١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } من الشرك {ثُمَّ تُوبُواْ } ارجعوا {إِلَيْهِ } بالطاعة {يُمَتِّعْكُمْ } في الدنيا {مَّتَٰعًا حَسَنًا } بطيب عيش وسعة رزق {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو الموت {وَيُؤْتِ } في الآخرة {كُلَّ ذِي فَضْلٍ } في العمل {فَضْلَه } جزاءه {وَإِن تَوَلَّوْاْ } فيه حذف إحدى التاءين أي تُعرضوا {فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هو يوم القيامة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} مما سلف ثم توبوا إليه في المستأنف متى وقعت منكم ذنوب، أو قدّم الاستغفار، لأنه المقصود وأخّر التوبة لأنها سبب إليه. {مَّتَاعاً حَسَناً} في الدنيا بطيب النفس وسعة الرزق، أو بالرضا بالميسور والصبر على المقدور، أو بترك الخلق والإقبال على الحق قاله سهل رضي الله تعالى عنه {أَجَلٍ مُّسَمًّى} الموت، أو القيامة، أو وقت لا يعلمه إلا الله ـ تعالى ـ "ع" {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ} يهديه إلى العمل الصالح "ع"، أو يجزيه به في الآخرة. {كَبِيرٍ} يوم القيامة لكبر الأمور فيه.
التستري
تفسير : قوله: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ}[3] قال: الاستغفار هو الإجابة، ثم الإنابة ثم التوبة، ثم الاستغفار؛ فالإجابة بالظاهر، والإنابة بالقلب، والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها. قوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً}[3] قال: ترك الخلق والإقبال على الحق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} [الآية: 3]. قال أبو بكر الحواشى: التوبة التى تتولد من الاستغفار أن ترفع ثوب النجس والغش والدنس. سُئل سهل بن عبد الله عن الاستغفار. فقال: هو الإنابة ثم الإجابة، ثم التوبة ثم الاستغفار بالظاهر والإنابة بالقلب والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها. قال بعضهم: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين. وقال بعضهم: استغفروا ربكم من الدعاوى وتوبوا إليه من الخطرات المذمومة. وقال يوسف: استغفار العامة من الذنوب واستغفار الخاصة من رؤية الأفعال ومن رؤية المنة والفضل، واستغفار الأكابر من رؤية كل شىء سوى الحق. قوله تعالى: {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} [الآية: 3]. قال الواسطى رحمة الله عليه: طيب النفس وسعة الرزق والرضاء بالمقدور. قال سهل: هو نزل الخلق والإقبال على الحق. قال أبو الحسين الوراق فى قوله: يمتعكم متاعًا حسنًا قال يرزقكم صحبة الفقراء الصادقين. وقال الجنيد رحمة الله عليه: لا شىء أحسن على العبد من ملازمة الحقيقة وحفظ السر مع الله وهو تفسير قوله يمتعكم متاعًا حسنًا. قال الحسين يمتعكم متاعًا حسنًا: الرضاء بالميسور والصبر على كربة المقدور. قال محمد بن الفضل: هو طيب النفس وسعة الصدر وتمام الرزق والرضاء. قوله تعالى: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: ذو الفضل من رزق بعد الاستغفار والتوبة حسن الإنابة والإخبَات مع دوام الخشوع. قال النصرآباذى: رؤية الفضل تقطع عن المتفضل كما أن رؤية المنة تحجب عن المنان. قال بعضهم فى قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} يوصل كل مستحق إلى ما يستحقه من مجالس القربة وسمو المنزلة. قال الجوزجانى: من قدر عليه الفضل فى السبق يوصله إلى ذلك عند إيجاده. سئل أبو عثمان عن قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} قال: يحقق آمال من أحسن ظنه به.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ}. استغفروا ربَّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده. والاستغفار طلب المغفرة، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة، وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها... فابْتَدِئوا باستغفاركمْ، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم، والتَنَقِّي عن إصراركم. ويقال استغفروا في الحال مما سلف، ثم إنْ ألْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا. ويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم - مما أسلفتم من قبيح أعمالكم. ويقال: {ٱسْتَغْفِرُواْ}: الاستغفار هو التوبة، والتنقي من جميع الذنوب، ثم "توبوا" منْ تَوَهُّم أنكم تُجابُون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم. ويقال "الاستغفار": طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفوِنا.. فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به. قوله جلّ ذكره: {إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. أي نُعَيِِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً. ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص. ويقال هو القناعة بالموجود. ويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لا سيما للئيم. ويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين. ويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس. ويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة. ويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر. قوله جلّ ذكره: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}. مَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءَ ما فَضَلَ له من الطاعات، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات... هذا بيان التفسير. ويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده.. ويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، وما منه ومَا لَه... بِعَيْن الاستحقار والاستصغار. ويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، ويُنقيِّه عن (.....) البشرية، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير. ويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت. ويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان استغفروا ربكم} عطف على الا تعبدوا سواء كان نهيا او نفيا وان مصدرية وسوغ سيبويه ان توصل ان بالامر والنهى لان الامر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرهما من الافعال والاستغفار طلب المغفرة وهي ان يستر على العبد ذنوبه فى الدنيا ويتجاوز عن عقوبته فى العقبى {ثم توبوا اليه} ثم اخلصوا التوبة واستقيموا عليها كما فى بحر العلوم للسمرقندى. وقال فى الارشاد المعنى فعل ما فعل من الاحكام والتفصيل لتخصوا الله بالعبادة وتطلبوا منه ستر ما فرط منكم من الشرك ثم ترجعوا اليه بالطاعة انتهى فثم ايضا على بابها فى الدلالة على التراخى الزمانى ويجوز ان يكون ثم لتفاوت ما بين الامرين وبعد المنزلة بينهما من غير اعتبار تعقيب وتراح فان بين التوبة وهى انقطاع العبد اليه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا كذا ذكره الرضى. قال الفراء ثم ههنا بعد الواو لان الاستغفار توبة انتهى يقول الفقير فرقوا بينهما كما قال الحدادى عند قوله تعالى {أية : ومن يعمل سوأ او يظلم ثم يستغفر الله} تفسير : اى بالتوبة الصادقة وشرطت التوبة لان الاستغفار لا يكون توبة بالاجماع ما لم يقل معه تبت واسات ولا اعود اليه ابدا فاغفر لى يا رب {يمتعكم متاعا حسنا} انتصابه على انه مصدر بمعنى تمتيعا حذف منه الزوائد. والتمتيع جعل الشخص متمتعا منتفعا بشيء. والمعنى يعيشكم عيشا مرضيا لا يفوتكم فيه شيء مما تشتهون ولا ينغصه شيء من المكدرات {الى اجل مسمى} الى آخر الاعمار المقدرة وتموتوا على فرشكم -كما حكى- ان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام قل لفرعون ان آمنت بالله وحده عمرك فى ملكك وردك شابا طريا فمنعه هامان وقال انا اردك شابا طريا فاتاه بالوسمة فخضب لحيته وهو اول من خضب بالسواد جراما. وقال العتبى اصل الا متاع الا طالة فيقال جبل ماتع وقد متع النهار اذا طال. والمعنى لا يهلككم بعذاب الاستئصال الى آخر ايام الدنيا وههنا سؤالان. الاول ان قوله عليه السلام "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" تفسير : وقوله "حديث : وخص البلاء بالانبياء ثم الاولياء ثم الامثل فالامثل" تفسير : ونحوهما يدل على ان نصيب المطيع عدم الراحة فى الدنيا فكيف يكون فى امن وسعة الى حين الموت. والجواب ان من ربط قلبه بالله ورضى بما قضاه الله فى حقه حيى حياة طيبة ولذا قال بعضهم (متاعا حسنا [رضاست برانجه هست ازنعمت وصبر برانجه رونمايد ازسخت] ومن ربط قلبه بالاسباب كان ابدا فى الم الخوف من فوات محبوبه فيتغص عيشه ويضطرب قلبه وكون الدنيا سجنا انما هو بالاضافة الى ما اعد للمؤمن من نعيم الآخرة وهو لا ينافى الراحة فى الجملة -كما حكى- انه كان قاض من اهل بغداد مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخانى فى صورة جهنمى رث الهيئة كان القطران يقطر من جوانبه فاخذ بلجام بغلة القاضى فقال ايد الله القاضى ما معنى قول نبيكم "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" تفسير : اما ترى فى الدنيا جنة لك وانت مؤمن محمدى والدنيا سجن لى وانا كافر يهودى فقال القاضى الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن للمؤمنين بالنسبة الى الجنة وما اعد لهم فيها من الدرجات وجنة للكافرين بالنسبة الى جهنم وما اعد لهم فيها من الدركات فعقل اليهودى فاسلم واخلص. والثانى ان قوله تعالى {الى اجل مسمى} يدل على ان للعبد اجلين كما قال الكعبى ان للمقتول اجلين اجل القتل واجل الموت وان المقتول لو لم يقتل لعاش الى اجله الذى هو اجل الموت وكما قال الفلاسفة ان للحيوان اجلا طبيعيا هو وقت موته لتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين واجلا اختراميا بحسب الآفات والامراض. والجواب ان الاجل واحد عند اهل السنة والجماعة فان الارزاق والاعمار وان كانت متعلقة بالاعمال كالاستغفار والتوبة فى هذ الآية وكالصلة فى قوله "حديث : صلة الرحم تزيد العمر" تفسير : لكنها مسماة بالاضافة فى كل احد بناء على علم الله باشتغاله بما يزيد فى العمر من القرب فلا يثبت تعدد الاجل {ويؤت كل ذى فضل} فى الاعمال والاخلاق والكمالات {فضله} والضمير راجع الى كل اى جزاء فضله من الثواب والدرجات العالية ولا يبخس منه. قال سعيد بن جبير فى هذه الآية من عمل حسنة كتب له عشر حسنات ومن عمل سيئة كتب عليه سيئة واحدة فان لم يعاقب بها فى الدنيا اخذ من العشرة واحدة وبقيت له تسع حسنات [وجورجانى كفته كه ذو فضل آنست كه درديوان ازل بنام اونشان فضل نوشته باشند وهر آينه بعد از وجود بدان شرف خواهد رسيد أنراكه بدادندا زو بازنكيرند {وان تولوا} اى تتولوا او تعرضوا عما القى اليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة وتستمروا على الاعراض وانما اخر عن البشارة جريا على سنن تقدم الرحمة على اغضب {فانى اخاف عليكم} بموجب الشفقة والرحمة او اتوقع {عذاب يوم كبير} شاق وهو يوم القيامة قال فى التبيان وهو بكير لما فيه من الاهوال فوصف بوصف ما يكون فيه
الطوسي
تفسير : هذه الاية عطف على ما قبلها وتقديره ثم فصلت من لدن حكيم خبير بان لا تعبدوا إلا الله وبأن استغفروا ربكم بمعنى سلوا الله المغفرة ثم توبوا اليه، وانما ذكرت التوبة بعد الاستغفار، لان المعنى اطلبوا المغفرة بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب. وقيل ان المعنى استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا اليه في المستأنف متى وقعت منكم المعصية، ذكره الجبائي وقوله {يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى} يعني انكم متى استغفرتموه وتبتم اليه متعكم متاعاً حسناً في الدنيا بالنعم السابغة والملاذ المختلفة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه. وقوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} يحتمل امرين: احدهما - أن يعطي كل ذي عمل على قدر عمله في الاخرة دون الدنيا، لانها ليست دار الجزاء والثاني - الترغيب في عمل الخير لانه على مقداره يجازي صاحبه. وقوله {فإن تولوا فإني أخاف عليكم} يحتمل امرين: احدهما - فان تتولوا، إلا انه حذف للتضعيف ولذلك شدده ابن كثير في رواية البزي عنه. والاخر - ان يكون بمعنى فقل {إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} يعني عذاب يوم القيامة ووصف ذلك اليوم بالكبير لعظم ما يكون فيه من الاهوال والمجازاة لكل انسان على قدر عمله.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} اعلم، انّ اللّطيفة الانسانيّة السّيّارة الّتى يعبّر عنها بالرّوح خلق الله الارواح قبل الأبدان بالفى عام وقد يعبّر عنها بالامانة عرضنا الامانة على السّماوات والارض قد يعبّر عنها بالانسان وبفطرة الله وبقيّة الله وغير ذلك من الاسماء نزلت من عالم القدس، ومقام الاسماء على الصّراط المستقيم الى عالم الطّبع فصارت جسماً وعنصراً وجماداً ونباتاً وحيواناً وانساناً الى ان بلغ او ان البلوغ وحدّ الانسانيّة، وكان عوده الى ذلك المقام على الصّراط المستقيم بمحض تسبيبات آلهيّة من غير مدخليّة لاختياره، وفى هذا المقام يصير برزخاً بين عالمى الجنّة والملائكة ويصير مختاراً مريداً لخيراته نافراً عن شروره مميّزاً لهما، فان ساعده التّوفيق وصار اختياره موافقاً لفطرته سلك باختياره على الصّراط المستقيم الى الله، وان لم يساعده التّوفيق وصار اختياره مخالفاً لفطرته وموافقاً لمراد الشّيطان رجع عن الصّراط المستقيم الى دار الجنّة ومهوى الجحيم، فان تنبّه وتذكّر انّ سلوكه كان الى الجحيم وانّ كلّما فعله فى هذا السّلوك كان موذياً للطيفته الانسانيّة صار حاله مثل من وقع فى سجنٍ ضيّقٍ مملوٍّ من العذرات والجيف المنتنة والحشرات الموذية مستدعياً من السّجّان ستر تلك ما لم يتخلّص من السّجّن وهذا استغفاره من السّجّان، فاذا وجد مهرباً فرّ منه وهذا الفرار توبة عامّة اى التّوبة من المعصية ثمّ اذا وجد دليلاً يدلّه على الطّريق او على المقصد فرّ الى طريق المقصد او الى المقصد وهذا الفرار توبة خاصّة اى التّوبة الى الله وهذه التّوبة لا تتصوّر الاّ على يد نبىّ (ص) وتكون اسلاميّة، او على يد ولىّ وتكون ايمانيّة، وللتّوبة الاسلاميّة الّتى يحصل بها الاسلام وكذا للتّوبة الايمانيّة الّتى يحصل بها الايمان شرائط وآدابٌ وعهودٌ ومواثيق كانت مقرّرة عندهم فقوله تعالى: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ}؛ خطاب لمن وقع فى سجن الطّبع يعنى اطلبوا ايّها الواقعون فى سجن الطّبع من ربّكم ستر عذرات الهوى وجيف الشّبه وموذيات الغضبات والشّهوات ما لم تجدوا فرصةً ومهرباً من السّجن، حتّى لا تفسد دماغكم بنتنها ولا تفسد فطرتكم الانسانيّة ثمّ فرّوا منه كلّما وجدتم فرصةّ ومهرباً ثمّ فرّوا الى الله بالتّوبة على ايدى خلفائه والبيعة معهم بشرائطها اذا وصلتم اليهم فان تبتم اليه بشرائطها {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} ما دمتم فى الطّريق {إِلَىٰ أَجَلٍ} وقتٍ {مُّسَمًّى} معيّن لخروجكم من الدّنيا ووصولكم الى موطنكم بالموت الاخيتارىّ او الاضطرارىّ {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} فى الطّريق بكثرة المجاهدة وكثرة جنوده الآلهيّة فى مملكته {فَضْلَهُ} عين فضله لانّ الفضل يتصوّر بصور حسناء خصوصاً على ما قلنا من انّ الفضل لذى الفضل هو كثرة الجنود الآلهيّة او على القول بتجسّم الاعمال او جزاء فضله كما فسّره المفسّرون {وَإِن تَوَلَّوْاْ} تتولّوا عن عبادة الله والاستغفار والتّوبة {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} يوم القيامة الكبرى.
اطفيش
تفسير : {وَأن} مصدرية أو مفسرة مثل ما مر، والعطف على أن لا تعبدوا، وهذا يؤيد كون أن مفسرة فى: أن لا تعبدوا، ولا ناهية لأن قوله: {اسْتغفِرُوا} فيناسب النهى {ربَّكُم} من ذنوبكم كالشرك وغيره، واطلبوا غفرانها، وذلك بالإيمان. {ثمَّ تُوبُوا إليهِ} ارجعوا إليه بالندم، والعزم على عدم الرجوع إلى الذنوب، وبالطاعة، وثم لتفاوت ما بين الأمرين، وقال الفراء بمعنى الواو، وإن قلنا: إن المعنى ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فهى على بابها، وكذا إن قلنا: توبوا إليه بالطاعة، كذلك قيل، والذى عندى أنها ليست على أصلها إلا على هذا الوجه الأخير، لأن المشرك كثيرا ما يسلم فى وقت لا فرض فيه، ثم يأتى فرض مثل أن يسلم عند طلوع الشمس فلا فرض حتى الزوال، فيجب الظهر. {يُمتِّعكم مَتاعاً} اسم مصدر بمعنى التمتيع {حَسناً} قيل يحييكم فى سعة وأمن، وربما ضاقت معيشة المؤمن رفعا لدرجته، أو تكفيراً لسيئاته، قلت: والذى عندى أن يفسر المتاع الحسن بطيب الحياة والأمن، فإنه شامل لهذا الذى ضاقت معيشته، لأن حياته مع ذلك حسنة، لأنه راض عن الله فى جميع أحواله، ولأنه مكتسب فى حياته الفوز الدائم، وفرح به وبالتقرب، وأداء الفرض، فلا منافاة بين الآية وحاله، ولا بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فالدنيا سجن المؤمن" تفسير : مع أن لهذا الحديث مخرجا آخر، وهو أنها سجنه بالنسبة إلى ما له فى الآخرة، كما أنها جنة الكافر بالنسبة إلى ما له فى الآخرة، ويدل لتفسيرى المذكور قول بعض: إن العيش الحسن هو الرضا بالميسور، والصبر على المقدور، وأما الأمن فموجود عند المؤمن، لأنه إنما يخاف من الله فقط وإياه يرجو. {إلى أجلٍ مُسمًّى} هو حين الموت، ويجوز أن يكون المعنى يحييكم ولا يستأصلكم بالعذاب، واعلم أن الرزق، والأجل وغيرهما لا تزيد عما قضى الله فى الأزل، ولا تنقص، وأما الآية وما ورد من أن كذا يزيد فى العمر أو فى الرزق، أو ينقص منهما، فمعناهما أن الله سبحانه وتعالى قضى فى الأزل بأن فلانا يطول أجله أو يقصر، ويكثر رزقه أو يقتر، لأنه يعمل كذا ويترك كذا، فأمر الناس كلهم بالعمل والترك على طريق الكسب، كما أمرهم بالعمل والترك، ودخول الجنة، مع أن منهم من قضى بأنه لا يدخلها، وأما ما تخرج به كثير من المتفقهة من أن المراد بالزيادة أو النقص البركة وعدمها، فلا يصح، لأن البركة وعدمها قد حف بها القلم أيضا، وأن المراد أن كذا وكذا خلقه لفلان سببا للبركة وعدمها. {ويُؤتِ كُلَّ ذى فَضْلٍ} عمل صالح {فَضْله} أى جزاء عمله الصالح فى الدنيا والآخرة، أو الهاء لله سبحانه وتعالى، أى يؤت الله فضله كل ذى عمل صالح، وذلك أنه يضعف الحسنة إلى العشر وأكثر، ويثيبه فى الدارين، وهذا ترغيب فى الإيمان والعمل، ويجوز أن يكون المراد يؤته فى الآخرة، وبه قال مجاهد. قال أبو العالية، وابن عباس: تزيد الدرجات فى الجنة على قدر الأعمال، قال ابن عباس: من زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت كان من أهل الأعراف، ويدخل الجنة، ومر فى ذلك بحث فى سورة الأعراف، قال ابن مسعود: من عوقب فى الدنيا بسيئته بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب عوقب بها فى الآخرة، وبقيت له تسع حسنات، ويلٌ لمن غلبت آحاده عشراته، وفيه البحث السابق، وقيل: معنى الآية: من عمل لله وفقه الله بعد لطاعته فهى فضل الله. {وإنْ تَولَّوا} أعرضوا عن الإيمان، وأصله تتولوا، وحذفت إحدى التاءين، وقرئ تولوا بضم التاء واللام من ولى بالتشديد مثل {أية : ولى مدبراً} تفسير : {فإنِّى أخاف عَليْكم عََذابَ يَومٍ كَبيرٍ} أى عذاب القيامة، وهو النار، وقيل: وقت الشدة فى الدنيا، وهو سبع سنين القحط، اشتد فيهن القحط حتى أكلوا الجيف والعظام، وسكن ياء إنى غير نافع وابن كثير وأبى عمرو.
اطفيش
تفسير : {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أَن مفسرة واستدل به على أَن قوله "أية : أَن لا تعبدوا"تفسير : [هود: 26] نهى والفعل مجزوم وأَن فيه تفسيرية لا مصدرية، ولا يقدر فيه شىءٌ، ولا بأْس بهذا، وإِنما المحذور جعل أَن ناصبة مصدرية بعد لا الناهية الجازمة لأَنه لا خارج للنهى يكون علة لما قبله مثلا، وذلك أَن المصدر ملاحظ قبل التأْويل ولا يتصور اعتبار حصول معناه فى الطلب بخلاف الإِخبار، فإِن معنى المصدر موجود فيه ومراد قبل التأْويل ولو كان لا يدل على مضى أَو استقبال فلا تهم، فقد علمت أَنه لا تدخل أَن المصدرية على الأَمر والنهى، وإِذا جعلنا أَن مصدية قدرنا وأَمركم أَن استغفروا ونحو ذلك {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} الاستغفار من الشرك والتوبة التجرد إِليه بالطاعة أَو الاستغفار التوبة من الشرك وتوبوا والذنوب معناه أَقيموا على ذلك أَو توبوا توصلوا إِلى مطلوبكم وهو الغفران والجنة، أَو الاستغفار مما مضى والتوبة عما يأْتى أَو استغفروا عما مضى وتوبوا الآن عما تفعلون بعد، أَو توبوا إِذا فعلتم بعد، وإِذا تابوا قبل وجب التجديد بعد، وقيل الاستغفار ترك المعصية والتوبة الرجوع إِلى الطاعات، أَو الاستغفار طلب ستر الذنوب والعفو والتوبة الندم عليه والعزم على عدم العود، وثم فى ذلك كله على ظاهرها ويجوز أَن تكون للترتيب الرتبى لأَن الرجوع عن المعصية إِلى الطاعة فضل ومزية على طلب الغفران {يُمَتِّعُكُم مَّتَاعاً حَسَناً} يحييكم فى راحة بالغنى أَو بالقناعة والأَمن من غير الله وانتظار الأَجر العظيم فى الآخرة والميل إِلى الطاعة بخلاف من لم يقنع ففى مشقة اللهف والحرص والجزع فلا ينافى ذلك المؤمن من المكارية وخوف الخاتمة، وكون الدنيا سجن المؤمن ولا كون أَشد الناس بلاءً، الأَمثل فالأَمثل وأَيضاً يثاب على مصائِبه بالغفران ورفع الدرجات وهذا تمتيع حسن، أَو المعنى لا يهلككم بالاستئْصال أَو بالمسخ، والمشرك مع شركه لا يخلو من الخوف من الاستئْصال إِذا سمع به لمن تقدم أَو من مآله أَو عدم المؤاخذة على النعم بأَن يرزقكم الحلال وتؤدوا شكره بخلاف الكافر فإِنه يعاقب على النعم إِذا لم يشكرها، وأَيضاً لا يبالى بالحرام، ومتاعا اسم مصدر أَى تمتيعاً ولا يصح أَن يكون بمعنى ما يمتع به لأَن التمتيع لا يتعدى بنفسه إِلى ما به التمتيع، لا يقال متعته حليباً إِلا على نزع الجار فلا تهم. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو ما قضى الله من العمر أَى إِلى آخر العمر أَو فى العمر أَو إِلى أَجل أَو هو الآخر وليس لأَحد إِلى أَجل واحد وهو الوقت الذى قتل فيه مثلا. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ} حسن فى العمل، فإِن فاعل الخير فاضل على فاعل الشر، وهو مقابل ذى فضل فما له إِلا العقاب، ويجوز أَن يكون ذلك فى تفاوت الأَعمال الصالحة فمن زاد على الآخر فى العمل الصالح بكثرة أَو تجويد فله ما زاد ولمن دونه بقدر ما عمل بنقص {فَضْلَهُ} جزاءَ فضله فى الدنيا والآخرة أَوفى الآخرة والهاء لصاحب الفضل لأَن فى ذلك ترغيباً، ويجوز عودها لله بمعنى أَن ثواب العامل فضل من الله ولا واجب عليه والفضل على هذا نفس الثواب، ويجوز أَن يكون هو العمل بمعنى أَن الأَعمال مخلوقة لله وملك له فيقدر مضاف كالأَول هكذا جزاءَ فضله، وذكر السهيلى أَن فضله مفعول أَول وكل مفعول ثان لأَن الأَول فى باب أَعطى وكسا هو الذى كان فاعلا فى المعنى وهكذا أقول. والمفسرون لا يقولون بذلك كأَنهم يفسرون يؤْتى ويعطى بينيل فيجعل النائِل هو الأَول وأَما بلا تأْويل فالآتى الفضل وأَما العاطى فى أَعطيتك درهما هو المخاطب، بمعنى الأَخذ وقدم الفضل الكبير على عذاب اليوم الكبير لتقدم رحمته تعالى؛ ولأَن العذاب تعلق بالتولى عما يوجب الفضل الكبير من التوحيد وغيره {وَإِنْ تَوَلَّوْا} تعرضوا عن ترك عبادة غير الله والاستغفار والتوبة والأَصل تتولوا بصيغة مضارع الخطاب بدليل الخطاب فى قوله {فإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} ومن العجيب أَن يقال أَنه ماض وأَنه يقدر القول، أَى فقل إِنى فلا التفات وكأَن الالتفات حرام حتى يتحاشى عنه بهذا، ونعت اليوم بالكبر لعظم عذابه كما وصف بأَنه يوم ثقيل ولطوله لا كأَيام الدنيا القصيرة من غروب لغروب أَو طلوع لغروب، ومن العجيب أَنه قيل قد يكون نعتاً منصوباً إِلا أَنه جر للجوار واليوم يوم القيامة أَو يوم فى الدنيا شديد الهول كما ابتلوا بالقحط حتى أَكلوا ما مات وجاف وداد والدم والمخزون فى شعر وحتى أَن أَبصارهم تغيرت لشدة الجوع حتى كان فى الهواء دخان.
الالوسي
تفسير : {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} عطف على {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ }تفسير : [هود: 2] سواء كان نهياً أو نفياً وفي {أن} الاحتمالان السابقان وقد علمت أن الحق أن أن المصدرية توصل بالأمر والنهي كما توصل بغيرهما، وفي توسيط جملة {أية : إِنِّي لَكُمْ } تفسير : [هود: 2] الخ بين المتعاطفين ما لا يخفى من الإشارة إلى علو شأن التوحيد ورفعة قدر النبـي صلى الله عليه وسلم، وقد روعي في تقديم الانذار على التبشير ما روعي في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات والتخلية على التحلية لتتجاوب الأطراف، والتعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وإرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال وترشيح لما يذكر من التمتيع وإيتاء الفضل. وقوله سبحانه: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} عطف على {ٱسْتَغْفِرُواْ} واختلف في توجيه توسيط {ثُمَّ} بينهما مع أن الاستغفار بمعنى التوبة في العرف فقال الجبائي: إن المراد بالاستغفار هنا التوبة عما وقع من الذنوب وبالتوبة الاستغفار عما يقع منها بعد وقوعه أي استغفروا ربكم من ذنوبكم التي فعلتموها ثم توبوا إليه من ذنوب تفعلونها، فكلمة {ثُمَّ} على ظاهرها من التراخي في الزمان، وقال الفراء: إن {ثُمَّ} بمعنى الواو كما في قوله:شعر : بهز كهز الرديني جرى في الأنابيب ثم اضطرب تفسير : والعطف تفسيري، وقيل: لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل هو ترك المعصية والتوبة هي الرجوع إلى الطاعة ولئن سلم أنهما بمعنى ـ فثم ـ للتراخي في الرتبة، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها وإلى هذا ذهب «صاحب الفرائد». وقال بعض المحققين: الاستغفار هو التوبة إلا أن المراد بالتوبة في جانب المعطوف التوصل إلى المطلوب مجازاً من إطلاق السبب على المسبب، و {ثُمَّ} على ظاهرها وهي قرينة على ذلك. وأنت تعلم أن أصل معنى الاستغفار طلب الغفر أي الستر ومعنى التوبة الرجوع، ويطلق الأول على طلب ستر الذنب من الله تعالى والعفو عنه والثاني على الندم عليه مع العزم على عدم العود فلا اتحاد بينهما بل ولا تلازم عقلاً، لكن اشترط شرعاً لصحة ذلك الطلب وقبوله الندم على الذنب مع العزم على عدم العود إليه، وجاء أيضاً استعمال الأول في الثاني، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا ظاهر، وأما على ذاك فلأن الظاهر أن المراد من الاستغفار المأمور به الاستغفار المسبوق بالتوبة بمعنى الندم فكأنه قيل: استغفروا ربكم بعد التوبة ثم توبوا إليه ولا شبهة في ظهور احتياجه إلى التوجيه حينئذ، والقلب يميل فيه إلى حمل الأمر الثاني على الإخلاص في التوبة والاستمرار عليها، والتراخي عليه يجوز أن يكون رتبياً وأن يكون زمانياً كما لا يخفى. {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا} مجزوم بالطلب، ونصب {مَّتَـٰعًا} على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله تعالى: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }تفسير : [نوح: 17] ويجوز أن يكون مفعولاً به على أنه اسم لما ينتفع به من منافع الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك، والمعنى كما قيل يعشكم في أمن وراحة، ولعل هذا لا ينافي كون «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» ولا كون «أشد الناس بلاء الامثل فالأمثل» لأن المراد بالأمن أمنه من غير الله تعالى {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق: 3] وبالراحة طيب عيشه برجاء الله تعالى والتقريب إليه حتى يعد المحنة منحة: شعر : / وتعذيبكم عذب لدي وجوركم علي بما يقضي الهوى لكم عدل تفسير : وقال الزجاج: المراد يبقيكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى الذين كفروا، والخطاب لجميع الأمة بقطع النظر عن كل فرد فرد. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} مقدر عند الله تعالى وهو آخر أعماركم أو آخر أيام الدنيا كما يقتضيه كلام الزجاج، ولا دلالة في الآية على أن للإنسان أجلين كما زعمه المعتزلة {وَيُؤْتِ} أي يعط {كُلَّ ذِي فَضْلٍ} أي زيادة في العمل الصالح {فَضْلَهُ} أي جزاء فضله في الدنيا أو في الآخرة لأن العمل لا يعطى، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير المضاف، والمراد المبالغة على حد {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ }تفسير : [الأنعام: 139] والضمير لكل، ويجوز أن يعود إلى الرب، والمراد بالفضل الأول ما أريد به أولا وبالثاني زيادة الثواب بقرينة أن الإعطاء ثواب وحينئذ يستغنى عن التأويل. واختار بعض المحققين التفسير الأول ثم قال: وهذه تكملة لما أجمل من التمتيع إلى أجل مسمى وتبيين لما عسى أن يعسر فهم حكمته من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحال بين العاملين فرب إنسان له فضل طاعة وعمل لا يمتع في الدنيا أكثر مما متع آخر دونه في الفضل وربما يكون المفضول أكثر تمتيعاً فقيل: ويعط كل فاضل جزاء فضله أما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في الآخرة وذلك مما لا مراد له انتهى. ويفهم من كلام بعضهم عدم اعتبار الانفصال على أنه سبحانه ينعم على ذي الفضل في الدنيا والآخرة ولا يختص إحسانه بإحدى الدارين، ولا شك أن كل ذي عمل صالح منعم عليه في الآخرة بما يعلمه الله تعالى وكذا في الدنيا بتزيين العمل الصالح في قلبه والراحة حسب تعليق الرجاء بربه ونحو ذلك ولا إشكال في ذلك كما هو ظاهر للمتأمّل، وقيل: في الآية لف ونشر فإن التمتيع مرتب على الاستغفار وإيتاء الفضل مرتب على التوبة انتهى. واياً مّا كان ففي الكلام ضرب تفصيل لما أجمل فيما سبق من البشارة، ثم شرع في الإنذار بقوله سبحانه: {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تستمروا على الإعراض عما ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتبوة، وأصله تتولوا فهو مضارع مبدء بتاء الخطاب لأن ما بعده يقتضيه وحذفت منه إحدى التاءين كما فعل في أمثاله، وقيل: إن {تَوَلَّوْاْ} ماض غائب فلا حذف ويقدر فيما بعد فقل لهم وهو خلاف الظاهر، وأخر الإنذار عن البشارة جرياً على سنن تقدم الرحمة على الغضب أو لأن العذاب قد علق بالتولي عما ذكر من التوحيد وما معه وذلك يستدعي سابقة ذكره. وقرأ عيسى بن عمر واليماني {تولوا} بضم التاء وفتح الواو وضم اللام وهو مضارع ـ ولى ـ من قولهم: ولى هارباً أي أدبر. {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} بمقتضى الشفقة والرأفة أو أتوقع {عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} هو يوم القيامة وصف بذلك لكبر ما يكون فيه ولذا وصف بالثقل أيضاً، وجوز وصفه بالكبر لكونه كذلك في نفسه، وقيل: المراد به زمان ابتلاهم الله تعالى فيه في الدنيا، وقد روي أنهم ابتلوا بقحط عظيم أكلوا فيه الجيف، وأياً مّا كان ففي إضافة العذاب إليه تهويل وتفظيع له.
ابن عاشور
تفسير : {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} عطف على جملة {أية : ألا تعبدوا إلا الله}تفسير : [هود: 2] وهو تفسير ثان يرجع إلى ما في الجملة الأولى من لفظ التفصيل، فهذا ابتداء التفصيل لأنه بيان وإرشاد لوسائل نبذ عبادة ما عدا الله تعالى، ودلائلُ على ذلك وأمثالٌ ونذر، فالمقصود: تقسيم التفسير وهو وجه إعادة حرف التفسير في هذه الجملة وعدم الاكتفاء بالذي في الجملة المعطوف عليها. والاستغفار: طلب المغفرة، أي طلب عدم المؤاخذة بذنب مضى، وذلك الندم. والتوبة: الإقلاع عن عَمَل ذنب، والعزمُ على أن لا يعود إليه. و(ثُم) للترتيب الرتبي، لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة الأصنام أهم من طلب المغفرة، فإنّ تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو مسمى التوبة، وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام وبيان لما في ذلك من الفوائد في الدنيا والآخرة. والمتاع: اسم مصدر التمتيع لما يُتمتع به، أي يُنتفع. ويطلق على منافع الدنيا. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : في سورة [الأعراف: 24]. والحَسَن: تقييد لنوع المتاع بأنه الحَسن في نوعه، أي خالصاً من المكدرات طويلاً بقاؤه لصاحبه كما دل عليه قوله: {إلى أجل مسمى}. والمراد بالمتاع: الإبقاءُ، أي الحياة، والمعنى أنه لا يستأصلهم. ووصفه بالحسن لإفادة أنها حياة طيبة. و{إلى أجل} متعلق بـ{يمتعكم} وهو غاية للتمتيع، وذلك موعظة وتنبيه على أن هذا المتاع له نهاية، فعلم أنه متاع الدنيا. والمقصود بالأجَل: أجل كل واحد وهو نهاية حياته، وهذا وعد بأنه نعمة باقية طول الحياة. وجملة: {ويُؤْت كل ذي فضل فضله} عطف على جملة: {يمتعكم}. والإيتاء: الإعطاء، وذلك يدل على أنه مِن المتاع الحسن، فيعلم أنه إعطاء نعيم الآخرة. والفضل: إعطاء الخير. سمي فضلاً لأن الغالب أن فاعل الخير يفعله بما هو فاضل عن حاجته، ثم تنوسي ذلك فصار الفضل بمعنى إعطاء الخير. والفضل الأولُ: العمل الصالح، بقرينة مقابلته بفضل الله الغني عن الناس. والفضل الثاني المضاف إلى ضمير الجلالة هو ثواب الآخرة، بقرينة مقابلته بالمتاع في الدنيا. والمعنى: ويؤت الله فضلَه كلّ ذي فَضْل في عمله. ولما علق الإيتاء بالفضلين علم أن مقدار الجزاء بقدر المَجْزي عليه، لأنه علق بذي فضل وهو في قوة المشتق، ففيه إشعار بالتعليل وبالتقدير. وضبط ذلك لا يعلمه إلا الله، وهو سر بين العبد وربه. ونظير هذا مع اختلاف في التقديم والتأخير وزيادة بيانٍ، قولُه تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. عطف على {وأن استغفروا ربكم} فهو من تمام ما جاء تفسيراً لـ{أية : أحكمت آياته ثم فصلت}تفسير : [هود: 1] وهو مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغه إلى الناس. وتَولوا: أصلُه تَتولوا، حذفت إحدى التائين تخفيفاً. وتأكيد جملة الجزاء بـ{إن} وبكون المسند إليه فيها اسماً مخبراً عنه بالجملة الفعلية لقصد شدة تأكيد توقع العذاب. وتنكير {يوم} للتهويل، لتذهب نفوسهم للاحتمال الممكن أن يكون يوماً في الدنيا أو في الآخرة، لأنهم كانوا ينكرون الحشر، فتخويفهم بعذاب الدنيا أوْقع في نفوسهم. وبذلك يكون تنكير {يوم} صالحاً لإيقاعه مقابلاً للجَزَاءيْن في قوله: {يُمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله}، فيقدّر السامع: إن توليتم فإني أخاف عليكم عذابين كما رجوت لكم إن استغفرتم ثوابين. ووصفه بالكبير لزيادة تهويله، والمراد بالكبر الكبر المعنوي، وهو شدة ما يقع فيه، أعني العذاب، فوصف اليوم بالكبر مجاز عقلي.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعاً حسناً إلى أجل مسمى. لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه. والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن. سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ}تفسير : [هود: 52] وقوله تعالى عن نوح: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تفسير : [نوح: 10–12] وقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}تفسير : [النحل: 97] الآية. وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْض} تفسير : [الأعراف: 96] الآية. وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}تفسير : [المائدة: 66] وقوله {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب} تفسير : [الطلاق: 2-3] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّتَاعاً} (3) - وَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ مُتَضَرِّعِينَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالإِجْرَامِ، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَيهِ بِالتَّوْبَةِ، وَبِإِخْلاَصِ العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، وَاسْتَغْفَرْتُمْ رَبَّكُمْ، وَتُبْتُمْ إِلَيهِ، فَإِنَّهُ يُمَتِّعُكُمْ فِي الدُّنيا مَتَاعاً حَسَناً، وَيَرْزُقُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَنْسَأُ لَكُمْ فِي آجَالِكُمْ إِلى الوَقْتِ الذِي قَضَى عَلَيْكُمْ فِيهِ بِالمَوْتِ، وَيَجْعَلُكُمْ خَيْرَ الأُمَمِ نِعْمَةً وَقُوَّةً وَعِزَّةً، وَيُعْطِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ، مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ، جَزَاءَ فَضْلِهِ. أَمَّا إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وَأَعْرَضْتُمْ عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِليهِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبيرِ الهَوْلِ، شَدِيدِ البَأْسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يبيِّن الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي وقع فيها، وأن يتوب من الآن، وأن يرجع إلى منهج الله تعالى، لينال الفضل من الحق سبحانه. المطلوب - إذن - من العبد أن يستغفر الله تعالى، وأن يتوب إليه. هذا هو مطلوب الله من العاصي؛ لأن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وحين يعجل العبد بالتوبة إلى الله تعالى فهو يعلم أن ذنباً قد وقع وتحقق منه، وعليه ألا يؤجل التوبة إلى زمنٍ قادم؛ لأنه لا يعلم إن كان سيبقى حياً أم لا. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [هود: 3]. والحق سبحانه يُجمل قضية اتباع منهجه في قوله تعالى: {أية : .. فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 123]. وقال في موضع آخر: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ..}تفسير : [النحل: 97]. فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلال والشقاء متحققان لمن اتبع منهج الله تعالى. وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"تفسير : . و"حديث : إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ". تفسير : وقال بعض العلماء: فكيف نقول: {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً ..} [هود: 3]. هنا نقول: ما معنى المتاع؟ المتاع: هو ما تستمتع به وتستقبله بسرور وانبساط. ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه الله عليها حسن الجزاء، ويستقبل هذا المؤمن قضاء الله تعالى بنفس راضية؛ لأن ما يصيبه قد كتبه الله عليه، وسوف يوافيه بما هو خير منه. وهناك بعض من المؤمنين قد يطلبون زيادة الابتلاء. إذن: فالمؤمن كل أمره خير؛ وإياك أن تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على أنه مصاب حقاً؛ لأن المصاب حقاً هو من حُرِم من الثواب. ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل غلاماً كان أبواه مؤمنين، فخشي العبد الصالح أن يرهقهما طغياناً وكفراً، فهذا الولد كان فتنة، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم، ويأتي لهما بالشقاء. إذن: فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها. ومنَّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق، فأصيبت رِجْله بجرح وتلوث هذا الجرح، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه في الاصطلاح الحديث "غرغرينة" وقرر الأطباء أن تُقطع رجله، وحاولوا أن يعطوه "مُرَقِّداً" أي: مادة تُخدِّره، وتغيب به عن الوعي؛ ليتحمل ألم بتر الساق، فرفض العبد الصالح وقال: إني لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين. ومثل هذا العبد يعطيه الله سبحانه وتعالى طاقة على تحمُّل الألم، لأنه يستحضر دائماً وجوده في معية الله، ومفاضٌ عليه من قدرة الله وقوته سبحانه. وحينما قطع الأطباء رجله، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها، فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك، وأمسكها ليقول: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو، فإني قد عوفيت في أعضاء. إذن: فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها، إنما يحيا في متعة، ولذلك لا تتعجب حين يحمد أناس خالقهم على المصائب؛ لأن الحمد يكون على النعمة، والمصيبة قد تأتي للإنسان بنعمة أوسع مما أفقدته. ولذلك نجد اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الآخر؛ فقال واحد منهما: كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء؟ - والمقصود بالفقراء هم العُبَّاد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة الله تعالى - فقال العبد الثاني: حالنا في بلادنا إنْ أعطينا شكرنا، وإنْ حُرمنا صبرنا. فضحك العبد الأول وقال: هذا حال الكلاب في "بلخ" أي: أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر. وسأل العبد الثاني العبد الأول: وكيف حالكم أنتم؟ فقال: نحن إن أعطينا آثرنا، وإن حُرِمنا شكرنا. إذن: فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر متعب، أن له جزاءً على ما ناله من التعب؛ ثواباً عظيماً خالداً من الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الحق سبحانه: {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً ..} [هود: 3]. والحسن هنا له مقاييس، يُقاس بها اعتبار الغاية؛ فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن. ومثال ذلك: هو التلميذ الذي لا يترك كتبه، بل حين ياتي وقت الطعام، فهو يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب. هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحُسْنه ونعيم التفوق، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ..} [هود: 3]. أي: يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن لا فضل له، فكأن الحق سبحانه يمنِّي الفضل للعبد. ومثال ذلك: الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردباً من القمح ليبذره في الأرض؛ ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب، ويصبح الناتج خمسة عشر إردباً. والفضل هو الأجر الزائد عن مساويه، فمثلاً هناك فضل المال قد يكون عندك، أي: زائد عن حاجتك، وغيرك لا يملك مالاً يكفيه، فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند الله سبحانه وتعالى. والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة، فتعطى ما يزيد منها لعبد ضعيف. وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلاً من الحلم، فتعطي منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق. إذن: فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس، ويفيضها عليهم، فهي تزيد عنده لأنها تربو عند الله، وإن لم يُفِضْها على الغير فهي تنقص. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}تفسير : [الروم: 39]. ويقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خوطرنا عنها: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ..} [هود: 3]. وبعض من أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن الإنسان الذي يفيض على غيره مما آتاه الله، يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما يعوضه عن الذي نقص، أو أنه سبحانه وتعالى يعطي كل صاحب فضلٍ فضل ربه، وفضل الله تعالى فوق كل فضل. ثم يقول الحق سبحانه: {.. وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3]. فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف عليهم من عذاب اليوم الآخر، ويُوصف العذاب مرة بأنه كبير، ويوصف مرة بأنه عظيم، ويوصف مرة بأنه مهين؛ لأنه عذاب لا ينتهي ويتنوع حسب ما يناسب المعذب، فضلاً عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الأغيار هو عذاب يجري في ظل المظنة بأنه سينقضي، أما عذاب اليوم الآخر فهو لا ينقضي بالنسبة للمشركين بالله أبداً. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، / 32و / ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [الآية: 3]. يعني: ما احتسب به من ماله أَو عمل برجله أَو بيده أَو بكلامه أَو يطاول به من أَمره كله.
همام الصنعاني
تفسير : 1180- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: [الآية: 3]، قال: إلى الموتِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):