١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } وجوهاً: الأول: أن يكون مفعولاً له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب، فقد خاب وخسر. الثاني: أن تكون (أن) مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى، لأن قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ } معطوف على قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ } فيجب أن يكون معناه: أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفاً على النهي، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. والثالث: أن يكون التقدير: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم، إنني لكم منه نذير وبشير، والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله، وإذا قلنا: الاستثناء من النفي إثبات، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى، والأمر بعبادة الله تعالى، وذلك هو الحق، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله منكرة، والإعراض عن عبادة الله منكر. واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمراً بتحصيل المعرفة أولاً. ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } تفسير : [البقرة: 21] ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: { أية : ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 21] إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة. ثم قال: {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } وفيه مباحث: البحث الأول: أن الضمير في قوله: {مِنْهُ } عائد إلى الحكيم الخبير، والمعنى: إنني لكم نذير وبشير من جهته. البحث الثاني: أن قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } مشتمل على المنع عن عبادة غير الله، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى، فهو عليه الصلاة والسلام نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها. واعلم أنه صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لهذين الأمرين، وهو الإنذار على فعل ما لا ينبغي، والبشارة على فعل ما ينبغي. المرتبة الثانية: من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ }. والمرتبة الثالثة: قوله: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه: الوجه الأول: أن معنى قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ } اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة، فقال: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة. الوجه الثاني: في فائدة هذا الترتيب أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف. الوجه الثالث: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي، ثم توبوا من الأعمال الباطلة. الوجه الرابع: الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة، أما المنافع الدنيوية: فهي المراد من قوله: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » تفسير : وقال أيضاً: « حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء تم الأمثل فالأمثل » تفسير : وقال تعالى: { أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية. ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟ الجواب: من وجوه. الأول: المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. الثاني: أنه تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان، وإليه الإشارة بقوله: { أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } تفسير : [طه: 132] الثالث: وهو الأقوى عندي أن يقال إن المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر، كان الابتهاج والسرور أتم، لأنه أمن من تغير مطلوبه، وأمن من زوال محبوبه، فأما من كان مشتغلاً بحب غير الله، كان أبداً في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله، فكان عيشه منغصاً وقلبه مضطرباً، ولذلك قال الله تعالى في صفة المشتغلين بخدمته { أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } تفسير : [النحل: 97]. السؤال الثاني: هل يدل قوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } على أن للعبد أجلين، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير؟ والجواب: لا. ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فإن أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين، فثبت أن لكل إنسان أجلاً واحداً فقط. السؤال الثالث: لم سمى منافع الدنيا بالمتاع؟ الجواب: لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها، ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية، ثم لما بين تعالى ذلك قال: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } والمراد منه السعادات الأخروية، وفيها لطائف وفوائد. الفائدة الأولى: أن قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } معناه ويؤت كل ذي فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك وذلك لأن الإنسان إذا كان في نهاية البعد عن الاشتغال بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصاً لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية، فإذا زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات السعادات، فهذا هو المراد من قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ }. الفائدة الثانية: أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية، فكذلك مراتب السعادات الأخروية غير متناهية، فلهذا السبب قال: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ }. الفائدة الثالثة: أنه تعالى قال في منافع الدنيا: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } وقال في سعادات الآخرة {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } وذلك يدل على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطاءه وجوده. وكان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية يعميها عن مشاهدة أن الكل منه، فأما الذين توغلوا في المعارف الإلهية وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بإيجاده، فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع والمعطي والمانع. ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال: {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } والأمر كذلك، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا أعمى، { أية : مَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 72] والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها، فإذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد والميل التام وصار عاجزاً عن الوصول إلى محبوبه، فحينئذ يعظم البلاء ويتكامل الشقاء، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم، وأما تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية. ثم بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ شَىْء قَدِيرٌ }. واعلم أن قوله: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } فيه دقيقة، وهي: أن هذا اللفظ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره، فيدل هذا على أن لا مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضاً في هذه الحياة الدنيوية، إلا أن أقواماً اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء، وأما في دار الآخرة، فهذا الحال الفاسد زائل أيضاً، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ }. ثم قال: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه. أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه، وقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد، والملك القاهر العالي الغالب إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فاسجح. يقول مصنف هذا الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور والكريم إذا قدر غفر، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أن} ن أي بأن {لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ } بالعذاب إن كفرتم {وَبَشِيرٌ } بالثواب إن آمنتم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} يعني أني كتبت في الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. {نَذِيرٌ} من النار {وَبَشِيرٌ} بالجنة.
الخازن
تفسير : {ألا تعبدوا إلا الله} هذا مفعول له معناه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله والمراد بالعبادة التوحيد وخلع الأنداد والأصنام وما كانوا يعبدون والرجوع إلى الله تعالى وإلى عبادته والدخول في دين الإسلام {إنني لكم منه} أي: قل لهم يا محمد إنني لكم من عند الله {نذير} ينذركم عقابه إن ثبتم على كفركم ولم ترجعوا عنه {وبشير} يعني وأبشر بالثواب الجزيل لمن آمن بالله ورسوله وأطاع وأخلص العمل لله وحده {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} اختلفوا في بيان الفرق بين هذين المرتبتين فقيل معناه اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم ثم ارجعوا إليه لأن الاستغفار هو طلب الغفر وهو الستر والتوبة الرجوع عما كان فيه من شرك أو معصية إلى خلاف ذلك فلهذا السبب قدم الاستغفار على التوبة وقيل معناه استغفروا ربكم لسالف ذنوبكم ثم توبوا إليه في المستقبل وقال الفراء: ثم هنا بمعنى الواو لأن الاستغفار والتوبة بمعنى واحد فذكرهما للتأكيد {يمتعكم متاعاً حسناً} يعني إنكم إذا فعلتم ما أمرتم به من الاستغفار والتوبة وأخلصتم العبادة لله عز وجل بسط عليكم من الدنيا وأسباب الرزق ما تعيشون به في أمن وسعة وخير، قال بعضهم: المتاع الحسن هو الرضا بالميسور والصبر على المقدور {إلى أجل مسمى} يعني يمتعكم متاعاً حسناً إلى حين الموت ووقت انقضاء آجالكم. فإن قلت قد ورد في الحديث "حديث : إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"تفسير : وقد يضيق على الرجل في بعض أوقاته حتى لا يجد ما ينفقه على نفسه وعياله فيكف الجمع مبين هذا وبين قوله سبحانه وتعالى يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى. قلت أما قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الدنيا سجن المؤمن"تفسير : فهو بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم فإنه في سجن في الدنيا حتى يفضي إلى ذلك المعد له وأما كون الدنيا جنة الكافر فهو النسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من العذاب الأليم الدائم الذي لا ينقطع فهو في الدنيا في جنة حتى يفضي إلى ما أعد الله له في الآخرة وأما ما يضيق على الرجل المؤمن في بعض الأوقات فإنما ذلك لرفع الدرجات وتكفير السيئات وبيان الصبر عند المصيبات فعلى هذا يكون المؤمن في جميع أحواله في عيشة حسنة لأنه راض عن الله في جميع أحواله. وقوله سبحانه وتعالى: {ويؤت كل ذي فضل فضله} أي ويعط كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة، قال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا زادت حسناته ودرجاته في الجنة لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال، وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ومن زادت سيئاته دخل النار ومن استوت حسناته وسيئاته كان من الأعراف ثم يدخلون الجنة. وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم يقول ابن مسعود: هلك من غلبت آحاده أعشاره وقيل معنى الآية من عمل لله وفقه الله في المستقبل لطاعته {وإن تولوا} يعني وإن أعرضوا عما جئتم به من الهدى {فإني أخاف عليكم} أي: فقل لهم يا محمد إني أخاف عليكم {عذاب يوم كبير} يعني: عذاب النار في الآخرة {إلى الله مرجعكم} يعني في الآخرة فيثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته {وهو على كل شيء قدير} يعني من إيصال الرزق إليكم في الدنيا وثوابكم وعقابكم في الآخرة قوله سبحانه وتعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم} قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر وكان يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يجب وينطوي بقلبه على ما يكره فنزلت ألا إنهم يثنون صدورهم يعني يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة من ثنيت الثوب إذا طويته. وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لا يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره وقيل كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه ويقول هل يعلم الله ما في قلبي، وقال السدي: يثنون صدورهم أي يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت عناني {ليستخفوا منه} يعني من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد من الله عز وجل إن استطاعوا {ألا حين يستغشون ثيابهم} يعني يغطون رؤوسهم بثيابهم {يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} ومعنى الآية على ما قاله الأزهري: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم في كل حال وقد نقل عن ابن عباس غير هذا التفسير وهو ما أخرجه البخاري في إفراده عن محمد بن عياش بن جعفر المخزومي أنه سمع ابن عباس يقرأ: ألا إنهم يثنون صدورهم، قال: فسألته عنها فقال كل أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم.
ابو السعود
تفسير : {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} مفعولٌ له حُذف عنه اللامُ مع فقدان الشرطِ، أعني كونَه فعلاً لفاعل الفعلِ المعللِ جرياً على سنن القياسِ المطّردِ في حذف حرفِ الجرِّ مع أن المصدريةِ، كأنه قيل: كتابٌ أُحكمت آياتُه ثم فُصّلت لئلا تعبدوا إلا الله، أي لتترُكوا عبادةَ غيرِ الله عز وجل وتتمحّضوا في عبادته، فإن الإحكامَ والتفصيلَ على ما فُصّل من المعاني مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيدِ وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبةً. وقيل: أنْ مفسرةٌ لما في التفصيل من معنى القولِ أي قيل: لا تعبدوا إلا الله {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ} من جهة الله تعالى {نَّذِيرٌ} أُنذركمَ عذابَه إن لم تتركوا ما أنتم عليه من الكفر وعبادةِ غيرِ الله تعالى {وَبَشِيرٌ} أبشركم بثوابه إن آمنتم به وتمحّضتم في عبادته، ولمّا ذُكر شؤون الكتابِ من إحكام آياتهِ وتفصيلِها وكونِ ذلك من قِبَل الله تعالى وأُورد معظمُ ما نُظم في سلك الغايةِ والأمرِ من التوحيد وتركِ الإشراك وُسِّط بـينه وبـين قرينيه ـ أعني الاستغفارَ والتوبة ـ ذِكرُ أن من نُزّل عليه ذلك الكتابُ مرسَلٌ من عند الله تعالى لتبليغ أحكامِه وترشيحِها بالمؤيدات من الوعد والوعيدِ للإيذان بأن التوحيدَ في أقصى مراتبِ الأهمية حتى أُفرد بالذكر وأُيِّد إيجابُه بالخطاب غِبَّ الكتابِ مع تلويح بأنه كما لا يتحقق في نفسه إلا مقارِناً للحُكم برسالته عليه السلام كذلك في الذكر لا ينفكّ أحدُهما عن الآخر، وقد رُوعيَ في سَوق الخطابِ بتقديم الإنذار على التبشير ما رُوعيَ في الكتاب من تقديم النفي على الإثبات والتخليةِ على التحليةِ لتجاوب أطرافِ الكلامِ، ويجوز أن يكون قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} كلاماً منقطعاً عما قبله وارداً على لسانه عليه السلام إغراءً لهم على اختصاصه تعالى بالعبادة كأنه عليه السلام قال: «حديث : تركَ عبادةِ غيرِ الله»تفسير : أي الزموه، على معنى اترُكوا عبادةَ غيرِ الله تركاً مستمراً إنني لكم من جهة الله تعالى نذيرٌ وبشير، أي نذير أنذرُكم من عقابه على تقدير استمرارِكم على الكفر وبشيرٌ أبشرّكم بثوابه على تقدير تركِكم له وتوحيدِكم، ولما سيق إليهم حديثُ التوحيدِ وأُكد ذلك بخطاب الرسولِ صلى الله عليه وسلم على وجه الإنذارِ والتبشيرِ شُرع في ذكر ما هو من تتماته على وجه يتضمّن تفصيلَ ما أجمل وصف البشير والنذير فقيل: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} وهو معطوفٌ على أن لا تعبدوا على ما ذكر من الوجهين فعلى الأول أنْ مصدريةٌ لجواز كون صلتِها أمراً أو نهياً كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا }تفسير : [يونس: 105] لأن مدارَ جوازِ كونِها فعلاً إنما هو دلالتُه على المصدر وهو موجودٌ فيهما، ووجوبِ كونِها خبريةً في صلة الموصول الاسميِّ إنما هو للتوصل إلى وصف المعارفِ بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبريةً، وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك، ولما كان الخبرُ والإنشاءُ في الدلالة على المصدر سواءً ساغ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسبما ساغ وقوعُ الفعلِ فيتجرد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي نحوُ تجرّدِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيِّ والاستقبال {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} عطف على استغفروا والكلامُ فيه كالكلام فيه والمعنى فُعل ما فُعل من الإحكام والتفصيلِ لتخصّوا الله تعالى بالعبادة وتطلُبوا منه سَتر ما فرَط منكم من الشرك ثم ترجِعوا إليه بالطاعة أو تستمرّوا على ما أنتم عليه من التوحيد والاستغفارِ أو تستغفروا من الشرك وتتوبوا من المعاصي، وعلى الثاني أنْ مفسرةٌ أي قيل في أثناء تفصيلِ الآياتِ: لا تعبدوا إلا الله واستغفِروه ثم توبوا إليه، والتعرّضُ لوصف الربوبـيةِ تلقينٌ للمخاطَبـين وإرشادٌ لهم إلى طريق الابتهالِ في السؤال وترشيحٌ لما يعقُبه من التمتيع وإيتاءِ الفضلِ بقوله تعالى: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا} أي تمتيعاً، وانتصابُه على أنه مصدرٌ حذف منه الزوائدُ كقوله تعالى: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] أو على أنه مفعولٌ به وهو اسمٌ لما يُتمتّع به من منافع الدنيا من الأموال والبنينَ وغيرِ ذلك، والمعنى يُعِيْشُكم عَيشاً مرضياً لا يفوتكم فيه شيءٌ مما تشتهون ولا ينغصُه شيءٌ من المكدرات {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} مقدّرٍ عند الله عز وجل وهو آخرُ أعمارِكم، ولما كان ذلك غايةً لا يطمح وراءَها طامحٌ جرى التمتيعُ إليها مجرى التأيـيدِ عادةً أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} في الطاعة والعملِ {فَضْلَهُ} جزاءَ فضلِه إما في الدنيا أو في الآخرة، وهذه تكملةٌ لما أُجمل من التمتيع إلى أجل مسمًّى وتبـيـينٌ لما عسى يعسُر فهمُ حكمتِه من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحالِ بـين العاملين، فرب إنسانٍ له فضلٌ طاعةٌ وعملٌ لا يُمتّع في الدنيا أكثرَ مما مُتِّع آخرُ دونه في الفضل، وربما يكون المفضولُ أكثرَ تمتيعاً فقيل: ويُعطِ كلَّ فاضلٍ جزاءَ فضلِه، إما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في الآخرة، وذلك مما لا مرد له وهذا ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل فيما سبق من البشارة، ثم شرُع في الإنذار فقيل: {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تتولوا عما أُلقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبةِ، وإنما أُخّر عن البشارة جرياً على سنن تقدمِ الرحمةِ على الغضب أو لأن العذابَ قد علّق بالتولي عما ذكر من التوحيد والاستغفارِ والتوبةِ وذلك يستدعي سابقةَ ذكرِه، وقرىء تُوَلّوا من ولّىٰ {فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} بموجب الشفقة والرأفةِ أو أتوقع {عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} هو القيامةُ وُصف بالكِبَر كما وصف بالعِظَم في قوله تعالى: {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [المطففين: 4]إما لكونه كذلك في نفسه أو وُصف بوصف ما يكون فيه كما وُصفَ بالثقل في قوله تعالى: {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأعراف: 187] وقيل: يوُم الشدائد وقد ابتلُوا بقَحطٍ أكلوا فيه الجيَفَ، وأياً ما كان ففي إضافةِ العذابِ إليه تهويلٌ وتفظيعٌ له.
القشيري
تفسير : أي فصلَتْ آياتُه بألا تعبدوا إلا الله. ويقال معناه في هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إني لكم منه "نذيرٌ" مبينٌ بالفرقة، "وبشيرٌ" بدوام الوصلة، (فالفرقة بل في عاجله واحداً).
اسماعيل حقي
تفسير : {ان لا تعبدوا الا الله} مفعول له حذف منه اللام مع فقدان الشرط اعنى كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل بناء على القياس المطرد فى حذف حرف الجر مع ان المصدرية كأنه قيل كتاب احكمت آياته ثم فصلت لاجل ان لا تعبدوا الا الله اى تتركوا يا اهل مكة عبادة غير الله وتتمحضوا فى عبادته دل على ان لا مقصود من هذا الكتاب الشريف الا هذا الحر الواحد فكل من صرف عمره الى سائر المطالب فقد خاب وخسر{انى لكم منه نذير وبشير} كلام على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. قوله منه اما حال من نذير وبشير اى كائنا من جهة الله تعالى او متعلق بنذير اى أنذركم من عذابه ان كفرتم اى بقيتم على الكفر وعبادة غير الله تعالى وابشركم بثوابه ان امنتم وتقديم النذير لان التخويف هو الاهم اذ التخلية قبل التحلية
الطوسي
تفسير : يحتمل (أن) في قوله {أن لا تعبدوا} أمرين: احدهما - أن يكون بمعنى المصدر كقولك كتبت اليه أن لا تخرج بالجزم وكان يجوز في العربية أن لا تعبدون على الوجه الأول، وهو الاخبار بأنهم لا يعبدون كما تقول: كتبت اليه أن لا تخرج أي بأنك لا تخرج. و {أن لا تعبدوا} في موضع نصب وتقديره فصلت آياته بأن لا تعبدوا او لئلا تعبدوا. والثاني - يحتمل أن يكون المعنى أمرتم بأن لا تعبدوا، فلما حذف الباء نصب بعدها، ومعنى (إلا) في الآية ايجاب للمذكور بعدها وهو ما نفي عن كل ما سواه من العبادة وهي التي تفرغ عامل الاعراب لما بعدها من الكلام. وقوله {إني لكم منه نذير وبشير} اخبار أن النبي صلى الله عليه وآله مخوف من مخالفة الله وعصيانه بأليم عقابه مبشر بثواب الله على طاعاته واجتناب معاصيه، والنذارة اعلام موضع المخافة ليتقى، ونذير بمعنى منذر كأليم بمعنى مؤلم. والبشارة اعلام بما يظهر في بشرة الوجه به المسرة وبشير بمعنى مبشر. وقوله {وأبشروا بالجنة} معناه واستبشروا.
الجنابذي
تفسير : {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} ان مصدريّة اى لان لا تعبدوا والفعل نفى او نهى او تفسيريّة والفعل نهى يعنى انّ خلاصة الغرض من تفصيل الكتاب نهيكم عن عبادة غير الله وامركم بالاستغفار والتّوبة {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} امّا من كلام الله ولا اشكال او من كلام الرّسول (ص) حكاه الله كأنّه قال: فبلّغه رسولنا (ص) فقالوا: ما انت وذاك؟ - فقال: "حديث : انّنى لكم من جانب الله نذير من موجبات سخطه وبشير برحمته ".
اطفيش
تفسير : {ألاَّ تعْبدُوا} أى بأن لا تعبدوا، أو لئلا تعبدوا، فحذف الجار وهو متعلق بفصلت أو بأحكمت، أو التقدير أمركم بأن لا تعبدوا، أو الزموا ألا تعبدوا، فيكون إغراء على التوحيد والتبرى عن عبادة غير الله، ويكون مستأنفا، أو أن مفسرة لفصلت، فإن التفصيل فيه معنى القول دون حروفه، وعلى هذا فلا ناهية. {إلاَّ اللهَ إنَّنى} قل أى إننى {لكُم منْهُ} أى من الله حال من قوله: {نَذيرٌ وبَشيرٌ} أو متعلق بنذير، والمراد نذير بالعقاب على الشرك، وبشير بالثواب على الإيمان، وقدم النذير لأن التحذير من النار أهم.
اطفيش
تفسير : {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ} لئَلا تعبدوا إِلا الله. ولا نافية لا ناهية فلا تهم كيف يصح معنى لا الناهية بعدم لام الجر والتعليل، وأُجيز تقدير ياء السببية ولا نافية أَيضاً والجار متعلق بفصلت أَو أُحكمت على التنازع أَو المراد ضمن الكتاب أَن لا تعبد، إِو من النظر أَلا تعبدوا إِلا الله، أَو فى الكتاب أَلا تعبدوا إِلا الله أَو تفصيله، أَلا تعبدوا إِلا الله أَو هى أَن لا تعبدوا إِلا الله، أَو بدل من آيات، والأَول أَولى، ويليه أَن تكون تفسيرية لأَن فى التفصيل معنى القول دون حروفه، وقيل يجوز أَن يكون إِغراءً إِلى ترك عبادة غير الله أَغراهم إِلى تركها وإِنما يعرف هذا فى الاسم الصريح، ولا يجوز أَن يكون مفعولا مطلقاً لا تركوا لأَن المفعول المطلق لا يكون فى المؤَول بالمصدر فلا تهم. {إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} الهاءُ لله أَو للكتاب، والظرفان حالان من بشير ويقدر مثلهما النذير أَو من المستتر منهما أَو منه حال من المستتر فى لكم أَو متعلق ببشير ويقدر مثله النذير على معنى يحصل التبشير منه والإِنذار منه، والمراد الإِنذار بالعذاب لمن كفر وخالف الكتاب والتبشير لمن آمن وعمل، وقدم الإِنذار لأَن التخويف أَهم وسبب لما به التبشير، ولأَنه أَنسب بالزجر عن عبادة غَير الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} في موضع العلة للفعلين السابقين على جعل {أن} مصدرية وتقدير اللام معها كأنه قيل: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله أي لتتركوا عبادة غيره عز وجل وتتمحضوا لعبادته سبحانه، فإن الأحكام والتفصيل مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبة. وجوز أن تكون مفسرة لما في التفصيل من معنى القول دون حروفه كأنه قيل: فصل وقال: لا تعبدوا إلا الله أو أمر أن لا تعبدوا إلا الله، وقيل: إن هذا كلام منقطع عما قبله غير متصل به اتصالاً لفظياً بل هو ابتداء كلام قصد به الاغراء على التوحيد على لسانه صلى الله عليه وسلم و {أن} وما بعدها في حيز المفعول به لمقدر كأنه قيل: الزموا ترك عبادة غيره تعالى، واحتمال أن يكون ما قبل أيضاً مفعولاً به بتقدير قل أول الكلام خلاف الظاهر، ومثله احتمال كون {أن} والفعل في موقع المفعول المطلق، وقد صرح بعض المحققين أن ذلك مما لا يحسن أو لا يجوز فلا ينبغي أن يلتفت إليه. {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} ضمير الغائب المجرور لله تعالى و {مِنْ} لابتداء الغاية، والجار والمجرور في الأصل صفة النكرة فلما قدم عليها صار حالا كما هو المعروف في أمثاله أي إني لكم من جهته تعالى نذير أنذركم عذابه أن لم تتركوا ما أنتم عليه من عبادة غيره سبحانه وبشير / أبشركم ثوابه إن آمنتم وتمحضتم في عبادته عز وجل، وجوز كون {مِنْ} صلة النذير والضمير إما له تعالى أيضاً، والمعنى حينئذ على ما قال أبو البقاء نذير من أجل عذابه وإما للكتاب على معنى إني لكن نذير من مخالفته وبشير لمن آمن به.
ابن عاشور
تفسير : (أنْ) تفسيرية لما في معنى {أية : أحكمت آياتُه ثُم فصلت}تفسير : [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل، ولذلك تكرر الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن، وأن أول آية نزلت كان فيها الأمرُ بملابسة اسم الله لأول قراءة القرآن في قوله تعالى: {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق}تفسير : [العلق: 1]. والخطاب في {ألاَّ تعبدوا} وضمائر الخطاب التي بعده موجهة إلى الذين لم يؤمنوا وهم كل من يسمع هذا الكلام المأمور بإبلاغه إليهم. وجملة: {إنني لكم منه نذير وبشير} معترضة بين جملة {أية : ألا تعبدوا إلا الله}تفسير : [هود: 1] وجملة {أية : وأن استغفروا ربكم}تفسير : [هود: 3] الآية، وهو اعتراض للتحذير من مخالفة النهي والتحريض على امتثاله. ووقوع هذا الاعتراض عقب الجملة الأولى التي هي من الآيات المحكمات إشعارٌ بأن مضمونه من الآيات المحكمات وإن لم تكن الجملة تفسيرية وذلك لأن شأن الاعتراض أن يكون مناسباً لما وقع بعده وناشئاً منه فإن مضمون البشير والنذير هو جامع عمل الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته فهو بشير لمن آمن وأطاع، ونذير لمن أعرض وعصى، وذلك أيضاً جامع للأصول المتعلقة بالرسالة وأحوال الرسل وما أخبروا به من الغيب فاندرج في ذلك العقائد السمعية، وهذا عين الإحكام. و(من) في قوله: {إنني لكم منه} ابتدائية، أي أني نذير وبشير لكم جائياً من عند الله. والجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله بطريق النهي وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني.
الشنقيطي
تفسير : هذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها: هي أن يعبد الله جل وعلا وحده، ولا يشرك به في عبادته شيء، لأن قوله جل وعلا: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} الآية – صريح في أن آيات هذا الكتاب فصلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن يعبد الله وحده، سواء قلنا إن "أن" هي المفسرة. أو أن المصدر المنسبك منها ومن صلتها مفعول من أجله، لأن ضابط "أن" المفسرة أن يكون ما قبلها متضمناً معنى القول، ولا يكون فيه حروف القول. ووجهه في هذه الآية أن قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} فيه معنى قول الله تعالى لذلك الإحكام والتفصيل دون حروف القول، فيكون تفسير ذلك هو: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}. وأما على القول بأن المصدر المنسبك من "أن" وصلتها مفعول له فالأمر واضح، فمعنى الآية، أن حاصل تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء. ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة الأنبياء: { أية : قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 108] ومعلوم أن لفظه "إنما" من صيغ الحصر، فكأن جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى "لا إله إلا الله" وقد ذكرنا في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب". أن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع، لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى "لا إله إلا الله" لأن معناها. خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية. والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جداً، كقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوت} تفسير : [النحل: 36]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُون} تفسير : [الأنبياء: 25]، وقوله: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 45] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنستقصي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة "النَّاس"، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 2- أرشد به الناس - أيها النبى - وقلْ لهم: لا تعبدوا إلا الله، إننى مُرْسَلٌ منه لأنذركم بعذابه إن كفرتم، وأُبشّركم بثوابه إن آمنتم وأطعتم. 3- وتضرّعوا إلى الله داعين أن يغفر لكم ذنوبكم، ثم ارجعوا إليه بإخلاص العبادة وعمل الصالحات، فَيُمتعكم متاعاً حسناً فى الدنيا إلى أن تنتهى آجالكم المقدّرة لكم فيها، ويُعطى فى الآخرة كل صاحب عمل صالح فاضل ثواب عمله وفضله. وإن تنصرفوا عمّا أدعوكم إليه، تعرضتم للعذاب، فإنى أخاف عليكم هذا العذاب فى يوم كبير يحشر فيه الناس جميعاً، ويكون فيه الهول الأكبر. 4- إلى الله - وحده - مرجعكم فى الدنيا، ويوم القيامة حين يبعثكم من قبوركم ليجازيكم على أعمالكم، وهو قادر على كل شئ، لأنه كامل القدرة لا يعجز عن شئ من الأشياء. 5- إن الناس يطوون صدورهم كاتمين لما يجول فيها، مجتهدين فى كتمانهم، زاعمين أن عاقبة ذلك أن تستخفى خلجات صدورهم عن الله! ألا فليعلم هؤلاء أنهم إن آووا إلى فراشهم لابسين لباس النوم، فاستتروا بظلام الليل والنوم وطى ما فى الصدور، فإن الله عليم بهم، فى سرهم وعلنهم، لأنه يعلم ما يصاحب الصدور ويطوى فيها. 6- ولْيعْلم هؤلاء أن قدرة الله ونعمه وعلمه شاملة لكل شئ، فلا توجد دابة تتحرك فى الأرض إلا وقد تكَفَّل الله سبحانه برزقها المناسب لها فى مختلف البيئات تفضلاً منه، ويعلم مكان استقرارها فى حال حياتها، والمكان الذى تودع فيه بعد موتها.. كل شئ من ذلك مسجل عنده سبحانه فى كتاب موضح لأحوال ما فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : (2) - وَأَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ، بِأَنْ لاَ تَعْبُدُوا غَيْرَهُ إِلهاً، وَبِأَنْْ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي نَذِيراً مِنَ العَذَابِ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ، وَبَشِيراً بِالثَّوَابِ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصِّلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله. والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر، وفيما نهى. وهكذا نجد أن العبادة تقتضي وجود معبود له أمر وله نهي، والمعبود الذي لا أمر له ولا نهي لا يستحق العبادة، فهل مَنْ عَبَدَ الصنم تلقَّى من أمراً أو نهياً؟ وهل مَنْ عَبَدَ الشمس تلقَّى منها أمراً أو نهياً؟ إذن: فكلمة العبادة لكل ما هو غير الله هي عبادة باطلة؛ لأن مثل تلك المعبودات لا أمر لها ولا نهي، وفوق ذلك لا جزاء عندها على العمل الموافق لها أو المخالف لها. والعبادة بدون منهج "افعل" و"لا تفعل" لا وجود لها، وعبادة لا جزاء عليها ليست عبادة. وهنا يجب أن نلحظ أن قول الحق سبحانه: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [هود: 2]. غير قوله سبحانه: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [المائدة: 72]. ولو أن الرسل تأتي الناس وهم غير ملتفتين إلى قوة يعبدونها ويقدسونها لكان على الرسل أن يقولوا للناس: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [الأعراف: 59]. ولكن هنا يقول الحق سبحانه: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [هود: 2]. فكأنه سبحانه يواجه قوماً لهم عبادة متوجهة إلى غير من يستحق العبادة؛ فيريد سبحانه أولاً أن يُنهي هذه المسألة، ثم يثبت العبادة لله. إذن: فهنا نفي وإثبات، مثل قولنا: "أشهد ألا إله إلا الله"، هنا ننفي أولاً أن هناك إلهاً غير الله، ونثبت الألوهية لله سبحانه. وأنت لا تشهد هذه الشهادة إلا إذا وُجِد قوم يشهدون أن هناك إلهاً غير الله تعالى، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد سبحانه؛ لكان الذهن خالياً من ضرورة أن نقول هذه الشهادة. ولكن قول الحق سبحانه {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [هود: 2]. معناه النفي أولاً للباطل، وإذا نُفِي الباطل لا بد أن يأتي إثبات الحق، حتى يكون كل شيء قائماً على أساس سليم. ولذلك يقال: "درء المفسدة مقدَّم دائماً على جلب المنفعة" فالبداية ألا تعبد الأصنام، ثم وجِّه العبادة إلى الله سبحانه. وما دامت العبادة هي طاعة الأمر، وطاعة النهي، فهي - إذن - تشمل كل ما ورد فيه أمر، وكل ما ورد فيه نهي. وإنْ نظرت إلى الأوامر والنواهي لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق. وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه أو زيادة الصالح ليكون أصلح، فهذه عبادة. إذن: فالإسلام لا يعرف ما يقال عنه "أعمال دنيئة"، و"أعمال شريفة" ولكنه يعرف أن هناك عاملاً دنيئاً وعاملاً شريفاً. وكل عامل يعمل عملاً تتطلبه الحياة بقاء للصالح أو ترقية لصلاحه وعدم الإفساد، فهذا عامل شريف؛ وقيمة كل امرىء فيما يحسنه. وهكذا نجد أن كلمة العبادة تستوعب كل أقضية الحياة؛ لأن هناك أمراً بما يجب أن يكون، وهناك نهياً عما يجب ألا يكون، وما لم يرد فيه نهي لك الخيار في أن تفعله أو لا تفعله، فإذا نظرت إلى نسبة ما تؤمر به، ونظرت ألى ما تُنهى عنه بالنسبة لأعمال الحياة، لوجدت أنها نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة من كل أعمال الحياة، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه كل أوجه الحياة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ". تفسير : وأعداء الإسلام يحاولون أن يحددوا الدين في هذه الأركان الخمسة، ولكن هذه الأركان هي الأعمدة التي تقوم عليها عمارة الإسلام. وأركان الإسلام هي إعلان استدامة الولاء لله تعالى، وكل أمر من أمور الحياة هو مطلوب للدين؛ لأنه يصلح الحياة. وهكذا نجد أن العلم بالدين ضرورة لكل إنسان على الأرض، أما العلوم الأخرى فهي مطلوبة لمن يتخصص فيها ويرتقي بها ليفيد الناس كلهم، وكلما كان المتفوق من المسلمين كان ذلك تدعيماً لرفعة الإسلام. إذن فالقاسم المشترك في الحياة هو العلم بالدين، ولكن يجب أن نفهم هذه القضية على قدرها، فلا يأتي إنسان لا يعرف صحيح الدين ليتكلم والعَوْل، والرد؛ لأن المسلم قد تمر حياته كلها ولا يحتاج رأياً في قضية التوريث، أو أن يتعرف على المستحقين للميراث وأنصبتهم، وغير ذلك. وإن تعرَّض المسلم لقضية مثل هذه، نقول له: أنت إذا تعرضت لقضية مثل هذه فاذهب إلى المختصين بهذا العلم، وهم أهل الفقه والفتوى، لأنك حين تتعرض لقضية صحية تذهب إلى الطبيب، وحين تتعرض إلى قضية هندسية تذهب إلى المهندس، وإن تعرضت لعملية محاسبية تذهب إلى المحاسب، فإن تعرضت إلى أي أمر ديني، فأنت تسأل عنه أهل الذكر. وأنت إذا نظرت إلى العبادة، تجد أنها تتطلب كل حركة في الحياة، وسبق أن ضربت لذلك مثلاً وقلت: هَبْ أن إنساناً يصلي، ولا يفعل شيئاً في الحياة غير الصلاة، فمن أين له أن يشتري ثوباً يستر به عورته ما دام لا يعمل عملاً آخر غير الصلاة، وهو إن أراد أن يشتري ثوباً، فلا بد له من عمل يأخذ مقابله أجراً، ويشتري الثوب من تاجر التجزئة، الذي اشترى الأثواب من تاجر الجملة، وتاجر الجملة اشتراها من المصنع، في الدين؛ لأن العلم بالدين يقتضي اللجوء إلى أهل الذكر. فإن قيل: الدين للجميع، نقول: صدقت بمعنى التدين للجميع، أما العلم بالدين فله الدراسة المتفقهة. وأهل الذكر أيضاً في العلوم الأخرى يقضون السنوات لتنمية دراساتهم، كما في الطب أو الهندسة أو غيرهما، وكذلك الأعمال المهنية تأخذ من الذي يتخصص فيها وقتاً وتتطلب جهداً، فما بالنا بالذي يُصلح أسس إقامة الناس في الحياة، وهو التفقه في الدين. لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}تفسير : [التوبة: 122]. فنحن لا نطلب من كل مسلم - مثلاً - أن يدرس المواريث ليعرف العَصبة وأصحاب الفروض، وأولي الأرحام، والمصنع قام بتفصيل الثياب بعد أن نسجها مصنع آخر، والمصنع الآخر نسج الثياب من غزل القطن أو الصوف. والقطن جاء من الزراعة، والصوف جاء من جز شعر الأغنام. وهكذا تجد أن مجرد الوقوف أمام خالقك لتصلي يقتضي أن تكون مستور العورة في صلاتك، هذا الستر يتطلب منك أن تتفاعل مع الحياة بالعمل. وانظر لنفسك واسألها: ما أفطرتَ اليوم؟ وأقلُّ إجابة هي: أفطرت برغيف وقليل من الملح، وستجد أنك اشتريت الرغيف من البقال، وجاء البقال بالرغيف من المخبز، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن، والمطحن أنتج الدقيق بعد طحن الغلال التي جاءت من الحقل. وكذلك تمت صناعة ألات الطحن في مصانع أخرى قد تكون أجنبية. وهكذا تمت صناعة الرغيف بسلسلة هائلة من العمليات، فهناك الفلاح الذي حرث، وهناك مصمم آلة الطحن الذي درس الهندسة، وهناك عالم "الجيولوجيا" الذي درس طبقات الأرض ليستخرج الحديد الخام من باطنها، وهناك مصنع الحديد الذي صهر الحديد الخام؛ ليستخلص منه الحديد النقي الصالح للتصنيع. وهكذا تجد أن كل حركة في الحياة قد خدمت قضية دينك، وخدمت وقوفك أمام خالقك لتصلي، فلا تقل: "سأنقطع للعبادة" بمعنى أن تقصر حياتك على الصلاة فقط، لأن كل حركة تصلح في الحياة هي عبادة، وإن أردت ألا تعمل في الحياة، فلا تنتفع بحركة عامل في الحياة. وإذا لم تنتفع بحركة أي عامل في الحياة، فلن تقدر أن تصلي، ولن تقدر أن يكون لك قوة لتصلي. إذن فالعبادة هي كل حركة تتطلبها الحياة في ضوء "افعل" و"لا تفعل". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 2]. والنذير: هو من يُخبر بشرٍّ زمنه لم يجيء، لتكون هناك فرصة لتلافي العمل الذي يُوقع في الشر، والبشير هو من يبشِّر بخير سيأتي إن سلك الإنسان الطريق إلى ذلك الخير. إذن: الإنذار والبشارة هي أخبار تتعلق بأمر لم يجيء. وفي الإنذار تخويف ونوع من التعليم، وأنت حين تريد أن تجعل ابنك مُجِداً في دراسته؛ تقول له: إن لم تذاكر فسوف تكون كابن فلانٍ الذي أصبح صعلوكاً تافهاً في الحياة. إذن: فأنت تنذر ابنك؛ ليتلافى من الآن العمل الذي يؤدي به إلى الفشل الدراسي. وكذلك يبشر الإنسان ابنه أو أي إنسان آخر بالخير الذي ينتظره حين يسلك الطريق القويم. إذن: فالعبادة هي كل حركة من حركات الحياة ما دام الإنسان مُتَّبعاً ما جاء بالمنهج الحق في ضوء "افعل" و"لا تفعل"، وما لم يرد فيه "افعل" و"لا تفعل" فهو مباح. وعلى الإنسان المسلم أن يُبصِّر نفسه، ومن حوله بأن تنفيذ أي فعل في ضوء "افعل" هو العمل المباح، وأن يمتنع عن أي فعل في ضوء "لا تفعل" ما دام الحق سبحانه وتعالى قد نهى عن مثل هذا الفعل، وعلى المسلم تحرِّي الدقة في مدلول كل سلوك. ونحن نعلم أن التكليفات الإيمانية قد تكون شاقة على النفس، ومن اللازم أن نبيِّن للإنسان أن المشقة على النفس ستأتي له بخير كبير. ومثال ذلك: حين نجد الفلاح وهو يحمل السماد العضوي من حظيرة البهائم؛ ليضعه على ظهر الحمار ويذهب به إلى الحقل؛ ليخلطه بالتربة، وهو يعمل هذا العمل بما فيه من مشقة انتظاراً ليوم الحصاد. ويبيِّن الحق - سبحانه وتعالى - هنا على لسان رسوله أن الأمر بعدم عبادة أي كائن غير الله، هو أمر من الله سبحانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نذير وبشير من الله. وقول الحق سبحانه وتعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [هود: 2]. فيه نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبودية الله تعالى. وهذا يتوافق ويتسق مع الإنذار والبشارة؛ لأن عبادة غير الله تقتضي نذيراً، وعبادة الله في الإسلام تقتضي بشيراً. ولأن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان ويعلم ضعف الإنسان، ومعنى هذا الضعف أنه قد يستولي عليه النفع العاجل، فيُذهبه عن خير آجلٍ أطول منه، فيقع في بعض من غفلات النفس. لذلك بيَّن الحق سبحانه أن من وقع في بعض غفلات النفس عليه أن يستغفر الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يبخل برحمته على أحدٍ من خلقه. وإن طلب العبد المذنب مغفرة الله، فسبحانه قد شرع التوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله تعالى. ولا يقع عبد في معصية إلا لأنه تأبَّى على منهج ربه، فإذا ما تاب واستغفر، فهو يعود إلى منهج الله سبحانه، ويعمل على ألا يقع في ذنب جديد. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):