١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {وَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني عن عبادته وطاعته { أية : فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } تفسير : [هود:3] بين بعده أن التولي عن ذلك باطناً كالتولي عنه ظاهراً فقال: {أَلاَ إِنَّهُمْ } يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم يثنون صدورهم ليستخفوا منه. واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين: الأول: أنهم يثنون صدورهم يقال: ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته، وفي الآية وجهان: الوجه الأول: روي أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد، فكيف يعلم بنا؟ وعلى هذا التقدير: كان قوله: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } كناية عن النفاق، فكأنه قيل: يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى، ثم نبه بقوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم. الوجه الثاني: روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه، والتقدير كأنه قيل: إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن. وقوله: {ألا } للتنبيه، فنبه أولاً على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة {ألا } للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم، وهو حين يستغشون ثيابهم، كأنه قيل: ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم. ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} أخبر عن معاداة المشركين للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، قال ٱبن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشَّحناء والعداوة، ويظهرون خلافه. نزلت في الأخنس بن شِريق، وكان رجلاً حُلو الكلام حُلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقال مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} شكّاً وٱمتراء. وقال الحسن: يثنونها على ما فيها من الكفر. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثَنَى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطّى وجهه، لكيلا يراه النبيّ صلى الله عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان؛ حكى معناه عن عبد الله بن شدّاد فالهاء في {مِنْهُ} تعود على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، وٱستغشينا ثيابنا، وثَنَينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية. وقيل: إن قوماً من المسلمين كانوا يَتَنَسَّكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبيّن الله تعالى أن التَّنَسك ما ٱشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وروى ٱبن جرير عن محمد بن عبّاد بن جعفر قال: سمعت ٱبن عباس رضي الله عنهما يقول: «أَلاَ إنَهُمْ تَثْنَوني صُدُورُهُمْ لْيَسْتَخْفُوا مِنْهُ» قال: كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يُفضون إلى السماء، فنزلت هذه الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ٱبن عباس: «أَلاَ إنَّهُمْ تَثْنَوِي صُدُورُهُمْ» بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي؛ ومعنى «تَثنوِي» والقراءتين الأخريين متقارب؛ لأنها لا تَثْنوِي حتى يَثْنوها. وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض يسارّه في الطّعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفى على الله تعالى. «لِيَسْتَخْفُوا» أي ليتواروا عنه؛ أي عن محمد أو عن الله. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي يُغطُّون رؤوسهم بثيابهم. قال قَتَادة: أخفى ما يكون العبد إذا حَنَى ظهره، وٱستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه هَمّه.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، رواه البخاري من طريق ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر: أن ابن عباس قرأ: "ألا إنهم تثنوني صدورهم" الآية فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي، أو يتخلى فيستحي، فنزلت: "ألا إنهم تثنوني صدورهم". وفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم، ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ ابن عباس: "ألا إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم". قال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: {يَسْتَغْشُونَ}: يغطون رؤوسهم، وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به: الشك في الله وعمل السيئات. وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم أي: إنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} من القول {وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:شعر : فلا تَكْتُمُنَّ الله مَا في قُلوبِكُمْ لِيَخْفَى ومَهْما يُكْتَمِ الله يَعْلَمِ يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ في كِتابٍ فَيُدَّخَرْ لِيَومِ حِسابٍ أَو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ تفسير : فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع، وعلمه بالجزئيات، وبالمعاد وبالجزاء، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة، وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله ثنى عنه صدره، وغطى رأسه، فأنزل الله ذلك، وعود الضمير إلى الله أولى لقوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وقرأ ابن عباس: (ألا إنهم تثنوني صدورهم)، برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل كما رواه البخاري عن ابن عباس فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء، وقيل في المنافقين {أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } أي الله {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يتغطون بها {يَعْلَمُ } تعالى {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فلا يُغني استخفاؤهم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما في القلوب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلاَ إنَّهُمُ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: يثنون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله تعالى، قاله مجاهد. الثاني: يثنونها على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ليخفوها عنه، قاله الفراء والزجاج. الثالث: يثنونها على ما أضمروه من حديث النفس ليخفوه عن الناس، قاله الحسن. الرابع: أن المنافقين كانوا إذا مرّوا بالنبي صلى الله عليه وسلم غطوا رؤوسهم وثنوا صدورهم ليستخفوا منه فلا يعرفهم، قاله أبو رزين. الخامس: أن رجلاً قال إذا أغلقت بابي وضربت ستري وتغشيت ثوبي وثنيت صدري فمن يعلم بي؟ فأعلمهم الله تعالى أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون. {أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمُ} يعني يلبسون ثيابهم ويتغطون بها،ومنه قول الخنساء: شعر : أرعى النجوم وما كُلّفتُ رعيتها وتارةً أتغشّى فضل أطماري تفسير : وفي المراد بــ{حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أربعة أقاويل: أحدها: الليل يقصدون فيه إخفاء أسرارهم فيما يثنون صدورهم عليه. والله تعالى لا يخفى عليه ما يسرونه في الليل ولا ما يخفونه في صدروهم، فكنى عن الليل باستغشاء ثيابهم لأنهم يتغطون بظلمته كما يتغطون إذا استغشوا ثيابهم. الثاني: أن قوماً من الكفار كانوا لشدة بغضتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستغشون ثيابهم يغطون بها وجوههم ويصمون بها آذنهم حتى لا يروا شخصه ولا يسمعوا كلامه، وهو معنى قول قتادة. الثالث: أن قوماً من المنافقين كانوا يظهرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أنهم على طاعته ومحبته، وتشتمل قلوبهم على بغضه ومعصيته، فجعل ما تشتمل عليه قلوبهم كالمستغشي بثيابه. الرابع: أن قوماً من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبين الله تعالى أن المنسك ما اشتملت قلوبهم عليه من معتقد وما أظهروه من قول وعمل. ثم بيَّن ذلك فقال: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما يسرون في قلوبهم وما يعلنون بأفواههم. الثاني: ما يسرون من الإيمان وما يعلنون من العبادات. الثالث: ما يسرون من عمل الليل وما يعلنون من عمل النهار، قاله ابن عباس. {إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} قيل بأسرار الصدور. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق الثقفي.
ابن عطية
تفسير : قيل إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منه وكراهة للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه وعلى الله عز وجل فنزلت الآية في ذلك. و {صدورهم } منصوبة على هذا بـ {يثنون } . وقيل: هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا ينطوون عليه كما تقول: فلان يطوي كشحه على عداوته، ويثني صدره عيلها. فمعنى الآية: ألا إنهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن الله، وهو تعالى حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون. وقرأ سعيد بن جبير "يُثنُون" بضم الياء والنون من أثنى، وقرأ ابن عباس " ليثنوه "، وقرأ ابن عباس أيضاً ومجاهد وابن يعمر وابن بزي ونصر بن عاصم والجحدري وابن إسحاق وابن رزين وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي ويزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبو الأسود والضحاك " تثنوني صدورُهم " برفع الصدور وهي تحتمل المعنيين المتقدمين في {يثنون}، وزنها تفوعل على بناء مبالغة لتكرار الأمر، كما تقول اعشوشبت الأرض واحلولت الدنيا ونحو ذلك . وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه القراءة أن هذه الآية نزلت في أن قوماً كانوا لا يأتون النساء والحدث إلا ويتغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم إلى السماء. وقرأ ابن عباس - فيما روى ابن عيينة - " تثنو" بتقديم الثاء على النون وبغير نون بعد الواو، وقال أبو حاتم هذه القراءة غلط لا تتجه، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق " ينثوي " بتقديم النون على الثاء، وقرأ عروة وابن أبي أبزى والأعشى "تثنَون" بثاء مثلثة بعدها نون مفتوحة بعدها واو مكسورة، وقرأ أيضاً هما ومجاهد فيما روي عنه " تثنان " بهمزة بدل الواو وهاتان مشتقة من الثن وهي العشب المثني بسهولة، فشبه صدورهم به إذ هي مجيبة إلى هذا الانطواء على المكر والخدع: وأصل " تثنون" تثنونن سكنت النون المكسورة ونقلت حركتها إلى الواو التي قبلها وأدغمت في النون التي بعدها، وأما " تثنان " فأصلها تثنان مثل تحمار ثم قالوا: اثنانت كما قالوا احمار وابياض، والضمير في {منه } عائد على الله تعالى، هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى وعلى بعض التأويلات يمكن أن يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، و {يستغشون } معناه يجعلونها أغشية وأغطية ومنه قول الخنساء: [البسيط] شعر : أرعى النجوم وما كلّفت رعيتها وتارة اتَغَشَّى فضل أطماري تفسير : وقرأ ابن عباس " على حين يستغشون " ومن هذا الاستعمال قول النابغة: [الطويل ] شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيبُ وازع تفسير : و {ذات الصدور }: ما فيها، والذات تتصرف في الكلام على وجوه هذا أحدها كقول العرب الذيب مغبوط بذي بطنه أي بالذي فيه من النفخ وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، والذات التي هي حقيقة الشيء ونفسه قلقة في هذا الموضع؛ ويحتمل أن يفرق بين ذي بطنه وبين الذات وإنما يجمع بينهما المعنى. وقوله تعالى: {وما من دابة.....} الآية، تماد في وصف الله تعالى بنحو قوله {يعلم ما يسرون وما يعلنون }. و" الدابة " ما دب من الحيوان، والمراد جميع الحيوان الذي يحتاج إلى رزق ويدخل في ذلك الطائر والهوام وغير ذلك كلها دواب، وقد قال الأعشى: [الطويل ] شعر : نياف كغصن البان ترتج إن مشت دبيب قطا البطحاء في كل منهل تفسير : وقال علقمة بن عبيدة لطيرهن دبيب وفي حديث أبي عبيدة: فإذا دابة مثل الظرب يريد من حيوان البحر، وتخصيصه بقول {في الأرض} إنما هو لأنه الأقرب لحسهم: والطائر والعائم إنما هو في الأرض، وما مات من الحيوان قبل أن يتغذى فقد اغتذى في بطن أمه بوجه ما. وهذه الآية تعطي أن الرزق كل ما صح الانتفاع به خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه الحلال المتملك. وقوله تعالى: {على الله } إيجاب لأنه تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً. و" المستقر": صلب الأب: و" المستودع " بطن الأم، وقيل " المستقر": المأوى، و" المستودع" القبر، وهما على هذا الطرفان، وقيل " المستقر"، ما حصل موجوداً من الحيوان، والمستودع ما يوجد بعد. قال القاضي أبو محمد: و" المستقر" على هذا - مصدر استقر وليس بمفعول كمستودع لأن استقر لا يتعدى. وقوله: {في كتاب } إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال بعض الناس: هذا مجاز وهي إشارة إلى علم الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وحمله على الظاهر أولى.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} على الكفر {لِيَسْتَخْفُواْ} من الله ـ تعالى ـ أو على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ليخفوها عنه، أو على ما أضمروه ليخفوه على الناس، أو كان المنافقون إذا مروا بالرسول صلى الله عليه وسلم غطوا رؤوسهم وحنوا صدورهم لئلا يراهم أو قال رجل إذا أغلقت بابي وأرخيت ستري وتغشيت ثوبي وثنيت صدري فمن يعلم بي فأخبر الله ـ تعالى ـ بذلك. {يَسْتَغْشُونَ} يلبسون ويتغطون، قال: شعر : أرعى النجوم ما كلفت رِعْيَتَها وتارة أتغشى فضل أطماري تفسير : كنى باستغشاء الثياب عن الليل، لأنه يسترهم بظلمته كما يستترون بالثياب وكانوا يخفون أسرارهم ليلاً، أو كانوا يغطون وجوههم وآذانهم بثيابهم بغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يروه ولا يسمعوا كلامه، أو أراد المنافقين لأنهم لسترهم ما في قلوبهم كالمستغشي ثيابه، أو كان قوم من المسلمين يتنسكون بستر أبدانهم فلا يكشفونها تحت السماء فبيّن الله ـ تعالى ـ أن النسك بالاعتقاد والعمل. {مَا يُسِرُّونَ} في قلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواههم، أو ما يسرون الإيمان وما يعلنون العبادات، أو ما يسرون عمل الليل، وما يعلنون عمل النهار "ع" {بِذَاتِ الصُّدُورِ} بأسرارها، نزلت في الأخنس بن شريق "ع".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ...} الآية: قيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إِذا لقيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم؛ كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل: هي ٱستعارةٌ للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ عليه، فمعنى الآية: أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستُّر، يعلَمُ ما يُسرُّون، و{يَسْتَغْشُونَ }: معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً. قال * ص *: قرأ الجمهور: «يَثْنُونَ» - بفتح الياء -؛ مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً: طَوَاهُ. انتهى، وقرأ ابن عبَّاس وجماعة: «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» - بالرفْعِ -؛ على وزن «تَفْعَوْعِلُ»، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة. أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم؛ كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا...} الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر: صُلْب الأبِ، و«المستودَعُ»: بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم. وقوله: {فِي كِتَـٰبٍ}: إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ. قال * ص *: {لِيَبْلُوَكُمْ } اللام متعلِّقة بـــ«خَلَقَ» وقيل: بفعلٍ محذوفٍ، أي: أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى. {وَلَئِن قُلْتَ }: اللام في «لَئِنْ»: مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في {لَيَقُولَنَّ } لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تناقُضٌ منهم؛ لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السمٰوات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السمٰواتِ والأرضِ، أكْبَرُ من خَلْقِ الناس. {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ }، أي: المتوعَّد به {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ }، أي مدَّةٍ معدودة {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ }، أي: ما هذا الحابسُ لهذا العذاب؛ على جهة التكذيب، {وَحَاقَ }: معناه: حَلَّ وأحاطَ. البخاريُّ: حاق: نَزَلَ.
ابن عادل
تفسير : لمَّا قال: "وإن تولَّوْا" عن عبادة الله وطاعته، بيَّن بعده صفة ذلك التولي فقال: "أَلا إِنَّهُمْ" يعني الكُفَّار "يثنون صُدورهم" يقال: ثنيت الشَّيء إذا عطفته وطويته. وقرأ الجمهور: بفتح الياء وسكون الثَّاء المثلثة، وهو مضارع "ثَنَى يَثْني ثَنْياً"، أي طوى وَزَوى، و "صُدُورهم" مفعول به، والمعنى: يَحْرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله، والأصل "يَثْنِيُونَ" فأُعِلَّ بحذف الضَّمةِ عن الياء، ثُمَّ تحذفُ الياءُ لالتقاءِ الساكنين. وقرأ سعيدُ بن جبير "يُثْنُون" وهو مضارع "أثْنَى" كأكرم. واستشكل النَّاسُ هذه القراءة فقال أبُو البقاءِ: ماضيه أثنى، ولا يعرفُ في اللغةِ، إلاَّ أنْ يقال: معناه عرضُوها للانثناء، كما يقال: أبعت الفرسَ: إذا عرضته للبيع. وقال صاحبُ اللَّوامِحِ: ولا يعرفُ الإثناء في هذا الباب، إلاَّ أن يرادَ به، وجدتُهَا مثْنِيَّة، مثل أحْمَدْتُه وأمْجَدْتُه، ولعلَّه فتح النون، وهذا ممَّا فعل بهم فيكون نصب "صُدُورَهُم" بنزع الخافض، ويجُوزُ على ذلك أن يكون "صُدُورَهُم" رفعاً على البدل بدل البعض من الكُلِّ يعني بقوله: ولعلَّهُ فتح النُّونِ أي: ولعل ابن جبير قرأ ذلك بفتح نونِ "يُثْنَون" فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قوله: وهذا ممَّا فعل بهم أي وجدوا كذلك، فعلى هذا يكونُ "صُدورهُم" منصُوباً بنزعِ الخافضِ، أي: في صدورهم، أي يوجدُ الثَّنْيُ في صدورهم، ولذلك جوَّز رفعهُ على البدل كقولك: ضُربَ زيدٌ الظَّهْرُ. ومنْ جوَّز تعريف التمييز لا يبعدُ عنده أن ينتصب "صُدُورهُم" على التَّمييز بهذا التقدير الذي قدَّرهُ. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وعليُّ بنُ الحسين، وابناه زيد، ومحمد، وابنه جعفر، ومجاهد، وابن يعمر، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبو الأسود "تَثنَوْني" مضارع "اثْنَوْنَى" على وزنِ "افْعَوْعَلَ" من الثَّنْي كاحْلَوْلى من الحَلاوةِ وهو بناءُ مبالغةٍ، "صُدُورهُم" بالرَّفع على الفاعلية. ونُقل عن ابن عباس وابن يعمر ومجاهد وابن أبي إسحاق: "يَثْنَوْنَى صدورهم" بالياءِ والتَّاءِ؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ؛ فجاز تذكيرُ الفعل باعتبار تأويل فاعله بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويل فاعله بالجماعةِ. وقرأ ابنُ عبَّاس أيضاً وعروة وابن أبزى والأعمش "تَثْنَوِنُّ" بفتح التاء وسكون الثَّاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصل: "تَثْنَوْنِنُ" بوزن "تَفْعَوْعِلُ" من الثِّنُّ وهو ما هشَّ وضعف من الكَلأ، يريد مطاوعة نفوسهم للثَّنْي كما يثنى الهَشُّ من النَّبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم. و "صدورهم" بالرَّفع على الفاعليَّة. وقرأ مجاهدٌ وعروة أيضاً كذلك، إلاَّ أنَّهما جعلا مكان الواو المكسورة همزة مكسورة فأخرجاها مثل "تطمئن". وفيها تخريجان: أحدهما: أنَّ الواو قُلبتْ همزة لاستثقال الكسرة عليها، ومثله إعاء وإشاح في وعاء ووشاح، لمَّا استثقلوا الكسرة على الواوِ أبدلوها همزة. والثاني: أن وزنه "تَفْعَيِلٌ" من الثِّن وهو ما ضعف من النَّبات كما تقدَّم، وذلك أنَّهُ مضارع لـ "اثْنَان" مثل احْمَارَّ واصفارَّ، وقد تقدَّم [يونس:24] أن من العرب من يقلبُ مثل هذه الألف همزة؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2943-.......................... ................. بالعَبِيطِ ادْهَأمَّتِ تفسير : فجاء مضارع "اثْنَأنَّ" على ذلك كقولك احْمَأرَّ يَحمَئِرُّ كاطمأنَّ يَطْمَئِنُّ. وأمَّا "صُدورُهم" فبالرَّفع على ما تقدَّم. وقرأ الأعمش أيضاً تَثْنَؤُونَ بفتح الياء وسكون المثلثة وفتح النون وهمزة مضمومة و واوٍ ساكنةٍ بزنة تَفْعَلُون كَتَرْهَبُون. صُدورَهُم بالنَّصْبِ. قال صاحبُ اللَّوامِحِ: ولا أعرف وجهه يقال: "ثَنَيْتُ" ولم أسمعْ "ثَنَأتُ"، ويجوز أنَّهُ قلب الياء ألفاً على لغةِ من يقول: "أعْطات" في "أعْطَيْتُ"، ثُمَّ همز الألف على لغةِ من يقول: {ولا الضَّأْلين} [الفاتحة:7]. وقرأ ابنُ عبَّاس أيضاً - رضي الله عنهما - "تَثْنَوِى" بفتح التَّاءِ وسكون المثلثة، وفتح النُّونِ وكسر الواو بعدها ياءٌ ساكنةٌ بزنة "تَرْعَوِى" وهي قراءةٌ مشكلة جداً حتَّى قال أبو حاتم: وهذه القراءة غلطٌ لا تتجه، وإنَّما قال إنَّها غلطٌ؛ لأنَّه لا معنى للواوِ في هذا الفعل إذ لا يقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوَى كرعَوْتُه، أي: كففته فارعَوَى، أي: فانكفَّ، ووزنه افعلَّ كاحْمَر. وقرأ نصرُ بنُ عاصمٍ وابنُ يعمر وابن أبي إسحاق "يَنْثُونَ" بتقديم النُّون السَّاكنة على المثلثة. وقرأ ابنُ عباس أيضاً "لَتَثْنَونِ" بلام التأكيد في خبر "إنَّ" وفتح التَّاءِ وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو بعدها نونٌ مكسورةٌ وهي بزنة "تَفْعَوْعِلُ"، كما تقدَّم إلاَّ أنَّها حذفت الياء، التي هي لامُ الفعل تخفيفاً كقولهم: لا أدْرِ وما أدْرِ. و "صُدورهم"، فاعل كما تقدم. وقرأ طائفة: "تَثنؤنَّ" بفتح التَّاءِ ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نُون مفتوحةٍ ثم همزة مضمومةٍ ثم نون مشددة، مثل تَقْرَؤنَّ، وهو مِنْ ثَنَيْتُ، إلاَّ أنَّه قلب الياءَ واواً؛ لأنَّ الضمة تُنافِرُهَا، فجعلت الحركةُ على مُجانِسها، فصار اللفظُ "تَثْنَوونَ" ثم قلبت الواوُ المضمومةُ همزة كقولهم: "أجُوه" في "وُجُوه" و "أقِّتَتْ" في "وقِّتَت" فصار "تَثْنَؤونَ"، فلمَّا أكَّد الفعل بنونِ التَّوكيد حذفت نونُ الرَّفع فالتقى ساكنان: وهما واوُ الضمير والنون الأولى من نون التَّوكيد، فحذفت الواو وبقيت الضَّمةُ تدلُّ عليها؛ فصار "تَثْنَؤنَّ" كما ترى و "صُدورَهُم" منصوب مفعولاً به فهذه إحدى عشرةَ قراءةً مضبوطة. قوله تعالى: {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّ هذه اللاَّم متعلقةٌ بـ "يَثْنُونَ" كذا قاله الحوفيُّ، والمعنى: أنَّهم يفعلون ثَنْي الصُّدور لهذه العلةِ. وهذا المعنى منقولٌ في التفسير ولا كلفة فيه. والثاني: أنَّ اللاَّم متعلقةٌ بمحذوفٍ. قال الزمخشريُّ: "لِيَسْتخُفُوا منهُ" يعنى ويريدون: ليستَخْفُوا من الله فلا يطلعُ رسوله والمؤمنون على ازْورَارهِمْ، ونظيرُ إضمار "يريدون" لعود المعنى إلى إضماره الإضمارُ في قوله: {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ}تفسير : [الشعراء:63] معناه: "فضرب فانفلق". قال شهاب الدين: وليس المعنى الذي يقُودُنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا، لأنَّ ثمَّ لا بد من حذف معطوفٍ يُضْطَر العقلُ إلى تقديره؛ لأنَّهُ ليس من لازم الأمْرِ بالضَّرْبِ إنفلاقُ البحر فلا بُدَّ أن يُتَعَقَّل "فضرب فانفلق"، وأمَّا في هذه، فالاستخفاف علةٌ صالحةٌ لثَنْيهم صدورهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادةِ. والضَّميرُ في "مِنْهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ عائدٌ على رسُولِ الله - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - وهو ظاهرٌ على تعلُّق اللاَّم بـ "يَثْنُونَ". والثاني: أنَّهُ عائدٌ على الله تعالى كما قال الزمخشريُّ. قوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} في هذا الظرف وجهان: أحدهما: أنَّ ناصبهُ مُضْمَرٌ، فقدَّره الزمخشري بـ "يريدون" كما تقدم، فقال: ومعنى (ألا حين يستغشون ثيابهم): ويريدون الاستخفاء حين يشتغشون ثيابهم أيضاً كراهة لاستماع كلام الله، كقول نُوحٍ {أية : جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ}تفسير : [نوح:7]، وقدَّره أبو البقاء فقال: (ألا حين يستغشون ثيابهم): يستخفون. والثاني: أنَّ النَّاصب له "يَعْلَمُ"، أي: ألا يعلم سرَّهُم وعلنهم حين يفعلون كذا، وهذا معنى واضح، وكأنَّهُم إنَّما جوَّزُوا غيره؛ لئلا يلزم تقييد علمه تعالى بسرِّهم وعلنهم بهذا الوقت الخاصِّ، والله تعالى عالمٌ بذلك في كل وقت. وهذا غيرُ لازم؛ لأنَّه إذا عُلِمَ سرُّهم وعلنهُم في وقت التَّغْشِية الذي يخفى فيه السرُّ فأولى في غيره، وهذا بحسب العادةِ وإلاَّ فالله تعالى لايتفاوتُ علمهُ. و "ما" يجُوزُ أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى "الذي"، والعائدُ محذوفٌ، أي: تُسِرُّونه وتُعْلِنُونه. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - نزلت في الأخنس بن شريقٍ، وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحبُّ، وينطوي له بقلبه على ما يكره. فقوله: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} أي يخفون ما في صدورهم من الشَّحْنَاءِ والعداوةِ. قال عبدُ الله بنُ شداد: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطَّى وجهه، كي لا يراه النبي - صلوات الله وسلامه عليه -. قال قتادة: كانوا يخفون صدورهم، لكيلا يسمعُوا كلامَ الله ولا ذكره. وقيل: كان الرَّجلُ من الكُفَّار يدخل بيته، ويرخي ستره، ويحْنِي ظهرهُ، ويتغشَّى بثوبه، ويقول: هل يعلمُ الله ما في قلبي. وقال السُّدي: "يَثْنُونَ صُدورَهُمْ" أي: يُعرضُون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني ليَسْتخْفُوا مِنهُ أي: من رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه -. وقال مجاهدٌ: من الله عز وجل. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يغطون رؤوسهم بثيابهم و "ألا" كلمة تنبيه أي: ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم. ثم ذكر أنَّهُ لا فائدة لهم في استخفافهم فقال سبحانه: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. قال الأزهري معنى الآية من أولها إلى آخرها: إنَّ الذين اضمرُوا عداوة رسُول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم. وروى محمد بن جرير عن محمد بن عباد بن جعفر - رضي الله عنه -؛ أنه سمع ابن عباس يقرأ {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال: كان أناسٌ يستحيون أن يَخلوا فينفضوا إلى السَّماء، وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى السَّماءِ؛ فنزل ذلك فيهم. لمَّا ذكر أنه: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أردفهُ بما يدلُّ على أنَّهُ تعالى عالمٌ بجميعِ المعلومات وهو أنَّ رزق كلَّ حيوان إنَّما يصل إليه من الله تعالى؛ لأنَّه لو لم يكن عالماً بجميع المعلُومات لما حصلت هذه المهمَّات. قال الزجاجُ: الدَّابَّةُ: اسمٌ لكلِّ حيوان، مأخوذ من الدَّبيبِ، وبُنيتْ هذه اللفظة على هاء التأنيث، هذا موضوعها اللُّغوي، و "مِنْ" صلة، {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} هو المتكفِّلُ بذلك فضلاً، وهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق. وقيل: "على" بمعنى "من" أي: من الله رزقها. قال مجاهدٌ: ما جاءها من رزق فمن الله، ورُبَّما لم يرزقها حتَّى تمُوت جُوعاً. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} قال ابنُ مقسم: ويروى عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - "مُسْتقرَّهَا" المكانُ الذي تأوي إليه، وتستقرُّ فيه ليلاً ونهاراً "ومُسْتوْدعهَا" الموضع الذي تُدْفَنُ فيه إذا ماتت. وقال عبد الله بن مسعودٍ: المستقرُّ: أرحامُ الأمَّهات، والمستودع: أصلابُ الآباء. ورواه سعيدُ بن جبيرٍ، وعليُّ بن أبي طلحة، وعكرمةُ عن ابن عبَّاس. وقيل: المستقر: الجنة أو النار، والمستودع: القبر، لقوله تعالى في صفة الجنة، والنار {أية : حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان:76] {أية : سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان:66]. {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. قال الزَّجَّاجُ: "معناه: كلُّ ذلك ثابتٌ في علم الله". وقيل: كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها. قوله: {مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} يجوزُ أن يكونا مصدرين، أي: استقرارها واستيداعها، ويجوزُ أن يكونا مكانين، أي: مكان استقرارها واستيداعها، ويجوز أن يكون "مُستوْدعهَا" اسم مفعول لتعدِّي فعله، ولا يجوز ذلك في "مُسْتَقَر"؛ لأنَّ فعله لازمٌ، ونظيره في المصدرية قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2944- ألَمْ تعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ............................ تفسير : أي: تَسْريحي. و "كُلُّ" المضافُ إليه محذوفٌ تقديره: كُل دابةٍ ورزقها ومستقرُّها ومستودعُها في كتاب مبين.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه قرأ {ألا إنهم يثنون صدورهم} وقال أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. وأخرج البخاري وابن مردويه من طريق عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: قرأ ابن عباس رضي الله عنهما "ألا إنهم تثنوا في صدورهم". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من طريق ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول "ألا إنهم تثنوا في صدورهم" قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {ألا إنهم يثنون صدورهم} قال: الشك في الله وعمل السيئات. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن شداد بن الهاد رضي الله عنه في قوله {ألا إنهم يثنون صدورهم} قال: كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى ثوبه لكيلا يراه فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يثنون صدورهم} قال: تضيق شكاً وامتراء في الحق {ليستخفوا منه} قال: من الله إن استطاعوا. وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ألا حين يستغشون ثيابهم} قال: في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رزين رضي الله عنه في الآية قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله. قال تعالى {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون} وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره واستغشى بثوبه وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ألا إنهم يثنون صدورهم} يقول: يكتمون ما في قلوبهم {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم} ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله {يثنون صدورهم} يقول: يطأطئون رؤوسهم ويحنون ظهورهم. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله {ألا حين يستغشون ثيابهم} قال: في ظلمة الليل وظلمة اللحاف. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {ألا إنهم يثنون صدورهم} قال: يكبون {ألا حين يستغشون ثيابهم} قال: يغطون رؤوسهم.
ابو السعود
تفسير : {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يزْورُّون عن الحق وينحرفون عنه أي يستمرون على ما كانوا عليه من التولّي والإعراضِ لأن مَنْ أعرض عن شيء ثنى عنه صدرَه وطوى عنه كشحَه، وهذا معنىً جزْلٌ مناسبٌ لما سبق، وقد نحا نحوَه العلامةُ الزَّمَخْشَريُّ ولكن حيث لم يصلُح التولي سبـيلاً للاستخفاء في قوله عز وجل: {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} التَجأ إلى إضمار الإرادةِ حيث قال: ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على إعراضهم، وجعلُه في قَوْد المعنى إليه من قبـيل الإضمارِ في قوله تعالى: {أية : ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، ولا يخفى أن انسياقَ الذهنِ إلى توسيط الإرادةِ بـين ثنْيِ الصدورِ وبـين الاستخفاءِ ليس كانسياقِه إلى توسيط الضربِ بـين الأمرِ به وبـين الانفلاقِ، ولعل الأظهرَ أن معناه يعطِفون صدورَهم على ما فيها من الكفر والإعراضِ عن الحق وعداوةِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفياً مستوراً فيها كما تُعطف الثيابَ على ما فيها من الأشياء المستورةِ، وإنما لم يذكرْ ذلك استهجاناً بذكره أو إيماءً إلى أن ظهورَه مغنٍ عن ذكره أو ليذهبَ ذهنُ السامعِ إلى كل ما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ، فيدخلُ فيه ما ذكر من تولّيهم عن الحق الذي أُلقيَ إليهم دخولاً أولياً، فحينئذ يظهر وجهُ كونِ ذلك سبباً للاستخفاء، ويؤيده ما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنها نزلت في الأخنس بنِ شُرَيقٍ وكان رجلاً حلوَ المنطِق حسنَ السياقِ للحديث يُظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبةَ ويُضمِرُ في قلبه ما يضادُّها وقال ابن شداد إنها نزلتْ في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدرَه وظهرَه وطأطأ رأسَه وغطَّى وجهَه كيلا يراه النبـيُّ صلى الله عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه رآه النبـيُّ صلى الله عليه وسلم لم يمكِنْه التخلّفُ عن حضور مجلِسه والمصاحبةِ معه، وربما يؤدّي ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاقِ، وقرىء يَثْنَوْني صدورُهم بالياء والتاء من اثنَوْنىٰ افعوعل من الثَنْي كاحلولي من الحلاوة، وهو بناءُ مبالغةٍ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما لَتثْنَوني، وقرىء تثنون وأصله تَثَّنْوِنُ من تفْعَوعِلُ من الثِّنِّ وهو ما هشّ من الكلأ وضعُف يريد مطاوعةَ صدورِهم للثني كما يُثْنىٰ الهشُّ من النبات، أو أراد ضعفَ إيمانِهم ورَخاوةَ قلوبِهم، وقرىء تثْنِئنّ من اثنانّ افعالَّ منه ثم همزٌ، كما قيل: ابـياضّت وادهامّت وقرىء تثْنوِي بون ترعوي. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي يتغطَّوْن بها للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد، أو حين يأوون إلى فُرُشِهم ويتدثّرون بثيابهم فإن ما يقع حينئذٍ حديثُ النفس عادةً، وقيل: كان الرجلُ من الكفار يدخُل بـيته ويُرخي سِتره ويحْني ظهرَه ويتغشّى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبـي؟ {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} أي يُضمِرون في قلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيطِ سِرُّهم وعلنُهم فكيف يخفىٰ عليه ما عسى يُظهرونه وإنما قدم السرُّ على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحهم ووقوعِ ما يحذَرونه وتحقيقاً للمساواة بـين العِلْمين على أبلغ وجهٍ فكأن علمَه بما يسّرونه أقدمُ منه بما يعلنونه، ونظيرُه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ }تفسير : [آل عمران: 29] حيث قدّم فيه الإخفاءُ على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 284] إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبةَ بما يُخفونه أولى منها بما يُبْدونه غرضٌ، بل الأمرُ بالعكس، وأما هٰهنا فقد تعلق بإشعار كونِ تعلقِ علمِه تعالى بما يُسرّونه أولى منه بما يعلنونه غرضٌ مُهِمٌّ مع كونهما على السوية، كيف لا وعلمُه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصولِ الصورةِ بل وجودُ كلِّ شيءٍ في نفسه علمٌ بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحالُ بـين الأشياء البارزةِ والكامنةِ، وأما قوله تعالى: {أية : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة: 33] فحيث كان وارداً بصدد الخطابِ مع الملائكة عليهم السلام المنزهِ مقامُهم عن اقتضاء التأكيدِ والمبالغةِ في الإخبار بإحاطة علمِه تعالى بالظاهر والباطن لم يُسلَكْ فيه ذلك المسلكُ مع أنه وقع الغُنيةُ عنه بما قبله من قوله عز وجل: {أية : إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة: 33] ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبةَ السرِّ متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمرٌ في القلب، فتعلقُ علمِه سبحانه بحالته الأولى متقدمٌ على تعلقه بحالته الثانية {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تعليلٌ لما سبق وتقريرٌ له واقع موقعَ الكبرى من القياس، وفي صيغة الفعيلِ وتحليةِ الصدورِ بلام الاستغراقِ والتعبـيرِ عن الضمائر بعنوان صاحبـيها من البراعة ما لا يصفه الواصفون كأنه قيل: إنه مبالغٌ في الإحاطة بمضمرات جميعِ الناسِ وأسرارِهم الخفيةِ المستكنّةِ في صدورهم بحيث لا تفارقها أصلاً، فكيف يخفىٰ عليه ما يُسرّون وما يعلنون، ويجوز أن يُراد بذات الصدورِ القلوبُ من قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ }تفسير : [الحج: 46] والمعنى أنه عليمٌ بالقلوب وأحوالِها فلا يخفىٰ عليه سرٌّ من أسرارها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [الآية: 5]. قال فارس: يعلم ما تُسرون من أحوالكم وما تظهرون من أفعالكم وهو عالم بكم قبل أن خلقكم وأبدأكم. قال فارس: الحركات على الجوارح والمشاهدة على الأسرار. وقال بعضهم: يعلم ما يسرون من الإخلاص وما يظهرون من العتاب.
القشيري
تفسير : أي يسترون ما تنطوي عليه عقائدهم، ويُضْمِرون للرسول - عليه السلام- وللمؤمنين خِلافَ ما يُظْهِرون، والحقُّ - سبحانه - مُطَّلِعٌ على قلوبهم، ويعلم خفايا صدورِهم، فتلبيسُهم لا يُغْنِي عنهم من الله شيئاً، وكان الله - سبحانه - يُطْلِعُ رسولَه - عليه السلام - على ما أخْفَوْه إمَّا بتعريفِ الوحي، أو بإشهادٍ لِقُوَّةِ نورٍ، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بِقَدْرِ حاله من الله هداية، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسةَ المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله" تفسير : ولقد قال قائلهم: شعر : أَبِعَيْنِي أَرَاكَ أَمْ بفؤادي؟ كلُّ ما في الفؤاد للعين بادِ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يعلم ما يسرون من الخطرات ويعلم ما يعلنون من النظرات يعلم ما يسرون من اذكار القلوب وما يعلنون من الاخبار عن الغيوب يعلم ما يسرون من الحالات وما يعلنون من المعاملات وهو تعالى كسى انوار جلاله فواد الصديقين فيرون بابصار قلوبهم ما يجرى فى صدور الخلائق من المضمرات والخطرات كما يرون الظواهرات بعيون الظاهرة قال تعالى افمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه وقال عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال قائلهم شعر : ابعينى اراك ام بفوادى كل ما فى الفواد بالعين باد تفسير : قال فارس يعلم ما يسرون من احوالكم وما يعلنون من افعالكم وهو عالم بكم قبل ان خلقكم وابدعكم وقال ايضا الحركات على الجوارح والمشاهدة على الاسرار وقال بعضهم ما يسرون من الاخلاص وما يعلنون من العبادات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألا} اى تنبهوا ايها المؤمنون {انهم} اى مشتركى مكة {يثنون صدورهم} من ثنى يثنى اى عطف وصرف. والمعنى يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والاعراص عن الحق وعداوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفيا مستورا فيها كما تعطف الثياب على ما فيها من الاشياء المستورة {ليستخفوا منه} الاستخفاء الاستتار اى ليختفوا ويستتروا من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوز على الله تعالى -روى- عن ابن عباس رضى الله عنهما انها نزلت فى اخنس بن شريق الزهرى وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المحبة ويضمر فى قلبه ما يضادها. وقال ابن شداد انها نزلت فى بعض المنافقين كان اذا مر برسول الله ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبى عليه السلام فكأنه انما كان يصنع ما يصنع لانه لو راه النبى عليه السلام لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه والمصاحبة معه وربما يؤدى ذلك الى ظهور ما فى قلبه من الكفر والنفاق. فان قلت الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة. قلت لك ان تمنع ذلك بل ظهوره انما كان فيها ولو سلم فليكن هذا من باب الاخبار عن الغيب وهو من جملة المعجزات {الا حين يستغشون ثيابهم} اى يتغطون بها للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد وحين ياوون الى فراشهم ويتدثرون ثيابهم وكان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره ويحنى ظهره ويتغشى ثوبه ويقول هل يعلم الله ما فى قلبى. قال فى الكواشى حين توقيت للتغطى لا للعلم انتهى. اى لئلا يلزم تقييد علمه تعالى بسرهم وعلنهم بهذا الوقت الخاص وهو تعالى عالم بذلك فى كل وقت. والجواب انه تعالى اذا علم سرهم وعلنهم فى وقت التغشية الذى يخفى فيه السر فاولى ان يعلم ذلك فى غيره وهذا بحسب العادة والا فالله تعالى لا يتفاوت علمه بتفاوت احوال الخلق {يعلم ما يسرون} اى يضمرون فى قلوبهم {وما يعلنون} بافواههم وما مصدرية اى اسرارهم واعلانهم او بمعنى الذى والعائد محذوف وقدم السر على العلن لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن اذ ما من شيء يعلن لا وهو او مباديه قبل ذلك مضمر فى القلب فتعلق علمه سبحانه بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية {انه} اى الله تعالى {عليم بذات الصدور} مبالغ فى الاحاطة بمضمرات جميع الناس واسرارهم الخفية المستكنة فى صدورهم بحيث لا تفارقها اصلا فكيف يخفى على ما يسرون وما يعلنون شعر : اى كه دردل نهان كنى سرى آنكه دل آفريد ميداند تفسير : ومعنى الآية ان الذين اضمروا الكفر والعداوة لا يخفون علينا وسنجازيهم على ما ابطنوا من سوء اعمالهم حق جزائهم فحقه ان يتقى ويحذر ولا يجترئ على شيء مما يخالف رضاه شعر : صورت ظاهر ندارد اعتبار باطنى بايد مبرا از غبار تفسير : واعلم ان اصلاح القلب اهم من كل شيء اذ هو كالملك المطاع فى اقليم البدن لنافذ الحكم وظاهر الاعضاء كالرعية والخدم له والنفاق صفة من صفاته المذمومة وهو عدم موافقة الظاهر للباطن والقول للفعل. وقال ناس لابن عمر انا لندخل الى سلطاننا وامرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم اذا خرجنا من عندهم فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال حذيفة ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله قالوا وكيف ذلك قال كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون شعر : هركه سازد نفاق بيشه خويش خوار كردد بنزد خالق وخلق تفسير : ومن آفات القلب العداوة وعن على رضى الله عنه انه قال العداوة شغل شعر : هركه بيشه كند عداوت خلق از همه خيرهاجدا كردد كه دلش خسته عنا باشد كه تنش بسته بلا كردد تفسير : وفى هذا المعنى قال حضرة الشيخ السعدى قدس سره شعر : دلم خانه مهر يارست وبس ازان جانكنجد درو كين كس تفسير : وفى الآية اشارة الى حال اهل الانكار فان كفار الشريعة كانوا يتغطون بثيابهم لئلا يسمعوا القرآن وكلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا كفار الحقيقة لا يصغون الى ذكر الصوفية بالجهر ولا يقبلون على استماع اسرار المشايخ وحقائق القرآن بل يثنون صدورهم ويظنون ان الله تعالى لا يعلم سرهم ونجواهم ولا يجازيهم على اعراضهم عن الحق وعداوتهم لاهله. تم الجزء الحادى عشر فى الثامن عشر من ذى القعدة من سنة اثنتين ومائة الف
الطوسي
تفسير : روي عن ابن عباس انه قرأ {إلا إنهم يثنون صدورهم} على وزن (يحلون) وأراد المبالغة ومعنى {ألا} التنبيه، وما بعده مبتدأ. أخبر الله تعالى ان الكفار يثنون صدورهم. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الفراء والزجاج: يثنونها على عداوة النبي صلى الله عليه وآله. وقال الحسن: يثنونها على ما هم عليه من الكفر. وقال ابو علي الجبائي، يثني الكافر صدره على سبيل الانحناء، في خطابه لكافر مثله ممن يختصه لئلا يعرف الله ما أضمره. وقال ابو عبد الله بن شداد: ولى ظهره إذا رأى النبي صلى الله عليه وآله وغطى وجهه بالثوب واصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا اي غطيته ومنه الاثنان لعطف احدهما على الاخر في المعنى، ومنه الثناء لعطف المناقب في المدح، ومنه الاستثناء لانه عطف عليه بالاخراج منه. وقوله {ليستخفوا منه} فالاستخفاء طلب خفاء النفس تقول: استخفى استخفاء وتخفى تخفياً، ونظيره استغشى وتغشى قالت الخنساء: شعر : أرعى النجوم وما كلفت رعيتها وتارة اتغشى فضل اطماري تفسير : والهاء في منه يحتمل أن تكون عائدة إلى اسم الله - في قول الحسن ومجاهد والجبائي - جهلا منهم بأن الله لا يخفى عليه خافية. وقال ابو عبد الله بن شداد: هي عائدة على النبي صلى الله عليه وآله. وقوله {ألا حين يستغشون ثيابهم} معناه انهم كانوا يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون ما كانوا يدبرونه على النبي وعلى المؤمنين ويكتمونه عن الناس، فبين الله تعالى انهم وقت ما يتغطون بثيابهم ويجعلونها غشاء فوقهم عالم بما يسرون وما يعلنون، لا انه يتجدد له العلم في حال استغشائهم بالثوب بل هو عالم بذلك في الأزل. ومعنى {ما يسرون وما يعلنون} اي ما يخفونه في أنفسهم وما يعلنونه أي يظهرونه {إنه عليم بذات الصدور} ومعناه عالم بأسرار ذات الصدور.
الأعقم
تفسير : {ألا إِنَّهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} الآية نزلت في المنافقين، وقيل: في الأخنس بن شريق وكان يظهر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المحبة وهو يضمر خلاف ما يظهر، وروي أن بعض المنافقين كان إذا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم الكفار يثنون صدورهم على عداوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: يثنون يخفون ما في صدورهم عن ابن عباس، وقيل: يعرضون بقلوبهم ليستخفوا منه ليخفوا ما فيه من الكفر والنفاق معه، قيل: من الله تعالى جهلاً منهم، وقيل: من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ألا حين يستغشون ثيابهم} ويريدون الاستخفاء كراهة لاستماع كلام الله تعالى كقول نوح: {أية : جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم} تفسير : [نوح: 7] {وما من دابَّة} أي ما من حيوان يدب على وجه الأرض صغيراً أو كبيراً {إلاَّ على الله رزقها} أي قوتها وهو المتكفل بذلك {ويعلم مستقرها} على وجه الأرض {ومستودعها} حيث تموت، وقيل: مستقرها في الرحم ومستودعها في الصلب {كل في كتاب مبين} في اللوح المحفوظ، يعني ذكرها مكتوب فيه {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} ومتى قيل: فما الفائدة في هذه المدة مع قدرته تعالى على خلقها في لحظة واحدة؟ قالوا: لطفاً للملائكة ولمن شاهده حالاً بعد حال {وكان عرشه على الماء}، روي أنه ما كان تحته خلق قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوقها، وفيه دليل على أن العرش كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وقيل: كان الماء على متن الريح والله ممسك ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه {ليبلوكم} ليعاملكم معاملة المختبر ليظهر إحسان المحسن وإساءة المسيء على ما علمه ليكون الجزاء على الأعمال {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} أي أجل معدود أي محدود {ليقولن} هؤلاء الكفار {ما يحبسه} أي يقولون على وجه التكذيب والاستهزاء أين ذلك العذاب وما يحبسه؟ وقيل: قالوه استعجالاً {ولئن أذقنا الإِنسان منّا رحمة} الانسان للجنس، رحمةً نعمةً من صحةٍ وأمنٍ وجدةٍ {ثم نزعناها منه} ثم سلبناه تلك النعمة {إنه ليؤوس} شديد اليأس من أن يعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع {ذهب السيئات عني} أي المصائب التي ساءتني {إنه لفرح} أشد بطراً {فخور} على الناس بما أذاقه الله من نعمائه قد شغله الفرح والفخر عن الشكر لله تعالى {إلاَّ الذين صبروا وعملوا الصالحات} فإن عادتهم ان نالتهم نعمة أن يشكروا وان زالت عنهم نعمة أن يصبروا {أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} عظيم وهو الجنة.
اطفيش
تفسير : {ألا إنَّهم يَثْنونَ صُدورَهُم} عن الحق، أى يحرفونها عنه، أو يطوونها على الكفر والعداوة، ويظهرون خلافهما، أو يثنون صدورهم برءوسهم، أى يطأطئون برءوسهم عليها إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حضروه لئلا يراهم، ويغطون أيضا وجوههم، ويولُّونه ظهورهم، يتواعدون على فعل ذلك، وعن قتادة: يحنون صدورهم لئلا يسمعوا كتاب الله وذكره، وقرئ تثنونى بمثناة فوقية مفتوحة وهى حرف المضارعة، فثاء مثلثة مسكنة، وهى فاء الكلمة، فنون مفتوحة وهى عينها، فواو ساكنة زائدة، فنون مكسورة تكرار لعين الكلمة، فياء مثناة تحتية هى لامها بوزن يفعوعل من معتل اللام، وذلك مثل يحلولى بكسر اللام الأخير، والماضى اثنونى بفتح النون بعدها ألف كاحلولى بفتح اللام بعدها ألف، وذلك مبالغة فى الثنى، كما بولغ فى الحلاوة بقولك يحلولى. ونسب بعضهم هذه القراءة لابن عباس وجماعة، وقرئ: تثنونى بمثناة فوقية مضمومة وهى حرف المضارعة، فثاء مفتوحة مثلثة هى فاء الكلمة فواو ساكنة زائدة فنون مكسورة هى عينها، فياء مثناة تحتية هى لامها ككوثر بكوثر. ونسبها بعضهم لابن عباس، وقرئ تثنوى بوزن ترعوى، وقرئ تثنون من الثن وهو ما ضعف وهش من الحشيش، يريد مطاوعة صدورهم للتحريف عن دين الله، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم، وهو بتاء مثناة فوقية مفتوحة، فمثلثة هى لام الكلمة مسكنة، فنون مفتوحة هى عين الكلمة، فواو مكسورة زائدة، فنون مشددة يقع الإعراب فيها، والمدغمة زائدة تكرار لعين الكلمة والمدغم فيها لام الكلمة، ووزنه تفعوعل من المضاعف، وأصله تثنونن بإسكان الواو وكسر النون الأولى، نقل كسرها للواو فأدغمت، وبرئ تَثْنئن بمثناة مفتوحة، فمثلثة مسكنة هى الفاء، فنون مفتوحة هى العين، فهمزة مكسورة زائدة أصلها ألف، فنون مشددة المدغمة لام زائدة، والمدغم فيها لام أصل أو بالعكس مضارع اثنانَّ بكسر الهمزة، إذا ثبتت، وإسكان التاء وفتح النون والهمزة وتشديد النون كاحمار، والصدور على هذه القراءة مرفوع على الفاعلية. {ليَستْخفُوا} متعلق بمحذوف، أى يفعلون ذلك ليستخفوا، واللام صلة للتأكيد وما بعدها مفعول لمفعول، أى يريدون ليستخفوا أى يريدون أن يستخفوا {منه} أى من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ما فعلوا، قاله مجاهد: وقيل: من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: نزل ذلك فى الأخنس بن شريق، كان رجلا حلو المنظر حلو الكلام، وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة، وكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته، وهو يضمر خلاف ما يظهر، وقيل: نزلت فى منافقين كانوا يستترون عن رسول الله كراهة رؤيته، ويرده أن الآية مكية، والنفاق حدث بالمدينة حفظها الله، ورد الله علهم بأنه لا يخفى عنه شئ، سواء أراد إخفاءه عنه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيظهره له إذ قال: {ألاَ حِينَ} متعلق بيعلم بعده أو بمحذوف، أى يريدون الاستخفاء حين {يسْتَغْشُون ثِيابَهم} يجعلونها أغشية وأغطية، أى يغطون رءوسهم وأبدانهم بها للنوم مثلا، أو ليستتروا عنه أو رءوسهم لئلا يروه أو يسمعوا. {يعْلَم ما يسرُّونَ} ما يخفونه من كلام فى قلوبهم ومن أبدانهم وأشخاصهم {وما يعْلنُونَ} من كلام وبدن وشخص، لا يتفاوت الإسرار والإعلان فى علمه {إنَّه عَليمٌ بذَاتِ الصُّدورِ} أى بالكلمة صاحبة الصدور، ولم ينطق بها اللسان، أو بنفس الصدور، وحالها فكيف بما فيها، بل سواء عنده، وقيل ما يسرون من الكفر والحقد، وما يعلنون من الإيمان. وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره، ويحنى ظهره، ويتغشى بثوبه، ويعتقد عداوة الرسول ويقول: هل يعلم الله ما فى قلبى، فنزل ذلك مخبرا لهم بأنه يعلم ما فى قلوبهم حينئذ، فكيف لا يعلم ما يثنون به صدورهم، وقد يظهرونه. وحكى الطبرى، عن ابن عباس: أن ذلك نزل فى قوم مؤمنين لا يجامعون ولا يقضون حاجة الإنسان، حيث يعرون إلى السماء إلا إن استتروا بثيابهم، وكذا حكى البخارى، وعلى صحة ذلك كأنهم ظنوا أو تخيلوا أنهم حين الاستغشاء لا يراهم الله، فنزلت الآية بيانا لكونه لا يخفى عنه شئ لا إباحة للتعرى إلى السماء، ولكن ذلك بعيد عن المؤمنين إلا إن كانوا حديثى عهد بالإيمان فقلَّ فقههم، والذى عندى أن يكون الثنى والاستخفاء فى الكفار، ومجرد الاستغشاء عند الجماع، والقضاء لهؤلاء المؤمنين على صحة ذلك، رد بعلم ذلك منهم على هؤلاء الثانين المستخفين.
الالوسي
تفسير : {أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} كأنه جواب سؤال مقدر، وذلك أنه لما ألقى إليهم ما ألقى وسيق إليهم ما سيق من الترغيب والترهيب وقع في ذهن السامع أنهم بعد ما سمعوا مثل هذا المقال الذي تخر له صم الجبال هل قابلوه بالإقبال أم تمادوا فيما كانوا عليه من الإعراض والضلال؟ فقيل: مصدراً بكلمة التنبيه إشعاراً بأن ما بعدها من هناتهم أمر ينبغي أن يفهم ويتعجب منه {أَلآ إِنَّهُمْ} الخ، فضمير {إنَّهُمْ} للمشركين المخاطبين فيما تقدم و {يَثْنُونَ} بفتح الياء مضارع ثنى الشيء إذا لواه وعطفه، ومنه على ما قيل الاثنان، لعطف أحدهما على الآخر والثناء لعطف المناقب بعضها على بعض وكذا الاستثناء للعطف على المستثنى منه بالإخراج، وأصله يثنيون فأعل الإعلال المعروف في نحو يرمون، وفي المراد منه احتمالات: منها أن الثني كناية أو مجاز عن الإعراض عن الحق لأن من أقبل على شيء واجهه بصدره ومن أعرض صرفه عنه، أي إنهم يثنون صدورهم عن الحق ويتحرفون عنه، والمراد استمرارهم على ما كانوا عليه من التولي والإعراض المشار إليه بقوله سبحانه: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ }تفسير : [هود: 3] الخ. ومنها أنه مجاز عن الإخفاء لأن ما يجعل داخل الصدر فهو خفي أي إنهم يضمرون الكفر والتولي عن الحق وعداوة النبـي صلى الله عليه وسلم. ومنها أنه باق على حقيقته، والمعنى أنهم إذا رأوا النبـي عليه الصلاة والسلام فعلوا ذلك وولوه ظهورهم، والظاهر أن اللام متعلقة ـ بيثنون ـ على سائر الاحتمالات، وكأن بعضهم رأى عدم صحة التعلق على الاحتمال الأول لما أن التولي عن الحق لا يصلح تعليله بالاستخفاء لعدم السببية فقدر لذلك متعلقاً فعل الإرادة على أنه حال أو معطوف على ما قبله، أي ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يطلع رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على أغراضهم، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل الإضمار في قوله تعالى: {أية : ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، لكن لا يخفى أن انسياق الذهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصدور والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضرب بين الأمر والانفلاق كما ذكره العلامة القسطلاني وغيره، وقيل: إنه لا حاجة إلى التقدير في الاحتمالين الأولين لأن انحرافهم عن الحق بقلوبهم وعطف صدورهم على الكفر والتولي وعداوة النبـي صلى الله عليه وسلم وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوز على الله تعالى، وأما على الاحتمال الثالث فالظاهر أنه لا بد من التقدير إلا أن يعاد الضمير منه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما ذكره أبو حيان من أن الآية نزلت في بعض الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبـي صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منه وكراهة للقائه عليه الصلاة والسلام وهم يظنون أنه يخفى عليه صلى الله عليه وسلم، لكن ظاهر قوله تعالى الآتي: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يقتضي عود الضمير إليه تعالى. واختار بعض المحققين الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاث، وأمر التعليل والضمير عليه ظاهر، وأيده بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها لكنه ليس بمجمع عليه لما سمعت عن أبـي حيان. / وقيل: إنه كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبـي فنزلت، وأخرج ابن جرير، وغيره عن عبد الله بن شداد أنها نزلت في المنافقين كان أحدهم إذا مر بالنبـي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى لئلا يراه، وهو في معنى ما تقدم عن أبـي حيان إلا أن فيه بعض الكفار دون المنافقين، فلا يرد عليه ما أورد على هذا من أن الآية مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة فكيف يتسنى القول بأنها نزلت في المنافقين؟ وقد أجيب عن ذلك بأنه ليس المراد بالنفاق ظاهره بل ما كان يصدر من بعض المشركين الذين كان لهم مداراة تشبه النفاق، وقد يقال: إن حديث حدوث النفاق بالمدينة ليس إلا غير مسلم بل ظهوره إنما كان فيها والامتياز إلى ثلاث طوائف، ثم لو سلم فلا إشكال بل يكون على أسلوب قوله سبحانه: {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ }تفسير : [الحجر: 90] إذا فسر باليهود ويراد به ما جرى على بني قريظة فإنه إخبار عما سيقع، وجعله كالواقع لتحققه وهو من الإعجاز لأنه وقع كذلك فكذا ما نحن فيه. نعم الثابت في «صحيح البخاري» وأخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس يقرأ الآية فسأله عنها فقال: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم، وليس في الروايات السابقة ما يكافىء هذه الرواية في الصحة، وأمر {يَثْنُونَ} عليها ظاهر خلا أنه إذا كان المراد بالأناس جماعة من المسلمين كما صرح به الجلال السيوطي أشكل الأمر، وذلك لأن الظاهر من حال المسلم إذا استحيا من ربه سبحانه فلم يكشف عورته مثلاً في خلوة كان مقصوده مجرد إظهار الأدب مع الله تعالى مع علمه بأنه جل شأنه لا يحجب بصره حاجب ولا يمنع علمه شيء ومثل هذا الحياء أمر لا يكاد يذمه أحد بل في الآثار ما هو صريح في الأمر به وهو شعار كثير من كبار الأمة، والقول بأن استحياء أولئك المسلمين كان مقروناً بالجهل بصفاته عز وجل فظنوا أن الثني يحجب عن الله سبحانه فرد عليهم بما رد لا أظنك تقبله؛ وبالجملة الأمر على هذه الرواية لا يخلو عن إشكال ولا يكاد يندفع بسلامة الأمر، والذي يقتضيه السياق ويستدعيه ربط الآيات كون الآية في المشركين حسبما تقدم فتدبر والله تعالى أعلم. وقرأ الحبر رضي الله تعالى عنه ومجاهد وغيرهما {تثنوني} بالتاء لتأنيث الجمع وبالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي، وهو مضارع اثنوني كأحلولي فوزنه تفعوعل بتكرير العين وهو من أبنية المزيد الموضوعة للمبالغة لأنه يقال حلي فإذا أريد المبالغة قيل احلولي وهو لازم ـ فصدورهم ـ فاعله، ويراد منه ما أريد من المعاني في قراءة الجمهور إلا أن المبالغة ملحوظة في ذلك فيقال: المعنى مثلاً تنحرف صدورهم انحرافاً بليغاً. وعن الحبر أيضاً وعروة وغيرهما أنهم قرأوا {تثنون} بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصل تثنونن بوزن تفعوعل من الثن بكسر الثاء وتشديد النون وهو ما هش وضعف من الكلأ أنشد أبو زيد: شعر : يا أيها المفضل المعني إنك ريان فصمت عني تكفي اللقوح أكلة من ثن تفسير : ولزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق و {صُدُورُهُمْ} على هذه مرفوع أيضاً على الفاعلية، والمعنى على وصف قلوبهم بالسخافة والضعف كذلك النبت الضعيف، فالصدور مجاز عما فيها من القلوب، وجوز أن يكون مطاوع ثناه فإنه يقال: ثناه فانثنى واثنوني كما صرح به ابن مالك في «التسهيل» فقال: وافعوعل للمبالغة وقد يوافق استفعل ويطاوع فعل ومثلوه بهذا الفعل، فالمعنى أن صدورهم قبلت الثني ويؤول إلى معنى انحرفت / كما فسر به قراءة الجمهور. وعن مجاهد وكذا عروة الأعشى أنه قرأ {تثنئن} كتطمئن وأصله يثنان فقلبت الألف همزة مكسورة رغبة في عدم التقاء الساكنين وإن كان على حده، ويقال في ماضيه اثنأن كاحمأر وابيأض، وقيل: أصله تثنون بواو مكسورة فاستثقلت الكسرة على الواو فقلبت همزة كما قيل في وشاح إشاح وفي وسادة إسادة فوزنه على هذا تفوعل وعلى الأول تفعال، ورجح باطراده وهو من الثن الكلأ الضعيف أيضاً، وقرىء {تثنوي} كترعوي ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضاً، وغلط النقل بأنه لا حظ للواو في هذا الفعل إذ لا يقال: ثنوته فانثوى كرعوته فارعوى ووزن ارعوى من غريب الأوزان، وفي «الصحاح» تقديره افعول ووزنه افعلل، وإنما لم يدغم لسكون الياء وتمام الكلام فيه يطلب من محله، وقرىء بغير ذلك، وأوصل بعضهم القراءات إلى ثلاث عشرة وفصلها في «الدر المصون»، ومن غريبها أنه قرىء {يثنون} بالضم. واستشكل ذلك ابن جني بأنه لا يقال: أثنيته بمعنى ثنيته ولم يسمع في غير هذه القراءة، وقال أبو البقاء: لا يعرف ذلك في اللغة إلا أن يقال: معناه عرضوها للانثناء كما تقول: أبعت الفرس إذا عرضته للبيع. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي يجعلونها أغشية، ومنه قول الخنساء: شعر : أرعى النجوم وما كلفت رعيتها وتارة أتغشى فضل اطماري تفسير : وحاصله حين يأوون إلى فراشهم ويلتحفون بما يلتحف به النائم، وهو وقت كثيراً ما يقع فيه حديث النفس عادة، وعن ابن شداد حين يتغطون بثيابهم للاستخفاء، وأياً ما كان فالمراد من الثياب معناه الحقيقي وقيل: المراد به الليل وهو يستر كما تستر الثياب، ومن ذلك قولهم: الليل أخفى للويل، والظرف متعلق بقوله سبحانه: {يَعْلَمُ} أي ألا يعلم {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} حين يستغشون ثيابهم؛ ولا يلزم منه تقييد علم الله تعالى بذلك الوقت لأن من يعلم فيه يعلم في غيره بالطريق الأولى، وجوز تعلقه بمحذوف وقدره السمين وأبو البقاء يستخفون وبعضهم يريدون، و {مَا} في الموضعين إما مصدرية أو موصولة عائدها محذوف أي الذي يسرونه في قلوبهم والذي يعلنونه أي شيء كان ويدخل ما يقتضيه السياق دخولاً أولياً، وخصه بعضهم به، وقدم هنا السر على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقاً للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه، وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه؟. وقرأ ابن عباس {عَلَىٰ حِينِ يَسْتَغْشُونَ} قال ابن عطية: ومن هذا الاستعمال قول النابغة: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا تفسير : {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تعليل لما سبق وتقرير له، والمراد ـ بذات الصدور ـ الأسرار المستكنة فيها أو القلوب التي في الصدور، وأياً ما كان فليست الذات مقحمة كما في ذات غدوة ولا من إضافة المسمى إلى اسمه كما توهم، أي أنه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم أو بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها فكيف يخفى عليه ما يسرون وما يعلنون، وكان التعبير بالجملة الاسمية للإشارة إلى أنه سبحانه لم يزل عالماً بذلك. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها الخارجي، وهذا مما لا ينكره أحد سوى شرذمة من المعتزلة قالوا: إنه تعالى إنما يعلم الأشياء بعد حدوثها تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولا يلزم هذا بعض المتكلمين المنكرين للوجود الذهني / لأنهم إذا لم يقولوا به مع إنكار الوجود الذهني يلزمهم القول بتعلق العلم بالمعدوم الصرف، وامتناعه من أجل البديهيات، والإنكار مكابرة أو جهل بمعنى التعلق بالمعدوم الصَّرف، وقد أورد ذلك عليهم المحقق الدواني، وهو ناشىء على ما قيل عن الذهول عن معنى إنكار الوجود الذهني وبعد تحقيق المراد منه يندفع ذلك. وبيانه أنه ليس معنى إنكارهم ذلك أنه لا يحصل صورة عند العقل إذا تصورنا شيئاً أو صدقنا به لأن حصولها عنده في الواقع بديهي لا ينكره إلا مكابر، وكيف ينكره الجمهور والعلم الحادث مخلوق عندهم والخلق إنما يتعلق بأعيان الموجودات بل هو بمعنى أن ذلك الحصول ليس نحواً آخر من وجود الماهية المعلومة بأن يكون لماهية واحدة كالشمس مثلاً وجودان، أحدهما خارجي والآخر ذهني كما يقول به مثبتوه، فهم لا ينكرون الوجود عن صور الأشياء وأشباحها وهي موجودات خارجية وكيفيات نفسانية وهي المخلوقة عندهم، وإنما ينكرون الوجود الذهني عن أنفس تلك الأشياء وذلك بشهادة أدلتهم حيث قالوا: لو حصلت النار في الأذهان لاحترقت الأذهان بتصورها واللازم باطل فإنه كما ترى إنما ينفي الوجود عن نفس النار لا عن شبحها ومثالها، فالحق أن الجمهور إنما أنكروا ما ذهب إليه محققو الحكماء من أن الحاصل في الأذهان أنفس ماهيات الأشياء ولم ينكروا ما ذهب إليه أهل الأشباح، وحينئذٍ يقال: علم الواجب عندهم إما تعلقه بأشباح الأشياء أو صفة ذات ذلك التعلق فلا يلزمهم القول بما قاله الشرذمة، ولا يتجه عليهم أن التعلق بتلك الأشباح الموجودة في الأزل لكونه نسبة بينها وبينه تعالى متأخر عنها فيلزم إيجاد تلك الأشباح بلا علم وهو محال، لأنا نقول لما كان الواجب تعالى موجباً في علمه وسائر صفاته الذاتية كان وجود تلك الصور الإدراكية التي هي تلك الأشباح مقتضى ذاته تعالى فلا بأس في كونها سابقة على العلم بالذات وإنما المسبوق بالعلم هو أفعاله الاختيارية، ثم ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى قولهم: إن علم الواجب تبارك وتعالى بالأشياء أزلي وتعلقه بها حادث أنه ليس هناك إلا تعلق حادث لأنه يلزم حدوث نفس العلم فيعود ما ارتكبه الشرذمة للقطع بأنه لا يصير المعلوم معلوماً قبل تعلق العلم به وهو من الفساد بمكان، بل معناه أن التعلق الذي لا تقتضيه حقيقة العلم حادث وهناك تعلق تقتضيه تلك الحقيقة وهو قديم، وذلك لأن الأشباح والأمثال معلومة بالذات وبواسطتها تعلم الأشياء، فتعلق العلم عندهم أعم من تعلقه بذات الشيء المعلوم أو بمثاله وشبحه، ولما لم يمكن وجود الحوادث في الأزل كان العلم الممكن بالنسبة إليها بالتعلق بأمثالها وأشباحها وبعد حدوثها يتجدد التعلق بأن يكون بذات تلك الحوادث. وبالجملة تعلق العلم بأمثال الحوادث وأشباحها أزلي وبأنفسها وذواتها حادث ولا إشكال فيه أصلاً، وبهذا التحقيق يندفع شبهات كثيرة كما قيل، لكن أورد عليه أن برهان التطبيق جار في هاتيك الأشباح لما أنها متميزة الآحاد في نفس الأمر فيلزم أحد المحذورين. وفي المقام أبحاث طويلة الذيل وقد بسط الكلام في ذلك مولانا إسماعيل أفندي الكلنبوي في «حواشيه على شرح العضدية»، وللمولى الشيخ إبراهيم الكوراني تحقيق على طرز آخر ذكره في كتابه «مطلع الجود» فارجع إليه. وبالجملة لا تخفى صعوبة هذه المسألة وهي مما زلت فيها أقدام أقوام، ولعل الله سبحانه يرزقك تحقيقها بمنه سبحانه، وقد قال به أفضل المتأخرين مولانا إسماعيل أفندي الكلنبوي.
ابن عاشور
تفسير : حُول أسلوب الكلام عن مخاطبة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بما أمر بتبليغه إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمر بالتبليغ إليهم في جهلهم بإحاطة علم الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها، فقدم لذلك إبطال وهَم من أوْهام أهل الشرك أنهم في مكنة من إخفاء بعض أحوالهم عن الله تعالى، فكان قوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} إلخ تمهيداً لقوله: {يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور}، جمعاً بين إخبارهم بإحاطة علم الله بالأشياء وبين إبطال توهماتهم وجهلهم بصفات الله. وقد نشأ هذا الكلام عن قوله تعالى: {أية : إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير}تفسير : [هود: 4] لمناسبة أن المرجوع إليه لما كان موصوفاً بتمام القدرة على كل شيء هو أيضاً موصوف بإحاطة علمه بكل شيء للتلازم بين تمام القدرة وتمام العلم. وافتتاح الكلام بحرف التنبيه {ألا} للاهتمام بمضمونه لغرابة أمرهم المحكي وللعناية بتعليم إحاطة علم الله تعالى. وضمائر الجماعة الغائبين عائدة إلى المشركين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإبلاغ إليهم في قوله: {أية : أنْ لا تعبدوا إلا الله}تفسير : [هود: 2] وليس بالتفات. وضمائر الغيبة للمفرد عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: {أية : إلى الله مرجعكم}تفسير : [هود: 4]. والثّنْي: الطّيُّ، وأصل اشتقاقه من اسم الاثنين. يقال: ثَنَاه بالتخفيف، إذا جعله ثانياً، يقال: هذا وَاحد فاثْنِه، أي كن ثانياً له، فالذي يطوي الشيء يجعل أحد طاقيه ثانياً للذي قبلَه؛ فثنيُ الصدور: إمالتها وحَنيها تشبيهاً بالطي. ومعنى ذلك الطأطأة. وهذا الكلام يحتمل الإجراءَ على حقيقة ألفاظه من الثني والصدور. ويحتمل أن يكون تمثيلاً لهيئة نفسية بهيئة حسية. فعلى الاحتمال الأول: يكون ذلك تعجيباً من جهالة أهل الشرك إذ كانوا يقيسون صفات الله تعالى على صفات الناس فيحسبون أن الله لا يطلع على ما يحجبونه عنه. وقد روي أن الآية أشارت إلى ما يفعله المشركون أن أحدهم يدخل بيته ويرخي الستر عليه ويستغشي ثوبه ويحني ظهره ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي؟ وذلك من جهلهم بعظمة الله. ففي «البخاري» عن ابن مسعود: اجتمع عند البيت قريشيان وثقفي، كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله تعالى: {أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}تفسير : [فصلت: 22، 23]. وجميع أخطاء أهل الضلالة في الجاهلية والأديان الماضية تسري إلى عقولهم من النظر السقيم، والأقيسة الفاسدة، وتقدير الحقائق العالية بمقادير متعارفهم وعوائدهم، وقياس الغائب على الشاهد. وقد ضل كثير من فرق المسلمين في هذه المسالك لولا أنهم ينتهون إلى معلومات ضرورية من الدين تعصمهم عند الغاية عن الخروج عن دائرة الإسلام وقد جاء بعضهم وأوشك أن يقع. وعلى الاحتمال الثاني: فهو تمثيل لحالة إضمارهم العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم وتمويه ذلك عليه وعلى المؤمنين به بحال من يثني صدره ليخفيه ومن يستغشي ثوبه على ما يريد أن يستره به. وهذا الاحتمال لا يناسب كون الآية مكية إذ لم يكن المشركون يومئذٍ بمصانعين للنبيء صلى الله عليه وسلم وتأويلها بإرادة أهل النفاق يقتضي أن تكون الآية مدنية. وهذا نقله أحد من المفسرين الأولين. وفي «أسباب النزول» للواحدي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زُهرة وكان رجلاً حُلو المنطق، وكان يظهر المودة للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو منطو على عداوته، أي عداوة الدين، فضرب الله ثني الصدور مثلاً لإضماره بغض النبي صلى الله عليه وسلم فهو تمثيل وليس بحقيقة. وصيغة الجمع على هذا مستعملة في إرادة واحدة لقصد إبهامه على نحو قوله: {أية : الذين قال لهم الناس}تفسير : [آل عمران: 173] قيل فإنه هو الأخنس بن شريق. ووقع في «صحيح البخاري» أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال: كان ناس من المسلمين يستخفون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزلت هذه الآية. وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا اتساق الضمائر. فلعل مراد ابن عباس أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس فعلهم هو سبب نزولها. واعلم أن شأن دعوة الحق أن لا تذهب باطلاً حتى عند من لم يصدقوا بها ولم يتبعوها، فإنها تَلفت عقولهم إلى فَرض صدقها أو الاستعداد إلى دفعها، وكل ذلك يثير حقيقتها ويُشيع دراستها. وكم من معرضين عن دعوة حق ما وسعهم إلا التحفز لشأنها والإفاقة من غفلتهم عنها. وكذلك كان شأن المشركين حين سمعوا دعوة القرآن إذْ أخذوا يتدبرون وسائل مقاومتها ونقضها والتفهم في معانيها لإيجاد دفعها، كحال العاصي بن وائل قال لخباب بن الأرَتّ حين تقاضاه أجرَ سيف صنعه فقال له: لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد. فقال خَباب: لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يحييك. فقال العَاصي له: إذا أحياني الله بعد موتي فسيكون لي مال فأقضيك منه. فنزل فيه قوله تعالى: {أية : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً}تفسير : [مريم: 77]. وهذا من سوء فهمه لمعنى البعث وتوهمه أنه يُعاد لما كان حاله في الدنيا من أهل ومال. والاستخفاء: الاختفاء، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل استجاب واستأخر. وجملة: {ألا حين يستغشون ثيابهم} الخ يجوز أن تكون إتماماً لجملة {ألا إنهم يثنون صدورهم} متصلة بها فيكون حرف {ألا} الثاني تأكيداً لنظيره الذي في الجملة قبله لزيادة تحقيق الخبر، فيتعلق ظرف (حين) بفعل {يثنون صدورهم} ويتنازعه مع فعل {يَعلم ما يسرون} وتكون الحالة الموصوفة حالة واحدة مركبة من ثني الصدور واستغشاء الثياب. والاستغشاء: التغشي بما يُغْشي، أي يستر، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل قوله: {أية : واستغشوا ثيابهم}تفسير : [ نوح: 7]، مثل استجاب. وزيادة {وما يعلنون} تصريح بما فهم من الكلام السابق لدفع توهم علمه بالخفيات دون الظاهر. وجملة: {إنه عليم بذات الصدور} نتيجة وتعليل للجملة قبله، أي يعلم سرهم وجهرهم لأنه شديد العلم بالخفي في النفوس وهو يعلم الجهر بالأوْلى. فذات الصدور صفة لمحذوف يُعلم من السياق من قوله {عَليم} أي الأشياء التي هي صاحبة الصدور. وكلمة (ذات) مؤنث (ذو) يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنه عليم بذات الصدور}تفسير : [الأنفال: 43] وقوله: {أية : وأصلحوا ذات بينكم}تفسير : في سورة [الأنفال: 1]. والصدور مراد بها النفوس لأن العرب يعبرون عن الحواسّ الباطنية بالصدر. واختيار مثال المبالغة وهو {عليم} لاستقصاء التعبير عن إحاطة العلم بكل ما تسعه اللغة الموضوعة لمتعارف الناس فتقصر عن ألفاظٍ تعبر عن الحقائق العالية بغير طريقة استيعاب ما يصلح من المعبرات لتحصيل تقريب المعنى المقصود. وذات الصدور: الأشياء المستقرة في النفوس التي لا تعدوها. فأضيفت إليها.
الشنقيطي
تفسير : يبين تعالى في هذه الآية الكريمة. أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جداً، كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16] وقوله جل وعلا: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ}تفسير : [البقرة: 235] وقوله: {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}تفسير : [الأعراف: 7]، وقوله {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [يونس: 61] الآية. ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى. تنبيه مهم اعلم أن الله تبارك وتعالى ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظاً أكبر، ولا زاجراً أعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر. والزاجر الأعظم مثلاً ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا أن ملكاً قتّالا للرجال، سفّاكاَ للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلماً، وسيافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دماً، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحداً من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟! لا، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم خوفاً من بطش ذلك الملك. ولا شك [ولله المثل الأعلى] أن رب السموات والأرض جل وعلا أشد علماً، وأعظم مراقبة، وأشد بطشاً، وأعظم نكالا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه محارمه. فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لأن قلبه، خشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جل وعلا. ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أن الله تبارك وتعالى صرح بأن الحكمة التي خلق الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملاً، ولم يقل: أيهم أكثر عملاً، فالابتلاء في إحسان العلم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7] الآية. وقال في الملك: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} تفسير : [الملك: 2]. ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن يبتلى أي يختبر: بإحسان العمل فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ليعلمه لأصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أخبرني عن الإحسان"، أي وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختيار فيه، فبين النَّبي صلى الله عليه وسلم أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه، فقال له: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } وقوله {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} وفي مرجع الضمير في قوله: {مِنْهُ}. فقال بعض العلماء: معنى {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يزورون عن الحق، وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه. بهذا فسره الزمخشري في الكشاف. قال مقيده – عفا الله عنه – وهذا المعنى معروف في كلام العرب، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه. فمن الأول قول ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب: شعر : خليلي عوجا بارك الله فيكما على دارمي من صدور الركائب تكن عوجة يجزيكما الله عنده بها الأجر أو تقضي ذمامة صاحب تفسير : يعنى: اثنيا صدور الركائب إلى دارمي: ومن الثاني قول الشنفرى. شعر : اقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قومي سواكم لأميل تفسير : وقول الآخر: شعر : أقول لأم زنباع أقيمي صدور العيش شطر بني تميم تفسير : وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة. كان حلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنَّبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطوطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا لا يراه النَّبي صلى الله عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان. حكي معناه عن عبد الله بن شداد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب، يستحيون من الله. وقال بعض العلماء: معنى {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلام الله، كقوله تعالى عن نوح: {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} تفسير : [نوح: 7] الآية. وقيل: كانوا إذا عملوا سوءاً ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم، يظنون أنهم إن فعلوا ذلك أخفوا به عملهم على الله جل وعلا. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: { لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} الآية. وقرأ ابن عباس هذه الآية الكريمة "ألا إنهم تثنوني صدورهم" وتثنوني مضارع اثنوني، ووزنه افعوعل من الثني كما تقول احلولى من الحلاوة وصدورهم "في قراءة ابن عباس بالرفع فاعل تثنوني، والضمير في قوله "منه" عائد إلى الله تعالى في أظهر القولين. وقيل: راجع إليه صلى الله عليه وسلم كما مر في الأقوال في الآية.
الواحدي
تفسير : {ألا إنهم يثنون صدورهم} نزلت في طائفةٍ من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ربُّنا؟ فأنزل الله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم} أَيْ: يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم {ليستخفوا منه} ليتواروا عنه ويكتموا عداوته {ألا حين يستغشون ثيابهم} يتدثَّرون بها {يعلم ما يسرون وما يعلنون} أعلم الله سبحانه أنَّ سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهرهم {إنه عليم بذات الصدور} بما في النُّفوس من الخير والشَّرِّ. {وما من دابة} حيوانٍ يدبُّ {في الأرض إلاَّ على الله رزقها} فضلاً لا وجوباً {ويعلم مستقرها} حيث تأوي إليه {ومستودعها} حيث تموت {كلٌّ في كتاب مبين} يريد: اللَّوح المحفوظ، والمعنى: أنَّ ذلك ثابتٌ في علم الله. {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} ذكرنا تفسيره في سورة الأعراف {وكان عرشه على الماء} يعني: قبل خلق السَّموات والأرض {ليبلوكم} أَيْ: خلقها لكم لكي يختبركم بالمصنوعات فيها من آياته؛ ليعلم إحسان المحسن وإساءة المسيء، وهو قوله تعالى: {أيكم أحسن عملاً} أَيْ: أَعملُ بطاعة الله تعالى. {ولئن قلت} للكفَّار بعد خلق الله السَّموات والأرض وبيان قدرته {إنكم مبعوثون من بعد الموت} كذَّبوا بذلك وقالوا: {إن هذا إلاَّ سحر مبين} أَيْ: باطلٌ وخداعٌ. {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} إلى أجلٍ وحينٍ معلومٍ {ليقولَّن ما يحبسه} ما يحبس العذاب عنا؟ تكذيباً واستهزاء، فقال الله سبحانه: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} إذا أخذتهم سيوف المسلمين لم تغمد عنهم حتى يُباد الكفر، وتعلوَ كلمة الإِخلاص {وحاق} نزل وأحاط {بهم} جزاء {ما كانوا به يستهزئون} وهو العذاب والقتل. {ولئن أذقنا الإِنسان} يعني: الوليد بن المغيرة {منَّا رحمة} رزقاً {ثمَّ نزعناها منه إنَّه ليؤسٌ} مُؤْيَسٌ قانطٌ {كَفُور} كافرٌ بالنِّعمة. يريد: إنَّه لجهله بسعة رحمة الله يستشعر القنوط واليأس عند نزول الشِّدَّة. {ولئن أذقناه نعماء...} الآية. معناه: إنَّه يبطر فينسى حال الشِّدَّة، ويترك حمد الله على ما صرف عنه، وهو قوله: {ليقولنَّ ذهب السيئات عني} فارقني الضُّرُّ والفقر {إنه لفرحٌ فخورٌ} يُفاخر المؤمنين بما وسَّعَ الله عليه، ثمَّ ذكر المؤمنين فقال: {إلاَّ الذين صبروا} والمعنى: لكن الذين صبروا على الشِّدَّة والمكاره {وعملوا الصالحات} في السَّراء والضرَّاء.
القطان
تفسير : ثنى الشيء: عطف عضه على بعض فطواه. يثنون صدروهم: عن الحق وينكسون رؤوسهم. ليستخفوا منه: ليخفوا انفسهم يستغشون ثيابهم: يتغطون بها. بعد ان ذكر الله تعالى أنهم إن أعرضوا حلّ بهم عذابٌ كبير، بيّنه هنا في هذه الآية وصفَ حالتِهم العجيبة وكيف يتلقى فريق منهم تلك الآياتِ، عندما يتلوها عليهم النبيّ الكريم. {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ}. إن هؤلاء الكافرين يطوون صورَهم ليكتُموا ما يجُول فيها. {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. والله سبحانه وتعالى مطّلع على أحوالهم حتى في حال خَلْوَتِهم حين يتغطَّون بثيابهم، فهو يعلم سرَّهم وعلانيتَهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. وهو يعلم بأسرار الصدور وخواطر القلوب.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - هؤُلاءِ الكَافِرُونَ، الكَارِهُونَ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، يَحْنُونَ ظُهُورَهُمْ، وَيُنَكِّسُونَ رُؤُوسَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ طَيَّ صُدُورِهِمْ عَلَى بُطُونِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ، لِيَسْتَخْفُوا مِنَ الرَّسُولِ وَهُوَ يَتْلُو القُرْآنَ لِكَيْلاَ يَرَاهُمْ وَهُمْ يَسْمَعُونَ نُذُرَ اللهِ وَآيَاتِهِ. وَيُخْبِرُهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَذا الاسْتِخْفَاءِ لاَ يُفِيدُهُمْ، وَلاَ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئاً، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا يَكْتُمُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ النِّيَّاتِ وَالسَّرَائِرِ، حَتَّى إِنَّهُ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَيَعْرفَ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُهُمْ حِينَمَا يَلْبِسُونَ ثِيَابَهُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَيُغَطُّونَ بِهَا أَجْسَادَهُمْ، وَيَأْوُونَ إِلى فِرَاشِهِمْ، ثُمَّ يَعْلَمُ مَا يُعْلِنُونَهُ نَهَاراً، وَمَا يُسِرُّونَهُ فِي صُدُورِهِمْ. يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ - يَطْوُونَهَا عَلَى الكُفْرِ وَالعَدَاوَةِ. يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ - يَتَغَطَّوْنَ بِهَا مُبَالَغَةً فِي الاسْتِخْفَاءِ. لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ - مِنَ اللهِ جَهْلاً مِنْهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإذا وجدت "ألا" في أول الكلام فأنت تعلم أنها للتنبيه، ومعنى التنبيه أنه أمر يوقظ لك السامع إن كان غافلاً؛ لأنك تحب ألا تفوته كلمة من الكلام الذي تقوله. وحين تنبهه بغير أداء الأسلوب الذي تريده منه، هنا يكون التنبيه قد أخذ حقه، ومن بعد ذلك يجيء الكلام الذي تقوله، وقد تهيَّأ ذهن السامع لاستقبال ما تقول. فـ "ألا" - إذن - هي أداة تنبيه؛ لأن الكلام ستار بين المتكلم والمخاطب، والمخاطب لا يعرف الموضوع الذي ستكلمه فيه، والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف، وهو يهيىء ذهنه لترتيب ما يقول من كلمات، أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع؛ وحتى لا يفاجأ ولا تضيع منه الفرصة ليلتقط كلمات المتكلم من أولها، فهو ينبهه بأداة تنبيه ليستمع. ويقول الحق سبحانه هنا: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ..} [هود: 5]. ويقال: ثنيت الشيء أي: طويته، وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض. وحين يثني الإنسان صدره، فهو يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة الوجه هو إخفاء الملامح؛ لأن انفعال مواجيد النفس البشرية ينضح على الوجوه؟ وهم كارهون للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاقدون عليه؛ ولا يريدون أن يلحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما على ملامحهم من انفعالات تفضح مواجيدهم الكارهة. ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلام، حين قال الحق سبحانه على لسان نوح: {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}تفسير : [نوح: 7]. ومن البداهة أن نعرف أن الإصبع لا تدخل كلها إلى الأذن، إنما الأنملة تسد فقط فتحة السمع، وعدَّل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف نوح - عليه السلام -، فكل منهم أراد أن يُدخِل إصبعه في أذنه حتى لا يسمع أي دعوة، وهذا دليل كراهية، وهذه شهادة ضدهم؛ لأنهم يفهمون أنهم لو سمعوا فقد تميل قلوبهم لما يقال. ولذلك نجد القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله مشركو مكة لبعضهم البعض: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26]. فكأنهم تواصوا بالتشويش على القرآن، ثقة منهم في أن القرآن لو تناهى إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع؛ لأن النفس البشرية أغيار، وقد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها. ولو كان هذا القرآن باطلاً، فلماذا خافوا من سماعه؟ ولكنه الغباء في العناد والكفر. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ..} [هود: 5]. وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم؛ مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه، وهي انفعالات كراهية، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما يسمع، ولا يريد أن يُظهر الانفعال. إذن: فالانفعال قد يكون قسرياً، وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يتسللون ناحية بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا القرآن، وكانوا يضبطون بعضهم البعض هنالك، ويدّعي كل منهم أنه إنما مرَّ على بيت النبي صلى لله عليه وسلم مصادفة. وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : اذكُروهُمْ وقد تسلَّل كلٌّ بعدَ ما انفضَّ مجلسُ السُّمَّارِ اختلاساً يسْعَى لحجرةِ طَهَ لسَماعِ التنزيلِ في الأسْحَارِ عُذْرهم حُسْنُهُ فلمّا تَراءَوْا عَلَّلوها ببَارزِ الأعْذَارِ تفسير : وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا في نفس الآية بـ "ألا" في قوله: {.. أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [هود: 5]. فهم إن داروا على محمد صلى الله عليه وسلم، فهل هم قادرون على المداراة على رب محمد؟ والذي لا يدركه بصر محمد فربُّ محمد سيُعلمه به. وما دام الحق سبحانه يعلم ما يسرون، فمن باب أولى أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يعلنون. والحق سبحانه وتعالى غيب، وربما ظن ظان أنه قد يفلت منه شيء، ولكن الحق سبحانه يُحصي ولا يُحصَى عليه، فإن ظن ظان أن الحق سبحانه يعلم الغيب فقط؛ لأنه غيب، فهذا ظن خاطىء؛ لأنه يعلم السر والعلن، فهو عليم بذات الصدور، وكلمة "عليم" صيغة مبالغة، وهي ذات في كنهها العلم. وقول الحق سبحانه: {.. عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [هود: 5]. نجد فيه كلمة {ذَاتِ} وهي تفيد الصحبة، و(ذَاتِ الصُّدُورِ) أي: الأمور المصاحبة للصدور. ونحن نعلم أن الصدر محل القلب، ومحل الرئة، والقلب محل المعتقدات التي انتُهي إليها، وصارت حقائق ثابتة، وعليها تدور حركة الحياة. ويُقصد بـ {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: المعاني التي لا تفارق الصدور، فهي صاحبات دائمة الوجود في تلك الصدور، سواء أكانت حقداً أو كراهية، أو هي الأحاسيس التي لا تظهر في الحركة العادية، سواء أكانت نية حسنة أو نية سيئة. وكل الأمور التي يسمونها ذات الصدور، أي: صاحبات الصدور، وهي القلوب، وكأن الجِرْم نفسه وهو القلب معلوم للحق سبحانه وتعالى، فخواطره من باب أولى معلومة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [الآية: 5] يعني: شكا وامتراءً في الحق. أَنا عبد الرحمن، أَنبا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد بن الهاد في قوله: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [الآية: 5] قال: كان أَحدهم إِذا مر برسول الله، ثنى صدره، ورفع ثوبه على رأْسه، لكيلا يسمع القرآن والذكر. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} [الآية: 5]. يعني من الله، عز وجل، إِن استطاعوا. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} [الآية: 7]. يعني: قبل أَن يخلق شيئاً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ، نا ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [الآية: 8]. يعني إِلى أَجل معدود.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {{[يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} معناهُ يَحنونَ ظُهورَهُم. ويَستَغشُونَ ثِيابَهُم: معناهُ يَتَغَطونَ بِهَا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن جهل المشركين، وشدة ضلالهم، أنهم { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } أي: يميلونها { لِيَسْتَخْفُوا } من الله، فتقع صدورهم حاجبة لعلم الله بأحوالهم، وبصره لهيئاتهم. قال تعالى -مبينا خطأهم في هذا الظن- { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } أي: يتغطون بها، يعلمهم في تلك الحال، التي هي من أخفى الأشياء. بل { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من الأقوال والأفعال { وَمَا يُعْلِنُونَ } منها، بل ما هو أبلغ من ذلك، وهو: { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من الإرادات، والوساوس، والأفكار، التي لم ينطقوا بها، سرا ولا جهرا، فكيف تخفى عليه حالكم، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه. ويحتمل أن المعنى في هذا أن الله يذكر إعراض المكذبين للرسول الغافلين عن دعوته، أنهم -من شدة إعراضهم- يثنون صدورهم، أي: يحدودبون حين يرون الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يراهم ويسمعهم دعوته، ويعظهم بما ينفعهم، فهل فوق هذا الإعراض شيء؟!! ثم توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم، وأنهم لا يخفون عليه، وسيجازيهم بصنيعهم.
همام الصنعاني
تفسير : 1181- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}: [الآية: 5]، قال: أخفى ما يكون إذا أسرَّ في نفسه شيئاً وتَغَطَّى بِثَوْبِهِ، وذلك أخفى ما يكون، والله تعالى يَطَّلِع عَلَى مَا في نفوسِكُمْ يعلم ما تسرون وما تعلنُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):