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } أي: محل استقرارها في الأرض، أو محل قرارها في الأصلاب {وَمُسْتَوْدَعَهَا } موضعها في الأرحام، وما يجري مجراها كالبيضة ونحوها. وقال الفراء: مستقرها: حيث تأوي إليه ليلاً ونهاراً، ومستودعها: موضعها الذي تموت فيه، وقد مرّ تمام الأقوال في سورة الأنعام، ووجه تقدّم المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهر. وأما على القول الأوّل: فلعل وجه ذلك أن المستقر أنسب باعتبار ما هي عليه حال كونها دابة. والمعنى: وما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله حيث كانت من أماكنها بعد كونها دابة، وقبل كونها دابة، وذلك حيث تكون في الرحم ونحوه. ثم ختم الآية بقوله: {كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } أي: كل من ما تقدّم ذكره من الدوّاب، ومستقرّها ومستودعها، ورزقها في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ: أي مثبت فيه. ثم أكد دلائل قدرته بالتعرّض لذكر خلق السموات والأرض، وكيف كان الحال قبل خلقها فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } قد تقدّم بيان هذا في الأعراف، قيل: والمراد بالأيام: الأوقات: أي في ستة أوقات، كما في قوله: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } تفسير : [الأنفال: 16] وقيل: مقدار ستة أيام، ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا الأيام هنا الأيام المعروفة، وهي المقابلة لليالي، لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا سماء، وليس اليوم إلا عبارة عن مدّة كون الشمس فوق الأرض، وكان خلق السموات في يومين، والأرضين في يومين، وما عليهما من أنواع الحيوان والنبات والجماد، في يومين، كما سيأتي في حم السجدة. قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } أي: كان قبل خلقهما عرشه على الماء، وفيه بيان تقدّم خلق العرش والماء على السموات والأرضين. قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } اللام متعلقة بخلق: أي خلق هذه المخلوقات ليبتلي عباده بالاعتبار والتفكر والاستدلال، على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء أيهم أحسن عملاً فيما أمر به ونهى عنه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويوفر الجزاء لمن كان أحسن عملاً من غيره، ويدخل في العمل الاعتقاد، لأنه من أعمال القلب. وقيل: المراد بالأحسن عملاً: الأتمّ عقلاً، وقيل: الأزهد في الدنيا. وقيل: الأكثر شكراً، وقيل: الأتقى لله. قوله: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك بذكره، والمعنى: لئن قلت لهم يا محمد على ما توجبه قضية الابتلاء، إنكم مبعوثون من بعد الموت، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ليقولن الذين كفروا من الناس إن هذا الذي تقوله يا محمد إلا باطل كبطلان السحر، وخدع كخدعه. ويجوز أن تكون الإشارة بـ {هذا} إلى القرآن؛ لأنه المشتمل على الإخبار بالبعث. وقرأ حمزة والكسائي "إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سَـٰحِرٌ" يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت "إنّ" من قوله: {إِنَّكُمْ } لأنها بعد القول. وحكى سيبويه الفتح على تضمين {قلت} معنى: ذكرت، أو على "أن" بمعنى: علّ: أي ولئن قلت لعلكم مبعوثون، على أن الرجاء باعتبار باعتبار حال المخاطبين: أي توقعوا ذلك، ولا تبتوا القول بإنكاره. {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُم ٱلْعَذَابَ } أي: الذي تقدّم ذكره في قوله: {عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وقيل: عذاب يوم القيامة وما بعده، وقيل يوم بدر {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } أي: إلى طائفة من الأيام قليلة؛ لأن ما يحصره العدّ قليل، والأمة اشتقاقها من الأم: وهو القصد، وأراد بها الوقت المقصود لإيقاع العذاب. وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس، وقد يسمى الحين باسم مايحصل فيه، كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر: أي في ذلك الحين، فالمراد على هذا: إلى حين تنقضى أمة معدودة من الناس {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالا له على جهة الاستهزاء والتكذيب، فأجابهم الله بقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} أي: ليس محبوساً عنهم، بل واقع بهم لا محالة، و{يوم} منصوب بـ {مصروفاً} {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء منهم، ووضع يستهزءون مكان يستعجلون، لأن استعجالهم كان استهزاء منهم، وعبر بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، فكأنه قد حاق بهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، أنه قرأ: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } قال: هي كلها محكمة، يعني سورة هود {ثُمَّ فُصّلَتْ } قال: ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم، فحكم فيها بينه وبين من خالفه، وقرأ: {أية : مثل الفريقين...}تفسير : الآية كلها [هود: 24]، ثم ذكر قوم نوح ثم هود، فكان هذا تفصيل ذلك، وكان أوّله محكماً قال: وكان أبي يقول ذلك، يعني: زيد بن أسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد، وأخرج هؤلاء عن مجاهد {فُصّلَتْ } قال: فسرت. وأخرج هؤلاء أيضاً عن قتادة في الآية قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ } يعني من عند حكيم، وفي قوله: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } قال: فأنتم في ذلك المتاع، فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحبّ الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضاه. وفي قوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني: الموت، وفي قوله: {يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أي: في الآخرة. وأخرج هؤلاء أيضاً عن مجاهد في قوله: {يؤت كل ذي فضل فضله}: أي في الآخرة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن قال: يؤت كل ذي فضل في الإسلام فضل الدرجات في الآخرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، في قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره. وأخرج البخاري وغيره، عن ابن عباس، في قوله: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } الآية قال: كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. قال البخاري، وعن ابن عباس: {يَسْتَغْشُونَ } يغطون رؤوسهم. وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، يعني به الشك في الله، وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهما: أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأعلمهم سبحانه أنه حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من القول {وَمَا يُعْلِنُونَ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، في قوله: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } قال: كان المنافقون إذا مرّ أحدهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى ثوبه، لكيلا يراه، فنزلت. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، في قوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } قال: في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي رزين في الآية قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: كانوا يخبون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا أحنى ظهره، واستغشى بثوبه، وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى عليه ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال في الآية: يكتمون ما في قلوبهم ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ } الآية قال: يعني كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ } الآية قال: يعني ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً، ولكن ما كان لها من رزق لها فمن الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } قال: حيث تأوى، و{مستودعها} قال: حيث تموت. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } قال: يأتيها رزقها حيث كانت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، قال: مستقرّها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت. ويؤيد هذا التفسير الذي ذكره ابن مسعود ما أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني."تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، أنه سئل عن قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } على أيّ شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. وقد وردت أحاديث كثيرة في صفة العرش، وفي كيفية خلق السموات والأرض ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } فقال: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "حديث : ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً"تفسير : ، ثم قال: "حديث : وأحسنكم عقلاً أورعكم عن محارم الله، وأعملكم بطاعة الله"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: إنكم أتمّ عقلاً. وأخرج أيضاً عن سفيان قال: أزهدكم في الدنيا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: لما نزلت {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } تفسير : [النحل: 1] فقال ناس من أهل الضلال: هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم، مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس، في قوله: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } قال: إلى أجل معدود. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } يعني أهل النفاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الر كِتَابٌ} يعني القرآن. {أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أحكمت آياته بالأمر والنهي ثم فصلت بالثواب والعقاب، قاله الحسن. الثاني: أحكمت آياته من الباطل ثم فصلت بالحلال والحرام والطاعة والمعصية، وهذا قول قتادة. الثالث: أحكمت آياته بأن جعلت آيات هذه السورة كلها محكمة ثم فصلت بأن فسرت، وهذا معنى قول مجاهد. الرابع: أحكمت آياته للمعتبرين، وفصلت آياته للمتقين. الخامس: أحكمت آياته في القلوب، وفصلت أحكامه على الأبدان. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} فيه وجهان: أحدهما: من عند حكيم في أفعاله، خبير بمصالح عباده. الثاني: حكيم بما أنزل، خبير بمن يتقبل. قوله عز وجل {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ} فيه وجهان: أحدهما: أن كتبت في الكتاب {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ} الثاني: أنه أمر رسوله أن يقول للناس {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ}. {إنَّنِي لَكُم مِّنُهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} قال ابن عباس: نذير من النار، وبشير بالجنة. قوله عز وجل: {وَأَنِ اسْتَغفْفِرُواْ رَبَّكمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ} فيه وجهان: أحدهما: استغفروه من سالف ذنوبكم ثم توبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض العلماء: الإٍستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. الثاني: أنه قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أولٌ في الطلب وآخر في السبب. ويحتمل ثالثاً: أن المعنى استغفروه من الصغائر وتوبوا إليه من الكبائر {يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً} يعني في الدنيا وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه طيب النفس وسعة الرزق. الثاني: أنه الرضا بالميسور، والصبر على المقدور. الثالث: أنه ترْك الخلق والإقبال على الحق، قاله سهل بن عبد الله ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الحلال الكافي. الثاني: أنه الذي لا كد فيه ولا طلب. الثالث: أنه المقترن بالصحة والعافية. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. الثاني: إلى يوم الموت، قاله الحسن. الثالث: إلى وقت لا يعلمه إلا الله تعالى، قاله ابن عباس. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} فيه وجهان: أحدهما: يهديه إلىالعمل الصالح، قاله ابن عباس. الثاني: يجازيه عليه في الآخرة، على قول قتادة. ويجوز أن يجازيه عليه في الدنيا، على قول مجاهد. {وَإن تَوَلَّوْا} يعني عما أُمرتم له. {فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} وفيه إضمار وتقدير: فقل لهم إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير يعني يوم القيامة وصفه بذلك لكبر الأمور التي هي فيه.
ابن عطية
تفسير : تقدم استيعاب القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتختص هذه بأن قيل إن الرحمن فرقت حروفه فيها وفي {أية : حم} تفسير : [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف:1، الدخان:1، الجاثية:1، الأحقاف:1] وفي {أية : ن والقلم } تفسير : [القلم:1]. و {كتاب} مرتفع على خبر الابتداء، فمن قال الحروف إشارة إلى حروف المعجم كانت الحروف المبتدأ، ومن تأول الحروف غير ذلك كان المبتدأ "هذا كتاب"؛ والمراد بالكتاب القرآن. و {أحكمت} معناه أتقنت وأجيدت شبه تحكم الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل ثم فصل بتقطيعه وتنويع أحكامه وأوامره على محمد صلى الله عليه وسلم في أزمنة مختلفة فـ {ثم} على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له، والكتاب بأجمعه محكم مفصل والإحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك. وحكى الطبري عن بعض المتأولين : أحكمت بالأمر والنهي وفصلت بالثواب والعقاب؛ وعن بعضهم: أحكمت من الباطل، وفصلت بالحلال والحرام ونحو هذا من التخصيص الذي هو صحيح المعنى ولكن لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: {فصلت } معناه فسرت، وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وابن كثير - فيما روي عنه -: " ثم فَصَلَت " بفتح الفاء والصاد واللام، ويحتمل ذلك معنيين: أحدهما: "فَصَلَت" أي نزلت إلى الناس كما تقول فصل فلان لسفره ونحو هذا المعنى. والثاني فَصَلَت بين المحق والمبطل من الناس. و {من لدن } معناها من حيث ابتدئت الغاية، كذا قال سيبويه وفيها لغات: يقال: لدُن ولدْن بسكون الدال: وقرىء بهما. {من لدن }، ويقال: " لَدُ": بفتح اللام وضم الدال دون نون، ويقال " لدا" بدال منونة مقصورة. ويقال "لَدٍ" بدال مكسورة منونة، حكى ذلك أبو عبيدة. و {حكيم } أي محكم،و {خبير} أي خبرة بالأمور أجمع، {أن لا تعبدوا } {أن } في موضعع نصب إما على إضمار فعل وإما على تقدير بـ " أن " وإسقاط الخافض، وقيل على البدل من موضع الآيات، وهذا معترض ضعيف لأنه موضع للآيات، وإن نظر موضع الجملة فهو رفع: ويحتمل أن تكون في موضع رفع على تقدير: تفصيله ألا تعبدوا وقيل: على البدل من لفظ الآيات. وقوله تعالى: {إنني لكم منه نذير وبشير } أي من عقابه وبثوابه: وإذا أطلقت هاتان اللفظتان فالنذارة في المكروه والبشارة في المحبوب وقدم النذير لأن التحذير من النار هو الأهم و {إن } معطوفة على التي قبلها. ومعنى الآية: استغفروا ربكم أي اطلبوا مغفرته لكم وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ثم توبوا من الكفر أي انسلخوا منه واندموا على سالفه. و {ثم } مرتبة لأن الكافر أول ما ينيب فإنه في طلب مغفرة ربه فإذا تاب وتجرد من الكفر تم إيمانه. وقرأ الجمهور " يمتّعكم " بشد التاء، وقرأ ابن محيصن " يمْتعكم " بسكون الميم وتخفيف التاء، وفي كتاب أبي حاتم: " إن هذه القراءات بالنون "، وفي هذا نظر. و {متاعاً } مصدر جار على غير الفعل المتقدم مثل قوله {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح: 17] وقيل نصب بتعدي {يمتعكم } لأنك تقول: متعت زيداً ثوباً. ووصف المتاع " بالحسن " إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفرحه بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده والكافر ليس في شيء من هذا، وأما من قال بأن " المتاع الحسن " هو فوائد الدنيا وزينتها فيضعف بين الكفرة يتشاركون في ذلك أعظم مشاركة و" الأجل المسمى ": هو أجل الموت معناه {إلى أجل مسمى } لكل واحد منكم، وهذا ظاهر الآية: و" اليوم الكبير " - على هذا - هو يوم القيامة. وتحتمل الآية أن يكون التوعد بتعجيل العذاب إن كفروا، والوعد بتمتيعهم إن آمنوا، فتشبه ما قاله نوح عليه السلام، و" اليوم الكبير " - على هذا - يوم بدر ونحوه والمجهلة في أي الأمرين يكون إنما هي بحسب البشر والأمر عند الله تعالى معلوم والأجل واحد. وقوله تعالى: {ويؤت كل ذي فضل فضله } أي كل ذي إحسان بقوله، أو بفعله، أو قوته، أو بماله، أو غير ذلك، مما يمكن أن يتقرب به و {فضله} يحتمل أن يعود الضمير فيه على الله عز وجل أي يؤتي الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين ـ وهذا المعنى ما وعد به تعالى وتضعيف الحسنة بعشر أمثالها ومن التضعيف غير المحصور لمن شاء، وهذا التأويل تأوله ابن مسعود وقال: ويل لمن غلبت آحاده عشراته. ويحتمل أن يكون قول ابن مسعود موافقاً للمعنى الأول. وقرأ جمهور "وإن تَولّوا " بفتح التاء واللام، فبعضهم قال الغيبة، أي فقل لهم: إني أخاف عليكم، وقال بعضهم معناه فإن تتولوا فحذفت التاء والآية كلها على مخاطبة الحاضر، وقرأ اليماني وعيسى بن عمر: " وإن تُولُوا "، بضم التاء واللام وإسكان الواو. وقوله تعالى: {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } . توعد بيوم القيامة: ويحتمل أن يريد به يوماً من الدنيا كبدر وغيره. وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم } توعد، وهو يؤيد أن " اليوم الكبير " يوم القيامة لأنه توعد به، ثم ذكر الطريق إليه من الرجوع إلى الله، والمعنى إلى عقاب الله وجزائه لكم رجوعكم وهو القادر الذي لا يضره شيء ولا يجير عليه مجير ولا تنفع من قضائه واقية. وقوله: {على كل شيء } عموم والشيء في اللغة الموجود وما يتحقق أنه يوجد كزلزلة الساعة وغيرها التي هي أشياء.
ابن عبد السلام
تفسير : {كِتَابٌ} القرآن، {أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ} بالأمر والنهي {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بالثواب والعقاب، أو أُحكمت من الباطل ثم فُصِّلت بالحلال والحرام والطاعة والمعصية، أو آيات هذه السورة كلها محكمة، {فُصِّلَتْ} فُسِّرت، أو أُحكمت آياته للمعتبرين وفُصِّلت للمتقين، أو أُحكمت آياته في القلوب وفُصِّلت أحكامه على الأبدان. {حَكِيمٍ} في أفعاله {خَبِيرٍ} بمصالح عباده، أو حكيم فيما أنزل خبير بمن يتقبل.
النسفي
تفسير : {الر كِتَابٌ } أي هذا كتاب فهو خبر مبتدأ محذوف {أُحكمت ءْايٰته} صفة له أي نظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم {ثُمَّ فُصّلَتْ } كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة، أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد أي بين ولخص. وليس معنى « ثم» التراخي في الوقت ولكن في الحال {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة أخرى لـ {كتاب} أو خبر بعد خبر أوصلة لـ {أحكمت} و{فصلت} أي من عنده أحكامها وتفصيلها {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } مفعول له أي لئلا تعبدوا أو «أن» مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل قال: لا تعبدوا إلا الله أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } أي من الله {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } أي أمركم بالتوحيد والاستغفار {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } أي استغفروه من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى أن يتوفاكم {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه شيئاً {وَإِن تَوَلَّوْاْ } وإن تتولوا {فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هو يوم القيامة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الر كتاب أحكمت آياته} قال ابن عباس: لم ينسخها كتاب كما نسخت هي الكتب والشرائع {ثم فصلت} يعني بينت وقال الحسن: أحكمت آياته بالأمر والنهي وفصلت بالثواب والعقاب وفي رواية عنه بالعكس، قال: أحكمت بالثواب والعقاب وفصلت بالأمر والنهي، وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته فيها وقيل: أحكمها الله فليس فيها تناقض ثم فصلها وبينها وقيل معناه نظمت آياته نظماً رصيناً محكماً بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل كالبناء المحكم الذي ليس فيه خلل ثم فصلت آياته سورة سورة وقيل إن آيات هذا الكتاب دالة على التوحيد وصحة النبوة والمعاد وأحوال القيامة وكل ذلك لا يدخله النسخ ثم فصلت بدلائل الأحكام والمواعظ والقصص والإخبار عن المغيبات، وقال مجاهد: فصلت بمعنى فسرت وثم في قوله ثم فصلت ليست هي للتراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل فإن قلت كيف عم الآيات هنا بالأحكام وخص بعضها في قوله منه آيات محكمات. قلت: إن الإحكام الذي عم به هنا غير الذي خص به هناك فمعنى الإحكام العام هنا أنه لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد كأحكام البناء فإن هذا الكتاب نسخ جميع الكتب المتقدمة عليه والمراد بالإحكام الخاص المذكور في قوله منه آيات محكمات أن بعض آياته منسوخة نسخها بآيات منه أيضاً لم ينسخها غيره وقيل أحكمت آياته أي معظم آياته محكمة وإن كان قد دخل النسخ على البعض فأجرى الكل على البعض لأن الحكم للغالب وإجراء الكل على البعض مستعمل في كلامهم تقول أكلت طعام زيد وإنما أكلت بعضه. وقوله تعالى: {من لدن حكيم} يعني أحكمت آيات الكتاب من عند حكيم في جميع أفعاله {خبير} يعني بأحوال عباده وما يصلحهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وإن تولوا} بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح {فإني أخاف} بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. {عني إنه} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو. الوقوف: {آلر} ق كوفي {خبير} ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله {إلا الله} ط {وبشير} ه لا للعطف {فضله} ج {كبير} ه {مرجعكم} ج لاحتمال الحال والاستئناف {قدير} ه {منه} ط {ثيابهم} لا بناء على أن عامل {حين} قوله: {يعلم} {يعلنون} ج {الصدور} ه {ومستودعها} ط {مبين} ه {عملاً} ط {مبين} ه {ما يحبسه} ط {يستهزؤون} ه {منه} ج لحذف جواب {لئن} أي لييأسن. وقيل: جوابها إنه والأول أوجه {كفور} ه {عني} ط {فخور} لا للاستثناء {الصالحات} ط {كبير} ه {ملك} ط {نذير} ه {وكيل} هـ ط "أم" استفهام تقريع {افتراه} ط {صادقين} ه {إلا هو} ج ط للاستفهام مع الفاء. {مسلمون} ه {يبخسون} ه {إلا النار} ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء. {يعملون} ه {رحمة} ط {يؤمنون به} ط {موعده} ج لاختلاف الجملتين مع الفاء {لا يؤمنون} ه {كذباً} ط {على ربهم} الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار. {الظالمين} ه لا {عوجاً} ط {من أولياء} م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء {العذاب} ط {يبصرون} ه {يفرون} ه {الأخسرون} ه {إلى ربهم} لا لأن ما بعده خبر "إن". {الجنة} ج {خالدون} ه {والسميع} ط {مثلاً} ط {تذكرون} ه. التفسير: {آلر} إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: {كتاب} خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب. والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن. ومعنى {أحكمت} نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً. أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح. أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير. {ثم فصلت} كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به. أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد. ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. و{أحكمت} صفة كتاب. و{من لدن} صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها. وفي قوله: {حكيم خبير} لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور. احتج الجبائي بقوله: {أحكمت ثم فصلت} على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: {من لدن} لأن القديم لا يصدر من القديم. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي. وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله} مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم لا تعبدوا. وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي صلى الله عليه وسلم يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل {أية : فضرب الرقاب} تفسير : [محمد: 4] والضمير في {منه} لله عز وجل حالاً من {نذير وبشير} أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك. ويجوز أن يكون {منه} صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه. ثم عطف على قوله: {أن لا تعبدوا} قوله: {وأن استغفروا} أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم. ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: {ثم توبوا إليه} فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة. وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: {توبوا} أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها. وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب. وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة. وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس. ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله {أية : فلنحيينه حياة طيبة}تفسير : [النحل: 97]. سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: {أية : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة}تفسير : {الزخرف: 33] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا سجن المؤمن" "حديث : البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء"تفسير : ؟ وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان. والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة. الثاني قوله: {ويؤت} أي في الآخرة {كل ذي فضل فضله} أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات. وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في {فضله} إلى الله تعالى. وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات. ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: {وإن تولوا} أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً {أية : ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً}تفسير : [الدهر: 27]. ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: {إلى الله مرجعكم} أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله. وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر. وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً. اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة. ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: {ألا إنهم يثنون} يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً. قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون {ليستخفوا منه} أي من الله. ثم كرر كلمة {ألا} تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو{حين يستغشون ثيابهم} أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب. قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا. وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار. وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن. ثم استأنف قوله: {يعلم ما يسرون وما يعلنون} تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه تعالى عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر. ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: {وما من دابة} الآية. والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة. وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه. وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام. واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر. ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً. ثم ختم الآية بقوله: {كل في كتاب مبين} أي كل واحد من الدواب. ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ. وقد ذكرنا فائدته في قوله: {أية : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}تفسير : [الأنعام: 59] يروى أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني. ثم أكد دلائل قدرته بقوله: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر. وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء. وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه تعالى. وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء. وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك. وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير. أما قوله: {ليبلوكم} فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه. والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض. وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً. قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون. وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم. قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين. ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: {ولئن قلت} الآية. والإشارة في قوله: {إن هذا إلا سحر} إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث. وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم. ومن قرأ {ساحر} فالإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: {ولئن أخرنا عنهم} الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود. وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين. فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس. وقال في الكشاف. أي جماعة من الأوقات. والعذاب عذاب الآخرة. وقيل: عذاب يوم بدر. عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين. ومعنى {ما يحبسه} أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: {أَلا يوم يأتيهم} وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم. واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع. ثم قال: {وحاق بهم} أي أحاط بهم {ما كانوا به يستهزؤون} أراد يستعجلون ولكنه وضع {يستهزؤون} موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء. وإنما قال: {وحاق} بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع. ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: {ولئن أذقنا الإنسان} الآية. واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: {إلا الذين آمنوا} ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات. وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد. وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد. وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير. أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين. والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها. واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك. قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء. والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فلعلك تارك} قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله سبحانه نبيه بقوله: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك. وقال الحسن: طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يترك قوله: {أية : إن الساعة آتية}تفسير : [طه: 15] وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان صلى الله عليه وسلم بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل. وإنما قال: {وضائق} ولم يقل وضيق {به صدرك} دلالة على أنه ضيق حادث لأنه صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدراً. ومعنى {أن يقولوا} مخافة أن يقولوا: {لولا أنزل} أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه. ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: {أم يقولون} الآية. وقد مر مثله في سورة يونس. عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا. واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد. فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه. تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} تفسير : [الإسراء: 88] الآية. وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: {فإن لم يستجيبوا} إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان {لكم} أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة. ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة. ثم ختم الآية بقوله: {فهل أنتم مسلمون} وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد صلى الله عليه وسلم وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة. وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في {لم يستجيبوا} لمن في {من استطعتم} والخطاب في {لكم} للمشركين، وكذا في قوله: {فاعلموا} وفي {أنتم} والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب. ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: {فهل أنتم} بعد لزوم الحجة {مسلمون} ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: {من كان يريد} الآية. عن أنس أنهم اليهود والنصارى. وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان صلى الله عليه وسلم يسهم لهم فيها. وقال الأصم: هم منكرو البعث. وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي. وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟ فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار. فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء. وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟ فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك. ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء. قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" تفسير : وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} الآيتان. ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: {أفمن كان} والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟ نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال. ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان {على بينة من ربه} كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله {أية : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}تفسير : [فاطر:35] {أية : أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً}تفسير : [الزمر: 9] واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟ الثاني ما المراد بالبينة؟ الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟ الرابع الشاهد من هو؟ وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة. بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: {أم يقولون افتراه}، {ومن قبله كتاب موسى} أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها {إماماً} أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه {ورحمة} ونعمة عظيمة على المنزل إليهم. والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق. ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة. وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب. وقيل: أفمن كان محمد صلى الله عليه وسلم، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي صلى الله عليه وسلم هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن. وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد صلى الله عليه وسلم أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: {أولئك يؤمنون به} أي بالقرآن. ثم أوعد غيرهم بقوله: {ومن يكفر به من الأحزاب} يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس {فالنار موعده فلا تك في مرية} في شك {منه} من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: {من كان يريد الحياة الدنيا} ومن إنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك قوله:{أفمن كان على بينة} أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، {ومن أظلم}. ثم قال: {أولئك يعرضون} لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف. أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد. ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب. والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب. قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة. وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس. وقيل: هم الأنبياء لقوله: {أية : ولنسألن المرسلين}تفسير : [الأعراف: 6] والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً}تفسير : [البقرة: 143] {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية. وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف". {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه سبحانه قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي. {وما كان لهم من دون الله من أولياء} تنصرهم وتمنعهم من عقابه. جمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه تعالى لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم {يضاعف لهم العذاب} من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال. {ما كانوا يستطيعون السمع} يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر. ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله تعالى حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: {ما كانوا يستطيعون} الآية. وفي الآخرة كما قال: {أية : يدعون إلى السجود فلا يستطيعون}تفسير : [القلم: 42]. وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره. والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء. ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟ وعلى هذا يكون قوله: {يضاعف لهم العذاب} اعتراضاً بوعيد. واعلم أنه سبحانه وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة. الأولى {ومن أظلم ممن افترى} الثانية {أولئك يعرضون} أي في موقف الذل والهوان. الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: {ويقول الأشهاد} الرابعة اللعنة عليهم. الخامسة الصد عن سبيل الله. السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: {ويبغونها عوجاً} السابعة كونهم كافرين بالآخرة. الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار {أولئك لم يكونوا}. التاسعة {وما كان لهم من دون الله من أولياء}. العاشرة مضاعفة العذاب لهم. الحادية عشرة والثانية عشرة {ما كانوا يستطيعون} الآية. الثالثة عشرة {أولئك الذين خسروا أنفسهم} وقد مر في "الأنعام". الرابعة عشرة {وضل عنهم ما كانوا يفترون} وقد سبق في "يونس". الخامسة عشرة {لا جرم} قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً. وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع {أنهم في الآخرة هم الأخسرون} وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين {وأخبتوا إلى ربهم} معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله. وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده. وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال. ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع. ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: {أفمن كان على بينة} وقيل: المذكرون في قوله: {إن الذين آمنوا} ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله {هل يستويان مثلاً} أي تشبيهاً. وفي قوله: {أفلا تذكرون} تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله تعالى وتوفيقه. التأويل: {آلر} إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول. يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: {أية : وعلمناه من لدنا}تفسير : [الكهف: 65] ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد {أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم} مما ضاع من عمركم في غير طلب الله {ثم توبوا} ارجعوا {إليه} بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار. {يمتعكم متاعاً حسناً} هو الترقي في المقامات العلية {إلى أجل مسمى} هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول {ويؤت كل ذي فضل فضله} أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات. والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله. {عذاب يوم كبير} هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير {ألا حين يستغشون} ثياب الجسمية على وجه الروح كان {يعلم ما يسرون} من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب {وما يعلنون} من ثني الصدور {إنه عليم بذات الصدور} أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية. {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه. فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها {ويعلم مستقرها} في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها {ومستودعها} الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل. {ليبلوكم} فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء. {ولئن قلت} للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية {ليقولن الذين كفروا} ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية {إن هذا إلا سحر مبين} أي كلام مموه لا أصل له. {ولئن أخرنا عنهم} عذاب البعد {إلى أمة} إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَـٰتُهُ } أي: أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه عليه السلام في أزمنةٍ مختلفةٍ؛ فـــ «ثُمَّ» على بابها، فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه بٱشتراك. قال * ص *: {ثُمَّ فُصِّلَتْ }: «ثُمَّ» لترتيب الأخبار؛ لا لترتيب الوقوع في الزمان، وَ{لَّدُنْ } بمعنى: «عند». انتهى. قال الداووديُّ: وعن الحسن: { أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ}: قَالَ: أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه: فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ. انتهى. وقدَّم الـــ {نَذِيرٌ}؛ لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمُّ. {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ }، أي: ٱطلبوا مغفرتَهُ؛ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام، {ثُمَّ تُوبُواْ } من الكُفْرِ {يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا }، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ؛ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ }، أي: كلَّ ذي إِحسان {فَضْلَهُ}، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من «فَضْلِهِ» على «ذي فضل» أي: ثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أي: يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ، {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ }، أي: فقُلْ: إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة.
ابن عادل
تفسير : "كِتَابٌ" يجوز أن يكون خبراً لـ: "ألف لام راء"، أخبر عن هذه الأحرف بأنَّها كتابٌ موصوفٌ بكَيْتَ وكَيْتَ. قال الزجاج: هذا غلطٌ؛ لأنَّ "الر" ليس هو الموصوف بهذه الصِّفة وحده قال ابنُ الخطيب: وهذا اعتراضٌ فاسدٌ؛ لأنَّه ليس من شرط كون الشَّيء مبتدأ أن يكون خبره محصوراً فيه، ويجُوزُ أن يكون خبر ابتداءٍ مضمرٍ تقديره: ذلك كتابٌ. قال ابن الخطيب: "وهذا عندي ضعيفٌ لوجهين": الأول: أنَّه على هذا التقدير يقعُ قوله: "الر" كلاماً باطلاً لا فائدة فيه. والثاني: أنك إذا قلت: هذا كتابٌ، فقولك: "هذا" يكون إشارة إلى الآيات المذكورات، وذلك هو قوله: "الر" فيصير حينئذ "الر" مخبراً عنه بأنه {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}. وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}تفسير : [البقرة:2] قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} في محلِّ رفع صفةً لـ "كِتابٌ"، والهمزةُ في "أُحْكِمَتْ" يجوز أن تكون للنَّقل من حَكُمَ بضمِّ الكافِ، أي: صار حكيماً بمعنى جعلت حكيمةٌ، كقوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [لقمان:2]. ويجوز أن يكونَ من قولهم: "أحْكمتُ الدَّابَّة" إذا وضعتَ عليها الحكمة لمنعها من الجماحِ؛ كقول جريرٍ: [الكامل] شعر : 2941- أبَنِي حَنيفَةَ أحْكمُوا سُفَهَاءكُمْ إنِّي أخافُ عليْكمُ أنْ أغْضَبَا تفسير : فالمعنى: أنَّها مُنِعَتْ من الفسادِ. ويجوز أن يكون لغيرِ النَّقل، من الإحكام وهو الإتقان كالبناءِ المحكمِ المرصفِ، والمعنى: أنَّها نُظِمَتْ نظماً رصيناً متقناً. ويجوز أن يكون قوله: "أحْكِمَتْ" أي: لم تُنسخْ بكتابٍ كما نُسِخت الكُتُبُ والشَّرائع بها. قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. قوله: "ثُمَّ فُصِّلَتْ" "ثُمَّ" على بابها من التَّراخي؛ لأنَّها أحكمت ثُمَّ فُصِّلت بحسب أسبابِ النُّزُولِ. وقرأ عكرمةُ والضحاكُ والجحدريُّ وزيدُ بنُ عليٍّ وابن كثير في رواية "فَصَلَتْ" بفتحتين خفيفة العين. قال أبو البقاء: والمعنى: فرقَتْ، كقوله: {أية : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ}تفسير : [البقرة:249]، أي: فارق وفسَّرها غيرهُ، بمعنى فصلتْ بين المُحِقِّ والمُبطلِ، وهو أحسنُ. وجعل الزمخشريُّ "ثم" للتَّرتيب في الإخبار لا لترتيب الوقوع في الزَّمانِ، فقال: فإن قلت: ما معنى "ثُمَّ"؟ قلت: ليس معناها التَّراخِي في الوقت، ولكن في الحالِ، كما تقولُ: هي محكمةٌ أحسن الإحكام، مفصَّلةٌ أحسن التَّفصيل، وفلانٌ كريمُ الأصل، ثُمَّ كريمُ الفعل. وقرىء أيضاً: "أحْكمتُ آياتِهِ ثُمَّ فصَّلتُ" بإسناد الفعلين إلى "تاءِ" المتكلم، ونصب "آياته" مفعولاً بها، أي: أحكمتُ أنا آياته، ثم فصَّلتها، حكى هذه القراءة الزمخشري. فصل قال الحسن: أحكمت بالأمْر والنَّهي، ثم فصِّلت بالوَعْد والوعيد وقال قتادةٌ: أحْكمَها اللهُ فليس فيها اختلاف ولا تناقض. وقال مجاهدٌ: "فُصِّلتْ" أي: فسرت وقيل: "فُصِّلَتْ" أي: أنزلت شيئاً فشيئاً كقوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ}تفسير : [الأعراف:133]، وقيل: جعلت فصولاً: حلالاً، وحراماً، وأمثالاً، وترغيباً وترهيباً ومواعظ وأمراً ونَهْياً. فصل احتجَّ الجُبائي بهذه الآية على أنَّ القرآن محدثٌ مخلوق من ثلاثة أوجهٍ: الأول: قال: المحكم هو الذي أتقنه فاعله، ولولا أنَّ الله - تعالى - خلق هذا القرآن، لَمْ يصحَّ ذلك؛ لأنَّ الإحكام لا يكون إلاَّ في الأفعالِ، ولا يجوز أن يقال: كان موجُوداً غير محكم، ثم جعله الله مُحْكَماً؛ لأنَّ هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكماً بأن يكون محدثاً، ولم يقل أحدٌ بأنَّ القرآن بعضه قديمٌ وبعضه محدثٌ. الثاني: أنَّ قوله: "فُصِّلَتْ" يدلُّ على أنَّه حصل فيه انفصالٌ وافتراق، ويدلُّ على أنَّ ذلك الانفصال والافتراق إنَّما حصل بجعل جاعل. الثالث: قوله تعالى: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، والمرادُ من عنده، والقديمُ لا يقال: إنَّهُ حصل من عند قديم آخر؛ لأنَّهما إن كانا قديمين، لم يكن القول بأنَّ أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس. وأجيب بأنَّ النُّعوت عائدةٌ إلى هذه الحُرُوفِ والأصواتِ، ونحن معترفون بأنَّها مخلوقةٌ؛ وإنَّما الذي يُدَّعى قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات. قوله: "مِن لَّدُنْ" أي: من عند، يجُوزُ أن تكون صفة ثانية لـ "كِتَابٌ" وأن تكون خبراً ثانياً عند من يرى جواز ذلك، ويجوز أن تكون معمولة لأحد الفعلين المتقدِّمين يعني: "أحْكِمَتْ" أو "فُصِّلَتْ" ويكون ذلك من باب التنازع، ويكون من إعمال الثاني، إذْ لوْ أعمل الأول لأضمر في الثاني، وإليه نحا الزَّمخشري فقال: وأن يكون صلة "أحكمت" "فُصِّلتْ"، أي: من عندهُ أحكامُها وتفصيلُها، والمعنى: أحكمها حَكِيمٌ وفصَّلها، أي: شرَحَهَا وبيَّنَها خبيرٌ بكيفياتِ الأمورِ. قال أبُو حيان: لا يريدُ أنَّ "مِنْ لدُن" متعلقٌ بالفعلين معاً من حيث صناعةُ الإعراب، بل يريدُ أن ذلك من باب الإعمال، فهي متعلقةٌ بهما من حيثُ المعنى، وهو معنى قولِ أبي البقاء أيضاً: ويجُوزُ أن يكون مفعولاً، والعاملُ فيه فُصِّلَتْ. قوله: "أن لا تَعْبدُوا" فيه أوجهٌ: أحدها: أن تكون أنْ المخففة من الثَّقيلة، و "لا تَعْبُدُوا" جملة نهي في محلِّ رفعٍ خبراً لـ "أنْ" المخففة، واسمها على ما تقرَّر ضمير الأمر والشَّأن محذوفٌ. والثاني: أنَّها المصدرية النَّاصبة، ووصلت هنا بالنَّهي، ويجوز أن تكون "لا" نافية، والفعل بعدها منصوبٌ بـ "أنْ" نفسها، وعلى هذه التقادير فـ "أنْ": إما في محلِّ جرٍّ أو نصبٍ أو رفع، فالجرُّ والنصبُ على أنَّ الأصل: لأنْ لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا، فلما حذف الخافضُ جرى الخلافُ المشهور، والعاملُ: إمَّا "فُصِّلتْ" وهو المشهورُ، وإمَّا "أحْكِمَتْ" عند الكوفيين. فتكون المسألة من باب الإعمال؛ لأنَّ المعنى: أحْكِمَتْ لئلاَّ تعبدُوا أو بأن لا تعبدُوا. فـ "أنْ لا تعبدُوا" هو المفعول الثاني لـ "ضمَّن" والأولُ قام مقام الفاعل. والرفع فمن أوجه: أحدها: أنَّها مبتدأٌ، وخبرها محذوفٌ، فقيل: تقديره: من النَّظر أن لا تعبدوا إلاَّ الله. وقيل: تقديره: في الكتاب ألاَّ تعبدوا إلاَّ الله. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، فقيل: تقديره: تفصيلُه ألاَّ تعبدوا إلا الله. وقيل: تقديره: هي أن لا تعبدوا إلاَّ الله. والثالث: أنه مرفوعٌ على البدل من "آياته". قال أبو حيَّان: وأمَّا من أعربه أنَّهُ بدلٌ من لفظ "آيات" أو من موضعها، يعني: أنَّها في الأصْلِ مفعولٌ بها فموضعها نصبٌ، وهي مسألة خلافٍ، هل يجُوزُ أن يُراعَى أصلُ المفعولِ القائم مقام الفاعلِ، فيتبع لفظهُ تارة وموضعهُ أخرى، فيقال: ضُرِبَتْ هندٌ العاقلة بنصب العاقلة باعتبار المحلِّ، ورفعها باعتبار اللفظ، أمْ لا؟. مذهبان، المشهور مراعاة اللفظ فقط. الوجه الثالث: أن تكون مفسرة؛ لأنَّ في تفصيل الآيات معنى القول؛ فكأنَّه قيل: لا تعبدوا إلاَّ الله إذْ أمركم، وهذا أظهرُ الأقوالِ، لأنَّهُ لا يُحْوِجُ إلى إضمار. قوله: "مِنْهُ" في هذا الضمير وجهان: أظهرهما: أنَّهُ يعودُ على الله تعالى، أي: إنَّ لكم من جهة الله نذيرٌ وبشير، نذير للعاصين، وبشير للمطيعين. قال أبو حيان: فيكون في موضع الصِّفةِ، فيتعلقُ بمحذوفٍ، أي: كائن من جهته، وهذا على ظاهره ليس بجيِّد؛ لأنَّ الصفة لا تتقدَّمُ على الموصوفِ، فكيف تجعل صفةً لـ "نذير"؟ وكأنَّه يريد أنه صفةٌ في الأصل لو تأخَّر، ولكن لمَّا تقدَّم صار حالاً، وكذا صرَّح به أبو البقاءِ، فكان صوابه أن يقول: فيكون في موضع الحالِ، والتقدير: كائناً من جهته. الثاني: أنَّهُ يعودُ على الكتابِ، أي: نذيرٌ لكم من مخالفته، وبشيرٌ منه لمن آمن وعمل صالحاً وفي متعلق هذا الجارِّ أيضاً وجهان: أحدهما: أنَّه حالٌ من نذير، فيتعلَّق بمحذوفٍ كما تقدَّم. والثاني: أنه متعلقٌ بنفس نذير، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم. وقدَّم الإنذار؛ لأنَّ التَّخويف أهمُّ إذ يحصل به الانزجارُ. قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ} فيها وجهان: أحدهما: أنَّها عطفٌ على "أن" الأولى، سواء كانت "لا" بعدها نَفْياً أو نَهْياً، فتعودُ الأوجهُ المنقولةُ فيها إلى "أنْ" هذه. والثاني: أن تكون منصوبةً على الإغراءِ. قال الزمخشريُّ في هذا الوجه: ويجوزُ أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّا قبله على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - إغراء منه على اختصاص الله - تعالى - بالعبادة، ويدل عليه قوله: {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} كأنه قال: ترك عبادةِ غير الله إنَّنِي لكم منهُ نذيرٌ كقوله تعالى: {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}تفسير : [محمد:4]. قوله: {ثُمَّ تُوبُوۤاْ} عطفٌ على ما قبله من الأمْرِ بالاستغفار، و "ثُمَّ" على بابها من التَّراخي؛ لأنَّه يستغفرُ أولاً ثم يتوبُ ويتجرَّدُ من ذلك الذَّنب المُستغْفَرِ منهُ. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى "ثُمَّ" في قوله {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ}؟ قلت: معناه: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطَّاعة، أو استغفروا - والاستغفارُ توبةٌ - ثُمَّ أخْلِصُوا التَّوبة واستقيموا عليها، كقوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [الأحقاف:13]. قال شهابُ الدِّين: قوله: "أو استغفروا" إلى آخره يعني أنَّ بعضهم جعل الاستغفار والتوبة بمعنى واحد، فلذلك احتاج إلى تأويل "تُوبُوا" بـ "أخْلِصُوا التَّوبة". قال الفراء: "ثُمَّ" ههنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأنَّ الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار. وقيل: وأن استغفروا ربَّكُم في الماضي، ثُمَّ تُوبُوا إليه في المستأنف. وقيل: إنَّما قدَّم الاستغفار أوَّلاً لأنَّ المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروهُ من الصَّغائر، ثُمَّ تُوبُوا إليه من الكبائر. قوله: "يُمَتِّعكُم" جوابُ الأمرِ. وقد تقدَّم الخلافُ في الجازمِ: هل هو نفسُ الجملةِ الطَّلبية أو حرفُ شرطٍ مقدر [البقرة:40]. وقرأ الحسنُ وابنُ هرمز وزيد بنُ عليٍّ وابن محيصن "يُمْتِعُكُم" بالتخفيف من أمتع. وقد تقدَّم أنَّ نافعاً وابن عامرٍ قرآ {فأُمْتِعُهُ قَلِيلاً} بالتخفيف كهذه القراءة [البقرة:126]. قوله "متَاعاً" في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوبٌ على المصدر بحذفِ الزَّوائدِ، إذ التقديرُ: تَمْتِيعاً، فهو كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17]. والثاني: أن ينصب على المفعول به، والمراد بالمتاع اسم ما يُتمتَّعُ به، فهو كقولك: "متعت زيداً أثواباً". قال المفسِّرون: يعيشكم عيشاً في خفضٍ ودعةٍ وأمنٍ وسعةٍ "إلى أجلٍ مُسَمًّى" إلى حين الموتِ. فإن قيل: أليس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدُّنيا سِجْنُ المُؤمنِ وجنَّةُ الكافر "؟. تفسير : وقال أيضاً: "حديث : خُصَّ البَلاءُ بالأنبياءِ ثُمَّ الأوْلياءِ فالأمْثَلِ فالأمْثَلِ ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}تفسير : [الزخرف:33] فدلَّت هذه النُّصوصُ على أنَّ نصيب المؤمن المطيع عدمُ الرَّاحة في الدُّنيا، فكيف الجمع بينهما؟. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّ المعنى لا يُعذِّبهم بعذاب الاستئصال كما استأصَلَ أهلَ القوَّة من الكُفَّار. الثاني: أنَّهُ تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان، وإليه الإشارةُ بقوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ}تفسير : [طه:132]. الثالث: أنَّ المشتغل بالعبادة مشتغلٌ بحب شيءٍ يمتنع تغيره وزواله وفناؤه، وكلما كان تمكنه في هذا الطريق أتم كان انقطاعه عن الخلقِ أتمُّ وأكملُ، وكلما كان الكمالُ في هذا البابِ أكثر كان الابتهاج والسرور أكمل؛ لأنَّهُ أَمِنَ من تغير مطلوبه، وأَمِنَ من زوال محبوبه. وأمَّا من اشتغل بحبِّ غير الله، كان أبداً في ألمِ الخوفِ من فوات المحبوب وزواله؛ فكان عيشهُ منغَّصاً وقلبه مضطرباً، ولذلك قال تعالى في حق المشتغلين بخدمته {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}تفسير : [النحل:97]. فإن قيل: هل يدل قوله {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} على أنَّ للعبدِ أجليْنِ، وأنَّهُ يقع في ذلك التقديم والتَّأخير؟. فالجواب: لا، ومعنى الآية أنَّهُ تعالى حكم بأنَّ هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر، لكنَّهُ تعالى عالم بأنَّهُ يشتغل بالعبادة، فلا جرم أنَّه كان عالماً بأنَّ أجله ليس إلاَّ في ذلك الوقتِ المعيَّنِ؛ فثبت أنَّ لكلَّ إنسانٍ أجلاً واحداً. وسمى منافع الدُّنيا متاعاً، تنبيهاً على حقارتهَا وقلَّتهَا، وأنَّها مُنقضيةٌ بقوله تعالى {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} "كُلَّ" مفعول أوَّل، و "فَضلهُ" مفعولٌ ثانٍ. وقد تقدَّم للسُّهيلي خلافٌ في ذلك. والضَّمير في "فَضْلَهُ" يجوز أن يعود على الله تعالى، أي: يُؤتِي كُلَّ صاحبِ فضلٍ فضله، أي: ثوابهُ، وأن يعود على لفظِ "كُلّ"، أي: يعطي كُلَّ صاحب فضلٍ جزاء فضله، لا يبخَسُ منه شيئاً، أي: جزاء عمله. قال المفسِّرون: ويعطي كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. وقال أبو العالية: من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الجنَّة؛ لأنَّ الدَّرجاتِ تكون بالأعمال. وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "مَنْ زادَتْ حسناتهُ على سيِّئاتهِ دخل الجنَّة، ومن زادت سيئاته على حسناته، دخل النَّار، ومن استوت حسناته وسيئاته، كان من أهْلِ الأعرافِ، ثم يدخلون الجنة". ثم قال: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} وهو يومُ القيامةِ. وقرأ الجمهور "تَولَّوْا" بفتح التَّاءِ والواو واللاَّم المشدَّدة، وفيها احتمالان: أحدهما: أنَّ الفعل مضارعُ توَلَّى وحذف منه إحدى التاءين تخفيفاً نحو: "تَنَزَّلُ". وقد تقدَّم أيتهما المحذوفةُ، وهذا هو الظَّاهر. ولذلك جاء الخطابُ في قوله: "عليْكُم". والثاني: أنَّه فعلُ ماضٍ مسند لضمير الغائبين، وجاء الخطابُ على إضمار القولِ، أي: فقل لهم: إنِّي أخاف عليكم، ولولا ذلك لكان التركيب: فإنِّي أخاف عليهم. وقرأ اليماني وعيسى بن عمر: "تُوَلُّوا" بضمِّ التَّاءِ، وفتح الواوِ وضم اللام، وهو مضارعُ "ولَّى"؛ كقولك: زكَّى يزكِّي. ونقل صاحب اللَّوامح عن اليماني وعيسى بن عمر: "وإن تُوُلُّوا" بثلاث ضمَّات مبنياً للمفعول، ولمْ يُبين ما هو ولا تصريفه؟ وهو فعلٌ ماضٍ، ولمَّا بُنِيَ للمفعولِ ضُمَّ أولهُ على الفاعل، وضُمَّ ثانيه أيضاً؛ لأنَّه مفتتحٌ بتاءِ مطاوعةِ، وكلُّ ما افتتح بتاءِ مطاوعةٍ ضُمَّ أوله وثانيه، وضُمَّت اللام أيضاً، وإن كان أصلها الكسر لأجْلِ واو الضمير، والأصلُ "تُوُلِّيُوا" نحو: تُدحْرجُوا، فاستثقلت الضَّمةُ على الياءِ، فحذفت فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياءُ، لأنَّهما أولهما؛ فبقي ما قبل واو الضَّمير مكسوراً فضُمَّ ليُجانِسَ الضمير؛ فصار وزنهُ "تُفُعُّوا" بحذف لامه، والواو قائمةٌ مقام الفاعل. وقرأ الأعرجُ "تُولُوا" بضمِّ التاء وسكون الواو وضم اللام مضارع "أوْلَى"، وهذه القراءةُ لا يظهرُ لها معنًى طائلٌ هنا، والمفعول محذوفٌ يقدَّرُ لائقاً بالمعنى. و "كَبِيرٍ" صفةٌ لـ "يَوْمٍ" مبالغة لما يقع فيه من الأهوالِ. وقيل: بل "كَبيرٍ" صفةٌ لـ "عذابَ" فهو منصوبٌ، وإنَّما خفض على الجوارِ؛ كقوله: "هذا جُحر ضبٍّ خربٍ" بجرِّ خَربٍ وهو صفةٌ لـ "جُحْرٌ"؛ وقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2942- كأنَّ ثَبِيراً في عَرانينِ وبلهِ كَبيرُ أنَاسٍ في بِجاد مُزَمَّلِ تفسير : بجر "مُزَمَّل" وهو صفةٌ لـ "كبير". وقد تقدَّم البحثُ في ذلك في سورة المائدة. ثم قال: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وهذا فيه تهديدٌ وبشارة، فالتَّهديد قوله {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} يدلُّ على أنَّ مرجعنا إليه، وهو قادرٌ على جميع المقدورات لا دافع لقضائه، ولا مانع لمشيئته، والرُّجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذُّنوب العظيمة مشكل، وأمَّا البشارةُ، فإنَّ ذلك يدلُّ على قدرة عالية وجلالة عظيمة لهذا الحاكم، وعلى ضعف تام، وعجز عظيم لهذا العبد، والملك القادر القاهر الغالب إذا رأى أحداً أشرف على الهلاك؛ فإنهُ يخلصهُ من تلك الهلكة، ومنه المثل المشهور "إذَا ملكْتَ فأسْجِعْ".
البقاعي
تفسير : لما ختمت السورة التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتماداً على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال. ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في البقرة: {كتاب} أي عظيم جامع لكل خير، ثم وصفه بقوله: {أحكمت} بناه للمفعول بياناً لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن إتقاناً لا مزيد عليه {آياته} أي أتقنت إتقاناً لا نقص معه فلا ينقصها الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل، والمراد بـ {محكمات} في آل عمران عدم التشابه. ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة، أتي بأداة التراخي فقال: {ثم} أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جداً بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه {فصلت} أي جعلت لها - مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية، وموارد عذبة صافية، ومقامات من كل علة شافية، كما تفصل القلائد بالفرائد، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة، بل هي مدمجة إدماجاً لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب، وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله: {من لدن} أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله {حكيم خبير} منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها، أرسلناك به قائلاً: {ألا تعبدوا} أي بوجه من الوجوه {إلا الله} أي الإله الأعظم. ولما كان هذا معظم ما أرسل به صلى الله عليه وسلم ومداره، استأنف الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكداً له لأجل إنكارهم فقال: {إنني} ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم لأجل رحمة العالمين، قدم ضميرهم فقال: {لكم منه} أي خاصة، ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى الله عليه مسلم بقوله: مفدماً ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر: {نذير وبشير} كامل في كل من الوصفين غاية الكمال، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها {أية : أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس}تفسير : [يونس: 2] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه أن} تفسير : [هود: 25] عطفناه عليه، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويرجح أن "لا" ناهية جازمة لـ {تعبدوا} عطف {أن استغفروا} عليه، فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف إدباره، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج سائر المرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين. ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفاً على {ألا تعبدوا} مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره: {وأن استغفروا ربكم} أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال: {ثم توبوا إليه} أي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعاً لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل رتبته غير خفي {يمتعكم} أي يمد في تلذيذكم بالعيش مداً، من متع النهار: ارتفع، والضحى: بلغ غايته، وأمتعه الله بكذا: أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه؛ ولما، كان التمتيع - وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر - لا يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر {متاعاً} وأنه وضع موضع "تمتيعاً"، هذا المصدر ووصفه بقوله: {حسناً} ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار، ولقد كان ما أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك {إلى} أي ممتداً إلى {أجل مسمى} أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها {ويؤت كل ذي فضل} أي عمل فاضل {فضله} أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء، وهو مع ذلك على حسب التفضيل: الحسنة بعشرة أمثالها؛ قال ابن مسعود: وهلك من غلبت آحاده عشراته. ولما انقضى التبشير مجزوماً به، أتبعه التحذير مخوفاً منه لطفاً بالعباد واستعطافاً لهم فقال: {وإن تولوا} اي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما اشار إليه حذف التاء {فإني أخاف عليكم} أي والعاقل من أبعد عن المخاوف {عذاب يوم كبير*} أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم، وخص اسم الرب تذكيراً بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية؛ ولما كان الاستغفار - وهو طلب الغفران - مطلوباً في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة، عطف عليه بـ {ثم} إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام، لأنه منع الفعل من الفساد؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تفسير : [المائدة: 66] وأن الإعراض سبب الضيق، كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه تفسير : {ويؤت كل ذي فضل فضله} إشارة إلى ثواب الآخرة، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها. ولما كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت - من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم - ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب تكرر ذلك فيها - والله أعلم - أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاط أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم اتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحذروا وأنذروا، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورتي الأنفال وبراءة، ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله: {أية : إن ربكم الله}تفسير : [يونس: 3] الآيات. ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى: {أية : أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله}تفسير : [يونس: 38] ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين، فمن التنبيه {أية : إن ربكم الله} تفسير : [يونس: 3]، {أية : هو الذي جعل الشمس}تفسير : [سورة يونس، آية: 5]، {أية : إن في اختلاف الليل والنهار} تفسير : [سورة يونس، آية: 6]، {أية : قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده}تفسير : [يونس: 34]، {أية : قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} تفسير : [سورة يونس، آية: 35]، {أية : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} تفسير : [سورة يونس، آية: 101] - إلى غير هذا، وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى قوله: {أية : يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم}تفسير : [سورة يونس، آية: 108] فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموع بقوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما {الحكيم الخبير} ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله: {أية : يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم}تفسير : [سورة يونس، آية: 108] وقد كان تقدم قوله تعالى: {أية : قد جاءتكم موعظة من ربكم}تفسير : [يونس: 57] فأتبع قوله: {قد جاءكم الحق من ربكم} بقوله في صدر سورة هود {أية : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت}تفسير : [هود: 41] فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى: {أية : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} تفسير : [يونس: 39] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن {أية : الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون} تفسير : [يونس: 96] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة {أية : وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} تفسير : [هود: 120]، و {أية : وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} تفسير : [هود: 120] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة - والله أعلم - بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم وملتزمات متبعيه أخذاً وتركاً، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم، واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرُّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في إخبار الله تعالى {أية : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} تفسير : [إبراهيم: 22] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاماً وتركاً ما أوضح طريقهم، وعين حزبهم وفريقهم {أية : أولئك الذين هدى الله} تفسير : [الأنعام: 90] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلاً، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام وحال الملائكة في التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعاً فيه ورحمة وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعملوا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} تفسير : [الأحزاب: 4] فما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها. أعقب ذلك بقوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] ثم أتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي كتب، وهي فصل الإلهية، وفصل الرسالة، وفصل التاكليف، أما الأول فأشار إليه قوله: {ألا تعبدوا إلا الله} [هود: 2] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه: {إنني لكم منه نذير وبشير} [هود: 2] وأما فصل التالكيف فأشار إليه قوله سبحانه {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3]. وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة، فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد واتضح الحق وبان قال سبحانه وتعالى: {أية : وجاءك في هذه الحق} تفسير : [هود: 120] إشارة إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء السورة الكريمة لما تقدمها، ومما يشهد لهذا - والله أعلم - قوله تعالى: {أية : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} تفسير : [هود: 17] وقوله تعالى: {أية : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} تفسير : [هود: 112] فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك {أية : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}تفسير : [هود: 113] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق، وكيف ينكب من جزم سلوكه من الخلق! ونظيره قوله سبحانه {أية : وجاءك في هذه الحق} تفسير : [هود: 120] عقب ما ذكر سبحانه {أية : لمن الملك اليوم}تفسير : [غافر: 16] وقوله: {أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله}تفسير : [الانفطار: 19] فتأمل ذلك والله المستعان - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ {الر كتاب أحكمت آياته} قال: هي كلها مكية محكمة يعني سورة هود {ثم فصلت} قال: ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم فحكم فيها بينه وبين من خالفه، وقرأ مثل الفريقين الآية كلها، ثم ذكر قوم نوح، ثم قوم هود فكان هذا تفصيل ذلك وكان أوله محكماً. قال: وكان أبي رضي الله عنه يقول ذلك: يعني زيد بن أسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ثم فصلت} قال: فسرت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} قال: أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله {من لدن حكيم} يعني من عند حكيم. وفي قوله {يمتعكم متاعاً حسناً} قال: فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله وذلك قضاؤه الذي قضى، وفي قوله {إلى أجل مسمى} يعني الموت، وفي قوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} أي في الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيديه أو رجليه أو كلامه، أو ما تطوّل به من أمره كله. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: يؤت كل ذي فضل في الإِسلام فضل الدرجات في الآخرة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذت من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره.
ابو السعود
تفسير : (سورة هود عليه السلام) (مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {الر} محلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وقيل: على أنه مبتدأٌ والأولُ هو الأظهرُ كما أشير إليه في سورة يونُسَ، أو النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحو اذكُر أو اقرأ على تقدير كونِه اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثرِ، أو لا محلَّ له من الإعراب مسرودٌ على نمط التعديدِ حسبما فُصِّل في أخوَاته، وقوله تعالى: {كِتَابٌ} خبرٌ له على الوجه الثاني، ولمبتدأ محذوفٍ على الوجوه الباقيةِ {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} نُظمت نظماً مُتْقناً لا يعتريه خللٌ بوجه من الوجوه أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائِقها أو مُنعت من النسخ بمعنى التغيـيرِ مطلقاً أو أُيّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على كونها من عند الله عز وجل أو على ثبوتِ مدلولاتِها فالمرادُ بالآيات جميعُها أو على حقية ما تشتمل عليه من الأحكام الشرعيةِ فالمرادُ بها بعضُها المشتملُ عليها كما إذا فُسِّر الأحكامُ بالمنع من النسخ بمعنى تبديلِ الحُكمِ الشرعيِّ خاصةً، وأما تفسيرُه بالمنع من الفساد أخذاً من قولهم: أحكمتَ الدابة إذا وضعتَ عليها الحَكَمة لتمنعَها من الجِماح ففيه إيهامُ ما لا يكاد يليقُ بشأن الآياتِ الكريمةِ من التداعي إلى الفساد لولا المانع، وفي إسناد الإحكامِ على الوجوه المذكورةِ إلى آيات الكتابِ دون نفسِه لا سيما على الوجوه الشاملةِ لكل آية منه من حسن الموقعِ والدِلالة على كونه في أقصى غاية منه ما لا يخفى {ثُمَّ فُصّلَتْ} أي جُعلت فصولاً من الأحكام والدلائل والمواعظِ والقِصصِ أو فُصّل فيها مَهمّاتُ العبادِ في المعاش والمعادِ على الإسناد المجازيِّ والتفسيرُ بجعلها آيةً آيةً لا يساعده، لأن ذلك من الأوصاف الأوليةِ فلا يناسب عطفُه على أحكامها بكلمة التراخي، وأما المعنيان الأوّلانِ فهما وإن كانا مع الأحكام زماناً حيث لم تزَل الآياتُ مُحكمةً مفصّلة لا أنها أُحكِمَتْ أو فُصِّلَت بعد أن لم تكن كذلك، إذ الفعلانِ من قَبـيل قولِهم: سبحان من صغّر البَعوضَ وكبّر الفيلَ، إلا أنهما حيث كانا من صفات الآياتِ باعتبار نسبةِ بعضِها إلى بعض على وجه يستتبِعُ أحكاماً مخصوصةً وآثاراً معتدًّا بها، وبملاحظة مصالحِ العبادِ ناسبَ أن يشار إلى تراخي رتبتِهما عن رتبة الإحكام، وإن حُمل جعلُها آية آيةً على معنى تفريقِ بعضِها عن بعض يكونُ من هذا القبـيل إلا أنه ليس في مثابته في استتباع ما يستتبعه من الأحكام والآثارِ، أو فُرّقت في التنزيل منجّمة بحسب المصالحِ فإن أريد تنزيلُها المنجَّمُ بالفعل فالتراخي زمانيٌّ وإن أريد جعلُها في نفسها بحيث يكون نزولُها منجّماً حسبما تقتضيهِ الحِكمةُ والمصلحةُ فهو رُتبـيٌّ لأن ذلك وصفٌ لازمٌ لها حقيقٌ بأن يُرتَّبَ على وصف إحكامِها وقرىء أحكمتُ آياتِه ثم فصّلتُ على صيغة التكلم وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت أي فرّقت بـين الحق والباطل. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} صفةٌ للكتاب وُصف بها بعد ما وصُف بإحكام آياتِه وتفصيلِها الدالّين على رتبتِه من حيث الذاتُ إبانةً لجلالة شأنِه من حيث الإضافةُ، أو خبرٌ للمبتدأ المذكور أو المحذوفِ، أو صلةٌ للفعلين وفي بنائها للمفعول ثم إيرادِ الفاعلِ بعنوان الحِكمة البالغةِ والإحاطةِ بجلائلها ودقائِقها منكراً بالتنكير التفخيميّ وربطِهما به لا على النهج المعهودِ في إسناد الأفاعيلِ إلى فواعلها مع رعاية حسنِ الطباقِ من الجزالة والدلالة على فخامتهما وكونِهما على أكمل ما يكون ما لا يُكتنه كُنهُه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[1] أي بيّن فيها الوعد على الطاعة، والوعيد بالعقاب على المعصية والإصرار عليها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [الآية: 1]. حكيم فيما أنزل. خبير بمن أقبل على أمره أو أعرض عنه. قال بعضهم: أحكمت آياته فى قلوب العارفين، وفصلت أحكامه على أبدان العالمين. قال فارس: أحكمت آياته للورعين، وفصلت أحكامه للمتقين. وقيل: أحكمت آياته بالكرامات وفصلت بالبينات. وقيل: أحكمت آياته بالفضل، وفصلت آياته بالعدل. وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهى، وفصلت بالوعد والوعيد. حكيم فيما أنزل. خبير بمن يقوم بأمره، أو يعرض عنه.
القشيري
تفسير : الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية. واللام إشارة إلى لُطْفِه بأهل التوحيد. والراء إشارة إلى رحمته بكافة البَرِيَّةِ. وهي في معنى القَسَم: أي أقسم بانفرادي بالربوبية ولطفي بمن عَرَفَني بالأحدية، ورحمتي على كافة البرية - إنَّ هذا الكتابَ أُحْكِمَتْ آياتُه. ومعنى {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي حُفِظَتْ عن التبديل والتغيير، ثم فُصِّلتْ ببيان نعوتِ الحقِّ فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبَّد به الخْلقُ من أحكام العبودية، ثم ما لاح لقلوب الموحِّدين والمحبين من لطائف القربة، في عاجِلهم البُشْرى بما وَعَدَهم به من عزيز لقائه في آجِلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عَمَّنْ سواهَم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {الۤر} الالف اشارة جميع التاويلات التى جرت فى سوابق الازل للالوهية واللام اشارة جميع لوازمات العبودية التى وجبت احكامها فى الازل على اهل العبودية والراء اشارة الى راحات مشاهدة الذات والصفات للارواح واشباح قوله تعالى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} مخبرات الكتاب من عيون الصفات واللذات نزهت عن تغائر الحدثان لان اصلها صفة القدم وليس فى القدم تبديل وتغيير {ثُمَّ فُصِّلَتْ} اى بينت للارواح العارفة والقلوب الشائقة مصارفها وحقائقها وتلك الايات معرفة الصفات واللذات كاهل المشاهدات والمكاشفات تعرف لهم احكام الربوبية والعبودية لتشهدوا بانوارها شهود انوار الحق ويعلموا ما يجرى من احكام الغيب القدرى على الخلق قوله تعالى {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} هو من كلام ازلى حكيم اذ حكم باصطفائية عرفانه بمعرفته خبير باستعدادهم وقبولهم بوصف محبة عبوديته قال بعضهم احكمت اياته فى قلوب العارفين وفصلت احكامه على ابدان العاملين قيل احكمت اياته بالكرامات وفصلت بالبينات قال الاستاد فى قوله احكمت حفظه عن التغيير التبديل ثم فصلت تبيان نعوت الحق فيما يتصف به من خلال الصمدية وما يعيد به الخلق من احكام العبودية ثم بين سبب نزول الكتب بهذه الاوصاف ان لا يكون العباد الا لمولاهم لما كان بينهم وبينه من مواصلة المحبة ووجوب الربوبية والعبودية بقوله {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} اى لا يلتفتوا الى ما لله فى عبادة الله ثم بين انه عليه السلام نذير بعظائم قهره وبشير بلطائف وصله قال الاستاذ نذير من الله بالفرقة بشير بدوام الوصلة ثم امرهم بالافتقار الى مشاهدته والافتخار بوصاله ولاستغفار عن ملاحظة غيره فى طلبه ادراك جماله والرجوع من قهره الى لطفه ومن النفوس وحظها وهواها الى مراده ومتابعة امره بقوله {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} استغفروا من جنايات الاسرار وتوبوا اليه لطلب الانوار بنعت ترك النظر الى الاغيار قدم الاستغفار على التوبة لان الاستغفار تقديس والتوبة تخليص الاستغفار من الزلل التوبة من الغفل سئل سهل بن عبد الله عن الاستغفار فقال هو الاجابة ثم الانابة ثم التوبة ثم الاستغفار والاستغفار بالظاهر والانابة بالقلب والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها وقال بعضهم استغفروا ربكم عن الدعاوى وتوبوا اليه من الخطرات المذمومة وقال يوسف استغفار العام من الذنوب واستغفار الخاص من رؤية الافعال دون رؤية المنة والفضل واستغفار الكابر من رؤية كل شئ سوى الحق لما بلغت فى ذكر التفسير الى ههنا سالنى بعض الصحبة عن حقائق استغفار العارفين فقلت استغفارهم عن كون وجودهم مع كون الحق وعن تقصيرهم فى المعرفة عن ادراك حقائق صفات معروفهم وعن دعوى الانائية فى السكر فى مقام صحوهم وعن غاشية عين العبودية فى مشاهدة الربوبية الا ترى الى قوله عليه السلام انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة ومن جملة استغفاره عليه السلام فى هذا المقام استغفار من رؤية وجوده فى وجود الحق وعن رؤية مشاهدة الالتباس فى رؤية مشاهدة === الوحدانية وعن خواطر الانائية وبعد رؤية الازلية ثم بين انه تعالى يجازيهم بعد رجوعهم مما سوى الحق الى الحق بالتمتع بلقائه ووصاله والفرح بجماله ابد الابدين بقوله {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} المتاع الحسن انوار المواجيد على الدوام وصفاء الاحوال على السرمدية وسنا الاذكار وحلاوة الافكار ونزول حقائق الكواشف وظهور لطائف المعارف والفرح برضوان الله ولين العيش فى مشاهدة الله ما احسن هذا المتاح منا فى من الدنيا لقاؤك مرة فان نلتها استوفيت كل منائيا قوله تعالى {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} يوت فضل مشاهدته لمن له افضل معرفته ويوت فضل وصاله لمن له فضل الشوق الى جمل ويوت فضل الكرامات لمن له فضل العبادات ويوت فضل التحقيق لمن له فضل التوفيق ويؤت فضل كفاية الابد لمن له افضل عناية الازل ويوت كل ذى فضل الندامة على ما سلف من ذنوبه والاستغفار من زلله والرجوع من نفسه الى خالقه فضل طمأنينة القلب بالذكر وفضل رؤية منه الحق بنعت نسيان الخلق ووصل الموانسة بروح الوصال ولذة نور الجمال قال الواسطى فى قوله يمتعكم متاعا حسنا طيب النفس وسعة الرزق والرضا بالمقدور وقال سهل هو ترك الخلق والاقبال على الحق قال ابو الحسن الوراق يرزقكم صحبة الفقراء الصادقين وقال الجنيد لا شئ احسن على العبيد من ملازمة الحقيقة وحفظ السر مع الله وهو تفسير قوله يمتعكم متاعا حسنا قال الحسين متاعا حسنا الرضا بالميسور والصبر على كرمه المقدور وقال الواسطى ويؤت كل ذى فضل فضله ذو الفضل من رزق بعد الاستغفار والتوبة حسن الانابة والاخبات مع دوام الخشوع قال النصرابادى رؤية الفصل بقطع عن المنفصل كما ان رؤية المنة يحجب عن المنان قال بعضهم يوصل كل متحقق الى ما يستحقه من مجالس القربة وسمو المنزلة قال الجورجانى من قدر عليه الفضل فى السبق يوصله الى ذلك عند ايجاده سئل ابو عثمان عن قوله ويوت كل ذى فضل فضله قال تحقق امال من احسن ظنه به.
اسماعيل حقي
تفسير : {الر} اى هذه السورة الر اى مسماه بهذا الاسم فيكون خبره مبتدا محذوف او لا محل له من الاعراب مسرود على نمط تعديد الحروف للتحدى والاعجاز وهو الظاهر فى هذ السورة الشريفة اذ على الوجه الاول يكون كتاب خبرا بعد خبر فيؤدى الى ان يقال هذه السورة كتاب وليس ذاك بل هى آيات الكتاب الحكيم كما فى سورة يونس وحمل الكتاب على المكتوب او على البعض تكلف وهو اللائح بالبال قالوا الله اعلم بمراده من الحروف المقطعة فانها من الاسرار المكتومة كما قال الشعبى حين سئل عنها سر الله فلا تطلبوه والله تعالى لا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول او وارث رسول. وفى الحديث "حديث : ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا العلماء بالله فاذا نطقوا به لا ينكره الا اهل الغرة بالله" تفسير : رواه ابو منصور لديلمى وابو عبد الرحمن السلمى كما فى الترغيب قال الرقاشى هى اسرار الله يبديها الى امناء اوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهى من الاسرار التى لم يطلع عليها الا الخواص كما فى فتح القريب وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال حفظت من رسول الله وعائين فاما احدهما فبثثته فيكم واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. قال البخارى البلعوم مجرى الطعام كما فى شرح الكردى على الطريقة المحمدية. وقال سلطان المفسرين والمؤولين ابن عباس رضى الله عنهما معنى الر انا الله ارى [منم خداى كه مى بينم طاعت مطيعانرا ومعصيت عاصيانرا وهركس را مناسب عمل اجزا خواهم داد بس ايت كمله مشتمل است بروعد ووعيد كما فى تفسير الكاشفى] ويقال الالف آلاؤه واللام لطفه والراء ربوبيته كما فى تفسير ابى الليث وسياتى فى التأويلات غير هذا {كتاب} اى هذا القرآن كتاب كما ذهب اليه غير واحد من المفسرين {احكمت آياته} نظمت نظما محكما لا يعتريه نقض ولا حلل لفظا ومعنى كالبناء المحكم المرصف او منعت من النسخ بمعنى التغيير مطلقا: وفى المثنوى شعر : مصطفى را وعده كرد الطاف حق كربميرى تونميرد اين سبق كس نتاند بيش وكم كردن درو تو به ازمن حافظى ديكر مجو هست قرآن مرترا همجون عصا كفر هارا دركشد جون ازدها تو اكر درزير حاكى خفته جون عصايش دان توآنجه كفته قاصدا انرا برعصايت دست نى توبخسب اى شه مبارك خفتنى تفسير : {ثم فصلت} يقال عقد مفصل اذا جعل بين كل لؤلؤتين خرزة. والمعنى زينت آياته بالفوائد كما تزين القلائد بالفرائد اى ميزت وجعلت تفاصيل فى مقاصد مختلفة ومعان متميزة من العقائد والاحكام والمواعظ والامثال وغير ذلك وثم للتفاوت فى الحكم اى الرتبة لا للتراخى فى الوجود والوقوع فى الزمان او للتراخى فى الاخبار لا فى الوقت فان الشائع فى الجمل ان يراد بها نفس مفهومها الا انه قد يراد بها الاخبار. بمفهومها كما تقول فلان كريم الاصل ثم كريم الفعل والمراد بالتراخى مجرد الترتيب مجازا لظهور ان حقيقة التراخى منتفية بين الاخبارين ضرورة ان الاخبار بالتفصيل وقع عقيب الاخبار بالاحكام او يقال بوجود التراخى باعتبار ابتداء الخبر الاول وانتهاء الثانى والفعلان من قبيل قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل يعنى انه لم يكن البعوض كبيرا اولا ثم جعله الله صغيرا لكنه كان ممكنا فنزل هذا الامكان منزلة الوجود كما فى شرح الهندى على الكافية {من لدن حكيم خبير} صفة ثانية للكتاب وصف اولا بجلالة الشان من حيث الذات ثم وصف من حيث الاضافة. ولدن بمعنى عند لكنها مختصة باقرب مكان وعند للبعيد والقريب ولهذا تقول عندى كذا لما تملكه حضرك او غاب عنك ولا تقول لدى كذا الا لما هو بحضرتك. والحكيم الخبير هو الله تعالى حكيم فيما انزل خبير بمن اقبل على امره واعرض عنه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (كتاب): خبر، أي: هذا كتاب. و(أحكمت): صفة. و(من لدن): خبر ثان، أو خبر "كتاب" إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبراً. و(أَلاَّ تعبدوا): "أن" مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. و(أن استغفروا): عطف عليه. و(حين): متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. و(يعلم): استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه {كتابٌ أحكمت آياته}؛ أتقنت، ونظمت نظماً محكماً، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحُجج والبراهين، أو جعلت حكيمة؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. {ثم فُصَّلتْ}؛ بُينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة؛ ليسهل حفظها. وفُصلت بالإنزال نجماً نجماً، في أزمنة مختلفة. أو فُصل فيها لُخص ما يحتاج إليه من الأحكام. و(ثم): للتفاوت في الحكم؛ لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب {من لَّدنْ حكيمٍ خبيرٍ}، ولذلك كان محكماً مفصلاً بالغاً في ذلك الغاية؛ لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلاً ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: {كتاب أحكمت آياته} يعني: بالتوحيد، {ثم فصلت} أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: {من لدن حكيم} أي: بالإحكام للأحكام، {خبير} بالتفصيل للحلال والحرام. {ألا تعبدوا إلا الله}؛ هذا هو التوحيد الذي أحكمه. {إنني لكم منه نذير} بالعذاب، {وبشير} بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: {إنني لكم منه} أي: من الله، {نذير وبشير} بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. {وأن استغفروا ربكم}: عطف على "ألا تعبدوا"، {ثم توبوا إليه}؛ ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة؛ فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون "ثم": للتفاوت بين الأمرين. هـ. قال ابن جزي: {استغفروا ربكم} مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.هـ. وقال الواحدي: {استغفروا ربكم} من ذنوبكم السابقة، {ثم توبوا إليه} من المستأنفة متى وقعت. هـ. {يمتعكم متاعاً حسناً}؛ يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. {إلى أجل مسمَّى}؛ تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه؛ لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا؛ استدراجاً، {ويُؤتِ} في الآخرة {كلَّ ذي فضلٍ}؛ عمل صالحاً، {فضله} أي: جزاء فضله، فيُوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. {وإن تَولَّوا} أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}؛ يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر {إلى الله مرجِعُكم} أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؛ فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. {ألا أنهم يَثْنُونَ صدورَهم}؛ يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، {ليستخفوا منه} أي: من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق ـ فالضمير في: (منه)، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه؛ وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخَلّى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم}: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: {يعلم ما يسرون} في قلوبهم، {وما يعلنون} بأفواههم ـ فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ {إنه عليم بذات الصدور} أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بيَّن ما يتعلق بالذات فقال: {ألا تعبدون إلا الله} وبيَّن ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}، أو: بيَّن ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعاً حسناً؛ بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم...}، الآية. ثم بيَّن كما لعلمه تكميلاً لقوله: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، فقال: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : روى الكسائي عن أبي بكر {من لدن حكيم} ها هنا وفي النمل، بسكون الدال واشمامها الضم وكسر النون. الباقون بضم الدال واسكان النون. ولم يعدّ أحد من القراء (الر) آية كما عد قوم (طه) و (الم) و (حم) آية؛ لان ثانية لا يشبه رؤس الاي بنفس الحرف ولا بالردف. وقد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في هذه الحروف وأمثالها وأن الأقوى أن يقال إنها أسماء للسور. وروي عن الحسن أنه قال: ما أدرري تأويل (الر) غير ان المسلمين كانوا يقولون: هي اسماء للسور ومفاتحها. وخرجت هذه الحروف على وجه التهجي لا يعرب شيء منها، لأنها حروف ولو كانت اسماء لدخلها الاعراب. وقال الفراء {الر كتاب} رفع بحروف الهجاء. وقال غيره {كتاب} رفع بأنه خبر المبتدأ وتقديره هو كتاب او هذا كتاب والمراد بـ {كتاب} القرآن. وقوله {أحكمت آياته ثم فصلت} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال الحسن: احكمت بالامر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب. الثاني - قال قتادة احكمت آياته من الباطل. ثم فصلت بالحرام والحلال. الثالث - قال مجاهد {أحكمت آياته} على وجه الجملة {ثم فصلت} اي بينت بذكرها آية آية. والاحكام منع الفعل من الفساد، قال الشاعر: شعر : أبني حنيفة احكموا سفهاءكم إني اخاف عليكم أن أغضبا تفسير : وقوله {من لدن حكيم خبير} معناه من عند حكيم عليم. وقوم يجعلون في {لدن} ضميراً فينصبون ما بعده فيقولون لدن غدوة. وقوم يجعلونه غاية ولا يضمرون فيه شيئاً بعينه فيرفعون ما بعده لان ما بعد الغاية مرفوع، فيقولون لدن غدوة. وروي عن عكرمة انه قرأ {فصلت} بفتح الفاء والصاد وتخفيفها - وهي شاذة لم يقرأ بها احد. والحكيم يحتمل معينين: احدهما - عليم، فعلى هذا يجوز وصفه بأنه حكيم فيما لم يزل. والثاني - بمعنى أنه محكم لافعاله. وعلى هذا لا يوصف به فيما لم يزل. والحكمة المعرفة بما يمنع الفعل من الفساد والنقص وبها يميز القبيح من الحسن والفاسد من الصحيح وقال الجبائي في الاية دلالة على أن كلام الله محدث بأنه وصفه بأنه أحكمت آياته، والاحكام من صفات الافعال، ولا يجوز أن تكون احكامه غيره لانه لو كان احكامه غيره لكان قبل ان يحكمه غير محكم ولو كان كذلك لكان باطلا، لان الكلام متى لم يكن محكماً وجب أن يكون باطلا فاسداً، وهذا باطل.
الجنابذي
تفسير : {الۤر} قد سبق انّها اشارة الى مراتب العالم او مراتب وجوده (ص) ولذلك ورد: انّ الحروف المقطّعة فى اوائل السّورة اسماؤه، ومضى انّه فى حال انسلاخه يشاهد من تلك الحروف ما لا يمكن التّعبير عنه الاّ بالمناسبات وانّ مراتب العالم او مراتب وجوده (ص) كتاب حقيقىّ تكوينىّ وانّ الكتاب التّدوينىّ صورة تلك الكتاب {كِتَابٌ} خبر للحروف المقطّعة او خبر مبتدأ محذوف {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} فى مقامه العالى من مراتب العقول المعبّر عنها بالاقلام وفى مراتب النّفوس الكلّيّة المعبّر عنها بالالواح العالية، واللّوح المحفوظ واحكام الآيات فى تلك المراتب عبارة عن عدم الخلل والبطلان والتّغيير والنّسخ فيها فانّه فى تلك المراتب لا يمسّه الاّ المطهّرون ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو فى تلك المراتب محفوظ عن التّشابه بالباطل وبكلام غير الحقّ تعالى وهو فيها بنحو الاجمال من غير تفصيلٍ {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بعد تلك المراتب فى مراتب النّفوس الجزئيّة المعبّر عنها بالالواح الجزئيّة وكتاب المحو والاثبات ثمّ فى مراتب الاعيان المعبّر عنها بكتاب المحو والاثبات العينىّ ثمّ فى مرتبة الاصوات والحروف ثمّ فى مرتبة الكتابة والنّقوش، وليست آيات الكتاب فى تلك المراتب محكمات لتطرّق المحو والاثبات والنّسخ والتّبديل اليها ويتشابه حقّها بباطلها لتشابه المظاهر الشّيطانيّة بالمظاهر الآلهيّته وتشابه الاعمال والاقوال والاحوال والاخلاق، فانّ المظاهر الشّياطانيّة يعملون أعمالهم الشّيطانيّة بصور الاعمال الآلهيّة ثمّ يقولون هى بأمر الله والحال انّها بأمر الشّيطان ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ويقرؤن الآيات القرآنيّة بألسنتهم وهى ألسنة الشّيطان ويكتبون الآيات التّدوينيّة بأيديهم وهى أيدى الشّيطان ثمّ يقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله، بل من عند الشّيطان غاية ما فيه انّها مشابهة لما هو من عند الله صورة {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} كامل فى العمل والعلم وذكر الوصفين للاشارة الى انّ كتابه التّكوينىّ والتّدوينىّ على كمال ما ينبغى فليس لاحدٍ ان يردّ شيئاً منهما او يلوم احداً كما ورد: لو اطّلعتم على سرّ القدر لا يلومنّ احدكم احداً، ولدن الله وعند الله عبارة عن عالم المجرّدات وتفصيل الكتاب نشأ منها ولذا ورد، انّ القرآن نزل جملة على البيت المعمور او على قلب محمّد (ص) ثمّ نزل منه نجوماً على صدره.
الأعقم
تفسير : {الر} قد تقدم الكلام عليه في سورة يونس {كتاب} يعني القرآن {أحكمت آياته} نظمن نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقصٌ ولا خلل كالبناء المحكم، وقيل: منعت من الفساد، قال الشاعر: شعر : ابني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا تفسير : وعن قتادة: أحكمت من الباطل ثم فصلته بالفوائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جُعلت فصولاً سورة سورة وآية آية، أو فرقت في التنزيل، ولم ينزل جملة واحدة، وقيل: فرقت بين الحق والباطل، وقيل: أحكمت آياته فلا تنسخ كما نسخت التوراة وسائر الكتب المتقدمة {من لدن حكيم خبير} أي هذا الكتاب الذي أتاكم من عند حكيم خبير أي حكيم في أفعاله وتدابيره عالم بأحوال خلقه {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} من ذنوبكم {يمتعكم متاعاً حسناً} يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة {إلى أجل مسمى} إلى أن يتوفاكم كقوله تعالى: {أية : فلنحيينه حياة طيبة} تفسير : [النحل: 97] {ويؤت كل ذي فضل فضله} يعني ويعطي في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله {وإن تولَّوا} عن اتباعي.
الهواري
تفسير : تفسير سورة هود وهي مكية كلها { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤر} قد فسّرناه في أول سورة يونس. قوله: {كِتَابٌ} [أي: هذا كتاب]، يعني القرآن { أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ} أي: بالأمر والنهي. { ثُمَّ فُصِّلَتْ}. قال مجاهد: ثم فسّرت. وقال الحسن: ثم فسِّرت، بُيِّن فيها الحدود والأحكام. وقال بعضهم: فصّلها فبيّن فيها حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} أي: من عند حكيم، وهو الله تبارك وتعالى، أحكمه بعلمه { خَبِيرٍ} أي: بأعمال العباد. قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ} يقول للنبي عليه السلام: قل لهم ألا تعبدوا إلا الله { إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ} يحذِّركم عقابه، أي النار إن لم تؤمنوا { وَبَشِيرٌ} أي يبشر بالجنة من أطاعه وآمن به. قوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أي: من الشرك {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} منه {يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً} والمتاع معايشهم. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: إلى الموت، ولا يهلككم بالعذاب إن آمنتم. يقول: أنتم في ذلك المتاع إلى الموت. قوله: { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي: على قدر ما عمل واحتسب. كقوله: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا)تفسير : [الأنعام:132]. وبلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، ومن عمل سيئة واحدة كتبت عليه واحدة، فإن عوقب بالسيئة في الدنيا بقيت له العشر حسنات، فإن حُوسِبَ بها في الآخرة بقيت له تسع حسنات. وقال مجاهد: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} في الآخرة. قال: { وَإِن تَوَلَّوْا} أي: عن هذا القرآن فيكذبوا به. { فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} يحذرهم عذاب الله في الآخرة، ولم يبعث الله نبياً إلا حذر أمته عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا.
اطفيش
تفسير : {الر} من كتبه إلى قوله: {وهو على كل شئ قدير} فى ورقة قلقاس أخضر، عند طلوع الفجر بمسك وماء ورد، ثم محاها بماء بئر تلك الساقية التى يسقى منها ذلك القلقاس وشربه، وفعل ذلك أربعة أيام غدوا وعشيا، انفتح قلبه، وتعلم القرآن العظيم، والعلم، وسهل له الحفظ وفهم الأشياء العويصة الحكم، أو البلاغة، قيل مبتدأ خبره {كِتابٌ} وقيل: كتاب خبر لمحذوف، أى هذا كتاب، أو مبتدأ نكر للتعظيم خبره الجملة بعده، وعلى غير هذا فالجملة خبر ثان أو نعت. {أحْكمتْ آياتُه} ركبت تركيبا لا خلل فيه لفظا ولا معنى، أو منعت من الفساد كقولك: أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحَكَمة بفتح الحاء والكاف، وهو ما يحيط بحنكيها من اللحام، لتمنعها من الجماح، أو أحكمت بالحجج والدلائل وقال الداودى، عن الحسن: بالأمر والنهى، وعنه بالثواب والعقاب، وعن قتادة: أحكمت من الباطل، وقيل: عن التناقض، وقيل: عن النسخ، فإنه ولو كان فيه منسوخ لكنه قليل. وقال ابن عباس: عن أن ينسخه كتاب آخر، وقيل: إن آياته دلائل التوحيد والنبوة والبعث، ونحو ذلك مما لا ينسخ، وأن أحكامها أن لا تنسخ، أو آياته آيات هذه السورة منه، فإنها ليس فيها منسوخ، وزعم بعض أنه نسخ بآية السيف {أية : إنما أنت نذير} {أية : والله على كل شئ وكيل} {أية : وقل للذين لا يؤمنون اعملوا} تفسير : الخ {أية : وانتظروا إنَّا منتظرون} تفسير : وليس كذلك، إنما هى معان ثابتة بعد الأمر بالقتال وقبله. وزعم أن قوله: {أية : من كان يريد الحيٰوة الدنيا} تفسير : الخ منسوخة بقوله: {أية : من كان يريد العاجلة} تفسير : الخ، وليس كذلك، بل مبين به، وهما إخبار، والإخبار لا يدخله النسخ، ويجوز أن يكون معنى أحكمت جعلت ذات حكم لاشتمالها على الحِكَم النظرية والعملية، سواء أريد آيات القرآن أو آياته، والتى فى هذه السورة عداه بالهمزة، من حكم بضم الكاف أى صار حكيما. {ثمَّ فصِّلَت} بالفوائد، من العقائد والأحكام، والمواعظ والأخبار، ويجعلها سورا، أو تنزيلها شيئا بعد شئ على النبى صلى الله عليه وسلم، والتفصيل جعل الشئ فصولا، أو فصل فيها ما يحتاج إليها العباد، أى بيِّن قاله مجاهد، وعن الحسن: فصلت بالثواب والعقاب، وعنه: بالأمر والنهى، وعنه: بالحدود والأحكام، وعن بعض: بالحلال والحرام، والطاعة والمعصية، وقرأ عكرمة، والضحاك: فصلت بالبناء للفاعل، أى فرقت بين الحق والباطل، وقرئ أحكمت آياته ثم فصلت بفتح الهمزة والكاف وإسكان الميم، وضم التاء، ونصب آيات بالكسرة وفتح الفاء والصاد، وإسكان اللام، وضم التاء، أى ثم فصلتها، وثم للترتيب والتراخى، بالنظر إلى التفاوت بين الأحكام والتفصيل لا بالنظر إلى وقوع الأحكام والتفصيل، إلا إن أريد أحكامها ضبطها وإتقانها قبل نزولها، وبتفصيلها تفصيلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمجرد الترتيب فى الأخبار أو هى بمعنى الواو. {مِنْ لَدُنْ} هو عند ناس أخر نعت آخر لكتاب، أو خبر آخر، أو متعلق بفصلت، أو أحكمت {حَكيمٍ} فى أموره على العموم، وهو الله سبحانه وتعالى {خَبيرٍ} بأحوال خلقه وما يصلحهم وأعمالهم، وفى قوله: {حكيم} مناسبة لقوله: {أحكمت} وفى قوله: {خبير} مناسبة لقوله: {فصلت} فما أبلغ كلاما أحكمه من هو حكيم، وفصله من هو خبير بكيفيات الأمور وسرها.
اطفيش
تفسير : سورة هود عليه السلام {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الر} اسم للسورة عند الخليل وسيبويه مبتدأُ وقوله {كِتَابٌ} خبر أَو هذه السورة مسماة الر ويقدر اقرأْ الر أَو اذكر الر، ويقدر القرآن كتاب أَو حرف تذكر للإِعجاز كأَنه قيل القرآن مركب من جنس هذه الحروف التى تكتب وتقر فأْتوا بمثله إِن كان من غير الله، أَو تنبه يا محمد فتعى ما يوحى إِليك فكتاب خبر لمحذوف أَى القرآن كتاب أَو السورة كتاب، فإِن القرآن والكتاب يطلقان على البعض كما يطلقان على الكل، روى الترمذى وقال حسن غريب. عن ابن عباس رضى الله عنهما قال أَبو بكر رضى الله عنه: يا رسول الله قد شبت: قال حديث : شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءَلون وهل أتاك حديث الغاشيةتفسير : . أَى لأَن فيهن ذكر القيامة والبعث والحساب والجنة والنار، ولقوله: استقم كما أُمرت {أُحْكِمَتْ آياتُهُ} أَلفت تأْليفاً متقنا لا نقص فيه ولا خلل، أَو منعت من النسخ لبعضها أَو لكلها، وهذا على أَن المراد السورة فإِنه لم ينسخ منها شىءٌ. يقال أَحكمت الدابة إِذا وضعت عليها الحكمة وهى ما يمنعها من الجماح فهى ممنوعة من الإِفساد بالنسخ أَى الإِبطال أَو حققت الآيات بالحجج أَو جعلت حكيمة على أَن الهمزة للتعبير، بمعنى أَنها مشتملة على الحكم الاعتقادية كالتوحيد والإِيمان بالملائِكة والأَنبياءِ ونحو ذلك من خصال التوحيد، وعلى الحكم العملية التى هي عمل الفرائِض وما دونها وترك المعاصى تصفية النفس، ولا نسلم أَنه نسخ منها أَربع كما قال بعض إِنما أَنت نذير إلخ، وقل للذين يؤمنون إِلخ والتى تليها بالسيف ومن كان يريد الحياة الدنيا بمن كان يريد العاجلة لأَن ذلك لا يختلف بشرع القتال وعدمه ولأَن النسخ لا يكون فى الخبر {ثُمَّ فُصِّلَتْ} زينت بالفرائِد كما تزين القلائِد بالفرائِد بأَن يجعل بين كل لؤلؤتين خرزة أَو يجعل بين اللآلىء الكبار ما هو صغير من الجواهر أَو ما يغاير لونها. شبه القرآن باللآلىءِ المنظومة والعقائِد والمواعظ بالفرائِد أَو الفرائد آيات التوحيد واللآلئُ الكبيرة فى الفصل، أَو ذلك استعارة تمثيلية أَو معنى فصلت جعلت سورا أَما على إِرادة القرآن فظاهر وأَما على إِرادة السورة فبمعنى جعل آياتها متفرقة بالمعنى فى سائِر السور من التفصيل بمعنى التفريق أَو معنى فصلت أُنزلت نجوماً أَوقاتاً متفرقة من التفصيل بمعنى التفريق أيضاً أَو معناه لخصت وبينت فيما يحتاج إِليه العبد. والإِسناد على هذا مجاز عقلى لأَن التفصيل فى معانى الأيات لا فى أَلفاظها وثم للتراخى فى الرتبة لا فى الزمان، لأَن تفصيل آياتها ليس متراخيا عن إِحكامها بكسر الهمزة، فإِن الإِحكام مقارن للتفصيل والتفصيل متراخ عن الإِحكام رتبة لأَن التفصيل بأَى معنى كان أَقوى وأَدخل فى المدح من الإِحكام، أَو ثم لمجرد الترتيب فى الإِخبار بلا تراخٍ فى الزمان لأَن الإِخبار بالتفصيل عقب الإِخبار بالإِحكام اللهم إِلا باعتبار الجزءِ الأَول وانتهاءِ الأَخير أَو باعتبار أَن اللفظ إِذا انقضى فقد بعد، ويجوز أَن يكون بمعنى جعلت منفصلة وصادرة تحقيقاً والتشديد للمبالغة، ويدل لهذا قراءَة فتح الفاءِ والصاد مع التخفيف كقوله تعالى: "أية : ولما فصلت العير" تفسير : [يوسف: 94] {مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} نعت ثان لكتاب والأَول فصلت أَو خبر ثان والأَول كتاب، أَو تنازعه أُحكمت وفصلت أَو حال من المستتر فى فصلت، ولدن بمعنى عند والعلم إِذا أُضيف إِلى الخفايا الباطنة يسمى خبرة وصاحبة مخبر، أَو هو أَبلغ من العلم ولذا أُخر فى قوله تعالى: "أية : العليم الخبير"تفسير : [التحريم: 3] وهذا تقرير للإِحكام والتفصيل إِذا جاءَا ممن يعلم الخفايا ولا يخفى عنه شىءٌ.
الالوسي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} {الۤر} اسم للسورة على ما ذهب إليه الخليل وسيبويه وغيرهما أو للقرآن على ما روي عن الكلبـي والسدي، وقيل: إنها إشارة إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته سبحانه، وقيل: هي إقسام منه تعالى بما هو من أصول اللغات ومبادي كتبه المنزلة ومباني أسمائه الكريمة، وقايل وقيل، وقد تقدم الكلام فيما ينفعك هنا على أتم تفصيل، واختار غير واحد من المتأخرين كونها اسماً للسورة وأنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة ـ بالر ـ وقيل: محلها الرفع على الابتداء أو النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو اقرأ، وقوله سبحانه: {كِتَابٌ} خبر لها على تقدير ابتدائيتها أو لمبتدأ محذوف على غيره من الوجوه، والتنوين فيه للتعظيم أي كتاب عظيم الشأن جليل القدر. {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي نظمت نظماً محكماً لا يطرأ عليه اختلال فلا يكون فيه تناقض أو مخالفة للواقع والحكمة أو شيء مما يخل بفصاحته وبلاغته فالإحكام مستعار من إحكام البناء بمعنى اتقانه أو منعت من النسخ لبعضها أو لكلها بكتاب آخر كما وقع للكتب السالفة فالإحكام من أحكمه إذا منعه؛ ويقال: أحكمت السفيه إذا منعته من السفاهة، ومنه قول جرير: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم إن أغضبا تفسير : / وقيل: المراد منعت من الفساد أخذاً من أحكمت الدابة إذا جعلت في فمها الحكمة وهي حديدة تجعل في فم الدابة تمنعها من الجماح، فكأن ما فيها من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابة منعها الدلائل من الجماح، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مكنية. وتعقب بأن تشبيهها بالدابة مستهجن لا داعي إليه، ولعل الذوق يفرق بين ذلك وبين تشبيهها بالجمل الأنوف الوارد في بعض الآثار لانقيادها مع المتأولين لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم. واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع، فالأول إذ يراد معنى المنع أن يراد المنع من النسخ ويراد من الكتاب القرآن وعدم نسخه كلاً أو بعضاً على حسب ما أشرنا إليه؛ وكون ذلك خلاف الظاهر في حيز المنع. وادعى بعضهم أن المراد بالآيات آيات هذه السورة وكلها محكمة غير منسوخة بشيء أصلاً، وروي ذلك عن ابن زيد وخولف فيه. وادعى أن فيها من المنسوخ أربع آيات قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء وَكِيلٌ} تفسير : [هود: 12] {أية : وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ}تفسير : [هود: 121] والتي تليها ونسخت جميعا بآية السيف و {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [هود: 51] الآية ونسخت بقوله سبحانه {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآء لِمَن نُّرِيدُ }تفسير : [الإسراء: 18] ولا يخلو عن نظر، ويجوز أن يكون المعنى منعت من الشبه بالحجج الباهرة وأيدت بالأدلة الظاهرة أو جعلت حكمية أي ذات حكمة لاشتمالها على أصول العقائد والأعمال الصالحة والنصائح والحكم، والفعل على هذا منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً، ومنه قول نمر بن تولب: شعر : وأبغض بغيضك بغضاً رويدا إذا أنت حاولت أن تحكما تفسير : فقد قال الأصمعي: إن المعنى إذا حاولت أن تكون حكيماً، وفي إسناد الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه لا سيما إذا أريد ما يشمل كل آية آية من حسن الموقع والدلالة على كونه في أقصى غاياته ما لا يخفى. {ثُمَّ فُصّلَتْ} أي جعلت مفصلة كالعقد المفصل بالفرائد التي تجعل بين اللآلىء، ووجه جعلها كذلك اشتمالها على دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش والمعاد على الإسناد المجازي أو جعلت فصلاً فصلاً من السور ويراد بالكتاب القرآن، وقيل: يصح أن يراد به هذه السورة أيضاً على أن المعنى جعلت معاني آياتها في سور ولا يخفى أنه تكلف لا حاجة إليه. أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة بل نزلت نجماً نجماً على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، و{ثُمَّ} على هذا ظاهرة في التراخي الزماني لما أن المتبادر من التنزيل المنجم فيه التنزيل المنجم بالفعل، وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجماً حسب الحكمة فهو رتبـي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق بأن يرتب على وصف أحكامها، وهي على الأوجه الأول للتراخي الرتبـي لا غير، وقيل: للتراخي بين الأخبارين. واعترض بأنه لا تراخي هناك إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازاً أو يقال بوجوده باعتبار ابتداء الخبر الأول وانتهاء الثاني. وأنت تعلم أن القول بالتراخي في الرتبة أولى خلا أن تراخى رتبة التفصيل بأحد المعنيين الأولين عن رتبة الأحكام أمر ظاهر وبالمعنى الثالث فيه نوع خفاء، ولا يخفى عليك أن الاحتمالات في الآية الحاصلة من ضرب معاني الأحكام الأربعة في معاني التفصيل كذلك وضرب المجموع في احتمالات المراد ـ بثم ـ تبلغ اثنين وثلاثين أو ثمانية وأربعين احتمالاً ولا حجر. والزمخشري ذكر للأحكام على ما في «الكشف» ثلاثة أوجه. / أخذه من أحكام البناء نظراً إلى التركب البالغ حد الإعجاز، أو من الأحكام جعلها حكيمة، أو جعلها ذات حكمة فيفيد معنى المنع من الفساد، وللتفصيل أربعة: جعلها كالقلائد المفصلة بالفرائد لما فيها من دلائل التوحيد وأخواتها، وجعلها فصولاً سورة سورة وآية آية. وتفريقها في التنزيل، وتفصيل ما يحتاج إليه العباد وبيانه فيها روي هذا عن مجاهد، وقال: إن معنى {ثُمَّ} ليس التراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. والظاهر أنه أراد أنها في جميع الاحتمالات كذلك، وفيه أيضاً أنه إذا أريد بالإحكام أحد الأولين وبالتفصيل أحد الطرفين فالتراخي رتبـي لأن الأحكام بالمعنى الأول راجع إلى اللفظ والتفصيل إلى المعنى، وبالمعنى الثاني وإن كان معنوياً لكن التفصيل إكمال لما فيه من الإجمال، وان أريد أحد الأوسطين فالتراخي على الحقيقة لأن الإحكام بالنظر إلى كل آية في نفسها وجعلها فصولاً بالنظر إلى بعضها مع بعض أو لأن كل آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصفة وهذا تراخ وجودي، ولما كان الكلام من السائلات كان زمانياً أيضاً، ولكن الزمخشري آثر التراخي في الحال مطلقاً حملاً على التراخي في الإخبار في هذين الوجهين ليطابق اللفظ الوضع وليظهر وجه العدول من الفاء إلى ثم، وإن أريد الثالث وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبـي وإلا فإخباري، والأحسن أن يراد بالإحكام الأول وبالتفصيل أحد الطرفين وعليه ينطبق المطابقة بين {حَكِيم} و {خبير} و {أُحْكِمَتْ} و {فُصّلَتْ} ثم قال: ومنه ظهر أن التراخي في الحال يشمل التراخي الرتبـي والإخباري انتهى فليتأمل. وقرىء {أُحْكِمَتْ} بالبناء للفاعل المتكلم و {فُصّلَتْ} بفتحتين مع التخفيف وروي هذا عن ابن كثير، والمعنى ثم فرقت بين الحق والباطل، وقيل: {فُصِّلَتْ} هنا مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ}تفسير : [يوسف: 94] أي انفصلت وصدرت. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} صفة لكتاب وصف بها بعد ما وصف بإحكام آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من حيث الذات إبانة لجلالة شأنه من حيث الإضافة أو خبر ثان للمبتدأ الملفوظ أو المقدر أو هو معمول لأحد الفعلين على التنازع مع تعلقه بهما معنى أي من عنده أحكامها وتفصيلها واختار هذا في «الكشف». وفي «الكشاف» أن فيه طباقاً حسناً لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور ففي الآية اللف والنشر، وأصل الكلام على ما قال الطيبـي: أحكم آياته الحكيم وفصلت الخبير ثم عدل عنه إلى أحكمت حكيم وفصلت خبير على حد قوله تعالى: {أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ}تفسير : [النور: 36-37] على قراءة البناء للمفعول، وقوله: شعر : لبيك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : ثم إلى ما في النظم الجليل لما في الكناية من الحسن مع إفادة التعظيم البالغ الذي لا يصل إلى كنهه وصف الواصف لا سيما وقد جيء بالاسمين الجليلين منكرين بالتنكير التفخيمي. و{لَّدُنْ} من الظروف المبنية وهي لأول غاية زمان أو مكان، والراد هنا الأخير مجازاً، وينبت لشبهها بالحرف في لزومها استعمالاً واحداً وهي كونها مبدأ غاية وامتناع الإخبار بها وعنها ولا يبنى عليها المبتدأ بخلاف عند و ـ لدي ـ فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها ويبنى عليهما المبتدأ كما في قوله سبحانه: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }تفسير : [الأنعام: 59] {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ }تفسير : [ق: 35] قيل: ولقوة شبهها بالحرف وخروجها عن نظائرها لا تعرب إذا أضيفت. نعم جاء عن قيس إعرابها تشبيهاً / بعند وعلى ذلك خرجت قراءة عاصم {أية : بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ }تفسير : [الكهف: 2] بالجر وإشمام الدال الساكنة الضم واقترانها بمن كما في الآية، وكذا إضافتها إلى مفرد كيفما كان هو الغالب وقد تتجرد عن ـ من ـ وقد تضاف إلى جملة اسمية كقوله: شعر : وتذكر نعماه لدن أنت يافع تفسير : وفعلية كقوله: شعر : صريح غوان راقهن ورقنه لدن شب حتى شاب سود الذوائب تفسير : ومنع ابن الدهان من إضافتها إلى الجملة وأول ما ورد من ذلك على تقدير أن المصدرية بدليل ظهورها معها في قوله: شعر : وليت فلم تقطع لدن ان وليتنا قرابة ذي قربـى ولاحق مسلم تفسير : ولا يخفى ما في التزام ذلك من التكلف لا سيما في مثل ـ لدن أنت يافع ـ وتتمحض للزمان إذا أضيفت إلى الجملة، وجاء نصب غدوة بعدها في قوله:شعر : لدن غدوة حتى دنت لغروب تفسير : وخرج على التمييز، وحكى الكوفيون رفعها بعدها وخرج على إضماء كان، وفيها ثمان لغات. فمنهم من يقول {لدن} بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وهي اللغة المشهورة، وتخفف بحذف الضمة كما في عضد وحينئذ يتلقى ساكنان. فمنهم من يحذف النون لذلك فيبقى ـ لد ـ بفتح اللام وسكون الدال. ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال فتحا فيقول {لدن} بفتح اللام والدال وسكون النون. ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسرا فيقول {لدن} بفتح اللام وكسر الدال وسكون النون ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول {لدن} بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، وقد يخفف بنقل ضمة الدال إلى اللام كما يقال في عضد عضد بضم العين وسكون الضاد على قلة، وحينئذ يلتقي ساكنان أيضاً. فمنهم من يحذف النون لذلك فيقول ـ لد ـ بضم اللام وسكون الدال. ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول {لدن} بضم اللام وسكون الدال وكسر النون فهذه سبع لغات. وجاء ـ لد ـ بحذف نون {لدن} التي هي أم الجميع وبذلك تتم الثمانية، ويدل على أن أصل ـ لد ـ لدن إنك إذا أضفته لمضمر جئت بالنون فتقول: من لدنك ولا يجوز من ـ لدك ـ كما نبه عليه سيبويه، وذكر لها في «همع الهوامع» عشر لغات ما عدا اللغة القيسية فليراجع.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس الأول من السورة يمثل المقدمة ـ التي يتوسط القصص بينها وبين التعقيب ـ وهي تتضمن عرض الحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية: توحيد الدينونة لله الواحد بلا منازع، وعبادة الله وحده بلا شريك؛ والإعتقاد في البعث والقيامة للحساب والجزاء على ما كان من الناس من عمل وكسب في دار العمل والإبتلاء.. مع تعريف الناس بربهم الحق؛ وصفاته المؤثرة في وجودهم وفي وجود الكون من حولهم؛ وبيان حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، ومقتضاهما في حياة البشرية. وتوكيد الدينونة لله في الآخرة كالدينونة له سبحانه في الحياة الدنيا. كذلك تتضمن هذه المقدمة بياناً لطبيعة الرسالة وطبيعة الرسول؛ كما تتضمن تسلية وترويحاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجه العناد والتكذيب، والتحدي والمكابرة، التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجهها في الفترة العصيبة في حياة الدعوة بمكة، كما أسلفنا في التعريف بالسورة. مع تحدي المشركين بهذا القرآن الذي يكذبون به، أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ـ كما يزعمون أن هذا القرآن مفترى ـ وتثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه بهذا التحدي من الله وبذلك العجز من المشركين! ومع هذا التحدي تهديد قاصم للمكذبين بما ينتظرهم في الآخرة من العذاب الذي يستعجلون به ويكذبون. وهم الذين لا يطيقون أن تنزع منهم رحمة الله في الدنيا، ولا يصبرون على ابتلائه فيها وهو أيسر من عذاب الآخرة! ثم يجسم هذا التهديد في مشهد من مشاهد القيامة؛ يتمثل فيه موقف المكذبين بهذا القرآن من أحزاب المشركين؛ ويتبين فيه عجزهم وعجز أوليائهم عن إنقاذهم من العذاب الأليم، المصحوب بالخزي والتشهير والتنديد والتأنيب. وفي الصفحة المقابلة من المشهد.. الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما ينتظرهم من الثواب والنعيم والتكريم.. ومشهد مصور للفريقين ـ على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ـ: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، هل يستويان مثلاً؟ افلا تذكرون؟}.. {الۤر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ألا تعبدوا إلا الله، إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير. إلى الله مرجعكم. وهو على كل شيء قدير}.. إنها جملة الحقائق الإعتقادية الأساسية: * إثبات الوحي والرسالة. * العبودية لله وحده بلا شريك. * جزاء الله في الدنيا والآخرة لمن يهتدون بهداه ويتبعون منهجه للحياة. * جزاء الله في الآخرة للمكذبين، وعودة الجميع إلى الله عصاة وطائعين. * قدرته المطلقة وسلطانه غير المحدود. {ألف. لام. راء}: مبتدأ، خبره: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}.. وهذا الكتاب المؤلف من مثل هذه الأحرف هو الذي يكذبون به. وهم عن شيء من مثله عاجزون! {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}.. أحكمت آياته، فجاءت قوية البناء، دقيقة الدلالة، كل كلمة فيها وكل عبارة مقصودة، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم. متناسقة لا اختلاف بينها ولا تضارب، ومنسقة ذات نظام واحد. ثم فصلت. فهي مقسمة وفق أغراضها، مبوبة وفق موضوعاتها، وكل منها له حيز بمقدار ما يقتضيه. أما من أحكمها، ومن فصلها على هذا النحو الدقيق؟ فهو الله سبحانه، وليس هو الرسول: {من لدن حكيم خبير}.. يحكم الكتاب عن حكمة، ويفصله عن خبرة.. هكذا جاءت من لدنه، على النحو الذي أنزل على الرسول، لا تغيير فيها ولا تبديل. وماذا تضمنت؟ إنه يذكر أمهات العقيدة وأصولها: {أن لا تعبدوا إلا الله}.. فهو توحيد الدينونة والعبودية والاتباع والطاعة. {إنني لكم منه نذير وبشير}.. فهي الرسالة، وما تضمنته من نذارة وبشارة. {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}.. فهي العودة إلى الله من الشرك والمعصية، إلى التوحيد والدينونة. {يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله}... فهو الجزاء للتائبين المستغفرين. {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}.. فهو الوعيد للمتولين. {إلى الله مرجعكم}.. فهي الرجعة إلى الله في الدنيا والآخرة. {وهو على كل شيء قدير}.. فهي القدرة المطلقة والسلطان الشامل. هذا هو الكتاب. أو هو آيات الكتاب. فهذه هي القضايا الهامة التي جاء ليقررها ويقيم عليها بناءه كله بعد تقريرها. وما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقيم نظاماً للبشر، قبل أن يقرر هذه القواعد. فتوحيد الدينونة لله وحده هو مفرق الطريق بين الفوضى والنظام في عالم العقيدة؛ وبين تحرير البشرية من عقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف، أو استعبادها للأرباب المتفرقة ونزواتهم، وللوسطاء عند الله من خلقه! وللملوك والرؤساء والحكام الذين يغتصبون أخص خصائص الألوهية ـ وهي الربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية ـ فيعبّدون الناس لربوبيتهم الزائفة المغتصبة. وما من نظام اجتماعي او سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أو دولي، يمكن أن يقوم على أسس واضحة فاصلة ثابتة، لا تخضع للهوى والتأويلات المغرضة، إلا حين تستقر عقيدة التوحيد هكذا بسيطة دقيقة. وما يمكن أن يتحرر البشر من الذل والخوف والقلق؛ ويستمتعوا بالكرامة الحقيقية التي أكرمهم بها الله، إلا حين يتفرد الله سبحانه بالربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية، ويتجرد منها العبيد في كل صورة من الصور. وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام؛ ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت، على ألوهية الله ـ سبحانه ـ للكون؛ وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية: إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه، ويصرفهم بأمره، ويدينهم بطاعته؟ لقد كان الطواغيت المجرمون في الأرض يغتصبون هذا الحق ويزاولونه في حياة الناس، ويذلونهم بهذا الإغتصاب لسلطان الله، ويجعلونهم عبيداً لهم من دون الله. وكانت الرسالات والرسل والدعوات الإسلامية تجاهد دائماً لانتزاع هذا السلطان المغتصب من أيدي الطواغيت ورده إلى صاحبه الشرعي.. الله سبحانه.. والله ـ سبحانه ـ غني عن العالمين. لا ينقص في ملكه شيئاً عصيان العصاة وطغيان الطغاة. ولا يزيد في ملكه شيئاً طاعة الطائعين وعبادة العابدين.. ولكن البشر ـ هم أنفسهم ـ الذين يذلون ويصغرون ويسفلون حين يدينون لغير الله من عباده؛ وهم الذين يعزون ويكرمون ويستعلون حين يدينون لله وحده، ويتحررون من العبودية للعبيد.. ولما كان الله ـ سبحانه ـ يريد لعباده العزه والكرامة والإستعلاء فقد أرسل رسله ليردوا الناس إلى عبادة الله وحده. وليخرجوهم من عبادة العبيد.. لخيرهم هم أنفسهم.. والله غني عن العالمين. إن الحياة البشرية لا تبلغ مستوى الكرامة الذي يريده الله للإنسان إلا بأن يعزم البشر أن يدينوا لله وحده، وأن يخلعوا من رقابهم نير الدينونة لغير الله. ذلك النير المذل لكرامة الإنسان في أية صورة قد كان! والدينونة لله وحده تتمثل في ربوبيته للناس وحده. والربوبية تعني القوامة على البشر، وتصريف حياتهم بشرع وأمر من عند الله، لا من عند أحد سواه. وهذا ما يقرر مطلع هذه السورة الكريمة أنه موضوع كتاب الله وفحواه: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير: ألا تعبدوا إلا الله}.. وهذا هو معنى العبادة كما يعرفه العرب في لغتهم التي نزل بها كتاب الله الكريم. والإقرار بالرسالة أساس للتصديق بهذه القضايا التي جاءت الرسالة لتقريرها. وكل شك في أن هذا من عند الله، كفيل بتحطيم احترامها الملزم في عالم الضمير. والذين يظنون أنها من عند محمد ـ مهما أقروا بعظمة محمد ـ لا يمكن أن تنال من نفوسهم الإحترام الملزم، الذي يتحرجون معه أن يتفلتوا منها في الكبير أو الصغير.. إن الشعور بأن هذه العقيدة من عند الله هو الذي يطارد ضمائر العصاة حتى يثوبوا في النهاية إلى الله، وهو الذي يمسك بضمائر الطائعين، فلا تتلجلج ولا تتردد ولا تحيد. كما أن الإقرار بالرسالة هو الذي يجعل هناك ضابطاً لما يريده الله من البشر. كي يتلقى البشر في كل ما يتعلق بالدينونة لله من مصدر واحد، هو هذا المصدر. وكي لا يقوم كل يوم طاغوت مفتر يقول للناس قولاً، ويشرع للناس شرعاً، ثم يزعم أنه شرع الله وأمره! بينما هو يفتريه من عند نفسه! وفي كل جاهلية كان يقوم من يشرع الشرائع، ومن يقرر القيم والتقاليد والعادات.. ثم يقول: هذا من عند الله!! وما يحسم هذه الفوضى وهذا الإحتيال على الناس باسم الله، إلا أن يكون هناك مصدر واحد ـ هو الرسول ـ لقول الله. والإستغفار من الشرك والمعصية هو دليل حساسية القلب وانتفاضه، وشعوره بالإثم ورغبته في التوبة. والتوبة بعد ذلك هي الإقلاع الفعلي عن الذنب، والأخذ في مقابله في أعمال الطاعة. ولا توبة بغير هذين الدليلين، فهما الترجمة العملية للتوبة، وبهما يتحقق وجودها الفعلي، الذي ترجى معه المغفرة والقبول.. فإذا زعم زاعم أنه تاب من الشرك ودخل في الإسلام، بينما هو لا يدين لله وحده، ولا يتلقى منه وحده عن طريق نبيه؛ فلا قيمة لهذا الزعم الذي يكذبه واقع الدينونة لغير الله.. والبشرى للتائبين والوعيد للمتولين هما قوام الرسالة، وقوام التبليغ. وهما عنصرا الترغيب والترهيب، اللذان علم الله من طبيعة البشر أنهما الحافز القوي العميق!.. والإعتقاد باليوم الآخر ضروري لاكتمال الشعور بأن وراء الحياة حكمة، وأن الخير الذي تدعو إليه الرسالات هو غاية الحياة؛ ومن ثم لا بد أن يلقى جزاءه؛ فإن لم يلقه في هذه الحياة الدنيا فجزاؤه مضمون في العالم الآخر، الذي تصل فيه الحياة البشرية إلى الكمال المقدر لها. أما الذين يزيغون عن نهج الله وحكمته في الحياة فهؤلاء يرتكسون و ينتكسون إلى درك العذاب.. وفي هذا ضمان للفطرة السليمة ألا تنحرف. فإن غلبتها شهوة أو استبد بها ضعف عادت تائبة، ولم تلج في العصيان. ومن ثم تصلح هذه الأرض لحياة البشر. وتمضي الحياة على سنتها في طريق الخير. فالإعتقاد باليوم الآخر ليس طريقاً للثواب في الآخرة فحسب ـ كما يعتقد بعض الناس ـ إنما هو الحافز على الخير في الحياة الدنيا. والحافز على إصلاحها وإنمائها. على أن يراعى في هذا النماء أنه ليس هدفاً في ذاته، إنما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه، وكرمه على كثير من خلقه، ورفعه عن درك الحيوان؛ لتكون أهداف حياته أعلى من ضرورات الحيوان؛ ولتكون دوافعه وغاياته أرفع من دوافع الحيوان وغاياته. ومن ثم كان مضمون الرسالة أو مضمون آيات الكتاب المحكمة المفصلة، بعد توحيد الدينونة لله، وإثبات الرسالة من عنده.. الدعوة إلى الإستغفار من الشرك والتوبة.. وهما بدء الطريق للعمل الصالح. والعمل الصالح ليس مجرد طيبة في النفس وشعائر مفروضة تقام. إنما هو الإصلاح في الأرض بكل معاني الإصلاح، من بناء وعمارة ونشاط ونماء وإنتاج. والجزاء المشروط: {يمتعكم متاعا حسناً إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله}.. والمتاع الحسن قد يكون بالنوع كما يكون بالكم في هذه الحياة الدنيا. أما في الآخرة فهو بالنوع والكم وبما لم يخطر على قلب بشر. فلننظر في المتاع الحسن في هذه الحياة. إننا نشاهد كثيراً من الطيبين الصالحين، المستغفرين التائبين، العاملين في الحياة.. مضيقاً عليهم في الرزق. فأين إذن هو المتاع الحسن؟ وهو سؤال نعتقد أنه يتحرك على ألسنة الكثيرين! ولا بد لإدراك المعنى الكبير الذي يتضمنه النص القرآني أن ننظر إلى الحياة من زاوية أوسع، وننظر إليها في محيطها الشامل العام، ولا نقتصر منها على مظهر عابر. إنه ما من جماعة يسود فيها نظام صالح، قائم على الإيمان بالله، والدينونة له وحده، وإفراده بالربوبية والقوامة، وقائم على العمل الطيب المنتج في الحياة.. إلا كان لها التقدم والرخاء والحياة الطيبة بصفة عامة كجماعة؛ وإلا ساد فيها العدل بين الجهد والجزاء والرضى والطمأنينة بالقياس إلى الأفراد بصفة خاصة. فإذا شاهدنا في جماعة ما أن الطيبين العاملين المنتجين مضيق عليهم في الرزق والمتاع الطيب، فذلك شاهد على أن هذه الجماعة لا يسودها النظام المستمد من الإيمان بالله، القائم على العدل بين الجهد والجزاء. على أن الأفراد الطيبين الصالحين المنتجين في هذه الجماعة يمتعون متاعاً حسناً، حتى لو ضيق عليهم في الرزق، وحتى لو كانت الجماعة تطاردهم وتؤذيهم، كما كان المشركون يؤذون القلة المؤمنة، وكما تؤذي الجاهليات القلة الداعية إلى الله. وليس هذا خيالاً وليس ادعاء. فطمأنينة القلب إلى العاقبة، والإتصال بالله، والرجاء في نصره وفي إحسانه وفضله.. عوض عن كثير؛ ومتاع حسن للإنسان الذي يرتفع درجة عن الحس المادي الغليظ. ولا نقول هذا لندعو المظلومين الذين لا يجدون جزاء عادلاً على جهدهم إلى الرضى بالأوضاع المنافية للعدالة. فالإسلام لا يرضى بهذا، والإيمان لا يسكت على مثل تلك الأوضاع. والجماعة المؤمنة مطالبة بإزالتها وكذلك الأفراد، ليتحقق المتاع الحسن للطيبين العاملين المنتجين. إنما نقوله لأنه حق يحس به المؤمنون المتصلون بالله، المضيق عليهم في الرزق، وهم مع هذا يعملون ويجاهدون لتحقيق الأوضاع التي تكفل المتاع الحسن لعباد الله المستغفرين التائبين بهدى الله. {ويؤت كل ذي فضل فضله}.. خصصها بعض المفسرين بجزاء الآخرة. وأرى أنها عامة في الدنيا والآخرة، على النحو الذي فسرنا به المتاع الحسن في الدنيا؛ وهو متحقق في جميع الأحوال. وذو الفضل يلقى جزاءه في اللحظة التي يبذل فيها الفضل. يجده رضى نفسياً وارتياحاً شعورياً، واتصالاً بالله وهو يبذل الفضل عملاً أو مالاً متجهاً به إلى الله. أما جزاء الله له بعد ذلك فهو فضل من الله وسماحة فوق الجزاء. {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}.. هو عذاب يوم القيامة. لا عذاب يوم بدر كما يقول بعض المفسرين. فاليوم الكبير حين يطلق هكذا ينصرف إلى اليوم الموعود. ويقوي هذا ما بعده: {إلى الله مرجعكم}. وإن كان المرجع إلى الله في الدنيا والآخرة وفي كل لحظة وفي كل حالة. ولكن جرى التعبير القرآني على أن المرجع هو الرجعة بعد الحياة الدنيا.. {وهو على كل شيء قدير}.. وهذه كذلك تقوّي هذا المعنى، لأن التلويح بالقدرة على كل شيء، مناسب للبعث الذي كانوا يستبعدونه ويستصعبونه! وبعد إعلان خلاصة الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.. يمضي السياق يعرض كيف يتلقى فريق منهم تلك الآيات، عندما يقدمها لهم النذير البشير، ويصور الوضع الحسي الذي يتخذونه والحركة المادية المصاحبة له وهي إحناء رؤوسهم وثني صدورهم للتخفي. ويكشف عن العبث في تلك المحاولة وعلم الله يتابعهم في أخفى أوضاعهم؛ وكل دابة في الأرض مثلهم يشملها العلم اللطيف الدقيق: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه. ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون، إنه عليم بذات الصدور. وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. كل في كتاب مبين}.. والآيتان الكريمتان تستحضران مشهداً فريداً ترجف له القلوب حين تتدبره وتتصوره! ويا لها من رهبة غامرة، وروعة باهرة، حين يتصور القلب البشري حضور الله ـ سبحانه ـ وإحاطة علمه وقهره؛ بينما أولئك العبيد الضعاف يحاولون الإستخفاء منه وهم يواجهون آياته يتلوها رسوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه. ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون. إنه عليم بذات الصدور}.. ولعل نص الآية إنما يصور حالة واقعة كانت تصدر من المشركين ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمعهم كلام الله؛ فيثنون صدورهم ويطأطئون رؤوسهم إستخفاء من الله الذي كانوا يحسون في أعماقهم أنه قائل هذا الكلام.. وذلك كما ظهر منهم في بعض الأحيان! ولا يكمل السياق الآية حتى يبين عبث هذه الحركة، والله، الذي أنزل هذه الآيات، معهم حين يستخفون وحين يبرزون. ويصور هذا المعنى ـ على الطريقة القرآنية ـ في صورة مرهوبة، وهم في موضع خفي دقيق من أوضاعهم. حين يأوون إلى فراشهم، ويخلون إلى أنفسهم، والليل لهم ساتر، وأغطيتهم لهم ساتر. ومع ذلك فالله معهم من وراء هذه الأستار حاضر ناظر قاهر. يعلم في هذه الخلوه ما يسرون وما يعلنون: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون}.. والله يعلم ما هو أخفى. وليست أغطيتهم بساتر دون علمه. ولكن الإنسان يحس عادة في مثل هذه الخلوة أنه وحيد لا يراه أحد. فالتعبير هكذا يلمس وجدانه ويوقظه، ويهزه هزة عميقة إلى هذه الحقيقة التي قد يسهو عنها، فيخيل إليه أن ليس هناك من عين تراه! {إنه عليم بذات الصدور}.. عليم بالأسرار المصاحبة للصدور، التي لا تفارقها، والتي تلزمها كما يلزم الصاحب صاحبه، أو المالك ملكه.. فهي لشدة خفائها سميت ذات الصدور. ومع ذلك فالله بها عليم.. وإذن فما من شيء يخفى عليه، وما من حركة لهم أو سكنة تذهب أو تضيع. {وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها؛ كل في كتاب مبين}.. وهذه صورة أخرى من صور العلم الشامل المرهوب.. هذه الدواب ـ وكل ما تحرك على الأرض فهو دابة من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة. ما من دابة من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة، وتكمن في باطنها، وتخفى في دروبها ومساربها. ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحيط بها حصر ولا يكاد يلم بها إحصاء.. إلا وعند الله علمها. وعليه رزقها، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن. من أين تجيء وأين تذهب.. وكل منها. كل من أفرادها مقيد في هذا العلم الدقيق. إنها صورة مفصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق. ويزيد على مجرد العلم، تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا الحشد الذي يعجز عن تصوره الخيال. وهذه درجة أخرى، الخيال البشري عنها أعجز إلا بإلهام من الله.. وقد أوجب الله ـ سبحانه ـ على نفسه مختاراً أن يرزق هذا الحشد الهائل الذي يدب على هذه الأرض. فأودع هذه الأرض القدرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات جميعاً، وأودع هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض في صورة من صوره. ساذجاً خامة، أو منتجاً بالزرع، أو مصنوعاً، أو مركباً.. إلى أخر الصور المتجددة لإنتاج الرزق وإعداده. حتى إن بعضها ليتناول رزقه دماً حياً مهضوماً ممثلاً كالبعوضة والبرغوث!! وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله ورحمته في خلق الكون على الصورة التي خلقه بها؛ وخلق هذه المخلوقات بالإستعدادات والمقدرات التي أوتيتها. وبخاصة الإنسان. الذي استخلف في الأرض، وأوتي القدرة على التحليل والتركيب، وعلى الإنتاج والإنماء، وعلى تعديل وجه الأرض، وعلى تطوير أوضاع الحياة؛ بينما هو يسعى لتحصيل الرزق، الذي لا يخلقه هو خلقاً، وإنما ينشئه مما هو مذخور في هذا الكون من قوى وطاقات أودعها الله؛ بمساعدة النواميس الكونية الإلهية التي تجعل هذا الكون يعطي مدخراته وأقواته لكافة الأحياء! وليس المقصود ان هناك رزقاً فردياً مقدراً لا يأتي بالسعي، ولا يتأخر بالقعود، ولا يضيع بالسلبية والكسل، كما يعتقد بعض الناس! وإلا فأين الأسباب التي أمر الله بالأخذ بها، وجعلها جزءاً من نواميسه؟ وأين حكمة الله في إعطاء المخلوقات هذه المقدرات والطاقات؟ وكيف تترقى الحياة في مدارج الكمال المقدر لها في علم الله، وقد استخلف عليها الإنسان ليؤدي دوره في هذا المجال؟ إن لكل مخلوق رزقاً. هذا حق. وهذا الرزق مذخور في هذا الكون. مقدر من الله من سننه التي ترتب النتاج على الجهد. فلا يقعدن أحد عن السعي وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات. حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحداً، ولا تتخلف أو تحيد. إنما هو كسب طيب وكسب خبيث، وكلاهما يحصل من عمل وجهد. إلا أنه يختلف في النوع والوصف. وتختلف عاقبة المتاع بهذا وذاك. ولا ننسى المقابلة بين ذكر الدواب ورزقها هنا؛ وبين المتاع الحسن الذي ذكر في التبليغ الأول. والسياق القرآني المحكم المتناسق لا تفوته هذه اللفتات الأسلوبية والموضوعية، التي تشارك في رسم الجو في السياق. وهاتان الآيتان الكريمتان هما بدء تعريف الناس بربهم الحق الذي عليهم أن يدينوا له وحده. أي أن يعبدوه وحده. فهو العالم المحيط علمه بكل خلقه، وهو الرازق الذي لا يترك أحداً من رزقه. وهذه المعرفة ضرورية لعقد الصلة بين البشر وخالقهم؛ ولتعبيد البشر للخالق الرازق العليم المحيط. ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم، وإطلاعهم على آثار قدرته وحكمته. في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة؛ لحكمة كذلك خاصة. يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب و العمل والجزاء: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا: إن هـذا إلا سحر مبين}.. وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس.. وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس. {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}. والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة: {وكان عرشه على الماء} وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي إنتهيا إليه كان هناك الماء؛ وكان عرش الله سبحانه على الماء.. أما كيف كان هذا الماء، وأين كان، وفي أية حالة من حالاته كان. وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء.. فزيادات لم يتعرض لها النص، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئاً على مدلول النص، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده. وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقاً من النظريات التي تسمى "العلمية" ـ حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق ـ فالنظريات "العلمية" قابلة دائماً للإنقلاب رأساً على عقب، كلما اهتدى العلماء إلى فرض جديد، وامتحنوه فوجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم الذي قامت عليه النظرية الأولى. والنص القرآني صادق بذاته، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد. وفرق بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية. فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة ـ وإن كانت دائماً احتمالية وليست قطعية ـ أما النظرية العلمية فهي قائمة على فرض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب.. ومن ثم لا يحمل القرآن عليها ولا تحمل هي على القرآن، فلها طريق غير طريق القرآن. ومجال غير مجال القرآن. وتلمسُّ موافقات من النظريات "العلمية" للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحة ما فيه، وأنه من لدن حكيم خبير. هزيمة ناشئة من الفتنة "بالعلم" وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته. فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على "العلم" يخدم القرآن ويخدم العقيدة، ويثبت الإيمان! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه! إن القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء. أما الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير مجال القرآن. وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والإستقامة والسلامة، وتحريره من الوهم والأسطورة والخرافة. كما عمل على إقامة نظام للحياة يكفل لهذا العقل أن يستقيم، وأن يتحرر، وأن يعيش في سلام ونشاط.. ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة. ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه. ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادراً. مثل أن الماء أصل الحياة والعنصر المشترك في جميع الأحياء. ومثل أن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث... وأمثال هذه الحقائق. التي صرحت بها النصوص القرآنية. ونعود من هذا الإستطراد إلى النص القرآني نتملاه في مجاله الأصيل. مجال بناء العقيدة وتصريف الحياة: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ـ وكان عرشه على الماء ـ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.. خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. وهنا فقرات كثيرة محذوفة يشير إليها ما بعدها فيغني عنها.. خلقها في هذا الأمد، لتكون صالحة ومجهزة لحياة هذا الجنس البشري، وخلقكم وسخر لكم الأرض وما يفيدكم من السماوات.. وهو سبحانه مسيطر على الكون كله.. {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.. والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام ـ مع سيطرة الله سبحانه على مقاليده ـ كان من أجل ابتلاء الإنسان. ليعظم هذا الإبتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم. وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس، جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات؛ وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون؛ وترك له جانباً إختيارياً في حياته، يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه الله عليه ويهديه، أو أن يتجه إلى الضلال فيمد الله له فيه، وترك الناس يعملون، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. يبلوهم لا للعلم فهو يعلم. ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم، فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة الله وعدله. ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيباً غريباً في هذا الجو. بعدما يذكر أن الإبتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض. أصيل في نظام الكون وسنن الوجود. ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود، وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون: {ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا: إن هـذا إلا سحر مبين}.. فما أعجبها قولة، وما أغربها، وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها! شأنهم في التكذيب بالبعث، وجهلهم بارتباطه بناموس الكون، هو شأنهم في مسألة العذاب الدنيوي، فهم يستعجلونه ويتساءلون عن سبب تأخيره، إذا ما اقتضت الحكمة الأزلية أن يتأخر عنهم فترة من الوقت: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن: ما يحبسه؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون}. لقد كانت القرون الأولى تهلك بعذاب من عند الله يستأصلها، بعد أن يأتيهم رسولهم بالخوارق التي يطلبونها ثم يمضون هم في التكذيب. ذلك أنها كانت رسالات مؤقتة لأمة من الناس، ولجيل واحد من هذه الأمة. والمعجزة كذلك لا يشهدها إلا هذا الجيل، ولا تبقى لتشاهدها أجيال أخرى لعلها تؤمن بها أكثر مما آمن الجيل الذي شهدها أول مرة. فأما الرسالة المحمدية فقد كانت خاتمة الرسالات، ولجميع الأقوام وجميع الأجيال، وكانت المعجزة التي صاحبتها معجزة غير مادية، فهي قابلة للبقاء، قابلة لأن تتدبرها أجيال وأجيال، وتؤمن بها أجيال وأجيال، ومن ثم اقتضت الحكمة ألا تؤخذ هذه الأمة بعذاب الإستئصال. وأن يقع العذاب على أفراد منها في وقت معلوم.. وكذلك كان الحال في الأمم الكتابية قبلها من اليهود والنصارى، فلم يعم فيهم عذاب الإستئصال. ولكن المشركين في جهلهم بنواميس الله الخالصة بخلق الإنسان على هذا النحو من القدرة على الإختيار والإتجاه؛ وخلق السماوات والأرض على نحو يسمح له بالعمل والنشاط والبلاء ينكرون البعث. وفي جهلهم بسنن الله في الرسالات والمعجزات والعذاب يتساءلون إذا ما أخر عنهم إلى أمة من السنوات أو الأيام ـ أي مجموعة منها ـ ما يحبسه؟ وما يؤخره؟ فلا يدركون حكمة الله ولا رحمته. وهو يوم يأتيهم لا يصرف عنهم، بل يحيط بهم، جزاء لاستهزائهم الذي يدل عليه سؤالهم واستهتارهم: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}. إن عذاب الله لا تستعجله نفس مؤمنة ولا نفس جادة. وإذا ما أبطأ فهي حكمة ورحمة. ليؤمن من يتهيأ للإيمان. وفي فترة التأجيل التي صرف الله العذاب فيها عن مشركي قريش، كم آمن منهم من رجال حسن إسلامهم وأبلوا أحسن البلاء. وكم ولد لكفارهم من ذرية نشأت فيما بعد في الإسلام.. وهذه وتلك بعض الحكم الظاهرة والله يعلم ما بطن. ولكن البشر القاصرين العجولين لا يعلمون.. وبمناسبة استعجال العذاب يجول السياق جولة في نفس هذا المخلوق الإنساني العجيب، الذي لا يثبت ولا يستقيم إلا بالإيمان: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن: ذهب السيئات عني، إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات، أولـئك لهم مغفرة وأجر كبير}.. إنها صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر، الذي يعيش في لحظته الحاضرة، ويطغى عليه ما يلابسه؛ فلا يتذكر ما مضى ولا يفكر فيما يلي. فهو يؤوس من الخير، كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه. مع أنها كانت هبة من الله له. وهو فرح بطر بمجرد أن يجاوز الشدة إلى الرخاء. لا يحتمل في الشدة ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه؛ ولا يقتصد في فرحه وفخره بالنعمة أو يحسب لزوالها حساباً.. {إلا الذين صبروا}.. صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة، فإن كثيراً من الناس يصبرون على الشدة تجلداً وإباء أن يظهر عليهم الضعف والخور، ولكن القلة هي التي تصبر على النعمة فلا تغتر ولا تبطر.. {وعملوا الصالحات}.. في الحالين. في الشدة بالاحتمال والصبر، وفي النعمة بالشكر والبر. {أولئك لهم مغفرة وأجر كبير}.. بما صبروا على الضراء وبما شكروا في السراء. إن الإيمان الجاد المتمثل في العمل الصالح هو الذي يعصم النفس البشرية من اليأس الكافر في الشدة؛ كما يعصمها من البطر الفاجر في الرخاء. وهو الذي يقيم القلب البشري على سواء في البأساء والنعماء؛ ويربطه بالله في حاليه، فلا يتهافت تحت مطارق البأساء. ولا يتنفج ويتعالى عندما تغمره النعماء.. وكلا حالي المؤمن خير. وليس ذلك إلا للمؤمن كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. أولئك الجاهلون بحكمة الخلق وبسنن الكون ـ وهم أفراد من هذا الإنسان القاصر الغافل اليؤوس الكفور الفرح الفخور ـ الذين لا يدركون حكمة إرسال الرسل من البشر فيطلبون أن يكون ملكاً أو أن يصاحبه ملك؛ ولا يقدرون قيمة الرسالة فيطلبون أن يكون للرسول كنز!.. أولئك المكذبون المعاندون الذين يلجون في التكذيب والعناد.. ما تراك صانعاً معهم أيها الرسول؟ {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل}.. ولعل هنا تحمل معنى الإستفهام. وهو ليس استفهاماً خالصاً، إنما يتلبس به أن المتوقع من النفس البشرية أن تضيق صدراً بهذا الجهل، وبهذا التعنت، وبهذه الإقتراحات السخيفة التي تكشف عن بعد كامل عن إدراك طبيعة الرسالة ووظيفتها. فهل سيضيق صدرك ـ يا محمد ـ وهل سيحملك هذا الضيق على أن تترك بعض ما أنزل إليك فلا تبلغه لهم، كي لا يقابلوه بما اعتادوا أن يقابلوا به نظائره فيما أخبرتهم من قبل؟ كلا. لن تترك بعض ما يوحى إليك ولن يضيق به صدرك من قولهم هذا: {إنما أنت نذير}.. فواجبك كله أن تنذرهم ـ وأبرز صفة النذير هنا لأن المقام يستوجبها مع أمثال هؤلاء ـ فأد واجبك: {والله على كل شيء وكيل}.. فهو الموكل بهم، يصرفهم كيف يشاء وفق سنته، ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون. ولست أنت موكلاً بكفرهم أو إيمانهم. إنما أنت نذير. وهذه الآية تشي بجو تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة؛ وما كان يعتور صدر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الضيق. كما تشي بثقل المواجهة للجاهلية المتمردة المعاندة، في الوقت الذي هلك فيه العشير والنصير؛ وغمرت الوحشة قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغشى الكرب على قلوب المؤمنين القلائل في هذه الجاهلية المحيطة.. ومن بين كلمات الآية نحس جواً مكروباً تتنزل فيه هذه الكلمات الربانية بالبشاشة، وتسكب فيه الطمأنينة، وتريح الأعصاب والقلوب! وقولة أخرى يقولونها. وقد قالوها مراراً: إن هذا القرآن مفترى. فتحدّهم إذن أن يفتروا عشر سور كسوره، وليستعينوا بمن يشاءون في هذا الإفتراء: {أم يقولون افتراه؟ قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.. ولقد سبق أن تحداهم بسورة واحدة في سورة يونس، فما التحدي بعد ذلك بعشر سور؟ قال المفسرون القدامى: إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة. ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل. بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور. وحقيقة إن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور. فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول. إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبته. وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود. والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز. ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد {عشر سور} علة، فأجهد نفسه طويلاً ـ رحمة الله عليه ـ ليقول: إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني، وأنه بالإستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشراً. فتحداهم بعشر.. لأن تحديهم بسورة واحدة فيه يعجزهم أكثر من تحديهم بعشر نظراً لتفرق القصص وتعدد أساليبه، واحتياج المتحدي إلى عشر سور كالتي ورد فيها ليتمكن من المحاكاة إن كان سيحاكى.. إلخ. ونحسب ـ والله أعلم ـ أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد. وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، لأن القرآن كان يواجه حالات واقعة محددة مواجهة واقعة محددة. فيقول مرة: ائتوا بمثل هذا القرآن. أو ائتوا بسورة، أو بعشر سور. دون ترتيب زمني. لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن. كله أو بعضه أو سورة منه على السواء. فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره. والعجز كان عن النوع لا عن المقدار. وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة. ولا يلزم ترتيب، إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة. فهو الذي يجعل من المناسب أن يقال سورة أو عشر سور أو هذا القرآن. ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن. {وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.. ادعوا شركاءكم وفصحاءكم وبلغاءكم وشعراءكم وجنكم وإنسكم. وأتوا بعشر سور فقط مفتريات، إن كنتم صادقين في أن هذا القرآن مفترى من دون الله! {فإن لم يستجيبوا لكم}.. ولم يقدروا على افتراء عشر سور، لأنهم عاجزون عن أن يقدموا لكم عوناً في هذه المهمة المتعذرة! وعجزتم أنتم بطبيعة الحال، لأنكم لم تدعوهم لتستعينوا بهم إلا بعد عجزكم! {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله}.. فهو وحده القادر على أن ينزله، وعلم الله وحده هو الكفيل بأن ينزله على هذا النحو الذي نزل به، متضمناً ما تضمنه من دلائل العلم الشامل بسنن الكون وأحوال البشر، وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وما يصلح لهم في نفوسهم وفي معاشهم.. {وأن لا إله إلا هو}.. فهذا مستفاد كذلك من عجز آلهتكم عن تلبيتكم في تأليف عشر سور كالتي أنزلها الله. فلا بد أن يكون هناك إله واحد هو القادر على تنزيل هذا القرآن. ويعقب على هذا التقرير الذي لا مفر من الإقرار به بسؤال لا يحتمل إلا جواباً واحداً عند غير المكابرين المتعنتين. سؤال: {فهل أنتم مسلمون؟}. بعد هذا التحدي والعجز ودلالته التي لا سبيل إلى مواجهتها بغير التسليم؟. ولكنهم ظلوا بعدها يكابرون!!! لقد كان الحق واضحاً ولكنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من منافع وسلطان، وتعبيد للناس كي لا يستجيبوا لداعي الحرية والكرامة والعدل والعزة.. داعي لا إله إلا الله.. لهذا يعقب السياق بما يناسب حالهم ويصور لهم عاقبة أمرهم فيقول: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولـئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون}.. إن للجهد في هذه الأرض ثمرته. سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به الى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا و زينتها فعمل لها وحدها، فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا؛ ويتمتع بها كما يريدـ في أجل محدود ـ ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيئاً، ولم يحسب لها حساباً، فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا. ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط (من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض) وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك! ونحن نشهد في هذه الأرض أفراداً اليوم وشعوباً وأمماً تعمل لهذه الدنيا، وتنال جزاءها فيها. ولدنياها زينة، ولدنياها انتفاخ! فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل: لماذا؟ لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون}. ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه ـ ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع ـ فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئاً، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى. إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الإتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره؛ بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيباً والمتاع به طيباً، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون. بعد ذلك يلتفت السياق إلى موقف المشركين من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاءه من الحق؛ وإلى هذا القرآن الذي يشهد له بأنه على بينة من ربه، وأنه مرسل من عنده؛ كما يشهد له كتاب موسى من قبله. يلتفت السياق إلى هذا الحشد من الأدلة المحيطة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبدعوته ورسالته. ذلك ليثبت بهذه الإلتفاته قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه. ثم ليوعد الذين يكفرون به من أحزاب المشركين بالنار؛ وليعرضهم في مشهد من مشاهد العذاب يوم القيامة يجلله الخزي والعار جزاء العتو والإستكبار؛ وليقرر أن هؤلاء المتبجحين بالباطل، المعاندين في الحق أعجز من أن يفلتوا من عذاب الله؛ وأعجز من أن يجدوا لهم من دون الله أولياء.. {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. وليعقد بينهم وبين المؤمنين موازنة في صورة حسية مشهودة؛ تصور الفارق البعيد بين الفريقين في طبيعتهما، وفي موقفهما وحالهما في الدنيا وفي الآخرة سواء: {أفمن كان على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة؟ أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً؛ أولـئك يعرضون على ربهم؛ ويقول الأشهاد: هـؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة هم كافرون. أولـئك لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أوليآء، يضاعف لهم العذاب. ما كانوا يستطيعون السمع، وما كانوا يبصرون. أولـئك الذين خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون. لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}. مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون؟}.. إن طول هذه الجملة، وتنوع الإشارات والإيحاءات فيها، وتنوع اللفتات والإيقاعات أيضاً.. إن هذا كله يشي بما كانت تواجهه القلة المؤمنة، في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة؛ ويصور لنا حاجة الموقف إلى هذه المعركة التقريرية الإيحائية؛ كما يصور لنا طبيعة هذا القرآن الحركية؛ وهو يواجه ذلك الواقع ويجاهده جهاداً كبيراً. إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة؛ ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها. والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالالته وهم قاعدون. يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئاً في هذه القعدة الباردة الساكنة؛ بعيداً عن المعركة وبعيداً عن الحركة.. إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبداً، وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير الله، والدينونة للطاغوت من دون الله! {أفمن كان على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة؟ أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه}.. وفي قوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه}. وفي عائد هذه الضمائر في: {ربه} وفي {يتلوه} وفي {منه}.. وأرجحها ـ كما يبدو لي ـ هو أن المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به ـ وأن المقصود بقوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه} أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته. وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من الله لا يقدر عليه بشر. {ومن قبله} ـ أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن؛ {كتاب موسى} يشهد كذلك بصدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواء بما تضمنه من البشارة به؛ أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده. والذي يرجح هذا عندي هو وحده التعبير القرآني في السورة ـ في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم، من بينة يجدونها في أنفسهم، يستيقنون معها أن الله هو الذي يوحي إليهم، ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجوداً مستيقناً واضحاً لا يخالجهم معه شك ولا ريبة. فنوح ـ عليه السلام ـ يقول لقومه: {أية : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟}.. تفسير : وصالح عليه السلام يقول الكلمة ذاتها: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. تفسير : وشعيب عليه السلام يقولها كذلك: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً}.. تفسير : فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم، تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستيقنة لحقيقة الألوهية في نفوسهم؛ ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضاً.. وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصداً في سياق السورة ـ كما أسلفنا في التعريف بها ـ لإثبات أن شأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله؛ مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم؛ فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعاً، والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعاً. ويكون المعنى الكلي للآية: أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقة وصحة إيمانه ويقينه.. حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه. وحيث يتبعه ـ أو يتبع يقينه هذا ـ شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني. وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله، هو كتاب موسى الذي جاء إماماً لقيادة بني إسرائيل ورحمة من الله تنزلت عليهم. وهو يصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما تضمنه من التبشير به، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الإعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله.. يقول: أفمن كان هذا شأنه يكون موضعاً للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟ إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات.. ثم يعرض مواقف الذين يؤمنون بهذا القرآن والذين يكفرون به من الأحزاب، وما ينتظر هؤلاء من جزاء في الآخرة. ويعرج على تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذين يؤمنون بما معه من الحق؛ فلا يقلقهم شأن المكذبين الكافرين، وهم كثرة الناس في ذلك الحين: {أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. وقد وجد بعض المفسرين إشكالاً في قوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} إذا كان المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} هو شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما أسلفنا.. فإن {أولئك} تعني جماعة يؤمنون بهذا الوحي وبتلك البينة.. ولا إشكال هناك. فالضمير في قوله تعالى {أولئك يؤمنون به} يعود على {شاهد} وهو القرآن. وكذلك الضمير في قوله تعالى {ومن قبله} فإنه يعود على القرآن كما أسلفنا.. فلا إشكال في أن يقول: {أولئك يؤمنون به} ـ أي بهذا الشاهد أي بهذا القرآن ـ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أول من آمن بما أنزل إليه، ثم تبعه المؤمنون: {أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...} تفسير : كما جاء في آية البقرة.. والآية هنا تشير إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتدمج معه المؤمنين الذين آمنوا بما آمن به هو وبلغهم إياه.. وهو أمر مألوف في التعبير القرآني، ولا إشكال فيه. {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}.. وهو موعد لا يخلف، والله سبحانه هو الذي قدره ودبره! {فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. وما شك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أوحي إليه، ولا امترى ـ وهو على بينة من ربه ـ ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد هذه الدلائل والشواهد يشي بما كان يخالج نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ضيق وتعب ووحشة من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين، تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت. كذلك ما كان يخالج قلوب القلة المسلمة من ضيق وكرب يحتاج إلى برد اليقين يتنزل عليهم من ربهم الرحيم. وما أحوج طلائع البعث الإسلامي؛ وهي تواجه مثل تلك الحال في كل مكان؛ ويتآزر عليها الصد والإعراض، والسخرية والإستهزاء، والتعذيب والإيذاء؛ والمطاردة بكل صورها المادية والمعنوية؛ وتتضافر عليها كل قوى الجاهلية في الأرض من محلية وعالمية؛ وتسلط عليها أبشع ألوان الحرب وأنكدها؛ ثم تدق الطبول وتنصب الرايات لمن يحاربونها هذه الحرب ومن يطاردونها هذه المطاردة.. ما أحوج هذه الطلائع إلى تدبر هذه الآية بكل فقرة فيها، وبكل إشارة، وبكل لمحة فيها وكل إيماءة! ما أحوجها إلى اليقين الذي يحمله التوكيد الرباني الحكيم: {فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. وما أحوجها إلى أن تجد في نفسها ظلالاً لما كان يجده الرسل الكرام صلوات الله عليهم وسلامه من بينة من ربهم، ومن رحمة لا يخطئونها ولا يشكون فيها لحظة؛ ومن التزام بالمضي في الطريق مهما تكن عقبات الطريق: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. إن هذه الطلائع تتصدى لمثل ما كان يتصدى له ذلك الرهط الكريم من الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ـ وتجد من الجاهلية مثلما كانوا يجدون.. لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى البشرية كلها بهذا الدين؛ فواجهته بجاهليتها التي صارت إليها بعد الإسلام الذي جاءها به من قبل إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان ويحيى وعيسى، وسائر النبيين! إنها الجاهلية التي تعترف بوجود الله ـ سبحانه ـ أولا تعترف. ولكنها تقيم للناس أرباباً في الأرض يحكمونهم بغير ما أنزل الله؛ ويشرعون لهم من القيم والتقاليد والأوضاع ما يجعل دينونتهم لهذه الأرباب لا لله.. ثم هي الدعوة الإسلامية للناس كافة أن ينحوا هذه الأرباب الأرضية عن حياتهم وأوضاعهم ومجتمعاتهم وقيمهم وشرائعهم، وأن يعودوا إلى الله وحده يتخذونه رباً لا أرباب معه؛ ويدينون له وحده. فلا يتبعون إلا شرعه ونهجه، ولا يطيعون إلا أمره ونهيه.. ثم هي بعد هذه وتلك المعركة القاسية بين الشرك والتوحيد، وبين الجاهلية والإسلام. وبين طلائع البعث الإسلامي وهذه الطواغيت في أرجاء الأرض والأصنام! ومن ثم لا بد لهذه الطلائع من أن تجد نفسها وموقفها كله في هذا القرآن في مثل هذا الأوان.. وهذا بعض ما نعنيه حين نقول: "إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة. ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها، وإن الذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئاً في هذه القعدة الباردة الساكنة، بعيداً عن المعركة، وبعيداً عن الحركة...". ثم يمضي السياق يواجه الذين يكفرون به؛ ويزعمون أنه مفترى من دون الله، ويكذبون على الله سبحانه وعلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك في مشهد من مشاهد القيامة يعرض فيه الذين يفترون على الله الكذب. سواء بقولهم: إن الله لم ينزل هذا الكتاب، أو بادعائهم شركاء لله. أو بدعواهم في الربوبية الأرضية وهي من خصائص الألوهية.. يجمل النص هنا الإشارة لتشمل كل ما يوصف بأنه كذب على الله. هؤلاء يعرضون في مشهد يوم القيامة للتشهير بهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد. وفي الجانب الآخر المؤمنون المطمئنون إلى ربهم وما ينتظرهم من نعيم. ويضرب للفريقين مثلاً: الأعمى والأصم والبصير والسميع: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟أولـئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد: هـؤلاء الذين كذبوا على ربهم. ألا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة هم كافرون. أولـئك لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أولياء، يضاعف لهم العذاب، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون. أولـئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم، أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلا؟ أفلا تذكرون؟}. إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء، وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب. فما بال حين يكون هذا الإفتراء على الله؟ {أولئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم}. إنه التشهير والتشنيع. بالإشارة: {هؤلاء}.. {هؤلاء الذين كذبوا}.. وعلى من؟ {على ربهم} لا على أحد آخر! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة: {ألا لعنة الله على الظالمين}.. يقولها الأشهاد كذلك. والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون، أو هم الناس أجمعون. فهو الخزي والتشهير ـ إذن ـ في ساحة العرض الحاشدة! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد: {ألا لعنة الله على الظالمين}.. والظالمون هم المشركون. وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل الله. {ويبغونها عوجاً}.. فلا يريدون الإستقامة ولا الخطة المستقيمة، إنما يريدونها عوجاً والتواء وانحرافاً. يريدون الطريق أو يريدون الحياة أو يريدون الأمور.. كلها بمعنى.. {وهم بالآخرة هم كافرون} ويكرر {هم} مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير. والذين يشركون بالله ـ سبحانه ـ وهم الظالمون ـ إنما يريدون الحياة كلها عوجاً حين يعدلون عن استقامة الإسلام. وما تنتج الدينونة لغير الله ـ سبحانه ـ إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس، وفي كل جانب من جوانب الحياة. إن عبودية الناس لغير الله سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد الله أن يقيمها على الكرامة. وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد الله أن يقيمها على القسط والعدل. وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر، والنفخ فيها دائماً لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي. ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي، فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب، وهمٍّ مقعد مقيم ينفخون فيها ليل ونهار، ويسلطون عليها الأضواء والأنظار، ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح، حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم.. فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء؟! {أولئك}.. البعداء المبعدون الملعونون. {لم يكونوا معجزين في الأرض}.. فلم يكن أمرهم معجزاً لله، ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا.. {وما كان لهم من دون الله من أولياء}.. ينصرونهم أو يمنعونهم من الله. إنما تركهم لعذاب الآخرة، ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: {يضاعف لهم العذاب}.. فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر؛ كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر: {وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}.. {أولئك الذين خسروا أنفسهم}.. وهي أفدح الخسارة، فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئاً مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا، لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الإرتفاع عن الدينونة لغير الله من العبيد. كما تتمثل في الإرتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع ـ مع المتاع بها ـ إلى ما هو أرقى وأسمى. وذلك حين كفروا بالآخرة، وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه. وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم، وبهذا العذاب الذي ينتظرهم.. {وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على الله. فقد تبدد وذهب وضاع. {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. الذين لا تعدل خسارتهم خسارة. وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى. وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح، المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأخبتوا إلى ربهم، أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.. والإخبات الطمأنينة والإستقرار والثقة والتسليم.. وهي تصور حال المؤمن مع ربه، وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به، وهدوء نفسه وسكون قلبه، وأمنه واستقراره ورضاه: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلاً؟}.. صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين. والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع ـ والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس ـ والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع، فيهديه بصره وسمعه. {هل يستويان مثلاً؟}.. سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة. {أفلا تذكّرون}. فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. فهي بديهية لا تقتضي التفكير.. وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير.. أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير..
ابن عاشور
تفسير : {الۤر} تقدم القول على الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة وغيرها من نظرائها وما سورة يونس ببعيد. {كتاب أحكمت اياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} القول في الافتتاح بقوله: {كتاب} وتنكيره مماثل لما في قوله: {أية : كتاب أنزل إليك}تفسير : في سورة [الأعراف: 2]. والمعنى: أن القرآن كتاب من عند الله فلماذا يَعجب المشركون من ذلك ويكذبون به. فـ(كتاب) مبتدأ، سوغ الابتداء ما فيه من التنكير للنوعية. و{من لدن حكيم خبير} خبَر و{أحكمت آياته} صفة لـ(كتاب)، ولك أن تجعل {أحكمت آياته} صفة مخصصة، وهي مسوغ الابتداء. ولك أن تجعل (أحكمت) هو الخبر. وتجعل {من لدن حكيم خبير} ظرفاً لغواً متعلقاً بـ{أحكمت} و{فُصلت}. والإحكام: إتقان الصنع، مشتق من الحِكْمة بكسر الحاء وسكون الكاف. وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الأخلال التي تعرض لنوعها، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن أخلال المعنى واللفظ. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : منه آيات محكمات}تفسير : في أول سورة [آل عمران: 7]. وبهذا المعنى تنبىء المقابلة بقوله: {من لدن حكيم}. وآيات القرآن: الجمل المستقلة بمعانيها المختتمة بفواصل. وقد تقدم وجه تسمية جمل القرآن بالآيات عند قوله تعالى: {أية : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا}تفسير : في أوائل سورة [البقرة: 39]، وفي المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير. والتفصيل: التوضيح والبيان. وهو مشتق من الفَصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}تفسير : في سورة [الأنعام: 55]. ونظيره: الفرق، كنى به عن البيان فسمي القرآن فُرقاناً. وعن الفصل فسمي يوم بَدر يوم الفرقان، ومنه في ذكر ليلة القدر{أية : فيها يُفرق كل أمر حكيم}تفسير : [الدخان: 4]. و(ثُم) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح. و{من لدن حكيم خبير} أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته، وإيضاح التبيين لقوة علمه. والخبير: العالم بخفايا الأشياء، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز، فالحكيم مقابل لـ{أحْكمتْ}، والخبير مقابل لـ{فُصّلتْ}. وهما وإن كانا متعلّق العلم ومتعلّق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم، إلا أنه روعي في المقابلة الفعلُ الذي هو أثرُ إحدى الصفتين أشدُّ تبادُراً فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة.
الشنقيطي
تفسير : اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافاً كثيراً، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحداً من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل وعلا نستعين: قال بعض العلماء: هي مما استأثر الله تعالى بعلمه. كما بيناه في "آل عمران" وممن روي عنه هذا القول: أبو بكر، وعمر، وعثمان. وعلي، وابن مسعود – رضي الله عنهم – وعامر والشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل: هي أسماء للسور التي افتتحت بها. وممن قال هذا بهذا القول: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم. قال الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة {الم} السجدة، و{هل أتى على الإنسان} . تفسير : ويدل له أيضاً قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما يوم الجمل، وهو شريح ابن أبي أوفى العبسي. كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن: شعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم تفسير : وحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلاً: إنه الذي قتل محمد بن طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف: أنه لمدلج بن كعب السعدي. ويقال كعب بن مدلج. وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني: وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله: شعر : وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعاً لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعاً علياً ومن لا يتبع الحق يندم تفسير : يذكرني حاميم... البيت. ا هـ من فتح الباري. فقوله: "يذكرني حاميم"، بإعراب "حاميم" إعراب ما لا ينصرف – فيه دلالة على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة. وقيل: هي من اسماء الله تعالى. وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وعنه أيضاً: أنها أقسام أقسم الله بها. وهي من أسمائه. وروي نحوه عن عكرمة. وقيل: هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسماءه جل وعلا. فالألف من "الم" مثلاً: مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي العاليه. واستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز: شعر : قلت لها قفي فقالت لي قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تفسير : فقوله: "قاف" أي وقفت. وقول الآخر: شعر : بالخير خيرات وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أن تا تفسير : يعني: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين. قال القرطبي: وفي الحديث"حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة"تفسير : الحديث. قال سفيان: هو أن يقول في أقتل: أ ق. إلى غير ما ذكرنا من الأقوال في فواتح السور، وهي نحو ثلاثين قولاً. أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماُ عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائماَ دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق. قال تعالى في البقرة: {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1] وأتبع ذلك بقوله {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 2] وقال في آل عمران {أية : الۤمۤ}تفسير : [آل عمران: 1] وأتبع ذلك بقوله: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [آل عمران: 2 –3] الآية. وقال في الأعراف: {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : ثم قال {أية : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْك} تفسير : الآية. وقال في سورة يونس: {أية : الۤر}تفسير : ثم قال: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [يونس: 1] وقال في هذه السورة الكريمة التي نحن بصددها – أعني سورة هود {الۤر} ثم قال {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} [هود: 1]، وقال في يوسف: {أية : الۤرً}تفسير : ثم قال: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [يوسف: 1] {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّا}تفسير : [يوسف: 2] الآية. وقال في الرعد: {أية : الۤمۤرّ}تفسير : ثم قال: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَق}تفسير : [الرعد: 1]، وقال في سورة إبراهيم {أية : الۤر}تفسير : ثم قال {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّور} تفسير : [إبراهيم: 1] الآية. وقال في الحجر: {أية : الۤرَ}تفسير : ثم قال: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الحجر: 1] وقال في سورة طه {أية : طه}تفسير : [طه: 1] ثم قال: {أية : مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 2] وقال في الشعراء: {أية : طسۤمۤ}تفسير : [الشعراء: 1] ثم قال {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَك}تفسير : [الشعراء: 2-3] الآية. وقال في النمل: {أية : طسۤ}تفسير : ثم قال { أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِين} تفسير : [النمل: 1] وقال في القصص {أية : طسۤمۤ} تفسير : [القصص: 1] ثم قال {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [القصص: 2] {أية : نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْن}تفسير : [القصص: 3] الآية. وقال في لقمان {أية : الۤـمۤ}تفسير : [لقمان: 1] ثم قال {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [لقمان: 2] {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِين} تفسير : [لقمان: 3] وقال في السجدة {أية : الۤـمۤ}تفسير : [السجدة: 1] ثم قال {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِين}تفسير : [السجدة: 2] وقال في يس {أية : يسۤ } تفسير : [يس: 1] ثم قال {أية : وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 2] الآية وقال في ص {أية : صۤ}تفسير : ثم قال {أية : وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] الآية وقال في سورة المؤمن {أية : حـمۤ}تفسير : [المؤمن: 1] ثم قال {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيم} تفسير : [المؤمن: 2] الآية. وقال في فصلت {أية : حـمۤ} تفسير : [فصلت: 1] ثم قال {أية : تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفسير : [فصلت: 2-3] الآية وقال في الشورى {أية : حـمۤ عۤسۤقۤ} تفسير : [الشورى: 1-2] ثم قال {أية : كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [الشورى: 3] الآية وقال في الزخرف {أية : حـمۤ} تفسير : [الزخرف: 1] ثم قال {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}تفسير : [الزخرف: 2-3] الآية وقال في الدخان {أية : حمۤ} تفسير : [الدخان: 1] ثم قال {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 2-3] الآية وقال في الجاثية {أية : حمۤ} تفسير : [الجاثية: 1] ثم قال {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِين} تفسير : [الجاثية: 2-3] وقال في الأحقاف {أية : حـمۤ}تفسير : [الأحقاف: 1] ثم قال {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأحقاف: 2-3] الآية. وقال في سورة ق {أية : قۤ}تفسير : ثم قال {أية : وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيد} تفسير : [ق: 1] الآية. وقد قدمنا كلام الأصوليين في الاحتجاج بالاستقراء بما أغنى عن إعادته هنا. وإنما أخرنا الكلام على الحروف المقطعة مع أنه مرت سور مفتتحة بالحروف المقطعة كالبقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس. لأن الحروف المقطعة في القرآن المكي غالباً، والبقرة، وآل عمران مدنييتان والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود. لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح. لأن قوله تعالى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} بعد قوله {الۤر} واضح جداً فيما كرنا، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {الر} أنا الله الرَّحمن {كتاب} هذا كتابٌ {أُحْكمتْ آياته} بعجيب النَّظم، وبديع المعاني ورصين اللَّفظ {ثمَّ فصلت} بُيِّنت بالأحكام من الحلال والحرام، وجميع ما يحتاج إليه من {لدن حكيم} في خلقه {خبير} بمَنْ يُصدِّق نبيَّه وبمَنْ يُكذِّبه. {ألا تعبدوا} أَيْ: بأن، والتَّقدير: هذا كتابٌ بأن لا تعبدوا {إلاَّ الله}. {و} بـ {أن استغفروا ربكم} أَيْ: من ذنوبكم السَّالفة {ثم توبوا إليه} من المستأنفة متى وقعت {يمتعكم متاعاً حسناً} يتفضَّل عليكم بالرِّزق والسِّعة {إلى أجل مسمى} أجل الموت {ويؤت كلَّ ذي فضلٍ فضله} يؤت كلَّ مَنْ فَضُلَت حسناته على سيئاته فضله؛ يعني: الجنَّة، وهي فضل الله سبحانه {وإن تولوا} تتولَّوا عن الإِيمان {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} وهو يوم القيامة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الر... حروف ابتدأت بها السورة للإشارة إلى أن القرآن معجز، مع أنه مكون من الحروف التى ينطقون بها، وللتنبيه إلى الإصغاء عند تلاوة القرآن الكريم إلى أنه كتاب ذو شأن عظيم، أُنزلت آياته محكمة لا باطل فيها ولا شبهة، ونظمت بأسلوب لا خلل فيه، واضحة بينة، ثم فصلت أحكامها. وللكتاب مع شرفه فى ذاته شرف أنه من عند الله الذى يعلم كل شئ، ويضع الأمور فى مواضعها سبحانه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آلر: هذا أحد الحروف المقطعة: يكتب آلر ويقرأ ألف، لام، را. أحكمت: أي نظمت نظماً متقناً ورصفت ترصيفاً لا خلل فيه. فصلت: أي ببيان الأحكام، والقصص والمواعظ، وأنواع الهدايات. من لدن: أي من عند حكيم خبير وهو الله جل جلاله. متاعاً حسناً: أي بطيب العيش وسعة الرزق. إلى أجل مسمى: أي موت الإِنسان بأجله الذي كتب له. ويؤت كل ذي فضل: أي ويعط كل ذي عمل صالح فاضل جزاءه الفاضل. عذاب يوم كبير: هو عذاب يوم القيامة. يثنون صدورهم: أي يطأطئون رؤوسهم فوق صدورهم ليستتروا عن الله في زعمهم. يستغشون ثيابهم: يغطون رؤوسهم ووجوههم حتى لا يراهم الله في نظرهم الباطل. معنى الآيات: قوله تعالى {الۤر} هذا الحرف مما هو متشابه ويحسن تفويض معناه إلى الله فيقال: الله أعلم بمراده بذلك. إن أفاد فائدتين الأولى: أن القرآن الكريم الذي تحداهم الله بالإِتيان بمثله أو بسورة من مثله قد تألف من مثل هذه الحروف: الۤـمۤ، الۤر، طه، طسۤ حـمۤ، قۤ، نۤ، فألفوا مثله فإن عجزتم فاعلموا أنه كتاب الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا به، والثانية أنهم لما كانوا لا يريدون سماع القرآن بل أمروا باللغو عند قراءته، ومنوا الاستعلان به جاءت هذه الحروف على خلاف ما ألفوه في لغتهم واعتادوه في لهجاتهم العربية فاضطرتهم إلى سماعه فإذا سمعوا تأثروا به وآمنوا ولنعم الفائدة أفادتها هذه الحروف المقطعة. وقوله تعالى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي المؤلف من هذه الحروف كتاب عظيم أحكمت آياته أي رصفت ترصيفاً ونظمت تنظيماً متقناً لا خلل فيها ولا في تركيبها ولا معانيها، وقوله: {ثُمَّ فُصِّلَتْ} أي بين ما تحمله من أحكام وشرائع، ومواعظ وعقائد وآداب وأخلاق بما لا نظير له في أي كتاب سبق، وقوله: {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أي تولى تفصيلها حكيم خبير، حكيم في تدبيره وتصرفه، حكيم في شرعه وتربيته وحكمه وقضائه، خبير بأحوال عباده وشؤون خلقه، فلا يكون كتابه ولا أحكامه ولا تفصيله إلا المثل الأعلى في كل ذلك. وقوله: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي أنزل الكتاب وأحكم أيَهُ وفصَّل أحكامه وأنواع هدايته بأن لا تعبدوا إلا الله إذ لا معبود حق إلا هو ولا عبادة تنفع إلا عبادته. وقوله {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} هذا قول رسوله المبلغ عنه يقول أيها الناس إني لكم منه أي من ربكم الحكيم العليم نذير بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا فتؤمنوا وتوحدوا. وبشير أي أبشر من آمن ووحد وعمل صالحاً بالجنة في الآخرة {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي وبأن تستغفروا ربكم باعترافكم بخطأكم بعبادة غيره، ثم تتوبوا إليه أي ترجعوا إليه بالإِيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وطاعته في أمره ونهيه، ولكم جزاء على ذلك وهو أن يمتعكم في هذه الحياة متاعاً حسناً بالنعم الوفيرة والخيرات الكثيرة إلى نهاية آجالكم المسماة لكل واحد منكم. وقوله {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي ويعط سبحانه وتعالى كل صاحب فضل في الدنيا من بر وصدقة وإحسان فضله تعالى يوم القيامة في دار الكرامة الجنة دار الأبرار. وقوله: {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تعرضوا عن هذه الدعوة فتبقوا على شرككم وكفركم {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} وهو عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} يخبرهم تعالى بعد أن أنذرهم عذاب يوم القيامة بأن مرجعهم إليه تعالى لا محالة فسوف يحييهم بعد موتهم ويجمعهم عنده ويجزيهم بعدله ورحمته {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن ذلك إحياؤهم بعد موتهم ومجازاتهم السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها وهذا هو العدل والرحمة اللذان لا نظير لهما. وقوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} هذا النوع من السلوك الشائن الغبي كان بعضهم يثني صدره أي يطأطىء رأسه ويميله على صدره حتى لا يراه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يفعل ذلك ظناً منه أنه يخفي نفسه عن الله تعالى وهذا نهاية الجهل، وبعضهم يفعل ذلك بغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يراه فرد تعالى هذا بقوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي يتغطون بها {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلا معنى لاستغشاء الثياب استتاراً بها عن الله تعالى فإن الله يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما تخفي صدورهم وإن كانوا يفعلون ذلك بغضاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فبئس ما صنعوا وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مظهر من مظاهر إعجاز القرآن وهو أنه مؤلف من الحروف المقطعة ولم تستطع العرب الإِتيان بسورة مثله. 2- بيان العلة في إنزال الكتاب وأحكام آيِهِ وتفصيلها وهي أن يعبد الله تعالى وحده وأن يستغفره المشركون ثم يتوبون إليه ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة. 3- وجوب التخلي عن الشرك أولا، ثم العبادة الخالصة ثانياً. 4- المعروف لا يضيع عند الله تعالى إذا كان صاحبه من أهل التوحيد {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}. 5- بيان جهل المشركين الذين كانوا يستترون عن الله برؤوسهم وثيابهم. 6- مرجع الناس إلى ربهم شاءوا أم أبوا والجزاء عادل ولا يهلك على الله إلا هالك.
القطان
تفسير : تقدم الكلام على هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، وانها تقرأ باسمائها: فيقال: "الف لام را" احكمت آياته: اتقنت. فصلت: جعلت واضحة. يمتعكم متاعا حسنا: يجعل معيشتكم كلها صالحة وارضية. الى اجل مسمى: الى عمر مقدر. {الۤر... كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ...}. حروف ابتدأت بها السورة للإشارة الى ان القرآن معجِز، مع انه مكون من الحروف التي ينطقون بها، وللتنبيه الى الاصغاء عند تلاوة القرآن الكريم الى انه كتاب آياته محكمة النظم واضحة المعاني، قد فصِّلت أحكامها، وأنزلها ربّ حكيمٌ يقدر حاجة عباده، وخبير يضع الأمور في مواضعها. {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}. قل أيها النبي للناس: لا تعبدوا الا الله، انّي مرسَل من عنده لأُنذركم بعذابه إن كفرتم، وأبشّركم بثوابه ان آمنتم وأطعتم. {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. وقلْ لهم ايضاً: ادعوا الله واسألوه ان يغفر لكم ذنوبكم، ثم توبوا ليه بإخلاص، فيمتّعكم في معيشتكم متاعاً حسنا بالرِزق الطيّب والعافية والأمن الى ان ينتهيَ الأجل المقدر لكم في هذه الحياة. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}. ويعطي كل صاحب عمل صالح في الدنيا أفضل اثواب واحسن الجزاء في الآخرة. {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}. وان توليتم وأعرضْتم عما دعوتكم إليه، فإن أخاف عليكم عذابَ يومٍ كبير، هو يوم القيامة، لما فيه من أهوال شديدة. {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. إليه تعالى رُجوعكم بعد موتكم، وحينئذ تلقَون جزاءكم بالعدْل والقسطاس، والله قادر على كل شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - أَلِفْ. لاَمْ. را - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. {كِتَابٌ} {آيَاتُهُ} هذا كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جُعِلَتْ آيَاتُهُ مُحْكَمَةَ النَّظْمِ، مُتْقَنَةَ البُنْيَانِ وَالتَّأْلِيفِ، وَاضِحَةَ المَعَانِي، وَجُعِلَتْ فُصُولاً مُتَفَرِّقَةً فِي سُوَرِهِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ أَحْكَامُها، وَقَدْ أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ إِلهٍ حَكِيمٍ يُقَدِّرُ حَاجَةَ العَبِيدِ، خَبيرٍ يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا. أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ - نُظِمَتْ نَظْماً مُحْكَماً رَصِيناً. فُصِّلَتْ - فُرِّقَتْ فِي التَّنْزِيلِ نُجُوماً بِالحِكْمَةِ.
الثعلبي
تفسير : {الۤر كِتَابٌ} قيل {الۤر} مبتدأ وكتاب خبره، وقيل: كتاب رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا كتاب {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} قال ابن عباس: أُحكمت آياته: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بُيّنت بالأحكام والحلال والحرام، قال الحسن وأبو العالية: فُصّلت: فُسِّرت {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} يحتمل أن يكون موضع أن رفعاً على مضمر تقديره: وفي ذلك الكتاب أن لا تعبدوا، ويحتمل أن يكون محله نصباً بنزع الخافض تقديره: ثم فُصِّلت أن لا تعبدوا {إِلاَّ ٱللَّهَ} أو لئلاّ تعبدوا إلاّ الله. {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ} من الله {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} وأن عطف على الأول {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ارجعوا إلى الله بالطاعة والعبادة، وقال الفرّاء: ثُمّ هاهنا بمعنى (الواو) أي وتوبوا إليه لأنّ الاستغفار من التوبة، والتوبة من الاستغفار {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} أي يعيشكم عيشاً في [منن] ودعة وأمن وسعة [رزق]، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو الموت {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} ويؤتِ كل ذي عمل مبلغ أجره وثوابه [سمى فضله] باسم الابتداء. قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات،وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر، واحدة وبقيت له تسع سنات ثم قال: هلك من غلبت آحاده عشراته. وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف، ثم يدخلون الجنة بعد، وقال أبو العالية: من زادت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال. وقال مجاهد: إن ما يحتسب الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده ورجله، أو ما يتصدّق به من حق ماله. {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} وهو يوم القيامة. {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعدواة، نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره. مجاهد: يثنون صدورهم شكّاً وامتراءً، السدّي: يعرضون بقلوبهم عنك من قولهم [..............]. عن عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وتغشّى ثوبه كي لا يراه النبي (صلى الله عليه وسلم ). قتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره. ابن زيد: هذا حين يناجي بعضهم بعضاً في أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم). {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد: ليستخفوا من الله إن استطاعوا، وقال ابن عباس: يثنون صدورهم على وزن يحنون، جعل الفعل للصدور أي [يلقون]. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يغطّون رؤوسهم بثيابهم، وذلك أخفى ما يكون لابن آدم إذا حنى صدره وتغشّى ثوبه وأضمر همه في نفسه. {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * وَمَا مِن دَآبَّةٍ} من بغلة وليس دابّة وهي كل حيوان دبّ على وجه الأرض، وقال بعض العلماء: كل ما أُكل فهو دابة. {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} غذاؤها وقوتها وهو المتكفّل بذلك فضلا لا وجوباً، وقال بعضهم: (على) بمعنى (من) أي من الله رزقها، ويدل عليه قول مجاهد، قال: ما جاء من رزق فمن الله، ربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً، ولكن ما كان من رزق فمن الله. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} أي مأواها الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلا ونهاراً، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} الموضع الذي تودع فيه أما بموتها أو دفنها، قال ابن عباس: مستقرها حيث تأوي، ومستودعها حيث تموت، مجاهد: مستقرها في الرحم ومستودعها في الصلب، عبد الله: مستقرها الرحم، ومستودعها المكان الذي تموت فيه، الربيع: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث تموت، ومن حيث تبعث. وقيل: يعلم مستقرها في الجنة أو في النار، ومستودعها القبر، ويدلّ عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة والنار: {أية : حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان: 76] و {أية : سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان: 66]. {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، أي: أن كل حرف من تلك الحروف يُنطَق بمفرده، والحرف - كما نعلم - له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى الحرف لا باسمه. ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم الحرف، وما عداها يُنطق فيها بمسميات الحرف. وإن أردنا معرفة الفارق بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول: "ألف. لام. ميم" رغم أنها مكتوبة: {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1]. إذن: فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1]. ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا تقرأ قرآناً إلا إذا سمعت قرآناً؛ لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف. وكنا قديماً قبل أن نحفظ القرآن "نصحح" اللوح، أي: أن يقرأ الفقيه أولاً ليُعلمنا كيف نقرأ قبل أن نحفظ. والذي يُتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارىء للقرآن. ونقول لهم: إن القرآن ليس كتاباً عادياً نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فَصُور الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحرف. وقول الحق سبحانه: {الۤر} في أول سورة هود؛ يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح السور - التي بدأت بهذه الحروف - أن القرآن مبنيٌّ على الوصل دائماً، فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وَصْل، مثلما نقرأ قول الله سبحانه: {أية : مُدْهَآمَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}تفسير : [الرحمن: 64-66]. وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات كلها مبنية على الوصل. وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه: {أية : .. وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [يونس: 109]. فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبنياً على السكون، ولكنك تقرأه منصوباً بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها (بسم الله الرحمن الرحيم). ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبنية على الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفاً، فلا نقول: "ألفٌ لامٌ ميمٌ" بل نقول: "ألفْ لامْ ميمْ". وكذلك نقرأ في أول سورة مريم "كافْ هاءْ ياءْ عينْ صادْ"، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها حكمة لا نعرفها. وفي القرآن الكريم آيات بُدئت بحرف واحد مثل قول الحق سبحانه: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}تفسير : [ص: 1]. وقول الحق سبحانه: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}تفسير : [ق: 1]. وقول الحق سبحانه: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}تفسير : [القلم: 1]. ونلحظ أن الحرف في هذه السور ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق سبحانه: {أية : حـمۤ}تفسير : [الشورى: 1]. وهي آية، وكذلك تقرأ قول الحق سبحانه: {أية : عۤسۤقۤ}تفسير : [الشوى: 2] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه: {أية : كۤهيعۤصۤ}تفسير : [مريم: 1] كآية بمفردها. وتقرأ قول الحق سبحانه: {أية : طه}تفسير : [طه: 1] كآية بمفردها. وكذلك تقرأ قول الحق: {أية : يسۤ}تفسير : [يس: 1] كآية بأكملها. وتجد أيضاً: {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : [الأعراف: 1] كآية. و{أية : طسۤمۤ}تفسير : [الشعراء: 1 والقصص: 1] كآية. وتجد أيضاً {أية : الۤمۤر}تفسير : [الرعد: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. وتقرأ في أول سورة النمل: {أية : طسۤ}تفسير : [النمل: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. إذن: فالمسألة لا نسق لها، ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حِكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى في آيات الكون المحسَّة، ويجد الدليل على صدق الله تعالى فيما لم نعلم. ومثال ذلك: حين ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحاً، وهذا المفتاح لا يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع المسئول عن الطابق يسمى "سيد المفاتيح" وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد صنعوا ذلك؛ حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الآخر. ومع التقدم العلمي جعلوا الآن لكل غرفة بطاقة الكترونية، ما إن يُدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضاً يوجد مع مسئول الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق. وأنت حين تقرأ فواتح السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة؛ فلن تنفتح لك السورة. إذن: فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفاً مُقطَّعة على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية. وتقول من قبل القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1]. فينفتح لك باب القراءة. وهكذا نعرف أن هناك مفتاحاً، وأن هناك فاتحاً. وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له شكل ونحت معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الۤر} وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل {الۤمۤ}، وقد وردت في خمس سور من القرآن الكريم هي: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. ولكن {الۤمۤ} تقرأ كآية، ولكنها هنا في مقدمة سورة "هود" جزء من آية رغم أنك تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف وسورة إبراهيم، وتقرأها كآية. وايضاً {الۤمۤصۤ} هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف. إذن: فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم "الله أعلم بمراده". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1]. والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه: {كِتَابٌ} ومرة يقول: {أية : قُرْآنٍ}تفسير : [يونس: 61]. والقرآن يُقرأ، والكتاب يُكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليدُلَّك على أن الحافظ للقرآن مكانان: صدور، وسطور. فإن ضَلَّ الصدر، تذكر السطر. ولذلك حديث : حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن، ومطابقة ما في الصدور على ما في السطور، وضعوا أسساً لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة، ولم يجدوا إلا شاهداً واحداً هو "خزيمة"، وصدَّقوا "خزيمة" وكتبوا الآيتين عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساماً، حين قال عنه: "من شهد له خزيمة فهو حسبه" ". تفسير : إذن: فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن؛ لأنه مقروء. ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يُكتب إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب؛ لأنه في الأصل مكتوب في اللوح المحفوظ. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفاً القرآن: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ..} [هود: 1]. ومادة الحاء والكاف والميم تدل على أمر مُحسٍّ وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد؛ فلا خلل فيه، ولا تناقض، ولا تعارض ولا انهيار. ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسَّات. وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ..} [هود: 1]. فخذوا من هذا الإحكام ما يمنع فسادكم؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح والصلاح. ولو نظرتَ إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاماً وفصولاً ونجوماً. إذن: فالقرآن قد أحكِم أولاً، ثم فُصِّل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ..} [هود: 1]. والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثين جزءاً، وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات. وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحْكِمَ وفُصِّل؛ لأنه نزل منهجاً جامعاً من الله سبحانه وتعالى. وحين تنظر إليه تجده مُنَّوعاً، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات. ومرة يتكلم في علم الفرائض. إذن: فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل. أو أحكم نزولاً؛ لأنه قد نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فُصِّل حسب الحَوادث، وهذا أدْعَى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ينزل وقت طلبه. وأنت حين تُعِد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي فيها بكل الأدوية، لكن إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص "الأسبرين" فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد "الأسبرين" حين تحتاجه. وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش. إذن: فنزول القرآن منجماً شاءه الحق - سبحانه - لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}تفسير : [الإسراء: 106]. وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ..}تفسير : [الفرقان: 32]. فيكون الرد من الحق سبحانه: {أية : .. كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]. ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه، ولكن شاء الحق سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن مُنجَّماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : .. كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]. فساعة أن يسمع المؤمنون نجماً من نجوم القرآن، يكونون أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه. ولم يُنزل الحق سبحانه آية واحدة، بل أنزل آياتٍ، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلاً؛ ولذلك يقول سبحانه: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 33]. ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ}. ويضرب الله مثلاً بالبعوضة، فيتساءلون ساخرين: كيف يضرب الله مثلاً بالبعوضة. فينزل قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..}تفسير : [البقرة: 26]. ولو كانوا عقلاء لتساءلوا: كيف ركَّب الحق سبحانه في هذا الكائن الضئيل - البعوضة - كل أجزاء الكائن الحي؛ من محلِّ الغذاء إلى قدرة الهضم، إلى محل التنفس، إلى محل الدم، إلى محل الأعصاب. وكان يجب أن يأخذوا من هذا الخلق دلائل العظمة؛ لأن عظمة الصنعة تكون في أمرين: إما ضخامة الشيء المصنوع، وإما أن يكون الشيء المصنوع تحت إدراك الحس. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أن الفنيين حين صنعوا ساعة "بج بن" التفت الناس إلى ضخامة تلك الساعة، ودقة أدائها، وحين صنع الفنيون في "سويسرا" ساعة دقيقة وصغيرة جداً في حجمها، زاد إعجاب الناس بدقة الصنعة. وهكذا نجد أن القدرة تتجلى في صناعة الشيء الكبير في الحجم، أو صناعة الشيء الدقيق جداً؛ فما بالنا بخالق الكون كله، بأكبر ما فيه وأصغر ما فيه. والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..}تفسير : [الحج: 73]. فول اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن يخلقوا لهم ذبابة، أو حتى لو حاولوا هم خَلْق ذبابة لما استطاعوا، ولا يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط، بل يتعداه إلى عجز آخر: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}تفسير : [الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة على أي طعام، وأخذت بعضاً من الطعام، فهل يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته؟ لا، وكذلك نرى ضعف الاثنين: الطالب والمطلوب. وهنا يقول الحق سبحانه: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]. فالإحكام لا يتناقض مع التفصيل؛ لأن الحق سبحانه هو الذي أحكم، وهو سبحانه الذي فصَّل، وهو سبحانه حكيم بما يناسب الإحكام، وهو سبحانه خبير بما يناسب التفصيل، بطلاقة غير متناهية. وهو سبحانه حكيم يخلق الشيء مُحْكماً لا يتطرق إليه فساد، وهو سبحانه خبير عنده علم بخفايا الأمور. ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الأنعام: 103]. فالله سبحانه لا تدركه عين، وعينه - سبحانه وتعالى - لا تغفل عن أدق شيء وأخفى نية. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]. يبيِّن لنا أن القرآن كلام الله القدير الذي بُني على الإحكام، ونزل مُحْكماً جملة واحدة، ثم جاءت الأحداث المناسبة لينزل من السماء الدنيا نجوماً مفصلة تناسب كل حدث. وإحكام الكتاب ثم تفصيله له غاية، هي الغاية من المنهج كله، ويبيِّنها الحق سبحانه في الآية التالية: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغة: {أُحْكِمَتْ} الإِحكام: المنعُ من الفساد يقال: أحكم الأمر إِذا أتى به على وجه لا يتطرأ إِليه خلل أو فساد {مُسْتَقَرَّهَا} المكان الذي تأوي إِليه في الدنيا {مُسْتَوْدَعَهَا} المكان الذي تصير إِليه بعد الموت {أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} الأمة هنا بمعنى المدة من الزمن أي مدة محدودة من السنين قال القرطبي: والأُمَّة اسم مشترك يطلق على ثمانية أوجه: الجماعة، الملة، الرجل الجامع للخير، الحين والزمن، أتباع الأنبياء الخ {مِرْيَةٍ} شك وارتياب {وَضَلَّ} ضاع وتلاشى {لاَ جَرَمَ} كلمة واحدة بمعنى حقاً وهو قول الخليل وسيبويه {وَأَخْبَتُوۤاْ} خشعوا وخضعوا والإِخباتُ: الذل والخضوع {ٱلأَصَمِّ} الذي لا يسمع وبه صمم. سَبَبُ النُّزول: ذكر القرطبي عن ابن عباس أن "الأَخْنس بن شريق" كان رجلاً حلو الكلام وحلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء فأنزل الله {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ..} الآية. التفسِير: {الۤر} إِشارة إِلى إِعجاز القرآن، وأنه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية، وعن ابن عباس أن معناه: أنا الله أرى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي هو كتابٌ جليل القدر، نظمت آياته نظماً محكماً، لا يلحقه تناقضٌ ولا خلل {ثُمَّ فُصِّلَتْ} أي بُيّنت فيه أمور الحلال والحرام، وما يحتاج إِليه العباد في أمور المعاش والمعاد {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أي من عند الله فصَّلها وبيَّنها الخبير العالم بكيفيات الأمور، ولذا كانت محكمة أحسن الإِحكام ومفصلة أحسن التفصيل {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي لئلا تعبدوا إِلا الله {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي إِنني مرسلٌ إِليكم من جهته تعالى، أنذركم بعذابه إِن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي استغفروه من الذنوب وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والإِنابة {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} أي يمتعكم في هذه الدنيا بالمنافع الجليلة من سعة الرزق، ورغَد العيش {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إِلى وقتٍ محدَّد هو انتهاء أعماركم {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي ويعطي كل محسنٍ في عمله جزاء إِحسانه {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي وإِن تتولوا عن الإِيمان وتُعرضوا عن طاعة الرحمن {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} أي أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، ووصف العذاب بأنه كبير لما فيه من الأهوال الشديدة {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} أي إِليه جلَّ وعلا رجوعكم بعد الموت {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر على إِماتتكم ثم إِحيائكم وعلى معاقبة من كذَّب لا يعجزه شيء، وفي الآية تهديد عظيم {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف أنه ليحبه ويضمر خلاف ما يظهر وقال القرطبي: أخبر عن معاداة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم والمعنى إِنهم يطوون صدورهم على عداوة النبي والمؤمنين، يريدون بذلك أن يستخفوا من الله حتى لا يفتضح أمرهم {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي حين يتغطون بثيابهم {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي يعلم تعالى ما يُبْطنون وما يُظهرون وكأن الآية تقول: لا تظنوا أن تغطيتكم تحجبكم عن الله بل الله يعلم سرائركم وظواهركم لا تخفى عليه خافية من أحوالكم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عالم بما في القلوب {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي ما من شيء يدب على وجه الأرض من إِنسان أو حيوان إِلا تكفَّل الله برزقه تفضلاً منه تعالى وكرماً، فكما كان هو الخالق كان هو الرازق {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} قال ابن عباس: مستقرها حيث تأوي إِليه من الأرض، ومستودعها الموضع الذي تموت فيه فتدفن {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي كلٌّ من الأرزاق، والأقدار، والأعمار، مسطَّرٌ في اللوح المحفوظ {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي خلقها في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، وفيه الحث للعباد على التأني في الأمور فإِن الإِله القادر على خلق الكائنات بلمح البصر خلقها في ستة أيام {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} أي وكان العرش قبل خلقهما على الماء قال الزمخشري: أي ما كان تحته خلق، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي خلقهن لحكمة بالغة ليختبركم فيظهر المحسنُ من المسيء، ويجازيكم حسب أعمالكم {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} أي ولئن قلت يا محمد لأولئك المنكرين من كفار مكة إِنكم ستبعثون بعد موتكم للحساب {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ليقولنَّ الكفار المنكرون للبعث والنشور ما هذا القرآن إِلا سحرٌ واضح مكشوف {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} أي إِلى مدةٍ من الزمن قليلة {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي ليقولُنَّ استهزاءً ما يمنعه من النزول؟ {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي ألا فلينتبهوا فإِنه يوم يأتيهم العذاب ليس مدفوعاً عنهم {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي نزل وأحاط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} أي أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من الصحة، والأمن، والرزق وغيرها من النعم {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} أي ثم سلبنا تلك النعم منه {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} أي قنوط من رحمة الله، شديد الكفر به {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} أي ولئن منحنا الإِنسان نعمة من بعد ما نزل به من الضر، وما أصابه من البلاء، كالفقر والمرض والشدة {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} أي انقطع الفقر والضيق والمصائب ولن تصيبني بعد اليوم {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي بطرٌ بالنعمة مغترٌ بها، متعاظم على الناس بما أُوتي، والآيةُ ذمٌ لمن يقنط عند الشدائد، ويبطر عند النعم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي هذه عادة الإِنسان إِلا المؤمنين الذين يصبرون على الضراء، ويفعلون الخير في النعماء، فهم في حالتي المحنة والنعمة محسنون {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي أولئك الموصوفون بالصفات الحميدة لهم مغفرةٌ لذنوبهم، وأجر كبيرٌ في الآخرة هو الجنة قال في البحر: ووصف الثواب بأنه كبير وذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، والأمن من العذاب، ورضا الله عنهم، والنظر إِلى وجهه الكريم {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} كان المشركون يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزئون بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك يا محمد تاركٌ بعض ما أُنزل إِليك من ربك فلا تبلغهم إِيَّاه لاستهزائهم {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي ويضيق صدرك من تبليغهم ما نزل عليك من ربك خشية التكذيب، والغرضُ تحريضُه صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة وعدم المبالاة بمن عاداه {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} أي لأجل أن يقولوا هلاّ أُنزل عليه مالٌ كثير {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} أي جاء معه ملك يصدّقه كما اقترحنا، قال تعالى محدّداً مهمته عليه السلام {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} أي لست يا محمد إِلا منذراً تخوّف المجرمين من عذاب الله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي قائم على شئون العباد يحفظ عليهم أعمالهم {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من عند نفسه؟ {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} أي إِن كان الأمر كذلك فأتوا بعشر سور مثله في الفصاحة والبلاغة مفتريات فأنتم عرب فصحاء {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي استعينوا بمن شئتم غير الله سبحانه {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أنَّ هذا القرآن مفترى {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} أي فإِن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاونة وعجزوا عن ذلك فاعلموا أيها المشركون أنما نزل هذا القرآن بوحيٍ من الله {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا ربّ ولا معبود إلا الله الذي أنزل هذا القرآن المعجز {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} لفظه استفهام ومعناه أمرٌ أي فأسلموا بعد ظهور هذه الحجة القاطعة إِذ لم يبق لكم عذر مانع من ذلك، قال في التسهيل: الاستفهام معناه استدعاءٌ إِلى الإِسلام، وإِلزامٌ للكفار أن يسلموا لما قام الدليل على صحة الإِسلام لعجزهم عن الإِتيان بمثل القرآن {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} أي من كان يقصد بأعماله الصاحلة نعيم الدنيا فقط لأنه لا يعتقد بالآخرة {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} أي نوفّ إِليهم أجور أعمالهم بما يحبون فيها من الصحة والأمن والرزق {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي وهم في الدنيا لا يُنقصون شيئاً من أجورهم قال قتادة: من كانت الدنيا همَّه ونيّته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفضي إِلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها، وأما المؤمن فيُجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} أي هؤلاء الذين هدفهم الدنيا ليس لهم في الآخرة إِلا نار جهنم وعذابها المخلَّد {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي بطل ما صنعوه من الأعمال الصالحة لأنهم قد استوفوا في الدنيا جزاءها {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تأكيدٌ لما سبق أي باطل ما كانوا يعملون في الدنيا من الخيرات {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي أفمن كان على نور واضح، وبرهان ساطع من الله تعالى، وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وجوابه محذوف أي كمن كان يريد الحياة الدنيا؟ يريد أن بينهما تفاوتاً كبيراً، وتبايناً بعيداً، فلا يستوي من أراد الله، ومن أراد الدنيا وزينتها {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي ويتبعه شاهد من الله بصدقه قال ابن عباس: هو جبريل عليه السلام {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً} أي ومن قبل القرآن كتاب التوراة الذي أنزله الله على موسى قدوةً في الخير ورحمة لمن نزل عليهم {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي أولئك الموصوفون بأنهم على نور من ربهم يصدّقون بالقرآن حق التصديق {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي ومن يكفر بالقرآن من أهل الملل والأديان، فله نار جهنم يردها لا محالة {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي فلا تكن في شكٍ من هذا القرآن {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي إِنه الحق الثابت المنزّل من عند الله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدّقون أنه تنزيل رب العالمين {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أطغى ولا أظلم ممن اختلق الكذب على الله بنسبة الشريك والولد إِليه {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي يُعرضون يوم القيامة في جملة الخلق على خالقهم ومالكهم {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي ويقول الخلائق والملائكة الذين يشهدون على أعمالهم هؤلاء الذين كذبوا على الله، والغرضُ فضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الأشهاد والتشهيرُ بهم خزياً ونكالاً {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} لظلمهم وافترائهم على الله، واللعنةُ: الطرد من رحمة الله {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يمنعون الناس عن اتِّباع الحق، وسلوك سبيل الهدى الموصل إِلى الله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي ويريدون أن تكون السبيل معوّجة أي يبغون أن يكون دين الله معوجاً على حسب أهوائهم {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أي جاحدون بالآخرة منكرون للبعث والنشور {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي ليسوا مفلتين من عذاب الله وإِن أمهلهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي ليس لهم من يتولاهم أو يمنعهم من عذاب الله {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} جملة مستأنفة أي يضاعف عليهم العذاب بسبب إِجرامهم وطغيانهم {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} أي سبب تشديد العذاب ومضاعفته عليهم أن الله جعل لهم سمعاً وبصراً، ولكنهم كانوا صُما عن سماع الحق، عمياً عن اتباعه، فلم ينتفعوا بما منحهم الله من حواس {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} أي خسروا سعادة الدنيا والآخرة، وخسروا راحة أنفسهم لدخولهم نار جهنم {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أي حقاً إِنهم يوم القيامة من أخسر الناس، ولا ترى أحداً أبينَ خسراناً منهم، لأنهم آثروا الفانية على الباقية، واستعاضوا عن الجِنان بلظى النيران، ثم لما ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء، ذكر حال المؤمنين السعداء فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي جمعوا مع الإِيمان والعمل الصالح الإِخبات: وهو الاطمئنان إِليه سبحانه والخشوع له والانقطاع لعبادته {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي منعَمون في الجنة لا يخرجون منها أبداً {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} قال الزمخشري: شبَّه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللفّ والطباق والمعنى حال الفريقين العجيب كحال من جمع بين العمى والصمم، ومن جمع بين السمع والبصر {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} الاستفهام إِنكاري أي لا يستويان مثلاً فليس حال من يبصر نور الحق ويستضيء بضيائه كحال من يخبط في ظلمات الضلالة ولا يهتدي إِلى سبيل السعادة {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة والإِيمان، وأهل الجحود والعصيان. البلاغة: 1- {عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} إِضافة العذاب إِلى اليوم الكبير للتهويل والتفظيع. 2- {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} بينهما طباقٌ وكذلك بين {نَعْمَآءَ} و {ضَرَّآءَ} وبين {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}. 3- {يَئُوسٌ كَفُورٌ} من صيغ المبالغة أي شديد اليأس كثير الكفران. 4- {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ} فيه تشبيه مرسل مجمل لوجود أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم البصر والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير. لطيفَة: قال بعض الصالحين: الاستغفار بلا إِقلاع عن الذنب توبة الكذابين. تنبيه: التحدي بعشر سور جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم، فلما عجزوا عن الإِتيان بمثل القرآن تحداهم بعشر سور، ثم لما عجزوا تحداهم بالإِتيان بسورة مثله في البلاغة والفصاحة والاشتمال على المغيبات والأحكام التشريعية وأمثالها، وهي الأنواع التسعة وقد نظمها بعضهم بقوله: شعر : ألا إِنما القرآنُ تسعةُ أحرفٍ سأنبيكها في بيت شعر بلا مَلَل حلالٌ، حرامٌ، محكمٌ، متشابهٌ بشيرٌ، نذيرٌ، قصةٌ، عظةٌ، مَثَل
زيد بن علي
تفسير : أَخبرنا أَبو جعفر قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قوله تعالى: {مِن لَّدُنْ} معناهُ مِنْ عِند.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} قال ابن عباس: هذه السورة مكية كلها. وعنه أيضاً: انها مكية إلا قوله: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ}تفسير : [هود: 12]، الآية. وكتاب خبر مبتدأ محذوف يدل عليه ظهوره بعد هذه الحروف المقطعة كقوله: {أية : الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} تفسير : [البقرة: 1-2]. وأحكت صفة له. ومعنى الاحكام: نظمه نظماً رصيفاً لا نقص فيه ولا خلل. والهمزة في "أحكمت" للنقل وأصله حكم فهو حكيم، ثم أدخلت عليه همزة النقل فصار يتعدى لواحد ثم فصلت كما تفصل القلائد بالدلائل من دلائل التوحيد والاحكام والمواعظ والبعث بعد الموت والقصص. أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية آية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة أو فصل بها ما يحتاج إليه العباد، أي بيّن. ولخص من لدن، تقدم الكلام عليه في آل عمران حكيم بمعنى محكم وهي صفة راجعة لقوله: أحكمت خبير عالم بخفايا الأشياء راجع لقوله: ثم فصلت، وكان العطف بثم لتراخي أوامر التفصيل ونواهيه عن المنزل بالاحكام. ومن لدن يتعلق بأحد الفعلين من باب الاعمال، ومن حيث المعنى تتعلق بهما. و{أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} يحتمل أن يكون حرف ان تفسير، لأن في تفصيل الآيات معنى القول وهذا أظهر. ويجوز أن تكون ان الناصبة للمضارع ولا نفي، وعلامة النصب حذف النون. ويجوز أن تكون أن مصدرية وصلت بفعل النهي وعلامة الجزم فيه حذف النون. والظاهر عود الضمير في منه إلى الله تعالى أي انني لكم نذير من جهته وبشير فيكون في موضع الصفة فيعلق بمحذوف، أي كائن من جهته، أو يعلق بنذير، أي أنذركم من عذابه إن كفرتم وأبشركم بثوابه ان آمنتم. {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ} هذا أمر بالاستغفار يرجح أن يكون ان لا تعبدوا نهياً نهي، ثم أمر كقوله: شعر : وقوفاً بها على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل تفسير : والاستغفار: طلب المغفرة وهي الستر، والتوبة: الانسلاخ من المعاصي والندم على ما سلف منها والعزم على عدم العود إليها. وتقدم أمران بينهما تراخ وترتب عليهما جواباً بينهما تراخ ترتب على الاستغفار التمتيع المتاع الحسن في الدنيا. وترتب على التوبة إيتاء الفضل في الآخرة وناسب كل جواب لما وقع جواباً له لأن الاستغفار من الذنب أول حال الراجع إلى الله تعالى فناسب ان يرتب عليه حال الدنيا. والتوبة هي المنجية من النار والتي تدخل الجنة، فناسب أن يرتب عليها حال الآخرة. والضمير في "فضله" يحتمل أن يعود على الله، أي يعطي في الآخرة كل من كان له فضل في عمل الخير وزيادة ما تفضل به عليه تعالى وزيادة. ويحتمل أن يعود على كل، أي جزاء ذلك الفضل الذي عمله في الدنيا لا يبخس منه شيئاً. والظاهر ان تولوا مضارع حذف منه التاء أي وإن تتولوا. وقيل: هو ماض للغائبين. والتقدير فقل لهم: إني أخاف عليكم. ووصف يوم بكبير، وهو يوم القيامة لما يقع فيه من الأهوال. {إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى جزائه. {مَرْجِعُكُمْ} أي يوم القيامة. {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} الآية، قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف أنه ليحبه ويضمر خلاف ما يظهر. وقيل غير ذلك. {لِيَسْتَخْفُواْ} أي من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على أزورارهم. والضمير في منه عائد على الله تعالى، والذي يظهر من أسباب النزول أنه عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قيل ان هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمتستر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدا منه وكراهة للقائه، وهم يظنون ان ذلك يخفى عليه أو عن الله تعالى. فنزلت الآية. فعلى هذا يكون "ليستخفوا" متعلقاً بقوله: يثنون صدورهم. ومعنى يستغشون ثيابهم: يجعلونها أغشية. ومنه قول الخنساء: شعر : أرعى النجوم وما كلفت رعيتها وتارة أتغشى فضل أطماري تفسير : وانتصب حين بقوله: يعلم. وقال الزمخشري: يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم. وقال أبو البقاء: إلا حين العامل في الظرف محذوف أي إلا حين يستغشون ثيابهم يستخفون. وتقدير الزمخشري وأبي البقاء إضمار لا يحتاج إليه.
الجيلاني
تفسير : {الۤر} أيها الإنسان الأحق الأليق لإعلاء الواء لوازم الألوهية وارتفاع رايات رموز أسرار الربوبية بين الأنام بالبيان والتبيان هذا {كِتَابٌ} أنزل إليك لتأييدك في أمرك، مصدق لما في الكتب السالفة جامع لأحكامها {أُحْكِمَتْ} ونظمت {آيَاتُهُ} أشد تنظيم وأبلغ إحكام وإتقان بحيث لا يعرضه خلل واختلال لا في معناه ولا في لفظه؛ لذلك عجزت عن معارضته جميع أرباب اللسن والفصاحة مع وفور وعيهم {ثُمَّ} بعد إحكامه لفظاً ومعنى {فُصِّلَتْ} وأوضحت فيه من المعارف والحقائق والأحكام المتعلقة بالعقائد والعلوم اليقينية، والقصص المشيرة إلى العبر والمواعظ والأمثال المشعرة إلى الرموز والإشارات {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} متقن في أفعاله {خَبِيرٍ} [هود: 1] يصدر عنه الأفعال على وجه الخبرة والاعتبار. وحكم فيه {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} أيها المجبولون على العبادة في الفطرة الأصلية {إِلاَّ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، الذي أوجدكم من كتم العدم باستقلاله إيجاداً إبداعياً، وقل لهم يا أكمل الرسل تبشيراً وتنبيهاً {إِنَّنِي} مع كوني من جملتكم {لَكُمْ مِّنْهُ} أي: من الله المتوحد بذاته بأمره ووحيه {نَذِيرٌ} أنذركم عما يبعدكم عن الحق، حتى لا تستحقوا عذابه وعقابه {وَبَشِيرٌ} [هود: 2] أبشركم ما يقربكم إلى جنابه، حتى تستحقوا الفوز العظيم من عنده. {وَ} حكم فيه أيضاً {أَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ} واسترجعوا في فرطاتكم {رَبَّكُمْ} الذي أوجدكم على فطرة المعرفة والتوحيد { ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} وتوصلوا به بعد رفع حجب الأنانية عن البين، وكشف سدل التعينات الوهمية عن العين {يُمَتِّعْكُمْ} بعد اضمحلال رسومكم وتلاشي هوياتكم في هويته بالرزق المعنوي والغذاء الحقيقي من عنده {مَّتَاعاً حَسَناً} على مقتضى نشأته وأوصافه وأسمائه وتطورات تجلياته الجمالية والجلالية {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو الطامة الكبرى التي انقهرت دونها توهمات الأظلال وتخيلات السوى والأغيار. {وَ} بعد تسييركم وتنزيلكم من عالم الغيب متنازلين إلى عالم الشهادة لاقتراف الحقائق والمعارف، وترجيعكم منها إليها متصادعين إظهاراً لقدرته وبسطته {يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} أي: لؤت ويعط كلاً من ذوي العناية الموفقين على الهداية التي جبلوا لأجلها {فَضْلَهُ} أي: حقه وجزاءه، أي: قبل منهم ما اكتسبوا من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات وأقرهم في النهاية على مقر نزولا منه في الهداية {وَ} قل لهم يا أكمل الرسل إمحاضاً للنصح: {إِن تَوَلَّوْاْ} وتعرضوا وتنصرفوا أيها المجبولون على التكليف عن مقتضى إنذاري وتبشيري {فَإِنِّيۤ} في غاية إشفاقي لكم وتحنني نحوكم {أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 4] أي: نزول العذاب يوم العرض الأكبر الذي أشرقت فيه شمس الذات إلى حيث اضمحلت الأظلال والعكوس مطلقاً، ونودي من وراء سرادقات العز والجلال بلا تزاحكم الأظلال والأغيار: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : واجباً أيضاً من ورائها: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. واعلموا أيها الأظلال المقهورة {إِلَى ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المتجلي في الآفاق بالاستقلال والاستحقاق {مَرْجِعُكُمْ} ورجوعكم رجوع الظل إلى ذي الظل والعكوس إلى ما انعكس منها {وَهُوَ} سبحانه في ذاته قاهر فوق عباده {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من صور العذاب والانتقام {قَدِيرٌ} [هود: 4] لا يخرج عن حيطة قدرته شيء، ولا يعزب عن علمه معلوم، مما جرى عليهم من الأحوال. {أَلا إِنَّهُمْ} أي: المحجوبون الغافلون من غاية جهلهم وغفلتهم عن الله {يَثْنُونَ} أي: يقطعون وينحرفون {صُدُورَهُمْ} عن الميل إلى الحق والتوجه نحوه طالبين {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} أي: يستروا ويخفوا من الله ما تمكن صدورهم من الإعراض عن الحق بأوامره ورسله {أَلا} إنهم لم يعلموا ولم يتفطنوا أن الله المطلع بجميع ما جرى في ملكه يعلم منهم ما جرى عليهم وظهر منه {حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي: يطلبون التدثر والتغطي وقت رقودهم في مضاجعهم، بل {يَعْلَمُ} منهم {مَا يُسِرُّونَ} في ضمائرهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواههم ومشاعرهم، وكيف لا يعلم سبحانه {إِنَّهُ} بذاته وأوصافه وأسمائه {عَلِيمٌ} بعلمه الحضوري {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [هود: 5] وبما هو مكنون فيها من السرائر والضمائر. {وَ} كيف يستبعد أمثال هذا من حيطة حضرة علمه؛ إذ {مَا مِن دَآبَّةٍ} تترك {فِي ٱلأَرْضِ} مثلاً {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} المتكفل لأرزاق مظاهره ومصنوعاته {رِزْقُهَا} أي: ما تعيش وتتقوم به {وَ} مع ذلك {يَعْلَمُ} منشأها ومصدرها في عالم الغيب، ويعلم أيضاً {مُسْتَقَرَّهَا} أي: محل قرارها وبقائها في عالم الشهادة، ومدقار ثباتها واستقرارها فيها {وَ} يعلم أيضاً {مُسْتَوْدَعَهَا} ومرجعها في عالم الغيب بعد انقضاء النشأة الأولى، وبالجملة: {كُلٌّ} من الأحوال والأطوار والنشأة الطارئة عليها بحيث لا يشذ شيء منها محفوظ مثبت {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: 6] هوحضرة علمه ولوح قضائه، فكيف تنكرون أيها المنكرون إحاطة علمه، وتستخفون منه شيئاً من مخايلكم؟!.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] إلى قوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [هود: 5]. فقوله: {بِسمِ ٱلله} يشير إلى: الذات، {الرَّحْمٰنِ} يشير إلى: صفة الجلال، {الرَّحِيـمِ} يشير إلى صفة الجمال، والمعنى: أن هاتين الصفتين قائمتان بذاته جل جلاله، وباقي الأسماء مشتملة على هاتين الصفتين وهما من صفات القهر واللطف، قوله: {الۤر} يشير بالألف إلى الله، وباللام: إلى جبريل، وبالراء: إلى الرسول؛ يعني: ما أنزل الله مع جبريل إلى الرسول، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} يعني: القرآن كتاب أحكمت بالحكم آياته، كقوله تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [البقرة: 151] فالكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي الحقائق المعاني والأسرار التي أدرجت في آياته، {ثُمَّ فُصِّلَتْ} أي: بينت لقلب العارفين تلك الحقائق والحكم. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} [هود: 1] أودع فيها بالحكمة البالغة التي لا يقدر غيره أبدّاً عليها فيها، وهذا سر من أسرار إعجاز القرآن، {خَبِيرٍ} [هود: 1] على تعليمها من لدنه لمن يشاء من عباده كقوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65] يشير إلى أن القرآن ظهراً يطلع عليه أهل اللغة، وبطناً لا يطلع عليه إلا أرباب القلوب الذين أكرمهم الله بالعلم اللدني ورأس الحكمة، وسرها أن يقول: يا محمد لأمتك أمرتم {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} [هود: 2] أي: لا تعبدوا الشيطان ولا الدنيا ولا الهوى ولا ما سوى الله، {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ} [هود: 2] أنذركم بالقطيعة من الله تعالى أن تعبدوا أو تطيعوا وتحبوا غيره، وعذاب العبد في الجحيم، {وَبَشِيرٌ} [هود: 2] أبشركم أن تعبدوه وتطيعوه وتحبوه بالوصول ونعيم الوصال في دار الجلال. وكان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بالدعوة إلى الله من بين الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - يدل عليه قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الأحزاب: 45-46]. فقوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} يشير إلى ألاَّ تطلبوا غير الله، ثم قال: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} [هود: 3] فيما فرطتم من أيام عمرك في طلب غير الله، وترك طلبه، وتحصيل الحجب، وإبطال الاستعداد الفطري ليكون الاستغفار وتزكية لنفوسكم وتصفية لقلوبكم، {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} [هود: 3] أي: ارجعوا بقدم السلوك إلى الله؛ لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار وهي قوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} [هود: 3] وهو الترقي في المقامات من السفليات إلى العلويات، ومن العلويات إلى حضرة العلي الكبير، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [هود: 3] وهو انقضاء مقامات السلوك، وابتداء درجات الوصول، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} [هود: 3] ذي صدق واجتهاد في الطلب، {فَضْلَهُ} [هود: 3] في درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات. {وَإِن تَوَلَّوْاْ} [هود: 3] أي: أعرضوا عن الطلب والسير إلى الله، {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] أي: عذاب يوم الانقطاع عن الله الكبير، فإنه أكبر الكبائر وعذابه أعظم المصائب إلى {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} [هود: 4] طوعاً أو كرهاً، فإن كان بالطوع يتقرب إليكم بجذبات العناية، كما قال: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"،تفسير : وإن كان بالكره يسبحون في النار على وجوههم، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [هود: 4] من اللطف والقهر: {قَدِيرٌ} [هود: 4]. {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود: 5] أي: يقلبون؛ لأن ثني صدورهم في الدنيا من نتائج حرمانهم النور المرشش في عالم الأرواح حين رش عليهم من نوره، نزل تنبيها للنبي صلى الله عليه سلم والمؤمنين لحال من كان إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن يثني صدره وطاعة قدر واشتد على نفسه بثيابه ئلا يعرفهم النبوة ولئلا يسمعوا قراءته كراهة لها وهم كفار، {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} [هود: 5] ثياب الجسمانية على وجه الروح. {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} [هود: 5] من حرمان النور ينقصان الحرمان تحت يثاب القلب، {وَمَا يُعْلِنُونَ} [هود: 5] من ثني الصدور والاستخفاء ما لا يخفى عليه قبل جنس ما شريف، فإنه يظهر المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وله حلو الكلام وحسن المنظر، وله الجنة صلى الله عليه وسلم مجالسة ومحادثة وهو يضمر خلاف ما يظهر واللهُ مطلع على ما في نفسه بقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [هود: 5] بما في الصدور في القلوب الظلمانية الفارغة عن النوارنية التي بها الاهتداء منها الاقتداء بالأنبياء - عليهم السلام - واللهُ أعلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: هذا { كِتَابٌ } عظيم، ونزل كريم، { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه. { ثُمَّ فُصِّلَتْ } أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خَبِيرٍ } مطلع على الظواهر والبواطن. فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل بعد هذا، عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة، وسعة الرحمة . وإنما أنزل الله كتابه لـ { أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ } أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. { إِنَّنِي لَكُمْ } أيها الناس { مِنْهُ } أي: من الله ربكم { نَذِيرٌ } لمن تجرأ على المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، { وَبَشِيرٌ } للمطيعين لله بثواب الدنيا والآخرة. { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عن ما صدر منكم من الذنوب { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما تستقبلون من أعماركم، بالرجوع إليه، بالإنابة والرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه. ثم ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة فقال: { يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا } أي: يعطيكم من رزقه، ما تتمتعون به وتنتفعون. { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: إلى وقت وفاتكم { وَيُؤْتِ } منكم { كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أي: يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره، ما هو جزاء لإحسانهم، من حصول ما يحبون، ودفع ما يكرهون. { وَإِنْ تَوَلَّوْا } عن ما دعوتكم إليه، بل أعرضتم عنه، وربما كذبتم به { فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي قوله: { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } كالدليل على إحياء الله الموتى، فإنه قدير على كل شيء، ومن جملة الأشياء إحياء الموتى، وقد أخبر بذلك وهو أصدق القائلين، فيجب وقوع ذلك عقلا ونقلا.
همام الصنعاني
تفسير : 1179- حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَة، في قوله: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}: [الآية: 1]، قال: أحكمها الله عن الباطل، وفَصَّلَها يقول: بَيَّنَهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):